إعداد/ د. سامية الفاتح طه الحاج
جامعة الشارقة – فرع خورفكان
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا ومعلمنا سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد:
أشكر الله بدءا وختما على ما من به علي، ووفقني لكتابة هذا البحث الحساس والكثير التعقيد، لكنه ذو لطف في جرأته، كيف لا وهو تشريع رباني، وتنظيم دقيق هائل، يحل مشكلات اجتماعية لأعوام وأقوام مضت، ولمجتمعات معاصرة، الآن وإلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض وما عليها.
ولا غرابة، وأنا واحدة من (بنات حواء) أن أتصدى لهذا البحث، في نظام (تعدد الزوجات) حيث إنني أرى فيه من وجهة نظر عامة، علمية ودينية – ما أريد أن أوضحه لبنات جنسي خاصة وللناس عامة – لحرية اختيار المرأة في حياتها، حفظا لكينونتها وعفتها من الضياع والتشرد، وهو باب يمكن أن تلج فيه الكثيرات من بنات جنسي، اللآتي فقدن الاستقرار لسبب أو لآخر، فيعيدهن إلى الحياة المستقرة ويكفل لهن حقوقهن التي منحها لهن الإسلام، لحياة آمنة، بعيدة عن أمواج الحياة المتلاطمة العاتية التي تعبث بها مفاهيم الحياة الأوربية والغربية من انحلال وضياع وزيف وتفكك أسري، باسم الحضارة والتقدم والرقي لحياتنا المعاصرة.
أهمية البحث ومشكلته:
مما شدني ودفعني إلى البحث في هذا الموضوع ما آل إليه حال الشعوب الإسلامية في هذا الزمان، والحالة التي وصلت إليها المرأة المسلمة من ضياع وتشتت وسط خضم الحروب والقتل المستمر في معظم الدول الإسلامية، وفقدها للعائل والوالي، مما يدفعها إلى طريق الرذيلة والانحلال.
- هل سيكون التعدد في هذا العصر المتقلب الأحوال، المتلاطم الأمواج، حل لمشكلة المرأة ومنقذا لها من شبح العنوسة؟
- تكمن أهمية البحث في توضيح السلبيات والإيجابيات لتعدد الزوجات، وأي الكفتين أرجح في هذا العصر.
- وهل إذا طبق نظام التعدد، سيعيد للمرأة حقها الشرعي في الحياة الأسرية التي فقدتها باسم الحضارة المعاصرة الزائفة، ومن ثم يعود للمجتمع المسلم توازن الأسرة المستقرة.
- موقف القانون الوضعي في البلاد العربية وغير العربية ومدى تأثره بالشبهات حول تعدد الزوجات.
- وقد اتبعت في هذا البحث المنهج التاريخي والاستقرائي والاستنباطي ثم المنهج التحليلي.
خطة البحث:
وقد قمت بتقسيم هذا البحث إلى ثلاثة مباحث لكل مبحث ثلاثة مطالب:
المبحث الأولى: المشروعية والأسباب لتعدد الزوجات
المطلب الأول: نشأة نظام التعدد.
المطلب الثاني: النظرة الشرعية للتعدد.
المطلب الثالث: حكمة ومبررات التعدد.
المبحث الثاني: شروط تعدد الزوجات
المطلب الأول: شرعية تحديد العدد.
المطلب الثاني: شرط سعة الإنفاق.
المطلب الثالث: شرط العدل.
المبحث الثالث: سلبيات وإيجابيات التعدد والرد على الشبهات
المطلب الأول: السلبيات المعاصرة للتعدد.
المطلب الثاني: الإيجابيات – الآثار الدينية والصحية والاقتصادية والاجتماعية.
المطلب الثالث: الشبهات والرد عليها.
المبحث الرابع: تعدد الزوجات في نظم التشريعات القانونية
المطلب الأول: القانون العراقي.
المطلب الثاني: القانون المصري والتونسي.
المطلب الثالث: القانون الليبي والفرنسي.
المطلب الرابع: موقف القانون الفرنسي.
الخاتمة: وتحتوي على النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
أسباب ومشروعية تعدد الزوجات
المطلب الأول: نشأة نظام تعدد الزوجات:
تعدد الزوجات نظام اجتماعي إسلامي، اشتد حوله الجدل وأصبح مثار نقد وطعن وهجوم على الإسلام والمسلمين من قبل الغربيين ومن تأثر بأفكارهم، فهؤلاء يوهموا الناس أن الدين الإسلامي هو الذي أتى بتعدد الزوجات، وأن التعدد محصور فقط على أمة الإسلام.
والحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل الإسلام لدى شعوب كثيرة متحضرة وغير متحضرة مثل الصينيين – والهنود والفرس والمصريين القدماء والشعوب الجرمانية – والسكسونية التي ينتهي إليها سكان أوربا الشرقية والغربية مثل ألمانيا وسويسرا والنمسا وتشيكوسلفاكيا والسويد وانجلترا وبلجيكا وهولندا ومازال هذا النظام منتشرا في الوقت الحاضر في بلاد النهد والصين واليابان وإفريقيا ([1]).
والإسلام لم ينشئ نظام تعدد الزوجات على المسلمين خاصة، فقد سبقت إلى إباحته الأديان السماوية التي أرسل بها أنبياء الله قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (اليهودية والنصرانية) والنظم الدينية الأخرى، فلما جاء الإسلام أبقى على التعدد مباحا ووضع له أسسا تنظمه وتحد من مساوئه وأضراره التي كانت موجودة في المجتمعات التي انتشر فيها التعدد.
كما أن الشريعة الإسلامية لم تجعل نظام التعدد فرضا لازما على الرجل، ولا ألزمت المرأة أن تقبل الزواج برجل له زوجة أخرى، بل أعطت المرأة وأهلها الحق في القبول أو الرفض وكفلت لهم حرية الاختيار ([2]).
ولا ينكر أن تعدد الزوجات تكرهه النساء بطبيعتهن البشرية، وهي الغيرة ورفض الاشتراك في الزوج ولا يقتصر هذا الكره عليهن، بل يتعدى إلى ذويهن وأرحامهن، وحيثما يثار هذا الموضوع الحساس يوجد تياران متباينان:
الأول: شرعي فقهي يبيحه بشروط، والثاني: تيار أنسوي مدعوم ببعض دعاة المساواة والحرية، رافضا التعدد صراحة وضمنا، زاعما أن العدل بين النساء صعب المنال ونادر التحقق، متخذا من قوله تعالى: “وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ” ([3]) دليلا على زعمه، ولكن القول الفصل في هذا الموضوع هو الحكم الشرعي الذي سنه الله تعالى لعباده لأنه قانون دقيق ومحكم ومتكامل يقوم بتحديد وظائف وواجبات كل فرد وحقوقه.
والقانون الذي يتناول جميع جوانب الحياة للمجتمعات البشرية في أصقاع الأرض المتباينة من حيث الظروف الجغرافية والعادات والتقاليد، يحتاج إلى توفر (شروط) تخرج عن طاقة الإنسان مهما ترقى في درجات العلم.
الشرط الأولى: معرفة المقنن، وعلى ضوء هذا لابد أن يكون المقنن عارفا بالإنسان جسمه، روحه، غرائزه، فطريته، وما يصلح له أو ما يضر به، وكلما تكاملت هذه المعرفة بالإنسان كان القانون ناجحا وناجعا في علاج المشكلات لجميع المجتمعات البشرية وفي جميع أنحاء الأرض المتباينة، فيبلغ السعادة المنشودة في خلقه، ولهذا فإننا لا نجد في صفحة الوجود موجودا أعرف بالإنسان من خالقه، فإن صانع المصنوع أعرف به من غيره يقول سبحانه ” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ” ([4]).
الشرط الثاني: عدم انتفاع المقنن بالقانون، فإن المقنن إذا كان منتفعا من القانون الذي يضعه هو أو من يمت إليه بصلة خاصة، فهذا القانون سيتم لصالح المقنن لا لصالح المجتمع، والنتيجة الحتمية الظلم والإجحاف، فالقانون الكامل لا يتحقق إلا إذا كان واضعه مجردا عن حب الذات وهوى الانتفاع الشخصي، ولا يوجد موجود مجرد من هذه الأوصاف إلا الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان مجبول على حب الذات فهو مهما جردته من تبعات غرائزه لن يستطيع التخلص من هذه النزعة.
والاستدلال على عدم صلاحية الإنسان لوضع قانون خاص لنفسه ما نراه من التبدل الدائم للقوانين الوضعية والنقص المستمر الذي يورد عليها، وما ذلك إلا لقصورهم عن معرفة الإنسان وحقيقته ([5]) ولذلك فإن تطبيق القانون الرباني هو الطريق الوحيد لإسعاد البشرية بعيد عن الظلم والجور.
وتعدد الزوجات ما هو إلا قانونا ربانيا وضعه الشارع الذي هو أعلم بفطرة الإنسان واحتياجاته لكل زمان ومكان، ونشأته لم تكن مع الإسلام كما أسلفنا، مما يدل على أنه أفيد للمجتمعات البشرية، وأن المجتمع لا غنى له عنه في أي زمان ومكان.
المطلب الثاني: النظرة الشرعية للتعدد:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية برفع الحرج عن الناس ودفع الضرر عنهم، ولتحقيق مصالح العباد، ولتحل لهم الطيبات وتحرم عليهم الخبائث، وتصلح شؤونهم في الآجل والعاجل، كما امتازت الشريعة الإسلامية في بيان العلل والأسباب، والحكم والغايات الكامنة وراء كل حكم شرعي، فالفعل إن خلا من مقصد وغاية يكون عبثا، والله سبحانه وتعالى منزه عن العبث، قال تعالى “وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ” ([6]).
وعندما يتيقن الإنسان من شرعيته، عليه أن يجهد نفسه في تطبيقها والعمل بها، ومن هذه الأحكام الزواج وتعدد الزوجات، فالزواج سنة الله في عباده وهو أية من آياته، فقد وضع الله تعالى في كل من الذكر والأنثى دوافع طبيعية ونوازع فطرية تكفل للنوع الإنساني البقاء والاستمرار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ([7]).
يقول الله تعالى آمراً خلقه بتقواه ويذكرهم بقدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة وهو آدم عليه السلام (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهى أمنا حواء وقد خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم فاستيقظ فرآها فأنست إليه وأنس إليها، وقوله تعالى وبث منهما رجالا كثيرا ونساء أي وذرأ من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف ألوانهم وأصنافهم وصفاتهم ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر ([8]).
ولهذا ذكر الله تعالى أن أصل الخلق من أم وأب واحد ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم.
فالحاجة الفطرية بين الرجل والمرأة أوجبت ارتباطا أسريا بينهما أحاطه الله بمجموعة من القواعد الثابتة والركائز الصلبة لحمايته وما يعتريه من وهن وضعف.
وعزز تلك الدوافع والنوازع بالضوابط والقواعد التي تكفل للنسل حسن السبل وأسلمها في الوجود والاستمرار، ومن هذه القواعد تشريع نظام تعدد الزوجات.
قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ([9]). وتفيد هذه الآية أن التعدد يكون بأربع نساء كحد أعلى كما تضمنت أيضا شرطي العدل والإنفاق.
والمعنى إن كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، وعن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن قول الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى…) ([10])، فقالت: “يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لم من النساء سواهن” ([11])، فالأمر هنا (في حالة خشية عدم العدل) أن ينكحوا سواهن من غير اليتامى الموجودات في كفالة هؤلاء، ما طاب لهم من النساء مثنى، ثلاث، رباع، أي انكحوا إن شاء أحدكم اثنتين، وان شاء ثلاثا، وان شاء أربعا ([12]).
وروى أبو جعفر محمد بن جرير في تفسيره عن ربيعة “أي أتركوهن فقد أحللت لكم أربعا وقال أيضاً: انكحوا من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم وطيبهن من واحدة إلى أربع فإن خفتم أن تظلموا إذا تزوجتم أكثر من واحدة فتزوجوا واحدة فقط أو ما ملكت أيمانكم” ([13]). فهذا هو الدليل الأول على مشروعية التعدد ما ورد في القرآن الكريم.
وأما قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ([14])، فقد زعم بعض من ليس له علم في الشريعة الإسلامية أن القرآن منع تعدد الزوجات بحجة أن الآية الأولى تبيح التعدد شريطة العدل بين الزوجات. وتقرر الآية الثانية – كما يزعمون – أن العدل بين الزوجات مستحيل، وعلى هذا الاعتبار فإن التعدد مشروط بأمر يستحيل القيام به وبالتالي فهو ممنوع.
وهذا الأمر ليس له ما يسنده إذ إن العدل المشروط في الآية الأولى هو غير العدل الذي حكم باستحالته في الآية الثانية ولا يمكن أن يقرر الله أمراً ثم يمنعه في آية أخرى ولو أراد الله منع التعدد لمنعه مباشرة وفي آية واحدة والشريعة الإسلامية لا تعطي باليمين وتأخذ بالشمال.
المطلب الثالث: أسباب تعدد الزوجات :
إن الدين الإسلامي عندما أباح للمسلم بالتزوج من أربع زوجات كحد أعلى لم يكن هدفه إشباع الرغبة الجنسية للرجل فحسب، وانما هنالك مبررات ودوافع كثيرة قد تحتم على الرجل أن يعدد زوجاته، حفاظا على نفسه وعلى الأسرة والمجتمع.
قال الشيخ العلامة سيد قطب: “الإسلام نظام يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه وينسجم مع ضروريات حياته ويعني الدين الإسلامي برعاية خلق الإنسان ويحرص على نظافة المجتمع، ولا يسمح بقيام واقع مادي يؤدي إلى فساد الأخلاق وانحلال المجتمع ([15]).
كما أن الله سبحانه وتعالى أحاط بنيان الأسرة بمجموعة من القواعد الثابتة لتكون هذه الأسرة أساس نشأة المجتمعات وقيام الحضارات وعماد الحياة، بل وجعل لها ركائز صلبة من القواعد لحمايتها مما يعتريها من وهن أو ضعف، لذلك كله شرع الله جل شانه نظام تعدد الزوجات وله عدة مبررات منها:
- الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إنه عدد في الزواج، وهو بلا شك أسوة وقدوة للمسلم في كل شيء إلا ما خصه الله به من أمور خاصة قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ([16]). ومن هذا المنطلق يجب على كل مسلم ومسلمة الاعتقاد بإباحة التعدد ([17]) (سمعا وطاعة لله ورسوله).
- جعله الله جل شأنه قسيما للنسب فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) ([18]) فهو في ابتداء أمره ولد، ثم يتزوج فيصير صهرا، ثم يصير له أصهار وقرابات ولهذا قال وكان ربك قديرا. ونظام تعدد الزوجات يربط بين أسر كثيرة يصاهر بعضهم بعضا ويكون بينهم نسبا وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم بتزوج بعدد من النساء ويصاهر عدة قبائل كان لها الأثر في مسيرة وانتشار الإسلام.
- إن التعدد قد يكون ضروريا في بعض الحالات كأن تكون الزوجة كبيرة في السن أو مريضة، فلو اختصر عليها فقط لم يكن فيها إعفاف له، وقد تكون ذات أولاد منه، فإن أمسكها خاف على نفسه المشقة بترك النكاح، وان طلقها فرق بينها وبين أولادها وهنا يكون الحل بالتعدد.
- كثرة الحروب ومشروعية الجهاد في سبيل الله يكون سببا في قلة الرجال وكثرة النساء وهذا الأمر تحتاج معه النساء للستر عليهن فلا يكون ذلك إلا بالتعدد.
- في بعض الأحوال تكون المرأة عقيما والرجل ميال إلى الذرية فإن كان للرجل سعة في الزواج بأخرى يكون هو الحل الأفضل، وإلا طلقها ويكون طلاقها ظلما لها والله لا يحب الظالمين.
- قد يقع خلاف بين زوجين يتفرقان بالطلاق ويتزوج الرجل بأخرى، ثم يرغب بالعودة إلى زوجته الأولى، وقد يكون له منها أولاد هنا يأتي تشريع التعدد حلاً ورحمة لمثل هذه الحال.
نظام تعدد الزوجات كأي نظام اجتماعي له المبررات التي تسوغ تشريعه وتضمن استمراريته وهنالك أيضا جوانب أخرى لهذه المبررات تظهر بمرور الزمن وتطور الحياة منها:
- غياب الزوج عن زوجته بحكم عمله واقامته في موطن آخر يصعب عليه نقل زوجته وأولاده ولا يستطيع العيش بدون زوجة فيبيح له التعدد بأخرى يقيم معها إقامة مشروعة.
- قوة الغريزة قد تختلف في بعض الأحيان بين الزوجين ويكون الرجل في حاجة ماسة لأخرى فيكون التعدد مصرفا مباحا لشهوته.
- قد يجد الرجل نفسه يميل إلى امرأة أخرى تحت ظروف مختلفة ويصعب عليه التخلي عنها فيؤدي هذا الأمر إلى التبرم بزوجته والضيق منها، فالمصلحة في هذه الحالة أن يتزوج درءاً للمفسدة.
- قد يكون الرجل المتزوج له يتيمة لا مأوى لها فيحن إليها ويضمها إلى بيته زوجة.
وأخيرا ترى الباحثة أن أهم هذه المبررات الزيادة الطبيعية لعدد النساء في هذا العصر وما آلت إليه أحوال المرأة من التشتت والضياع والانحلال فهي في حاجة ماسة للمعيل وللولي وإلى قوامة الرجل.
وأيضا أن أغلب هذه المبررات متفشية في هذا العصر، لتفشي الحروب، والحالة الاقتصادية التي تمر بها أغلب البلاد الإسلامية، والتي دفعت الشباب إلى العزوف عن الزواج أو الهروب للتزوج بالأجنبيات وترك الفتيات المسلمات عرضة للعنوسة والضياع.
المبحث الثاني
شروط تعدد الزوجات
المطلب الأولى : شرعية تحديد العدد :
عندما شرع الله سبحانه وتعالى تعدد الزوجات لم يكن مطلقا، بل وضع الله له ضوابط وشروط بما يتناسب مع الحياة الأسرية السعيدة المستقرة بعيدا عن الظلم والجور، وأول هذه الشروط العدد.
كان نظام تعدد الزوجات معروفا ومباحا قبل نظام الإسلام وكانت الديانات السابقة الأخرى تبيح التعدد بغير تحديد للعدد ولم يرد نص صريح يمنع من التزوج بامرأتين أو أكثر، كان نظام تعدد الزوجات معروفا لدى القبائل العربية بالجاهلية، ولم تكن له آنذاك ضوابط معينة ولا حدود معروفة. وقد تضمن الحديث النبوي الشريف عدة شواهد على وجود التعدد لدى العرب قبل الإسلام، وعلى هذا النحو غير المحدد، ومنها: عن قيس بن الحارث، قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت ذلك له، فقال: “اختر منهن أربعا” ([19]).
وعن ابن عمر، قال: أسلم غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “خذ منهن أربعا” ([20]). وروي عن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “فارق واحدة، وأمسك أربعا” ([21]).
والشاهد في كل هذه الأحاديث أنها تدل على أن التعدد كان معمولا به قبل الإسلام وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقره مع تحديد العدد بأربعة، وبهذا يتضح لنا أنه عندما ظهر الإسلام هذب التعدد، ووضع له الأسس والشروط المناسبة وقيده بالعدد، وجعله قاصرا على أربع زوجات فقط وظهر هذا بوضوح في الآية الكريمة: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ([22]).
وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة وهذا الأمر الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء. وعدد الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاته وكان في عصمته عندما توفي تسع زوجات كما أقر تعديد أصحابه للزوجات.
ونصت السنة القاطعة اختصار المسلم على أربع فقط كما أجمع علماء أهل السنة على أنه لا يجوز لغير النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة على أربع زوجات ([23]). كما ثبت في الحديث النبوي الشريف أن العرب الذين دخلوا في الإسلام كان لدى بعضهم أكثر من أربع زوجات فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يختصر كل واحد منهم على أربع زوجات فقط ويفارق الأخريات وهذا دليل قوي على إباحة الإسلام للتعدد، وتحديد العدد بأربع.
وظل المسلمون يقيمون بالتعدد خلال 1400 سنة لفهمهم التام واعتقادهم الراسخ بإباحة الإسلام للتعدد ولا يعرف أحد من الصحابة أو التابعين رضوان الله عليهم أنه جمع في عصمته أكثر من أربع زوجات ومن هنا يتضح لنا بعد إباحته أن له ضوابط وشروطا وحكمة ومن هذه الشروط أيضا شرط المقدرة على الإنفاق.
المطلب الثاني: شرط سعة الإنفاق :
النفقة هي حق للزوجة واجب على الزوج، وتشمل النفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن والأثاث اللازم والتطيب، والفقهاء مجمعون علي وجوب النفقة للزوجة لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف) ([24]) وقوله تعالي: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) ([25]) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ([26]).
ولما كانت النفقة واجبة على الزوج، فإنه يلزم بتوفيرها وأن يعطيها من النقود ما تستطيع من خلالها الإنفاق على نفسها، ويراعي في تقدير النفقة حال الزوج عسرا ويسرا في قول عند المالكية ([27]) وفي قول آخر للمالكية أيضاً يراعي حال الزوجين، والمعروف في النفقة الكفاية لما ورد في حديث عائشة (إن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبي سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ([28]) ويشترط في وجوب النفقة على الزوج أن يكون عقد الزواج صحيحا وأن تمكن الزوجة زوجها من الاستمتاع إذا لم يوجد مانع ([29]).
ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها بشيء غير النشوز لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب إن غابت عنه بإذنه.
وتبقى ذمة الزوج مشغولة بنفقة الزوجة الناتجة عن عقد الزواج الصحيح ولا تبرأ إلا بواحدة من ثلاث:
- الأداء وهو أن يقوم الزوج بأداء المستحق من النفقة لزوجته.
- الإبراء: وهو أن تقوم الزوجة صاحبة الحق في النفقة بإبراء ذمة زوجها مما هي مشغولة به فيكون هذا الإبراء مسقطا لحقها في النفقة.
- وفاة أحد الزوجين: تسقط النفقة بموت أحد الزوجين (لأنها جزاء الاحتباس، وصلة بين الزوجين فتسقط بموت أحدهما لامتناع الاحتباس وفوات محل الصلة وهذا ما عليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة) ([30]) ومادام أن الأمر كذلك فيجب أن تكون لدى الرجل الذي يقدم على الزواج بادئ ذي بدئ القدرة المالية على الإنفاق على المرأة التي سيتزوج بها. وإذا لم يكن لديه من أسباب الرزق ما يمكنه من الإنفاق عليها، فلا يجوز له شرعا الإقدام على الزواج ويظهر هذا واضحا جليا في الحديث النبوي الشريف (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ([31]). وهكذا الأمر بالنسبة للرجل الذي لا يستطيع أن ينفق على أكثر من زوجة واحدة فإنه لا يحل له شرعا أن يتزوج بأخرى فالنفقة على الزوجة أو الزوجات واجبة بالإجماع ([32]) ولا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب على الرجل القيام بكل ما يلزم زوجته أو زوجاته من طعام ولبس ومسكن وما يتبع ذلك من احتياجات فإذا لم يتحقق ذلك وجب الاقتصار على واحدة (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا).
ونجد أنه في هذا العصر قد زادت منصرفات الأسرة وتعددت الاحتياجات المادية والمتطلبات الضرورية نتيجة التطور العلمي والحضاري، ولذلك كان واجبا على من يريد أن يقتحم باب هذا النظام أن يتأكد من مقدرته لتطبيق هذا الشرط.
المطلب الثالث : شرط العدل :
لما كان موضوع تعدد الزوجات يثير إشكالية عند بعض الناس، كان لابد من بيان بعض الأمور المتعلقة بالتعدد، ومن بينها العدل بين الزوجات، إن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات فلا تعدد مع الظلم، والعدل المطلوب هو العدل المقدور عليه، وهو العدل والمساواة في المسائل المادية من حيث السكن والنفقة والإهداء، وحق المعاشرة، وحق المبيت عند كل زوجة.
وأما الميل القلبي فهو خارج دائرة العدل المطلوب، لأن الزوج لا يملكه ولعل هذا هو المقصود بقوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ([33]).
وفي هذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) ([34]).
إنه لحكمة أرادها الله شرع تعدد الزوجات في الإسلام تعددا منضبطا بضوابط ومقيدا بقيود وإذا ما قدر للمسلم أن يمارس حقه في التعدد فإن العدل في معاملة الزوجات هو أساس اقتحام هذا النظام (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تعولوا) ([35]). والآية بظاهرها دالة على وجوب العدل بين الزوجات قال القرطبي: (فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن المعاشرة وذلك دليل على وجوب ذلك) ([36]).
وقد ورد في الأحاديث النبوية ما يؤيد ذلك ويحذر من الجور والميل. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل” ([37]).
ومن صور العدل: ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ([38]). وعن عروة قال قالت عائشة رضي الله عنها (يا بن أخي كان رسول الله صلى الله علية وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا، وكان قبل يوم إلا ويطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها) ([39]). ولنا في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
والعدل المطلوب هو العدل المقدور عليه وذلك بان يسوى بين زوجاته في القسم في البيات لا فرق بين قديمة وجديدة، وبكر وثيب، ومسلمة وكتابية، وسواء في ذلك في حالة الصحة أم في حالة المرض، لأن السبب الذي يربطه بكل واحدة منهن هو الزوجية وهي قدر مشترك عند هؤلاء جمعا وإذا اتحد سبب العلاقة الشرعية وجبت المساواة فيها، وبذلك تطيب نفوسهن ولا تحس واحدة منهن بمرارة التفضيل. وإن انعدم مثل هذا العدل، والتهاون فيه بين الزوجات يعد مبررا لرفع الأمر إلى القضاء وصولا إلى الحق المقرر شرعا.
وقوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ([40]) وهذه الآية توجب على الزوج ألا ينصرف كلية عن زوجته فيذرها كالمعلقة، فتكون لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، بل تشترط الآية أن يعاملها بالحسنة حتى يكسب مودتها. ومن الواضح أن الله تعالى لا يؤاخذه على بعض الميل إلا إذا أفرط في الجفاء ومال كل الميل إلى الزوجة الأخرى. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعدل كل العدل في الأمور المادية لكنه كان يميل عاطفيا إلى زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها أكثر من بقية زوجاته ورغم هذا كان صلى الله عليه وسلم لا يؤثر إحدى الزوجات على الأخريات بشيء من نفقة أو معاشرة أو مباشرة أو معاملة ولا ينقص زوجة شيئا من أخرى في الوقت الذي كان الجميع لا يجهلون أنه كان يحب السيدة عائشة.
كما يجب إن يخصص الزوج لكل زوجة من زوجاته ليلة أو أكثر يبيت فيها معها في بيتها إذا كان لها بيت مستقل أو في الحجرة الخاصة بها ويتساوى في ذلك المبيت، الصحيحة، والمريضة، والحائض والنفساء، لأن القصد من المبيت هو الأنس الذي يحصل للزوجة.
ولا يلزم الزوج أن يجامع زوجته في ليلتها ولا يجب عليه أن يساوي بين زوجاته في الجماع، وله أن يجامع بعضهن دون الأخر ولكن يستحب له أن يساوي بينهن والسنة في المبيت أن يكون لكل زوجة ليلة واحدة مع يومها ([41]).
ويجوز أن يجعل القسم ليلتين أو ثلاث ولا يجوز الزيادة على ثلاث ليالي إلا برضا زوجاته، وإذا سافر الزوج سفرا يحتاج فيه إلى مرافقة إحدى زوجاته فإنه له الحق باختيار من يريد أن ترافقه منهن، واذا رفضت زوجاته الأخريات ذلك، وتنازعن فيمن
تسافر معه، فعند ذلك لابد للزوج أن يلجأ إلى الاقتراع، ومن وقعت عليها القرعة خرجت معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار رفيقته في السفر من زوجاته بالقرعة كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) ([42]).
وإذا تزوج الزوج بامرأة أخرى، فان كانت ثيبا أقام معها ثلاثة أيام وان كانت بكرا أقام معها سبعة أيام ولا يحق للزوجات الأخريات المطالبة بقضاء مثل هذه المدة عندهن ([43]).
وأخيرا نقول إن العدل بين الزوجات لا يعني مطلق التسوية بين الزوجتين أو الزوجات بل العدل هنا هو إعطاء كل زوجة ماهي في حاجة إليه فعلا إلى درجة الكفاية اللائقة بمثلها، في الطعام والشراب والمسكن والملبس وغير ذلك.
يقول ابن حجر فإذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة.
هذه هي الشروط الثلاثة التي وضعتها الشريعة الإسلامية لإباحة تعدد الزوجات.
ولابد أن نعلم أن التزام أي معدد بهذه الشروط يكون ردا عمليا على الشبهات وخرسا لألسن أعداء الإسلام، واتباعا لأوامر الله، وأخيرا إقامة الأسرة السعيدة المستقرة التي يحلم بها كل مجتمع.
المبحث الثالث
سلبيات وايجابيات التعدد والرد علي الشبهات
المطلب الأول : السلبيات المعاصرة للتعدد :
إن نظام تعدد الزوجات نظام إلهي محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأن كل ما يأتينا من الله سبحانه وتعالى عن طريق القرآن الكريم أو السنة النبوية المشرفة فهو حق لا باطل فيه، وإذا كان لتعدد الزوجات مساوئ كما يذكر بعض من كتب عن هذا النظام من أعداء هذه الأمة الإسلامية فإن تلك المساوئ ناتجة عن قصورنا وسوء تطبيقنا للنظام .وما يحدث في بعض حالات تعدد الزوجات من خلافات وظلم فإن سببها هو تهاون الزوج وعدم عدالته وسوء معاملته لبعض زوجاته هذا وعدم التزامه بشروط التعدد آنفة الذكر بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني لدى بعض
الزوجات الأمر الذي يدفعها إلى إثارة المشكلات مع زوجها والأخريات ([44]).
كما يلاحظ في بعض المجتمعات اندفاع الرجال وراء التعدد ظنا منهم أن هذا الأمر كمال للرجولة غير مهتمين للأحكام والشروط وما يتبع ذلك من انشغال بالنساء والأولاد – عن القيام بالواجبات العامة وحمل أعباء الأمة كالدعوة إلى الله، وتحقيق مسؤولية الخلافة في الأرض والنهوض بالجماعة المسلمة كل ذلك لا يحدث إن لم يكن الرجل أهلا للتعدد.
وهذا النظام في حاجة إلى توجيه من العلماء لتذكير رجال الأمة ونسائها بدورهم في الحياة، وليعلموا حكمة الشرع في إباحة تعدد الزوجات، ولتعميق نظرتهم إلى المصلحة العامة في صورة متوازنة مع المصلحة الخاصة.
أيضاً من الأمور التي تجعل الكثير من الرجال والنساء ينفرون من تعدد الزوجات المظاهر السلبية الناتجة عن سوء تطبيق بعض الرجال لمسألة التعدد.
وأقرر في البداية أن الرجل إذا كان ذا خلق وعلم ودين فلن يقع منه ما يعيب ولا ما يسيء لزوجته الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، لأنه يعلم ما له فيأخذه بلطف وهدوء وحكمة ويعلم الذي عليه فيؤديه بكل صدق وإيجابية من خلال موازنة كريمة بين الحقوق والواجبات.
والزواج الثاني كالزواج الأول معرض صاحبه للنجاح والفشل غير أن الفشل في الزواج الثاني، أكثر من الزواج الأول وسلبياته أكبر من الزواج الأول ولذا كان حق على كل من سلك سبيل التعدد أن ينظر بعين البصيرة لما هو مقدم عليه.
وللوقوف على سلبيات تطبيق تعدد الزوجات نذكر منها ما يلي:
أولاً: العول وعدم العدل:
وهذه هي أول سلبية تظهر عند بعض الرجال بعد زواجهم من زوجة أخرى خاصة إن كانت زوجته الثانية أصغر سنا وأكثر جمالا، مضافا إليه فراغ البيت الثاني من ضجيج الأولاد، كل ذلك يساهم بشكل كبير في ميل الرجل لزوجته الثانية أو الثالثة أو الرابعة عن ذات العيال وقليلة الجمال ([45]).
وهذا هو عدم العدل الذي يخاف منه الرجال والنساء على حد سواء، فالكثير من الرجال يعزف عن التعدد خوفا وخشية من الجور وعدم العدل وربما يحلو لبعضهم الاستدلال بقوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ([46]).
والحق أقول هي سلبية مسيئة لمرتكبها مشينة بتصرفه وتقربه من الظلم وهو ظلمات يوم القيامة وقد رأينا بعض الرجال من يميل الميل كله ويذر زوجته الأولى كالمعلقة ظالم لها تارك لها الأولاد لتربيتهم وكأنه لا هم له إلا التفرغ للبحث عن راحته الشخصية وشهوته، دون نظر في مصلحة الأولاد أو البنات أو الزوجة.
ومن أجل هذا كان التحذير شديدا لمن وقع في هذه السلبية كما ثبت في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل” ([47]).
ثانيا: العوز وعدم المقدرة على الإنفاق :
كما أسلفنا الذكر فإن الإنفاق واجب على الزوج حق للزوجة ومن هنا تبدو السلبية الثانية التي تظهر من وراء زواج بعض الرجال من زوجة أخرى وهو ليست له مقدرة على الإنفاق على البيتين فيندم ويصيبها العوز والفقر.
وسبب هذه السلبية هو الظن الخاطئ بأن الزوجة الثانية لا تكلف إلا القليل من الطعام والشراب ثم يفاجأ الزوج بالتكاليف والمسؤوليات، وقد جعل الله تعالى الخوف من كثرة العيال مجبنة للرجال والفقر سببا واضحا وكافيا لترك التعدد.
وعليه نقول إن عدم تقدير الرجال فيما هم مقدمون عليه من تكاليف ومسئوليات بالزواج من أخرى يوقعهم في الكثير من السلبيات التي يؤاخذون عليها شرعا.
فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت” ([48]).
وربما كانت هذه السلبية امتدادا إلى وجود السلبية الثالثة حيث إن العوز والحاجة يؤدي إلى:
ضياع الأولاد وعدم إعطائهم حقهم في التربية:
لعدم التفرغ لإعطاء الأولاد حقهم في التربية والتوجيه وذلك لانشغال الزوج بالسعي وراء هم العيش والرزق وذلك لزيادة المنصرفات والبحث عن زيادة دخل الأسرة وقد لا تتحمل الزوجة أعباء الأولاد من تدريس وتوجيه وغير ذلك.
إن تربية الأولاد وإعطاءهم حقهم في التربية والتوجيه مسألة يقصر فيها بعض الآباء وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته” ([49]).
وعليه نقول إن المقبل على الزواج من زوجة أخرى لابد أن يوازن قبل وقوع الواقعة ويصبح بعدها في حيرة من أمره ويصعب عليه الخيار.
وأما السلبية الرابعة:
فهي القلق النفسي الذي يرثه الأبناء لكثرة المشكلات وانشغال الآباء والأمهات وهي من السلبيات الواضحة الناتجة أحيانا من تعدد الزوجات عند بعض الرجال، وما يرثه الأبناء من قلق نفسي لكثرة المشكلات الواقعة بين الزوج وزوجته الأولى ومما يزيد الحال سوءاً أن تظهر المشكلات أمام الأولاد ويؤثر هذا سلبا على سلوك الأولاد والبنات ويتولد عندهم الحقد على الزوجة الأخرى وعلى إخوانهم منها، مما يؤدي إلى كره بعضهم البعض وتفكك الأسرة الواحدة.
إن هذا الأمر راجع لقلة العلم والحكمة والتفقه لدى الأب، فالوالد يجب أن يكون هو الجامع للأولاد حوله ويجنبهم القلق النفسي ما استطاع لذلك سبيلا ويسعى لإبعاد شبح المشكلات النفسية عن أهل بيته والأصل أن الوالد يزرع في نفوس أبنائه تقرير الحكم الشرعي لا رفضه، كي يكونوا سببا في التخفيف على الأم فيذكروها بفضل أبيهم وكبير حقه عليها وجميل صنيعه معها والرجل الحكيم هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين في الزواج فلا يقدم على هذه الخطوة المصيرية إلا بعد مشاورة لمن سبقوه في تعدد الزوجات فهو بهذا يقصر حبل الشيطان فيجمع الشمل ولا يفرقه ويزرع الحب والود لا الحقد والكره.
أما السلبية الخامسة:
فتظهر في حالة إجبار الزوجات بالعيش معا في بيت واحد.
يقرر علماؤنا الكرام أن المرء قبل أن يقدم على أمر يجب أن يعلم أحكام الله فيه. وهكذا نجد الكثير من المقبلين على التعدد لا يعلمون عن أحكام وفقه التعدد شيئا.
والأصل أن تستقل الزوجة بسكن الزوجية لقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) ([50])، ولقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ([51]). ومن المعاشرة بالمعروف تسكينها في مسكن مناسب ومهيأ بالأثاث اللازم ([52]) حسب العرف والعادة، وأن تسكن حيث يقيم زوجها. ولا يسكن معها أحد من أقارب زوجها إلا إذا كان ممن تلزم الزوج نفقته كالوالدين والأبناء ويشترط أن لا يلحق بالزوجة ضرر، وليس من حقها أن تسكن في بيت الزوجية أحد من أبنائها من زوج آخر إلا في حالة عدم وجود حاضن غيرها أو في حالة تضررهم لفراقها، على أن يرضى الزوج بذلك، وله العدول، إذا لحقه ضرر، وليس للزوج أن يعمد إلى جمع زوجتين أو أكثر في مسكن واحد إلا برضى الجميع ولكل منهن العدول عن الرضا إن لحقها ضرر ([53]).
وغالبا ما تكون الزوجة الثانية هي الضحية لأن الأولى قد يمسكها أولادها وطول عشرتها ولذا كان واجبا على المقبل على تعدد الزوجات أن يتعرف على فقه هذا الحكم فالأمر ليس لعبة ولن تستمر السعادة بين الزوج وزوجاته إلا من رزقه الله تعالى حكمة بالغة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ([54]).
وما أود قوله هو أن هذا السكن لابد أن يكون سكنا شرعيا تستقر فيه الزوجة وما سمي سكنا إلا لأن النفس تسكنه وتستقر فيه، من أجل زوجها، لأن القرار في البيت حق للزوج واجب على الزوجة فلابد أن يكون بيت القرار مهيئا من أجل الزوج وراحته.
المطلب الثاني : إيجابيات تطبيق تعدد الزوجات :
فقد شرع الله عز وجل تعدد الزوجات وأباحه لحكم وغايات نبيلة وأهداف سامية، تطهيرا للمجتمع من الفساد واستبعاد للرذائل وأمانا من القلق، وحفظا للحياة، كي تبقى سليمة من أضرار الأمراض والفواحش والآثام لأن زيادة عدد النساء بلا أزواج مدعاة لانتشار الفسق والفجور والأمراض الجسمية والنفسية.
والله تعالى قد أباح التعدد لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه، ولمصلحة الأمة بكثرة نسلها والحفاظ على مجتمعاتها. فهو تشريع من حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بكفر أو نفاق.
وللزواج بصورة عامة والتعدد بصورة خاصة آثار إيجابية كثيرة تشمل الرجال والنساء والمجتمع بأسره، وإذا حرمت النساء من الزواج بسبب منع تعدد الزوجات حرمن من هذه الآثار وفضائلها وهذه الآثار منها دينية وأخلاقية ومنها صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية.
أولا: الآثار الدينية والأخلاقية:
لقد حث الإسلام كل من الرجل والمرأة على الزواج وانشاء علاقة زوجية مشروعة لتأسيس أسرة تسودها الرحمة ولحفظ النوع البشري وقد وردت نصوص شرعية كثيرة من القرآن والسنة تؤكد ذلك، قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ([55])، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) ([56]) وكل هذا لا يتم إلا بوجود الإنسان فالعبادة وخلافة الأرض وعمارتها لا تتم إلا عن طريق التكاثر ومن نصوص السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم” ([57]).
وبما أن الإنسان يميل إلى الجنس الآخر فليس أمامه، إلا أن يقضي وطره بالحلال وهذا لا يتم إلا بملك اليمين والتسري، أو الزواج وهذان الأولان غير موجودين فلم يبق أمام الإنسان إلا الزواج. ولكل هذا نجد أن هنالك من الفتيات من يفوتهن قطار الزواج بسبب أو آخر وما أكثر هذه الأسباب في زماننا الحاضر خاصة والأمر لا يخفي مما توصلت إليه المجتمعات الإسلامية من خروج الفتيات وراء الحاضرة الزائفة وضيق العيش وعدم سترهن بالزواج وليس هنالك حل لهذا الأمر إلا بالتعدد لإعادة توازن المجتمع المسلم.
وهذا يقودنا إلى الإيجابية الثانية وهي الآثار الصحية والنفسية، إن الله سبحانه وتعالى خلق للإنسان عدة أجهزة في جسمه ولكل جهاز وظيفة خاصة يؤديها والجهاز التناسلي في الإنسان هو جهاز مثل بقية الأجهزة له وظيفته ومتعته التي وهبها الله سبحانه وتعالى لهذا الجهاز، فلولاه لما سعى الإنسان للزواج والتكاثر واعمار الأرض، وغريزة الجنس أرادها الله تعالى في الإنسان أن توظف في الطريق السوي السليم، وهو الزواج الشرعي الذي يؤمن الاستقرار النفسي والصحي قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ([58]).
فهذه أية من آيات الفطر الإلهية، وهي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها وإخوتها وترضى بالاتصال برجل غريب تكون له زوجة. فإذا انعدم هذا الجانب ساءت حالتها النفسية وتدهورت حالتها الصحية وانخرطت في سلك الرذيلة إلا من حفظت الله فحفظها.
وهنالك أيضا الآثار الاقتصادية والاجتماعية فإن أكثر الشباب قبل الزواج لا يشعرون بالمسئولية تجاه أغلب متطلبات الحياة التي تخص المنزل وادارته كما أنهم يكونون أكثر إسرافا وأقل تدبيرا وحرصا لقلة المسئولية التي يتحملونها كما أن منهم من يكون معتمدا على عائلته ولا يزاول أي عمل لكسب المال لسد احتياجاته. وينعكس الأمر بعد الزواج فإن كل من الزوجين سيحرص على الاهتمام بكل متطلبات الحياة لتحملهم المسئولية كاملة فيسعوا إلى اكتساب الرزق. إن الله عز وجل يقول: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ([59]).
كما أن المساعدة في الزواج تعتبر من أبواب البر التي يؤجر الإنسان عليها فقد ورد عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتى يجمع الله بينهما) ([60]). وقال أيضا: (من زوج أعزب كان ممن ينظر الله عز وجل له يوم القيامة). يترتب على تعدد الزوجات صون عدد كبير من النساء، والقيام بحاجتهن من النفقة والمسكن وكثرة الأولاد، والنسل وهذا أمر مطلوب للشارع. فالأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى كثرة النسل بتقوية صفوفها والاستعداد لجهاد الكفار فلا يكون ذلك إلا بكثرة الزواج من أكثر من واحدة وكثرة الإنجاب.
وبعد ذلك لابد أن نقول إن الإسلام هو نظام واقعي إيجابي، يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ويتوافق مع واقعه وضروراته ومع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان، فهو يرتقي بالإنسان ليرتفع به إلى القمة السامقة في غير إنكار لفطرته أو إغفال لواقعه، فإذا استصحبنا هذه الخصائص، نجد أن في نظام تعدد الزوجات كثيرا من الإيجابيات والتي تفوق ما ذكرناه في هذا المطلب.
وما ذكرناه من السلبيات لم يكن نشوؤها عند بعض الرجال إلا لعدم تطبيقهم لأحكام الشرع وعدم التزامهم بالشروط التي ذكرت.
وتتمة للفائدة، تقول إحدى النساء أنا مع الزواج الثاني لكن بشروط مثلا أن تكون الزوجة مريضة أو بها من الأسباب ما يستدعي الزوج أن يتزوج بأخرى.
يقول الدكتور محمد هلال الرفاعي اختصاصي أمراض النساء والتوليد عدم الزواج أو تأخيره يعرض المرأة لأمراض الثدي أكثر من المتزوجة وكذلك سرطان الرحم والأورام الليفية وقد سألنا أكثر المترددات على العيادة هل تفضلن عدم الزواج أم الاشتراك مع أخرى في زوج واحد، كانت إجابة الأغلبية هي تفضيل الزواج من رجل متزوج من أخرى عن العنوسة الكئيبة بل أن بعضهم فضلن أن تكون هي زوجة ثالثة أو رابعة على البقاء في شبح العنوسة ([61]).
المطلب الثالث : الشبهات والرد عليها:
إن نظام تعدد الزوجات كما تناولنا سابقا يحفظ المجتمعات الإسلامية والإنسانية من الفساد الخلقي الذي، يؤدي إلى انتشار البغاء وكثرة اللقطاء، حيث أصبحت أغلب المجتمعات في أوربا والغرب تعج بأبناء السفاح ففي عام 1968 م نشرت صحيفة الأخبار المصرية الرائعة الصيت إحصائية رسمية أمريكية (أنه يولد سنويا في مدينة نيويورك طفل غير شرعي من كل ستة أطفال يولدون) ولا شك أن العدد على مستوى الولايات الأمريكية المتحدة يبلغ الملايين من مواليد السفاح سنويا ([62])، كما نشرت أيضاً جريدة الميدان المصرية الأسبوعية بالقاهرة إحصائية أكدت فيها الباحثتان غادة محمد إبراهيم وداليا كمال عزام في دراستهما تراجع حالات الزواج بين الشباب بنسبة 90% بسبب الغلاء والبطالة، وأكدت الأرقام أنه بين كل عشر فتيات مصريات في سن الزواج “الذي تأخر من 22 إلى 32 سنة” تتزوج واحدة فقط كما أن الزوج نفسه يكون قد تخطى سن الخامسة والثلاثين وأشرف على الأربعين حيث ينتظر الخريج ما بين 10 إلى 12 سنة ([63]). بعد ذلك أشارت الصحيفة إلى أن العلاقات المحرمة في ازدياد مضطرد وكذلك ظاهرة الزواج العرفي بين مجتمعات الشباب الجامعي وغيره، في ظل وجود كثير من النساء بلا زواج.
وقد أثار أعداء الإسلام بعض شبه نحو نظام تعدد الزوجات وهي ولله الحمد شبه وليست حقائق ومن تلك الشبه:
- إباحة الدين الإسلامي للرجل أن يعدد زوجاته وتحريم ذلك على المرأة.
- يكون الزواج بأكثر من امرأة سببا في إثارة الخصام والنزاع بين أفراد الأسرة الواحدة الأمر الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة وتشرد الأطفال.
- إن في تعدد الزوجات ظلما للمرأة وهضما لحقوقها وإهدار لكرامتها ووسيلة لتسلط الرجل عليها من أجل إشباع شهواته.
- يؤدي تعدد الزوجات إلى إهمال تربية النشء وتشرده.
- يكون تعدد الزوجات سببا رئيسيا في كثرة النسل الذي يؤدي إلى انتشار الفقر والبطالة في البلاد.
- الظروف الاقتصادية في العصر الحديث لا تسمح للرجل أن يعدد زوجاته لأن هذا التعدد يفرض عليه أعباء مالية في الوقت الذي ازدادت فيه مطالب كل فرد مع قلة الموارد المالية.
وللرد على هؤلاء المتشككين والقاصرين في فهم نظام تعدد الزوجات:
نقول: إن الله سبحانه وتعالى شرع التعدد وأباحه لعباده وان التعدد سنه أنبياء الله عليهم أفضل الصلاة والسلام فقد تزوجوا وجمعوا في حدود شريعة الله، فالتعدد يكون في معظم الأحيان سياجا يحمي الأسرة والمجتمع من التصدع ويصون المرأة من الضياع والحرمان. في ما يخص الشبه الأولى فنقول إن المساواة بين الرجل والمرأة في نظام الزواج لا ينبغي أن تكون مساواة مطلقة لاختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة، والمساواة بين مختلفين تعني ظلم أحدهما، فالمرأة خلق الله تعالى لها رحم واحد، وهي تحمل في وقت واحد، ومرة واحدة في السنة، ويكون لها تبعا لذلك مولود واحد من رجل واحد والرجل غير ذلك فهو من الممكن أن يكون له عدة أولاد من عدة زوجات ينتسبوا إليه ويتحمل مسئولياتهم مع أمهاتهم .فإذا تزوجت المرأة بثلاثة أو أربعة رجال فمن هو الرجل الذي يتحمل مسئولية الحياة الزوجية الأول أم الثاني أم الثالث أم
جميعهم.
ثم لمن ينتسب أولاد هذه المرأة المتعددة الأزواج ينتسبون لواحد من الأزواج أم لهم جميعا أم تختار أيهم يكون؟ ([64]). وفي الحقيقة إن سنة الله في خلقة جعلت نظام الزوج الواحد والزوجة الواحدة يصلح لكل من الرجل والمرأة، وجعلت نظام التعدد لا يصلح للمرأة، ولكنه مناسب للرجل فلو تزوجت بأكثر من رجل لأتى الجميع من دماء متفرقة فيتعذر عندئذ تحديد الشخص المسئول عنهم اجتماعيا واقتصاديا وقانونيا وإن المسئولية تقوم على نظام رابطة الدم وهي رابطة طبيعية متينة فبغير اختصار المرأة على زوج واحد، لا يستطيع الرجل أن يعرف الأصل الطبيعي له ولأولاده ([65]).
كما أن تعدد الأزواج يمنع المرأة من آداب واجبات الزوجية بصورة متساوية وعادلة بين أزواجها سواء كان ذلك في الواجبات المنزلية أو في العلاقات الجنسية، وبخاصة أنها لها أيام في كل شهر يجب أن تكون بعيدة فيها عن الزوج واذا حملت تمكث تسعة أشهر في معاناة تحول دون القيام بواجباتها نحو الرجل وعند ذلك سيلجأ الأزواج بلا شك إلى الخليلات فتكون الحياة غير مستقرة ([66]). ويكون الفساد والانحلال الاجتماعي.
إن المجتمع لا يستفيد شيئاً من نظام تعدد الأزواج للمرأة، فإذا أتيح للمرأة تعدد أزواجها لازداد عدد العانسات زيادة كبيرة وأصبح النساء في فساد اجتماعي لا يحسدن عليه ([67]).
وهكذا ليست من العدالة في شيء أن يباح للمرأة تعدد أزواجها بحجة مساواتها للرجل، كما أنه ليس عدلا أن يحرم الرجل من صلاحيته في أن يعدد زوجاته بدعوى مساواته بالمرأة.
أما الشبهة الثانية القائلة بأن تعدد الزوجات يؤدي إلى قيام النزاع بين أفراد الأسرة نقول إن هذا النزاع يرجع إلى الغيرة الطبيعية التي لا يمكن أن تتخلص منها النفوس البشرية فالغيرة موجودة في أي مكان تتساوى فيه الفرص للأفراد وهكذا تظهر الغيرة بين النساء في ظل نظام تعدد الزوجات وهي شيء عاطفي والعاطفة لا يصح أن تقدم في أي أمر من الأمور على الشرع ([68]).
والضرر الذي يلحق بالمرأة نتيجة للتعدد أخف بكثير من الأضرار التي تلحق بها في حالة بقائها من غير زواج.
ويلاحظ أن الغيرة بين الزوجات لم تمنع الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة من الأخذ بنظام التعدد، والسبب في النزاع المستمر يرجع إلى تهاون الزوج وضعفه وعدم عدله بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني في نفوس بعض الزوجات بحيث لا يستطعن كبح جماح الغيرة ومن ثم يعملن على إلحاق الضرر بضرائرهن وتعكير صفو الأسرة ([69]).
كما يلاحظ أن النزاع بين الزوجات وبين الزوج إنما يحدث في الغالب من أجل الحصول على مطلب من مطالب الحياة الأسرية من مأكل، وملبس، ومسكن، وما شابه ذلك والنزاع الأسري شيء طبيعي حتى من غير تعدد.
وعلى الرجل الأخذ بزمام الأمور لأن الله أعطاه القوامة قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النساء) فإن الأخذ بالقوامة الشرعية يؤدي إلى العدل الذي يؤدي إلى استقامة الأمر.
الشبهة الثالثة: إن في نظام تعدد الزوجات هضما لحقوق المرأة وإهدارا لكرامتها!!!.
– يقول أحد المفكرين الغربيين المنصفين عن هذا الموضوع:
– إن نظام الزواج بامرأة واحدة فقط وتطبيقه تطبيقا صارما قائم على أساس افتراض أن عدد الجنسين متساويا ومادامت الحالة ليست كذلك فإن في بقائها قسوة بالغة إلى من تضطرهن الظروف إلى البقاء عانسات ([70]) كذلك نرى أن التعدد صيانة للمرأة بجعلها زوجة فاضلة بدلا أن تكون خليلة أو عشيقة، ويجب أن يعلم النساء أن إيجابية التشريع في تعدد الزوجات يحقق آمال الكثير من النساء اللواتي لهن الحق في أن يكن زوجات وأمهات وربات بيوت وعدم أخذ الرجال بنظام التعدد قد يؤدي إلى بقاء الكثيرات من النساء بلا زواج ولا أولاد ولا أسر، وهذا يمثل خطرا كبيرا على المرأة
نفسها وعلى المجتمع الذي تعيش فيه ([71]).
وليس في إباحة الزوجات في التعدد ظلما للمرأة ولا هضما لحقوقها فقد أعطاها الإسلام الحق في أن تشترط في عقد الزواج أن لا يتزوج زوجها عليها ويكون لها حسب هذا الشرط الخيار في أن تطالب بفسخ عقد الزواج إذا تزوج زوجها عليها لأن الزوج قد تخلى بشرط من شروطه، أو ترضى بالأمر الواقع وتقبل بمشاركة غيرها لها في بيت الزوجية.
ولو فات الزوجة أن تشترط هذا الشرط في عقد الزواج فإن الشريعة الإسلامية تعطيها الحق في طلب الطلاق إذا قصر زوجها في حق من حقوقها ([72]) أو وقع عليها ضرر.
وإذا كان التعدد يلحق بعض الضرر بالمرأة التي يتزوج عليها زوجها، فإن منفعته مؤكدة للزوجة الجديدة لأنها لم تقبل بالزواج من رجل متزوج في الأصل إلا لأنها ترى في قبولها فائدة لها، وأن الضرر الذي ينالها كزوجة ثانية أقل بكثير من الأضرار التي ستتعرض لها إذا بقيت بدون زواج، والضرر الكثير يدفع كما هو معروف شرعا بالضرر القليل.
أما بخصوص تشرد الأطفال، وارتباطه بتعدد الزوجات فيقول الشيخ محمود شلتوت ([73]):
إنه ليس لتعدد الزوجات سبب في تشرد الأطفال والنسبة لا تتعدى أكثر من (3%) ثلاثة بالمائة وهي نسبة ضئيلة جدا لا يصح أن تذكر، للتفكير في وضع حد للتعدد مع تلك الفوائد الاجتماعية التي ذكرت. واعتمد الشيخ شلتوت في كلامه هذا على إحصائية أجراها مكتب الخدمة الاجتماعية في القاهرة لبحث حالات التشرد.
أما الشبهة الرابعة: تقرر أن التعدد يؤدي إلى كثرة النسل، وكثرة النسل تؤدي إلى البطالة والفقر، وهذا بطبيعة الحال منطق غير سليم ومرفوض، فكثرة النسل مع حسن التربية من أعظم عوامل قوة الأمة وازدهار حياتها، وأوضح الأمثلة على ذلك:
اليابان والصين، ثم إن البطالة والفقر موجودان كما نعلم في بعض البلاد العربية والإفريقية وأستراليا مع أن أرضها واسعة ومواردها كثيرة ولو أحسن أهلها استغلالها لزال الفقر واختفت البطالة واستوعبت تلك البلاد أضعاف من يعيشون فيها، ونرى أن الإكثار من النسل في البلاد الإسلامية مطلب شرعي ومهم لدعم الأمة وقوتها والدفاع عن الدين ونشره فهو يساعد الأمة على زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري وبه يستغني المسلمون عن العمالة الأجنبية المخالفة لهم في المعتقد والعادات والتقاليد وأخيرا فإن كثرة النسل في المجتمعات الإسلامية ليست سببا في الفقر فإن رزقهم على الله تعالى وهو الرزاق ذو القوة المتين.
وكثرة الأولاد توسع في الرزق ولا تضيقه قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) ([74]).
الشبهة الأخيرة: وهي إن الظروف الاقتصادية في العصر الحديث لا تسمح للرجل بأن يعدد زوجاته، لأن هذا التعدد يفرض عليه أعباء مالية كثيرة فهو سيكون مطالبا بالإنفاق على عدد من الزوجات والأولاد في الوقت الذي ازدادت فيه مطالب كل فرد، وقلت في الوقت نفسه الموارد المالية.
يرجح القول أن قضية تعدد الزوجات قضية اجتماعية ودينية وليست قضية اقتصادية، وأن المشكلات الاقتصادية التي تتعرض لها الأسرة عند تعدد الزوجات أهون بكثير من المشكلات الاجتماعية التي تتعرض لها عندما ترتفع نسبة العوانس والمطلقات والأرامل. وأن المشكلة الاقتصادية التي تتعرض لها الأسر في هذا الزمان هي مشكلة عالمية وليست تعدد الزوجات سببا فيها ولن يكون سببا لها.
والإنسان لا يضمن رزقه في ظل نظام الزوجة الواحدة حتى يشكو منه في ظل تعدد الزوجات، وقد يكون للرجل الواحد زوجة واحدة ولكنها مسرفة ومبذرة وأكثر خطورة اقتصادية من أربع زوجات صالحات مدبرات لدى رجل واحد، وفي العصر الحديث في بعض البلاد الإسلامية نجد أن دخل الفرد يزيد كلما زاد عدد زوجاته، لأن أبواب العمل أصبحت مفتوحة أمام النساء، وكل امرأة تعمل تحصل على راتب شهري وهذا يتيح للزوجة والزوج فرصة طيبة لرفع مستوى المعيشة وتحقيق بعض الرفاهية لكل أفراد الأسرة.
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلق الإنسان يبين الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة تكتب على الإنسان عند نفخ الروح وهو في بطن أمه بعد مضي 120 يوما ([75]). ولا يخرج أي إنسان للحياة إلا ورزقه مقدر له من الله فيجب التوكل عليه سبحانه وتعالى ([76]).
المبحث الرابع
المركز القانوني لتعدد الزوجات
إن الشريعة الإسلامية جادت بأحكام وافية في مجال الأحوال الشخصية ولا يستطيع الإنسان وضع التشريعات المناسبة في هذا الجانب إلا بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية والأصول التي يقوم عليها الفقه الإسلامي لأن الشريعة الإسلامية لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأصولها العقائدية مرتبطة بفروعها التشريعية، لذا فإن الذين يدخلون أحكاما مستوردة في الأحكام التشريعية يحدثون التناقض فيها والسبيل الذي يقودنا إلى معالجة الأحكام في الأمور المستجدة هو اتباع المنهج الاجتهادي لا استيراد الأحكام من القوانين الوضعية الأخرى.
وهنالك كثير من الأحكام النشاز في قوانين الأحكام الشخصية في بعض البلاد العربية، وتناقض في الحكم الشرعي مناقضة صريحة، وان حاولت المذكرات التوضيحية للقانون إلحاق النصوص بها لجعل تلك الأحكام متفقة مع الشريعة ومن تلك الأحكام ما يمنع تعدد الزوجات ([77]).
إن المنهج السليم هو العمل بالأحكام المتفق عليها والأحكام قطعية الدليل أما المختلف فيها فيجب أخذ الراجح منها وفق منهج الترجيح وسوف نتعرض في هذا المبحث لبعض قوانين الأحوال الشخصية في بعض البلاد.
المطلب الأولى : القانون العراقي:
إن موقف القانون العراقي في مسألة تعدد الزوجات موقف يستحق الذكر والإشارة إليه فقد نظم القانون العراقي أحكام في الباب الأول لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل في المادة (8 – 11) وهو فصل لأحكام عقد الزواج والخطبة، ولم يضع القانون نصا يمنع فيه تعدد الزوجات، وهذا دليل على إباحته، ولكن بالمقابل وضع أحكاما تقيد تعدد الزوجات وتسلب الرجل حق اختيار هذا النظام وممارسة الحق الشرعي.
والمشرع العراقي رتب أثارا قانونية يتعرض بموجبها الزوج إلى العقوبة التي تصل إلى حد الحبس لمدة سنة واحدة إذا عقد الزواج خارج المحكمة، أما إذا كان الزوج قد عقد زواجه خارج المحكمة مع قيام الزوجية أي بمعنى أن يتزوج بامرأة أخرى مع وجود زوجة أو أكثر تحت ذمته فقد عدها جريمة يعاقب عليها القانون وغلظ العقوبة بالقياس مع الذي يعقد زواجه خارج المحكمة ولم يكن متزوجا في حينه وحدد لها العقوبة التي لا تزيد على خمس سنوات ولا تقل عن ثلاث سنوات ([78]).
أوقف العمل بالفقرة (1) من هذه المادة بموجب المادة (1) من قانون تعديل تطبيق قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل في إقليم كردستان – العراق، رقمه 15 لسنة 2008، واستبدلت بالنص الآتي:
- الزواج عقد تراضي بين رجل وامرأة يحل به كل منهما للآخر شرعا غايته تكوين الأسرة على أسس المودة والرحمة والمسئولية المشتركة طبقا لأحكام هذا القانون.
- يوقف العمل بالفقرات (4، 5، 6، 7) منها ويحل ما يلي:
- يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بإذن القاضي، ويشترط لإعطاء الإذن تحقق الشروط التالية:
أ/ موافقة الزوجة الأولي على زواج زوجها أمام المحكمة.
ب/ المرض المزمن الثابت المانع من المعاشرة الزوجية والذي لا يرجى منه الشفاء أو عقم الزوجة الثابت بتقرير من لجنة طبية مختصة.
ج/ أن يكون لطالب الزواج الثاني إمكانية مالية تكفي لإعالة أكثر من زوجة واحدة على أن يثبت ذلك بمستمسكات رسمية يقدمها للمحكمة عند إجراء عقد الزواج.
د/ أن يقدم الزوج تعهدا خطيا أمام المحكمة قبل إجراء عقد الزواج بتحقيق العدل بين الزوجين في القسم وغيره من الالتزامات الزوجية (المادية والمعنوية).
هـ/ أن لا تكون الزوجة قد اشترطت عدم التزوج عليها في عقد الزواج.
و/ كل من أجرى عقدا بالزواج بأكثر من واحدة خلافا لما ذكر في أي من الفقرات (أ، ب، ج، د، ه) من هذه المادة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة قدرها عشرة ملايين دينار.
ز/ لا يجوز للقاضي إيقاف تنفيذ العقوبات الواردة في الفقرة (و) أعلاه.
أضيفت الفقرة (7) إلى هذه المادة بموجب قانون التعديل السادس لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، رقمه 189 صادر بتاريخ 1980، وتتضمن الآتي:
لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بإذن القاضي ويشترط لإعطاء الإذن تحقق الشرطين التاليين:
- أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة.
- أن تكون هناك مصلحة مشروعة.
- إذا خيف عدم العدل بين الزوجات فلا يجوز التعدد ويترك تقدير ذلك للقاضي.
كل من أجرى عقدا بالزواج بأكثر من واحدة خلافا لما ذكر في الفقرتين 4 و 5 يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة بما لا يزيد على مائة دينار أو بهما.
وترى الباحثة أن وضع القيود يعتبر من أهم مقومات تفشي الرذيلة في المجتمع. والشروط التي أوجبها المشرع هي غير ذات نفع فحتى لو وافقت الزوجة الأولى فإن الأمر لا ينتهي بل يجب استحضار الإذن من القاضي فترك تقدير ذلك إلى القاضي في هذه الأمور، لا ينسجم مع مسيرة المجتمع فالأمر يتعلق بسلوكيات وقناعات الأفراد والسلطة التقديرية للقاضي تدور حول توفر شرطين: الأول توفر الملاءمة المالية أو الكفاءة لإعالة أكثر من زوجة. فلم يرد في الإسلام شرط توفر الملاءمة المالية.
ما جاء في نص الفقرة (5) من المادة (8) (إذا خيف عدم العدل بين الزوجات فلا يجوز التعدد ويترك تقدير ذلك للقاضي).
كيف يستطيع القاضي أن يلتمس القدرة على العدل، حيث إنه لا توجد ضوابط لتحديد ذلك، وهذا يعتبر خوفا على أمر مستقبلي غير متحقق في وقته، ومما تقدم يلاحظ أن هذه النصوص بحاجة إلى إعادة نظر.
المطلب الثاني : موقف القانون المصري والتونسي:
كانت الشريعة الإسلامية هي القانون المطبق في البلاد الإسلامية، وأصبحت كل المسائل تنظم بقوانين وضعية، وامتد الأمر ليشمل الأحوال الشخصية، وقد اختلفت التشريعات في تناولها لقضية التعدد ما بين مضيق ومانع، وسنتناول في هذا المطلب كل من القانون المصري والتونسي من التعدد، ثم القانون الإماراتي، ثم القانون السوداني.
رغم الأسباب الكثيرة والحكم العديدة لتعدد الزوجات ورغم القيود التي فرضها الشارع على هذه الإباحة، فإن المنتقدين لتعدد الزوجات لم يقفوا إلى حد النقد، بل تعدوه إلى وضع القوانين التي تمنع التعدد إلا بعد تأكد القاضي من تحقق ما شرطه الشارع لإباحة التعدد، وهو العدل والقدرة على الإنفاق وهذه الدعوات ليست جديدة وانما هي دعوة قديمة نادى بها الكثيرون من المتأثرين بالأفكار الأوروبية، وكان من أول من نادى بهذه الفكرة من الشرعيين هو الشيخ محمد عبده فقد حمل على التعدد حملة شعواء وقدم إلى الحكومة اقتراحا تضع بموجبه نظاما تشرف به على تعدد الزوجات حتى لا يقدم عليه من ليس أهلا له لكن الحكومة لم تأخذ به، وقام تلاميذه من بعده بالدعوة إلى ما كان يدعو إليه أستاذهم، ولما ألفت في عام 1928 لجنة تعديل بعض أحكام الأحوال الشخصية وكان أكثر أعضائها من تلاميذ الشيخ محمد عبده وضعوا مقترحات تتضمن تقييدا لتعدد الزوجات قضائيا ولكن قامت معارضة شديدة لهذا المشروع وتناوله رجال الفقه بالنقد مما أدى إلى العدول عنه.
وفي عام 1945 وضعت وزارة الشئون الاجتماعية مشروعا يقضي بتقييد تعدد الزوجات بحيث لا يباح إلا بإذن القاضي الشرعي حيث جعل الشرطين اللذين قيدت الشريعة إباحة التعدد بهما، يخرجان عن نطاق التكاليف الدينية التي تكون بين العبد وربه إلى التكليف القضائي فيمنع ولي الأمر من توثيق عقد زواج من له زوجة، حتى يتأكد القاضي من عدالته وقدرته على الإنفاق على أكثر ممن في عصمته ومن تجب عليه نفقته.
أما في تونس فقد اتجه المشرع فيها اتجاها متشددا حيث ألغى تعدد الزوجات ونص على ضرورة الاحتفاظ بزوجة واحدة فقط واعتبر الزواج بثانية باطلا لا ينتج أثرا كما جاء في نص المادة العاشرة من مجلة الأحوال الشخصية التونسية (تعدد الزوجات ممنوع وإن تزوج بأكثر من واحدة يستوجب عقابا بالحبس مدة العام). وقد أعلن المحامي التونسي فتحي الزغل مؤسس منتدى حريات ومواطنة، عن إطلاقه حملة تهدف إلى إقرار قانون يسمح بتعدد الزوجات في تونس.
وقال المحامي في بيان له (إننا ننظر إلى مسألة التعدد بمنظار شرعي، أحله الله ليكون حلا لمشكلات أسرية واجتماعية نعاني كثيرا منها في بلدنا، لا ترقي كل الحلول له). وساق المحامي التونسي في نفس البيان مجموعة من الأسباب التي دفعته إلى إطلاق حملته. منها الإحصائيات التي أصدرها الوطني للأسرة والعمران البشري أظهرت تفشيا خطيرا لظاهرة العنوسة في المجتمع (أكثر من مليون وثلاثمئة ألف شابة بين سن الـ 25 والـ 34 غير متزوجات).
القانون الإماراتي:
أما قانون الأحوال الشخصية الإماراتي فلم يشير إلى التعدد بنص محدد ولكنه أشار في المادة 55/ 6 إلى العدل بينها وبين بقية الزوجات إن كان للزوج أكثر من زوجة كما جاء في المذكرة التوضيحية (فالعدل الواجب بين الزوجات، هو العدل الذي يستطيعه الإنسان، وهو العدل في المعاملة والنفقة وفيما يفرضه الشرع من حقوق للزوجة) وهذا يدل على أن القانون الإماراتي لم يضيق في التعدد ولم يوسع فيه بل ترك الأمر على ما جادت به الشريعة الإسلامية.
القانون السوداني:
أما قانون الأحوال الشخصية السوداني لسنة 1991 م لم يمنع التعدد وترك الأمر كما جاء في الشريعة الإسلامية وقد أشار بطريقة ضمنية لإمكانية التعدد وذلك من خلال نص المادة 79 منه والتي نصت على أنه للزوجة الحق في امتناعها السكنى مع زوجها إذا كان في الدار ضرة). وكذلك تعرض لهذا التعدد في المادة (19) في باب المحرمات على التأقيت حيث جاء فيها الآتي: (يحرم بصورة مؤقتة: ب – التزوج بما يزيد على أربع ولو كانت إحداهن في العدة). وبمفهوم المخالفة أنه يجوز التزوج بأربع أو أقل. وأيضا أشار في المادة (357/ 2) ميراث الزوجة بالآتي: (إذا تعددت الزوجات فيقسم الفرض بينهم بالتساوي). ومن خلال تلك النصوص نجد أن القانون السوداني لم يمنع التعددية في الزواج. ولكننا نرى أن العزوف عن الزواج أصبح ظاهرة متفشية في المجتمع السوداني ويرجع ذلك لأسباب رئيسية اقتصادية الشيء الذي يحتم على المشرع السوداني ضرورة وجود حلول بوضع وسن نصوص قانونية لتيسير عملية الزواج والتسهيل على الشباب وغيرهم ممن يرغبون في الزواج أو التعدد.
المطلب الثالث : موقف القانون الليبي والفرنسي:
القانون الليبى في تناوله لقضية تعدد الزوجات متذبذب، فتارة يقترب من القانون المصري الذي يضيق من التعدد وتارة يقترب من القانون التونسي الذي يحظر التعدد.
ففي القانون رقم (10) لسنة 1984 م نصت المادة 13 على أنه (يجوز للرجل أن يتزوج بأخرى بعد إذن يصدر من المحكمة المختصة بعد التأكد من ظروفه الاجتماعية وقدرته المادية والصحية وكما يجوز للرجل المطلق الزواج بعد إثبات طلاقه من زوجته الأولى وفقا لأحكام هذا القانون) والواضح من هذا النص أن القانون قيد التعدد وجعله مقصورا على ما يأذن به القاضي. ثم اتجه القانون إلى التشديد في القانون رقم (22) لسنة 1991 م بتعديل م 13 من القانون 10/ 1984 م حيث نص على ( أ – الحصول على موافقة كتابية رسمية من زوجته التي في عصمته أو صدور إذن من المحكمة
بذلك. ب – التأكد من ظروف طالب التعدد الاجتماعية وقدرته الصحية والمادية وفي حالة تخلف أحد الشرطين يعتبر الزواج باطلا) وبذلك نرى أن القانون أضاف إلى الشروط الواردة في القانون السابق شرط الحصول على الموافقة الكتابية من الزوجة إذا لم يصدر إذن من المحكمة، وجعل العقد الثاني باطلا في حالة تخلف أحد الشرطين. ثم اتجه المشرع اتجاها يقترب فيه من المشرع التونسي الذي يرفض التعدد حيث نص في المادة الأولى من القانون رقم (9) لسنة 1994 م بأنه يجوز التعدد بشرطين هما ( أ – موافقة الزوجة التي في العصمة أمام المحكمة الجزئية المختصة. ب – صدور حكم بالموافقة من المحكمة المختصة في دعوى تختصم فيها الزوجة فإن لم يتم مراعاة الشرطين كان الزواج باطلا وللمرأة أن تتقدم بدعوى شفوية أو كتابية لطلب تطليق الزوجة الثانية لأقرب محكمة لها كما يجوز لها أن تقدم شكواها عن طريق اللجنة الشعبية للمؤتمر الشعبي أو لأقرب مأذون أو إمام جامع أو نقطة أمن شعبي محلي أو نقابة… وعلى هؤلاء إحالة الشكوى في أقرب وقت إلى المحكمة المختصة).
وقد انتقد كثير من المختصين هذا الاتجاه من المشرع في منع وتقييد التعدد ويرون أن كل القوانين التي تقيد أو تمنع التعدد يمكن الإفلات منها بكل سهولة ويسر وذلك استنادا إلى المادة التي أجازت للرجل الزواج بعد إثبات طلاقه من زوجته الأولى فكل ما عليه فعله هو تطليق زوجته الأولى واثبات واقعة الطلاق أمام المحكمة ثم التقدم للمرأة الأخرى والعقد عليها ولما كان طلاق الأولى في الأصل رجعيا فيجوز إعادة زوجته الأولى إلى عصمته دون إعلام المحكمة أو الحصول على إذنها أو اتخاذ أي إجراء لأن الرجعة لا تحتاج إلى شيء من ذلك.
ويرى البعض أن يوضع حل وسط ينص على أنه (يجوز للرجل أن يتزوج بأخرى وللمرأة الحق في أن تشترط على من يريد الزواج منها ألا يتزوج عليها وإذا لم يوف بالتزاماته تكون لها الحرية في طلب فسخ العقد أو التطليق).
بينما الكثيرون يرون أن يترك الأمر على ما شرعه الشارع الكريم، وأن الضوابط والشروط التي وضعها كفيلة لحفظ حقوقا كل من الرجل والمرأة على حد سواء، وهذا هو الذي نرجحه.
المطلب الرابع : موقف القانون الفرنسي:
مع التحول الكبير الذي صاحب الثورة الفرنسية في مفهوم الزواج، لم يعد عقد الزواج إجراء ديني له قدسيته وانما أصبح عقدا من العقود المدنية، إلا أن القوانين الغربية لم تستطع أن تلغي تجريم تعدد الزوجات من القوانين العقابية، وذلك رغم إلغاء تجريم الزنا واخراجه من نطاقا قانون العقوبات منذ عام 1791 م في فرنسا.
وهذا يدل على صعوبة الإقدام – لدى الغرب – على إلغاء تجريم تعدد الزوجات حتى مع التحول الثوري الذي صاحب الثورة الفرنسية وتغيير العديد من القيم الاجتماعية . وقد كان تفسير الفقه الجنائي لهذا الموقف أن جريمة الزنا – في تقديرهم – جريمة خاصة لا تهم سوى الزوج أما تعدد الزوجات فليس أمرا عائليا وانما هو بمثابة جناية اجتماعية تشكل اعتداء على النظام المقرر للعائلات ويسبب اضطرابا وفوضى وعصيان اجتماعي. فالقانون الغربي لم ينظر إلى تعدد الزوجات أو الجمع بين زوجتين على أنه كالزنا، يمثل انتهاكا لواجب الإخلاص العائلي، وانما ذهب لما هو أبعد من هذا فقرر أنه أشد جسامة منه، ولذلك قرر القانون الفرنسي عقوبة مشددة للجمع بين زوجتين تتمثل في السجن لمدة أثني عشر عاما، ولكن إزاء زيادة حالات الجمع بين زوجتين حدث تعديل في القانون العقابي بتخفيض العقوبة.
ومن الناحية المدنية أورد القانون المدني نصا بأنه (لا يحق إبرام عقد زواج ثان قبل انحلال الأول) وقرر ضرورة أن يؤشر عند الزواج أمام اسم الزوج بدفتر المواليد حتى لا يستطيع الزوج أن يقدم على إبرام زواج ثان إلا إذا قدم ما يفيد انتهاء زواجه الأول، غير أن هذا لا يصلح لسد باب تعدد الزوجات في الغرب، لإمكان حصول الزواج خارج فرنسا، أو من شخص غير مولود بفرنسا أو بالتواطؤ أو الخطأ مع موظف الحالة المدنية الذي يطوله العقاب في حالة التواطؤ.
ورغم هذا التشديد والطعن في نظام التعدد فقد جاء في شبكة النبأ المعلوماتية أن المحكمة الدستورية العليا تنظر في السماح بتعدد الزوجات بأمريكا، وذلك بالنظر في التماس قدمه مواطن مسيحي أدين بتعدد الزوجات في ولاية يوتاه الأمريكية يطالب بإعادة النظر في إدانته، وجاء في الالتماس أن القوانين التي تحظر تعدد الزوجات عفى عليها الزمن بالنظر إلى عادات الحياة العصرية والقوانين الجديدة التي تكفل حرية وحقوق الخصوصية، واستند قرار المحكمة العليا في الولاية بإدانة المواطن المسيحي بتعدد الزوجات وممارسة جنس محظور؟؟ وحكم عليه بالسجن لمدة عام.
والجدير بالذكر أن نحو 37 ألفا من أعضاء الطائفة المارونية المسيحية التي أسسها جوزيف اسميث مؤسس كنيسة قساوسة اليوم الآخر، في عام 1830 م يعيشون في شمال الولايات المتحدة، والأغلبية يعددون الزوجات. إلا أن حكم الله هو الغالب.
الخاتمة:
الحمد لله رب العالمين الذي منا علي بكتابة هذا البحث وأسأل الله العظيم أن يجعله في ميزان حسناتنا وأن تعم فائدته الجنسين من النساء والرجال لأن هذا النظام الإسلامي أبيح لغايات عديدة وحكم سامية لكنه مثار نقد وطعن ومادة للهجوم على الإسلام والمسلمين عند الغربيين ومن تأثر بأفكارهم، ممن يحاولون دائما إيهام الناس أن الدين الإسلامي هو الذي أتى بتعدد الزوجات وأنه نظام مقصور على دين الإسلام ولا تقوم به قائمة إلا لدى الشعوب المتأخرة عن ميدان الحضارة والمدنية، وما وجد حقيقة في هذا البحث أن هذا النظام ظهر قبل الإسلام وفي شعوب كثيرة متحضرة، وقد شهد شاهد من أهلهم أن هذا النظام هو الحل الوحيد لكثير من مشكلات اجتماعية في مجتمعاتهم.
والإسلام لم ينشئ نظام تعدد الزوجات ولم يوجبه على المسلمين بل تركه مباحا وقد توصلت في هذا البحث إلى النتائج والتوصيات الآتية:
النتائج:
- الأصل في تشريع التعدد هو الإباحة وليس الوجوب – ولنا أن نأخذ بالمباح أو لا نأخذ به فلا إثم علينا.
- مقصد الإسلام من التعدد عدم حدوث انحرافات خطيرة وعدم انتشار الحرام في المجتمع المسلم، وأن لا تبقى امرأة في المجتمع المسلم بلا زواج.
- التعدد في أغلب الأحيان يكون حفاظا للزوجة الأولى والثانية.
- أن التعدد ليست مشكلة تواجه المجتمعات الإسلامية كما يدعي البعض.
- لا يكون التعدد نظاما ناجحا إلا إذا التزم المعدد بالعدل المشروع.
- أن المولى عز وجل لم يلزمنا بالتعدد ولكن هنالك حالات يكون فيها التعدد ضرورة ملزمة للمجتمع.
- توجد بعض المشكلات الاجتماعية التي لا يوجد لها حل إلا بالتعدد فيصبح واجبا ضروريا لمن تنطبق عليه الشروط.
- التعدد هو علاج لحالات خاصة وقد يصبح واجبا إذا كان عدم علاج هذه الحالات يؤدي إلى فساد فردي أو جماعي.
- اختلاف الفقهاء في أن الأصل هو الواحد أم التعدد لا يمنع من أنه متى ما كانت هنالك مفسدة أو ضرورة يصبح أصلا بالنسبة للشخص المستوفي شروطه.
اختلفت التشريعات لقوانين الأحوال الشخصية في تناولها لقضية التعدد ما بين مضيق ومانع ومبيح ومقيد.
المشكلات التي استفحلت في كثير من الدول الغربية أدت إلى المطالبة بالسماح لأفراد المجتمع بنظام تعدد الزوجات حيث إنهم توصلوا إلى أن الحالة المزرية التي توصلت لها مجتمعاتهم ليس لها حل إلا بأن يتزوج الرجل أكثر من امرأة وهكذا شهد شاهد من أهله.
التوصيات :
- التمسك بمبادئ الشريعة الغراء في تطبيق النظم الشرعية لصلاح حال المجتمع.
- نشر الوعي عبر وسائل الإعلام لإزالة الشبهات التي تعلق بأذهان الناس حول نظام تعدد الزوجات.
- يجب على المشرع القانوني في أي بلد من البلدان المسلمة إذا رأى ضرورة التعدد في مجتمعه أن يسن القوانين التي تيسر للمستطيع والقادر على تطبيق شروط التعدد.
- كل من له الرغبة أو الحاجة في تطبيق نظام التعدد أن يتفقه جيدا في هذا النظام ليعلم شروطه قبل أن يقدم عليه.
- نوصي المشرع القانوني بعدم التضييق في هذا النظام أو وضع الشروط التي تسيء في تطبيقه.
- يجب معالجة الخلل وتبين الخطأ في التطبيق وذلك بتوضيح شروط التعدد والواجبات التي تقع على كاهل المعدد.
- يجب توعية النساء وارشادهن بان التعدد ليس تعد على حقوقهن إنما هو شرع الله لمصلحة المرأة خاصة والمجتمع عامة.
- إن هذا الموضوع لازال بحاجة إلى مزيد من البحث والنقاش للوصول إلى مرحلة يعي فيها الناس حقيقة هذا النظام وأثره في مجتمعاتنا المعاصرة.
- أن مجتمعاتنا اليوم في أشد الحاجة لتطبيق هذا النظام وذلك لما توصلت إليه من كثرة النساء وضياع حقوقهن وقلة حظهن من الزواج.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أجعله عملا خالصا لوجهك الكريم وثقل به ميزاننا يوم العرض العظيم وميزان كل من قرأه وانتفع به إلى يوم الدين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فإن أصبت فمن الله وان أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.
وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء.
فهرس المصادر والمراجع:
أولا: القرآن الكريم.
ثانيا: كتب التفسير:
- تفسير القرآن العظيم، مجلد 1، الإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي المتوفى 5774 ه، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
- مختصر تفسير بن كثير، م 2، ط دار المعرفة، بيروت، الطبعة الرابعة 5409 – 1988 م.
- في ظلال القرآن سيد قطب، دار الشروق، بيروت 1402 ه.
- تفسير ابن هشام، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، القاهرة، 1356 ه.
- جامع البيان عند تأويل القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، طبعة دار الفكر، بيروت 5408.
ثالثاً: كتب الحديث:
- سنن بن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد الفوزين (ت 5275 – 888 م).
- جامع الترمذي، للإمام أبي محمد بن عيسى الترمذي المتوفى (5279 – 892 م).
- صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد إسماعيل بن المغيرة بروز البخاري، طبعة دار الطباعة، استبدل 1981 م.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ شهاب الدين أبي الفضل حمد بن محمد بن حجر العسقلاني، دار الفكر بدون تاريخ.
- ابن الأثير، مجد الدين أبو السادات المتوفي 606 ه – 1209 م جامع الأصول في أحاديث الرسول تحقيق عبد القادر، بيروت، 1392 هـ.
رابعاً: كتب الفقه:
- الفقه على المذاهب الأربعة، الجزء الرابع، عبد الرحمن الجزري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
- ابن قدامة أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد قدامه المقدسي، توفى 620 هـ، المغني مكتبة الجمهورية، بدون تاريخ.
- الصنعاني محمد بن إسماعيل المنوفي، 1182 هـ، سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، الرياض 1400 هـ.
- فقه السنة، السيد سابق، دار الفكر، بيروت 1365 هـ.
- لسان الميزان العقلي.
- المرأة بين الفقه والقانون، مصطفى السباعي، بيروت 1382 هـ.
كتب عامة:
- قصة الزواج والعزوبة في العالم، علي عبد الواحد وافي، القاهرة، 1395 هـ.
- تعدد الزوجات، د. محمد بن مسفر الظهراني في الإسلام، مجلة البحوث الإسلامية، الرياض، 1413، العدد 36.
- تعدد الزوجات ومعيار تحقيق العدل بينهن، أحمد علي طه رباني، القاهرة، 1394 ه.
- الإسلام عقيدة وشريعة، محمد شلتوت القاهرة.
- تعدد الزوجات، عبد التواب هيكل، القاهرة.
- حقوق النساء في الإسلام، محمد رشيد رضا، القاهرة 1398 ه.
- المرأة المسلمة، وهبي سليمان.
- تعدد الزوجات، عبد الناصر العطار، الرياض.
- الجنس الناعم في ظل الإسلام، سعيد الجندول، بيروت 1399 ه.
- المسلمون والإسلام، محمد عبده، القاهرة 1384 ه.
- الزواج والطلاق في الإسلام، زكي شعبان، القاهرة.
- حقوق المرأة في الإسلام، محمد عبد الله عرفة، القاهرة 1388 ه.
- الفكر الإسلامي والتطوع، محمد فتحي عثمان، الكويت 1388 ه.
- تنظيم الإسلام للمجتمع، محمد أبو زهرة، القاهرة 1398 ه.
- تعدد الزوجات في الإسلام كيف ولماذا، رعد كامل مصطفى الحيالي، دار الفكر للنشر والتوزيع ط أولى، 1990 م.
- أحكام الزواج في الشريعة الإسلامية، محمد بني يعقوب الكليني، دار الكرتضى للطباعة والنشر ط، 2007 م.
- الوسيط في الفقه الإسلامي، أ. د. عبد الرحمن العدوى المكتبة الازهرية للتراث 1969 م.
- أحكام الاسرة في الإسلام، محمد مصطفى شلبي دار النهضة العربية بيروت.
[1] علي عبد الواحد وافي، الزواج والعزوبة، القاهرة، 1395 ه، ص 52.
[2] محمد بن مسفر الزهراني، تعدد الزوجات، مجلة البحوث الإسلامية، لجنة الرياض 1413 ه، العدد 36.
[3] سورة النساء، الآية 129.
[4] سورة الملك، الآية 14.
[5] راجع أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة للطباع والنشر، ط أولي، 1991، ص 65 وما بعدها.
[6] سورة الدخان، الآية 38.
[7] سورة النساء، الآية 1.
[8] تفسير القرآن العظيم، الإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، ط 1985، دار إحياء التراث، بيروت.
[9] سورة النساء، الآية 3.
[10] سورة النساء، الآية 3.
[11] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث (2494)، 3/ 139.
[12] المصدر السابق تفسير القرآن لابن كثير، مجلد 1، ص 708.
[13] جامع البيان في تفسير القرآن أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ط، دار الفكر، بيروت، 108 ه.
[14] سورة النساء، الآية 129.
[15] سيد قطب في ظلال القرآن، ج 1، ص 579.
[16] سورة الأحزاب، الآية 21.
[17] د. محمدين مسفر، تعدد الزوجات في الإسلام، مجلة البحوث السلامة، م 36، ص 248.
[18] سورة الفرقان، الآية 54.
[19] أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح ، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع (1952)، 1/ 628.
[20] أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع (1953)، 1/ 628.
[21] أخرجه الشافعي في مسنده 1/ 274.
[22] سورة النساء، الآية 3.
[23] الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الرابع دار إحياء التراث العربي بيروت ص 213.
[24] سورة البقرة، الآية 233.
[25] سورة الطلاق، الآية 7.
[26] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218)، 2/ 886، 887.
[27] بن عبد البر، الكافي، ج 2، ص 433.
[28] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب قضية هند (1714)، 3/ 1338.
[29] الغندور، الأحوال الشخصية، ص 245.
[30] الهروي، فتح باب العناية، ج 2، ص 197، الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج 3، ص 489، بن قدامة، المغني، ج 11، ص 405.
[31] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة _1905)، 3/ 26.
[32] بن قدامة، المغني ج 7، ص 564.
[33] سورة النساء، الآية 129.
[34] سنن أبي داؤود، كتاب النكاح، باب القسم بين النساء، حديث رقم (2134).
[35] سورة النساء، الآية 3.
[36] الإحساني، تبين المسالك، ج 3، ص 103.
[37] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النساء، باب القسمة بين النساء، (2133)، 2/ 242.
[38] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، (21213833)، 2/ 243.
[39] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، حديث رقم (2135).
[40] سورة النساء، الآية 129.
[41] بن الأثير جامع الأصول، بيروت، ج 11، ص 155، 1392 ه.
[42] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء (2138)، 2/ 243.
[43] بن الأثير جامع الأصول، بيروت، 1392 ه، ج 11، ص 515.
[44] تعدد الزوجات د. محمد بن مسفر الظهراني، مجلة البحوث عدد 36، ص 257 – 258.
[45] جمعة الخولي، ص 277.
[46] سورة النساء، الآية 3.
[47] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النساء، باب القسمة بين النساء (2133)، 2/ 242.
[48] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب الزكاة، باب صلة الرحم (1692). 2/ 132.
[49] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، (893)، 2/5.
[50] سورة الطلاق، الآية 6.
[51] سورة النساء، الآية 19.
[52] بن قدامة، المغني ج 11، ص 355.
[53] بن عبد البر، الكافي، ج 11، ص 433.
[54] سورة البقرة، الآية 269.
[55] سورة البقرة، الآية 30.
[56] سورة فاطر، الآية 39.
[57] أخرجه أبو داؤود في سننه، كتاب النكاح، باب النهي عن التزويج، من لم يلد من النساء (2050)، 2/ 220.
[58] سورة الروم، الآية 21.
[59] سورة النور، الآية 32.
[60] محمد بن يعقوب الكليني، فروع الكافي، ص 169، دار المرتضي للطباعة والنشر، أولى 2007 م.
[61] جمعة الخولي، ص 279.
[62] صحيفة الأخبار المصرية عدد 2/ 7/ 1968 م.
[63] صحيفة الميدان الأسبوعية عدد الثلاثاء 6 مايو 1997 م.
[64] سعيد الجندول، الجنس الناعم في ظل الإسلام، بيروت 1399 ه، ص 73 – 74.
[65] عبد الناصر العطار، تعدد الزوجات، ص 13 – 16.
[66] محمد عبده، المسلمون والإسلام، القاهرة 1964 م، ص 94.
[67] عبد الناصر العطار – تعدد الزوجات – ص 13، مرجع سابق.
[68] زكي شعبان، الزواج والطلاق في الإسلام، ص 43.
[69] محمد عبد الله عرفة ، حقوق المرأة في الإسلام، ص 96، القاهرة 1388.
[70] محمد فتحي عثمان، الفكر الإسلامي والتطور، ص 232.
[71] محمد عبد الله عرفة، حقوق المرأة في الإسلام، ص 87 وما بعدها.
[72] أبو زهرة، تنظيم الإسلام للمجتمع، ص 76.
[73] محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ص 190.
[74] سورة الإسراء، الآية 31.
[75] انظر هذا الحديث بتمامه وشرحه الذي رواه البخاري ومسلم في جامع العلوم والحكم لابن رجب، ص 54 – 55.
[76] تعدد الزوجات في الإسلام محمد بن مسفر الزهراني، مجلة البحوث الإسلامية، ص 264.
[77] منع القانون التونسي تعدد الزوجات وعده جريمة يعاقب عليها بالسجن وبطلان الزواج، راجع أبو زهرة عقد الزواج وآثاره، ص 8.
[78] راجع أحكام الفقرة خمسة م 10 قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 م.


