د/أحمد بشارة موسى

كلية الحقوق والعلوم السياسية

جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف

ملخص:

يتناول المقال المسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص الذين يرتكبون بعض الجرائم الخطيرة، التي توصف بأنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني الذي يطبق أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، لقد أدت المطالبة بتطبيق المسؤولية الجنائية الدولية لمن ارتكبوا جرائم الحرب الواردة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين لهذه الاتفاقيات إلى تشكيل عدة لجان تحقيق تتعلق بالانتهاكات الجسيمة للقيم الإنسانية المشتركة. ونادت بإنشاء المحاكم الجنائية الدولية لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، وبما أن القادة الإسرائيليين قاموا بشن حرب عدوانية على قطاع غزة واستعمالها الأسلحة المحرمة دوليا التي تسببت في إلحاق أضرار جسيمة في الأرواح والممتلكات ثم فرضها للحصار البري والبحري والجوي، وفرض معيشة صعبة جدا على السكان المدنيين، وهو أمر مخالف للقانون الدولي الإنساني الذي يهدف إلى حماية الأعيان المدنية الذين ليس لهم علاقة بالعمليات العسكرية، ولهذا فإنها تتحمل المسؤولية بشقيها الدولي الذي يتمثل في التعويض المناسب والعادل والمنصف، والمسؤولية الجنائية الدولية الفردية للقادة الذين أعطوا الأوامر للجيش بشن الحرب على قطاع غزة.

Résumé:

L’article porte sur la responsabilité pénale internationale des personnes qui commettent de graves crimes, décrits comme étant de graves violations de la loi internationale humanitaire qui est appliquée lors des conflits armés internationaux et non internationaux ;

La revendication d’appliquer la responsabilité pénale internationale concernant ceux qui ont commis des crimes de guerre incluse dans les quatre conventions de Genève et les deux protocoles annexés, a donné lieu à la formation de plusieurs commissions d’enquête relatives aux graves violations des valeurs humanitaires communes. Et a appelé à la création de tribunaux pénaux internationaux pour concrétiser la justice pénale internationale, et puisque les dirigeants israéliens ont Bande de Gaza, ont utilisé des armes prohibées sur le plan international et ont déclaré une guerre d’agression qui a causé de graves dégâts humains et matériels, puis ont imposé un blocus terrestre, maritime et aérien, et des conditions de vie très dures pour la population civile, ce qui est contre la loi internationale humanitaire qui vise à protéger les populations civiles qui n’ont aucune relation avec les opérations militaires, c’est pourquoi, elle assume sa responsabilité quant à l’indemnisation adéquate, juste et équitable, et sa responsabilité pénale internationale individuelle quant aux dirigeants qui ont donné les ordres à l’armée pour la guerre sur la Bande de Gaza.

مـقـدمــة:

المسؤولية الجنائية الدولية للرؤساء والقادة العسكريين الذين يرتكبون بعض الجرائم الخطيرة، أصبحت في الوقت الحالي أمرا من الأهمية بمكان، بالنسبة للمجتمع الدولي، وعلى سبيل المثال وجهت بعض الاتهامات إلى قادة ورؤساء الدول الحاليين والسابقين والمناداة لمعاقبتهم، لقد أدت المطالبة بتطبيق المسؤولية الجنائية الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى إنشاء خمس لجان تحقيق دولية تتعلق بانتهاكات خطيرة للقيم الإنسانية، وإنشاء أربع محاكم دولية خاصة لمعاقبة المسؤولين عن تلك الجرائم.

تلك المؤسسات استفادت من دعم الحكومات المدفوعة بأهمية القيم الإنسانية، وكذلك الحكومات التي أدركت وجود آليات للمسؤولية الجنائية الدولية، كوسيلة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

ومع ذلك فإن مباشرة تطبيقها على أساس المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أمر غير مرض بالقدر الكافي، والدليل على ذلك أنه بالرغم من إنشاء محاكم جنائية دولية بعد الحرب العالمية الثانية وتطبيق المسؤولية الجنائية على المتسببين فيها بمناسبة النزاع المسلح في يوغسلافيا السابقة والإبادة الجماعية في رواندا فإن هذا الإجراء الدولي لم يتم إلا  بعد المجازر الرهيبة التي وقعت.

لا يمكن تطبيق قواعد القانون الدولي التي تحمي ممثلي الدول في بعض الأحوال على الأفعال التي يجرمها القانون الدولي، والدليل على ذلك أن الحلفاء قد أجمعوا على تقديم هتلر رئيس الدولة الألمانية للعدالة بتهمة ارتكاب جرائم منصوص عليها في القانون الدولي.

كذلك لم تأخذ الأنظمة الأساسية للمحاكم الجنائية الدولية بالحصانة كسبب لنفي المسؤولية الجنائية الدولية، فالمحكمة الجنائية الدولية لم تنشأ إلا لمحاكمة كبار مسؤولي الدول من رؤساء الدول والحكومات والوزارات عن الأفعال التي اقترفوها، وبالتالي أصبح من الممكن إحالة أي مسؤول مهما علت درجته أو وظيفته، كما يطبق هذا النظام على جميع  الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية.

لقد أسهمت بعض الأحداث الدولية التي ارتكبت فيها بعض الجرائم الدولية بصورة واسعة النطاق مثلما حدث في قطاع غزة من جانب الجيش الإسرائيلي، حيث حركة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية وغير الدولية للمطالبة بمحاسبة القادة الإسرائيليين عن تلك الجرائم.

كما أنه لا يعفى من المسؤولية الجنائية، الشخص  الذي تصرف بصفته الرسمية، كرئيس دولة أو موظف كبير ولا الشخص الذي تصرف أو ارتكب الفعل الإجرامي تنفيذ الأمر صدر إليه من رئيسه الأعلى منه.

وبذلك ثبتت مسؤولية رؤساء الدول والقادة العسكريين ذوي المناصب العليا في الجيوش أو المسئولين الحكوميين إذا ما ارتكبوا جرائم دولية خطيرة.

أيضا تضمنت المادة 28 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، القواعد المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الدولية الفردية للقادة والرؤساء عن الأفعال التي ترتكب من مرؤوسيهم، حيث بينت هذه المادة الحالات  والشروط التي يكون فيها القائد أو الرئيس مسئولا  عن أفعال مرؤوسيه.

وبطبيعة الحال فإن مفهوم المسؤولية الجنائية الدولية الفردية للقائد أو الرئيس عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تحكمها مجموعتان من القواعد الأساسية المتعلقة بالمسؤولية.

المجموعة الأولى وردت في نص المادة 25 من النظام الأساسي التي فصلت قواعد المسؤولية الجنائية الفردية بصفة عامة.

المجموعة الثانية من القواعد تضمنتها المادة 28 من النظام الأساسي للمحكمة، وهذه المسؤولية تشمل سلسلة القائمين بإصدار الأوامر والقرارات العسكرية أو المتعلقة بتنفيذ أفعال إجرامية.

وهي تشمل جميع من هم في التسلسل الهرمي بدءا من أعلى مستويات مصدر القرارات السياسية ومرورا بالضباط والجنود وحتى أفراد المليشيات أو المدنيين الذين ارتكبوا تلك الجرائم.

السؤال الذي يطرح في هذا الموضوع هو: هل يمكن ملاحقة قادة إسرائيل جنائيا أمام المحاكم الجنائية الدولية، كمجرمي حرب عن جرائم الحرب الأخيرة على غزة؟

وكيف يتحقق ذلك في ظل عدم انضمام إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية، وقلة عدد الدول العربية الأعضاء في هذه المحكمة، وارتباطها باتفاقيات سلام مع إسرائيل؟

وللإجابة على هذا السؤال قسمنا الموضوع إلى مبحثين:

المبحث الأول:أساس مسؤولية القادة الجنائية.

المبحث الثاني:كيف يمكن للفلسطينيين ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

المبحث الأول: أساس مسؤولية القادة الجنائية:

تنبع مسؤولية القادة من منطلق موقعهم، باعتبارهم قادة ارتكبوا الجرائم الدولية أو الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي، وهي مكرسة عرفيا ووضعيا، وتطورت مع تطور القانون الدولي بجميع فروعه وبالتالي هم مسؤولون مباشرة عندما يرتكبون تجاوزات واسعة النطاق للقاعدة العرفية أو الاتفاقية. أما كيفية ممارسة هذه المسؤولية في الواقع العملي، فتلك مسؤولية الإرادة السياسية للدول ومدى حسن نيتها في احترام ما التزمت به تجاه المجمع الدولي.

المطلب الأول: التكييف القانوني للجرائم التي ارتكبت على غزة:

لقد بلورت الأسرة الدولية وثبتت قواعد ومبادئ عامة في القانون الدولي الإنساني لزمن الحرب، منها اتفاقية لاهاي لعام 1907، اتفاقيات جنيف لعام 1949، لا سيما الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، البروتوكولين الإضافيين لحقوق الإنسان  لعام 1976، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها واتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز العنصري[1].

كما رتبت المحاكم الجنائية الدولية مثل محكمة نورمبرغ ومحكمة طوكيو والمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، المسؤولية الجنائية الدولية الفردية للقادة والرؤساء الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب جرائم دولية[2]، وورد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الوصف الدقيق لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، اعتبرت لكل مخالفة جسيمة ضد الأشخاص المحميين تعتبر مخالفة خطيرة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، كما أن جميع هذه الجرائم ارتكبت في كافة الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967 إلى يمنا هذا. وتكيف على أنها مخالفات خطيرة للقانون الدولي الإنساني الذي يطبق على المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء[3].

شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ 27/12/2008 في تنفيذ عملية عسكرية على قطاع غزة أسمتها “الرصاص المسبوك”، والتي ابتدأت بقصف جوي واسع النطاق استهدف أغلب مقار الشرطة الفلسطينية ومقار حركة المقاومة الإسلامية حماس ومقار الوزارات والمؤسسات المدنية، والأحياء السكنية ودور العبادة والمدارس والجامعات والطاقم الطبي، وهو ما أسفر عن سقوط أكثر من ألف قتيل وجرح وإصابة أكثر من أربعة آلاف فلسطيني بجروح وحروق مختلفة، علما بان أغلب ضحايا اليوم الأول كانوا من قوى الشرطة المدنية وغيرها، الذين استهدفهم القصف الجوي خلال حفل تخريج في أكاديمية الرئيس عرفات.

وفي مساء يوم السبت الموافق 3/1/2009 أعلنت سلطات الاحتلال في الشروع في بدء تنفيذ هجومها البري على قطاع غزة من عدة محاور، والذي تم التمهيد له بقصف بري وجوي وبحري مكثف للمحاور التي اختيرت لتقدم القوات البرية، علما بان الفترة الزمنية المحددة للهجوم البري كما هو واضح من تصريحات رئيس دولة إسرائيل ورئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع غير محددة بل من الممكن لها أن تطول وان يشارك فيها عشرات الآلاف من أفراد قوات الاحتلال الإسرائيلي، ما يعني استمرار سفك الدم الفلسطيني.

ولعل من أهم الجرائم المرتكبة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال تنفيذ مختلف مراحل هذا العدوان ما يلي:

  • تعمد قتل المئات من المدنيين جراء القصف العشوائي للأحياء السكنية، فضلا عن الاستهداف المباشر للأشخاص[4].
  • إسقاط وتغييب مبدأ التمييز بين الأشخاص المدنيين والعسكريين والممتلكات المدنية والعسكرية حال تنفيذ قوات الاحتلال لقصفها الجوي والبري والبحري على القطاع.
  • بث الذعر في نفوس المدنيين، سواء بالتهديد أو من خلال الإعلان الصريح عن عدم وجود مناطق آمنة في قطاع غزة.
  • الإعلان عن عدم الإبقاء على الحياة، جراء الإعلان الصريح عن استهداف وقتل كل الأفراد المنتمين لحركة المقاومة الإسلامية حماس من عسكريين وسياسيين.
  • استخدام الأسلحة والقذائف والمواد التي من شأنها إحداث إصابات وآلام لا مبرر لها، جراء استخدام القذائف الفسفورية الحارقة والخانقة التي لا تبررها الضرورة العسكرية.
  • الاستهداف المباشر لأفراد الخدمات الطبية ووسائل النقل الطبي والمشافي[5].
  • تهديد سكان الأراضي المحتلة والضغط عليهم للإدلاء بمعلومات عن القوات المسلحة للمقاومة، وعن وسائل الدفاع التي تستخدمها.
  • منع دخول المواد الغذائية والإمدادات الطبية للمناطق الفلسطينية لقطاع غزة أثناء سير المعارك.
  • رفض السماح للطاقم الطبي من الوصول لمناطق الجرحى والمرضى والمصابين.
  • استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية والجامعات والمساجد.
  • منع إخلاء الجرحى والمصابين.
  • استهداف المقابر.
  • قصف وتدمير مئات المنازل انتقاما من السكان المدنيين.
  • القصف العشوائي للممتلكات المدنية والمحمية.
  • النقل والترحيل لمئات الأسر الفلسطينية من مناطق سكنهم إلى غيرها من مناطق القطاع بحجة حماية أمنهم.
  • تدمير وتخريب البيئة الفلسطينية، جراء استخدام الأسلحة العنقودية وغيرها من الأسلحة المشابهة لها.

كما يمكننا في هذا الصدد حصر وتحديد أحكام لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والإعلان بشأن حماية الأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة الذي اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3318 (د-29) في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1974 وغيرها من مواثيق القانون الدولي الإنساني التي انتهكتها وخالفت مضمونها صراحة دولة الاحتلال الإسرائيلي جراء عدوانها المسلح غير المشروع على قطاع غزة المحتل بالنقاط التالية:

  • انتهاك صريح لنص ومضمون الفقرة (ز) من المادة 23 من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب لعام 1907، التي تدعى دولة الاحتلال باحترامها وتطبيقها استنادا لطبيعتها العرفية والملزمة، جراء قصف وتدمير الممتلكات العامة والخاصة.
  • انتهاك صريح لنص المادة 25 من لائحة لاهاي لعام 1907 التي حظرت مهاجمة وقصف المدن أو القرى والمساكن والمباني المحمية أيا كانت الوسيلة المستعملة.
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 56، جراء استهداف الممتلكات التعليمية والأثرية والفنية والعلمية والمساجد[6].
  • انتهاك صريح لنص المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي حظرت الهجوم على المستشفيات المدنية.
  • انتهاك لنص ومضمون المادة 33 من ذات الاتفاقية التي تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 27 والمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، جراء العقوبات الجماعية وأعمال الاقتصاص الجاري ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، جراء عمليات الهدم والتخريب غير المبررة للملكيات الفلسطينية العامة والخاصة، التي شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتدميرها وتخريبها على نطاق واسع منذ بدء العدوان.
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 50 والمادة 51 و52 من بروتوكول جنيف الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977، الذي نص على حصانة السكان المدنيين وعدم تأثير صفتهم المدنية بوجود أفراد بينهم لا يسر عليهم تعريف المدني، كما أكد على حظر استهداف المدنيين وحظر شن الهجمات العشوائية أي تلك لا توجه إلى هدف عسكري محدد، أو من شأنها أن تصيب الأهداف  العسكرية والأشخاص المدنيين، أو الأعيان المدنية دون تمييز، أو تنفيذ عمليات متوقع أن تؤدي إلى خسائر في الأرواح المدنية أن تؤدي إلى تدمير الممتلكات المدنية[7].
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 54 من البروتوكول التي حظرت بشكل كلي تجويع المدنيين ووضعهم في ظروف معيشية صعبة[8].
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 55 من البروتوكول التي حظرت استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب مثل هذه الأضرار بالبيئة الطبيعية ومن ثم تضر بصحة وبقاء السكان.
  • انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 71 من البروتوكول التي ألزمت الأطراف المتحاربة باحترام وتسهيل مهمة أعمال الغوث ونقل توزيع إرساليات الغوث، وضرورة احترام وتجنب استهداف العاملين الذين يؤدون واجباتهم في هذا الشأن[9].

انتهاك صريح لنص ومضمون المادة 79 من البروتوكول التي أكدت على وجوب حماية الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة باعتبارهم أشخاص مدنيين.

المطلب الثاني: التزامات إسرائيل الناجمة عن الاتفاقيات الدولية:

تلتزم جميع الدول بما فيها الدولة المتعاقدة في اتفاقيات جنيف منذ اندلاع النزاع أو الاحتلال الحربي، بتطبيق الاتفاقيات، بل أن سريانها يبدأ قبل ذلك بمجرد إعلان الحرب أو قيام حالة الاشتباك المسلح أو حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي حتى إذا لم تقابل بمقاومة مسلحة.

حيث جاء ذلك في المادة 2 الفقرة 3 من اتفاقية حماية المدنيين وأكد هذا المعنى البروتوكول الأول الإضافي لعام 1976 في المادة 3 فقرة ب، كما تظل أطراف النزاع ملتزمة بالبروتوكول الأول والثاني معا.

ويترتب على ذلك قيام الدول المتعاقدة بالالتزام بمحاسبة كل من ينتهك نصوصها وأن تحاكم كل من يرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المواد 49 من الاتفاقية الأولى، 50 من الاتفاقية الثانية، 146 من الاتفاقية الرابعة دون النظر إلى جنسيتهم[10].

كما أن الدول هي المطالبة بتنفيذ هذه الاتفاقيات الدولية، ولهذا أصبحت الدول بموجب هذه النصوص ملزمة بملاحقة رعاياها أنفسهم، إذ ارتكبوا انتهاكا لنصوص الاتفاقيات الأربع، وهي خطوة كبرى للتخلص من النعرات القومية الضيقة، فلم يعد المنتصر يكتفي بملاحقة مجرمي الحرب من أعدائه وإنما أصبح ملزما بموجب تعهد صريح بملاحقة كل مجرم حرب، حتى وإن كان من مواطنيه، يبدو من هذا أنه لم تعد أية دولة قادرة على التخلص من واجباتها بشأن الاتفاقيات التي تضمنت نصا قاطعا بعدم السماح للدولة في إعفاء نفسها من هذا الالتزام، حيث نصت المادة 51 من الاتفاقية الأولى لجنيف على أن لا يسمح لأحد من الدول الأطراف السامية أن يخلي نفسه أو يخلي آخر من الأطراف الساميين المتعاقدين من المسؤولية الملقاة على عاتقه، أو على الطرف الأخر بالنسبة للمخالفات المشار إليها في المادة السابقة وأكدت المادة 52 من الاتفاقية الثانية والمادة 131 من الاتفاقية الثالثة والمادة 148 من الاتفاقية الرابعة والمادة 86 من البروتوكول الإضافي الأول على ذلك الالتزام.

وعلى ذلك فإن هذا القيد يمنع الدولة من إصدار عفو عام عن الجرائم المرتكبة أو يمنع المحاكم من عدم تحريك الدعوى الجزائية، بل يجب أن يفهم بعدم خضوع هذه الجرائم لأي تقادم، وليس أدل على ذلك من أن المتهمين بارتكاب جرائم الحرب العالمية الثانية مازالوا عرضة للملاحقة على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن من الزمن على وقوعها[11].

وقد أكدت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لعام 1968، على مبدأ عدم تقادم هذه الجرائم وتأمين تطبيقها تطبيقا شاملا عالميا[12].

تضمنت المادة الأولى من الاتفاقية ما يلي:

لا يسري أي تقادم على الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها:

  1. جرائم الحرب الوارد تعريفها في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ الدولية الصادر في 8 آب عام 1945 والوارد تأكيدها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، المؤرخ في 13 شباط عام 1946، ولاسيما الجرائم الخطيرة المحددة في اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب عام 1949 لحماية ضحايا الحرب.

ب-الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية سواء ارتكبت في زمن الحرب أو السلم الوارد تعريفها في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ الدولية والوارد تأكيد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3-د-1 المؤرخ في 13 شباط عام 1946، وتشمل الطرد بالاعتداء المسلح الاحتلال العسكري والأفعال المنافية للإنسانية والناجمة عن سياسة الفصل العنصري، وجريمة الإبادة الجماعية الوارد تعريفها في اتفاقية منع جريمة الإبادة لعام 1948، حتى لو كانت الأفعال المذكورة لا تشكل جريمة ولا إخلال بالقانون الداخلي للبلد الذي ارتكبت فيه[13].

ومن وجهة نظرنا كباحثين في هذا الموضوع يبدو لنا أن إسرائيل ملزمة بأحكام اتفاقيات جنيف الدولية باعتبارها دولة صادقت عليها عام 1951 وباعتبارها قواعد قانونية ملزمة لها، وبالتالي يقتضي معاقبة الأفراد مرتكبي الجرائم في الأراضي المحتلة بأسرها بتقديمهم  إلى المحاكم الجنائية الدولية المختصة.

كما يبدو أن المسئولين الإسرائيليين يدركون تماما بأن الأعمال الهمجية والقتل العمد والتعذيب والتخريب ومهاجمة المدن والسكان الآمنين، قصف جميع المنشآت وانتهاك جميع مبادئ حقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق الدولية والإنسانية، تهز الضمير العالمي وأصحاب الفكر القانوني لتحريك الدعوى والمطالبة بمحاكمة زعماء الكيان الصهيوني محاكمة عادلة ومنصفة وليست المحاكمات الصورية.

المبحث الثاني: كيف يمكن للفلسطينيين ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين:

أثار موضوع الملاحقة الجنائية لمجرمي الحرب الإسرائيليين الكثير من الإشكاليات، على صعيد المجتمع الفلسطيني وحتى على الصعيد الدولي، بل أظهرت النقاشات المتعلقة بهذا الموضوع  حجم الخلط الكبير في تحديد المرجعيات القانونية  المختصة بنظر الجرائم المرتكبة من القادة الإسرائيليين ضد الشعب الفلسطيني.

مما لا شك فيه بأن فهم المرجعيات القانونية المتعلقة بالمساءلة والملاحقة لمجرمي الحرب وغيرها من الجرائم الدولية، يمثل الخطوة الأولى والأساسية في  تجسيد وتحقيق هذا التوجه، ولهذا نرى ضرورة أهمية توضيح مختلف الأبعاد المتعلقة بهذا الجانب كي نسهم في تحديد الاتجاه السليم لجميع الجهات المعنية بالملاحقة والمساءلة الجنائية لمجرمي الحرب الإسرائيليين.

المطلب الأول: طرق وأدوات المساءلة الجنائية لمرتكبي جرائم الحرب:

              يتضح من الممارسة الدولية ومن أحكام المواثيق الدولية المعنية بالمساءلة الجنائية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وجود ثلاث أدوات قانونية من خلالها يمكن ملاحقة المجرمين[14].

الطريقة الأولى: تشكيل مجلس الأمن الدولي لمحاكم جنائية دولية خاصة، تتسم المحاكم الجنائية الدولية الخاصة بكونها محاكم جنائية مؤقتة، أي محددة من حيث المدة الزمنية كما أنها قاصرة في ولايتها على محاكمة مجرمي الحرب أو الجرائم الدولية في نزاع محدد بذاته وأيضا تقتصر على أشخاص من جنسيات محددة في دولة أو دول محددة.

كما توجد هناك سوابق دولية في هذا الشأن، مثل لجنة المسؤوليات التي اهتمت بمساءلة مجرمي الحرب في الحرب العالمية الأولى ومحكمة نورمبرغ عام 1945، ومحكمة طوكيو عام 1946 التي اختصت بمساءلة مجرمي الحرب الألمان واليابان في الحرب العالمية الثانية، ولقد تشكلت هذه المحاكم بناءا على اتفاق بين الدول  المنتصرة في الحرب[15].

وفي أعقاب قيام الأمم المتحدة أصبح مجلس الأمن  الدولي استنادا إلى صلاحياته ومسؤولياته الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة، المالك الأصيل لصلاحية تشكيل هذه المحاكم، حيث أنشأ مجلس الأمن الدولي استنادا على الفصل السابع من الميثاق كل من المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة بمقتضى قراره رقم 808 في عام 1993، لكي تتولى التحقيق والمحاكمة للمتهمين بارتكاب الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني في أراضي يوغسلافيا السابقة، كما أنشأ المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا بمقتضى قراره  قم 955 عام 1994، لكي تتولى إجراءات التحقيق والمحاكمة فيما يخص جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في رواندا[16] كذلك أنشأ مجلس الأمن الدولي بمقتضى قراره رقم 1664 المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

كذلك أصدر مجلس الأمن الدولي أكثر من قرار بشأن محاكمة مجرمي الحرب، كما هو الحال بشأن القرار رقم 1593 الخاص بمحاكمة  مجرمي الحرب في دارفور وقراره رقم 1315 الخاص بمحاكمة مجرمي الحرب في سيراليون وغيرها.

لا شك بأن هذا الخيار غير ممكن لإدراكنا اليقين بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستجهض أي مشروع قرار قد يحال إلى مجلس  الأمن الدولي بهذا الشأن، إذ ستلجأ إلى استخدام حقها في النقض للحيلولة دون تحقيق ذلك، ولعل تاريخ تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية على صعيد مجلس الأمن الدولي ما يحمل دلالة قاطعة وأكيدة وحتمية هذه النتيجة.

الطريقة الثانية: هي إحالة مجلس الأمن الدولي  للوضع القائم في قطاع غزة وفلسطين بصفة عامة إلى المحكمة الجنائية الدولية، يحق لمجلس الأمن الدولي استنادا إلي صلاحياته المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق وأيضا استنادا إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أن يحيل للمحكمة أي جريمة تدخل في اختصاص المحكمة بغض النظر عن عضوية الدولة في النظام الأساسي للمحكمة[17].

لقد مارس مجلس الأمن الدولي فعليا هذه الصلاحية في مواجهة السودان وكذلك في أعقاب تسلم المجلس لتقرير لجنة التحقيق التي شكلها بمقتضى القرار رقم 1564 للتحقيق في الأوضاع في دارفور، إذ قرر المجلس بعد استلامه لتقرير اللجنة الصادر عام 2005، إحالة الوضع القائم في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية،  التي قبلت بدورها هذه الإحالة  من خلال إعلان النائب العام للمحكمة الجنائية الدولية عن مشروع المحكمة بمباشرة  التحقيق في جرائم دارفور.

إلا أن السؤال الذي يطرح في هذا الموضوع هل يمكن إحالة الوضع القائم في غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية عن طريق مجلس الأمن الدولي؟

قد لا يختلف الوضع في هذه الحالة  عن الوضع السابق، لكون قرارات مجلس الأمن المتعلقة بموضوع الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، يجب أن تتخذ استنادا لأحكام الفصل السابع من الميثاق، وهنا لا شك سيصبح هذا الخيار أيضا غير ممكن لإدراكنا اليقين والقاطع بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تدخر جهدا في سبيل  إجهاض أي مشروع متعلق بإحالة الانتهاكات والجرائم المرتكبة من الإسرائيليين للمحكمة الجنائية الدولية.

الطريقة الثالثة: المقاضاة أمام المحكمة الجنائية الدولية، دخل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ في 1/7/2002 وبلغ عدد الدول التي صادقت على النظام الأساسي للمحكمة حوالي 106 دولة، منها أربع دول عربية، هي الأردن، جيبوتي، جزر القمر، اليمن، وهناك  تسع دول عربية وقعت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولم تصادق عليه بعد، وهي: الجزائر، البحرين، مصر، الكويت، المغرب، سلطنة عمان، الإمارات العربية المتحدة، سوريا، السودان، وتختص محكمة الجنايات الدولية بنظر أربع جرائم هي: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة  العدوان، لم يتم تعريف هذه الجريمة من قبل الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولهذا لا تزال هذه الجريمة وأركانها قيد البحث إلي أن يتم التوصل إلى اتفاق وتوافق عليها مستقبلا[18].

كما تباشر المحكمة النظر في الدعاوى المتعلقة بالجرائم المختصة بها حال تلقيها لشكوى من أي من الجهات التالية:

  • الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة، كذلك الدول غير الأطراف التي تودع إعلان لدى مسجل المحكمة، تقر بمقتضاه بقبول ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بجريمة قيد البحث[19].
  • إذ أحال مجلس الأمن الدولي، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلية في اختصاص المحكمة، وبهذا الصدد يجوز للمجلس أن يحيل ما يراه من الجرائم بغض النظر  عن عضوية الدولة في النظام الأساسي للمحكمة[20].
  • تحريك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من تلقاء نفسه، ولكن الملاحظة الهامة هي أن ولاية المحكمة تقتصر:
  • على الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة فقط كقاعدة عامة، عندما تقع الجريمة في إقليم الدولة أو يكون الجاني أحد رعاياها، أما الاستثناء يمكن لولاية المحكمة أن تمتد لتشمل الدول غير الأطراف وذلك في حالتين:

-قبول الدولة غير الطرف في النظام الأساسي للمحكمة رضائيا بممارسة المحكمة لاختصاصها وذلك بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة.

أن تمارس المحكمة اختصاصها على الدولة غير الطرف قسرا دون رضاها، في الأحوال التي يقررها مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة إحالة الجرائم المرتكبة من رعايا هذه الدولة، وعلى إقليميها إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

ويمكن المحاكمة عن طر يق المحاكم الأوروبية على غرار ما حدث في المحاكم البلجيكية والبريطانية في عام 2002.              أما عدم عضوية إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية وارتباطها باتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية لا تمنع من تحقيق المحاكمة لقادة إسرائيل، متى توا فرت الإرادة السياسية والقانونية فيمن يملكون استخدام هذا الحق قانونا، وهي الدول العربية والسلطة الفلسطينية والمنظمات الدولية وغير الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. إلا انه للأسف الشديد أن المجتمع الدولي يصنف جرائم الاحتلال بأنها دفاع عن النفس ضد ما يسميه الإرهاب الفلسطيني  أو الدولي، رغم أن المقاومة للاحتلال حق مشروع تكلفه كل القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية والشرائع السماوية.

أما عدم توقيع إسرائيل على النظام السياسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يسقط عنها المسؤولية الجنائية الدولية عن هذه الأفعال التي تجر مها بنود الاتفاقية الدولية، والقانون الدولي الجنائي، والقانون الدولي الإنساني، كما أنها ليست مبررا لسد الباب أمام المحاكمة العادلة للمتهمين بجرائم حرب، مؤكدة في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكوليين الإضافيين لها.

كما أن هناك 120 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعلى رأسها دول أوروبية، مثل بريطانيا والسويد وألمانيا وفرنسا وبلجيكا، تسمح بمحاكمة مجرمي الحرب الدوليين، بغض النظر عن المكان والزمان الذي ارتكبت فيه الجريمة.

كما رفعت دعوات قضائية في ألمانيا ضد وزير الدفاع السابق للولايات المتحدة رونالد رامسفيلد بسبب مسؤوليته عن ارتكاب جرائم حرب وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات لحقوق الإنسان في العراق وأفغانستان، كما صدر في بلجيكا عام 1993، قانون يسمح بمحاكمة كل مشتبه فيه بارتكابه جرائم حرب سواء ارتكبها في بلجيكا أو خارجها، وبموجبه جرت محاكمة أربعة من كبار العسكريين السابقين في رواندا ورفعت دعوى قضائية ثانية ضد شارون ودعوى قضائية ثالثة ضد الرئيس السابق لتشاد حسين حبري، بغض النظر عن صفتهم الرسمية.

وكلها جرائم موثقة بالصوت والصورة وتعد من أركان جرائم الحرب، كما وردت في القوانين الدولية واتفاقيات جنيف الأربع والقانون الدولي الجنائي الذي يجرم الجرائم الدولية.

المطلب الثاني: تعويض عن خسائر الأشخاص والأضرار المادية:

يترتب على الاحتلال الحربي أو العسكري أضرار كبيرة تصيب المدنيين في الأراضي المحتلة وممتلكات الدولة، نتيجة لعمليات التدمير والنسف والاستيلاء أو المصادرة أو السلب والنهب، وبانتهاء الاحتلال تثور مسألة التعويض فيمن يتحمل التعويض؟ تنص الفقرة الأولى من المادة 33 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 على حماية جميع الأموال الخاصة في الأراضي المحتلة، أما الفقرة الثانية من المادة 33 فتنص على معاقبة مرتكبي جريمة السلب والمحرضين عليها والآمرين بها.

ووفقا لنص المادة 52 من اتفاقية لاهاي تلتزم سلطات الاحتلال بدفع قيمة ما يتم الاستيلاء عليه بالنقد فورا لأصحاب الحق وإذا لم يتم  الدفع فورا فيتم إعطاء إيصال بقيمة ما تم الاستيلاء عليه على أن يدفع الإيصال بأسرع ما يمكن بعد ذلك، ذلك لأن القاعدة القانونية تقرر أن دولة الاحتلال هي الملزمة بالتعويض، كما أن القاعدة الفقهية تقول “أن الخطأ لا يصبح مشروع في نظر القانون” كما تنص المادة 53 على ضرورة تعويض الأشخاص الذين يتم الاستيلاء على وسائل المواصلات المملوكة لهم والموجودة في الأراضي المحتلة، فور عودة السلام وبنفس المعنى جاءت المادة 54 من اتفاقية لاهاي، كذلك جاء في معاهدة السلام التي وقعت في فرساي في 26 حزيران عام 1999، بالنص على مسؤولية ألمانيا عن تعويض الأضرار التي لحقت بالحلفاء ومواطنيهم خلال الحرب العالمية الأولى واحتلال ألمانيا لبعض الدول الأوروبية، فنصت المادة 231 من المعاهدة على اعتراف الدول بمسؤولية الأضرار التي لحقت بالحلفاء  ومواطنيهم، بسبب الحرب وبالتالي أصبحوا مسئولين عن تعويض مواطني الدول المحتلة وإلزام الحكومة الألمانية بتعويض كل الأضرار[21].

وبالمثل جاءت المادة 55 من اتفاقية جنيف لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين، فنصت على مسؤولية دولة الاحتلال عن تعويض السكان في الأراضي المحتلة[22].

والجدير بالذكر هو أن اللاجئين الفلسطينيين لهم الحق في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم علاوة على حقهم في التعويض العادل وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 194 المعروف بالحل الوسط، حيث تنص الفقرة 2 من المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعدم جواز تجريد أي شخص من ملكيته تعسفا.

لقد نصت الفقرة 1 من المادة 42 من مشروع مسؤولية الدول الذي نوقش من قبل  لجنة القانون الدولي في دورتها 51 المنعقدة عام 1999، وافقت الحكومات على مبدأ الجبر الكامل المنصوص عليه في الفقرة الأولى وهي:

  • يحق للدول المتضررة أن تحصل من الدولة التي ارتكبت فعلا غير مشروع دوليا على جبر كامل للضرر في واحد أو مجموعة من الأشكال التالية:
  • الرد العيني أو التعويض المالي أو الترضية أو التأكيد وضمان عدم التكرار، كما تنص الفقرة 4 من المادة 42 ما يلي:
  • لا يجوز للدولة التي ارتكبت الفعل غير المشروع دوليا، أن تحتج بأحكام قانونها الداخلي كمبرر لعدم الجبر الكامل.
  • وقد تقرر في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 75، جبر الإفراد المجني عليهم فنصت على:
  • تضع المحكمة مبادئ فيما يتعلق بجبر الأضرار التي تلحق بالمجني عليهم فيما يخصهم بما في ذلك رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار، وعلى هذا الأساس يجوز للمحكمة أن تحدد في حكمها عند الطلب أو بمبادرة منها في الظروف الاستثنائية، نطاق ومدى أي ضرر أو خسارة أو أذى يلحق بالمجني عليهم أو فيما يخصهم.
  • للمحكمة أن تصدر أمرا مباشرا ضد أي شخص مدان تعد فيه أشكال ملائمة جبر الأضرار بما في ذلك رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار.
  • كما أن إسرائيل كدولة معتدية ومغتصبة وعدوانية، مسؤولية عن تنفيذ جميع القرارات التي صدرت من مجلس الأمن الدولي  والجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، وفي حالة عدم وفاء إسرائيل بالتزاماتها الدولية، فيجب إجبارها على تنفيذها.
  • هكذا وضعت القواعد القانونية التي تقرر مبدأ التعويض عما يحدث للملكية الخاصة من أضرار أو استيلاء أو تدمير أثناء فترة الاحتلال الحربي، ويكون من حق السكان المدنيين الذين تضرروا المطالبة بالتعويض المادي عن جميع الأضرار التي لحقت بهم.

أما الإجابة المنطقية على من يتحمل التعويض، فإن مسؤولية التعويض تتحملها دولة الاحتلال الإسرائيلي التي قامت قواتها المسلحة وأفراد سلطاتها بعملية الاستيلاء والسلب والنهب والتدمير للممتلكات الخاصة للسكان المدنيين، وإذا كانت إسرائيل مازالت إلى يومنا هذا تطالب بتعويضات اليهود الذين تعرضوا للهولوكست رغم مرور أكثر من 50 عاما على إحداثها، فإن الأجدر بالعرب المطالبة بحقوقهم بشأن كافة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل منذ زمن غير بعيد وحتى هذه اللحظة فإن جرائمها مستمرة.

بالنظر لاستحالة إعادة الحال على ما كان عليه قبل الاحتلال الإسرائيلي فإن الحل القانوني الأكثر والواجب تطبيقه في مثل هذه الأحوال، هو دفع دولة الاحتلال مبالغ  مالية لجميع من تضرر من انتهاكاتها في هذا المجال كتعويض مالي على أن تراعي فيما تقدمه من مبالغ ضرورة وجوب أن تكون عادلة ومنصفة، كما يجب أن تراعي هذه التعويضات كافة الأضرار التي لحقت بسكان الأراضي المحتلة وممتلكاتهم العامة والخاصة، ولعل الملاحظ بهذا الشأن تجنب أعضاء المجتمع الدولي وحتى الطرف الفلسطيني الحديث عن مسؤوليات المحتل المدنية، أي التعويض المالي، وضرورة ملاحقة لتحمل  كافة الأضرار المدنية الناشئة عن إخلاله بالتزاماته القانونية.

وبالطبع أن تنفيذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمتطلبات السابقة كتعويض عن انتهاكها وإخلالها بالمواثيق والاتفاقيات الدولية، يعد إجراء وعمل لابد من تنفيذه استنادا لقواعد القانون الدولي العام ولأحكام وقواعد القانون الدولي  الإنساني المتعلقة بحالات الاحتلال، إضافة إلى قيام المسؤولية الجنائية الدولية للأفراد الذين أمروا أو أعطوا الأوامر أو خططوا أو نفذوا هذه التصرفات التي تعتبر جرائم خطيرة بمقتضى قواعد القانون الدولي الإنساني.

الـخـاتـمـة:

من خلال العرض السابق لموضوع المسؤولية الجنائية الدولية لقادة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبت في قطاع غزة، نقول تقع مسؤولية هذه الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1، والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بهذه الاتفاقيات على عاتق قادة إسرائيل العسكريين والمدنيين الذين أعطوا الأوامر لجيشهم بارتكاب هذه المجازر التي لم تميز بين المقاتلين وغير المقاتلين ولا بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وبذلك تثبت مسؤوليتهم الجنائية الدولية الفردية باعتبارهم قادة ومسئولون عن كل ما ارتكب في العدوان الأخير على مدينة غزة.

المـــــراجع:

أولا: باللغة العربية:

1د.أبو الخير أحمد عطية، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، دراسة للنظام الأساسي للمحكمة والجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2006، ص215.

2-د.السيد أبو الخير مصطفي، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وأركان جرائم الحرب الدولية، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، 2005، ص44.

3-سوسن تمرخات بكه، الجرائم ضد الإنسانية في ضوء أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، 2006، ص21.

4-د. حسام علي عبد الخالق الشيخة، المسؤولية والعقاب علي جرائم الحرب، مع دراسة تطبيقية في البوسنة والهرسك، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2004، ص306.

5-د. عمر سعد الله، مدخل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، الطبعة الثالثة، 2003، ص231.

6-د. عمر سعد الله، تطور القانون الدولي الإنساني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولي، 1997، ص144.

7-د. محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، مدخل لدراسة أحكام وآليات الإنقاذ الوطني للنظام الأساسي، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009، ص177.

8-د. محمد صافي يوسف، الإطار العام للقانون الدولي الجنائي، في ضوء أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولي، 2002، ص47.

9-د. مني محمود مصطفي، الجريمة الدولية بين القانون الدولي الجنائي والقانون الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989، ص42.

10-د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، النظرية العامة للجريمة الدولية، أحكام القانون الدولي الجنائي، دراسة تحليلية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2006، 333.

11-د. نصر الدين بو سماحة، حقوق ضحايا الجرائم الدولية علي ضوء أحكام القانون الدولي، دار الفكر الجامعي، القاهرة، الطبعة الأولي، 2008، ص231.

ثانيا: باللغة الفرنسية:

12- Dr. Antoine jan bullier, Petite affiche droit pénal international, l, université de paris panthéon, Sorbonne, 1998, p.07.

13- Dr. Cherif bassiouni, projet de statut du tribunal pénal international, interdiction, association international de droit pénal, 1993, p.145.

14- Dr. Cherif bassiouni, le droit pénal international son histoire, son objet contenu, la criminalité international, udp, 1981, p.41.

15-Dr  Eric David, le tribunal international, pénal, pour l’ex-Yougoslavie, revue belge de droit international, Bruxelles, 1992, p.145.

16- Dr. Florial lattanzi, compétence de la cour pénal international, et consentement des états, revue général de droit international, public, paris, 1999, p.427.

17- Dr. Mauro politi, le statut de Rome de la cour pénal international, le point de vue d, un négociateur, revue pénal de droit international public, volume 103, paris, 1999, p.827.

18- Dr. Sourek les principes, de Nuremberg étape décisive, dans évolution du droit international, revue de droit contemporain, 1961, p.56.

19- Stefan Glaser, infraction international, librairie général de droit et des jurys prudence, E,T,R, Purand Auzias paris, 1957,p.10.


[1] Dr. Antoine jan Bulliez, Petite affiche droit pénal international, l, université de Paris Panthéon, Sorbonne, 1998, p.07.

[2] د. محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، مدخل لدراسة أحكام وآليات الإنقاذ الوطني، للنظام الأساسي، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009، ص 177.

[3] د. حسام علي عبد الخالق الشيخة، المسؤولية والعقاب على جرائم الحرب، مع دراسة تطبيقية على جرائم الحرب في البوسنة والهرسك، دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية، 2004، ص 306.

[4] د. محمد صافي يوسف، الإطار العام للقانون الدولي الجنائي، في ضوء أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2002، ص 47.

[5] د. عمر سعد الله، تطور تدوين القانون الدولي الإنساني، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، الطبعة الاولى1997، ص 144.

[6] أمير فرج يوسف المحكمة الجنائية الدولية والطابع القانوني لها ونشوء عناصر فوق الوطنية في القضاء الجنائي الدولي، منشأة المعارف الإسكندرية، الطبعة الأولى 2009. ص468.

[7] د. عمر محمود المخزومي، القانون الدولي الإنساني في ضوء المحكمة الجنائية الولية، دار الثقافة للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، 2009، ص 403.

[8] د. زياد عيتاني، المحكمة الجنائية الدولية وتطور القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2009، ص 213.

[9] Dr. Florial lattanzi, compétence de la cour pénal international, et consentement des états, revue général de droit international, public, paris, 1999, p.427.

[10] Dr. Cherif Bassiouni, projet de statut du tribunal pénal international, interdiction, association international de droit pénal, 1993, p.145.

[11] Stefan Glaser, infraction international librairie général de droit et des Jurys prudence, E.T.R. Purand Auzias Paris 1957 P.10.

[12] Dr. Sourek les principes, de Nuremberg étape décisive, dans évolution du droit international, revue de droit contemporain, 1961, p.56.

[13] Dr. Cherif Bassiouni, le droit pénal international son histoire, son objet contenu, la criminalité international, udp, 1981, p.41.

[14] د. منى محمود مصطفى، الجريمة الدولية بين القانون الدولي الجنائي والقانون الجنائي الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989 ص 42.

[15] د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، النظرية العامة للجريمة الدولية، أحكام القانون الدولي الجنائي، دراسة تحليلية، دار الجامعة الجديدة الاسكندرية 2006، ص 333.

[16] سوسن تمرخات بكه، الجرائم ضد الإنسانية في ضوء أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، 2006، ص 21.

[17] Dr Eric David, le tribunal international, pénal, pour l’ex-Yougoslavie, revue belge de droit international, Bruxelles, 1992, p.145.

[18] أبو الخير أحمد عطية، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، دراسة للنظام الأساسي للمحكمة وللجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2006، ص 215.

[19] د. السيد مصطفى أبو الخير، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وأركان جرائم الحرب الدولية، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2005، ص 44.

[20] Dr. Mauro politi, le statut de Rome de la cour pénal international, le point de vue d, un négociateur, revue pénal de droit international public, volume 103, paris, 1999, p.827.

[21] د. نصر الدين بوسماحة، حقوق ضحايا الجرائم الدولية على ضوء أحكام القانون الدولي، دار الفكر الجامعي، القاهرة، الطبعة الأولى، 2008، ص38.

[22] د. عمر سعد الله، مدخل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون الجزائر، الطبعة الثالثة 2003، ص 231.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading