عدد 78439 بتاريخ 27 سبتمبر 2012

فتحي الحامدي

أصدرت محكمة التعقيب القرار الآتي:

بعد الإطلاع على مطلب التعقيب المضمن تحت عدد 3447 والمقدم بتاريخ 16 أوت 2012 من طرف الأستاذ محمد الهادي الأخوة المحامي لدى التعقيب في حق شركة سوكيتاكس في شخص ممثلها القانوني . . . ضد عبد الرزاق . . . .طعنا في الحكم الإستئنافي الصادر عن محكمة الإستئناف بسوسة تحت عدد 49212 بتاريخ 11 أفريل 2012 والقاضي نصه “قضت المحكمة نهائيا بقبول الإستئنافين الأصلي والعرضي شكلا وفي الأصل بإقرار الحكم الإبتدائي وإجراء العمل به وتخطئة المستأنفة بالمال المؤمن وحمل المصاريف القانونية عليها وتغريمها لفائدة المستأنف ضده بمائتين وخمسين دينارا لقاء اتعاب التقاضي وأجرة المحاماة ،،

وبعد الإطلاع على مذكرة مستندات الطعن

وبعد الإطلاع على جميع الوثائق التي أوجب الفصل 185 م م م ت تقديمها.

وبعد الإطلاع على ملحوظات النيابة العمومية الكتابية والإستماع إلى شرح ممثلها بالجلسة.

وبعد الإطلاع على الحكم المنتقد وعلى كافة أوراق القضية،

وبعد المفاوضة طبق القانون

صرح بما يلي:

من حيث الشكل:

حيث كان مطلب التعقيب مستوفيا لجميع أوضاعه وصيغه القانونية لذلك فهو حري بالقبول شكلا.

من حيث الأصل:

حيث تفيد وقائع القضية كيفما أوردها الحكم المنتقد والأوراق التي إنبنى عليها قيام المدعي في الأصل المعقب ضده الآن لدى محكمة الدرجة الأولى عارضا أنه سوغ المطلوبة محلا معدا لصناعة وتجارة الجلد والملابس كائن بشارع 7 نوفمبر حمام سوسة وذلك بمقتضى عقد كراء مؤرخ في 3 مارس 2004 ومسجل بالقباضة المالية بسوسة في 28 سبتمبر 2004 وقد أصبحت المطلوبة تتلدد في خلاص معينات الكراء مما إضطره إلأى القيام بعديد القضايا الإستعجالية في الخروج إن لم يدفع لذلك فقد إعتبر نفسه متضررا من تصرفات المطلوبة وطالبا إستنادا إلى أحكام الفصول 268 و 273 و 727و 767و 768 إع القضاء بفسخ التسويغ الرابط بينه والمطلوبة وإلزامها بالخروج من المكرى.

وحيث بعد إستيفاء الإجراءات القانونية قضت محكمة الدرجة الأولى بحكمها المؤرخ في 9 مارس 2011 تحت عدد 21940 إبتدائيا بفسخ عقد الكراء الرابط بين الطرفين والمؤرخ في 3 مارس 2004 والمسجل بالقباضة المالية بسوسة في 28 سبتمبر 2004 وبإلزام المدعى عليها في شخص ممثلها القانوني بالخروج من المكرى وتسليمه للمدعي شاغرا من كل الشواغل كإلزامها بأن تدفع للمدعي مبلغ ثلاثمائة دينار 300.000) د) عن أتعاب التقاضي وأجرة المحاماة وحمل المصاريف القانونية عليها.

وإستأنفته المطلوبة بناء على سوء تطبيق محكمة البداية للقانون وضعف تعليلها مؤكدة أن العلاقة التي تربطها بالمستأنف ضده هي علاقة كراء محل تجاري خاضع لأحكام القانون عدد 35لسنة 1977 المتعلق والمنظم للأكرية التجارية وأن المماطلة في دفع معينات الكراء لا يكون سببا في فسخ عقد الكراء طالبا على ذلك الأساس نقض حكم البداية والقضاء من جديد بعدم سماع الدعوى .

وحيث بعد إستيفاء جميع الإجراءات أصدرت محكمة الإستئناف بسوسة حكمها المضمن نصه بالطالع،

فتعقبته المطلوبة في الأول بواسطة محاميها ناسبة له ما يلي:

1/ خرق الفصل 23 من القانون عدد 37 المؤرخ في 25 ماي 1977 والفصل 534 من م إع وضعف التعليل:

قولا بأن العلاقة التي تربط منوبته بالمعقب ضده هي علاقة خاضعة لأحكام الفصل 23من قانون الأكرية التجارية وهو قانون خاص وجب تفعيله على النصوص العامة المعتمدة من قبل محكمة الحكم المعقب عملا بأحكام الفصل 534 من م إع .

2/ خرق الفصل 242 من المجلة التجارية:

طالبا على ذلك الأساس القضاء بنقض القرار المطعون فيه مع الإحالة.

وحيث أجاب نائب المعقب ضده بما مفاده أن مطاعن المعقبة لم تأت بما يوهن مستندات الحكم المطعون فيه منتهيا إلى طلب الحكم برفض مطلب التعقيب أصلا.

المحكمة

حيث لا خلاف في كون الدعوى موضوع قضية الحال إنما إستهدفت فسخ عقد كراء محل يستغل به أصل تجاري ،

وحيث أسس المدعي دعواه على أساس مماطلة المدعى عليها المعقبة حاليا في دفع معينات الكراء وإستند في طلبه إلى أحكام الفصول 268 و 273 و 227 و 767 م إع في حين إعتبرت المعقبة أن العلاقة التي تربطها بالمعقب ضده تدخل في إطار قانون اكرية التجارية وبالتحديد خاضعة لأحكام الفصل 23منه وهو قانون خاص يتجه تطبيقه.

  • عن المطعن الأول المتعلق بخرق الفصل 23 من قانون 977 1 والفصل 534 من م اع وضعف التعليل:

حيث لا جدال في ضرورة تطبيق القوانين الخاصة إذا ما ثبت حصول تضارب بينها والقوانين العامة.

وحيث أن الفصل 23 من قانون 1977 تعرض بصفة جلية إلى فسخ العقد بصورة حتمية في صورة عدم خلاص معينات الكراء بعد القيام بإجراءات معينة ولم ترد به أي إشارة لمسألة المماطلة في أداء معينات الكراء وإنما ورد ذلك في أحكام بنصوص مجلة الإلتزامات والعقود وبالتحديد في فصولها 268 و 273 و 727 و 767 و 768 والتي مكنت وخولت المالك المتضرر القيام على أساسها في طلب فسخ عقد الكراء على أن يبقى ذلك رهين إجتهاد محكمة الموضوع .

وحيث يتبين بذلك أنه لا تعارض بين ما نص عليه الفصل 23 من قانون 1977 وأحكام فصول مجلة إع في مسألة المماطلة.

وحيث تكون بذلك محكمة القرار المعقب قد عللت قضائها تعليلا سليما مما يتجه معه رد هذا المطعن.

  • عن المطعن الثاني المتعلق بخرق الفصل 242 م ت :

حيث ثبت أن المدعي قد تولى تقديم شهادة في عدم وجود رهن على الاصل التجاري منذ الطور الإبتدائي وإتجه رد هذا المطعن.

ولهذه الأسباب

قررت المحكمة قبول مطلب التعقيب شكلا ورفضه أصلا ….

وصدر هذا القرار بحجرة الشورى عن الدائرة المدنية السابعة يوم الخميس 27 سبتمبر 2012 برئاسة السيدة آمال قاسم وعضوية المستشارين السيدين نعيمة رجيم وخالد عباس وبحضور المدعي العام محمد فخر الدين بن علي وبمساعدة كاتبة الجلسة السيدة عفاف الحاجي.

وحرر في تاريخه

التعليق

فسخ الكراء التجاري: مفهوم جديد للمماطلة

“ليس أطرف من جدة القديم “، كذا يمكن أن نرسم الإطار الذي يتنزل فيه هذا القرار بما أن مناط النزاع في جوهره إستعادة لحالة الترابط التقليدي بين قواعد القانون المدني وأحكام القانون التجاري . وهذه الثنائية وسمت أهم مراحل تطور القانون الخاص ولكنها آلت في المقابل إلى نشأة “علاقات خطرة ” ([1]) يشكل هذا القرار أحد مظاهرها التنازعية . ولإنهاء ما أثارته المسألة من تشعب في المواقف لقي الفقه في الركون إلى الإقرار بالإثراء المتبادل بين المادتين ([2]) تكريسا لوحدة القانون الخاص السبيل إلى تجاوز التعارض بينهما . ولما كانت مهمة القضاء غير ذلك فإن النزاعات المرتبطة بذات العلاقة تظل أعقد من أن تحسم بناء على مثل هذا المنهج التوفيقي ، بل أن المسألة تزداد تشابكا حين يجتمع في تنظيم ذات العلاقة القانونية أكثر من نص قانوني بما تقصر معه القواعد التشريعية التي تنظم مجال نفاذ النصوص عن إنهاء جميع حالات التنازع أو التنافس ([3]).

وتشكل مادة الأكرية التجارية مثالا تقليديا بارزا لحالة التداخل بين مادتين ونصين قانونيين . على أنه لا مناص من الإقرار في هذا الباب بأن الإهتمام الذي لقيته المادة قد إنحسر بشكل لافت لدى دارسي القانون إذ تراجع الإهتمام بمادة الأكرية التجارية لينصب ، بدافع الآنية أو بحثا عن الجدة ، على الأنماط المستحدثة في المادة التجارية . أما العمل القضائي فقد إستحال، غالبا، إلى جريان عمل في تطبيق أحكام القانون عدد 37 المؤرخ في 25 ماي 1977 تقطعه إشكالات تستثير الإهتمام لتعارض المواقف في شأنها ([4]).

وعقد كراء المحلات المعدة لتعاطي نشاط تجاري هو عقد تبادلي تفترض الحرية التعاقدية المتروكة إبتداء لطرفيه أن ينعقد بناء على توازن عقدي في منحاه الإقتصادي أساسا. ومع ذلك فإن تضارب المصالح الذي تقوم عليه هذه العلاقة التعاقدية وأثرها الإقتصادي البالغ قد أسبغا عليها طابعا تنازعيا يزيده الطابع الممتد في الزمن لهذا العقد حدة .

فقيام القانون عدد 37 لسنة 1977 المؤرخ في 25 ماي 1977 على الموازنة بين الملكية العقارية لمالك الجدران والملكية التجارية للمكتري لم يكف لإنهاء المنازعات الناشبة غالبا بين الطرفين : بين سعي المالكين إلى الإفلات من حق الملكية التجارية الممنوح قانونا للمتسوغين في تجديد كرائهم أو التحصيل على غرامة الحرمان وإرادة المكترين في الحفاظ على ملكهم التجاري ، يجعل مالكو العقارات من أحكام مجلة الإلتزامات والعقود مطيتهم ويجد أصحاب الملك التجاري في مقتضيات قانون 25 ماي 1977 وسيلة حمايتهم.

ويكشف فقه القضاء حالة التنازع هذه بين طرفي العلاقة الكرائية التجارية مع نزوع إلى تغليب الأحكام الخاصة لقانون 25 ماي 1977 إعتبارا “لصبغة النظام العام (التي) تختلجه وتتملك صميمه لتعلقه بالكيان الإقتصادي ” ([5])، ولكنه ليس خلوا في الآن نفسه من إعمال لمقتضيات مجلة الإلتزامات والعقود، وعلى الأخص قاعدة الفصل 796 بإعتباره النص الذي كرس الفسخ كجزاء لإخلال المكتري بإلتزاماته.

ويجسد هذا القرار حالة تداخل النصوص تلك إذ تتلخص وقائعه في قيام المدعي المالك لدى محكمة البداية طالبا فسخ عقد الكراء التجاري الذي يربطه بالمكترية (المعقبة) بناءا على تلددها المتكرر في خلاص معينات الكراء بما إضطره إلى القيام بعديد القضايا الإستعجالية في الخروج إن لم يدفع مستندا في دعواه إلى أحكام الفصول 268 و 273 و 767 و 768 من مجلة الإلتزامات والعقود. فقضي لفائدة دعواه إبتدائيا وذلك بفسخ عقد التسويغ الذي يربطه بالمطلوبة إبتدائيا (المعقبة ). وقد تم إقرار الحكم الإبتدائي بعد إستئنافه، رغم إرتكاز طعون المكترية لدى هذا الطور على أن العلاقة الكرائية متعلقة بمحل مستغل في نشاط تجاري بما يجعلها خاضعة لأحكام القانون عدد 35 لسنة 1977 الذي لا يجعل من المماطلة في دفع معينات الكراء سببا لفسخ عقد الكراء . ولما كان القرار الإستئنافي في غير صالحها، فقد تعقبته المكترية ناسبة له، أساسا، مخالفة مقتضيات الفصل 23 من القانون عدد 37 المؤرخ في 25 ماي 1977 والفصل 534 من مجلة الإلتزامات والعقود.

وبذلك تمحور المشكل القانوني المعروض على محكمة التعقيب حول إمكانية تأسيس دعوى فسخ الكراء التجاري على المماطلة طبق قاعدة الفصلين 268 و273 من مجلة الإلتزامات والعقود وفي غياب تنبيه تجاري مؤسس على الفصل 23 من قانون 25 ماي 1977.

وفرادة ([6]) القرار الذي نتناول بالتعليق مجسدة في عنصرين : الأول أن المحكمة أقرت إنهاء العلاقة الكرائية دون غرامات إستنادا إلى أحكام القانون العام من خلال فسخ عقد الكراء في غير صورة الفصل 796 وأما الثاني فهو التوظيف المستحدث لمفهوم المماطلة طالما أن الخطأ العقدي المنسوب للمكترية، والمعتبر في نظر محكمتي الأصل ومن بعدهما محكمة التعقيب مماطلة ، يتمثل في التأخر في أكثر من مناسبة في تسديد معاليم الكراء دون أن تكون المكترية مماطلة (في المعنى المتعارف عليه ) بمناسبة الدعوى التي أفضت إلى هذا القرار التعقيبي.

ويتضح بذلك أن أهمية هذا القرار تتأتى من جدة الأساس القانوني الذي إعتمده ، في هذه المادة تحديدا، توصلا لإرساء الحل القانوني . وتتعين الملاحظة هنا أن قضاء المحكمة برفض مطلب التعقيب أصلا لا يشكل لذاته سببا لإستبعاده من دائرة الإهتمام ([7]) ولكن ذلك لا ينفي عنه مواطن وهن تؤسس لنقده فلا “يتم” القرار ولا “تمرده” ([8]) يكفيان لتحصينه من النقد.

ورغم إقتضاب حيثياته ([9])، فإن العناصر القانونية التي أثارها القرار تنطوي على قدر بالغ من الأهمية . فمن الجلي أن “تنقية” الأساس القانوني للحل في سعي لتأصيله قد إستغرق جهد المحكمة الأهم بما غيب بشكل لافت المفهوم المركزي المتعلق بالمماطلة في عقد الكراء التجاري . فما طرحه المشكل القانوني من تداخل تشريع خاص مع أحكام القانون العام أحوج الدائرة التعقيبية إلى تنزيل الإشكال القانوني المعروض عليها في إطار القانون العام (الجزء الأول ) توصلا إلى إرساء موقفها المبني على إعتماد توسيع لمفهوم المماطلة (الجزء الثاني ).

الجزء الأول:

التنزيل الغائي للإشكال في إطار الأحكام العامة

إن إعتبار التأطير القانوني للإشكال الذي أقامته المحكمة غائيا يتعدى ضرورات تعليل القرار بإعتبارها شرطا لسلامة القرار من زاوية التأسيس القانوني ([10]) إلى بيان تأويل النصوص بهدف التوصل إلى نتيجة محددة سلفا. فقد إعتمدت المحكمة بناء منطقيا تكشف عنه شكلا ([11]) تراتبية الحيثيات ويوضحه جوهرا ترابط الحلول فكان منطلقها في تأطير الإشكال ضبط مجال تطبيق النصوص (الفقرة الأولى) قبل أن تخلص إلى تفعيل المبادئ (الفقرة الثانية ) التي يستدعيها ذلك الإطار القانوني . وفي كل ذلك بدت الدائرة التعقيبية مستبطنة للحل الذي ستخلص إليه، وهو أمر مفترض ينفي المصادفة عن توجهها في قول ما يقتضيه القانون ولكن ذات التمشي إعترته إغفالات أوهنت التأطير القانوني للإشكال .

الفقرة الأولى: ضبط مجال تطبيق النصوص

من البين أن تحديد الإطار القانوني للإشكال المطروح أمام محكمة التعقيب قد إستوجب ضبط العلاقة بين الأحكام العامة للإلتزامات والقانون الخاص المنظم للأكرية التجارية . وقد كانت إجابة المحكمة في هذا الصدد حاسمة بأن أقرت أنه “لا جدال في ضرورة تطبيق القوانين الخاصة إذا ما ثبت حصول تضارب بينها والقوانين العامة ” في إستعادة لمبدا الفصل 534 من مجلة الإلتزامات والعقود (1). ولكن ما يبدو من بداهة الحل إلى الحد الذي دفع المحكمة إلى إستبعاد كل جدال في خصوصه لا ينفي كون تحديد النصوص واجبة التطبيق يحتاج إلى تدقيق في ظل غياب مستوى ثان من التمييز هو من ضرورات الحل الذي تبنته (2).

  1. التمييز الحاضر

توجب على محكمة التعقيب أن تحدد النص الواجب تطبيقه على النزاع وذلك بإعتماد أحكام مجلة الإلتزامات والعقود، سند الدعوى الأصلية للمدعي وقد جارته محكمتا الأصل في ذلك، أو على العكس إخضاع العلاقة الكرائية موضوع النزاع لقاعدة الفصل 23 من قانون 25 ماي 1977، طبق ما سعت إليه المعقبة من خلال مطعنها الأساسي ([12]).

وجوابا على ذلك أقرت محكمة التعقيب ، كمرحلة أولى في بنائها المنهجي للحل ، ضرورة تطبيق القوانين الخاصة في حال التضارب بينها وبين القوانين العامة . تأسس هذا الموقف على إعمال مبدا الفصل 534 من مجلة الإلتزامات والعقود كما هو دأب فقه قضاء مستقر حول هذه المسألة ([13]) . ولكن رغم الإستناد إلى نص قانوني صريح فإن الطابع التقريري الحاسم الذي بدت عليه عبارة الحيثية الثالثة يستدعي جملة من الملاحظات .

أولاها، أن محكمة التعقيب أقرت المبدأ لتستبعده لا لتطبقه عبر إستبعادها لقاعدة الفصل 23 من قانون 1977 بناء على ما تبين لها من غياب التعارض بين الفصل المذكور وأحكام مجلة الإلتزامات والعقود في مسألة المماطلة.

وأما الملاحظة الثانية فتتعلق بالفرضية التي بنت عليها محكمة التعقيب الحل وهي صورة “التضارب” بين النصوص . والتضارب يفترض لتحققه تعلق حكمين مختلفين يردان بنصين قانونيين بذات الفرض ([14]) ولكن هذه الصورة تبدو مستبعدة. فالأصل في المشرع ألا يتناقض فلا يخضع ذات الواقعة لأكثر من حل، كما أن إعمال القواعد المتعلقة بنسخ القوانين من شأنها أن تنهي حالة التضارب إن وجدت . ولعل ذلك ما برر الدعوة فقها إلى الإستعاضة عن حالة “التضارب” بمفهوم التنافس لكونه “أوسع مدلولا وأقل إحراجا من عبارة تضارب القوانين ” ([15]).

وإفتراض “التضارب” في هذا الصدد ليس سوى صدى لـــ”تقليد” يتناول حالات توارد النصوص في إطار تنازع القوانين في الزمان ويعرض للمسألة في باب نسخ القوانين . وفي هذا السياق تبدو النتائج القانونية المترتبة عن إعمال قاعدتي الفصلين 533 و 534 من مجلة الإلتزامات والعقود محل إتفاق مؤداه أن الأصل تغليب النص الخاص على النص العام ([16]) ولوكان الأول أسبق في تاريخ نفاذه . ومن تطبيقات هذا المبدإ أن قانون 25 ماي 1977 يعتبر قد نسخ الأحكام العامة للكراء متى إجتمعت شروط تطبيق القانون المذكور. ([17]) ويتضح بذلك أن الأمر لا يتعلق بتعارض بين النص العام والنص الخاص ولكن لزم إعتبار غاية المشرع الذي “بحث عن طرح النشاط الخاص من مجال تطبيق القاعدة العامة “([18])، فإستبعاد عقد الكراء التجاري ، جزئيا، من دائرة الأحكام العامة مرده التطور الإقتصادي والأهمية التي إكتسبتها الأصول التجارية ([19]). ويتدعم هذا الرأي من خلال الصبغة الإستئنائية لقانون 25ماي 1977 والتي تكشف عنها، أساسا، عبارات الفصل الأول منه التي حددت مجال تطبيقه وكذلك عبارة الفصل الرابع من ذات القانون التي نصت على خروج العلاقة الكرائية من حيث إنهاؤها عن قاعدتي الفصلين 791 و792 من مجلة الإلتزامات والعقود.

أما آخر الملاحظات التي تنفي فرضية “التعارض” كأساس لأسبقية النص الخاص فتستمد من موقف المحكمة ذاتها طالما أنها تورد بالحيثية الرابعة من قرارها أن قانون 25 ماي 1977 “لم ترد به أي إشارة لمسألة المماطلة “. وما يستتبع ذلك منطقا أن المحكمة قد خلصت ، غائيا، إلى حالة فراغ في إطار القانون الخاص بما يبرر بعد ذلك إعتمادها الأحكام العامة ، وأما التمييز بين القانون الخاص والأحكام العامة فإنه لا يخرج عن واجب المحكمة في الرد على ما أثارته المعقبة من مطاعن.

وما يخلص من التمشي الذي إعتمدته المحكمة عند هذا الحد أنه ينبني على مرحلتين : يتم العمل بالنص الخاص طالما كان مقيدا للنص العام في شأن الإشكال المطروح وإزاء خلو النص الخاص من الحل فإن العودة إلى الشريعة العامة تكون متوجبة . بقي أن البناء الذي إعتمدته المحكمة تأسس على “مسلمات” ليست بمنأى عن النقد من ذلك الجزم بأن قانون 25 ماي 1977 لم يتعرض لحالة المماطلة بما يوفر حالة الفراغ التي هي شرط المرور إلى القواعد العامة ، ثم إعتبار الفعل الصادر عن المعقبة (المكترية ، المطلوبة إبتدائيا) مكونا لـــ”مماطلة” بما خول إعمال قاعدة الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود كما سنعرض لذلك أدناه . عند هذا المستوى يبدو المنهج التراتبي المعتمد من المحكمة سليما ولكن مستوى ثان من التمييز في إطار الأحكام العامة كان غائبا بما أوهن سلامة البناء من جهة التأصيل إبتداء.

2 – التمييز الغائب

لئن أقرت الدائرة التعقيبية بوجوب تغليب النص الخاص على النص العام فإنها لم تذهب بالحل إلى منتهاه . فمن المقرر أن عقود أكرية المحلات التجارية تخضع لثلاث نصوص هي تباعا الأحكام العامة الواردة بمجلة الإلتزامات والعقود فيما يتعلق بالشروط العامة للعقد تضاف لها الأحكام الخاصة بعقد الكراء فيما لا يتعارض مع ما أرساه القانون المؤرخ في 25ماي 1977 . وقد سبق لمحكمة التعقيب أن بينت هذا الإطار القانوني بجلاء فقضت أن “عقد كراء المحلات التجارية يخضع للأحكام العامة للإلتزامات فيما يتعلق بالأهلية والرضا والأجل ومحل العقد وسببه وشروطه وإلى الأحكام الخاصة بالكراء فيما يتعلق بحقوق وواجبات الطرفين وغير ذلك من الأحكام ما لم يأت نص مخالف بقانون الأكرية التجارية،، ([20]).

وما يسترعي الإنتباه في هذا المستوى أن محكمة التعقيب قد جمعت ، لتأسيس قرارها من ناحية السند القانوني ، بين موجبات الفصول 727 و 767 و 768 من مجلة الإلتزامات والعقود المتعلقة بالأحكام الخاصة المنظمة لعقد الكراء من ناحية ومقتضيات الفصلين 268 و 273 من ذات المجلة والتي تتنزل في إطار النظرية العامة للإلتزامات من ناحية أخرى . وهذا الجمع يستدعي ضرورة مراعاة قاعدة الفصل 563 من مجلة الإلتزامات والعقود الذي إقتضى أن “الأحكام المقررة بالخمسمائة والإثنين وستين فصلا لا تنافي القواعد الخاصة المبينة بالمقالات المتعلقة بالعقود الخاصة “. والنتيجة أن إعمال ذات القاعدة المحددة لعلاقة النص العام بالنص الخاص يؤول إلى إعتبار أحكام عقد الكراء نصا خاصا لا يسوغ إستبعادها لإعمال القواعد العامة إلا بثبوت حالة الفراغ .

وفي هذا المستوى يفقد بناء القرار الكثير من تماسكه . فالعودة إلى أحكام الفصول 727 و 767 و 768 من مجلة الإلتزامات والعقود، المتعلقة جميعها بواجب أداء معينات الكراء في آجالها، من شأنها أن تفضي إلى تطبيق قاعدة الفصل 796 من ذات المجلة الذي يرتب في فقرته الثالثة الفسخ القضائي عند إخلال المكتري بإلتزامه بأداء معينات الكراء. ويتدعم هذا الرأي من خلال عناصر قانونية واضحة فالفصل 796 هو نص خاص يسبق قانونا القاعدة العامة الواردة بالفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود إضافة إلى أن الفصل المشار إليه لا يقيم تفرقة بين إستحالة التنفيذ (الخلاص لمعينات الكراء) والتأخر في التنفيذ ([21]) .

على أن هذا العائق يبدو نظريا محضا طالما أن الوقائع تتمثل في تكرر التأخر في الخلاص لا عدم الخلاص كما يقتضيه الفصل 796 وبذلك فإن إستبعاد محكمتي الأصل لواقعة الخلاص من عدمه يزيح السبب الثالث الذي يقوم عليه جزاء الفصل 796 المذكور ليدعم توجه المحكمة . مع ذلك فإن بناء القرار يبقى مضطربا طالما أن ثبوت تنفيذ المكترية (المعقبة ) لإلتزامها الناشئ عن عقد الكراء، وإن بتأخير، من شأنه أن يؤول إلى تكييف قانوني مغاير لما صدر عنها.

ولعل في صريح الفصل المعتمد بصفة أساسية في هذا القرار ما يؤكد هذا التأويل الغائي للنصوص القانونية الذي إعتمدته محكمة التعقيب والإنتقال المضطرب من الأحكام الخاصة بعقد الكراء إلى قواعد الإلتزامات. فالفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود ذاته ينص في فقرته الثالثة على أنه “. . . تجري في المماطلة القواعد المقررة بالفصول المتعلقة بالعقود الخاصة ” وهو ما يشكل إحالة صريحة إلى تلك الأحكام وموجبا لإعتمادها بما أن المحكمة لم تر حائلا قانونيا لإنهاء عقد الكراء التجاري طبق أحكام القانون العام .

ومهما يكن من أمر فإن إعتماد قاعدة الفصل 273من مجلة الإلتزامات والعقود نظير الإستبعاد الضمني لتلك الواردة بالفصل 796 من ذات المجلة ليس بالجديد في فقه القضاء وإن كان التوجه سابقا لقانون 25 ماي 1977 ([22]).

وعلى مجافاة هذا التأويل لأحكام الفصلين 563 و 273 الذين يؤولان إلى تقديم قاعدة الفصل 796 فإنه يمكن أن يجد في عدم تمييز قاعدة الفصل المذكور بين إستحالة التنفيذ وعدم التنفيذ الجزئي سندا داعما له على ما يستدعيه من نقد ([23]). بقي أن التمعن في الوقائع المفضية إلى هذا القرار يكشف ([24]) أن التأويل الذي إعتمدته المحكمة قد حمل أبعادا مستطرفة لقاعدة الفصل 273 .

الفقرة الثانية: تفعيل المبادئ

إستكمالا للمنهج القانوني الذي إعتمدته وتمهيدا لإرساء الحل إستخلصت المحكمة النتائج القانونية التي يرتبها الإطار القانوني الذي رسمته . فحالة الفراغ مجسدة في خلو قاعدة الفصل 23 من قانون 1977 من مسألة المماطلة (1) أتاحت اللجوء إلى الأحكام العامة . وذات هذه الأحكام تؤصل لسلطة المحكمة في التصريح بالفسخ بناءا على التمييز الذي أقامته بين نوعي الفسخ (2).

  1. المماطلة وقاعدة الفصل 23

لقد خلصت محكمة التعقيب من خلال قرارها إلى أن الفصل 23من قانون 1977 “لم ترد به أي إشارة لمسألة المماطلة في أداء معينات الكراء”. ومجاراة هذا الموقف يجعل إثارة هذه النقطة إسقاطا لا طائل منهجي أو قانوني منه . ولكن الجزم الذي أبدته محكمة التعقيب قد لا يجد مرتكزا له في غير عبارة الفصل 23 طالما أن المشرع لم يستعمل – فعلا- عبارة المماطلة حال أن التوقف عند تحليل الفصل المذكور يؤول إلى غير ما خلصت له المحكمة.

فأول ما يسترعي الإنتباه أن هذا الفهم الذي أعطته المحكمة لقاعدة الفصل 23 لا يتوافق مع قرارات تعقيبية عدة إرتأت فيه دون مواربة مماطلة من جانب المكتري ([25]). وفي تأويل مغاير لذات الفصل بدا مفهوم المماطلة حاضرا أيضا فقد سبق لمحكمة التعقيب أن أقرت بكون “الفصل 23 من قانون الأكرية التجارية سن شرطا فسخيا فيفسخ العقد بتحقق ذلك الشرط وهو عدم خلاص معاليم الكراء في ظرف ثلاثة أشهر من تاريخ التنبيه بالخلاص ” ([26]) .

وأيا يكن التأويل المقدم فمانه من الثابت أن الفصل 23 من قانون 25 ماي 1977 يجعل من الفسخ العقوبة المستوجبة “عند عدم الخلاص لمعين الكراء في الآجال المتفق عليها”. فلئن أوجب المشرع مراعاة إجراءات خاصة للتصريح بالفسخ الحتمي فإن التصرف الصادر عن المكتري لا يخرج عن التعريف الذي تبناه المشرع للمماطلة ضمن الفصل 268 من مجلة الإلتزامات والعقود بما هي “تأخر (المدين ) عن الوفاء بما إلتزم به في الكل أو في البعض لسبب غير صحيح “.

ومن الجلي أن وضوح عبارة الفصل ([27]) 23 تحول دون إعمال قاعدة الفصل 532 من مجلة الإلتزامات والعقود، لكن لا محيد عن إعتبار مراد المشرع الذي إتجه إلى معاقبة المكتري المماطل بفسخ عقد كرائه بصورة حتمية بعد فوات الأجل المخول له بموجب القانون .

والواضح أن فهم هذا الفصل يستدعي ضرورة إعتبار الغايات التشريعية التي أسست لسن قانون الأكرية التجارية . فالمماطلة خطأ عقدي يجيز طلب فسخ العقد طبق ما تقتضيه الأحكام العامة ، ولكن خصوصيات النشاط التجاري وما يبذله التاجر من جهد لغاية تكوين أصله التجاري تبرر إعذار المكتري ومنحه أجل إمهال لغاية خلاص ما يتخلد بذمته من معينات كراء لفائدة المالك . وهذه القاعدة تشكل إستثناء للقاعدة العامة التي لا توجب الإنذار أو التنبيه في الإلتزامات المعينة الأجل (الفصل 269 م إع).

ولما كانت الموازنة بين الحقوق هي السمة البارزة لقانون 25 ماي 1977 فإن قاعدة الفصل 23 منه لم تكتس طابعا تفضيليا للمكتري ذلك أن عبارته إقتضت أنه بفوات الأجل المضروب للمكتري “يكون الفسخ حتميا”.

وفي فقه القضاء بيان دقيق لهذه المعادلة من ذلك القرار التعقيبي عــدد 19638 المؤرخ في 27 مارس 2008 ([28]) الذي جاء به في خصوص قاعدة الفصل 23 أنه “. . . يستروح من أحكام هذا النص القانوني أن المشرع أقر أحكاما وإجراءات خاصة في القيام على المكتري صاحب الأصل التجاري في خلاص معينات الكراء المتخلدة بذمته روعي فيها مقتضيات النظام العام الإقتصادي وخصوصيات النظام التجاري فمنح التاجر مهلة بعد إنذاره للخلاص ولا يمكن إعتباره مخلا بالتزاماته إلا عند حصول إنذاره كما يجب قانونا وعدم وفائه بالخلاص بعد إنقضاء الأجل وجعل لمعادلة الإمهال الذي منحه له لتدارك وضعه الظرفي فسخ العقد وجوبا ودون أية شروط أخرى مما يؤدي إلى حرمانه من التمتع بأي غرامة “.

وخلافا لما قد تخلفه قراءة متسرعة للقرار محل التعليق فمان المواءمة بين قانون 25 ماي 1977 والأحكام المنظمة لعقد الكراء في هذا النزاع (كما في غيره من المسائل ) لا تبدو مستعصية . فعقد الكراء التجاري لا يخرج عن قاعدة الفصل 768 من مجلة الإلتزامات والعقود التي تقتضي أنه ” على المكتري أداء الكراء في الأجل المعين في العقد وإلا فالمعتبر عرف المكان فإن لم يكن هناك عرف كان الأداء عند إنتهاء أمد الكراء”. والغالب أن يكون الإلتزام محددا بأجل بما يجعل المدين (المكتري ) مماطلا حال فوات هذا الأجل.

والجزاء الذي يترتب عن هذا الخطإ العقدي مقرر بالفصل 796 من مجلة الإلتزامات والعقود الذي يخول المالك المطالبة بفسخ عقد التسويغ لكنه مآل إحتمالي طالما أن للمكتري إمكانية قانونية للإيفاء بما تخلد بذمته وإنقاذ الرابطة العقدية على أن يبقى للمالك الحق في جبر الضرر اللاحق به جراء هذا التأخير ([29]). لكن من المتجه التدقيق في هذا الموضع أن نص الفصل 796 من مجلة الإلتزامات والعقود لم يضع أي قيد لحق المالك في طلب الفسخ طالما ثبتت المماطلة في جانب المكتري بما لا يمكن معه لمحاكم الموضوع سوى أن تركن إلى سلطتها التقديرية في التصريح بالفسخ لتبرير قبول الأداء من المكتري ورد دعوى الفسخ.

أما من زاوية برغماتية بحتة ، تتماشى مع أصول المادة التجارية ، فإن قاعدة الفصل 23 هي الأقرب إلى تحقيق غاية المالك المتضرر من تأخر المكتري عن أداء الكراء. ولا مراء هنا أن المدعي حر في إختيار سند دعواه عملا بقاعدة الفصل 523 من مجلة الإلتزامات والعقود ولكن قاعدة الفصل 23 تضمن للمالك تحقق أحد أمرين : إما وفاء من جانب المكتري في أجل أقصاه تسعون يوما من تاريخ التنبيه أو فسخ حتمي لعقد الكراء مع بقاء حقه في المطالبة بمعينات الكراء. في مقابل ذلك فإن إعتماده قاعدة الفصل 796 من ذات المجلة تجعله رهين موقف متردد للمحاكم ([30]) وإرادة المكتري في إطالة أمد التقاضي قبل الإيفاء بما إعتمرت به ذمته.

ومن المتجه الإلماع هنا إلى أن توجها قضائيا وعلى النقيض تماما من هذا القرار يقلب التأويل المقدم لأحكام قانون 25 ماي 1977 في علاقتها بالأحكام العامة من خلال نفي كل إمكانية لفسخ عقد الكراء التجاري دون إعتماد قاعدة الفصل ([31]) 23 .

وهو بذلك يجعل المماطلة غير ثابتة بأي وجه من الوجوه في حق المكتري إلا بعد إعذاره طبق ما إقتضته قاعدة الفصل 23 .

أما في هذا القرار فقد أتبعت المحكمة ما خلصت له من خضوع عقد الكراء التجاري من حيث إنهائه إلى نصي قانون 25 ماي 1977 ومقتضيات مجلة الإلتزامات والعقود فإنها بالتمييز بين نوعي الفسخ الذين يفرضهما النصان (الفصل 23 والفصل 273 )

  1. تمييز صور الفسخ

إمتدادا لإستبعادها لقاعدة الفصل 23 التي تكرس الفسخ الحتمي بسطت المحكمة ولايتها على النزاع باعتباره تطبيقا لأحد أوجه الفسخ الإختياري المعقود لإجتهاد محكمة الموضوع كما ورد بالحيثية الثالثة من قرارها.

والفسخ جزاء قانوني يلحق العقد في مرحلة تنفيذه ، فهو بذلك عقوبة مدنية جراء الإخلال بتنفيذ العقد. وقد ينصب الفسخ على كامل الإلتزام فيكون كليا أو يلحق بعض آثاره فيكون جزئيا كما يقسم الفسخ ، حسب منشئه ، إلى إتفاقي أو قضائي ([32]).

ويترتب عن الفسخ قانونا إنتهاء الوجود القانوني للعقد وزواله بصفة رجعية ، عدا الآثار الماضية للعقود الممتدة في الزمن لإستحالة العودة فيها.

والتقسيم الذي أقامته محكمة القرار ضمنيا بين نوعي الفسخ من خلال الحيثية الرابعة لا يبدو مستحدثا ولا مقتصرا على عقد الكراء التجاري وحده ذلك أن “مسألة الفسخ المترتبة عن عدم الوفاء في العقود التعاوضية هو أمر تقديري يرجع لإجتهاد حكام الأصل عملا بأحكام الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود” ([33]). وقد إمتد التقسيم إلى عقد الكراء التجاري بوصفه عقدا تبادليا بما أن “فقه القضاء المرتبط بمادة الأكرية التجارية شهد تمييزا بين نوعي الفسخ حين مقارنة مبدأي الفصلين 23 من قانون 1977 وقاعدة الفصل 796 من مجلة الإلتزامات والعقود” ([34]).

وفي ذات التوجه يجد جانب من الفقه ([35]) وفقه القضاء ([36]) في قاعدة الفصل 23 المذكور تكريسا لشرط فسخي، وهو تأويل يبدو مشدودا إلى صيغة الفصل 25 من أمر 25 ديسمبر 1957 ([37]) بما يجعله حقيقا بالتدقيق.

فالأصل أن الشرط الفاسخ يكون صريحا تأسيسا على قاعدة الفصل 274من مجلة الإلتزامات والعقود ليرتب الفسخ عند تحقق الشرط . كما أن إعتبار قاعدة الفصل 116 من مجلة الإلتزامات والعقود التي تقتضي أن الشرط “تصريح بمراد المتعاقدين . . .” يجعل من الصعب التسليم بأن الفصل 23قد أرسى شرطا فاسخا ضمنيا. فإتحاد الأثر القانوني في الحالتين لا يمكن أن يقود إلى إغفال أن مضمون الفصل 23 جزاء تشريعي لإخلال أحد المتعاقدين بإلتزام قانوني محمول عليه ، أما الشرط فيرتب أثره كتعبير عن إرادة الأطراف وان بقوة القانون . والسعي إلى التمييز في هذا السياق بين البند الفسخي (clause résolutoire) ذوالأساس الإرادي والشرط الفسخي (condition résolutoire) الذي يجد أساسه في الإرادة التشريعية ، لا يفضي إلى كبير دقة ([38]). فالقواعد القانونية ، ومنها المنظمة للإلتزامات العقدية ، تقوم جميعها على فرض (ويسميه البعض شرطا أيضا) يؤول تحققه إلى إيقاع الجزاء الذي تنطوي عليه القاعدة ، ولا فرق في ذلك أن يكون الجزاء فسخا أو إبطالا أو عدم نفاذ بل المعتبر في كل الأحوال ثبوت الواقعة أو التصرف أساس تفعيل القاعدة .

بيد أن إقامة التمييز بين نوعي الفسخ يحقق غايتين في المنهج الذي سلكته المحكمة : إستبعاد تام لقاعدة الفصل 23 مع أثره الآلي الذي يقلص من سلطة المحكمة إلى حدود التحقق من توفر شروطه من ناحية ، وإستعادة لكامل السلطة التقديرية من ناحية ثانية طالما أن التصريح بالفسخ “يبقى رهين إجتهاد محكمة الموضوع ” طبق ما أقرته المحكمة بالحيثية الثالثة من قرارها. والأهم من كل ذلك أن الإقرار بالسلطة التقديرية المتروكة للمحكمة في التصريح بالفسخ كان المرتكز الأهم في المرور إلى إعتماد قاعدة الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود.

ولكن هذا الفصل يبقي على جزاء الفسخ على الأقل في حدود عبارته صلاحية متروكة “للدائن” لا للمحكمة وأما سلطة المحكمة التقديرية فمرتبطة بتوفر شرط إستحالة التنفيذ للتصريح بالفسخ لا بإنشاء الفسخ أصلا.

والسلطة التقديرية للمحكمة التي تتوافق مع الفسخ القضائي مهما إتسعت لا بد أن تستند إلى معايير موضوعية . ويستتبع ذلك أن الجزاء الذي تسلطه المحكمة يفترض أن يراعي خصوصية مادة الأكرية والأصول التجارية بما برر إفرادها بتنظيم قانوني خاص . وبشكل أعم، فإن الفسخ لا بد أن يرتبط بالسبب الأساسي للعقد في منحاه الإقتصادي بما يؤول إلى كون الفسخ لا يتسلط جراء عدم التنفيذ الجزئي أو التنفيذ المعيب أو المتأخر إلا متى كان هذا الخطأ ماسا بالغاية الإقتصادية التي يرمي لها طرفاه ([39]). وهذا التوازن في الحقوق تحققه قاعدة الفصل 23 بإمتياز كما أن الإبقاء على الرابطة العقدية يبقى الأقرب إلى قاعدة الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود طالما خول المشرع الدائن جبر ضرره الناجم عن تأخير معاقده في الإيفاء بإلتزامه.

وتفترض السلطة التقديرية من ناحية ثانية بحثا عن التناسب بين الخطئ العقدي والجزاء المترتب عن ذلك وهو ما يبرر بداية ” التفويض التشريعي ” المتروك للمحاكم في مثل هذه الصورة ، ما ينطبق على الحلول التي يكرسها الفصل 273 ذاته . على أن إستعادة المحكمة لصورتي الفسخ بدت أقرب إلى “فقه الضرورة ” إذ لم تتعد الحاجة التقنية التي يفرضها النص الأساس : الفصل 273 ، أما في جوهر الحل فقد كان مقودا بطبيعة الخط الثابت في جانب المعقبة (تكرر التأخر عن الخلاص ) أكثر مما تحتمله النصوص المعتمدة عدا ما ورد بالفقرة الأخيرة من الفصل 273 من أن “فسخ العقد لا يكون إلا بحكم “.

الجزء الثاني:

إرساء مستحدث للحل: الفسخ القضائي لــ” مماطلة”

يعتمد المشرع في كل بناء قانوني على مرتكزات أساسية تجسدها مفاهيم مركزية ([40])، على أن إعتماد هذه التقنية لا يترافق ضرورة مع تعريف تشريعي لهذه المفاهيم . وبإعتماده هذا الخيار فإن المشرع يترك للقضاء مهمة إرساء تعريف للمفهوم يلقى القبول الأوسع . صحيح أنه ليس في ظاهر القرار ما يستدعي الإلماع إلى هذه الفكرة التقليدية ، لكن التمعن في حيثياته يكشف أن جوهر الإشكال يتمحور في هذا المستوى المفهومي تحديدا طالما أبان القرار أن حضور التعريف التشريعي لا ينفي التردد في تأويله بين المحاكم . فالمماطلة مفهوم تشريعي يلقى تعريفه في الفصل 268 من مجلة الإلتزامات والعقود بما يحتم مبدئيا التقيد بعبارة هذا الفصل . ولكن على خلاف ذلك فقد حمل القرار توسيعا لمفهوم المماطلة (الفقرة الأولى ) وهو ما برر إيراد المفهوم في صيغة “النكرة “عند عنونة هذا الجزء. ولضرورة قانونية مؤداها أن سلطة المحكمة في التصريح بالفسخ القضائي لا بد أن تستمد من النصوص القانونية ما كان بناء المحكمة لقرارها ليقف عند هذا الحد فتعداه إلى تطويع قاعدة الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود (الفقرة الثانية ).

أ  توسيع مفهوم المماطلة

إن “وظيفة محكمة التعقيب تتجسم في تقرير القواعد القانونية الصحيحة وتثبيت القضاء فيها كلما وقع إختلاف في شأنها” ([41]). وتحقق هذه الغاية لا يكون من خلال القرارات القاضية بالنقض وحدها فقد يحمل القرار الصادر بالرفض ، كما في صورة الحال ، تأييدا للتأويل الذي تعطيه محاكم الأصل لمقتضيات القاعدة محل النزاع .

بقي أن مجاراة محكمة التعقيب من خلال هذا القرار لمحاكم الأصل في توسيع مفهوم المماطلة (2) وتخليها عن رقابة التكييف (1) يجعل من الثبات المعقود لقضائها في هذه المسألة مثار شك.

  1. التخلي عن رقابة التكييف

إزاء مركزة النزاع حول تحديد القانون الواجب تطبيقه بين مقتضيات مجلة الإلتزامات والعقود وأحكام قانون 25 ماي 1977 بدت “مسألة المماطلة ” (حسب ما ورد بالقرار) مسلمة لم تثر نقاشا، حتى أن المعقبة لم تجعل منها أحد أسباب طعنها. ومهما يكن من أمر فان الحل القانوني الذي إعتمدته المحكمة (قاعدة الفصل 273) يلزمه قبليا توفر فرضيته وهي تشكيل الواقعة أو التصرف الثابت في جانب المعقبة لمماطلة كما يعرفها الفصل 268 من مجلة الإلتزامات والعقود. ووفق ذات النسق ، ودون إستباق لما فرضه مبدأ الفصل 273 من جدل ، فإن البحث في تحقق فرض القاعدة القانونية يمر حتما عبر بوابة التكييف.

والتكييف ، كما يخلص من الفقه وفقه القضاء، عملية ذهنية غايتها إدراج تصرف قانوني أو واقعة قانونية ضمن صنف من الأصناف القانونية لتحديد النظام القانوني الذي يجب تطبيقه ([42]) .

وبهذا المعنى فإن التكييف ينصب على الوقائع مما يثير السؤال إبتداء حول سلطة محكمة التعقيب في إخضاع التكييف القانوني لرقابتها. عنونة هذه الفقرة تبدو كاشفة للجواب طالما أنه لا يتصور أن تتخلى المحكمة إلا عما دخل ضرورة في إختصاصها على أن ذلك لا يغني عن تبيان أساس هذه الرقابة ومداها تمهيدا لنقد سلبية المحكمة من خلال هذا القرار.

في هذا الصدد، يبدو فقه القضاء مستقرا في تكريس رقابة محكمة التعقيب على التكييف القانوني الذي تجريه محاكم الأصل على إعتبار الأمر مرتبطا بحسن تطبيق القانون الذي يدخل في أول أسباب الطعن بالتعقيب المحددة بالفصل 175 من م م م ت . وقد أقرت محكمة التعقيب في هذا السياق أن “التكييف يعني إضفاء الوصف القانوني على الوقائع التي تثبت عند القاضي وهو خاضع لرقابة محكمة التعقيب ” ([43]) وقد كان سبق لها أن جعلت التكييف من متعلقات النظام العام فقضت أن “الوصف الصحيح والتكييف القانوني للطلبات وتطبيق القواعد القانونية السليمة من صميم عمل المحكمة دون حاجة للتمسك بذلك من جانب صاحب المصلحة ” ([44]).

وقد أيد الفقه هذا الموقف لكون عملية التكييف الضابط لتطبيق كل قاعدة قانونية بما أن إستنتاج النتائج القانونية (الحل ) يستدعي قبل ذلك التحقق من شروط الفرض الذي تقوم عليه القاعدة القانونية المراد إعمالها ([45]). وفي غياب رقابة التكييف يكون “القاضي حرا في تغيير القانون بتغيير ميدان إنطباقه حسب هواه ” ([46]).

وعلى خلاف ذلك سعى الأستاذ محمد محفوظ ([47]) إلى تأسيس تفرقة في الإقرار بمبدإ الرقابة معيارها تعلق الإلتزامات الناشئة عن العقد ذاته بالنظام العام . ومهما يكن من شأن وجاهة هذا الرأي من عدمه فإن مادة الأكرية التجارية تهم النظام العام بما لا يحد من سلطة المحكمة في إجراء رقابتها على حسن تطبيق قانون 25 ماي 1977 بما في ذلك تكييف الوقائع المفضية إلى إعمال نصوصه.

ويطرح التسليم بسلطة محكمة التعقيب في إجراء الرقابة على التكييف إحترازان يسهل مع ذلك ردهما . ذلك أنه قد يتراءى ، من جهة ، أن في إجراء هذه الرقابة مساسا بمبدإ الحياد والرد على ذلك أن السهر على حسن تطبيق القانون لا يعد وسيلة إثبات بل هو من صميم عمل المحاكم ويستمد ميزته تلك من خصوصيات القاعدة القانونية ذاتها في عموميتها وتجردها . كما قد يخشى ، من جهة ثانية ، من إنزياح الرقابة التي تجريها محكمة التعقيب بوصفها محكمة قانون إلى الخوض في الوقائع . ولكن الحقيقة غير ذلك طالما أن المحكمة تتولى رقابة التكييف بناءا على ما ثبت بأوراق الملف وتمتنع عن الخوض في الوقائع ويترجم ذلك تقليديا في صياغة القرار بما يشاكل ما جاء بهذا القرار الذي إعتمد “وقائع القضية كيفما أوردها الحكم المنتقد والأوراق التي إنبنى عليها” .

ومن المهم الإشارة في هذا الباب أن موقف المحكمة يحتمل تأويلا مغايرا مؤداه تأييد ضمني لموقف محكمتي الأصل في إعتبار ما صدر عن المعقبة مكونا لمماطلة موجبة لفسخ العقد. وفي كلتا الحالتين فإن هذا القرار قد حمل إضافة للتعريف التشريعي للمماطلة.

2 – معالم توسيع مفهوم المماطلة

يقتضي الفصل 268 من مجلة الإلتزامات والعقود أنه “يعتبر المدين مماطلا إن تأخر عن الوفاء بما إلتزم به في الكل أو البعض لسبب غير صحيح ” . ولما بدا من وضوح عبارة الفصل فإن القرارات التي تعرضت لهذا المفهوم إكتفت بإعادة ما جاء بهذا الفصل في حرفيته ([48]). والمماطلة على هذا النحو هي عدم إيفاء المدين بإلتزامه في الأجل المضروب له ، قانونا أو إتفاقا، دون أن يكون له عذر يعفيه من المسؤولية الناجمة عن ذلك.

ولما كان العنصر الجوهري كامنا في إرتباط التأخر عن الوفاء بمآل العقد فإن فهم قاعدة الفصل 268 يستدعي إعتبار الإطار الذي تنزل فيه هذا النص من المجلة وذلك أساسا بربطه بقاعدة الفصل 273 المتضمنة للحل القانوني . والربط الواجب بين النصين يؤول ، كما خلص إلى ذلك جانب من الفقه ([49])، إلى أن المماطلة الموجبة لفسخ العقد ليست فقط التأخر عن الوفاء دون سبب صحيح بل هي تفترض إمكان تنفيذ العقد رغم التأخر الذي صدر من جانب أحد أطرافه . على أن هذا الفهم لا يستكمل صلابته إلا بتكريس إستحالة التنفيذ كشرط لإيقاع الجزاء المنصوص عليه بالفصل 273 . وهذا الرأي يتوافق مع الإتجاه الغالب نحو إنقاذ الرابطة العقدية وأبعد من ذلك مع رؤية “أخلاقية” للفسخ ([50]) بأن لا يترك مصير العقد لمطلق إرادة أحد طرفيه بواسطة طلب فسخه لعدم التنفيذ. وما يدعم ذلك أن المشرع لم يرتب الفسخ كجزاء مباشر جراء التأخر في التنفيذ متروك صراحة لخيار الدائن إلا في عقد الإجارة على الصنع من خلال الفصل 871 من مجلة الإلتزامات والعقود ([51]).

ولا حاجة لتبيان أن هذا التوجه يكتسي أهمية أكبر في مادة الأكرية التجارية لتعلق المادة بالنظام العام من ناحية وللآثار المترتبة عن هذه العقود التي تتجاوز أطرافها أحيانا ([52]) من ناحية ثانية.

وعلى خلاف ذلك أقرت محكمة القرار صواب إعتماد قاعدة الفصل 273 للتصريح بفسخ عقد الكراء التجاري للمماطلة بناء على الفهم الذي إعتمدته محاكم الأصل لهذا المفهوم .

وتبين معالم التوسيع الذي أرسته المحكمة يستلزم العودة إلى الوقائع الثابتة بالملف والمكونة في نظر المحكمة لمماطلة ذلك أن الأمر تعلق بتخلف المكترية (المعقبة) عن أداء معينات الكراء بما أحوج المعقب ضدها (المالكة) إلى القيام بعديد القضايا الإستعجالية في الخروج إن لم يدفع . ويخلص من ذلك أن المكترية أوفت بتعهدها بتأخير ثابت ولكن العقد لا يزال نافذا بين طرفيه ومنتجا لآثاره القانونية جميعا . ومكمن التوسيع في هذا القرار أن المحكمة جعلت من التأخر في الوفاء مماطلة موجبة للفسخ مع أن المدين أوفى بإلتزامه وإن بطريق الغصب دون إلتفات إلى أن تنفيذ العقد لا يزال متاحا قانونا.

وهذا التوسيع في مفهوم المماطلة كأساس لإيقاع الفسخ يبدو أقرب إلى “الوقائعية” منه إلى الحل القانوني الذي قد يعقد له الإستقرار وذلك لجملة من المآخذ التي يستثيرها.

فمن ناحية أولى يقوم وفاء المدين بإلتزامه عائقا قانونيا لإعتباره مماطلا وفي مواقف سابقة لمحكمة التعقيب ذاتها ما يدعم ذلك بإكتفائها بعرض المدين للوفاء لنفي المماطلة عنه وتجنيبه عقوبة الفصل 273 فقد قضت أن” قضاء محكمة القرار المنتقد بالفسخ دون الأخذ بعين الإعتبار إستعداد المدين للأداء ومحضر عرض المال الموجه للدائن فيه خرق لمقتضيات الفصل 273 من م إع” ([53]). ويتضح هذا الموقف بأكثر جلاء حين قضاء محكمة التعقيب بأن “إشتراط المحكمة لنفي المماطلة عن المدين تأمين الدين الملزم به فيه خلط بين مفهومين قانونيين مختلفين وهما إنتفاء المماطلة وبراءة الذمة ” ([54]) . ويخلص من هذين القرارين أن المماطلة تنتفي بعرض المدين للخلاص فمن باب أولى وأحرى أن تنعدم المماطلة إن سبق له أداء ما إعتمرت به ذمته من دين كراء.

ومن ناحية ثانية يفضي إعتماد ما ذهبت له محكمة القرار إلى توحيد الجزاء (الفسخ ) بين المكتري المماطل الممتنع عن الوفاء مطلقا وذاك الذي تأخر في سداد ما إعتمرت به ذمته وأوفى به قبل التصريح بفسخ العقد. ثم إن تأويل محكمة القرار الذي بين أيدينا لمقتضيات الفصل 268 من مجلة الإلتزامات والعقود يخالف مبدأ وحدة الآثار القانونية المترتبة عن كل نص قانوني وتفصيل ذلك أن السلطة التقديرية المتروكة للمحكمة في المادة المدنية ، في هذه الصورة ، لا يمكن أن ترتبط بمعيار عددي لواقعة عدم الخلاص فلا تشكل مماطلة إلا إذا تعددت إذ في ذلك تحميل للنص أكثر مما تقتضيه عبارته وتوسيع لسلطة المحكمة التي لا يمكن أن تمتد لفحوى النص القانوني . كما أن إقرار الفسخ المؤسس على الأحكام العامة كجزاء لتأخر المكتري عن الخلاص ينفي كل جدوى قانونية للإستثناء المقرر بالفصل 23 .

وقد آل الإجتهاد القضائي أحيانا إلى “تفريد” للعقوبة المدنية خلافا لما تقتضيه النصوص لم تتردد بعض المحاكم ([55]) في إعتماد مفهوم غائم هو “الإمعان في المماطلة ” إعتبارا لتعدد حالات التأخر عن الوفاء في الأجل مع تأسيس الفسخ على مقتضيات الفصل 8 من قانون 25 ماي 1977 بإعتبار ما صدر عن المكتري سببا خطيرا وشرعيا لطلب الفسخ دون غرامات . وغير خاف أن في هذا التوجه مساسا بالأمن القانوني الذي يشكل جوهر النظام القانوني من خلال تعدد التأويلات المقدمة لذات الفصل.

ب  تطويع قاعدة الفصل 273

إن الجمع في هذا القرار، بل في حيثية واحدة منه، بين نصوص قانونية متفرقة يفترض بيانا متماسكا لأوجه الترابط ومنطقا سلسا مفضيا إلى النتيجة التي آل إليها.

ومع ما سبق التوقف عنده من إضطراب الإنتقال بين سائر الفصول فمن الجلي أن السند الحاسم كان الفصل 273 من مجلة الإلتزامات والعقود على إعتباره النص الوحيد الذي أقر جزاء الفسخ . في هذا المستوى قام الحل على تكريس حق الدائن في طلب الفسخ (1) في مخالفة لفقه القضاء السابق في خصوص ذات المسألة وهوما يطرح التساؤل حول الأثر المترتب عن هذا القرار (2).

1 حق الدائن في طلب الفسخ

لا شك أن معطيين قانونيين قد فرضا إعتماد الفصل 273 م إ ع : أولهما مقتضيات الفقرة الأخيرة منه من أن “فسخ العقد لا يكون إلا بحكم ” وثانيهما ضرورة تأسيس المحكمة لولايتها على النزاع توصلا إلى الغاية المتمثلة في التصريح بالفسخ . على هذا النحو بدت قاعدة الفصل المذكور أقرب إلى الضرورة التقنية لا أكثر. ومع أن هذا المسلك ليس مدعاة للنقد لكونه من ضرورات التعليل القانوني السليم فإن وجه النقد يكمن في تطويع الفصل على غير ما تقتضيه عبارته وبخلاف ما كرسه فقه القضاء السابق ، على تردده ، في خصوص ذات الفصل.

فإستنادا إلى الفصل 273 م إ ع جعلت المحكمة من طلب الفسخ حقا مخولا للدائن ، وهي ولئن لم تصف الباب المفتوح للدائن صراحة بالحق فإن عنصري “التمكين والتخويل في القيام ” الواردين بالحيثية الرابعة من قرارها يشكلان عنصري تعريف الحق على الأقل لدى جانب من الفقه ([56]) بما هو الصلاحية التي يمنحها القانون ويحميها ([57]).

وهذا الحق في طلب الفسخ الذي أسسته المحكمة على مقتضيات الفصل 273 ومن قبله الفصل 268 م إ ع يبدو إكتفاء منها بطالع الفصل 273 عند إقتضائه أن “للدائن الحق . . .” وإن بتقييد طابعه الإطلاقي طالما أنه يبقى “رهين إجتهاد محاكم الموضوع “. مع ذلك فإن هذا الفهم لمقتضيات الفصل 273، قصدت له المحكمة أم لا ([58]) فالأمر سيان بما أن المعتبر هو الأثر القانوني لقرارها ، يحمل تطويعا مستحدثا لقاعدة الفصل المذكور.

ومن المتعين الإشارة أولا إلى أن تكريس الحق المخول للدائن في طلب فسخ العقد دون إعتبار لسابقية تنفيذ الإلتزام المحمول على المدين ليس سوى النتيجة المنطقية (في بناء المحكمة لقرارها) لتوسيع مفهوم المماطلة ، أما دون ذلك فإن التأويل لأحكام الفصل المذكور ينطوي على وهن بين.

فلا خلاف أن قاعدة الفصل 273 م إ ع تقوم ، كيفما قرأت ، على شرط أساسي هو عدم تنفيذ إلتزام عقدي قائم حين نظر المحكمة في النزاع فيطرح حينها الجدل حول الصلاحية المخولة للدائن : بين السعي إلى التنفيذ متى كان ممكنا أو تخويله المرور مباشرة إلى طلب الفسخ دون إلزامه بالسعي إلى التنفيذ. وما يهم هنا، في ما له إرتباط بالقرار، أن الفصل 273 م إ ع يفترض تواصل واقعة عدم التنفيذ (المماطلة) إذ لا قيام للخيار أصلا عند سابقية التنفيذ للإلتزام المحمول على المدين وإن بتأخير وهو ما ينهض من خلال عبارة الفصل ذاته ولا تأثير لموقف المحاكم حول تراتبية الحلول المتاحة للدائن على ذلك.

وفي القرار، على إقتضابه ، ما ينم عن “فطنة ” في التعامل مع النصوص إذ لما كان الفرض الأساس الذي يقوم عليه الفصل 273 غائبا تبعا لإيفاء المدينة (المعقبة) بإلتزامها فإن المحكمة لم تلق بالا لهذا المعنى الأصيل في نص الفصل لتقر حق الدائن في طلب فسخ العقد مباشرة . وإستكمالا لهذا الفهم فقد توسعت السلطة التقديرية للمحكمة من تقدير إمكانية التنفيذ إلى تقدير وجاهة طلب الفسخ وبذلك أصبح الحق في طلب الفسخ المشروط بمعيار موضوعي دقيق (إستحالة التنفيذ) رهين تقدير أقل موضوعية لإرتباطه بجسامة الخطإ المنسوب للمدين.

وهذا التأويل لمقتضيات الفصل 273 م إ ع يقوم على توسيع لمبدئه يتأكد بجلاء من خلال مقارنة موقف محكمة القرار بفقه القضاء السابق المتعلق بذات الفصل.

من المعلوم أن فقه القضاء تميز بتردد حول تأويل الفصل 273 م إ ع إذ تنازعه في ذلك توجهان : أول يرى وجوب مرور الدائن بمحاولة التنفيذ العيني للإلتزام فلا يخول طلب الفسخ إلا بإستحالة التنفيذ، من ذلك ما قضي به من أن “قيام المدعية في الأصل مباشرة بدعوى الفسخ دون القيام بجبر المعقب ضده على الوفاء مسبقا قبيل القيام عليه بدعوى الفسخ يكون مخالفا لأحكام الفصل 273 م إ ع . ..” ([59]).

وهذا التأويل يجافي ما كانت الدوائر المجتمعة قد أقرته تأسيسا على ذات الفصل من حق الدائن في طلب الفسخ دون “الزامه .. .بخوض تجربة اجبار معاقده على الوفاء.” ([60]). والمعتبر في كل هذا أن الفصل 273 م إع بقرائتيه يفترض عدم وفاء أحد طرفي العلاقة العقدية بالإلتزام المحمول عليه بما يؤكد مرة أخرى خروج هذا القرار عن السائد في تطبيقات الفصل المذكور.

ومن خلال إعمال قاعدة الفصل 273 م إ ع على هذه الصورة فقد جعلت المحكمة من مصلحة الدائن معيار إنهاء العقد وإن كانت قد خففت الأثر المترتب عن ذلك بأن أبقت للمحكمة سلطة تقديرية في التصريح بالفسخ . فالعقد في هذا الحد تعبير عن إرادة طرفيه لا أكثر يتحدد مآله على ضوء التعادل في الإلتزامات المتقابلة بين طرفيه دون أن يتعداه إلى قيمته الإقتصادية التي تلحقه بوجه من الوجوه بالمصلحة العامة وهو ما يتوافق مع روح قانون 25 ماي 1977 الذي إستبعدت المحكمة قواعده . فالأخذ بأسباب العدالة الموضوعية من خلال التقابل في الإلتزامات (إنتفاع المكتري بالمحل لقاء أداء معينات الكراء في آجالها) كان يتحقق مع قاعدة الفصل 273 من خلال جبر الضرر اللاحق بالدائن لا إنهاء العقد بفسخه.

2 – أثر القرار

إن الأثر القانوني المترتب عن القرار هو تكريس ما يقتضيه القانون في شأن المنازعة المعروضة على المحكمة بإعمال النصوص واجبة التطبيق . على أن ما يهم في هذا الباب يتعدى هذا الأثر التقليدي للنظر في ما يترتب عن موقف المحكمة من إرساء فهم دقيق وتطبيق سليم للأحكام القانونية بما يتوافق مع وظيفة المحكمة التي أصدرته . ولعل السؤال يزداد أهمية حين تخرج المحكمة من خلال قرارها عما ساد فقه القضاء السابق في شأن ذات الإشكال .

وفي هذا الصدد تبرز وظيفة القضاء كمكمل للفعل التشريعي . فمهما تكن دقة القاعدة القانونية صيغة ومتنا فإن آثارها القانونية قد لا تتوافق مع مراد المشرع طالما أن تلك القواعد تتوجه لطبائع بشرية من خلال المخاطبين بأحكامها ([61]) ولعل الأمر يزداد حدة حين تحمل آثارا إقتصادية ومالية . ومن تجسيدات ذلك أن قاعدة الفصل 23 من قانون 25 ماي 1977 توشك أن تنحرف عن الغاية التي قصد إليها المشرع .

فتحايل المكتري بإستغلال مدة الإمهال الممنوحة له قانونا ينتهي إلى تغيير عنصر جوهري بالعقد لم يرم له طرفاه وليس غاية المشرع حين وضع قاعدة الفصل 23. في هذه الصورة التي تقارب وقائع هذا القرار من المتجه أن يلقى التصرف الصادر عن المكتري جزاءه القانوني ، ولكن مشاطرة النتيجة المتوصل إليها لا تقود إلى مسايرة البناء القانوني الذي تأسس عليه الحل الذي أرسته المحكمة.

إن القواعد المنظمة لعقد الكراء التجاري ، عدا صورة الفصل 23، تنطوي على أسس مؤدية إلى ذات النتيجة دون الحاجة إلى تحميل نصوص قانونية غير ما تقتضيه عبارتها ومن ذلك أحكام الفقرة الأولى من الفصل 8 من قانون 25 ماي 1977 التي تمكن المسوغ من رفض تجديد التسويغ بدون أن يكون مطالبا بدفع أي منحة إن أثبت وجود سبب خطير وشرعي ضد المتسوغ الخارج .

هذه القاعدة تقوم على معيارين مرنين هما الخطورة والشرعية وهو ما يترك سلطة تقديرية للمحكمة في شأن السبب الذي يثيره المالك ولكن من الصعب ألا يدخل في ذلك التأخر المتكرر في الخلاص والحاجة إلى التنفيذ الجبري توصلا إلى إستيفاء معينات الكراء. فالخطورة مجسدة في المساس بالحق الإقتصادي للمالك وليس أدل على ذلك من أن فقه القضاء يرى في تأخر المكتري عن خلاص معينات الكراء ضررا يلحق المالك ويؤسس لحالة التأكد التي تقوم كشرط أول لتدخل القاضي الإستعجالي ([62]). أما “الشرعية” ([63]) فتمتد إلى الواجب الأخلاقي المحمول على المدين وفحواه الوفاء بالعقد بأمانة . وإزاء ندرة القرارات التي إعتمدت حالة السبب الخطير والشرعي فقد كانت وقائع القرار فرصة لتوضيح هذا المفهوم لور كنت إليه المحكمة.

أما إعتماد أحكام مجلة الإلتزامات والعقود فينحصر في قاعدة الفصل 796 م إ ع التي تبقى منتجة لآثارها في ما لا يتعارض مع الأحكام الآمرة لقانون 25 ماي 1977 . والتأمل في علاقة النصين لا يوفر سندا كافيا لإستبعاد الأحكام الخاصة بعقد الكراء كليا على خلاف ما سلكه جانب من فقه القضاء.

ولما كان التصرف الصادر عن المكتري في وقائع هذا القرار كاشفا عن عدم التزام بواجب عقدي بما يناقض ما إقتضاه الفصل 243 م إ ع من وجوب الوفاء بالالتزامات مع تمام الأمانة فإن سوء النية قد يلوح أساسا محتملا للتصريح بالفسخ سيما وقد سبق لمحكمة التعقيب أن أيدت محاكم الأصل في فسخها لعقد الكراء وقضت أنه “يعد المستأجر على سوء نية إذا تقاعس عن أداء معينات الكراء بصفة منتظمة في كل شهر بحلوله ولا يقوم بالسداد إلا بعد القيام عليه كل مرة إستعجاليا بالخروج لعدم الخلاص ” ([64]). مع ما يبدو من الوجاهة الأخلاقية لهذا القرار فمن الصعب إعمال ذات الحل ، فإن إستثنينا الإطار القانوني المغاير للقرار المذكور فإن الصبغة الآمرة لأحكام قانون 1977 ومنها فصله 23 من ناحية وشروط اللجوء إلى الأحكام العامة من ناحية أخرى يشكلان عائقا قانونيا لمجاراة نفس الإتجاه .

أما أعمق من قلة التماسك التي ميزت بناء القرار فإن تطويع النصوص القانونية على الشكل السابق بيانه يجافي التوجه التشريعي لإنقاذ العقد بما برر حصر صور إنهائه ضمانا للقيمة الإقتصادية التي يمثلها. كما يكشف سعيا إلى بسط ولاية المحكمة على مآل العقد من خلال جعل الفسخ من إنشاء القضاء وهو جوهر الغائية التي ميزت تأويل النصوص القانونية المثارة في هذا القرار.

لا شك أن هذا القرار قد إنبنى على إجتهاد في مقاربة النصوص القانونية المتشابكة ولكنه بإقرار حق المالك في فسخ الكراء التجاري للمماطلة الصادرة عن المكتري الذي سبق له أداء معينات الكراء تأسيسا على أحكام الفصلين 268 و273 م إ ع يكون قد أضاف تعقيدا إضافيا لمادة لم تنضب مفاجآتها رغم مرور عقود على نصها الأساس .

وأما في إطاره العام فإن منهج هذا القرار يطرح مسألتين على غاية من الأهمية: تتعلق الأولى بالأمان القانوني الذي يفترض أن تضمنه القواعد القانونية للمخاطبين بأحكامها من خلال حقهم في توقع النتائج المترتبة عن النص التشريعي. أما المسألة الثانية فتتمحور حول الدور “التعليمي ” لمحكمة التعقيب ووظيفتها في إرساء الفهم الصحيح للقواعد القانونية توصلا إلى التأثير في الفعل التشريعي.

ومع أن غلبة الأصوات لا تعني الصواب دائما فإن تعدد الإنتقادات الموجهة لقانون 25 ماي 1977 وتعارض فقه القضاء حول اكثر من مسألة ليس أقلها إحراجا ما جاء بهذا القرار مدعاة لمراجعة هذا القانون تحقيقا لنجاعة التشريع وتجاوزا لمواطن الخلل التي أظهرها التطبيق . أما هذا القرار بما جاء فيه فالراجح أن مآله اليتم ،،…


[1] F. Dekeuwer-Défossez avec la collaboration de E. Blary-Clément, « Droit commercial : activités commerciales, commerçants, fonds de commerce, concurrence, consommation », Montchrestien, 8éme éd., 2004, p. 19.

[2]  يراجع مثلا :

Farouk Mechri, «Droit civil – droit commercial, un couple à :  géométrie variable », in « La passion du droit », Mélanges en l’honneur dû .professeur Mohamed Larbi Hachem, Tunis 2006, pp. 94 et s

[3] S. Bostanji, « Confrontation des sources du droit privé : Le code des obligations et des contrats à l’épreuve des législations spéciales », in Livre du centenaire du code des obligations et des contrats 1906-2006 CPU Tunis 2006, p. 537 et ss.

[4] من ذلك دعاوى الفسخ المؤسسة على التغيير الجزئي للإختصاص أو سلطة القاضي الإستعجالي للحكم بإلزام المكتري التاجر الخاضع لأحكام قانون 25/ 05/ 1977 بالخروج إن لم يدفع.

[5] مدني عدد 19377 مؤرخ في 16 أفريل 2003 ، النشرية ، القسم المدني ،ج 2، ص 295 .

[6] هذا الرأي ، كما سائر الملاحظات اللاحقة ، يعتمد أساسا على القرارات التعقيبية المنشورة دون غيرها.

[7] ” لا يعني القرار الصادر بالرفض أنه لا مكان فيه لحلول مبدئية ومعنى ذلك أن قرارات الرفض وقرارات النقض تتساوى في القيمة أي أنه يمكن لقرار النقض أن يكون مبدئيا أو أن لا يكون وأن قرار الرفض ليس بالضرورة ظرفيا أي أنه قد يكون مبدئيا.”، نذير بن عمو، “القرار التعقيبي”، خمسون عاما من فقه القضاء المدني 1959- 2009 مركز النشر الجامعي ، 2010، ص 360 .

[8] في هذا المعنى : البشير المنوبي الفرشيشي ، “خواطر حول القرار اليتيم “، خمسون عاما من فقه القضاء المدني 1959- 2009 مركز النشر الجامعي ، تونس ، 2010 ص 365 وما يليها.

[9] لا يمثل هذا المعطى ضرورة سببا للنقد حال تأسس القرار من زاوية البناء القانوني.

[10]  تقيدا بموجبات الفصل 123 من م م م ت .

[11] حول البناء الشكلي والمنطقي للقرار

R. Mendegris et G. Vermelle, Le commentaire d’arrêt en droit privé. Méthodes et exemples, Dalloz, 6ème ed. 1996, pp. 16 .et s

[12] لغاية منهجية ، تم إستبعاد الطعن المتعلق بعدم مراعاة قاعدة الفصل 242 من المجلة التجارية.

[13] مدني عدد 51537 مؤرخ في 23 فيفري 1998 ، النشرية، القسم المدني ، الجزء الثاني، ص 217 ، مدني عدد 39152 مؤرخ في 21 جوان 1995 ، النشرية ، ص 375 ، مدني عدد 6408 مؤرخ في 9 نوفمبر 1982 ، النشرية ، الجزء الرابع ، ص 176 .

[14] « On qualifiera de contradictoires deux propositions tonnant alternative, c’est-à-dire deux propositions telles que si l’une est vraie l’autre est nécessairement fausse, et que si l’une est fausse l’autre est nécessairement vraie », A. Jeammaud, « Des oppositions de normes en droit privé interne », Thèse, Lyon III, 1975, n°13, p. 16.

[15] عثمان بن فضل، “تنافس قواعد القانون المدني (محاولة في منطق القانون )”، المجلة القانونية التونسية ، 1998، ص 11 .

[16] محمد الشرفي وعلي المزغني ، “مدخل لدراسة القانون “، المركز القومي البيداغوجي، 1993 ، فقرة 615، ص 384 .

[17] S. Mellouli, « Droit civil. Introduction à l’étude du droit », IORT, Tunis, 2000, n°284, p.84.

[18] محمد الشرفى وعلي المزغني ، المرجع السابق ، فقرة 615، ص 382 .

[19] S. Bostanji, « Confrontation des sources du droit privé : Le code des obligations et des contrats à l’épreuve des législations spéciales », précité, p.553.

[20] مدني عدد 51537 مؤرخ في 23 فيفري 1998 ، النشرية لسنة 1998 ، القسم المدني، الجزء الثاني ، ص 217 ، وفي ذات المعنى : مدني عدد 6408 مؤرخ في 9 نوفمبر 1982 ، النشرية لسنة 1982 ، الجزء الرابع ، ص 176 .

[21]  M. Chaffai, «La demeure du débiteur dans réxécution du contrat civil Thèse, Faculté de droit et des sciences politiques de Tunis, 1984, p.205.

[22] مدني عدد 1321 مؤرخ في 26 أفريل 1977 ، النشرية لسنة 1977 ، الجزء الأول ، ص 245.

[23] ليس أقله ما إقتضته قاعدة الفصل 533 م إع من أنه “إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على إطلاقها،،.

[24] انظر الجزء الثاني من التعليق.

[25] مدني عدد 1451 مؤرخ في 6 جويلية 2004 ، النشرية ، الجزء الثاني ، ص 241 .

[26] مدني عدد 21961 مؤرخ في غرة أفريل 2003 ، النشرية ، القسم المدني ، ص 291 .

[27] هذا الأمر لم ينف تدخل فقه القضاء لإجلاء غموض تراءى للبعض في خصوص هذا الفصل خاصة في مسائل احتساب أجل الثلاثة أشهر ومفهوم الفسخ الحتمي وإجراءات عرض مال الكراء.

[28] النشرية ، الجزء الأول ، القسم المدني ، ص 189.

[29] مدني عدد 2397 مؤرخ في 22جوان 1978 ، النشرية لسنة 1979 ، ص 324 ، مدني عدد 21961 سبق ذكره ،

[30] قارن مثلا مدني عدد 25426 مؤرخ في 14 أكتوبر 2003، النشرية، الجزء الثاني ص 242 ومدني عدد 51537 مؤرخ في 23 فيفري 1998 ، النشرية ، الجزء الثاني ، ص 217 .

[31] يراجع مثلا: مدني عدد 73069 مؤرخ في 17 فيفري 2000، مجلة القضاء والتشريع، عدد 6 لسنة 2000 ، ص 97 ومدني عدد 19638 مؤرخ في 27 مارس 2008 ، النشرية، الجزء الأول ، ص 189 .

[32] حول فسخ العقد، يراجع مثلا : محمد محفوظ ، “دروس في العقد”، مركز النشر الجامعي، تونس 2004 ، ص 354 وما يليها، محمد الزين ، ” النظرية العامة للإلتزام : العقد”، تونس 1993، ص 291 وما يليها.

[33]  مدني عدد 42080 مؤرخ في 15 أكتوبر 1996 ، النشرية ،ج 1 ، ص 422 .

[34] رشيد الصباغ ، “الملكية التجارية . الأحكام الجديدة في القانون عدد 37 لسنة 1977 المؤرخ في 25 ماي 1977 “، الطبعة الثانية ، تونس ، 68- 69 .

[35] المرجع السابق ، ص .62 .

[36] مدني عدد 21961، سبق ذكره .

[37] تم نسخه بموجب قانون 25 ماي 1977 .

[38] يبدو هذا الرأي إمتدادا لحل تشريعي في القانون الفرنسي الذي يجعل من الشرط الفسخي مفترضا في العقود التبادلية من خلال قاعدة الفصل 1184 من المجلة المدنية الفرنسية.

[39] J. Ghestin, Ch. Jamin, M. Billiau, Traité de droit civil, Les effets du contrat, 3ème éd., LGDJ, 2001, n°455, p.516.

[40] J.-L BERGEL, « Méthodologie juridique », lère édition, PUF, 2001, p.52.

[41]  قرار الدوائر المجتمعة عدد 39190 مؤرخ في 4 جويلية 1997 ، مجموعة قرارات الدوائر المجتمعة 1996 – 1997 ، ص 7.

[42]  ” التكييف . . . هو العملية الذهنية التي يقوم بها رجل القانون لغاية إدراج واقعة أو تصرف ما ضمن صنف من الأصناف القانونية لغاية إخضاعه لنظام قانوني معين “، مدني عدد مؤرخ في 25 مارس 1996 ، النشرية ، ص 144 .

وفقها، يراجع مثلا: محمد الزين ، المرجع السابق ، عدد 72، ص 68 .

[43] مدني عدد 75595 مؤرخ في 25 ماي 2008 النشرية ، الجزء الثانى ، ص 140 .

[44] مدني عدد 52972 مؤرخ في 19 فيفري 1998 ، النشرية ، الجزء الأول ، ص 164 .

[45] نذير بن عمو، “القرار التعقيبي” ضمن “خمسون عاما من فقه القضاء 1959 – 2008 “، مركز النشر الجامعي 2010، ص 385 .

[46] نور الدين قارة ، “تكييف العقد من خلال فقه قضاء محكمة التعقيب “، ضمن “خمسون عاما من فقه القضاء 1959-2009” ، سبق ذكره ، ص 839 .

[47]  “دروس في العقد”، مركز النشر الجامعي ، تونس 2004، فقرة 283، ص 285 .

[48]  مدني عدد 1451 مؤرخ في 12 أكتوبر 2004، النشرية، الجزء الثاني ، ص 209، مدني عدد 12552 مؤرخ في 01 ديسمبر 2007 (غير منشور).

[49] (M. Chaffai, Thése précitée, p .174 ونذير بن عمو، قراءة في تحول قضائي : فلسفة جديد للفسخ على معنى الفصل 273 م.إع.، المجلة القانونية التونسية ، 1996 ،ص 281 و 282 .

[50] J. Ghestin, Ch. Jamin, M. Billiau, op.cit, n° 429, p.487.

[51] ” ,M. Chaffai, Thése précitée , P. 195 في هذا المعنى :

[52] من ذلك صور كراء الأصل التجاري أورهنه علاوة على الضمانات المكفولة قانونا لدائني مالك الأصل التجاري عند طلب الفسخ.

[53] مدني عدد 2472 مؤرخ في 12 أكتوبر  2004 ، النشرية ،ج 2 ، ص 209 .

[54]  مدني عدد 1798 مؤرخ في 24 أكتوبر 2005، النشرية ،ج 2، ص 169 .

[55] قرار إستئنافي مدني عدد 41272 صادر عن المحكمة الإبتدائية بسوسة بتاريخ 29 ديسمبر 2011 (غير منشور) جاء به أن “…الإمعان في المماطلة على النحو السالف تضمينه من شأنه التأثير على إستمرار العلاقة التسويغية لمخالفة المتسوغة واجب تنفيذ الإلتزام بتمام الأمانة ومن ذلك دفع معاليم الكراء في إبانها طبقا للعقد الرابط بين الطرفين وهو ما يحقق صفات السبب الخطير والشرعي على معنى أحكام الفصل 8 من قانون الاكرية التجارية ،،.

[56] « Il y a à peu près autant de définitions du droit subjectif que d’auteurs qui ont écrit sur le sujet », H., L. et J. Mazeaud, F. Chabas, « Leçons de droit civil», Tome I, premier volume, «Introduction à l’étude du droit», 11™6 éd. Par F. Chabas, Montchrestien -Delta, 2000, n°155, p.l55. وما نشير إليه هنا ” هو التعريف الذي تبناه الفقيه الألماني ” إيهرنق “

[57] حول الترابط بين “الحق” و”الدعوى”، أنظر مثلا:

G. Cornu, Droit civil. Introduction. Les personnes. Les biens, Montchrestien, 10ème édition, 2001, n° 152 ets, pp .66 et s.

[58]  لم تتوقف المحكمة عند خصوصية عقد الكراء التجاري من ناحية كما أن إعتماد قاعدة الفصل 273 وهو الفصل العام بطبيعته من ناحية أخرى يبيح التأكيد أن الأثر الذي تبنته فاعل في نظرها بالنسبة لسائر العقود.

[59] مدني عدد 16040 مؤرخ في 14 جوان 2002، أورده الأستاذ محمد محفوظ “دروس في العقد”، سبق ذكره ، ص 358- 359 و كذلك سائر القرارات التعقيبية الواردة في ذات الصفحات .

[60] مدني (الدوائر المجتمعة ) عدد 35350 مؤرخ في 29 فيفري 1996 ، المجلة القانونية التونسية 1996، ص 13 وما يليها مع تعليق الأستاذ نذير بن عمو . يراجع أيضا :

« L’article 273 au COC et l’option entre l’action en exécution et l’action en résolution », A.J.T, n°2,1998, on. 137 et s.

[61] يدخل في ذلك “الأشخاص المعنويون” طالما أنهم ممثلون قانونا بواسطة أشخاص طبيعيين.

[62] يقتضي الفصل 201 م م م ت في فقرته الأولى أنه “يتم النظر إستعجاليا وبصورة مؤقتة في جميع الحالات المتأكدة ودون مساس بالأصل “، من تطبيقاته في مادة الأكرية : مدني عدد 42719 مؤرخ في 30 أكتوبر 1996 ، النشرية ، الجزء الأول ، ص 167 .

[63] الشرعية هنا لا تتعلق بخرق إلتزام قانوني ناشئ عن نص تشريعي بل تتعلق بعدم مشروعية التصرف الصادر عن المكتري ولعل الصيغة الفرنسية للنص أقرب إلى التعبير عن ذلك من خلا إستعمال المشرع لمفردة ” Legitime” “.

[64]  مدني عدد 12081 مؤرخ في 9 جوان 1975 ، النشرية لسنة 1976 ، ص 117 .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading