دراسة تحليلية دلالية[(*)]

د. حسين رفعت حسين عواد[(*)]

 

المقدمة:

هذا بحث في تعدد المعنى النحوي – دراسة تحليلية دلالية، دفعني إلى اختياره تأمل نص في الأشباه والنظائر للسيوطي يقول في مطلعه: «ما يجوز تعدده وما لا يجوز…»(1) وذكر أبوابًا يجوز تعددها وأبوابًا لا يجوز تعددها في عبارات موجزة(2) فعنت لي أسئلة هي:

  1. ما المعاني النحوية التي صرح النحاة –أو بعضهم- بجواز تعددها؟
  2. ما المعاني النحوية التي صرح النحاة –أو بعضهم- بعدم جواز تعددها.
  3. ما أنماط التعدد التي ورد عليها كل معنى نحوي؟
  4. هل كل الأنماط التي أطلق عليها مصطلح «التعدد» أو أحد مرادفاته هي محل اتفاق بين النحاة الذين عالجوا هذه الأنماط؟
  5. من من النحاة تكلم عن هذه الأنماط؟ وأين؟
  6. ما الأبعاد الدلالية لكل نمط من أنماط التعدد؟
  7. هل توجد أبعاد دلالية ترجح القول بالتعدد على القول بعدمه؟

وفي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة كان هذا البحث.

وقد ارتضى الباحث أن تكون الدراسة تحليلية دلالية معتمدة المنهج الوصفي، حيث تورد نصوص بعض النحاة في قضايا البحث وتفصيلاته كما هي في كتبهم، ثم تتناولها بالتحليل الدقيق والتعليق عليها، والمقارنة بينها، والخروج بالملاحظات التي تستفاد من هذه النصوص، وبيان بعض الأبعاد الدلالية فيها.

هذا، وقد سار الباحث في ترتيب قضايا بحثه وفق ترتيب أقفية ابن مالك لأبواب النحو.

فكان أن بدأ البحث بتعدد: خبر المبتدأ ثم المبتدأ(3) ثم خبر كان وأخواتها ثم خبر إن وأخواتها ثم المفعول الثاني ثم الظرف ثم المستثنى ثم الحال ثم التمييز ثم النعت ثم عطف البيان ثم البدل.

وهنا أشير إلى أن الباحث التزم في تحديد المعاني النحوية محل الدراسة المعاني التي صرح فيها النحاة بالتعدد أو منعه، فلم يتناول معنى نحويًّا ليس فيه تصريح لبعض النحاة بالتعدد أو منعه.

ويحسن أن نحدد المصطلحات الواردة في البحث ومدلول كل منها، وأن نشير إلى مرادفاتها إذا وجدت.

والبحث فيه مصطلحان رئيسيان ولكل ما يرادفه:

  1. المعنى النحوي: وأعني به الوظيفة النحوية التي تؤديها الكلمة في الجملة(4). ويرادفه مصطلح (الباب النحوي).
  2. التعدد: وأعني به الورود أكثر من مرة في الجملة.

ويرادفه مصطلح(5) «التكرار» أو «التكرير» وقد يرد هذا المصطلح في صيغة الفعل: «تكرر أو يكرر أو يتكرر».

إلا أن مصطلح «التعدد» هو الأكثر ورودًا في كتب النحاة(6) لذا آثره الباحث غير غيره ليكون جزءًا من عنوان البحث.

تعدد خبر المبتدأ:

يقول ابن مالك –رحمه الله-: «تعدد الخبر على ثلاثة اضرب: أحدها: أن يتعدد لفظًا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ }(7) وكقول الراجز:

من كان ذا بت فهذا بتي


 
مقيظ مصيف مشتى
 

… وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار.

والثاني: أن يتعدد لفظًا ومعنى لتعدد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحوي وكاتب، ومنه قول الشاعر:

يداك يد خيرها يرتجى

 
وأخرى لأعدائها غائظة
 

أو لتعدد المخبر عنه حكمًا، كقوله تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ }(8) وكقول الشاعر:

والمرء ساع لأمر ليس يدركه
 
والعيش شح وإشفاق وتأميل
 

والثالث: أن يتعدد لفظًا دون معنى، لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ، كقولك: هذا حامض حلو، بمعنى مز، وكقولك: هو أعسر أيسر بمعنى: أضبط، أي عامل بكلتا يديه.

فما كان من النوع الأول صح أن يقال: فيه خبران وثلاثة بحسب عدده، وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الوحدة إلا مجازًا، لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع.

ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف بخلاف الثاني فلا يستعمل دون عطف، وأما الثالث فلا يستعمل فيه العطف، لأن مجموعه بمنزلة مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض، وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز، وليس كذلك لما ذكرته»(9).

في هذا النص عدد ابن مالك الوجوه التي يأتي عليها تعدد خبر المبتدأ، وكانت ثلاثة:

النوع الأول: أن يتعدد الخبر لفظًا ومعنى والمبتدأ واحد لفظًا ومعنى(10) وهذا النوع فقط هو ما يصح –عنده- أن يقال فيه بالتعدد.

أما النوعان الآخران، وهما: أن يتعدد الخبر لفظًا ومعنى والمبتدأ متعدد حقيقة(11) أو حكمًا(12) أو أن يتعدد الخبر لفظًا فقط دون المعنى والمبتدأ واحد لفظًا ومعنى(83) هذان النوعان لا يعبر فيهما عن الخبر بالتعدد إلا مجازًا.

ثم إن النوع الأول يجوز –عند ابن مالك- أن يستعمل بعطف ودون عطف، أما النوع الثاني فلا يستعمل دون عطف، والثالث لا يرد فيه العطف.

إذن الحاصل أن ابن مالك لا يرى صحة القول بتعدد الخبر إلا فيما كان الخبر فيه متعددًا لفظًا ومعنى، ثم إنه أجاز استعمال العطف في هذا النوع.

هذا، ويقول الرضي –رحمه الله-: «اعلم أن تعدد الخبر إما أن يكون بعطف أو بغيره، فالأول نحو: زيد عالم وعاقل، وليس قولك هما عالم وجاهل من هذا، لأن كلامنا فيما تعدد فيه الخبر عن شيء واحد، وها هنا المخبر عنه بالعالم غير المخبر عنه بالجاهل.

والثاني على ضربين، لأن الأخبار المتعددة إما أن تكون متضادة أو لا، وليس ما تعدد لفظًا دون معنى من هذا في الحقيقة نحو: زيد جائع نائع، لأنهما بمعنى واحد، والثاني في الحقيقة تأكيد للأول، فإن لم تكن متضادة كقوله تعالى: { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ }(14) ففي كل واحد ضمير يرجع إلى المبتدأ… وإن كانت متضادة فهي على ضربين: إما أن يتصف جزء المبتدأ ببعض تلك الأخبار والجزء الآخر بالخبر الآخر أو يتصف المجموع بكل واحد منهما، فالأول نحو قولك للأبلق: هذا أبيض أسود، وليس هو في الحقيقة مما تعدد فيه الخبر، لأنه مثل قولك: هما عالم وجاهل، إلا أن الفرق بينما أن الضمير في كل واحد من عالم وجاهل لا يرجع إلى مجموع المبتدأ، بل المعنى: هما رجل عالم ورجل جاهل، وأما الضمير في كل واحد من أبيض وأسود فإنه يرجع إلى مجموع المبتدأ… وأما الثاني: أعني ما اتصف فيه المجموع بكل واحد منهما، نحو: هذا حلو حامض فلا إشكال فيه، لأن الضمير يرجع من كل واحد من الخبرين إلى مجموع المبتدأ، إذ المعنى: في جميع أجزائه حلاوة، وفيها كلها حموضة، لأنه امتزج الطعمان في جميع أجزائه… واعلم أنه يجوز أن يعطف أحد الخبرين على الآخر مع اتصاف مجموع المبتدأ بكل واحد من الخبرين، تقول: زيد كريم شجاع، وزيد كريم وشجاع… وكذا ما هو بمنزلته في رجوع الضمير من كل واحد من الخبرين إلى مجموع المبتدأ نحو: هذا أبيض وأسود، وهذا حلو وحامض، إذا لم يرجع ضمير كل واحد إلى مجموع المبتدأ نحو: هما عالم وجاهل فلا بد من الواو ولأن المبتدأ مفكوك تقديرًا»(15).

في هذا النص نلاحظ أمورًا:

  1. أن الرضى يستبعد من الوصف بتعدد الخبر ثلاثة أنواع، وهي:
    1. ما تعدد فيه الخبر لمتعدد حقيقة، ومثل لذلك بمثال: هما عالم وجاهل، وهذا النوع هو أحد قسمي النوع الثاني عند ابن مالك في نصه السابق.
    2. ما تعدد فيه الخبر لفظًا دون معنى، ومثل لذلك بمثال: زيد جائع نائع، وهذا النوع من حيث الضابط فقط هو النوع الثالث عند ابن مالك، لكن من حيث المثال نجد أن في مثال الرضي قد جاء الخبر الثاني مرادفًا للخبر الأول، ولذلك قال عنه «والثاني في الحقيقة تأكيد للأول» أما مثال ابن مالك في هذا النوع فهو: هذا حلو حامض.
    3. ما جاء فيه جزء المبتدأ متصفًا ببعض تلك الأخبار والجزء الآخر بالخبر الآخر، ومثل لذلك بقولنا للأبلق: هذا أبيض أسود، وهذا النوع عند الرضي يناظره –في نظري- القسم الثاني من النوع الثاني عند ابن مالك، أعني: ما تعدد فيه الخبر لمتعدد حكمًا، ودليل ذلك أن الضابط الذي ذكره الرضي –كون جزء المبتدأ متصفًا ببعض تلك الأخبار والجزء الآخر بالخبر الآخر- ينطبق على الأخبار والمبتدأ في كل من الآية الكريمة والبيت الشعري اللذين استشهد بهما ابن مالك على هذا القسم.
  2. أن الرضي قبل أن يوصف بتعدد الخبر نوعان، هما:
    1. ما تعدد فيه الخبر عن شيء واحد، ومثل لذلك بمثال: زيد عالم وعاقل(16) وقوله تعالى: {وهوَ الغفورُ الودُود} الآية، وهذا هو النوع الأول الذي قبله أيضًا ابن مالك.
    2. ما اتصف فيه مجموع المبتدأ بكل واحد من الخبرين، ومثل لذلك بمثال: هذا حلو حامض، وهذا هو الموضع الوحيد الذي خالف فيه الرضي ابن مالك حيث عد هذا المثال من التعدد الحقيقي، وجعله مما تعدد فيه الخبر لفظًا دون معنى، وهو أحد النوعين اللذين لم يعدهما من التعدد الحقيقي.

لكن، من أين فهمت أن الرضي يعد هذا المثال تعددًا حقيقيًّا؟

هناك أدلة ثلاثة على هذا الفهم(17)

الأول: أن الرضي لم يتقدم هذا المثال ولم يتبعه بعبارة «وليس هو في الحقيقة مما تعدد فيه الخبر» كما فعل في الأنواع الثلاثة التي لم يقبل وصفها بالتعدد الحقيقي، وعبارة «في الحقيقة» تعني أن إطلاق لفظ التعدد على هذه الأنواع إنما هو من باب المجاز، وهو في ذلك يوافق ابن مالك حين قال: «فما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بالوحدة إلا مجازًا».

الثاني أن الرضي –كما في آخر نصه- أجاز استعمال هذا المثال بالعطف فيجوز عنده: هذا حلو وحامض، لكن ابن مالك كما في آخر نصه أيضًا-لم يجز العطف في هذا المثال «لأن مجموعه بمنزلة المفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض» وما دام الرضي قد أجاز العطف فالأمر ليس كذلك عنده، ويدعم هذا أن الرضي فسر هذا المثال بجملتين «في جميع أجزائه حلاوة، وفيها كلها حموضة» وليس بكلمة كما فعل ابن مالك حين فسره بكلمة واحدة وهي (مز).

الثالث: أن الرضي لم يجعل هذا المثال مما تعدد الخبر فيه لفظًا دون معنى، بل مثل بمثال: زيد جائع نائع.

  1. أن الرضي أجازه –كابن مالك- استعمال العطف فيما عده من التعدد الحقيقي.
  2. إن الرضي قد راعى بعدًا دلاليًّا لم يشر إليه ابن مالك، وهو قضية عود الضمير من كل واحد من الخبرين أو الأخبار المتعددة إلى مجموع المبتدأ أو غير ذلك، ولا شك أن مسألة الربط بالضمير بين الخبر والمبتدأ مسألة تتعلق بالدلالة وتمام وضوح المعنى.

هذا، وإذا كان الرضي في نصه السابق قد كرر مرارًا أن الضمير يعود من كل واحد من الخبرين أو الأخبار المتعددة إلى مجموع المبتدأ أو غير ذلك فإن ابن يعيش يؤكد أن الضمير يعود من مجموع الخبرين أو الأخبار وليس من كل واحد على حدة، يقول ابن يعيش «فأما عود الضمير من الخبر المستقل به إلى المبتدأ فإنما يكون من المجموع سواء كان الخبران ضدين أم لم يكونا»(18).

وأخلص مما سبق إلى أن ابن مالك والرضي قد وصفا ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى لمبتدأ واحد بالتعدد الحقيقي للخبر، وأجازا أن يستعمل العطف في هذا النوع من التعدد.

وأن الرضي انفرد بجعل المثال: هذا حلو حامض من التعدد الحقيقي للخبر، وأجاز استعمال العطف فيه.

على أن في المسألة آراء أخرى لنحاة آخرين.

فالشيخ خالد الأزهري(19) –رحمه الله- قد استبعد النوعين اللذين استبعدهما ابن مالك من الوصف بالتعدد الحقيقي للخبر كما أنه وصف بالتعدد النوع الذي وصفه ابن مالك بالتعدد الحقيقي، لكن الشيخ الأزهري يخالف ابن مالك في القول بجواز العطف فيما وصف بالتعدد الحقيقي، حيث لم يجز الأزهري العطف «لأن التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(20) أما الأشموني –رحمه الله- فقد وافق ابن مالك في وصف ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى والمبتدأ واحد بالتعدد الحقيقي، وكذلك وافقه في إجازة العطف في هذا النوع(21) كما وافقه أيضًا في استبعاد النوع الثالث –ما تعدد فيه الخبر لفظًا دون معنى- من الوصف بالتعدد الحقيقي لكنه خالفه في النوع الثاني بقسميه- ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى لتعدد المخبر عنه حقيقة أو حكمًا- حيث رأى الأشموني أن كلمة (يداك) في قول الشاعر:

يداك يد خيرها يرتجى
 
وآخرون لأعدائها غائظة
 

وكلمة «بنو» في بنوك كاتب وصائغ وفقيه، مبتدأ واحد وليس متعددًا «إذ النظر إلى كون المبتدأ واحدًا أو متعددًا إنما هو إلى لفظه لا إلى معناه، وهو واضح لا خفاء فيه»(22).

وكذلك رد الأشموني على من(23) رفض عد النوع الثاني بقسميه من التعدد الحقيقي، وأن ما بعد الواو فيه إنما هو تابع لا خبر، فقال: «فإنا نقول: لا منافاة أيضًا بين كونه تابعًا وكونه خبرًا، إذ هو تابع من حيث توسط الحرف بينه وبين متبوعه، خبر من حيث عطف على خبر، إذ المعطوف على الخبر خبر»(24).

ويفهم من كلام الأشموني في نصيه السابقين أنه يعد هذا النوع بقسميه تعددًا حقيقيًّا للخبر.

إذن نخلص من كل ما سبق في هذا الباب إلى:

  1. أن أبن مالك والرضي والشيخ خالد الأزهري والأشموني قد اتفقوا على أن ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى لمبتدأ واحد –وهو النوع الأول عند ابن مالك – إنما هو تعدد حقيقي، وأنهم –عدا الأزهري- أجازوا العطف في هذا النوع.
  2. أن الرضي –وحده- رأى أن نحو: هذا حلو حامض –وهو النوع الثالث عند ابن مالك- تعدد حقيقي للخبر، وأنه أجاز فيه العطف.
  3. أن الأشموني –وحده- رأى أن النوع الثاني من التعدد عند ابن مالك إنما هو تعدد حقيقي وليس مجازيًا، وهذا النوع لا يستعمل دون عطف والنقاط الثلاث السابقة تعني أن كل نوع من الأنواع الثلاثة لتعدد الخبر –التي عدها ابن مالك في نصه- قد رآه نحوي أو أكثر تعددًا حقيقيًّا للخبر.

لكن، هل النوع الأول الذي رآه النحاة الأربعة السابقون تعددًا حقيقيًّا هو كذلك عند النحاة الآخرين؟

يقول السيوطي –رحمه الله- في الهمع: «اختلف في جواز تعدد الخبر لمبتدأ واحد على أقوال(25):

أحدها: وهو الأصح وعليه الجمهور الجواز، كما في النعوت سواء اقترن بعاطف أم لا، كقولك: زيد فقيه وشاعر وكاتب… والقول الثاني: المنع واختاره ابن عصفور وكثير من المغاربة، وعلى هذا فما ورد من ذلك جعل الأول خبرًا والباقي صفة للخبر، ومنهم من يجعله خبر مبتدأ مقدر، والقول الثالث: الجواز إن اتحدا في الإفراد والجملة، فالأولى كما تقدم، والثاني نحو: زيد أبوه قائم أخوه خارج، والمنع إن كان أحدهما مفردًا والآخر جملة، والرابع: قصر الجواز على ما كان المعنى منها واحدًا نحو: الرمان حلو حامض أي مز، وزيد أعسر أيسر أي أضبط… وهذا النوع يتعين فيه ترك العطف لأن مجموع الخبرين فيه بمنزلة واحد، وجوز أبو علي استعماله بالعطف(26) كغيره من الأخبار المفردة فيقال: هذا حلو وحامض»(27).

ويلاحظ على هذا النص ما يلي:

  1. أن السيوطي خص حديثه في هذا النص بما كان المبتدأ فيه واحدًا، ولذا فإن النوع الثاني الذي ذكره ابن مالك في نصه وهو ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى لتعدد المبتدأ حقيقة أو حكمًا، الذي استبعده ابن مالك والرضي والشيخ الأزهري من الوصف بالتعدد الحقيقي، ووصفه الأشموني فقط بالتعدد الحقيقي، هذا النوع ليس له ذكر في هذا النص.
  2. أن النوع الأول عند ابن مالك، وهو ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى والمبتدأ واحد لفظًا ومعنى وهو ما وصفه ابن مالك والرضي والأزهري والأشموني بالتعدد الحقيقي فيه ثلاثة أقوال(28) وليس قولًا واحدًا كما ورد عند النحاة الأربعة المذكورين(29).

القول الأول: الجواز المطلق(30) سواء اقترن بعاطف أم لا، ونسبه السيوطي إلى الجمهور(31)، وعلى هذا فالنحاة الأربعة داخلون في الجمهور إذ إنهم أجازوا التعدد في هذا النوع مطلقًا، وأجازوا –عدا الأزهري- العطف، وقد حكم السيوطي بصحة هذا القول(32).

القول الثاني: المنع المطلق، ونسبة إلى السيوطي إلى ابن عصفور(33) وكثير من المغاربة.

القول الثالث: الجواز إن اتحادا في الإفراد والجملة، والمنع إن اختلفا، ولم ينسبه السيوطي إلى أحد، لكن ابن هشام في المغني نسبه إلى الفارسي(34).

  1. أن القول الرابع في نص السيوطي خاص بالنوع الثالث من أنواع التعدد عند ابن مالك، وهو ما تعدد فيه الخبر لفظًا لا معنى والمبتدأ أو أحد، ويلاحظ أن السيوطي نفسه جعل –عن قصد- القول الرابع خاصًّا بهذا النوع، ودليل ذلك أنه ختم كلامه عن القول الرابع بعبارة «»وهذا النوع يتعين فيه ترك العطف، لأن مجموع الخبرين فيه بمنزلة واحدة» بما يعني أنه تعدد في اللفظ فقط بل إن العبارة الأولى في القول الرابع أشد وضوحًا في أن التعدد هنا في اللفظ فقط لا في المعنى، وهي «قصر الجواز على ما كان المعنى منها واحدًا» وهذا يؤكد أن أصحاب هذا القول الرابع أجازوا التعدد في هذا النوع على أنه تعدد لفظي فقط، وليس حقيقيًّا وهو ما يتوافق مع رأي ابن مالك والأزهري والأشموني في استبعاد هذا النوع من التعدد الحقيقي.
  2. أن ثلاثة من الأقوال الأربعة تنصب على الجواز على اختلاف بينها في قلة أصحاب كل قول أو كثرتهم، وكذلك على اختلاف بينها في المساحة التي قال فيها أصحاب كل قول بالجواز، وأن قولًا واحدًا ينصب على المنع، وأصحاب هذا القول قليلون إذا قورنوا بالمجيزين، وهذا يعني أن أكثر النحاة يجيزون التعدد بوجه عام في هذا الباب، سواء أكان تعددًا حقيقيًّا أم مجازيًّا، وأن نفرًا قليلًا فقط هم من قالوا بالمنع المطلق.

والباحث يرى –بعد كل ما سبق- أن التعدد الحقيقي في باب خبر المبتدأ ينبغي أن يكون مقصورًا فقط –ومن دون شروط- على ما كان الخبر فيه متعددًا لفظًا ومعنى والمبتدأ واحدًا لفظًا ومعنى، كما في قوله تعالى { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } والباحث في ذلك يتفق مع الجمهور بسحب القول الأول في نص السيوطي، ومن الجمهور ابن مالك والرضي والأزهري والأشموني.

إلا أن الباحث يخالف الجمهور –ومنهم ابن مالك والرضي والأشموني- في إجازة العطف مع بقاء وصف التعدد بالحقيقي.

ويختار الباحث رأي الأزهري الذي يمنع العطف في هذا النوع، لأنه كما قال: «التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(35) الحقيقي، لأننا إذا سلمنا بقول النحاة: إن «المعطوف على الخبر خبر، كما أن المعطوف على الصلة صلة، والمعطوف على المبتدأ مبتدأ وغير ذلك»(36) إذا سلمنا بذلك من ناحية المعنى، فإنه ليس كذلك من ناحية التجريد للقاعدة النحوية، إذ الباب الأصلي لمعاجلة ما بعد العاطف أيًّا كان المعطوف عليه هو باب العطف، وإلا لما كان هناك باب مستقل اسمه باب عطف النسق، وكذلك فإننا لا نقبل من نحوي أن يعرب ما بعد حرف العطف في هذا الباب خبرًا.

ولهذا الذي سبق من رفض عد العطف من التعدد الحقيقي في هذا الباب فإن البحث لا يقبل ما قبل به الأشموني من عده ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى لتعدد المخبر عنه حقيقة أو حكمًا تعددًا حقيقيًّا إذ هو النوع لا يكون دون عطف.

هذا، في حال أننا سلمنا بما قاله الأشموني من أن «النظر إلى كون المبتدأ واحدًا أو متعددًا إنما هو إلى لفظه لا إلى معناه»(37).

أما ما ذهب إليه الرضي من عدة مثال: هذا حلو حامض من التعدد الحقيقي فالبحث لا يوافقه في ذلك، وإن أجاز العطف فيه وفسر المثال بجملتين وليس بكلمة واحدة (مز) كما يفعل غيره من النحاة، وذلك لأن «الخبر الجزء الذي حصلت به الفائدة»(38) وفي المثال (هذا حلو حامض) «الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع»(39) ولهذا كان ابن مالك وغيره من النحاة محقين في عد هذا المثال ونحوه من التعدد اللفظي فقط

وأخيرًا فإن البعد الدلالي لم يكن خافتًا في معالجة هذا الجزء من باب الخبر عند النحاة، بل كان ظاهرًا بدرجة كبيرة فالأشموني يصدر هذه المسألة النحوية بقوله: «وأخبروا باثنين أو بأكثر(40) عن مبتدأ واحد، لأن الخبر حكم، ويجوز أن يحكم على الشيء الواحد بحكمين فأكثر»(41) بهذه المقاربة الدلالية يستهل الأشموني قضية تعدد الخبر.

ويتجلى هذا البعد الدلالي أكثر ما يتجلى في هذا الباب عند تعرض النحاة لمثال: هذا حلو حامض، ونحوه، فابن يعيش يقول في توضيح دلالته «تريد أنه قد جمع بين الطعمين، كأنك قلت هذا مز، فالخبر وإن كان متعددًا من جهة اللفظ فهو غير متعدد من جهة المعنى، لأن المراد أنه جامع الطعمين، هو خبر واحد»(42)،ـ ما أورع هذا المزج بين النحو والدلالة في بيان المراد.

وفي الموازنة الدلالية بين تعدد الخبر دون عطف، وتعدده بالواو، يقول الأستاذ الدكتور/ محمد محمد أبو موسى «لان الواو تؤذن بتميز الحدثين واستقلالهما، ألا تراك تقول: هو قائم قاعد، فتوهم أن الوصفين يلتبسان معًا، وكأنه يقوم في حال القعود، فإذا قلت: هو قائم وقاعد، لم يكن ذلك، وإنما كان على التواتر والتعاقب، وهكذا قوله تعالى: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ }(43) أي تخفض وترفع في زمن واحد، وقع منها الفعلان معًا، وقول قال (خافضة ورافعة) لم يكن ذلك، وتقول: هو غاضب ساخط أو فرح طروب، فإذا أدخلت الواو أفدت شيئًا آخر، وهكذا تجهر الواو دائمًا بالتمايز والتغاير»(44) إذن تعدد الخبر لواحد دون عطف يكون له من الدلالات ما لا يكون له مع العطف.

تعدد المبتدأ:

بعد أن تناولنا قضية تعدد خبر المبتدأ، نتناول قضية تعدد المبتدأ نفسه(45).

يقول السيوطي –رحمه الله-: «إذا تعددت مبتدآت متوالية فلك في الإخبار عنها طريقان(46):

أحدهما: أن تجعل الروابط في المبتدآت، فيخبر عن آخرها وتجعله مع خبره خبرًا لما قبله، وهذا إلى أن تخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأولى إلى ضمير متلوه، مثاله: زيد عمه خاله أخوه أبو قائم، والمعنى أبو أخي خال عم زيد قائم.

والآخر: أن يجعل الروابط في الأخبار، فيؤتى بعد خبر الأخير بها آخر لأول، وتال لملتو، مثاله: زيد هند الأخوان الزيدون ضاربوهما عندها بإذنه، والمعنى: الزيدون ضاربو الأخوين عند هند بإذن زيد.

قال أبو حيان: وهذا المثال ونحوه مما وضعه النحويين للاختبار والتمرين، ولا يوجد مثله في كلام العرب البتة، قال ومثله من الموصول: الذي التي اللتان التي أبوها أبوهما أختها أخواك أخته زيد، وقال ابن الخباز: العرب لا تدخل موصولًا على موصول، وإنما ذلك من وضع النحويين»(47).

يلاحظ من خلال النص أن في كلا الطريقين المتبعين في الإخبار عن المبتدآت المتعددة المتوالية يوجد من الأخبار ما يساوي المبتدآت من حيث العدد، بمعنى أن كل مبتدأ له خبر، ولا يوجد مبتدأ لا خبر له، أو بالأحرى لا يوجد خبر له مبتدآن، كما هي الحال في تعدد الخبر، إذ كان المبتدأ الواحد له خبران أو أكثر.

نعم التصور ذاته غير مقبول، تصور أن يوجد للخبر الواحد لفظًا ومعنى مبتدآن متعددان لفظًا ومعنى، لكن هذا التصور غير المقبول هو ما يقال عنه –في حال افتراض وجوده- إنه تعدد حقيقي للمبتدأ، وغير ذلك لا يقال عنه ذلك.

ولعل هذا هو السر في أن بعض النحاة لم يعالج هذه المسألة تحت عنوان «تعدد المبتدأ» بل فضل علاجها تحت عنوان: توالي المبتدآت(48) ومن ذكر عنوان: تعدد المبتدأ(49) لعله قصد التعدد المجازي، إذ إن المبتدأ هنا متعدد لفظًا ومعنى لكن لكل مبتدأ من هذه المبتدآت خبره الخاص به والمقصور عليه، ولذلك لم يشر أحد منهم من قريب أو بعيد إلى أن هذا التعدد حقيقي بالمعنى الذي مر في الخبر، وهو أن يوجد خبر له أكثر من مبتدأ متعدد لفظًا ومعنى، كما كان المبتدأ الواحد له أكثر من خبر، لا، لم يزعم أحد ذلك.

بل إن الأمثلة الواردة في نص السيوطي لهذا النوع من تعدد المبتدأ –وهي صور مقبولة عند النحاة وقد عرضوا لها بالشرح والتفسير- قال عنها أبو حيان كما سبق «لا يوجد مثله في كلام العرب البتة».

لكن هناك نمط آخر لتعدد المبتدآت ليس كالذي سبق في نص السيوطي، يقول عنه أبو حيان وإذا تعدد المبتدأ في اللفظ أو في المعنى فخبره مطابقه في اللفظ أو في المعنى نحو، الزيدان قائمان، والزيدان قائم وقاعد، وزيد وعمرو شاعران، وزيد وعمر شاعر وكاتب، والزيدون قائمون، والزيدون قائم وقاعد ومضطجع، وزيد وعمرو وبكر قائمون، وزيد وعمرو وبكر شاعر وكاتب وفقيه»(50).

واضح في هذا النمط أن الضمائر الرابطة بين الأخبار والمبتدآت ليست كما هي في النمط الأول من حيث طرق عودها، فالروابط هنا تعود فقط من الأخبار إلى المبتدآت، ولا يصح جعلها في المبتدآت كما جاز ذلك في النمط الأول.

وواضح أيضًا أن المبتدأ في هذا النمط لا يخلو من التعدد إما في المعنى وإما في اللفظ أو فيهما معًا، لكن الخبر هو الآخر لا يخلو من هذا التعدد، إذن هو تعدد في مقابل تعدد، وليس كما تقدم في الخبر تعددًا في مقابل الوحدة.

على أن تعدد المبتدأ لفظًا ومعنى هنا لا يتصور إلا على نحو واحد فقط، هو العطف، فلا يتصور فيه عدم العطف كما كانت الحال مع تعدد الخبر، إذ جاز فيه عند النحاة(51) العطف وعدمه.

والخلاصة أن المبتدأ في أي من النمطين السابقين لا يوصف بالتعدد الحقيقي، لأنه لا يوجد في النمطين كليهما مبتدآن متعددان لفظًا ومعنى لخبر واحد لفظًا ومعنى، كما وجد خبران –أو أكثر- متعددان لفظًا ومعنى لمبتدأ واحد لفظًا ومعنى(52) لأن هذا الأمر –كما سبق- لا يتصور هنا ابتداء ولعل من استعمل مصطلح «تعدد المبتدأ» هنا عني به التعدد المجازي.

تعدد خبر كان وأخواتها:

يقول ابن مالك عن تعدد خبر كان وأخواتها: «وإذا دخل شيء من هذه الأفعال على خبر متعدد نصب الجميع، كما ينصب الخبر الذي لم يتعدد، فيقال في: هذا حلو حامض، كان هذا حلوًا حامضًا، وذلك أن ارتفاع الخبرين فصاعدًا ثبت بعامل أي بالابتداء، وكان وأخواتها أقوى منه، ولذلك انتسخ عمله بعملها، فكما جاز للعامل الأضعف أن يعمل في خبرين فصاعدًا، كذلك يجوز للعامل الأقوى، بل هو بذلك أولى، وذهب ابن درستويه إلى منع تعدد الخبر في هذا الباب لأنه شبيه بمفعول ما يتعدى إلى مفعول واحد، فكما لا يتعدى الفعل المتعدي إلى واحد إلى أكثر من واحد، لا ينصب بأفعال هذا الباب إلا خبر واحد، وهذا منع لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه»(53).

في هذا النص يختار ابن مالك تعدد خبر كان وأخواتها قياسًا على جواز تعدد خبر المبتدأ، وينقل منع ابن درستويه تعدد الخبر في هذا الباب، ويقول عن هذا الرأي: إنه لا يلتفت إليه.

إلا أن ابن مالك لم يكن وحده من يجيز تعدد الخبر في هذا الباب بل كان موافقًا في ذلك لآخرين وكذلك لم يكن ابن درستويه وحده من يرى منع التعدد هنا، بل ذهب غيره إلى قوة المنع، كابن أبي الربيع في البسيط حيث يقول: «والذي يقوي عندي أن كان لا يكون لها خبران، ومتى جاء لها خبران فيقدر حذف حرف العطف»(54) فصاحب البسيط يخرج ما يعربه المجوزون للتعدد خبرًا ثانيًا لكان على أنه معطوف بحرف محذوف.

وكذلك وافقه أبو حيان، حيث يقول: «والظاهر من كلام سيبويه أنه لا يكون لها إلا خبر واحد، وهو نص ابن درستويه، وقيل يجوز تعدده… والمنع أقوى لأنها شبهت بضرب»(55) فأبو حيان يرى المنع أقوى من الجواز، كما أنه يفهم من كلام سيبويه عدم الجواز.

وكذلك يرى السيوطي أن المنع أولى، حيث يقول: «في تعدد خبر كان الخلاف في تعدد خبر المبتدأ، والمنع هنا أولى، ولهذا قال به بعض من جوزه هناك كابن درستويه وابن أبي الربيع»(56).

إذن يمنع التعدد ويراه قويًّا أو الأولى ابن أبي الربيع وأبي حيان والسيوطي وهو ظاهر كلام سيبويه عند أبي حيان والحجة عندهم أن كان وأخواتها «شبهت بما يتعدى إلى واحد فلا يزاد على ذلك»(57).

وأما المجوزون للتعدد هنا فمنهم –إضافة إلى ابن مالك- أبو علي الفارسي، يقول ابن هشام «وأوجب الفارسي في (كونوا قردة خاسئين)(58) كون خاسئين خبرًا ثانيًا لأن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل»(59).

وإذا كان الفارسي قد انطلق في قوله بجواز تعدد خبر كان وأخواتها من قاعدة نحوية، وهي أن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل فإن تلميذه ابن جني قد انطلق في قوله بجواز تعدد خبر كان(60) من منطلق دلالي صرف، يقول –رحمه الله-: «قال الله تعالى: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) (61) ينبغي أن يكون جعلته صفة لـ(قردة) صغر معناه، ألا ترى أن القرد لذلة وصغاره خاسئ أبدًأ، فيكون إذا صفة غير مفيدة، وإذا جعلت (خاسئين) خبرًا ثانيًا حسن وأفاد، حتى كأنه قال: كونوا قردة [و] كونوا خاسئين، ألا ترى أن ليس لأحد الاسمين من الاختصاص بالخبرية إلا ما لصاحبه، وليس كذلك الصفة بعد الموصوف، إنما اختصاص العامل بالموصوف، ثم الصفة من بعد تابعة له.

ولست أعني بقولي: إنه كأنه قال تعالى: كونوا قردة، كونوا خاسئين أن العامل في (خاسئين) عامل ثان غير الأول، معاذ الله أن أريد ذلك، إنما هذا شيء يقدر مع البدل، فأما في الخبرين فإن العامل فيهما جميعًا واحد، ولو كان هناك عامل آخر لما كانا خبرين لمخبر عنه واحد، وإنما مفاد الخبر من مجموعهما، ولهذا كان عند أبي على أن العائد على المبتدأ من مجموعهما، لا من أحدهما، لأنه ليس الخبر بأحدهما بل بمجموعهما، وإنما أريد أنك متى شئت باشرت بـ(كونوا) أي الاسمين آثرت وليست كذلك الصفة»(62).

نلمح ثلاث لمحات دلالية في هذا النص الذي يدلل فيه ابن جني على أن الوجه في (خاسئين) جعله خبرًا ثانيًّا.

الأولى: أنه استفاد من دلالة لفظ (القرد) على الذل والصغار أن خاسئ أبدًا، ورتب على هذا أن جعل (خاسئين) صفة ليس فيه إفادة جديدة، وأن جعلها خبرًا ثانيًا فيه إفادة جديدة حسنة.

الثانية: أنه لزيادة الإقناع –بل زيادة الإمتاع أثناء الإقناع- بأن (خاسئين) خبر ثان لفت نظرنا إلى اكتمال الفائدة الحاصلة مع أي من الخبرين إذا انفرد مع (كونوا) وأن الصفة والوصوف ليسا كذلك، فإذا قلنا ثملًا: تعلمت دروسًا مفيدة من هذا النص، فإن الفائدة الحاصلة مع الموصوف في حال انفرد مع العامل مكتملة، أما في حال انفردت الصفة مع العامل فإن الفائدة غير مكتملة، إذ لا يجوز دلاليًّا أن نقول تعملت مفيدة من هذا النص.

ولعل هذا ما عناه ابن جني بقوله: «ألا ترى أن ليس لأحد الاسمين اختصاص بالخبرية إلا ما لصاحبه وليس كذلك الصفة بعد الموصوف «وبقوله في آخر النص» وإنما أريد أنك متى شئت باشرت بـ(كونوا) أي الاسمين آثرت وليس كذلك الصفة».

وأعتقد أن ابن جني لا يقصد بالاختصاص المذكور في النص الاختصاص النحوي الذي معناه «أن يدخل الحرف على مدخول بعينه، وإن كان ذلك له بسبب لفظه، لا بسبب معناه، فمعنى (إن) مثلًا هو التوكيد، وهو معنى يمكن الوصول إليه بطرق مختلفة، ولكن (إن) تختص بالدخول على الاسم المبتدأ، ومعنى (لم) النفي وهو معنى عام يمكن التعبير عنه بطرق مختلفة ولكن (لم) تختص بالدخول على المضارع…» (63) لا، فنص ابن جني ليس فيه أبدًا ما يفيد أنه عني الاختصاص النحوي، وإنما يعني –حسب فهمي- ما يسميه أستاذي الدكتور تمام حسان –رحمه الله التوارد، ويوضحه أستاذي بقوله: «مفردات المعجم تنتظم في طوائف يتوارد بعضها مع بعض، ويتنافر مع بعض آخر فالأفعال طوائف تتوارد كل طائفة منها مع طائفة من الأسماء، وتتنافر مع الأسماء الأخرى، وهذا هو معنى قول البلاغيين: إسناد الفعل إلى من هو له أو إلى غير من هو له.

والمبتدآت والموصوفات وأصحاب الأحوال طوائف يتوارد كل منها مع كلمات دون أخرى لتكون خبرًا عنها ونعتًا لها وحالًا ومنها»(64) وما ورد في نص أستاذي هو ما ختم به ابن جني نصه من قوله «وإنما أريد أنك متى شئت باشرت بـ(كونوا) أي الاسمين آثرت فكلا الاسمين يتوارد مع الفعل (كونوا).

ولنتأمل من خلال اللمحتين الدلاليتين السابقتين كيف استطاع ابن جني أن يوظف الدلالة ليقنعنا برأيه النحوي في جواز تعدد خبر كان.

اللمحة الدلالية الثالثة: أنه جعل الفائدة في هذا النوع من الجمل إنما تحصل من مجموع الخبرين وليس من أحدهما، إذ العائد على المبتدأ هو من مجموع الخبرين وليس من أحدهما.

هذا، ويعود ابن جني ليدلل بأمر نحوي على أن (خاسئين) خبر ثان وليست صفة، ولكنه لا يجعل هذا لا الدليل النحوي منطلقًا لاستدلاله كما فعل في الأمور الدلالية السابقة، بل جعله أمرًا يستأنس به فيقول: «ويؤنس بذلك أنه لو كان (خاسئين) صفة لـ(قردة) لكان الأخلق أن يكون (قردة خاسئة) وفي أن لم يقرأ بذلك البتة دلالة على أنه ليس بوصف، وإن كان قد يجوز أن يكون (خاسئين) صفة (القردة) على المعنى، إذ كان المعنى أنها هي هم في المعنى، إلا أن هذا إنما هو جائز، وليس بالوجه، بل بالوجه أن يكون وصفًا لو كان على اللفظ، فكيف وقد سبق ضعف الصفة هاهنا»(65).

وفي هذا النص بيان للدليل الذي ذكره الأستاذ أبو علي فيما نقله عنه ابن هشام في النص السابق على نص ابن جني الأول، من أن المانع من جعل (خاسئين) صفة أن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل، بل فيه أيضًا رد على ما قد يرد على دليل أبي علي من أن المعنى المراد من القردة اليهود، وهم يعقلون.

وبعد، فإنا نخلص من كل ما سبق في هذا الباب إلى:

  1. أن ابن درستويه وابن أبي الربيع وأبا حيان والسيوطي بعضهم يمنع تعدد خبر كان وأخواتها، والبعض الآخر يرى أن الأقوى أو الأولى منع التعدد، ودليلهم في ذلك دليل نحوي واحد، هو أن نصب خبر كان إنما هو تشبيه له بمفعول الفعل المتعدي لواحد، وهذا الرأي قال عنه ابن مالك في نصه السابق: «وهذا منع لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه».
  2. أن أبا علي الفارسي وابن جني وابن مالك جوزوا تعدد خبر كان وأخواتها، ولهم في ذلك أدلة، دليلان نحويان وهما.
    1. أنه كما جاز للعامل الأضعف وهو الابتداء أن يعمل في خبرين فصاعدًا، فالأولى أن يعمل العامل الأقوى –وهو كان وأخواتها- العمل نفسه.
    2. أن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل مما يوجب جعل ثاني الاسمين في مثل هذه التراكيب خبر ثانيًا لا صفة، وفي كلام أبي علي الذي نقله ابن هشام، وكلام ابني جني في نصه الثاني خبر بيان لهذا الدليل.
    3. وثالث الأدلة دلالي يستنبط من الأمثلة التي ورد فيها التعدد، وفي نص ابن جني الأول خير شاهد لهذا الدليل.
  3. أني أرجح ما ذهب إليه كلم من الفارسي وابن جني وابن مالك من جواز تعدد خبر كان وأخواتها، لأن أدلتهم أقوى وأكثر إقناعنا.

ويزيد من رجحان ما ذهب إليه المجوزون للتعدد أن ابن أبي الربيع وهو من صرح بالمنع خرج –كما سبق في نصه- ما ورد من الأمثلة على أن الثاني معطوف بحرف عطف محذوف، وابن أبي الربيع نفسه يقول عقب نصه السابق «وحذف حرف العطف لا يكون في المفردات إلا في الشعر «فلماذا نقبل الكلام بتقدير أمر لا يكون إلا في الشعر(66) ولا نقبله بأمر ليس فيه تقدير البتة، لا في الشعر ولا في الكلام وهو القول بتعدد خبر كان وأخواتها.


تعدد خبر إن وأخواتها:

تعدد الخبر في هذا الباب فيه خلاف واضح، حيث صرح بعض النحاة بعدم جوازه، وصرح بعضهم بالجواز.

يقول أبو حيان: «ولا يجوز أن تقضي هذه الحروف إلا خبرًا واحدًا، وهو الذي يلوح من مذهب سيبويه، وقيل يجوز تعداد أخبارها»(67) إذن الظاهر من مذهب سيبويه المنع من تعدد خبر إن وأخواتها، وهو رأي أبي حيان وكذلك هو رأي السيوطي حيث يقول في الهمع: «وبقي في المتن مسائل، الأولى: في جواز تعدد خبر هذه الأحرف خلاف، قال أبو حيان: والذي يلوح من مذهب سيبويه المنع، وهو الذي يقتضيه القياس، لأنها عملت تشبيهًا بالفعل، والفعل لا يقتضي مرفوعين فكذلك هذه»(68) عند السيوطي إذن أن منع تعدد خبر إن وأخواتها يقتضيه القياس.

ويلاحظ أن كلًّا من أبي حيان والسيوطي قد ذكر أن بعض النحاة يجيز تعدد الخبر هنا فإذا علمنا بعض المانعين وحجتهم، فمن المجيز؟

لم أجد – فيما اطلعت عليه من مراجع- نحويًّا صرح بجواز تعدد خبر إن وأخواتها إلا الرضي، وفي نص واحد فقط، حيث يقول معرض حديثه عن خبر إن وأخواتها: «قوله (وأمره) أي حاله وشأنه كأمر خبر المبتدأ أي في أقسامه من كونه مفردًا وجملة، وفي أحكامه من كونه متحدًا ومتعددًا ومثبتًا ومحذوفًا وغير ذلك، وفي شرائطه من أنه إذا كان جملة فلا بد من الضمير ولا يحذف إلا إذا علم… وقد يخالف خبرها خبر المبتدأ في غير ما ذكر أيضًا، وذلك أن خبرها لا يكون مفردًا متضمنًا ما له صدر الكلام، كما يجيء في قسم الحروف»(69).

إذن خبر إن كخبر المبتدأ في أمور كثيرة منها كونه متحدًا أو متعددًا.

وهنك نص آخر للرضي نفسه ليس فيه تصريح بجواز التعدد لكن فيه أن أحكام خبر المبتدأ تنطبق على خبر إن وأخواتها إلا حكمًا واحدًا ليس جواز تعدد الخبر، والرضي –كما سبق تعدد خبر المبتدأ- ممن يقول بتعدده، يقول الرضي: «واعلم أن حال الاسم والخبر بعد دخول هذه الأحرف عليهما كحالهما قبل دخولها، لكنه يجب تأخير الخبر هاهنا إلا أن يكون ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، فيجوز توسطه بين الحروف وأسمائها، نحو: إن في الدار زيدًا، وإن كان الاسم مع ذلك نكرة وجب تأخيره نحو (إن لدينا أنكالًا) (70) كما في المبتدأ أو الخبر، وكل ذلك قد ذكرناه في باب المرفوعات في خبر إن…» (71) إذن الرضي يجيز تعدد خبر إن وأخواتها.

على أن ابن يعيش له نص يشبه نص الرضي الثاني، حيث لم يصرح فيه بجواز تعدد خبر إن لكن فيه أن كل ما جاز في خبر المبتدأ من أحكام جاز في خبر إن وأخواتها إلا حكمًا واحدًا ليس جواز تعدد الخبر، وابن يعيش –كما سبق في تعدد خبر المبتدأ- ممن يقول بتعدد خبر المبتدأ يقول ابن يعيش شارحًا كلام الزمخشري: «فصل قال صاحب (الكتاب وجميع ما ذكر في خبر المبتدأ من أصنافه وأحواله وشرائطه قائم فيه ما خلا جواز تقديمه إلا إذا وقع ظرفًا كقولك: إن في الدار زيدًا…) قال الشارح: يعني أن هذه الحروف داخلة على المبتدأ والخبر وكل ما جاز في المبتدأ والخبر جاز في هذه الحروف لا فرق، فالمراد بأصنافه كونه مفردًا أو جملة، وبأحواله كونه معرفة ونكرة، وبشرائطه افتقاره إلى عائد من الخبر إذا كان جملة وقوله (من أصنافه) يعني أن خبر المبتدأ كما يكون مفردًا أو جملة أو ظرفًا كذلك في هذه الحروف… وقوله (وأحواله) يعني أن أحوال أخبار هذه الحروف كأحوال أخبار المبتدأ من أنه يكون الخبر نكرة ومعرفة كما يكون كذلك في المبتدأ والخبر… وأما (شرائطه) فإنه إذا اجتمع معرفة ونكرة فالاسم هو المعرفة والخبر هو النكرة كما كان كذلك في المبتدأ والخبر، وإذا كان جملة فلا بد فيها من عائد إلى المبتدأ كما كان كذلك في المبتدأ والخبر، فكل ما جاز في المبتدأ والخبر جاز مع إن وأخواتها لا فرق بينهما إلا أن الذي كان مبتدأ مرفوعًا ينصب ها هنا بإن وأخواتها…» (73).

إذًا يمكنننا استنادًا لما في النص أن نقول إن الذي يلوح من مذهب ابن يعيش ومعه –الزمخشري- جواز تعدد خبر إن وأخواتها.

لكن على أي نحو يجيز كل من الرضي وابن يعيش تعدد خبر إن؟ فقد سبق في تعدد الخبر أن له أنماطًا عديدة منها الحقيقي، ومنها غير ذلك.

أقول: إن كل ما أورده الرضي وابن يعيش في تعدد خبر المبتدأ يرد هنا في تعدد خبر إن وقد سبق تفصيل رأي كل منهما في تعدد خبر المبتدأ.

ونكتفي فقط بقولنا: إذا كان الرضي قد وصف ما تعدد فيه الخبر لفظًا ومعنى عن شيء واحد لفظًا ومعنى بالتعدد الحقيقي، ومثل لذلك بمثلًا: زيد عالم وعاقل، وقوله تعالى: { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } فإنه يقول بتعدد خبر إن وأخواتها في حال دخولها على هذا المثال ونحوه، كقولنا: إن زيدًا عالم وعاقل.

وإذا كان الرضي قد قال عما اتصف فيه مجموع المبتدأ بكل واحد من الخبرين إنه من تعدد الخبر، ومثل لذلك بمثال هذا حلو حامض، فإنه يقول بتعدد خبر إن وأخواتها حال دخولها على هذا المثال ونحوه، كقولنا: إن هذا حل حامض.

وكذا نقول: إذا كان ابن يعيش قد استشهد بقول الشاعر:

من يك ذا بت فهذا بتي
 
مقيظ مصيف مشتي(73)
 

على تعدد الخبر للمبتدأ الواحد، فإنه يقول بتعدد خبر إن وأخواتها في حال دخولها –ولو تمثيلًا- على هذا الشاهد ونحوه كقولنا: فإن هذا بتي مقيظ مصيف مشتي.

لكن ما موقف البحث من هذه المسألة (تعدد خبر إن وأخواتها) هل يوافق المانعين أم يقول بالجواز مع المجوزين؟

البحث يقول بالجواز، وذلك أننا إذا تناولنا مثالًا من نحو: زيد كاتب شاعر، فإننا نجد أن نحاة الفريقين –المانعين والمجيزين- يقولون: إنه من باب تعدد خبر المبتدأ، لأن أبا حيان وسيبويه –فيما نقله عنه ابن حيان(74)– والسيوطي(75) يقولون بجواز تعدد خبر المبتدأ في المثال السابق ونحوه.

فإذا أدخلنا إن أو إحدى أخواتها على المثال ليكون على نحو: إن زيدًا كاتب شاعر، اختلف الفريقان، فالمانعون تعدد خبر إن يقولون إن (شاعر) إما صفة لـ(كاتب) وإما خبر لمبتدأ محذوف، والمجوزون لتعدد خبر إن يقولون: إنها خبر ثان لأن، ولا يمنعون فيه الوجهين اللذين يقول بهما المانعون من التعدد لخبر إن.

فإذا سئل المانعون عن عدم تجويزهم إعراب (شاعر) خبرًا ثانيًا لأن قالوا: «لأنها إنما عملت تشبيهًا بالفعل، والفعل لا يقتضي مرفوعين فكذلك هذه»(76) كما في نص السيوطي السابق.

وإذا سئل المجوزون لماذا تعربونها خبرًا ثانيًا قالوا: «هذه الحروف داخلة على المبتدأ والخبر… فكل ما جاز في المبتدأ والخبر جاز مع إن وأخواتها لا فرق بينهما إلا أن الذي كان مبتدأ مرفوعًا ينصب ها هنا بإن وأخواتها»(77) وكما يجوز تعدد خبر المبتدأ يجوز كذلك تعدد خبر إن وهذه الحجة مستفادة من نص ابن يعيش السابق.

أقول: ولعل أصل الخلاف هنا يعود إلى الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسألة العامل في خبر إن حيث ذهب البصريون إلى أن إن وأخواتها ترفع الخبر واحتجوا بالحجة السابقة الذكر التي ذكرها المانعون من تعدد خبر إن وأخواتها(78).

فلعل المانعين التزموا مذهب البصريين في هذه المسألة، ولعل القياس الذي ذكره السيوطي في نصه السابق هو قياس مذهب البصريين الذين قاسوا عمل إن في الخبر على عمل الفعل في الفاعل.

وذهب الكوفيون إلى أن وأخواتها لا ترفع الخبر، وإنما هو مرفوع بما ارتفع به قبل دخولها(79) واحتجوا «بان قالوا: أجمعنا على أن الأصل في هذه الحروف أن لا تنصب الاسم وإنما تنصبه لأنها أشبهت الفعل، فإذا كانت إنما عملت لأنها أشبهت الفعل فهي فرع عليه، وإذا كانت فرعًا عليه فهي أضعف منه، لأن الفرع أبدًا يكون أضعف من الأصل، فينبغي أن لا تعمل في الخبر جريًا على القياس في حظ الفروع عن الأصول، لأنا لو أعملناه عمله لأدى ذلك إلى التسوية بينهما، وذلك لا يجوز فوجب أن يكون باقيًا على رفعه قبل دخولها»(80).

وهذه الحجة دخلة في عموم الحكم الذي ذكره ابن يعيش حين قال: فكل ما جاز في المبتدأ والخبر جاز مع إن وأخواتها.

ولا ننسى أن الاستثناء الذي ذكره ابن يعيش في آخر نصه السابق يؤكد الإجماع الذي ذكر في أول النص الأخير.

إذن لعل المجوزين لتعدد خبر إن وأخواتها التزموا مذهب الكوفيين في هذه المسألة.

إن حجة الكوفيين في هذه المسألة أقوى –عندي- من حجة البصريين، لأن البصريين نظروا في حجتهم فقط إلى المشابهة الحاصلة بين إن وأخواتها والفعل، ولم يتطرقوا –في هذه المسألة- إلى قضية الأصل والفرع فيها، وما ينبني عليها من حكم في المسألة، بينما نظر الكوفيون إلى قضية المشابهة الحاصلة وزادوا بأن نظروا إلى الأصل المتفق عليه منهم(81) ومن البصريين وهو أن: «الفروع أبدًا تنحط عن درجة الأصول»(82) فلا يعطي حكم الأصل كاملًا.

لذا أقول –مع المجوزين- بجواز تعدد خبر إن وأخواتها، إلا أنني اختلف معهم –كما سبق أيضًا في تعدد خبر المبتدأ- في مسألة جواز التعدد مع العطف نحو: إن زيدًا عالم وعاقل، فلا أعد هذا تعددًا حقيقيًّا إذ «التحقق أن العطف ليس من التعدد»(83) كما اختلف مع الرضي في عده مثالًا من نحو: إن الرمان حلو حامض، من التعدد الحقيقي، إذ هو –كما سبق في تعدد خبر المبتدأ- من التعدد اللفظي فقط.

والخلاصة أن البحث يقول بجواز تعدد خبر إن وأخواتها، إذا تعدد الخبر لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى، كما في قوله تعالى: {واتَّقوا الله إنَّ الله توابٌ رَحيم}(84).

تعدد المفعول الثاني:

وجدت في هذا الباب نصًّا واحدًا لابن هشام يجيز فيه أن يتعدد المفعول الثاني، حيث يقول: «وتقول: تركت زيدًا عالمًا، فإن فسرت تركت بصيرت فـ(عالمًا) مفعول ثان أو بخلفت فحال، وإذا حمل قوله تعالى: {وترَكَهُم في ظُلُماتٍ لا يَبْصُرون}(85) على الأول فالظرف ولا يبصون مفعول ثان تكرر كما يتكرر الخبر، أو الظرف مفعول ثان والجملة بعده حال، أو بالعكس، وإن حمل على الثاني فحالان»(86).

في هذا النص يوضح ابن هشام أن الفعل (ترك) له تفسيران، ويختلف عمله النحوي باختلاف التفسير، فإذا فسر بـ(صير) فهو مما ينصب مفعولين، وإذا فسر بـ(خلِف) فينصب مفعولًا واحدًا.

وفي تعليقه على الآية الكريمة المذكورة في النص، تصريح بجواز تعدد المفعول الثاني كما يتعدد خبر المبتدأ.

ولقد عدت إلى كتب بعض النحاة المعربين لكتاب الله والمفسرين له، فما وجدت من يقول بقول ابن هشام.

فالعكبري يقول: «وتركهم في ظلمات، ها هنا يتعدى إلى مفعولين، لأن المعنى صيرهم، وليس المراد الترك الذي هو الإهمال: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول الثاني (في ظلمات) فلا يتعلق الجار بمحذوف، ويكون (لا يبصرون) حالًا، ويجوز أن يكون (لا يبصرن) هو المفعول الثاني و(في ظلمات) يتعلق بـ(تركهم) أو بـ(يبصرون) ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في (يبصرون) أو من المفعول الثاني»(87) ونص العكبري ليس فيه إجازة تعدد المفعول الثاني.

والزمخشري يقول: «وترك بمعنى طرح وخلي إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبي ظله، فإذا علق بشيئين كان مضمنًا معنى صبر، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة:

فتركته جزر السباع ينشنه
 

ومنه قوله (وتركهم في ظلمات) أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين»(88).

ولم يذكر الزمخشري كذلك شيئًا عن تعدد المفعول الثاني(89) أقول: لكن نص ابن هشام كان في سياق حديثه عن الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، مما يعني أنه –وكما يتضح من سياق النص- يستقصي الوجوه الإعرابية الجائرة فيما بعد المفعول الأول في الآية الكريمة وكان منها جواز تعدد المفعول الثاني، والبحث لا يرى مانعًا من الصناعة ولا من المعنى يمنع من القول –مع ابن هشام- بجواز تعدد المفعول الثاني.

تعدد الظرف:

يقول السيوطي: «الظرف، وتعدده ممتنع بلا خلاف، فقد اتفقوا على أن الفعل لا يعمل في ظرفين، لا يقال مثلًا: قمت يوم الجمعة يوم السبت، لأن وقوع قيام واحد في يوم الجمعة ويوم السبت محال… وكذا جلست أمامك خلفك لان وقوع جلوس واحد في مكانين محال»(90).

في هذا النص يذكر السيوطي أن لا خلاف في منع تعدد الظرف، ويذكر أن علة المنع هي الفعل لا يعمل في ظرفين، وهذا الحكم –دون نقل لعدم الخلاف- وهذه العلة قد ذكرا في مراجع أخرى(91)، وهذه المراجع أطلقت –كما فعل السيوطي- حكم المنع ولم تستثن.

إلا أن الرضي بعد أن ذكر الحكم والعلة السابقين استدرك قائلًا: «بلى، أو عطفت أحدهما على الآخر جاز لدلالته على تكرار الفعل: نحو جلست خلفك وأمامك، وكذا يجوز إن لم يتباين المكانان أو الزمانان نحو جلست خلفك أمس وقت الظهر، وأمامك وسط الدار»(92).

فالرضي في هذا النص يستثني حالتين من حكم منع تعدد الظرف، هما 1- العطف 2- عدم تباين الظرفين، وذلك إذا أمكن أن يدخل أحدهما في الآخر أو يتضمن فيه(93) كما في المثال الثاني في نص الرضي، حيث إن (وقت الظهر) داخل –أو متضمن- في (أمس) و(وسط الدار) داخل –أو متضمن في (أمامك) في هاتين الحالتين يجوز تعدد الظروف، وفي غيرهما لا يجوز، بأن كان الظرفان غير متعاطفين ومتباينين، بحيث لا يمكن أن يدخل أحدهما في الآخر أو يتضمن فيه، كما أمثلة نص السيوطي.

ويلاحظ هنا أن الرضي لجأ إلى الدلالة في إجازته للحالة الثانية، فهو لم يستعمل مصطلحًا نحويًّا في بيان جواز التعدد في الحالة الثانية، كما فعل في الحالة الأولى، ففي الأولى استعمل مصطلح العطف، وهو مصطلح نحوي، أما في الحالة الثانية فاستعمل عبارة «إن لم يباين المكانان أو الزمانان» و«عدم التباين» ليس من مصطلحات النحاة، بل هو من الدلالة.

على أن الباحث يوافق الرضي في إجازته تعدد الظرف في الحالة الثانية (عدم تباين الظرفين) إذ لا مانع من الصناعة ولا من المعنى يمنع من تعدد الظرف فيها، ولا يوافقه في الحالة الأولى (العطف) وذلك لأن «التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(94).

والخلاصة أن ابحث يقول –مع الرضي- بتعدد الظرف إذا لم يتباين المكانان أو الزمانان، ويقول بمنع التعدد في غير ذلك.

تعدد المستثنى:

ذكر النحاة في هذا الباب نوعين من التعدد، الأول: ما تعدد فيه المستثنى وحده دون أن تتعدد معه الأداة.

الثاني ما تعدد فيه المستثنى وتعددت معه الأداة.

وقبل أن أبدأ في تناول التعدد في النوع الأول منهما أحب أن أسس لقضية مهمة، وهي أن النحاة يطلقون مصطلح المستثنى على كل ما حكم له بالدخول في غير الموجب من الكلام، وبالخروج في الموجب منه، أيًّا كان المعنى النحوي الذي يؤديه هذا الداخل أو الخارج، ففي نحو:

  1. ما جاءني القوم إلا زيد.
  2. ما جاءني القوم إلا زيدًا.
  3. ما قام إلا زيد.
  4. ما ضربت إلى زيدًا.
  5. ما مررت إلا بزيد.
  6. جاء القوم إلا زيدًا.

ففي الأمثلة يسمى النحاة كل ما بعد (إلا) مستثنى، سواء أكان المعنى النحوي الذي يؤديه بدلًا كما في المثال الأول، أم منصوبًا على الاستثناء كما في المثالين الثاني والسادس، أم فاعلًا كما في المثال الثالث، أم مفعول به كما في المثال الرابع، أم أعرب مجرورًا كما في المثال الخامس، كل ما سبق يسميه النحاة مستثنى.

يقول الرضي: «لان البدل والنصب على الاستثناء كلاهما استثناء، ولا فرق بينهما اتفاقًا في نحو: ما جاءني القوم إلا زيد أو زيدًا»(95) فسمي ما يعرب بدلًا –في هذه الأساليب- مستثنى كالمنصوب على الاستثناء، ونص على أن هذا القول فيه اتفاق.

وواضح أن النحاة لا يقصدون بالمستثنى –هنا- المنصوب على الاستثناء فقط، بل كل ما يخرج من حكم ما سبق عليه بأداة، إذ عندهم أن «الاستثناء إخراج، والإخراج مغايرة»(96).

لكن البحث –حتى لا يخالف المنهج الذي اختاره وذكره في مقدمة البحث(97) –يحصر مجال الدراسة- في هذا الباب النحوي –فيما ينصب على الاستثناء فقط، بوصفه معنى نحويًّا محددًا، يختلف تمامًا عن البدل والفاعل والمفعول به والمجرور وغير ذلك من المعاني النحوي التي تأتي مستثناة، فكل معنى نحوي من هذه المعاني له باب نحوي خاص به وبأحكامه، فأحكام البدل وأحكام الفاعل وغير ذلك من المعاني مختلفة –كما هو معلوم- عن أحكام المنصوب على الاستثناء.

ولذا فالبحث لن يعد من تعدد المستثنى إلا ما جاز فيه –أو وجب- النصب على الاستثناء.

أما عن النوع الأول وهو ما تعدد فيه المستثنى وحده دون الأداة، فيقول السيوطي: «لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان، فلا يقال: أعيطت الناس إلا عمرًا الدنانير، ولا: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، تشبيهًا بواو (مع) وحرف الجر، فإنهما لا يصلان إلا إلى معمول واحد، وأجازه قوم تشبيهًا بواو العطف، حيث يقال: ضرب زيد عمرًا وبشر خالدًا، وقيل: لم يقل أحد بجوازه، وإنما الخلاف في صحة التركيب، فقوم قالوا بفساده وإنه لحن، وقوم قالوا: إنه صحيح لا على الاستثناء بل على أن الأول بدل والثاني منصوب بفعل مضمر من لفظ الفعل الظاهر، والتقدير إلا عمرًا أعطيته الدنانير وأعطيته دانقً، وقيل كلاهما بدلان من الاسمين السابقين قبل إلا… وعليه ابن السراج… أما تعدد المستثنى مع العطف نحو: قام القوم إلا زيدًا وعمرًا فجائز اتفاقًا»(98).

في هذا النص يذكر السيوطي روايتين عن النحاة في هذا النوع من تعدد المستثنى: الرواية الأولى تقول: إن النحاة(99) عدا قوم لا يجيزون أن يستثنى بأداة واحدة –دون عطف- شيئان، فلا يقال: أعطت الناس إلا عمرًا الدنانير، ولا ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، لكن عند هؤلاء القوم يجوز المثالان.

والرواية الثانية تقول: إن أحدًا من النحاة لم يقل بجواز استثناء شيئين بأداة واحدة دون عطف، وإنما الخلاف بينهم في صحة التراكيب التي ترد على هذا النحو أو عدم صحتها، فذهب قوم إلى فسادها وأنها لحن(100)، وذهب آخرون إلى صحة هذه التراكيب لكن بتأويلات(101) ليس بينها أن يكون كل من الاسمين أو أحدهما منصوبًا على الاستثناء، وهذا هو المفهوم من كلام السيوطي السابق، لكن الدماميني –فيما نقله عنه الصبان- أجاز جعل الاسم الأول بعد إلا في هذه التراكيب ونحوها مستثنى(102) على أن يكون الاسم الثاني معمولًا لفعل محذوف، وهو في هذا يخالف المصححين لهذه التراكيب في أنه أجاز جعل الأول مستثنى، لكن يبقى أنه لم يقل بتعدد المستثنى، حيث لم يجز جعل ثاني الاسمين مستثنى منصوبًا.

وعلى الرواية الثانية فالنحاة جميعًا يمنعون من تعدد المستثنى دون عطف.

لكن على الرواية الأولى فإن قومًا يجيزون تعدد المستثنى دون عطف(103) على نحو المثالين المذكورين في الرواية الأولى، ومن هؤلاء المجيزين الزمخشري(104) يقول الصبان: «وفي حاشية المغني للدماميني أن جماعة أجازوا نصب شيئين بأداة واحدة دون عطف، وعليه مشى صاحب الكشاف»(105) حيث يقول في الكشاف تعليقًا على قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ }(106) يقول: «أن يؤذن لكم في معنى الظرف، تقديره وقت أن يؤذن لكم و(غير ناظرين) حال من (لا تدخلوا) وقع الاستثناء على الوقت والحال معًا، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقت الإذن، ولا تدخلوا إلا غير ناظرين»(107).

إذن الزمخشري ممن يجيز أن يتعدد المستثنى دون عطف، حيث إن جزء الآية موضع الحديث ليس فيه عطف.

ونلاحظ أن الزمخشري في آخر النص –بدءًا من عبارة: كأنه قيل –وظف أسلوبًا دلاليًّا، وليس نحويًّا ليوضح لنا ويقنعنا أن الاستثناء إنما هو لشيئين.

هذا، ويلاحظ أن المثالين الجازئين –في نص السيوطي- عند قوم من النحاة، وهما أعطيت الناس إلا عمرًا الدنانير، وما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، يلاحظ أن المستثنى منه في المثال الأول واحد، وفي الثاني متعدد «فتعدد المستثنى قد يكون مع تعدد المستثنى منه وقد يكون مع اتحاده»(108).

لكن ماذا عن تعدد المستثنى في هذا النوع الأول حال العطف؟

ذكر السيوطي في آخر نصه السابق المذكور في أول هذا الباب أن «تعدد المستثنى مع العطف نحو: قام القوم إلا زيدًا وعمرًا جائز اتفاقًا)» ونقل الاتفاق هنا مسلم إذا حصرنا الجواز في المثال الذي مثل به ونحوه، لكن إذا تطرق الجواز مع العطف إلى المثالين –ونحوهما- اللذين ذكرهما في أول النص، وأجازهما قوم، فيبدو أن الاتفاق غير مسلم به.

يقول الصبان فيما ينقله عن الدماميني: «أما مع العطف فقد يمتنع أيضًا كما في الأمثلة المتقدمة، لأن العطف فيها يفسد المعنى، وقد يجوز كما في: ما جاءني أحد إلا زيد وعمرو، فالعطف في هذا المثال هو المصحح له فيما يظهر»(109) لكن في نحو: أعطيت القوم الدراهم إلا زيدًا الدنانير، وما أعطيب أحدًا شيئًا إلا زيدًا درهمًا، فواضح أن العطف بين الاسمين بعد إلا يفسد المعنى.

إذن تعدد المستثنى –في هذا النوع- مع العطف ليس جائزًا بإطلاق، لكنه مرهون بعدم فساد المعنى.

لكن قد يرد على ما سبق أن اشتراط عدم فساد المعنى شرط معدوم إذ لم يقل نحوي بجواز مثال فاسد المعنى.

إلا أنه يبقى أن هنا لطيفة نحوية، وهي أن الأمثلة التي منع جمهور النحاة(110) أعدها من قبيل تعدد المستثنى وأجازها قوم، هذه الأمثلة لا تقبل ما أجاز كل النحاة عده من قبيل تعدد المستثنى وهو العطف.

ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن الدماميني –فيما نقله عنه الصبان- انطلق من منطلق دلالي للحكم على منع أو جواز التعدد مع العطف حيث اعتمد على قضية فساد المعنى أو صحته، وهي قضية دلالية، نعم أدوائها نحوية، لكنها في النهاية قضية دلالية(111).

لكن هل يقر البحث وصف تعدد المستثنى مع العطف بالتعدد الحقيقي؟

هنا أستعيد(112) عبارة الشيخ خالد الأزهري –التي سبقت أكثر من مرة- ويقول فيها إن «التحقيق أن العطف ليس من التعدد».

هذا عما قبل النحاة وصفه بالتعدد، فماذا عما وصفه قوم منهم الزمخشري بالتعدد؟

إن ما قبل قوم وصفه بالتعدد للمستثنى دون عطف كان –كما سبق- على نمطين: أحدهما: ما تعدد فيه المستثنى وكان المستثنى منه متعددًا كما في: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا.

الثاني: ما تعدد فيه المستثنى وكان المستثنى منه واحدًا كما في: أعطيت الناس إلا عمرًا الدنانير.

فالأول تعدد فيه المستثنى لمتعدد، والثاني تعدد فيه المستثنى لواحد.

وهذان النمطان يذكرانا بما سبق عن أنواع التعدد في تعدد خبر المبتدأ حيث عد النوع الذي يماثل النمط الثاني هنا هو التعدد الحقيقي فقط، فهل ما جرى هناك من حكم يجري هنا أولًا؟

أقول: إن ما جرى هناك من حكم لا يجري هنا، وذلك لوجود اختلاف أساسي، وهو أن أحدًا من النحاة المانعين من تعدد المستثنى دون عطف أو من المجيزين لذلك، لم يشر من قريب أو بعيد إلى أن سبب المنع أو الجواز يتعلق بكون المستثنى منه متعددًا أو مفردًا.

فالسبب الذي ذكره المانعون هو –كما في نص السيوطي في بداية هذا الباب- أنهم شبهوا إلا «بواو مع وحرف الجر، فإنهما لا يصلان إلا إلى معمول واحد» والسبب الذي ذكره المجيزون هو –كما سبق في النص المشار إليه قبل- إنهم شبهوا إلا «بواو العطف حيث يقال: ضرب زيد عمرًا وبشر خالدًا».

إذًا سبب المنع أو الجواز –هنا- لا يتعلق بتعدد المستثنى منه أو اتحاده البتة، بعكس ما هو حاصل في تعدد خبر المبتدأ، إذ قال جمهور النحاة –كما سبق- بالتعدد الحقيقي للخبر إذا كان متعددًا لفظًا ومعنى لمفرد لفظًا ومعنى ولهذا فإن البحث يقبل وصف ما تعدد فيه المستثنى دون عطف ودون أن تتعدد الأداة، يقبل وصفه بالتعدد الحقيقي سواء تعدد المستثنى منه أم لم يتعدد، ويقوي موقف البحث في هذا الاختيار ما نقلته آنفًا عن الصبان عن قوله «فتعدد المستثنى قد يكون مع تعدد المستثنى منه وقد يكون مع اتحاده» ويقويه كذلك أنه في حال تعدد المستثنى منه فإن المعنى يكتمل بمستثنى واحد، فلا يلزم ذكر المستثنى الثاني، ففي مثال: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، يجوز أن تقول: ما أعطيب أحدًا درهمًا إلا زيدًا، ويكون المعنى متكملًا(113).

النوع الثاني: من نوعي تعدد المستثنى وهو أن يتعدد المستثنى وتتعدد معه الأداة، فأحب أن أبدأ فيه بالتأسيس لقضية مهمة، وهي أن كل المراجع التي عرضت لهذا النوع، عالجته تحت عنوان (تكرار إلا) وليس تحت عنوان (تعدد المستثنى) فهل هناك فارق(114) بين العنوانين أو لا؟ وهل يوجد سبب –عند النحاة- يمنع معالجة القضية تحت عنوان (تعدد المستثنى)؟

إن النحاة يقسمون (تكرار إلا) إلى قسمين، الأول: أن تكرر للتأكيد، والثاني: أن تكرار (مقصودًا بها استثناء بعد استثناء) (115).

وعن القسم الأول يقول الرضي: «فإن كررتها للتأكيد، فإما أن يكون ما بعدها عطف نسق ولا بد من حرف العطف قبل إلا، نحو: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو، وإما أن يكون بدلًا، وهو إما بدل الكل نحو: ما جاءني إلى زيد إلا أخوك إذا كان الأخ زيدًا، أو بدل البعض نحو: ما ضربت إلا زيدًا إلا رأسه، أو وبدل الاشتمال نحو ما أعجبني إلا زيدًا إلا علمه، أو بدل الغلط نحو ما جاءني إلا زيد إلا عمرو، وإما أن يكون عطف بيان، نحو ما أتاني إلا أخوك إلا زيد إذا كان زيد هو الأخ»(116).

ويوضح ابن مالك معنى كون (إلا) في هذه التراكيب للتأكيد فيقول: «فأكدت إلا الأولى بالثانية داخلة بين البدل والمبدل منه»(117) وكذلك بين عطف البيان ومتبوعه.

هذه –إذن- الأحوال التي تكرر فيها إلا للتأكيد، وليس منها –كما هو واضح- أن يكون ما بعدها مستثنى منصوبًا، ولهذا فليس من المقبول أن نعالج القسم السابق من قسمي تكرار (إلا) تحت عنوان (تعدد المستثنى) إذ لا تعدد له.

أما القسم الثاني من قسمي تكرار (إلا) فقد صدر ابن مالك معالجته لهذا القسم بعبارة «وإن كررت مقصودًا بها استثناءً بعد استثناء» وكذلك صدره الأشموني بعبارة «وإن تكرر لا لتوكيد بل لقصد استثناء بعد استثناء» كما ختم الأزهري معالجة هذا القسم بعبارة «هذا حكم المستثنيات المكررة»(118) هذه العبارات غاية في التصريح بأن هذا القسم فيه تعدد للمستثنى مع تعدد الأداة.

ومما يقوي ما سبق أن الشيخ الصبان في تعليقه على الأشموني بعد أن أنهى الأشموني حديثه عن هذا القسم يقول «ولم يتكلم المصنف والشارح على عكس المسألة المذكورة، وهو تعدد ما يصلح للاستثناء منه مع اتحاد المستثنى»(119).

ومعنى هذا-بمفهوم المخالفة- أن المسألة المذكورة –وهي القسم الثاني من قسمي تكرار إلا – هي ما تعدد فيه المستثنى واتحد المستثنى منه.

ومن خلال ما سبق يتبين أن عنوان (تكرار إلا) أعم من عنوان تعدد المستثنى إذ ليس كل تكرار لـ(إلا) تعددًا للمستثنى، وربما لهذا السبب آثر النحاة عنوان (تكرار إلا) ليشمل القسمين معًا: التكرار للتأكيد وتعدد المستثنى مع تعدد الأداة.

أما عن أحوال هذا التعدد للمستثنى مع تعدد الأداة فيتوقف على: هل يمكن استثناء بعض هذه المستثنيات من بعض أولًا؟

يقول أبو حيان إن «لم يكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعض إن كان مفرغًا، ونصب ما سواه، مثال ذلك: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا، والذي يلي العامل من هذه الأسماء أولى أن يفرغ له العامل، يجوز أن يفرغ الأخير، وينصب المتقدمين والمتوسط فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكر، وما قام إلا زيد إلا عمرو إلا بكرًا، فإذا رفعت الأول جاز فيما بعده الرفع على البدل بدل البداء، والنصب على الاستثناء، وإن رفعت الآخر نصبت ما تقدم على الاستثناء، وإن رفعت المتوسط لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء، ويجوز فيما بعده النصب على الاستثناء والرفع على بدل البداء.

وحكم ما فرغ له العامل من المنصوبات حكم ما فرغ له العامل من المرفوع نحو: ما ضربت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا، إن جعلت الأول معمولًا لضربت انتصب الباقي على الاستثناء أو على البدل أو الأخير انتصب ما قبله على الاستثناء أو المتوسط كان ما قبله منصوبًا على الاستثناء وما بعده كذلك أو بدل.

والمجرور المفرغ له العامل كذلك، تقول: ما مررت إلا بزيد إلا عمرًا إلا خالدًا، وإلا عمرو وإلا خالد، وما مررت إلا زيدًا إلا بعمرو إلا خالدًا وخالد، وما مررت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بخالد»(120).

هذا عن تعدد المستثنى في حال كان العامل مفرغًا، فبوجه عام يشغل العامل بأحد هذه المستثنيات وينصب ما سواه على الاستثناء لكن هذا النصب لما سوى المستثنى المشغول به العامل يجب –كما في النص- في حالين ويجوز في حالين: يجب فيما: 1- تقدم من مستثنيات لو شغل العامل بالمستثنى الأخير 2- يسبق المستثنى المتوسط من مستثنيات لو شغل العامل به ويجوز فيما: 1- يلي المستثنى الأول لو شغل العامل به(121) 2- يلي المستثنى المتوسط لو شغل العامل به.

ومعلوم –كما هو واضح من النص- أن الوجه الآخر من الإعراب لهذه المستثنيات المنصوبة في حال الجواز هو بدل البداء، لكننا لا نشغل بالحال التي يكون فيها بعض هذه المستثنيات بدل بداء(122) إذا شاغلنا هو –كما سبق- كونها مستثنيات منصوبة متعددة، وهذا حاصل في الأحوال الأربعة السابقة كلها، إذ لا يمتنع في أي من هذه الأحوال أن نعرب ما سوى المشغول به العامل مستثنى منصوبًا، بل إن من النحاة من لم يجوز فيما سوى المشغول به العامل إلا النصب على الاستثناء، يقول الرضي إن كان الاستثناء مفرغًا شغل العامل ببعضها، أيها كان، ونصب ما سواه على الاستثناء لامتناع شغل العامل بأكثر من واحد وامتناع الإبدال أيضًا فلم يبق إلا النصب(123) على الاستثناء»(124) وكذلك يقول الشيخ الأزهري: «فإن كان العامل الذي قبل (إلا) مفرغًا بأن لم يشتغل بمعمول قبل (إلا) تركته يؤثر في واحد من المستثنيات على ما يقتضيه من رفع أو نصب أو جر ونصب وجوبًا على الاستثناء ما عدا ذلك الواحد الذي أثر فيه العامل نحو: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا(125).

إذن العالمان كلاهما يوجب نصب ما عدا المفرغ له العامل على الاستثناء، وكذلك الشيخ يس في تعليقه على كلام الأزهري السابق: «قوله: ونصب وجوبًا على الاستثناء ما عدا ذلك، قال الشهاب فإن قيل ما عدا ذلك الواحد استثناء من كلام تام غير موجب فيلزم أن يجوز الوجهان، أما كونه تامًّا فلتمامه بالمستثنى الأول لأنه فاعل، وأما كونه غير موجب فظاهر، فالجواب: أن وجه الرفع على البدل بدل بعض، ولا يتأتى هنا، لأنه لم يتقدم ما عدا ذلك الواحد عموم يشمله ليكون بدل بعض منه»(126).

أقول: لكن أبا حيان –في نصه السابق- نص على أن الوجه الآخر لما عدا ذلك الواحد غير النصب هو أنه بدل بداء وليس بدل بعض، وهو ما أراه وجهًا مقبولًا ولا مطعن عليه، لأن أبا حيان حدد المواضع التي قال فيه بجواز بدل البداء بأنها: ما يلي المستثنى الأول في حال انشغال العامل به، وما يلي المستثنى المتوسط في حال انشغال العامل به، ولا شك أن هذه المواضع تصلح للقول ببدل البداء، لأن المبدل منه فيها سيكون هو ذلك المستثنى الذي فرغ العامل له نستطيع –بناء على ما سبق- الجزم بأنه يجوز –إن لم نقل إنه يجب- تعدد المستثنى حقيقة في حال كانت المستثنيات المتعددة لا يستثنى بعضها من بعض، وكان العامل مفرغًا.

ويلاحظ من خلال ما سبق من نصوص أنه لا فرق من الحكم بجواز –أو وجوب- تعدد المستثنى بين كون ما فرغ له العامل من المستثنيات مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا.

أما «إن لم يكن العامل مفرغًا، فالنصب على الاستثناء لجميعها إن تقدمت نحو: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا أحد، وقام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا القوم، وما لي إلا زيدًا إلا عمرًا ناصر، وزعم ابن السيد أنه يجوز في هذا أربعة أوجه: الأول: النصب على الاستثناء كما ذكر النحاة، والثاني: النصب على الحال، والثالث: أن يجعل الأول حالًا والباقي على الاستثناء، والرابع: أن يكون السابق على الاستثناء، والباقي حالًا.

وإن تأخرت فلأحدها ماله مفردًا، وللبواقي النصب مثال ذلك، قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا خالدًا، وما جاء إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا.

وقال شيخنا الأبدي: يجوز في الإيجاب الرفع في الجميع على النعت، ونصب الجميع على الاستثناء، ورفع أحدها على الصفة ونصب الباقي على الاستثناء، واتبع في جعل المكرر صفة ابن السيد، ومنع ذلك شيخنا أبو الحسن بن الضائع، قال الأبذي: ويجوز في النفي الرفع على البدل فيها، والنصب على الاستثناء فيها، والرفع فيها على النعت، ورفع احدهما على البدل أو النعت والباقي على الاستثناء، وقد ذكر عن ابن الضائع: أنه لا يجيز في المكرر الصفة»(127).

هذا عن تعدد المستثنى في حال كون العامل غير مفرغ، فإن تقدمت المستثنيات وتأخر المستثنى نصبت جميعًا على الاستثناء(128) وصرح الشيخ خالد الأزهري بأن النصب هنا واجب(129) غير أن ابن السيد أجاز في هذه الحال –كما في النص- نصب الجميع أو الأول فقط أو ما بعد الأول على الحال(130) لكنه لم يمنع إعراب الجميع منصوبًا على الاستثناء، فهذا الأمر جائز عنده بما يعني أن ابن السيد لا يمنع تعدد المستثنى بل يجيزه حال كون المستثنى منه متأخرًا.

وأما إذا تأخرت(131) المستثنيات وتقدم المستثنى منه فلأحد المستثنيات ما له لو انفرد، وللباقي النصب(132) وصرح كل من الرضي(133) والأزهري(134) بأن النصب للباقي واجب.

غير أن الأبذي أجاز أيضًا في هذه الحال(135) –كما في النص- الرفع للجميع على النعت في حال الإيجاب وتبعه ابن السيد في ذلك كما أن الأبذي أجاز أيضًا في حال الإيجاب رفع الجميع على البدل في حال النفي(136) كما أجاز رفع أحدهما فقط على البدلية أو النعت.

أقول لكن الأبذي لم يمنع البتة من جواز إعراب الجميع في الحالتين كلتيهما –الإيجاب والنفي- بالنصب على الاستثناء، بما يعني أن الأبذي يجوز عنده أن يتعدد المستثنى –في الحالة التي نتحدث عنها- إذا كان المستثنى عنه متقدمًا.

إذًا نخلص مما سبق إلى أن كل النحاة –وفيهم ابن السيد والأبذي- يجيزون تعدد المستثنى في حال كانت المستثنيات المتعددة لا يستثني بعضها من بعض، وكان العامل غير مفرغ.

هذا، وقد كان ما سبق (حكم المستثنيات المكررة بالنظر إلى اللفظ من حيث الإعراب، وأما بالنظر إلى المعنى من حيث المفهوم) (137) فيقول الرضي في أسلوب دلالي رائع: «واعلم أن جميع هذه الأقسام من المفرغ وغيره، مستثنياتها مخرجة من متعدد واحد، ظاهر في غير المفرغ، مقدر في المفرغ، ففي قولك: ما جاءني أحد إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا، زيد مخرج من أحد، وعمروا مخرج مما بقي من أحد بعد إخراج زيد أي ما جاءني غير زيد إلا عمرًا، وخالد مخرج مما تبقى من أحد بعد إخراج زيد وعمرو، أي ما جاءني غير زيد وعمرو إلا خالدًا، فالكل مستثنى من النص الأول، فيكون الكل مثبتًا.

وكذا في المفرغ نحو: ما جاءني إلا زيد إلا عمرًا إلا خالدًا، عمرو مخرج من المتعدد المقدر بعد خروج زيد، وخالد مخرج منه بعد خروج زيد وعمرو، وكذا لو كان الأول موجبًا نحو: جاءني القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا… وكل المستثنيات ها هنا منفية»(138) أي خارجة عن الحكم لأن القيام منفي عنها «لأن الاستثناء من الإثبات نفي»(139).

على أنه قد وردت في نص الرضي السابق عبارة جديرة بأن نتوقف معها، وهي قوله: «مستثنيات مخرجة من متعدد واحد» إذ هو بهذه العبارة يقرر(140) أن المستثنى منه واحد –ظاهرًا كان أو مقدرًا- في جميع ما سبق من أمثلة في هذا النوع الذي تتعدد فيه المستثنيات، ولا تقبل أن يستثنى بعضها من بعض، لكن هل هناك أمثلة تعدد فيها المستثنى منه في هذا النوع؟

في الحقيقة أن أحدًا من النحاة –الذين رجعت إلى مراجعهم- لم يشر إلى شيء من هذه الأمثلة إلا الرضي نفسه، إذ يقول جامعًا في أسلوب رقيق جميل بين النحو والدلالة: «وإن كان المستثنى منه أكثر منه واحد، فإن كان في غير الموجب لم يجز في ثاني المستثنيين إلا النصب على الاستثناء، نحو: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا، لأن النفي قد انتقض إلا الأولى، فهو استثناء من موجب، والمعنى كل أحد أكل الخبز فقط إلا زيدًا فإنه لم يأكله فقط بل أكل معه شيئًا آخر أيضًا، فإن لم يذكر ما استثنى منه المستثنى الأول كما ذكرنا، اشتغل العامل به كما رأيت، وإن ذكرته جاز في المستثنى الأول والإبدال، والنصب على الاستثناء، نحو: ما أكل أحد شيئًا إلا الخبز إلا زيدًا.

وإن كان الكلام موجبًا فلا بد من ذكر المستثنى منهما، لأن الموجب لا يفرغ على ما تقدم، تقول: أكل القوم جميع الطعام إلا الخبز إلا زيدًا، والنصب واجب في أول المستثنيين، لأنه عن موجب، وأما ثانيهما فالقياس جواز إبداله، ونصبه على الاستثناء، لأنه في المعنى عن غير موجب بسبب نقض إلا لمعنى الإيجاب، والمعنى: ما أكل القوم الخبز إلا زيد وإلا زيدًا، وإن كان القوم في اللفظ في حيز الإيجاب»(141).

والسؤال الآن: هل إذا تعدد المستثنى منه –كما في النص- يبقى القول بتعدد المستثنى أو لا؟

إن الرضي أوجب في ثاني المستثنيين –في حال غير الإيجاب- النصب على الاستثناء، وجوز في أول المستثنيين – في حال ذكر المستثنى منهما- الإبدال والنصب على الاستثناء، إذن لا يمتنع عنده – في حال غير الإيجاب وذكر المستثنى منهما- تعدد المستثنى.

نعم، في حال عدم ذكر ما استثني منه المستثنى الأول، لا يقال بتعدد المستثنى، إذ إن العالم يشغل المستثنى الأول ولا يبقى منصوبًا على الاستثناء إلا واحدًا فقط، وفي هذه الحال لا يكون هذا المثال –ونحوه- داخلًا معنا في حديثنا عن تعدد المستثنى، لكن يبقى أنه في حال ذكر المستثنى منهما –وهي موضع الحديث الآن- يجوز تعدد المستثنى.

وكذلك يجوز أن يقال بتعدد المستثنى في حال الإيجاب، إذ لا بد من ذكر المستثنى منهما، ويجب في المستثنى الأول النصب، ويجوز في الثاني نصبه على الاستثناء أيضًا.

إذن يجوز تعدد المستثنى في حال تعدد المستثنى منه، كما هو جائز في حال كونه واحدًا.

ولا يقال هنا: إن تعدد المستثنى منه تعدد غير حقيقي، لا، بل هو تعدد حقيقي، وأذكر هنا بما سبق ذكره من قول الصبان «فتعدد المستثنى قد يكون مع تعدد المستثنى منه وقد يكون مع اتحاده»(142).

وكذلك فإن كل الأمثلة التي ذكر أن فيها تعددًا للمستثنى، هذه الأمثلة يصح فيها أن لا يذكر المستثنى الثاني مع تمام المعنى، فنحو: ما أكل أحد شيئًا إلا الخبز إلا زيدًا، وأكل القوم جميع الطعام إلا الخبز إلا زيدًا، يجوز فيهما ويصح الاقتصار على الأول فقط، فيقال فيهما: ما أكل أحد شيئًا إلا الخبز، وأكل القوم جميع الطعام إلى الخبز، بما يعني أنه لا يلزم إذا ذكر أكثر من لفظ يصلح للاستثناء منه أن يذكر لكل لفظ مستثنى(143).

هذا، وقد كان ما سبق حديثًا عن تعدد المستثنى في حال كون المستثنيات المتعددة لا يصلح استثناء بعضها من بعض.

إما إذا أمكن استثناء تال من متلوه «فإما أن يكون في العدد أو في غيره، فالذي في غير العدد نحو جاءني المكيون إلا قريشًا إلا هاشمًا إلا عقيلًا، في الموجب، فلا يجوز في كل وتر إلا النصب على الاستثناء، لأنه عن موجب، والقياس أن يجوز في كل شفع الإبدال والنصب على الاستثناء لأنه من غير موجب والمستثنى منه مذكور… فكل وتر منفي خارج، وكل شفع مثبت داخل، فيكون في مسألتنا قد جاءك من المكيين غير قريش مع جميع بني هاشم إلا عقيلًا.

وتقول في غير الموجب: ما جاءني المكيون إلا قريش إلا هاشمًا إلا عقيلًا، فالقياس أن يجوز لك في كل وتر النصب على الاستثناء والبدل، لأنه غير موجب والمستثنى منه مذكور، ولا يجوز في الشفع إلا النصب على الاستثناء، لأنه عن موجب، فكل وتر مثبت داخل، وكل شفع منفي خارج، فيكون في مسألتنا قد جاءك من المكيين مع عقيل جميع قريش إلا هاشمًا»(144).

في هذا النص الذي لم أجد له نظيرًا في مراجع البحث، إذ كل المراجع جعلت صلاحية المستثنيات المتعددة لأن يستثني بعضها من بعض مقصورة –من حيث التمثيل- على العدد فقط(145) لكن الرضي أدخل فيها –كما في النص غير العدد- وفي أسلوب نحوي دلالي رائع، يوضح لنا الرضي الوجوه الإعرابية الجائزة في هذا النمط من تعدد المستثنى، كما يوضح الدلالات المستنبطة من كل نوع من نوعي الكلام الموجب وغير الموجب، ففي الموجب لا يجوز غير النصب على الاستثناء في الوتر عن المستثنيات، ويجوز النصب على الاستثناء –كذلك- للشفع منها.

وهذا يعني أن التعدد للمستثنى جائز في هذا النوع، ولا يمتنع القول به.

وكذلك يمكن القول بتعدد المستثنى في غير الموجب من الكلام، إذا نصبنا على الاستثناء الوتر من المستثنيات وهو جائز.

وهنا ملاحظة لطيفة، وهي أنه في حال كان الكلام موجبًا، ولم يقل عدد المستثنيات عن ثلاثة(146) فإنه يجوز القول بتعدد المستثنى –بل يجب- حتى لو قلنا بغير النصب على الاستثناء في الشفع من المستثنيات، إذ إن الوتر منها لا يجوز فيه غير النصب على الاستثناء، وفي حال كانت المستثنيات ثلاثة أو أكثر فإن الأول والثالث –وما يزيد من وتر- يجب نصبه.

وكذلك يجوز القول بتعدد المستثنى –بل يجب- في حال كان الكلام غير موجب، ولم يقل عدد المستثنيات عن أربعة حتى لو قلنا بالإبدال في الوتر، إذ الشفع منها لا يجوز فيه غير النصب، وفي حال كانت المستثنيات أربعة أو أكثر فإن الثاني والرابع –وما يزيد من شفع- يجب نصبه.

ولا يخفى أن الرضي استطاع بأسلوب دلالي جميل أن يوضح الداخل والخارج في كل من المثالين المذكورين الموجب وغير الموجب.

أما إذا أمكن استثناء كل تال من متلوه في العدد(147) «نحو: له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا، في الموجب، فكل وتر منفي خارج، وكل شفع موجب داخل، كما كان في غير العدد، فيلزمك بالإقرار خمسة، لأنا إذا أخرجنا التسعة من العشرة بقي واحد، أدخلنا معه ثمانية صارت تسعة، أخرجنا منها سبعة، بقي اثنان، أدخلنا معها ستة صارت ثمانية، أخرجنا منها خمسة بقي ثلاثة، أدخلنا معها أربعة صارت سبعة أخرجنا منها ثلاثة بقي أربعة أدخلنا معها اثنين صارت ستة أخرجنا منها واحدًا بقي خمسة والإعراب في الشفع والوتر كما مضي في موجب غير العدد… وتقول في غير الموجب من العدد: ما له على عشرة إلا تسعة إلى ثمانية… إلى آخرها، فالقياس أن يكون كل وتر داخلًا وكل شفع خارجًا… والإعراب في الشفع والوتر، كما في غير العدد الذي هو في غير موجب»(148).

في هذا النص نجد الرضي يشرح –في أسلوب واضح راق- الدلالة المرادة من الأسلوب الذي تعدد فيه المستثنى في العدد.

وبناءً على ما ذكر الرضي من وجوه الإعراب الجائزة في المستثنيات من الأعداد(149) فإنه في الموجب من الكلام –كما سبق في غير الأعداد- لا يجوز غير النصب على الاستثناء في الوتر من المستثنيات، ويجوز – كذلك – النصب على الاستثناء في الشفع منها، فالتعدد للمستثنى جائز في هذا النوع غير ممتنع.

وكذلك يمكن القول بتعدد المستثنى في غير الموجب من الكلام(150) إذا نصبنا الوتر من المستثنيات.

ويلاحظ هنا أيضًا –كما سبق في الملاحظة التي تلت الحديث عن المتعدد لو كان غير عدد- إنه في حال كان الكلام موجبًا ولم يقل عدد المستثنيات عن ثلاثة(151) فإنه يجوز القول بتعدد المستثنى حتى لو قلنا بالبدل في الشفع عن المستثنيات، وكذلك يجوز القول بالتعدد لو كان الكلام غير موجب ولم يقل عدد المستثنيات عن أربعة حتى لو قلنا بالبدل في الوتر.

وخلاصة الأمر أنه يجوز تعدد المستثنى إذا أمكن استثناء المستثنيات بعضها من بعض، سواء أكان المتعدد عددًا أم لا.

على أن بعض النحاة قد ذكر أن في تحديد المستثنى منه، فيما كانت المستثنيات المتعددة أعدادًا –أربعة مذاهب(152) «أحدها: أنها كلها راجعة إلى الاسم المستثنى منه، فإذا قال: له على مائة درهم إلا عشرة إلا اثنين لزمه ثمانية وثمانون.

والمذهب الثاني: أن الأخير مستثنى من الذي قبله، والذي قبله مستثنى من الذي قبله إلى أن ينتهي إلى الأول، ويكون المقر به على هذا اثنين وتسعين درهمًا، وهذا مذهب أهل البصرة والكسائي.

المذهب الثالث: أن الاستثناء الثاني منقطع والمقر به على اثنين وتسعين فيتحد هذان المذهبان، وإن اختلفا في التخرج وهو مذهب الفراء.

المذهب الرابع: أنه يجوز أن تعود كلها إلى الاسم الأول، وأن يعود بعضها إلى بعض حتى ينتهي إلى الاسم الأول»(153).

على أن هذه المذاهب الأربعة لا تتعلق –كما هو واضح- بوجوه إعراب المستثنيات، بل تتعلق بدلالات الأسلوب، فدلالة الأسلوب –أسلوب الاستثناء ومثاله المذكور في النص- تختلف من مذهب إلى آخر(154).

لكن يبقى أن اختلف الدلالات هنا لا يؤثر في الحكم بتعدد المستثنى.

وماذا لو لم يمكن استثناء تال من متلوه في العدد(155) نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة؟

في المسألة مذهبان: «فالفراء يستثني الثلاثة ويزيد على السبعة الباقي أربعة، فيكون المقر به أحد عشر، وغير الفراء(156) يستثنى من العشرة الأربعة بعد استثناء الثلاثة، فيكون المقر به ثلاثة، وقول الفراء عندي هو الصحيح، فإنه جار على القاعدة السابقة، أعني جعل الاستثناء الأول إخراجًا(157) والثاني إدخالًا»(158).

والخلاف في هذه المسألة –كالخلاف في المسألة السابقة- خلاف في الدلالة المستفادة من المثال موضع بيان النص –ونحوه- فالدلالة المستفادة تختلف في مذهب الفراء الذي صححه ابن مالك عنها في مذهب غيره.

لكن هذا الاختلاف لم يؤثر في الحكم بتعدد المستثنى إذ إن الوتر من المستثنيين –في المثال موضع بيان النص- لا يجوز فيه غير النصب على الاستثناء، ويجوز عن الشفع منهما النصب على الاستثناء أيضًا كما سبق في نص الرضي.

ولهذا فإننا نقول بوجه عام –بعد كل ما سبق في ذا النوع الثاني من تعدد المستثنى، وهو ما تعدد فيه المستثنى وتعددت معه الأداة – إنه يجوز تعدد المستثنى سواء أمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض أم لم يمكن.

تعدد الحال:

يذكر النحاة نوعين من التعدد في هذا الباب:

الأول: أن تتعدد الحال لفظًا ومعنى وصاحبها واحد لفظًا ومعنى.

الثاني: أن تتعدد الحال ويتعدد صاحبها أيضًا.

وعن النوع الأول يقول الرضي: «وجوز الجمهور –وهو الحق- أن يجيء لشيء واحد أحوال متخلفة، متضادة كانت نحو: اشتريت الرمان حلوًا حامضًا، أو غير متضادة، كقوله تعالى: (اخْرُجْ مِنْهَا مذْءومًا مَدْحُورًا}(159) …» (160).

واضح –من سياق النص- أن الرضي يعد (حلوًا حامضًا) حالين متعددتين في اللفظ وفي المعنى، وليس حالًا واحدًا في المعنى، وهذا راجع إلى أنه –كما سبق في تعدد خبر المبتدأ- يعد نحو: هذا حلو حامض، مما تعدد فيه الخبر لفظًا معنى، في حين أن ابن يعيش يقول: «فإن أردت أن تسبك من الحالتين حالًا واحدة جاز كما يجوز أن تسبك من الخبرين خبرًا واحدًا، فتقول: هذا الطعام حلوًا حامضًا، كأنك أردت: هذا الطعام مزًّا، فسبكت من الحالين معنى، كما تقول في الخبر: هذا حلو حامض»(161).

فابن يعيش يعد (حلو حامضًا) حالًا واحدة في المعنى، بناءً على رأيه فيهما في الخبر، إذ هما عنده خبر واحد في المعنى، وإنما رجع رأي كل من العاملين في الحال إلى رأيه في الخبر «لأن الحال خبر»(162) ولأنك لو حذفت العامل من نحو: جاء زيد راكبًا، انتظم من الحال وصاحبها مبتدأ أو خبر، تقول: زيد راكب.

هذا، وعلى رأي ابن يعيش فالمثال (هذا الطعام حلوًا حامضًا) ليس داخلًا معنا إذ لا تتعدد فيه في المعنى، أما على رأي الرضي فهو داخل معنا.

وفي مقابل رأي الجمهور –المذكور في نص الرضي- «زعم جماعة منهم الفارسي وابن عصفور أن الفعل الواحد لا ينصب أكثر من حال واحد لصاحب واحد قياسًا على الظرف»(163) «ويجعلون نحو: قولك جاء زيد مسرعًا ضاحكًا، الحال الأول فقط، و(ضاحكًا) صفة (مسرعًا) أو حالًا(164) من الضمير المستكن»(165) في الحال الأولى، فيكون الحالان لصاحبين ليس لصاحب واحد فقط.

لكن الرضي يرى رأي هؤلاء البعض في رفضهم تعدد الحال لصاحب واحد قياسًا على الظرف فيقول في أسلوب دلالي غاية في الإقناع: «ولا وجه للقياس، وذلك لأن وقوع الفعل في زمانين أو مكانين مختلفين محال، نحو: جلست خلفك أمامك، وضربت اليوم أمس… وأما تقيد الحدث بقيدين مختلفين، كما في قوله تعالى (مذءومًا مدحورًا)(166) أو بمتضادين في محلين غير ممتزجين كما في: اشتريته أبيض أسود، أو ممتزجين كما في: اشتريته حلوًا حامضًا فلا بأس به»(167).

بهذا الأسلوب الدلالي الواضح يبين الرضي أن قياس الحال على الظرف – زمانًا كان أو مكانًا- لا وجه له في هذا الموضع.

على أن بعض النحاة(168) نقل عن هذا الفريق(169) المانع من تعدد الحال لصاحب واحد أنه «استثنى الحال المنصوبة بأفعل التفضيل، نحو: زيد راكبًا أحسن منه ماشيًا، قال: فجاز هذا كما جاز في الظرف: زيد اليوم أفضل منه غدًا، وزيد خلفك أسرع منه أمامك، ثم قال: وصح ذلك في أفعل التفضيل لأنه قام مقام فعلين، ألا ترى أن معنى قولك: زيد اليوم أفضل منه غدًا: زيد يزيد فضله اليوم على فضله غدًا»(170) فيجوز عند هذا الفريق أن تتعدد الحال لمفرد إذا كان العامل فيها اسم تفضيل.

لكن، من النحاة من يرى أن هذا الفريق المانع من التعدد لصاحب واحد لم يعد المثال الوارد في النص (زيد راكبًا أحسن منه ماشيًا) ونحوه، لم يعد ذلك من تعدد الحال لمفرده، بل يعده من تعدد الحال لمتعدد، فيقول في مثال: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، إن «بسرًا حال من الضمير في (أطيب) و(رطبًا) حال من الضمير في (منه) فلم تتعدد لمفرد به لمتعدد، وإن كان واحدًا في المعنى، فلم يسلموا الجواز الذي وقع التنازع فيه»(171).

إذن الفريق المانع لم يسلموا بجواز تعدد الحال لمفرد لفظًا معنى، حتى لو كان العامل أفضل التفضيل، إذ إن صاحب الحال هنا متعدد في اللفظ فقط، واحد في المعنى، حيث إن مرجع الضمير في كل من (أطيب) و(منه)واحد، وهو اسم الإشارة (هذا).

ولعل من نقل استثناء الحال المنصوبة بأفعل التفضيل عن هذا الفريق المانع نظر إلى «أن الحال لمفرد في المعنى وإن تعدد في اللفظ»(172).

وحاصل ما سبق أن جماعة من النحاة منهم الفارسي وابن عصفور يمنعون تعدد الحال لمفرد لفظًا معنى، ولا يستثنون شيئًا من هذا الحكم(173).

ونخلص مما سبق كله إلى أن الجمهور على جواز «أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعدًا، فيقال: جاء زيد راكبًا مفارقًا عامرًا مصاحبًا عمرًا»(174) ولكن بعض النحاة –منهم الفارسي وابن عصفور- لا يرون جواز ذلك قياسًا على الظرف.

وإذا كان قياس المانعين لا وجه له –كما سبق أن بين الرضي- فإن البحث يرى رأي الجمهور، ويقول بجواز تعدد الحال لفظًا ومعنى للصاحب الواحد لفظًا ومعنى، ويعده تعددًا حقيقيًّا.

أما عن النوع الثاني وهو تعدد الحال وتعدد الصاحب أيضًا، فيقول عنه ابن مالك: «ومثال تعدد الحال مع تعدد صاحبها بجمع: جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقي بشر عمرًا راكبين، فالأول مثال تعدد الحال بجمع لتعدد صاحبها مع اتحاد إعرابهما، والثاني مثال التعدد والجمع مع اختلاف الإعرابين، ومن الأول قوله تعالى: {وسَخَّرَ لكُمْ الشَّمْسَ والقَمَر دائَبِين(175)… ومن الثاني قول عنترة:

متى ما تلقى فردين ترجف

 
روائف أليتيك وتستطارا»(176)
 

في هذا النص يمثل ابن مالك للحالتين اللتين تأتي عليها الحال المتعددة لتعدد اصحبها، إذا كان الحالان متفقين في اللفظ وفي المعنى، فالحالة الأولى: أن يتعد إعراب الصاحبين، والحالة الثانية: أن يختلف الصاحبان في الإعراب، لكن ابن مالك لم يذكر –في نصه- إلا أن الحال المتعددة تجمع فقط، ولم يذكر أنه «لا منع من التفريق، نحو: لقيت راكبًا زيدًا راكبًا، ولقيت زيدًا راكبًا راكبًا»(177) «تجعل أحدهما للفاعل والآخر للمفعول، ولا تبالي أيهما جعلت للفاعل، لأنه لا ليس في ذلك(178) وإن كان الأولى «الجمع بينهما فإنه أخضر نحو: لقيت زيدًا راكبين»(179) وسواء فرقنا الحالين أو جمعناهما فإن الحال في الجميع متحدة لفظًا ومعنى وهل نعد تعدد الحال –هنا- تعددًا حقيقيًّا؟

الجواب ينقله الشيخ يس: «وفي شرح التسهيل للدماميني: وها هنا بحث، وهو أن مسألة الجمع أي ومثله التثنية لا تدخل تحت تعدد الحال، إذ الحال ثم واحدة، كالخبر في: الزيدون قائمون»(180) فالدماميني يرى –والبحث معه- أن الحال وإن تعددت بجمع أو تثنية لصاحبها المتعدد فإنها ليست متعددة في الحقيقة، لأنها متحدة في اللفظ وفي المعنى.

ويضيف الشيخ يس بعدًا آخر في المسألة يؤكد به ما ذهب إليه الدماميني، وهذا البعد هو أن «الجمع والتثنية قائمان مقام المتعدد المقترن بالعطف وهو… ليس من التعدد»(181) فالتثنية نحو: {وسَخَّرَ لكُمْ الشَّمْسَ والقَمَر دائَبَيْن}(182)… والأصلة دائبة ودائبًا، فلما اتفقا لفظًا ومعنى ثنيا… والجمع نحو (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) (183)… والأصل: مسخرًا ومسخرًا ومسخرة ومسخرًا ومسخرة، فلما اتحدت لفظًا ومعنى جمعت»(184).

إذن كل من التثنية والجمع في الحال المتعددة تقوم مقام المتعدد المقترن بالعطف، والتحقيق أن العطف ليس من التعدد.

لكن ماذا عن الحال المتفرقة في نحو: لقيت زيدًا راكبًا راكبًا، وهي ليست معطوفة؟

أقول: لكن كلًّا منهما «حال راجعة إلى صاحبها فلا تعدد في الأحوال»(185) إذ لكل منهما صاحب ترجع إليه أما إذا اختلفت الحال المتعددة في اللفظ والمعنى فيفرق بينهما نحو:

عهدت سعاد ذات هوى معنى

 
فردت وعاد سلوانًا هواها
 

ويبغي عند التفريق أن تجعل أول الحالين لثاني الاسمين وآخرهما لأولهما، ويتعين ذلك إن خيف اللبس، لأنه إذا فعل ذلك اتصل أحد الوصفين بصاحبه وعاد ما فيه من ضمير إلى أو أقرب المذكورين، واغتفر انفصال الثاني وعود ما فيه من ضمير إلى أبعد المذكورين، إذ لا يستطاع غير ذلك مع أن اللبس مأمون حينئذٍ، وأما إذا جعل أولى الحالين لأول الاسمين وأخراهما لثانيهما فإنه يلزم انفصال الموضعين معًا، والأصل اتصالهما معًا، لكنه متعذر فيهما ممكن في أحدهما، فلم يعدل عن الممكن ما يقتضيه الأصل إلا إذا منع مانع وأمن اللبس كقول امرئ القيس:

خرجت بها أمسي تجر وراءنا


 
على أثرينا ذيل مرط مرحل
 

… ومن الجاني على ما ينبغي(186) قول عمرو بن كلثوم:

وإنا سوف تدركنا المنايا
 
مقدرة لنا ومقدرينا»(187)
 

ونلاحظ كيف استطاع ابن مالك بأسلوب دلالي جميل أن يوضح لنا ويقنعنا بالحكمة من القاعدة النحوية التي ذكرها، وهي أنه ينبغي «أن تجعل أول الحالين لثاني الاسمين وآخرهما لأولهما» وهذه القاعدة وافقه فيها ابن هشام وغيره(188) يقول ابن هشام «ويجب كون الأولى من المفعول والثانية من الفاعل تقليلًا للفصل، ولا يحمل على العكس إلا بدليل»(189).

على أن الرضي قد رأى أن «الأولى جعل كل حال بجنب صاحبه: نحو لقيت منحدرًا زيدًا مصعدًا، ويجوز على ضعف جعل حال المفعول بجنبه وتأخير حال الفاعل نحو: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا، والمصعد زيد»(190) فما قال عنه ابن مالك «ينبغي» وجعله ابن هشام واجبًا جعله الرضي جائزًا على ضعف.

وهناك آراء أخرى(191) في هذه المسألة، مسألة الرتبة بين الحال المتعددة بتفريق وصاحبها، لكن هذه المسألة ليست مؤثرة في قضية تعدد الحال، إذ إنه في كل الأحوال وأيًّا كان ترتيب الحال المتعددة مع صاحبها وأيًّا كانت طريقة تحديد صاحب كل حال، فإن تعد الحال بتفرق مع تعدد صاحبها حاصل.

لكن هل هذا التعدد للحال المتفرقة حقيقي؟

من الواضح –مما سبق- أن الحال هنا متعددة لفظًا ومعنى لمتعدد لفظًا ومعنى، ولذا فإنه –كما يقول الشيخ يس- «إذا تعددت الحال مع تعدد صاحبها، وكل حال راجعة إلى صاحبها فلا تعدد في الأحوال»(192) في الحقيقة، وإن من استخدم لفظ (تعدد الحال) في هذا الموضع من النحاة كابن مالك في نصه السابق، والشيخ خالد الأزهري(193) والأشموني(194) والسيوطي(195) إنما قصد –في ظني- التعدد المجازي.

ويدعم هذا أن الحال –كما سبق- خبر، وأن البحث قد انتهى في تعدد خبر المبتدأ إلى أن التعدد الحقيقي ينبغي أن يكون مقصورًا فقط على ما كان الخبر فيه متعددًا لفظًا ومعنى والمبتدأ واحدًا لفظًا ومعنى، وما عدا ذلك فهو من المتعدد المجازي.

ومما يؤنس به هنا قول ابن هشام «من الحال ما يحتمل التعدد والتداخل(196) نحو: جاء زيد راكبًا ضاحكًا فالتعدد على أن يكون عاملهما جاء وصاحبهما زيد… وأما لقيته مصعدًا منحدرًا فمن التعدد لكن مع اختلاف الصاحب»(197) فاختلاف الصاحب –أي تعدده لفظًا ومعنى- لا يجعله يصف الحال بالتعدد على إطلاقه دون استدراك، في حين أطلق الوصف بالتعدد فيما توحد فيه الصاحب.

هذا، وقبل أن نترك باب الحال أحب أن أختم بمسألة ختم بها بعض النحاة الحديث عن تعدد الحال، وهي أن هناك مواضع يجب فيها أو يغلب تكرار الحال، يقول السيوطي: «يجب للحال إذا وقت بعد (إما) أن تردف بأخرى معادًا معها (إما) أو (أو) كقوله تعالى: {إنَّا هديْنَاه السَّبِيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا}(198) وقول الشاعر:

وقد شفني أن لا يزال يروعني

 
خيالك إما طارقًأ أو مغاديًا
 

وإفرادها بعد (إما) ممنوع في النثر والنظم، وبعد (لا) نادرًا، تقول: جئتك لا راغبًا ولا راهبًا، فتكرر، وقد تفرد كقوله:

قهرت العدى لا مستعينًا بعصبة
 
ولكن بأنواع الخدائع والمكر»(199)
 

في هذا النص نلحظ في الشواهد والأمثلة –عدا البيت الأخير- تعددًا للحال لفظًا ومعنى، والصاحب فيها مفرد لفظًا ومعنى، لكن الحال المتعددة لا تخلو في أي منها من عاطف إما (الواو) وإما (أو) ولا يتصور في هذه المواضع خلو الحال المكررة من العاطف، لذا فإن هذه المواضع خلو الحال المكررة من العاطف، لذا فإن هذه المواضع غير داخلة في التعدد الحقيقي للحال، وإنما استدعاء إتمام المعنى، وهو تعدد فرضته الصنعة «لوجوب تكرير إما»(200) ولأن (لا) «تكرر في الأغلب»(201).

تعدد التمييز:

يقول السيوطي: «فارق التمييز الحال في أنه لا يتعدد بخلافها»(202) ويقول في موضع آخر «الحال تعدد بخلاف التمييز»(203) والحكم نفسه يذكره الأشموني: «الحال تتعدد كما عرفت بخلاف التمييز»(204).

إذن ثلاثة نصوص صرحت بمنع تعدد التمييز، ولم أعثر على نص –فيما رجعت إليه من مراجع- يخالف هذا الحكم.

إلا أن الصبان في تعليقه على نص الأشموني السابق يقول: «قوله بخلاف التمييز، أي فإنه لا يتعدد أي بدون عطف، أما بالعطف فيجوز أن يتعدد»(205) فالصبان لا يطلق المنع إذن كما فعل السيوطي والأشموني في النصوص السابقة، بل ينقل جواز التعدد بالعطف نحو (عسلًا وتمرًأ) في قول ابن مالك في باب التمييز:

كشير أرضًا وقفيز برًا
 
ومنوين عسلًأ وتمرًا
 

لكن البحث في كل أبوابه لم يعد التعدد بالعطف تعددًا حقيقيًّا، إذ «التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(206) لذا فالبحث يطلق المنع من تعدد التمييز كما فعل السيوطي والأشموني.

تعدد النعت:

عالج النحاة مسألة التعدد في هذا الباب على قسمين:

القسم الأول: تعد النعوت لتعدد المنعوت(207) وفيه تفصيل:

يقول الشيخ خالد الأزهري: «فإن كان المنعوت مثنى أو مجموعًا من غير تفريق واتحد معنى النعت ولفظه استغنى بالتثنية والجمع عن تفريقه بالعطف، نحو: جاءني رجلان فاضلان، ورجال فضلاء، وإن اختلف معنى النعت ولفظه كالعاقل والكريم، أو لفظه دون معناه كالذاهب والمنطلق، أو معناه دون لفظه كالضارب من الضرب بالعصا ونحوها والضارب من الضرب في الأرض أي السير فيها وجب التفريق فيها بالعطف… كقولك: مررت برجال شاعر وكاتب وفقيه، فهذه الثلاثة المتعاطفة بالواو نعوت لرجال»(208).

في هذا النص حكمان من إحكام النعت المتعدد حال تعدد المنعوت، الأول: وجوب التثنية أو الجمع –بحسب تثنية المنعوت أو جمعه كما في مثالي النص- وذلك إن كان النعت المتعدد متحدًا لفظًا ومعنى.

نعم النص لم يذكر أن حكم التثنية أو الجمع هو الوجوب، لكن الشيخ يس والصبان نص كل منهما على أنه لا يجوز التفريق في هذه الحالة، يقول الشيخ يس:

«قوله: استغنى بالتثنية والجمع، قضيته جواز التفريق، وليس كذلك»(209) ويقول الصبان معلقًا على قول الأشموني: «ومثال المؤتلف: مررت برجلين كريمين أو بخيلين»(210)، «قوله كريمين أي بالتثنية، ولا يجوز كريم وكريم بالتفريق»(211).

أما عن الجائز من وجوه الإعراب في هذه الحالة، فإن النص السابق للأزهري لم يذكر وجهًا غير النعت، والرضي يقول: «اعلم أن جواز القطع مشروط بألا يكون النعت للتأكيد، نحو: أمس الدابر، و(نفخة واحدة) (212) لأنه يكون قطعًا للشيء عما هو متصل به معنى، لأن الموصوف في مثل ذلك نص في معنى الصفة دال عليه… والشرط الآخر أن يعلم السامع من اتصاف المنعوت بذلك النعت ما يعلمه المتكلم، لأنه إن لم يعلم، فالمنعوت محتاج إلى ذلك النعت ليبينه ويميزه، ولا قطع مع الحاجة… ومع الشرطين جاز القطع وإن كان نعتًا أول، كقوله تعالى: {وامْرَأتُه حمَّالةَ الحَطَب}(212) وقولك: الحمد لله الحميد، وشرط الزجاجي في القطع تكرار النعت والآية رد عليه، فنقول: إن كان النعت المراد قطعه معرفة وجب ألا يكون المنعوت اسم إشارة لما ذكرنا أن اسم الإشارة محتاج إلى نعته لتبيين ذاته، وإن كان نكرة فالشرط سبقه بنعت آخر مبين، وألا يكون النعت الثاني أيضًا لمجرد التخصيص؛ لأنه إذا احتاجت النكرة إلى ألف نعت لتخصيصها لم يجز القطع، إذ لا قطع مع الحاجة»(214).

إذن، إذا كان النعت معرفة وليس للتأكيد(215) ولم يكن المنعوت اسم إشارة، نحو: استعنت بالزيدين القرشيين، فإنه يجوز القطع إضافة إلى جوار النعت، أما إذا كان النعت نكرة ولم يسبق بنعت آخر(216) –كما في: رجلان فاضلان، رجال فضلاء- فإنه لا يجوز القطع، ويجب النعت(217).

على أنه يلفت النظر في نص الرضي البعد الدلالي الراقي في شرح الحكم النحوي، لنتأمل عبارات «لأن الموصوف في مثل ذلك نص في معنى الصفة دال عليه» و «أن يعلم السامع… اتصاف… ولا قطع مع الحاجة» و«لأنه إذا احتاجت النكرة إلى ألف نعت… فهذه عبارات –ليس فيها حكم نحوي- تشع بالدلالة، إذ علم السامع والمتكلم والحاجة ليست نحوية بل هي دلالية.

الحكم الثاني: وجوب التفريق بالعطف(218) في حال اختلف النعت المتعدد في اللفظ والمعنى أو في أحدهما كما في مثال النص، وعن الجائز من وجوه الإعراب في هذه الحالة فقد ذكر النص أنها نعوت، ويقول أبو حيان: «والاختيار في: مررت برجلين كريم وبخيل القطع»(219) ويقول الرضي «يجوز الاتباع والقطع إلى الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف لخبر، تقول: مررت بثلاثة رجال: شاعر وكاتب وبزاز، وإذا رفعت فالتقدير: بعضهم شاعر وبعضهم كاتب وبعضهم بزاز أو هم شاعر وكاتب وبزاز أو منهم شاعر ومنهم كاتب ومنهم بزاز»(220).

إذن في حال التفريق، يجوز النعت والقطع، وإن اختار بعض النحاة وجهًا على الآخر.

ونخلص مما سبق كله إلى أن للنعت حال تعدد المنعوت حكمين –من حيث الحال (الهيئة) التي يكون عليها- هما: وجوب التثنية أو الجمع، ووجوب التفريق، وأن النعت في هاتين الحالين لا يخرج إعرابه عن جواز النعت مع جواز القطع، أو وجوب النعت.

هذا، وهناك أحكام أخرى –من أحكام النعت المتعدد حال تعدد المنعوت- غير الحكمين السابقين، يقول الرضي: «اعلم أنه إذا كان العامل واحدًا، وله معمولان متفقان في الإعراب بسبب عطف أحدهما على الآخر، فإن اتفقا تعريفًا وتنكيرًا جاز إفراد كل واحد منهما يوصف، وجاز جمعهما في بوصف واحد.

فالأول نحو: جاءني زيد الظريف، وعمرو الظريف، والثاني نحو: جاءني زيد وعمرو الظريفان، ورأيت رجلًا وامرأة ظريفين، وإذا أجمعتهما في النعت غلبت التذكير على التأنيث كما رأيت، والعقل على غيره نحو: مررت بالزيدين وفرسهما المقبلين، وكذا في خبر المبتدأ والحال ونحوهما، نحو: الزيدان والحمر مقبلون، وجاءني زيد وهند والحمار مسرعين.

وإن اختلفا تعريفًا وتنكيرًا، لم يمكن جمعهما في وصف واحد، فلا تقول: هذه ناقة وفصيلها الرائعان، ولا: رائعان، لامتناع تخالف النعت والمنعوت تعريفًا وتنكيرًا، فإما أن تفرد كل واحد منهما بنعت، أو تجمعهما في نعت مقطوع، نحو: جاءني رجل وزيد الظريفين.

وإن اتفقا إعرابًا بسبب العطف، نحو: أعطيت زيدًا أباه، فلا يجوز جمعهما في صف واحد، بل تفرد كلًّأ منهما بوصف، أو تجمعهما في نعت مقطوع، لأن التابع في حكم المتبوع إعرابًا، فلا يكون اسم واحد مفعولًا أول وثانيًا»(221).

في هذا النص يتحدث الرضي عن حكم ثالث من أحكام النعت المتعدد حال تعدد المنعوت –من حيث الحال (الهيئة) التي يكون عليها- وهو جواز إفراد كل منعوت بوصف، وجواز الجمع بينهما، وهذا في حال كان العامل واحدًا، والمعمولان (المنعوتان) متفقين في الإعراب، فإن كان الاتفاق بسبب العطف، واتفق المعمولان تعريفًا وتنكيرًا، فإنه يجوز إفراد كل معمول بوصف، كما يجوز جمعهما(222) في وصف واحد.

فالأول نحو: جاءني يزيد الظريف وعمرو الظريف، والثاني نحو: جاءني زيد وعمرو الظريفان، مع تغليب التذكير والعقل.

أما إن اختلف المنعوتان تعريفًا وتنكيرًا جاز أن يفرد كل معمول بنعت، وأن يجمعا في نعت مقطوع نحو: جاءني رجل وزيد الظريفين.

والكلام السابق نفسه يقال فيما إذا كان الاتفاق في الإعراب بين المنعوتين بسبب غير العطف، فيجوز أن نفرد كل معمول بوصف، وأن نجمعهما في نعت مقطوع.

أما عن الجائز من الوجوه الإعرابية في كلتا الحالتين (الإفراد والجمع) ففي حالة الإفراد نحو: جاءني زيد الظريف وعمرو الظريف وجاءني رجل فاضل وامرأة فاضلة، فإننا نعود إلى ما ذكر منذ قليل في نص الرضي قبل السابق، فإذا كان النعت معرفة ولم يكن تأكيدًا ولا ملتزمًا ولم يكن المنعوت إشارة –وجميعها متوافر في المثال الأول من المثالين السابقين- فإنه يجوز النعت كما يجوز القطع، وإذا كان النعت نكرة ولم يسبق بنعت آخر- وهذا متحقق في المثال الثاني – فإنه يجب النعت ولا يجوز القطع.

أما في حالة الجمع فإنه –كما سبق- إما أن يمكن الجمع بينهما في نعت واحد، كما في: جاء زيد وعمرو الظريفان، ورأيت رجلًا وامرأة ظريفين، وإما أن يجمع بينهما في نعت مقطوع، كما في: جاء رجل وزيد الظريفين، وأعطيت زيد أباه الكريمان، ففي الحالة الأولى يجوز النعت والقطع، إذا كان النعت معرفة بشروطه، ويجب النعت في النكرة.

أما في الحالة الثانية فإنه يجب القطع لوجود المانع من الاتباع من ناحية الصناعة.

لكن بعد كل ما سبق، هل يمكن أن نعتبر أيًّأ من الأحكام الثلاثة السابقة تعددًا حقيقيًّا في باب النعت؟

فإذا كان الحكم الأول يوجب تثنية النعت أو جمعه، فهل يقال عن الوصف الواحد (المثنى أو المجموع) للمنعوت الواحد (مثنى أو مجموعان) إنه تعدد حقيقي؟

وإذا كان الحكم الثاني يوجب التفريق بالعطف فهل يقال عن النعوت المتعاطفة لمتعدد معنى إنها متعددة حقيقية؟

وإذا كان الحكم الثالث يجيز إفراد كل منعوت بنعته، أي أن تعدد النعت كان لتعدد المنعوت، فهل يقال عن هذا تعدد حقيقي؟ وإذا كان الحكم الثالث نفسه يجيز أن يجمع بين المنعوتين المتعددين لفظًا ومعنى في وصف واحد، فهل يقال عن الوصف الواحد إنه تعدد فضلًا عن أن يكون حقيقيًّا؟

للجواب عن هذا كله أقول: إن النحاة قد ربطوا كثيرًا بين جواز التعدد في كل من خبر المبتدأ والحال والنعت، لما لاحظوه من وجوه شبه بين الأبواب الثلاثة، وقد كثرت إشارتهم إلى هذا(223) بل النص السابق للرضي قد أشار إلى ذلك.

هذا، وقد انتهى البحث في بابي تعدد خبر المبتدأ وتعدد الحال إلى أن التعدد الحقيقي ينبغي أن يكون مقصورًا على ما كان الخبر فيه متعددًا لفظًا ومعنى والمبتدأ واحدًا لفظًا ومعنًى، وكذا الحال المتعددة حقيقة هي الحال التي تتعدد لفظًا معنى لصاحب واحد لفظًا ومعنى.

ولذا فالبحث يرى عدم عد أي من الأحكام الثلاثة السابقة في النعت من قبيل التعدد الحقيقي للنعت.

فالحكم الأول وهو وجوب تثنية النعت أو جمعه –في حال تثنية المنعوت وجمعه- وكذا الوجه الثاني من الحكم الثالث وهو جواز جمع(224) المنعوتين المتعددين لفظًا ومعنى في نعت واحد.

عن هاتين الحالين يقول الشيخ يس –كما في تعدد الحال-: «وفي التسهيل للدماميني: وها هنا بحث، وهو أن مسألة الجمع أي: ومثله التثنية لا تدخل تحت تعدد الحال، إذ الحال ثم واحدة كالخبر في الزيدون قائمون»(225) ويقول أيضًا «الجمع والتثنية قائمان مقام المتعدد المقترن بالعطف وهو… ليس من التعدد»(226).

فجمع المنعوتين في وصف واحد ليس –إذن- من التعدد الحقيقي، ولعل في وصف الرضي –في نصه السابق- للوصف الجامع بأنه واحد إشارة إلى ذلك.

وأما عن الحكم الثاني وهو وجوب التفريق مع العطف يقول الشيخ خالد الأزهري –كما سبق في تعدد خبر المبتدأ-: «التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(227). يعني التعدد الحقيقي، وكما قال الشيخ يس قبل: «الجمع والتثنية قائمان مقام المتعدد المقترن بالعطف وهو… ليس من التعدد».

أما عن الوجه الأول من الحكم الثالث، وهو جواز إفراد منعوت بنعت، فقد قالا لشيخ يس عن الحال: إذا تعددت الحال مع تعدد صاحبها، وكل حال راجعة إلى صاحبها فلا تعدد في الأحوال»(228) ويجوز لنا أن نقول –قياسًا على عبارة الشيخ واستنادًا إلى كثرة إشارات النحاة إلى الشبه الحاصل بين تعدد الحال وتعدد النعت- إذا تعدد النعت مع تعدد النعوت، وكل نعت راجع إلى منعوته فلا تعدد في النعوت.

هذا، وفي حالات جواز قطع النعت أو وجوبه في الأحكام الثلاثة السابقة فإن المسألة تخرج عن باب النعت أيًّا كان القول في توجيه النعت المقطوع، هل هو الرفع أم النصب؟

يقول الصبان: «واعلم أن النعت إذا قطع خرج عن كونه نعتًا كما ذكره ابن هشام»(229).

لذا فحديثنا عن تعدد النعت هنا مقصور على الحالات التي يجوز فيها أو يجب كون التعدد نعتًا.

لكن حديث النحاة عن تعدد النعت لتعدد النعوت لا يقتصر فقط على الأحكام الثلاثة السابقة، إذ هناك تفاصيل كثيرة جدًّا وخلاف بين النحاة في بعض تفاصيل هذه المسألة، تتعلق كلها بالحكم الجائر في النعت المتعدد من حيث جواز أحد الأحكام النحوية الثلاثة السابقة أو وجوبه، وما يترتب على كل حكم من جواز القول بالنعت فيه أو وجوبه، أو جواز القطع أو وجوبه ويتوقف الحكم بجواز أو وجوب أي من الأحكام الثلاثة السابقة على أحوال العامل –أو العاملين- والعمل نفسه وفق تفاصيل كثيرة مذكورة في مواضعها من كتب النحو(230).

لكن لما كانت الأحكام النحوية الناتجة عن هذه التفاصيل لا تخرج عن الثلاثة السابقة آثرت أن لا أطيل الحديث فيها(231).

خاصة أن البحث –كما سبق- قد توصل إلى أن تعدد النعت في أي من الأحكام الثلاثة لا يجوز أن نطلق عليه تعددًا حقيقيًّا، ولعل من استعمل مصطلح التعدد في هذا القسم –من قسمي تعدد النعت- من النحاة(232) قصد التعدد المجازي.

القسم الثاني: تعدد النعوت لمنعوت واحد.

يقول الشيخ خالد الأزهري: «وإذا تكررت النعوت لواحد فإن تعين مسماه بدونها جاز اتباعها كلها وقطعها كلها والجمع بينهما أي بين القطع والاتباع بشرط تقديم(233) النعت المتبع على النعت المقطوع»(234): «وقالت الخرنق:

لا يبعدن قومي الذين هم
 
سم العداة وآفة الجزر
 
النازلين بكل معترك
 
والطيبون معاقد الأزر
 

روى برفعهما ونصبهما ونصب الأول ورفع الثاني وعكسه»(235).

إذن يجوز أن تتعدد النعوت لفظًا ومعنى والمنعوت واحد، وفي حال تعيين المنعوت بدون هذه النعوت ففيها كلها جواز الاتباع، وجواز القطع، وفيها جواز اتباع البعض وقطع البعض.

إما «إن لم يعرف مسمى المنعوت إلا بمجموعها وجب اتباعها كلها للمنعوت… وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب، إذا كان زيد هذا الموصوف بهذه الصفات يشاركه في اسمه ثلاثة من الناس اسم كل واحد منهم زيد، وأحدهم تاجر كاتب والآخر تاجر فقيه والآخر فقيه كاتب فلا يتعين زيد الأول من الآخرين إلا بالنعوت الثلاثة فيجب اتباعها كلها، وإن تعين ببعضها جاز فيما عدا ذلك البعض الذي تعين الأوجه الثلاثة الاتباع والقطع إلى الرفع أو إلى النصب أو الجمع بينهما بشرط تقديم المتبع على الأصح»(236).

إذن حكم تعدد النعوت لفظًا ومعنى لمفرد لفظًا ومعنى –كما في النص- ثابت، عين المنعوت بدونها كلها أو عين بها كلها أو عين ببعضها دون البعض.

نعم يجوز القطع فيها كلها أو في بعضها، لكن البحث –كما سبق- يتكلم عن حال الاتباع لا القطع.

على أن بعض النحاة يعرض لمسألة جواز عطف النعوت بعضها على بعض، يقول أبو حيان: «والنعوت يجوز عطف بعضها على بعض إذا اختلفت معانيها، فإن كانت معانيها لا يظهر فيها ترتيب كان العطف بالواو خاصة، وإن دلت على أحداث واقع بعضها إثر بعض كان العطف بالفاء نحو: مررت برجل قائم إلى زيد فضا ربه فقاتله، وإذا تباعدت المعاني كان العطف بالواو أحسن نحو (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) (237) وأجازوا إذا لم يكن مجتمعة العطف بثم و(أو) و(بل) و(لكن) و(لا) لا بـ(حتى) و(أم).

ولما كانت المعاني متقاربة لم يكن العطف مختارًا نحو قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصوِّرُ}(238) ولما تباعدت كان العطف مختارًا نحو قوله تعالى: {الَّذي خَلَقَ فسَوَّى والَّذِي قدَّرَ فَهَدَى والَّذِي أخْرَجَ المرْعَى}(239) والعطف سائغ سواء أكانت النعوت متبعة أو مقطوعة»(240).

يلاحظ أن النص عدة المتعاطفات نعوتًا، وكذا الأمر في مراجع أخرى(241).

على أن في النص بعدًا دلاليًّا، فالدلالة المقصودة هي التي تحدد ابتداءً: هل العطف مختار أم غير مختار؟ فإن كان مختارًا بسبب تباعد معاني النعوت المتعددة فإن الدلالة هي التي تحدد نوع العاطف إن كان واوا أو وفاء أو غير ذلك(242).

ويزيد الأستاذ الدكتور/ محمد محمد أبو موسى هذا البعد الدلالي بيانًا وتمثيلًا، فيقول «وقد ذكر الزمخشري أن الواو في قوله تعالى { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ }(243) للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها.

وترادف الصفات من غير واو في قوله تعالى: { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }(244) للإشارة إلى أنهم الجامعون لهذه الخصال، الواو أشارت إلى أنهم كاملون في كل واحدة على حدة، وسقوطها أشار إلى أنها مجتمعة فيهم، وكأنها صفة واحدة، وهذا أصل مهم في هذا الباب، وراجع إلى معنى التغاير في الواو، فإذا جاءت دلت على أن كل صفة كاملة ومغايرة للأخرى وإذا غابت دلت على اجتماع الصفات وعدم تغايرها»(245).

فالدكتور/ أبو موسى يضع ضابطًا- استفادة من كلام الزمخشري- يفرق به بين الدلالة في حال تعدد النعوت لواحد دون عطف، وتعددها بالعطف بالواو، ويزيد الدكتور أبو موسى هذا الضابط وضوحًا فيقول عن دلالات تعدد النعوت حال ترك الواو –والحديث عن الدلالة حال ترك الواو وألصق باختيارات البحث(246)- وتركها لا يكون عبثًا في الكلام الصادر عن سليقة صحيحة، وإنما وراءه إشارات خفية بما تعتلج به المعاني.

انظر إلى قول المتنبي يمدح عبد الواحد بن العباس بن أبي الأصبع:

ترك الصنائع كالقواطع بارق
 
ت والمعالي كالعوالي شرعا
 
متبسمًا لعفاته عن واضح
 
تعشى لوامعه البروق اللمعا
 
متكشفًأ لعداته عن سطوة
 
لو حك منكبها السماء لزعزعا
 
الحازم اليقظ الأغر العالم
 
الفطن الألد الأريحي الأروعا
 
الكاتب الليق الخطيب الواهب
 
الندس اللبيب الهبرزي المصقعا
 
نفس لها خلق الزمان لأنه
 
مفني النفوس مفرق ما جمعا
 

ليس من الوفاء للأدب(247) أن نقول إنها جاءت من غير واو لأنه الأكثر(248) وإنما علينا أن نجتهد في لمع شي وراء هذا التعدد وهو فيما نظن الإشارة إلى أن هذه الصفات كأنها تلاقت من داخلها، وشكلت صفة واحدة، تشتمل عليها دون أن يكون هناك إشعار بأنها صفات متغايرة، وإن كانت كذلك في الواقع، ولو أنه قال: الحازم واليقظ والأغر لأعلنت الواو بتغاير هذه الصفات واستقلالها، وأنها تتلاقى فيه كما نتلاقى بالأشياء المتعددة، والتي يجمعها شيء خارج عنها(249).

إذن يكون للنعوت المتعددة لواحد دون عطف من الدلالات ما لا يكون لها مع العطف.

لكن ما القول في النعوت المتعاطفة، هل تعد من التعدد الحقيقي؟

سبق أن قلت في أكثر من باب وفي باب النعت نفسه «التحقيق أن العطف ليس من التعدد»(250).

نعم المعطوف على النعت نعت، لكن هذا –كما سبق أيضًا- من ناحية المعنى، وليس من ناحية التجريد، إذ الباب الأصلي لمعالجة ما بعد العاطف هو باب العطف(251) ولعل من أطلق مصطلح النعوت على المتعاطفات هنا قصدنا ناحية المعنى.

والخلاصة أنه لا يعد من التعدد الحقيقي في باب النعت إلا ما كان النعت فيه متعددًا لفظًا ومعنى والمنعوت واحدًا لفظًا ومعنى، وهذا أمر ثابت بل مجمع عليه عند بعض النحاة(252).

تعدد عطف البيان:

يقول السيوطي عن تعدد هذا المعنى النحوي: «عطف البيان ذكره الزمخشري في قوله تعالى: {مَلِكِ النَّاسَ، إلَه النَّاس}(253) إنهما عطفا بيان لرب الناس(254).

ونص الزمخشري: «فإن قلت: ملك الناس إله الناس ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق»(255).

في هذه النصين ما يفيد أن الزمخشري يقول بتعدد عطف البيان لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى ويفهم من سياق النص الأول أن السيوطي يوافق الزمخشري في إجازة التعدد هنا.

إلا أن ابن هشام تعقب الزمخشري في إجازته لذلك، فيقول عن تجاهل بعض المعربين اشتراط الجمود لعطف البيان والاشتقاق للنعت: «ومن الوهم في الأول قول الزمخشري في {مَلَك النَّاس، إِلَه النَّاس} إنهما عطفا بيان الصواب أنهما نعتان، وقد يجاب بأنهما أجريا مجرى الجوامد، إذ يستعملان غير جاريين على موصوف، وتجري عليهما الصفات، نحو قولنا: إله واحد وملك عظيم»(256).

يعود ابن هشام في آخر النص ويقر –بعد أن وصف إعراب الزمخشري هنا بأنه وهم- بأن إعراب الزمخشري يقبل إذا أجرى (ملك) و(إله) مجرى الجوامد.

نعم إنكار ابن هشام منصب على الإعراب لا التعدد، لكن ما دام قد أجاز الإعراب الواحد في الكلمتين فهو لا ينكر تعدد هذا المعنى النحوي.

هذا، وينقل السيوطي عن أبي حيان قوله: «لا أنقل عن النحاة شيئًا في عطف البيان، هل يجوز أن يكرر العطوف في علم واحد أم لا يجوز ذلك»(257).

إذا لم يكن أبو حيان قد نقل شيئًا في إجازته تعدد هذا المعنى النحوي فإن الزمخشري ذكر ما يفيد إجازته التعدد، ونقله عنه السيوطي، كما نقل أيضًا «السخاوي في (سفر السعادة) قال شيخنا أبو اليمن الكندي… عطف البيان من قبل التوابع قائم بنفسه على خفائه، وأحكامه في التكرير والعطف والإعراب في التقديم والتأخير والعامل فيه أحكام الصفة، فلذلك أدخله سيبويه في جملتها ولم يفرد لها بابًا»(258).

فالكندي يقرر أن أحكام عطف البيان في التكرير أحكام الصفة، وقد مر أنه يجوز أن تعدد الصفة لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى، بل إن بعض النحاة نقل الإجماع في ذلك.

كما أن ابن هشام لا ينكر تعدد هذا المعنى النحوي والبحث يقر ما أقره النحاة الأربعة (الزمخشري والسيوطي وابن هشام والكندي) من إجازة تعدد عطف البيان لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى، إذ لا مانع(259) من الصناعة ولا من المعنى يمنع من ذلك في الآيات الثلاث موضع حديث الزمخشري وابن هشام.

على أنه قد «أجاز سيبويه وغيره: يا هذان زيد وعمرو على عطف البيان»(260).

وقال الزيادي: «وقد يجوز: مررت بهذين الطويل والقصير على البدل وعطف البيان»(261).

فهل يقال في مثل هذا إنه عطف بيان قد تعدد؟

إن مثل هذا النمط من التراكيب قد سبقت معالجته في باب النعت(262) وهنا نقول: إننا إذا عددتا كلًّا من (زيد) و(عمرو) عطف بيان مستقل لفظًا ومعنًى، وقد عطف الآخر على الأول فإنه يكون من تعدد عطف البيان لمتعدد إذ المتبوع (هذان) متعدد في المعنى، وهذا ليس تعددًا حقيقيًّا.

هذا، فضلًا عن أنه يجب في هذا النمط من الأمثلة العطف، لاختلاف عطف البيان لفظًا ومعنى، والعطف ليس من التعدد الحقيقي كما سبق إذ التعدد الحقيقي هو ما تعدد فيه عطف البيان لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى كما في آيات سورة الناس السابقة.

هذا وفي تعدد عطف البيان في هذه الآيات ملمح دلالي يوضحه الزمخشري بقوله: «بين ملك الناس ثم زيد بيانًا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) (263) وقد يقال: ملك الناس، وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية البيان»(264).

رحم الله الزمخشري فهو لم يوضح ما في تعدد عطف البيان من دلالة فقط، بل جعلنا نسلم بأن التعدد هنا مطلب دلالي.

تعدد البدل:

يقول السيوطي: «البدل، قال أبو حيان في البحر: أما بدل البداء عند من أثبته فيكرر فيه الإبدال، وأما بدل الكل وبدل البعض وبدل الاشتمال فلا نص عن أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه، إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يتكرر»(265).

في هذا النص ينقل أبو حيان جواز تعدد بدل البداء فقط.

في نص آخر يذكر أبو حيان بعض من أثبت هذا النوع من البدل ويشرح المقصود به، ويفرق بينه وبين بدل الغلط «وأما بدل البداء فأثبته سيبويه، وهو ذكرك المبدل منه والبدل من غير أن يكون الثاني ليس مطابقًا للأول في المعنى ولا متضمنًا المبدل منه بجزئه، ولا بينهما تلازم لوصفية أو غيرها، بل هما متباينان من حيث اللفظ والمعنى، وذلك: مررت برجل امرأة، أخبرت أولًا أنك مررت برجل ثم بدا لك أن تخبر أنك مررت بامرأة من غير إبطال لمرورك برجل، فصار كأنهما إخباران مصرح بهما، إذ التقدير: مررت برجل مررت بامرأة وحكى أبو زيد: أكلت لحمًا سمكًا تمرًا، ومن لم يثبت هذا البدل جعله مما حذف منه حرف العطف أي لحمًا وسمكًا وتمرًا، وبدل الغلط شبيه في اللفظ ببدل البداء، لكن الأول غير مراد، وإنما سبق اللسان إلى ذكره غلطًا»(266) وفي المثال الذي حكاه أبو زيد (أكلت لحمًا سمكًا تمرًا) دليل واضح على ورود تعدد بدل البداء.

ومن صور تعدد بدل البداء عن أبي حيان ما ورد في باب الاستثناء في حال تكرار (إلا) لغير التوكيد، ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض، فإن كان العامل مفرعًا شغل بعضهما «والذي يلي العامل من هذه الأسماء أولى أن يفرغ له العامل، ويجوز أن يفرغ الأخير، وينصب المتقدمين والمتوسط، فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا كر، وما قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا، فإذا رفعت الأول جاز فيما بعده الرفع على البدل بدل البداء، والنصب على الاستثناء… وحكم ما فرغ له العامل من المنصوبات حكم ما فرغ له العامل من المرفوع نحو: ما ضربت إلى زيدًا إلا عمرًا إلا خالد، وإن جعلت الأول معمولًا لضربت انتصب الباقي على الاستثناء أو على البدل… والمجرور المفرع له العامل كذلك»(267).

ففي حال شغل العامل بالاسم الأول جاز فيما بعده البدل بدل البداء، وما بعد الأول –في هذه الأمثلة- اسمان كل منهما بدل بداء.

إذن هنا بدل بداء متعدد، وواضح من الأمثلة في النصين السابقين أن البدل تعدد في اللفظ وفي المعنى.

ليس هناك نص عن أبي حيان –ولا غيره ممن نقل جواز تعدد بدل البداء- في تعدد المبدل منه أو إفراده.

ففي نحو مثال أبي زيد: أكلت لحمًا سمكًا تمرًا، نقول إن (سمكًا) بدل من (لحمًا) لكن ما المبدل منه للبدل (تمرًا) هل هو (لحمًا) أم (سمكًا) أم هما معًا؟

وفي نحو مثال: ما ضربت إلا زيد إلا عمرًا إلا خالدًا، إذا جعل الأول معمولًا لضربت نقول –في حاله اختيار جعل ما بعد المعمول بدلًا- إن (عمرًا) بدل من (زيدًا) لكن ما المبدل منه للبدل (خالدًا) هل هو (زيدًا) أم (عمرًا) أم هما معًا؟

إن الأقرب إلى إقرار أبي حيان بتعدد بدل البداء عند من يثبته هو أن نجعل المبدل منه في كل مثال واحدًا وهو (لحمًا) في مثال أبي زيد، و(زيدًا) في المثال الثاني، وذلك لئلا نقول بتعدد البدل لتعدد المبدل منه، بأن نجعل الجملة مشتملة على بدلين ومبدلين منهما، فهذا لا تعد تعددًا حقيقيًّا.

نعم الرضي يقول: «المبدل منه مرة لا يبدل منه أخرى، إذ صار بالإبدال منه أولًا كالساقط»(268).

لكن لنا أن نقول إن رأي الرضي هذا قد يكون مبنيًّا على رأيه بعدم إجازته تعدد بدل البداء، حيث يكون –في موضع من الموضعين اللذين قال فيهما أبو حيان بإجازة تعدد بدل البداء- «وإن كان الاستثناء مفرغًا شغل العامل ببعضهما أيها كان ونصب ما سواه على الاستثناء لامتناع شغل العامل بأكثر من واحد، وامتناع الإبدال أيضًا»(269).

بل إن الرضي في هذا النص لم يجز الإبدال ابتداء، بداء كان أو غيره، ثم إن قول الرضي بأن «المبدل منه مرة لا يبدل منه أخرى، إذ صار بالإبدال منه أولًا كالساقط» يرد عليه قول أبي حيان –في النص الأول من نصيه السابقين- الذين يؤكد أن المبدل منه في بدل البداء مراد وغير مبطل.

أخلص مما سبق إلى أن البحث يقول برأي من أثبت بدل البداء وقال بتعدده، وبعده من المتعدد لفظًا ومعنى لواحد لفظًا ومعنى.

لكن ماذا عن أنواع البدل الأخرى غير بدل البداء؟

في نص السيوطي السابق نقل عن أبي حيان أنه لا يعرف نصًّا في جواز تكرار البدل فيها أو منعه، وأن في كلام بعض أصحابه ما يدل على المنع، إلا أن في الارتشاف نصًّا، نقل فيه أبو حيان عن الأبذي إجازته تعدد بدل البعض، حيث يقول أبو حيان إنه في حال تكرار (إلا) لغير توكيد، ولم يكن العامل مفرغًا، وتأخرت المستثنيات عن المستثنى منه فلأحدها «ما له مفردًا وللبواقي النصب، مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا خالدًا، وما جاء أحد إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا… قال الأبذي ويجوز في النفي الرفع على بدل فيها…» (270).

ويقول الصبان عن رأي الأبذي في المنفي «وأجاز الأبذي اتباع الجميع بناءً على جواز تعدد البدل بدون عطف»(271).

في المثال المنفي في نص الارتشاف يجوز أن توجد ثلاثة أبدال مختلفة لفظًا ومعنى دون عطف والمبدل منه واحد لفظًا ومعنى فيصبح المثال: ما جاء أحد إلا زيد إلا عمرو إلا خالد.

على أن للرضي نصًّا يجيز فيه أن يرد في الجملة الواحدة أكثر من بدل (بدل بعض) يقول عن (إلا) «وإن كررتها لغير التأكيد، فإما أن يمكن استثناء كل تال من ملتوه أو لا، فإن أمكن فإما أن يكون في العدد أو في غيره، فالذي في غير العدد نحو: جاءني المكيون إلا قريشًا إلا هاشمًا إلا عقيلًا، في الموجب، فلا يجوز في كل وتر إلا النصب على الاستثناء لأنه عن موجب، والقياس أنه يجوز في كل شفع الإبدال والنصب على الاستثناء، لأنه عن غير موجب والمستثنى منه مذكور… وتقول في غير الموجب: ما جاءني المكيون إلا قريش إلا هاشمًا إلا عقيلًا، فالقياس أن يجوز لك في كل وتر النصب على الاستثناء والبدل لأنه غير موجب والمستثنى منه مذكور، ولا يجوز في الشفع إلا النصب على الاستثناء لأنه عن موجب… والذي في العدد نحو: له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا… والإعراب في الشفع والوتر كما مضى في موجب غير العدد وتقول في غير الموجب من العدد: ما له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية… إلى آخرها… والإعراب في الشفع والوتر كما في غير العدد الذي هو في غير الموجب»(272).

وموضع الشاهد في النص هو جواز الإبدال في كل شفع في الموجب من أساليب الاستثناء في العدد وفي غيره، وكذلك جواز الإبدال في كل وتر في غير الموجب في العدد وغيره.

وواضح أن الأشفاع والأوتار التي يجوز فيها الإبدال تزيد –أو يمكن أن تزيد- عن الاثنين، بما يعني أن الأبدال متعددة، لكن هل هي متعددة لواحد؟

لا، بل هي متعددة لمتعدد، إذا كان بدل مبدل من المستثنى الذي يسبقه في حال الموجب، وكذا في حال غير الموجب منها إلا في الوتر الأول فإنه يبدل من المستثنى منه الأول.

ودليل ذلك عبارة الرضي السابقة «المبدل منه مرة لا يبدل منه أخرى إذ صار بالإبدال منه كالساقط» وهذا يعني أنه وإن أجاز أن يأتي في الجملة الواحدة أكثر من بدل يرفض وحدة المبدل منه لهذه الأبدال، بما يعني أن البدل هنا (بدل البعض) تعدد لتعدد المبدل منه، ولا يعد هذا تعددًا حقيقيًّا.

كما أن ابن السراج له نص يجيز فيه ورود أكثر من بدل (بدل بعض) في الجملة الواحدة.

«فلو قلت: ما أعطيت أحدًا دراهمًا إلا عمرًا دانقًا، وأردت الاستثناء لم يجز، و إن أردت البدل جاز، أبدلت عمرًا من أحد ودانقًا من درهم»(273).

يقال في البدل المتعدد هنا ما قيل في نص الرضي السابق، إنه تعدد لمتعدد فلا يعد تعددًا حقيقيًّا.

على أن الزجاج رفض تعدد البدل في نص السراج، قال: «البدل ضعيف، لأنه لا يجوز بدل اسمين من اسمين(274) لو قلت: ضرب زيد المرأة أخوك هندًا لم يجز»(275).

هذا، ولا بد يعيش نص يفهم منه جواز تعدد بدل البعض إذا عطف «وأما الثاني وهو بدل الشيء من الشيء وهو بعضه… تقول: بعت طعامك بعضه مكيلًا وبعضه موزونًا»(276).

لكن البحث –كما سبق في أبواب عدة- لا يعد العطف من التعدد الحقيقي.

وأخلص مما سبق إلى أن البحث يوافق الأبذي في إجازة تعدد بدل البعض لفظًا ومعنى دون عطف لمفرد لفظًا ومعنى، كما في مثال: ما جاء إلا زيد إلا عمرو إلا خالد، أما عبارة الرضي بأن المبدل منه مرة لا يبدل منه أخرى يكن أن يرد عليها هنا أنها جاءت لتدلل على رأيه بعدم جواز تعدد البدل لواحد، ولا يلزم هذا الرأي من قال بجواز التعدد لواحد كالأبذي.

أما عند تعدد بدل الاشتمال، فما وجدت فيه إلا نصًّا واحدًا لابن يعيش يفهم منه إجازته لتعدده إذا عطف «وأما الثالث فهو بدل الاشتمال نحو: قولك… أعجبني عمرو علمه وحسنه وأدبه، ونحوها من المعاني»(277).

لكن البحث لا يعد العطف تعددًا حقيقيًّا.

وقبل أن أتناول موقف النحاة من تعدد بدل الكل أو عدمه، أعرض لنص(278) نقله بعض النحاة عن الزيادي يجيز فيه تعدد البدل لكن مع وجوب العطف(279) يقول أبو حيان «قال الزيادي: وقد يجوز مررت بهذين الطويل والقصير على البدل»(280).

ولنص آخر يقول فيه الرضي: «اعلم أن الموصوف إذا كان مجموعًا متغاير الصفات، فإما أن تجيء بالصفات على وفق عدده أو أقل، وفي الأول يجوز الاتباع والقطع إلى الرفع… تقولك مررت بثلاثة رجال: شاعر وكاتب وبزاز… ولو تخالفًا تعريفًا وتنكيرًا فقطع الوصف إلى الرفع فقط أولى إن لم يكن هناك للحال معنى، نحو: بالرجلين قصير وطويل، ويجوز قطعه إلى النصب أيضًا على الحال أن كان لها معنى نحو: بالرجلين ضاحكًا وباكيًا، ولا يمتنع في الوجهين الاتباع على البدل»(281).

وفي كل أمثلة هذين النصين (للزيادي والرضي) يمكننا أن نعد البدل بدل بعض إذا راعينا لفظ المبدل منه أو بدل كل إذا راعينا معنى المبدل منه إذ هو متعدد في المعنى(282).

لكن هذه الأبدال المتعددة –إضافة إلى أنه يجب فيها العطف- فإنها تعود إلى متعدد في المعنى(283) لذا فالبحث لا يعدها تعددًا حقيقيًّا.

أما عن تعدد بدل الكل فلابن مالك نص ينقل فيه عن غير الكسائي ما يفهم منه جواز تعدده لواحد «ولا ينعت مضمر الحاضر، ولا ينعت به بإجماع، وكذا مضمر الغائب عند غير الكسائي، ولا يمتنع عنده أن ينعت، ورأيه قوي فيما يقصد به مدح أو ذم أو ترحم، ونحو: صلى الله عليه الرءوف الرحيم، وعمرو غضب عليه الظالم المجرم، وغلامك ألطف به البائس المسكين، وغير الكسائي يجعل هذا النوع بدلًا وفيه تكلف»(284).

في كل مثال من الأمثلة الواردة في النص يلي ضمير الغائب اسمان متتابعان، يعربهما الكسائي نعتين للضمير، وغيره يعربهما بدلين، نعم ابن مالك رأي في هذا تكلفًا إلا أنه لم يمنعه أو يخطئه.

وللزمخشري نص يعلق فيه على قوله تعالى: { حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }(285) يفهم من الزمخشري في هذا النص أنه يجيز بل يجعل من الأفضل أن يقال بتعدد بدل الكل لواحد.

«فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفًا وتنكيرًا، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت: أما غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان، لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن، أو غدًا حتى يكونا في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقة، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما شديد العقاب فأمره مشكل، لأنه في تقدير: شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلًا، وفي كونه بدلًا وحده بين الصفات بنو ظاهر. والوجه أن يقال: لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف… ولقائل ان يقول: هي صفات، وإنما حذف الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا، فقد غيروا كثيرًا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع… ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإيهامه للدلالة على فرط الشدة، وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار، ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية على اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال.

فإن قلت: ما بال الواو في قوله: وقابل التوب؟ قلت: فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول»(286).

في الآيتين الكريمتين تلا لفظ الجلالة (الله) ستة أسماء كلها معارف عدا واحد(287) (شديد العقاب) ذهب الزجاج إلى أن (شديد العقاب) بدل وباقي الأسماء الستة صفات، والزمخشري رأي في هذا بنوا ظاهرًا، وفضل أن تعرب الستة كلها أبدالًا، وقد ذكر ابن هشام رأي الزمخشري في قوله تعالى (شديد العقاب) وبقية الأسماء الستة في الآية فقال: «والذي قدمه الزمخشري أنه وجمع ما قبله أبدال»(288) ولم يعلق ابن هشام على رأي الزمخشري هذا بالرفض أو عدمه، مما قد يعني أن ابن هشام يقره على ذلك.

ولا يخفى ما في نص الزمخشري السابق من بعد دلالي واضح في أكثر من موضع، هذا البعد هو ما جعله يقدم اختيار الأسماء الستة أبدالًا، فقوله «ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار، ويجوز أن يقال: هذه النقطة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف» فالزمخشري يتخذ من الدلالة منطلقًا ليرجح رأيًا على رأي في النحو.

وكذلك حديثه عن الواو في آخر النص حديث دلالي واضح.

نعم، في نص الزمخشري جوار تعدد بدل الكل مع العطف، وقد سبق أن البحث لا يعد العطف تعدادًا حقيقيًّا.

والخلاصة أن ابن مالك نقل عن غير الكسائي ما يفيد جواز تعدد بدل الكل دون العطف، وكذلك الزمخشري أجاز ذلك، ونقله عنه ابن هشام ولم يرفضه، والبحث يرى جواز تعدد بدل الكل، بل قد يكون القول بالتعدد راجح من قبل الصناعة(289) والدلالة معًا كما في نص الزمخشري.

خاتمة:

في ختام الحديث عن قضية تعدد المعنى النحوي أود تسجيل ملاحظات أراها مهمة:

أولًا: أن جملة المعاني النحوية التي تحدث النحاة –أو بعضهم- عن جواز تعددها أو منعه اثنا عشر معنى نحويًّا.

ثانيًا: أن كل المعاني التي تتعدد كان حكم تعددها الجواز.

ثالثًا: أن تعدد المعنى النحوي لم يكن يلزم عند النحاة –في أكثر الأبواب- نمطًا واحدًا، بل قد تتنوع أنماط وروده متعددًا.

رابعًا: أن الخلاف بين النحاة حاضر بوضوح في قضية تعدد المعاني النحوية، فما يجيز أحد النحاة وروده من أنماط تعدد بعض المعاني النحاة يمنعه آخر، وما يعده نحوي تعددًا لا يعده آخر كذلك.

خامسًا: أن بعض المعاني النحوية وردت إجازة تعددها عند نحوي واحد فقط، كما في تعدد المفعول الثاني وتعدد عطف البيان.

السادس: أن النعت هو المعنى النحوي الوحيد الذي نقل بعض النحاة الإجماع على جواز تعدده، وذلك في أحد أنماط تعدده.

سابعًا: أن الدلالة حاضرة وضوح في قضية تعدد المعاني النحوية، بل قد كانت داعية ومرجحة –عند بعض النحاة- للحكم بتعدد معنى نحوي، كما في بابي عطف البيان والبدل.

وأخيرًا، أحمد الله عز وجل أن أعان على إتمام هذا البحث، وأسأله –عز وجل- أن يتقبله مني.

كما أرجو أن أكون قد أسهمت بلبنة –ولو صغيرة- في صرح العربية الشامخ.

وأرجو أن يلقى البحث القبول من القارئ الكريم.


الهوامش:

  1. الأشباه جـ1/ 347 وما بعدها.
  2. قد أضاف البحث معاني نحوية لم يذكرها السيوطي في نصه هذا، كما سيتضح من البحث.
  3. لتأخير معالجة تعدد المبتدأ سبب ذكر في موضعه.
  4. هذا التعريف أفدته من كتاب أستاذي الدكتور/ تمام حسان، البيان في روائع القرآن ج1/ 10، 12، 18، 28، 29، 32، وكتاب أستاذي الدكتور/ محمد حماسة، النحو والدلالة/ 15، 81، 220.
  5. انظر على سبيل المثال: الأشباه ج1/ 349، ج2/ 262، وما بعدها، مغني ج2/ 664، شرح التصريح ج2/ 117.
  6. انظر على سبيل المثال: المراجع المذكورة في رابع حاشية من تعدد خبر المبتدأ.
  7. سورة البروج الآيات 14 – 16.
  8. سورة الحديد الآية 20.
  9. شرح التسهيل ج1/ 326 وما بعدها.
  10. انظر شرح التسهيل ج2/ 248 وما بعدها، مغني ج2/ 63، 664، شرح المفصل ج1/ 99، ج2/ 56 الخصائص ج1/ 510، ارتشاف ج3/ 1137، همع ج/ 108، 244، شرح التصريح ج1/ 182، 385، شرح الأشموني ج1/ 221 وما بعدها، الأشباه ج1/ 347 وما بعدها.
  11. انظر شرح التصريح ج1/ 182، 385، شرح الأشموني ج1/ 222 ما بعدها.
  12. انظر شرح الأشموني ج1/ 223.
  13. انظر شرح المفصل ج1/ 99، ج2/ 56، الخصائص ج1/ 509 وما بعدها، شرح التصريح ج1/ 182، شرح الأشموني ج/ 222 وما بعدها، حاشية الصبان 3/ 57.
  14. سورة البروج الآيات 14 – 16.
  15. شرح الرضي ج1/ 263 وما بعدها.
  16. انظر أيضًا شرح الرضي ج2/ 12.
  17. ذكر الرضي نفسه في باب الحال كلامًا يؤيد هذا الفهم: ((وجوز الجمهور وهو الحق أن يجيء لشيء واحد أحوال متخالفة، متضادة كانت نحو: اشتريت الرمان حلوًا حامضًا أو غير متضادة كقوله تعالى: (اخرج منها مذءومًا مدحورًا) سورة الأعراف آية 18، كما تجيئان في خبر المبتدأ) شرح الرضي ج2: 12 فعنده أن (حلوًا حامضًا) حالان متخالفان لشيء واحد، ونص على أن هذا يجيء في خبر المبتدأ.
  18. شرح المفصل ج1/ 99، وانظر الخصائص ج1/ 510.
  19. انظر شرح التصريح ج1/ 182 وما بعداه.
  20. شرحا لتصريح ج1/ 182.
  21. انظر شرح الأشموني ج2/ 222.
  22. شرح الأشموني ج2/ 223.
  23. وهو ابن هشام في التوضيح انظر شرح التصريح ج1/ 182 وما بعدها.
  24. شرح الأشموني ج1/ 223.
  25. جعل السيوطي الأقوال أربعة في نص الهمع الوارد في المتن، على حين أنه جعلها في نص آخر في الأشباه قولين فقط فقال: ((ما يجوز تعدده وما لا يجوز، فيه فروع، الأول: خبر المبتدأ، وفيه خلاف، منهم من أجازه مطلقًا وبه جزم ابن مالك، ومنهم من منعه وأوجب العطف نحو: زيد قائم ومنطلق، إلا أن يريد اتصافه بذلك في حين واحد، فيجوز، نحو: هذا حلو حامض أي مز، وهذا أعسر أيسر أي أضبط، قال أبو حيان: وهذا اختيار من عاصرناه من الشيوخ)) الأشباه ج1/ 347 وما بعدها، يلاحظ أن السيوطي في نص الأشباه لم يذكر القول الثالث المذكور في نص الهمع، كما أنه ركب من القولين الثاني والرابع المذكورين في نص الهمع قولًا واحدًا في نص الأشباه، وهو القول الثاني، وقد نقل عن أبي حيان في آخر النص أنه اختيار من عاصره من الشيوخ، وواضح أن القول الأول في النصين واحد على خلاف فقط فيمن نسب إليه هذا القول في النصين، وما ذكره السيوطي في الأشباه سبق إلى ذكره أبو حيان في الارتشاف دون نسبة القول الأول إلى أحد، وزاد في الارتشاف أن سيبويه يجيز: هذا رجل منطلق، وهذا زيد منطلق على أنهما خبران على الجمع، وأنه لم يأت بحرف العطف في الثاني، وقيل تدخل واو الجمع، وهذا يعني أن من عاصره أبو حيان من الشيوخ موافقون لرأي سيبويه في جواز جعل الخبرين بمعنى الخبر الواحد المتصف به المبتدأ في حين واحد، إلا أن كلام سيبويه ليس فيه ما يفيد منع اعتبار كل منهما خبرًا مستقلًّا -كما هو رأي معاصري أبي حيان من الشيوخ- إذ التصريح بجواز قول لا يفيد منع القول الآخر. انظر: الارتشاف ج3/ 1137.
  26. سبق أن أشار ابن مالك في آخر نصه السابق إلى أن أبا علي الفارسي خالف النحاة في إجازته العطف في هذا النوع يرى –كالجمهور- أنهما خبران في معنى خبر واحد، ولا يرى أن كلًّا منهما خبر مستقل بنفسه، لكل من في مقابل الجمهور إذا كان أبو علي مع الجمهور؟ يقول أبو حيان ((وقال الأخفش قولهم: هذا حلو حامض، وهذا أبيض أسود إنما أرادوا هذا حلو فيه حموضة، فينبغي أن يكون الثاني صفة للأول وليس قولهم: إنهم جميعًا خبر واحد بشيء. انتهى، والجمهور على أنهما خبران في ماض واجد)) ارتشاف ج3/ 1137 وما بعدها، وانظر أيضًا في رأي أبي علي والأخفش شرح التصريح ج1/ 182 وما بعدها، حاشية الصبان ج1/ 222 وما بعدها، هذا مع العلم أن الرضي كما في نصه السابق يرى أن كلًّا منهما خبر مستقل بنفسه.
  27. همع ج1/ 108.
  28. لأن القول الرابع في ترتيب السيوطي خاص كما سيأتي في المتن بالنوع الثالث.
  29. نعم، لم يصرح أحد منهم أن في المسألة قولًا واحدًا، لكن كلًّا منهم ذكر رأيه في المسألة، ولم يذكر فيها قولًا أو أقوالًا أخرى.
  30. انظر أيضًا ارتشاف ج3/ 1137، مغني ج2/ 664، الأشباه ج1/ 347 وما بعدها.
  31. نص السيوطي على أن ابن درستويه وابن أبي الربيع ممن أجازوا تعدد خبر المبتدأ انظر: همع ج1/ 114، البسيط ج2/ 689 وما بعدها.
  32. انظر أيضًا شرح التصريح ج1/ 182.
  33. انظر أيضًا السابق.
  34. انظر مغني ج2/ 664.
  35. شرح التصريح ج1/ 182، وانظر حاشية يس ج1/ 386.
  36. شرح الأشموني ج1/ 223.
  37. السابق.
  38. أوضح المسالك ج1/ 195.
  39. شرحا لتسهيل ج1/ 327.
  40. معلوم أن هذا قول ابن مالك في الألفية.
  41. شرح الأشموني ج1/ 221.
  42. شرح المفصل ج1/ 99.
  43. سورة الواقعة الآية 203.
  44. دلالات التراكيب/ 282 وما بعدها.
  45. إنما أخرت الحديث عن تعدد المبتدأ وقدمت الحديث عن تعدد الخبر سيرا على ترتيب نحاتنا رحمهم الله في تناول قضية تعد الخبر أولًا.
  46. جعل أبو حيان طرق الإخبار عن المبتدآت المتوالية ثلاثة: قال: «الطريق الثالث: ما تركب من هذين الطريقين وهو ضربان…» ارتشاف ج3/ 1139 وما بعدها.
  47. همع ج1/ 108 وانظر المقتضب ج3/ 262 وما بعداه.
  48. انظر شرح التسهيل ج1/ 326، ارتشاف ج3/ 1139، ج4/ 1963.
  49. انظر ارتشاف ج3/ 1136، حاشية الصبان ج1/ 223 وما بعدها.
  50. ارتشاف ج3/ 1137.
  51. عدا الشيخ خالد الأزهري كما سبق في تعدد الخبر.
  52. وهو ما وصفه ابن مالك –وأجازه جمهور النحاة- التعدد الحقيقي للخبر.
  53. شرح التسهيل ج1/ 337 وما بعدها، الأشباه ج2/ 196.
  54. البسيط ج2/ 690.
  55. ارتشاف ج3/ 1150، الأشباه ج2/ 196.
  56. همع ج1/ 114.
  57. همع ج1/ 114، وانظر البسيط ج2/ 689 وما بعدها.
  58. سورة البقرة الآية 65.
  59. مغني ج2/ 664.
  60. انظر البسيط ج2/ 689.
  61. سورة البقرة الآية 65.
  62. الخصائص ج1/ 549 وما بعدها.
  63. الخلاصة النحوية/ 80 وما بعدها.
  64. البيان في روائع القرآن ج1/ 90.
  65. الخصائص ج1/ 510.
  66. البسيط ج2/ 690.
  67. ارتشاف ج3/ 1241.
  68. همع ج1/ 135.
  69. شرح الرضي ج1/ 289.
  70. سورة المزمل الآية 12.
  71. شرح الرضي ج4/ 375.
  72. شرح المفصل ج1/ 102 وما بعدها.
  73. انظر شرح المفصل ج1/ 99.
  74. انظر ارتشاف ج3/ 1137 وفيه ذكر رأي سيبويه في تعدد خبر المبتدأ.
  75. انظر همع ج1/ 108.
  76. همع ج1/ 135.
  77. شرح المفصل ج1/ 102 وما بعدها.
  78. انظر الإنصاف ج1/ 176، أسرار العربية/ 150، 248، التبيين/ 333، الإعراب/ 67.
  79. انظر الإنصاف ج1/ 176، أسرار العربية/ 150، التبيين/ 333، الإغراب/ 67، 139.
  80. الإنصاف ج1/ 176.
  81. ورد هذا الأصل على لسان الكوفيين في النص السابق.
  82. الإنصاف ج1/ 60، وانظر ج1/ 229، 367، ج2، 563، 617.
  83. شرح التصريح ج1/ 182.
  84. سورة الحجرات الآية 12.
  85. سورة البقرة الآية 17.
  86. مغني ج2/ 664.
  87. التبيان في إعراب القرآن/ 18.
  88. الكشاف ج1/ 74.
  89. ولم يعرض الزمخشري في تفسيره للآية الكريمة موضع الحديث (17 من سورة البقرة) لإعراب (لا يبصرون) كما فعل ابن هشام والعكبري في نصيهما.
  90. الأشباه ج1/ 348 وما بعدها.
  91. انظر: شرح التسهيل ج3/ 349، همع ج1/ 244، حاشية الصبان ج2/ 184.
  92. شرح الرضي ج2/ 12.
  93. هذا التفسير لعدم التباين المذكور في نص الرضي هو اجتهاد من الباحث حاول فيه أن يضع فارقًأ بين ما منعه بعض النحاة وما أجازه الرضي من تعدد الظرف.
  94. شرح التصريح ج1/ 182.
  95. شرح الرضي ج2/ 118، وانظر: شرح المفصل ج2/ 92 وما بعدها، المقتضب ج4/ 424.
  96. الأشباه ج2/ 300.
  97. وهو أن يدرس تعدد المعنى النحوي المعين بوصفه وظيفة نحوية تؤديها اللفظة المعينة داخل التركيب، كالمبتدأ أو الخبر أو خبر كان أو المنصوب على الاستثناء أو غير ذلك من المعاني النحوية.
  98. همع ج1/ 226 وما بعدها.
  99. من هؤلاء النحاة: الرضي في شرحه على الكافية ج2/ 114، وأبو حيان في الارتشاف ج3/ 1520، والأبذي فيما نقله السيوطي في الأشباه ج2/ 105، والدماميني فيما نقله الصبان في حاشيته ج2/ 151، وجعل السيوطي النحاة المانعين من التعدد دون عطف جعلهم –في نص آخر- الجمهور. انظر: الأشباه ج1/ 348.
  100. من هؤلاء: الأخفش والفارسي، انظر: ارتشاف ج3/ 1520، الأشباه ج2/ 105، وذكر الرأي دون نسبه في حاشية الصبان ج2/ 151.
  101. من هؤلاء: ابن السراج كما في النص، وانظر: ارتشاف ج3/ 1520، حاشية الصبان ج2/ 151، ومنهم أيضًا: الأبذي وغيره انظر: الأشباه ج2/ 105.
  102. انظر حاشية الصبان ج2/ 151.
  103. انظر في رأي هؤلاء القوم: شرح الرضي ج2/ 114، ارتشاف ج3/ 1520، الأشباه ج1/ 348، حاشية الصبان ج2/ 151.
  104. هذا هو النحوي الوحيد الذي حصلت على اسمه ممن أجازوا تعدد المستثنى دون عطف.
  105. حاشية الصبان ج2/ 151.
  106. سورة الأحزاب الآية 53.
  107. الكشاف ج3/ 554.
  108. حاشية الصبان ج2/ 151.
  109. حاشية الصبان ج2/ 151.
  110. سبق أن أشرت في ثاني حاشية من هذا الباب إلى أن السيوطي ذكر أن المانعين للتعدد دون عطف هم الجمهور.
  111. انظر: النحو والدلالة/ 81 وما بعدها.
  112. قد ذكرت في تعدد خبر المبتدأ كلامًا في تعليل رفض عد العطف تعددًا حقيقيًّا، لا داعي لإعادته هنا.
  113. في حين أن ذلك يلزم في حال تعدد المبتدأ نحو: زيد وعمرو شاعر وكاتب، إذ لا يصح أن نقول: زيد وعمرو شاعر.
  114. أورد هذا النقاش لهذه القضية هنا مع العلم بأن مصطلح التكرار من مرادفات مصطلح التعدد كما مر في مقدمة البحث.
  115. شرح التسهيل ج2/ 296.
  116. شرح الرضي ج2/ 116 وما بعدها، وانظر شرح التسهيل ج2/ 295، ارتشاف ج3/ 1522، شرح التصريح ج1/ 356، همع ج1/ 277، شرح الأشموني ج2/ 150.
  117. شرح التسهيل ج2/ 295.
  118. شرح التصريح ج1/ 357.
  119. حاشية الصبان ج2/ 153.
  120. ارتشاف ج3/ 1523.
  121. انظر شرح التسهيل ج2/ 296، همع ج1/ 288، شرح التصريح ج1/ 357، شرح الأشموني ج2/ 152.
  122. انظر في بيان المراد من بدل البداء عند أبي حيان وغيره، الباب الأخير من هذا البحث وهو تعدد البدل.
  123. يقول الرضي أيضًا: «ونقل عن الأخفش تجويز إضمار حرف العطف في مثله، فيعطفه على ما اشتغل به الفعل» لكن الرضي يرد رأي الأخفش فيقول: «وليس إضمار حرف العطف بالشيء المشهور» شرح الرضي ج2/ 120، ولا يشغلنا رأي الأخفش –في حالنا أننا سلمنا به- إذ إننا مشغولون كما سبق بكون المتعدد منصوبًا على الاستثناء.
  124. شرح الرضي ج2/ 120.
  125. شرح التصريح ج1/ 357.
  126. حاشية يس ج1/ 357.
  127. ارتشاف ج3/ 1523 وما بعدها.
  128. انظر شرح التسهيل ج2/ 296، شرح الرضي ج2/ 119، همع ج1/ 228، شرح التصريح ج1/ 357، شرح الأشموني ج2/ 152.
  129. انظر شرح التصريح ج1/ 357.
  130. انظر همع ج1/ 228.
  131. فرق الرضي بين تأخر المستثنيات كلها عن المستثنى منه كما في أمثلة النص الوارد في المتن، وبين تأخر بعضها عنه وتقدم بعضها الآخر عليه بأن يأتي المستثنى منه متوسطًا بين المستثنيات، لكن الحكم عند الرضي لا يختلف في الحالين كلتيهما، إذ يأخذ أحد المستثنيات المتأخرات ماله لو انفرد، والباقي يجب نصه «نحو: ما جاءني إلا زيدًا إلا عمرًا أحد إلا بكر أو إلا بكرًا إلا خالدًا» شرح الرضي ج2/ 120، فأجاز في (بكر) الرفع على البدل والنصب على الاستثناء والباقي منصوب وجوبًا.
  132. انظر شرح التسهيل ج2/ 296، همع ج1/ 228، شرح التصريح ج1/ 357، شرح الأشموني ج2/ 152.
  133. انظر الرضي ج2/ 120.
  134. انظر شرح التصريح ج1/ 357.
  135. انظر همع ج1/ 288.
  136. انظر شرح التصريح ج1/ 357، حاشية الصبان ج2/ 157.
  137. شرح التصريح ج1/ 357.
  138. شرح الرضي ج2/ 120 وما بعدها، وانظر: شرح التسهيل ج2/ 296، ارتشاف ج3/ 1524، همع ج1/ 228، شرح التصريح ج1/ 357 ما بعدها، شرح الأشموني ج2/ 153.
  139. شرح التصريح ج1/ 358، وقال في الهمع: ((ومذهب الجمهور أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي… وخالف في ذلك الكسائي، وقال: إنه لا دلالة له على نفيه عنه، ولا ثبوته، واستفادة الإثبات في كلمة التوحيد من عرف الشرع)) ج1/ 229.
  140. ويؤيد في ذلك الأمثلة التي وردت في كل النصوص التي سبق ذكرها فيما تعدد فيه المستثنى لغير التوكيد.
  141. شرح الرضي ج2/ 121.
  142. حاشية الصبان ج2/ 151.
  143. في حين أن ذلك يلزم في حال تعدد المبتدأ نحو: زيد وعمرو شاعر وكاتب، إذ لا يصح أن تقول: زيد وعمرو شاعر.
  144. شرح الرضي ج2/ 117.
  145. انظر مثلًا: شرح التسهيل ج2/ 296 وما بعدها، ارتشاف ج3/ 1524 وما بعدها، شرح التصريح ج1/ 358 وما بعدها، شرح الأشموني ج2/ 153.
  146. على أن الرضي قال: «ونعني بالوتر: الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر، وعلى هذا، وبالشفع الثاني والرابع والسادس ونحوها» شرح الرضي ج2/ 117، فوصل بالوتر من المستثنيات إلى أحد عشر، ثم قال: وعلى هذا، ووصل بالشفع إلى ستة، ثم قال: ونحوها.
  147. قال في الهمع: «واختلف النحويون في الاستثناء من العدد على مذاهب، أحدها: الجواز مطلقًا، واختاره ابن الصائغ، والثاني: المنع مطلقًا واختاره ابن عصفور، لأن أسماء العدد نصوص فلا يجوز أن ترد إلا على ما وضعت له، والثالث: المنع إن كان عقدًا نحو: عندي عشرون إلا عشرة، والجواز إن كان غير عقد نحو: له عشرة إلا اثنين، ورد هذا وما قبله بقوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا} وقال أبو حيان: لا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلا في هذه الآية الكريمة، قال: ولم أقف في شيء من دواوين العرب على استثناء من عدد، والآية خرجت مخرج التنكير» ج1/ 228 وما بعدها، وانظر أيضًا: ارتشاف ج3/ 1525، لكن البحث يسير على ما سار عليه النحاة ومنهم أبو حيان نفسه من تناول الاستثناء من العدد بالمعالجة المفصلة، على ما سيتضح من النصوص الواردة في هذا الجزء من البحث والحواشي المذكورة فيه.
  148. شرح الرضي ج2/ 117 وما بعدها.
  149. تجدر الإشارة إلى أن غير الرضي من النحاة –الذين عدت إلى مراجعهم- لم يعرض للوجوه الإعرابية الجائزة في هذه المستثنيات، في الموجب كانت أو في غير الموجب. انظر: شرح لتسهيل ج2/ 297، ارتشاف ج3/ 1524، شرح التصريح ج1/ 359، شرح الأشموني ج2/ 153.
  150. تجدر الإشارة إلى أن غير الرضي لم يعرض لغير الموجب من الكلام مما تعددت فيه المستثنيات وصلحت لأن يستثنى بعضها من بعض، وكانت معالجتهم لهذا النوع مقصورة على ما كان موجبًا فقط، يتضح هذا من الأمثلة التي أوردوها في المعالجة، وكذلك عن الحكم الذي نصوا عليه –ولم يذكروا عكسه- وهو ((جعل كل وتر خارجًا، وكل شفع داخلًا، وما اجتمع فهو الحاصل)) شرح التسهيل ج2/ 297، وانظر: بقية المراجع المذكورة في الحاشية السابقة.
  151. على أن المستثنيات المذكورة في مثال نص الرضي بلغت تسعة.
  152. جعلها ثلاثة فقط في شرح التصريح، حيث لم يذكر المذهب الثالث –مذهب الفراء- كما أنه نسب المذهب الأول إلى الصميري، وقال عن المذهب الرابع «وصححه بعض المغاربة» شرح التصريح ج1/ 358 وما بعدها، وكذلك في الهمع جعلها ثلاثة، ولم يذكر المذهب الرابع: انظر: همع/ 228، وانظر في المسألة أيضًا: شرح الأشموني ج4/ 153.
  153. ارتشاف ج3/ 1524 وما بعدها.
  154. انظر في هذا: شرح التصريح ج1/ 359 وما بعدها.
  155. هذا الموضع من الاستثناء كان الأولى به أن يعالج –كما فعل الرضي في شرحه ج2/ 119- في الموضع الخاص بما لا يمكن فيه استثناء بعض المستثنيات من بعض، ولكن لما كان هذا الموضع يحتاج في فهمه إلى التأسيس الذي مر في الكلام عن العدد فيما أمكن فيه استثناء تال من متلوه، جعلت معالجته في هذا الموضع من البحث وفاقًا لما فعلت المراجع الأخرى غير شرح الرضي. انظر شرح التسهيل ج2/ 296 وما بعدها، ارتشاف ج3/ 1523 وما بعدها، حاشية الصبان ج2/ 153.

لكن الرضي كان قد بدأ القضية بما أمكن فيه استثناء تال من متلوه، وآخر الحديث عما لم يمكن فيه ذلك، فكان التأسيس لهذه المسألة قد سبق عنده الحديث عنها، على عكس ما فعل النحاة الذين سبق ذكر مراجعهم، حيث بدءوا بالحديث عما لم يمكن فيه استثناء بعض المستثنيات من بعض.

  1. نسب هذا الرأي إلى السيرافي انظر: حاشية الصبان ج2/ 153.
  2. بناءً على أن الكلام الموجب، كما سبق في نص الرضي.
  3. شرح التسهيل ج2/ 297، وانظر: شرح الرضي ج2/ 119، ارتشاف ج3/ 1525.
  4. سورة الأعراف الآية 18.
  5. شرح الرضي ج2/ 12، وانظر: همع ج1/ 244، شرح الفصل ج2/ 56، مغني ج2/ 623 – 664، ارتشاف ج3/ 1595، الأشباه ج1/ 348، شرح التصريح ج1/ 385، شرح الأشمولي ج2/ 183 وما بعدها، 203.
  6. شرح المفصل ج2/ 56.
  7. شرح المفصل ج2/ 56، همع ج1/ 244.
  8. همع ج1/ 244، وانظر ارتشاف ج3/ 1595، الأشباه ج1/ 348، شرح التصريح ج1/ 387، رح الأشموني ج1/ 184، حاشية يس ج1/ 387.
  9. ويصف ابن هشام الحالين بالتداخل «على أن الأولى من زيد وعاملها جاء، والثانية من ضمير الأولى وهي العامل» مغني ج2/ 623.
  10. الأشباه ج1/ 348.
  11. سورة الأعراف الآية 18.
  12. شرح الرضي ج2/ 12، وانظر أيضًا ردًّا دلاليًّا مقنعًا على هؤلاء البعض، في: شرح التسهيل ج2/ 349، حاشية الصبان ج2/ 184.
  13. انظر همع ج1/ 244، شرح التصريح ج1/ 387، شرح الأشموني ج2/ 184، ارتشاف ج3/ 1587.
  14. نسب ابن مالك هذا الرأي إلى ابن عصفور فقط، انظر: شرح التسهيل ج2/ 349، الأشباه ج1/ 348.
  15. شرح التسهيل ج2/ 349.
  16. حاشية يس ج1/ 387، وانظر: حاشية الصبان ج2/ 184، وارتشاف ج3/ 1588.
  17. حاشية الصبان ج2/ 184.
  18. انظر: ارتشاف ج3/ 1595، شرح الرضي ج2/ 12.
  19. شرح التسهيل ج2/ 348.
  20. سورة إبراهيم الآية 33.
  21. شرح التسهيل ج2/ 349 وما بعدها، وانظر المقتضب ج4/ 292 وما بعدها 314، 316، ارتشاف ج3/ 1595 وما بعدها، همع ج1/ 244، شرح التصريح ج1/ 385 وما بعدها، شرح الأشموني ج2/ 184.
  22. شرح الرضي ج2/ 11، حاشية الصبان2/ 184.
  23. شرح المفضل ج2/ 56.
  24. شرح الرضي ج2/ 11.
  25. حاشية يس ج1/ 386.
  26. السابق.
  27. سورة إبراهيم الآية 33.
  28. سورة النحل الآية 12.
  29. شرح التصريح ج1/ 386.
  30. حاشية يس ج1/ 386.
  31. استشهد الرضي بهذا البيت على جواز العطف في الحال المتعددة بتفرق لمتعدد، قال: «يجوز عطف أحد حالي الفاعل والمفعول على الآخر، كقولك: لقيت زيدًا راكبًا وماشيًا قال:
وإنا سوف تدركنا المنايا

 
مقدة لنا ومقدرينا»
 

شرح الرضي ج2/ 11 وما بعدها، ويقول الصبان عن هذا الرأي: «والأجود عدم العطف هنا لأنه ربما يوهم كون الأحوال لواحد في وقتين أو أوقات، ومن العطف بلا إيهام قول عمرو بن كلثوم…» حاشية الصبان ج2/ 184 وما بعدها، وذكر البيت السابق، وعلى كل حال فإن العطف –فضلًا عما قد يحدثه من إيهام- يخرج ما يريد فيه من باب التعدد الحقيقي كما سبق المتن.

  1. شرح التسهيل ج2/ 350، وانظر: شرح التصريح ج1/ 386 وما بعدها، همع ج1/ 244 وما بعدها، شرح الأشموني ج2/ 184 وما بعدها.
  2. انظر شرح التصريح ج1/ 386، شرح الأشموني ج2/ 184 وما بعدها.
  3. مغني ج2/ 623.
  4. شرح الرضي ج2/ 11.
  5. انظر في هذه الآراء: ارتشاف ج3/ 1596 وما بعدها، همع ج1/ 244 وما بعدها، المقتضب ج4/ 169، شرح المفصل ج2/ 65.
  6. حاشية يس ج1/ 386.
  7. انظر: شرح التصريح ج1م 385 وما بعدها.
  8. انظر شرح الأشموني ج2/ 183 وما بعدها.
  9. انظر: همع ج1/ 244.
  10. سبق بيان معنى التداخل في حاشية سابقة في أول هذا الباب.
  11. مغني ج2/ 623.
  12. سورة الإنسان الآية 3.
  13. همع ج1/ 245، وانظر ارتشاف ج3/ 1597 وما بعدها، شرح التسهيل ج2/ 350 وما بعدها، شرح الرضي ج2/ 13، حاشية الصبان ج2/ 183.
  14. شرح الرضي ج2/ 13.
  15. السابق.
  16. همع ج1/ 252.
  17. الأشباه ج2/ 239.
  18. شرح الأشموني ج2/ 203.
  19. حاشية الصبان ج2/ 203.
  20. شرح التصحيح ج1/ 182.
  21. بعض النحاة ذكر صراحة لفظ (التعدد) أو المتعدد مع النعت في هذا القسم انظر: شرح التصريح ج2/ 113، وما بعدها، حاشية يس ج2/ 113 وما بعدها، حاشية الصبان ج3/ 65، وبعض النحاة ذكره إشارة كأن يقول: «جمع الأوصاف مع تفرق الموصوفات» أو تفريق الصفات مع جمع الموصوفات أي أنه ذكر النعت بصيغة الجمع: انظر: شرح الرضي ج2/ 317، 320.
  22. شرح التصريح ج2/ 114، وانظر المقتضب ج4/ 290 وما بعدها، البسيط ج1/ 326، شرح المفصل ج3/ 57، شرح التسهيل ج3/ 316 وما بعدها، ارتشاف ج4/ 1922، همع ج2/ 118، شرح الأشموني ج3/ 65 وما بعدها.
  23. حاشية يس ج2/ 114.
  24. اشرح الأشموني ج3/ 65.ف
  25. حاشية الصبان: ج3/ 65.
  26. سورة الحاقة الآية 13.
  27. سورة المسد الآية 4.
  28. شرح الرضي ج2/ 322، وانظر: شرح التسهيل: ج3/ 318 وما بعدها، ارتشاف ج4/ 1926 وما بعدها: همع ج2/ 119، شرح الأشموني ج3/ 69 وما بعدها.
  29. أضاف أبو حيان: ألا يكون النعت المعرفة ملتزمًا نحو: نظرت إلى الشعرى العبور. انظر: ارتشاف ج4/ 1926، همع ج2/ 119.
  30. فإذا سبق بنعت آخر ففيه تفصيل وخلاف، لكن الإعراب لا يخرج عن إجازة أقطع مع النعت أو وجوب النعت. انظر: ارتشاف ج4/ 1926 وما بعدها، همع ج2/ 119.
  31. انظر: البسيط ج1/ 326.
  32. يستثنى من وجوب التفريق «نعت الإشارة فلا يتأتى فيه التفريق، ولا يجوز: مررت بهذين الطويل والقصير على النعت» شرح التصريح ج2/ 114، وانظر: البسيط ج1/ 323، شرح المفصل ج3/ 58، ارتشاف ج4/ 1922، شرح الأشموني ج3/ 65.
  33. ارتشاف ج4/ 1922، وانظر: البسيط ج1/ 326، شرح الأشموني ج3/ 66.
  34. شرح الرضي ج2/ 320.
  35. شرح الرضي ج2/ 317 وما بعدها، وانظر: المقتضب ج4/ 292 وما بعدها، البسيط ج1/ 324 وما بعدها، شرح التسهيل 2/ 316 وما بعدها، 349، ارتشاف ج4/ 1922 وما بعدها، شرح الأشموني ج3/ 67، شرح التصريح ج2/ 114، همع ج2/ 119.
  36. الجمع هنا –كما يتضح في النص- يشمل كون المنعوت اثنين أو أكثر فيدخل في التثنية والجمع، وقد مثل الرضي لتثنية النعت بلفظ (الظريفان والظريفين) ولجمعه بلفظ (مقبلين).
  37. انظر: شرح التسهيل ج2/ 348، شرح الفصل ج1/ 99، شرح التصريح ج1/ 182، 385، شرح الأشموني ج2/ 183، حاشية الصبان ج2/ 183، همع ج1/ 108، 244، الأشباه ج2/ 266.
  38. سبقت الإشارة في حاشية سابقة في هذا الباب إلى أن الجمع هنا يشمل التثنية والجمع.
  39. حاشية يس ج1/ 386.
  40. السابق.
  41. شرح التصريح ج1/ 182.
  42. حاشية يس ج1/ 386.
  43. حاشية الصبان ج3/ 68.
  44. انظر مثلًا: المقتضب ج4/ 314 وما بعدها، شرح الرضي ج2/ 317 وما بعدها، شرح التسهيل ج3/ 316 وما بعدها، ارتشاف ج4/ 1922 وما بعدها، همع ج2/ 118 وما بعدها، شرح التصريح ج2/ 113 وما بعدها، شرح الأشموني ج3/ 65 وما بعدها.
  45. وإن قد طال الحديث حقًّا في هذا القسم، لكن ما ترك من تفاصيل فيه كثيرة أيضًا.
  46. انظر المراجع المذكورة في أول حاشية من هذا الباب.
  47. يقول السيوطي عن هذا الشرط: «بشرط تقديم المتبع في الأصح لأنه الثابت عن العرب لئلا يفصل بين النعت والمنعوت، وقيل لا يشترط بل يجوز الاتباع بعد القطع لأنه عارض لفظي فلا حكم له، وقد قال تعالى: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة» سورة النساء الآية 162: همع ج2/ 119، وانظر البسيط ج1/ 319 وما بعدها، ارتشاف ج4/ 1927، شرح الأشموني ج2/ 69.
  48. شرح التصريح ج2/ 116، وانظر البسيط ج1/ 319 وما بعدها، شرح الرضي ج2/ 323، شرح التسهيل ج3/ 319، ارتشاف ج4/ 1927، همع ج2/ 119، شرح الأشموني ج3/ 68.
  49. همع ج2/ 119.
  50. شرح التصريح ج2/ 117، وانظر: شرح الرضي ج2/ 321، شرح التسهيل ج3/ 319، ارتشاف ج4/ 1927، المقتضب ج4/ 367، همع ج2/ 119، شرح الأشموني ج3/ 69.
  51. سورة الحديد الآية 3.
  52. سورة الحشر الآية 24.
  53. سورة الأعلى الآيات 2 – 4.
  54. ارتشاف ج4/ 1928.
  55. انظر مثلًا: البسيط ج1/ 318، شرح الرضي ج1/ 265، شرح التسهيل ج3/ 319، شرح الفصل ج3/ 58، همع ج2/ 119، شرح الأشموني ج3/ 72.
  56. وتقول: مررت يزيد الغانم ثم الآيب، إن جعلت بينهما مهلة، البسيط ج1/ 318.
  57. سورة آل عمران الآيات 16 – 17.
  58. سورة التوبة الآية 112.
  59. دلالات التراكيب/ 279، وانظر أيضًا: الكشاف ج1/ 263، ج2/ 246، الأشباه ج4/ 124 وما بعدها.
  60. أعني أن البحث قد اختار أن يحصر التعدد الحقيقي في هذا الباب فيما تكرر من نعوت دون عطف.
  61. اقتبس وأقيس على كلام الدكتور فأقول: ليس من الوفاء للنحو أن لا تدرس قضاياه –أو بعضها- دلاليًّا.
  62. يعني أن «الأكثر في الصفات أن تترادف من غير واو» دلالات التراكيب/ 280.
  63. دلالات التراكيب/ 281 وما بعدها.
  64. شرح التصريح ج1/ 182، وانظر حاشية يس ج1/ 386، وقد سبق هذا النص في أكثر من موضع من البحث.
  65. وقد سبق كلام مثل هذا الكلام وزيادة في تعدد خبر المبتدأ، فلا داعي لإعادته هنا.
  66. انظر مثلًا: الأشباه ج1/ 349، ج2/ 267، شرح الرضي ج2/ 288، 321، شرح التسهيل ج2/ 348 وما بعدها، شرح الأشموني ج2/ 183، حاشية الصبان ج2/ 184، ارتشاف ج4/ 1941، همع ج1/ 108، شرح المفضل ج3/ 47 وما بعدها، مغني ج2/ 630، شرح التصريح ج1/ 182، الكشاف ج4/ 184 وما بعدها.
  67. سورة الناس الآية 2 – 3.
  68. الأشباه ج1/ 349.
  69. الكشاف ج4/ 823.
  70. مغني ج2/ 630.
  71. الأشباه ج1/ 349.
  72. الأشباه ج2/ 262 وما بعدها.
  73. ولو وجد المانع الصناعي كالذي أشار إليه ابن هشام في نصه –وهو الاشتقاق- فإن التأويل بالجمود يزيل هذا المانع.
  74. ارتشاف ج4/ 1922، وانظر شرح التصريح ج2/ 114، والأشباه ج2/ 263.
  75. ارتشاف ج4/ 1922، وانظر شرح التصريح ج2/ 114، شرح الأشموني ج3/ 65، الأشباه ج2/ 263.
  76. عند الحديث عن الحكم الثاني من أحكام تعدد النعت لتعدد المنعوت، وهو وجوب تفريق النعت بالعطف إن اختلف معني النعت ولفظه أو أحدهما.
  77. سورة التوبة الآية 31.
  78. الكشاف ج4/ 823.
  79. الأشباه ج1/ 349.
  80. ارتشاف ج4/ 1970، حاشية الصبان ج2/ 151.
  81. ارتشاف ج3/ 1523.
  82. شرح الرضي ج2/ 120.
  83. السابق.
  84. ارتشاف ج3/ 1524.
  85. حاشية الصبان ج2/ 152.
  86. شرح الرضي ج2/ 117 وما بعدها.
  87. الأصول في النحو ج1/ 283، وانظر: ارتشاف ج3/ 1520، همع ج1/ 226.
  88. واضح أن رفض الزجاج لتعدد البدل منصب على أن يلي أحد البدلين الآخر وأن يلي أحد المبدلين الآخر كما في مثال ابن السراج، أما إذا ولي كل بدل المبدل منه فإن الرضي كما سبق أجاز ذلك.
  89. ارتشاف ج3/ 1520، حاشية الصبان ج2/ 151.
  90. شرح المفصل ج3/ 63.
  91. السابق.
  92. سبق ذكر هذا النص في باب عطف البيان.
  93. وذلك لاختلاف البدلين لفظًا ومعنى، واتفاق المبدل منه لفظًا ومعنى، وقد سبق بيان ذلك في تعدد النعت.
  94. ارتشاف ج4/ 1922، وانظر: شرح التصريح ج2/ 114، شرح الأشموني ج3/ 65.
  95. شرح الرضي ج2/ 320، وانظر: شرح الأِشموني ج3/ 133، حاشية الصبان ج3/ 133.
  96. لذا آثرت أن أضع هذين النصين في هذا الموضع من تعدد البدل، أي بعد بدل البعض وقبل بدل الكل.
  97. انظر حاشية الصبان ج3/ 133، وقد سبق الكلام عن مثل هذه التراكيب في بابي النعت وعطف البيان.
  98. شرح التسهيل ج3/ 321.
  99. سورة غافر الآيات 1 -3.
  100. الكشاف ج4/ 148 وما بعدها.
  101. نعم الزمخشري أجاز في (شديد العقاب) أن يكون صفة على حذف (أل) إلا أنه عاد في آخر النص وأكد أن البدل فيها كلها هو الاختيار، وانظر: مغني ج2/ 622.
  102. مغني ج2/ 632.
  103. أقصد في حال جعل قوله تعالى (شديد العقاب) نكرة.

فهرس المراجع

  • ارتشاف الضرب من لسان العرب – تحقيق ودراسة د/ رجب عثمان محمد – مكتبة الخانجي – القاهرة – الطبعة الأولى – 1418 – 1998.
  • أسرار العربية – ابن الأنباري –  تحقيق محمد بهجة البيطار – مطبعة الترقي – دمشق – 1377 – 1957.
  • الأشباه والنظائر في النحو – السيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
  • الأصول في النحو – ابن السراج – تحقيق د/ عبد الحسين الفتلي – الأردن – 1405 – 1985 – الإغراب في جدول الإعراب – ابن الأنباري تحقيق د/ سعيد الأفغاني – بيروت – مطبعة الجامعة السورية – 1957.
  • الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين – ابن الأنباري – تحقيق محمد محيي عبد الحميد – المكتبة العصرية  صيدا – بيروت – 1407.
  • أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك – ابن هشام – ومعه (ضياء السالك تأليف محمد عبد العزيز النجار) مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى – 1420 – 1999.
  • البسيط في شرح جمل الزجاجي – ابن أبي الربيع – تحقيق ودراسة د/ عياد عيد الثبيتي – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1407 – 1986.
  • البيان في روائع القرآن – د/ تمام حسان – عالم الكتب – القاهرة – الطبعة الثانية – 1420 – 2000.
  • التبيان في إعراب القرآن – العكبري – تحقيق علي محمد البجاوي – دار الجيل – بيروت – الطبعة الثانية – 1407 – 1987.
  • التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين – العكبري – تحقيق عبد الرحمن سليمان العثيمين – دار الغرب الإسلامي – بيروت – الطبعة الأولى – 1406.
  • تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل – الزمخشري – اعتنى به وخرج أحاديثه وعلق عليه – خليل شيحا – دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 2009.
  • حاشية الصبان على شرح الأشموني – دار إحياء الكتب العربية – القاهرة.
  • حاشية الشيخ يس علي شرح التصحيح – دار إحياء الكتب العربية – القاهرة.
  • الخصائص – ابن جني – تحقيق د/ عبد الحميد هنداوي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1424 – 2003.
  • الخلاصة النحوية – د/ تمام حسان – عالم الكتب – القاهرة – الطبعة الأولى 1420 – 2000.
  • دلالات التراكيب دراسة البلاغية – د/ محمد محمد أبو موسى – مكتبة وهبة – القاهرة – الطبعة الرابعة – 2008.
  • شرح الأشموني على ألفية ابن مالك – الأشموني – دار إحياء الكتب العربية – القاهرة.
  • شرح التسهيل لابن مالك – د/ عبد الرحمن السيد، د/ محمد بدوي المختون – هجر للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الأولى – 1410 – 1990.
  • شرح التصريح على التوضيح – الشيخ خالد الأزهري – دار إحياء الكتب العربية – القاهرة.
  • شرح الرضي على الكافية – الرضي – تصحيح يوسف حسن عمر – منشورات جامعة قاريونس – ينغازي – الطبعة الثانية – 1996.
  • شرح المفصل – ابن يعيش – عالم الكتب – بيروت – مكتبة المتنبي – القاهرة.
  • مغني اللبيب عن كتب الأعاريب – دار نشر الكتب الإسلامية – لاهور – تحقيق د/ مازن المبارك، محمد علي حمد الله – الطبعة الأولى – 1399 – 1979.
  • المقتضب – المبرد – تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة – عالم الكتب.
  • النحو والدلالة مدخل لدراسة المعنى النحوي – الدلالي- د/ محمد حماسة عبد اللطيف – دار غريب – 2006.
  • همع الهوامع شرح جمع الجوامع في علم العربية – السيوطي – عني بتصحيحه السيد محمد بدر الدين النعساني – دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت – لبنان.

[(*)] «هذا البحث تم دعمه من قبل برنامج دعم البحوث والباحثين بجامعة الملك خالد – الملكة العربية السعودية برقم: (KKU – S016 – 33).

[(*)] كلية العلوم الإنسانية – جامعة الملك خالد.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading