Arbitration and Settlement of Petroleum Contract Disputes

أمل عمار سلامة الغرياني

باحثة بسلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس

كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية –مدينة سلا

Amal Ammar Salamah Al Ghariyani
Doctoral Researcher – Mohamed V University

ملخص

يوفر التحكيم المناخ المناسب والملائم للأنشطة التي تمارسها الشركات الأجنبية خارج حدودها الإقليمية. وذلك لتتحاشي الشركات النفطية الخضوع للقضاء الدولي أو القضاء الوطني لأي دولة أخرى. حيث يتخطى نظام التحكيم العيوب والنواقص التي تعاني منها الأنظمة القانونية المختلفة؛ سواء على المستوى الدولي أو المستوى الداخلي.

إن الصيغة العامة لشرط التحكيم في منازعات عقود استغلال النفط؛ هي تضمين الشرط بذاته أو باتفاق لاحق.

اتفاق التحكيم؛ هو الخيار الأنسب؛ لأنه يسمح لأطراف النزاع باختيار الأشخاص الذين ليست لهم صفة رسمية؛ ليحكموا ويفصلوا في نزاع قائم، أو محتمل الحدوث في المستقبل.

والتحكيم قد ينشأ بعقد خاص، ويسمى في هذه الحالة (عقد التحكيم)، وقد ينص عليه كشرط في العقد الذي ينظم العلاقة؛ ويحل أي خلاف قد ينشأ في العقد في المستقبل. ويسمى في هذه الحالة (شرط التحكيم). فالتحكيم هو الاتفاق على طرح النزاع على محكم أو أكثر؛ بشرط أن يكون عددهم لا يقل عن ثلاثة أشخاص؛ ليفصلوا فيه بدلا من المحكمة المختصة.

والاتفاق على التحكيم في نزاع معين؛ يسمى مشارطة التحكيم، ويسمى أيضا اتفاق التحكيم أو عقد التحكيم. ويعني الاتفاق على التحكيم في نزاع معين قائم بالفعل بين الخصوم. أي أنه عقد قائم بذاته.

ويلجأ أطراف العقد إلى التحكيم؛ حيث يتمتع بمزايا عديدة، من أهمها؛ المرونة والسرعة في الفصل في النزاع وقلة التكلفة المادية وتوفير التخصص المطلوب والسرية التامة. فضلا عن اختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع في التحكيم. كما أنه يكون وسيلة لجذب للاستثمارات الأجنبية، حيث يوفر الحماية والضمان لها مع الدول المضيفة.

ومن المعروف أن قطاع النفط في ليبيا، تقوم الدولة بإدارته بالكامل بشكل مباشر أو غير مباشر، عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط. وهي الجهة المخولة بإبرام عقود النفط، فقد نظم المشرع الليبي؛ موضوع التحكيم في عقود النفط، واعتبره إلزاميا بشأن تسوية المنازعات النفطية، بموجب القانون رقم (25) لسنة 1955 م، وقررت المادة (1/20) منه، أن: “تجري تسوية كل نزاع ينشأ بين وزارة النفط وبين صاحب العقد الممنوح؛ وفقا لأحكام هذا القانون، عن طريق التحكيم، وذلك على الوجه المبين في الملحق الثاني لهذا القانون”.

Summary of Article

Arbitration provides an environment conducive to the extraterritorial activities of foreign companies so that oil companies can avoid being subject to the international or national jurisdiction of any other country. The arbitration system overcomes the flaws of the various legal systems, both internationally or domestically.

The general wording of the clause for arbitration of oil exploitation contact disputes is to include the clause itself or a subsequent agreement.

An arbitration agreement is the most appropriate option because it allows the parties to the dispute to choose persons who do not have an official status to adjudicate and decide on an existing or potential future dispute.

Arbitration can be established by a private contract in which case it is called        (Arbitration Contract), which may be stated as a clause in the contract governing the relationship. It resolves any dispute that may arise in the future contract. In this case, it is called an arbitration clause. Arbitration is the agreement to submit the dispute to one or more arbitrators provided that they are not less than three persons in number to be adjudicated in stead of the competent court.

An agreement to arbitrate a particular dispute is called an arbitration party; it is also called an arbitration agreement or contract. It means that it agrees to arbitrate a particular dispute that already exists between the adversaries that is a contract by itself.

The parties to the contract resort to arbitration which has many advantages, the most important of which are delay, speed in adjudicating the dispute, low cost, specialization and strict confidentiality as well as the choice of law applicable to the subject-matter of the dispute in the arbitration. It also serves as a means of attracting foreign investment, providing protection and guarantee with host countries.

The oil sector in Libya is known to be managed entirely by the state, directly or indirectly, through the National Petroleum Corporation. The Libyan legislator regulated the arbitration of oil contracts, making it compulsory to settle oil disputes under Act No 25 of 1955. Article (1/20) states that “ Any dispute between the Ministry of Oil and the contract holder awarded in accordance with the provisions of this Law shall be settled by arbitration in the manner set out in Annex II to this Law.”

مقدمة:

من المسلم به؛ أن الهدف من العقود التي يتم إبرامها بين الدول المنتجة للنفط؛ والشركات الأجنبية المتخصصة في مجال الطاقة والمحروقات؛ هو استثمار هذه الموارد الطاقية الطبيعية وعلى رأسها “النفط”؛ بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية للدول المنتجة له. في المقابل؛ تهدف الشركات الأجنبية من وراء هذه العقود؛ إلى تحقيق مكاسب مادية وعائدات مالية ضخمة. وبالتالي؛ تنص هذه العقود على إبراز أدق التفاصيل؛ صيانة لحقوق وواجبات كلا المتعاقدين. إلا أنه في كثير من الأحيان؛ تعتري هذه العقود نواقص جمة وهفوات كثيرة في الديباجة. ما يؤدي إلى إخلال أحد الأطراف بالتزاماته قصدا أو عن غير قصد. وبالتالي؛ حدوث تنازع بين طرفي أو أطراف هذا العقد. الشيء الذي يستدعي توظيف وسائل وبدائل لفض هذه المنازعات، من قبيل: (التفاوض، الوساطة، التوفيق، والتحكيم) ([1]). إلا أن التحكيم؛ هو أهم تلك الوسائل، والذي تلجأ إليه الأطراف عادة في حالة فشل الوسائل الأخرى في فض المنازعات القائمة. وخاصة في عقود الاستثمارات النفطية. حيث تستغرق هذه العقود فترة زمنية طويلة، تتغير خلالها ظروف ومعطيات الاستثمار من النواحي الاقتصادية والسياسية. ما يترتب عنه أبلغ الأثر على التزامات الأطراف في تلك العقود.

وفي هذه الحالة؛ قد يقوم الأطراف بإعادة التفاوض لتعديل شروط العقد المبرم بينهم، مع إبقاء الاستثمار قائما وسائر المفعول. على أن هذه المفاوضات قد تفشل في أحيان كثيرة، ما يحتم الالتجاء إلى أسلوب آخر لحل الخلاف بين أطراف العقد ([2]). وكثيرا ما يتم اللجوء إلى التحكيم بوصفه وسيلة سلمية لفض المنازعات الاستثمارية النفطية بين الدولة المنتجة للنفط-أو أحد شخصياتها الاعتبارية -وبين المستثمر الأجنبي –الشركات النفطية الأجنبية –وعادة ما تكون هذه الأخيرة؛ الطرف الأول المتقدم بطلب التحكيم؛ والمتفق عليه في العقد المبرم بينها وبين الدولة؛ أو ممثلها في إبرام تلك العقود.

حيث نجد أن الطرف الأجنبي؛ غالبا ما ينظر إلى التحكيم بوصفه الوسيلة الأمثل؛ بل الوحيدة المتاحة لتسوية وفض المنازعات التي تنشأ بينه وبين الدولة المنتجة (المتعاقدة). ويعود السبب في ذلك إلى الانتقادات الكثيرة الموجهة إلى طرق التسوية الأخرى؛ مثل ضعف ثقة الشركات الأجنبية في القضاء الداخلي للدولة المنتجة؛ واستحالة ظهور الشخص المعني بصفته الشخصية أمام المحاكم القضائية الدولية. في حين؛ نجد في الجانب الآخر الكثير من المزايا التي يحظى بها التحكيم؛ ودوره الفعال في تسوية المنازعات الناشئة عن عقود النفط وغيرها. وكذلك تلافيه لغالبية الانتقادات الموجهة إلى الطرق الأخرى.

مما دفع إلى اقتناع عدد كبير من الدول بجدوى وفعالية اللجوء إلى التحكيم؛ باعتباره وسيلة بديلة لفض المنازعات الاستثمارية. إذ يساهم ذلك في تدفق الاستثمارات الأجنبية؛ وتزايد اتفاقيات التنمية الاقتصادية والتوسيع في حجم المبادلات التجارية الدولية. وبالنظر إلى الاتفاقيات النفطية؛ وخصوصا في الدول العربية، نجد أنها تتسم بظاهرة مشتركة؛ تتمثل في الأخذ بنظام التحكيم كإجراء لتسوية المنازعات التي قد تحدث بين الدولة المنتجة للنفط والشركة الأجنبية. وذلك بنص صريح في الاتفاقيات.

وقد لاقى هذا الأمر؛ استحسانا من قبل الأوساط الدولية، وهذا ما تبنته المنظمات الدولية مثل منظمة (الأوبك) ودعت إلى الأخذ به لمزاياه العديدة؛ ومرونة إجراءاته؛ واختصاره للوقت والتكلفة المادية.

ومن هذا المنطلق، وبغية بيان المبادئ العامة حول التحكيم ودوره الفعال في تسوية منازعات عقود النفط وكيفية تطبيقه.

سوف نركز في هذه الدراسة على التحكيم؛ باعتباره وسيلة من الوسائل التي يتم تبنيها في عقود النفط كجهة مختصة في تسوية المنازعات التي قد تنشأ بهذا الشأن.

وعليه ،،، نقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة مطالب:

·       المطلب الأول: تسليط الضوء على المبادئ العامة للتحكيم.

·       المطلب الثاني: التنظيم التشريعي للتحكيم في ليبيا (نموذجا)

·       المطلب الثالث: تطبيقات على أحكام التحكيم التي تم تنفيذها.

المطلب الأول: المبادئ العامة للتحكيم (مفهومه وصوره)

يعتبر التحكيم من أفضل الوسائل القانونية لحسم المنازعات الناشئة عن عقود النفط، وذلك لتشعب المصالح المقترنة بالمصالح العليا للدولة؛ المنتجة منها والمستهلكة على السواء. إذ يصعب من الناحية العلمية؛ قبول فكرة الاختصاص القضائي للهيأت القضائية التي يتبناها أطراف العقد، ما يجعل التحكيم نظاما مثاليا لتسوية هذه المنازعات.

ويعتبر نظام التحكيم في عقود النفط؛ من الشروط الاستثنائية غير المعمول بها في العقود العادية. حيث اقترن شرط التحكيم بكافة العقود النفطية المبرمة في عموم الشرق الأوسط. بل في كافة دول العالم؛ باعتباره أفضل الوسائل القانونية الملائمة لتسوية منازعات الاستثمار النفطي ([3]).

ويعرف التحكيم بأنه: “وسيلة بديلة عن قضاء الدولة، يؤسس على رضاء الأطراف، ويعهد بمقتضاه إلى شخص خاص أو أكثر؛ هو المحكم بمهمة الفصل في المنازعات بمقتضي قرار قيمته القضائية” ([4]).

وعرفه البعض بأنه: “اتفاق على طرح نزاع على شخص معين أو أشخاص معينين؛ ليفصلوا فيه دون اللجوء إلى المحكمة المختصة به ([5])، وهو؛ “وسيلة حل المنازعات، ويحل المحكم محل القاضي لتحقيق الحماية للحق المتنازع بشأنه”.

كما عرفته المادة (27) من اتفاقية “لاهاي” الأولى والمعقودة في 18 أكتوبر سنة 1907 م، بشأن التسوية السلمية للمنازعات الدولية من أن: “التحكيم الدولي يرمي إلى تسوية المنازعات بين الدول، بواسطة قضاة تختارهم، وعلى أساس من القانون” ([6]).

وقد حظي موضوع التحكيم باهتمام بالغ على كافة المستويات، فعلى المستوى الدولي، تم إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة به. ففي ظل عصبة الأمم، تم إبرام بروتوكول جنيف في 24/ سبتمبر/ عام 1923 م، بشأن الاعتراف بصحة شروط التحكيم، كما تم إبرام اتفاقية جنيف في عام 26/ ديسمبر عام 1927 م، بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، وفي إطار منظمة الأمم المتحدة، تم إبرام اتفاقية نيويورك في 10/ يونيو/ عام 1958 م، بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها. هذا؛ وقد كانت هناك محا ولات عربية لخلق هيأة تتولى مهمة التحكيم في المنازعات التجارية والصناعية. ومن ذلك برتوكول الهيأة القضائية لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط ([7])، وكذلك اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري ([8]).

يتضح لنا من خلال ذلك؛ أن للتحكيم بشكل عام خصائص معينة يمكن إيجازها فيما يأتي:

–      أنه طريقة تبدأ باتفاق الطرفين لفض منازعات قائمة أو محتملة الوقوع بينهما.

–      الاتفاق على التحكيم؛ قد يكون عند إبرام العقد ويأتي كشرط فيه؛ ويسمي شرط التحكيم، أو يكون عند وقوع النزاع بين الطرفين؛ ويأتي بصورة اتفاق مستقل، ويسمى حينئذ مشارطة التحكيم.

–      يتفق الأطراف على منح المحكم سلطة إصدار حكم ملزم لحسم النزاع القائم بينهم.

أولا: صور اتفاق التحكيم: يأخذ اتفاق التحكيم صورتين:

1.   شرط التحكيم: وهو “اتفاق بين طرفين يقضي بإحالة ما قد ينشأ بينهما من نزاع بشأن علاقة قانونية معينة، على التحكيم للفصل فيه” ([9]). ويرد عادة شرط التحكيم كبند أو قاعدة أو نص في العقد الأصلي. مصدر الرابطة القانونية بين الطرفين، سواء كان هذا العقد مدنيا أو تجاريا أو إداريا. ويتفق الطرفان بموجب هذا الشرط أو البند، على حسم ما ينشأ بينهم من نزاع مستقبلا حول تفسير العقد أو تنفيذه بواسطة التحكيم.

يثار التساؤل هنا بخصوص العقد، الذي لا يضمن شرط التحكيم، وأثناء تنفيذ العقد يرغب طرفا العقد في الاتفاق على التحكيم، ولم يكن ثمة نزاع قد ثار في ذلك الوقت، فهل يكون هذا الاتفاق شرطا أو مشارطة للتحكيم؟

للإجابة على هذا التساؤل: إن مثل هذا الاتفاق؛ هو شرط التحكيم، ويتم إعداده في ملحق العقد الأصلي. ويكون على صورة بند أو مادة في ملحق العقد الأصلي. ولا يوجد ما يمنع من ورد شرط التحكيم في اتفاق مستقل ولاحق. بشرط؛ أن يتم ذلك قبل نشوء النزاع، لكي يعهد شرطا للتحكيم. وقد يتفق الأطراف بموجب هذا الشرط على إحالة كافة المنازعات التي تثار بينهم على التحكيم، وهو ما يعرف بـ “شرط التحكيم العام”. وقد يتم الاتفاق على اللجوء للتحكيم بخصوص مسائل محددة، وهو ما يعرف بـ “شرط التحكيم الخاص”. وقد يقتصر مضمون شرط التحكيم على اتجاه الأطراف إلى اخذ بنظام التحكيم؛ كوسيلة لحسم المنازعات التي تنشأ بينهم.

2.   مشارطة التحكيم:

تعد مشارطة التحكيم، بمثابة “اتفاق الذي يتم إبرامه بين طرفي العقد بشكل منفصل عن العقد الأصلي. وذلك بغية اللجوء إلى التحكيم حول نزاع قائم بينهما”.

وقد عرفها المشرع الفرنسي في المادة (2/1442) من قانون المرافعات الجديد لسنة 2011 م، بقوله: “مشارطة التحكيم هي اتفاق بمقتضاه يلتزم أطراف منازعة وقعت بإخضاعها للتحكيم، ومشارطة التحكيم تكون دائما لاحقة على نشوء النزاع، فنشأة النزاع مفترض ضروري، لصحة مشارطة التحكيم، ولا يكفي لنشأة النزاع؛ مجرد الاعتراض أو عدم الاتفاق، وإنما يجب أن يكون هناك اختلاف بين الأطراف، يظهر في صورة ادعاءات محددة، بحيث يتم إسناد مهمة التحكيم لمحكمين، حتى يقوموا بالفصل في النقاط المتنازع عليها بين الطرفين. ويتم الاتفاق على كل ذلك في مشارطة التحكيم.

ويمكن إبرام مشارطة التحكيم دون أن يسبقها شرط التحكيم، كما يجوز إبرامها في ظل وجود شرط التحكيم. ولا يؤدي ذلك إلى إلغاء شرط التحكيم. إلا إذا اتفق الأطراف على خلاف ذلك.

ووفقا للقانون الليبي، فإنه يجوز للمتعاقدين الاتفاق على اللجوء للتحكيم، ويجوز أن يكون هذا الاتفاق في صورة بند يتضمنه العقد الأصلي، قبل نشوء النزاع، أو في مشارطة التحكيم. لقد فهرق المشرع بين شرط ومشارطة التحكيم، عندما نص على أنه: “يجب أن يحدد موضوع النزاع في مشارطة التحكيم أو أثناء المرافعة”، فلم يعد شرط التحكيم أسير تحديد الموضوع، الذي يجعله باطلا، عندما لا يتم تحديد موضوع التحكيم أثناء المرافعة؛ أي؛ بعد وقوع النزاع فعلا. ويمكن تحديد موضوع التحكيم أثناء المرافعة، أي بعد وقوع النزاع فعلا. ويبقي شرط التحكيم صحيحا، ولو خلا من تحديد الموضوع، ولكن؛ بشرط تحديد الموضوع أثناء المرافعة. كما أنا المشرع لم يوجب ذكر أسماء المحكمين في شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم. وأجاز تدخل المحكمة لتعيين المحكمين، إذا تخلى الأطراف عن ذلك. ولكنه أوجب ذكر أسماء المحكمين المفوضين بالصلح في مشارطة التحكيم، أو في عقد سابق لها.

كما قرر المشرع الليبي بعض الشروط اللازمة، لصحة شرط التحكيم، وضمان سلامة التراضي، بحيث لا يتم إقحام هذا الشرط في العقد دون أن يكون أحد الطرفين متنبها له. لأن التحكيم وسيلة استثنائية لحسم المنازعات. وقد قرر وجوب كتابة شرط التحكيم ورتب البطلان على مخالفة ذلك. ومن وجهة نظرنا بخصوص شرط كتابة التحكيم في العقد المبرم بين الأطراف، ليس الغرض الإثبات فقط، لأن شرط التحكيم يعد من الشروط الخاصة والأساسية في العقد؛ وأيضا يعد شرطا لصحة اتفاق التحكيم؛ الذي يأتي على شكل بند من بنود العقود باعتباره عقدا داخل العقد الأصلي. ونصت المادة (150) من القانون المدني الليبي التي تضمن حقوقا معينة، وذات أهمية كبرى، أنه من المنطقي أن تكون هذه البنود موضع عناية خاصة عند إبرام العقد. كما نصت المادة (742) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الليبي؛ على أن مشارطة التحكيم لا تثبت إلا بالكتابة، ويعد شرط الكتابة من شروط صحة اتفاق التحكيم نفسه. وليس مجرد وسيلة للإثبات.

ووفقا لقانون النفط الليبي رقم 25 لسنة 1955 م، نصت المادة (الثامنة والعشرون) الفقرة (الثانية) من نموذج عقد الامتياز “التي تنص على أن يبدأ التحكيم عند تسليم أحد الطرفي لأن طلبا مكتوبا من الطرف الآخر؛ يتضمن هذا الطلب بأن امر الذي يطلب التحكيم من أجله واسم الحكم المعين من طالب التحكيم.

ووفقا لهذا النص يعتبر اتفاق التحكيم يقع صحيحا متى استندا إلى شكل كتابي يشير إلى اتجاه إرادة الطرفين إلى تسوية النزاع تحكيما.

ثانيا: أسباب اللجوء إلى التحكيم

يعد التحكيم بصفة عامة من أهم طرق فض المنازعات سواء على المستوى المحلي أو الدولي وذلك لما يتميز به من مزايا عديدة، حيث أنه يسمح لأطراف النزاع بتصميم ووضع إجراءات التسوية بما يناسبهم، فضلا عن اختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع في التحكيم، ومن مميزات التحكيم سرعة الفصل في النزاعات المطروحة، فالتحكيم يوفر للمتعاقدين السرعة الملائمة لطبيعة النشاط التجاري، في مهلة زمنية محددة قد يتفق عليها أطراف تلك العلاقة، والعلاقة التجارية تتطلب السرعة في جميع جوانبها، سواء بتنفيذ تلك العلاقات أم لحسم النزاعات الناشئة عنها وتبقي المدة المتطلبة لصدور حكم تحكيمي قابل للتنفيذ أقل مبدئيا من تلك المدة المتطلبة لصدور حكم قضائي نهائي، ولهذا فأن التحكيم يمكن اطراف من تسوية نزاعهم بطريقة سريعة وفعالة، ويمثل اقتصاد في الوقت والجهد والمصروفات وهو ما يجعل التحكيم يتميز عن قضاء الدولة الذي تتسم إجراءاته في الغالب بالبطء والتعقيد، كما أنه يكون وسيلة جذب للاستثمارات الأجنبية، خصوصا فيما يتعلق بعقود التنمية الاقتصادية ذات الطابع التجاري الدولي، حيث أنه يوفر الحماية والضمان للشركات الأجنبية المتعاقدة مع الدول المضيفة كعقود النفط مثلا، حيث أن الشركة الأجنبية تفضل ذلك هروبا من الوقوع تحت طائلة القانون الوطني للدولة المنتجة للنفط المتعاقدة معها، لذا يعتبر النص على التحكيم كوسيلة لحل المنازعات التي تثيرها تلك العقود نصا شائعا، إذ غالبا ما يكون مفروضا في مثل هذه العقود، ويتميز التحكيم بالسرية التامة التي لا تتوفر في القضاء العادي، وهي تعتبر ميزة للتحكيم قياسا على قضاء عادي تسود أعماله قواعد العلنية، وهي سرية هامة بالنسبة لشركات تحرص على المحافظة على أسرارها التجارية والمهنية والعقود التي تبرمها بل تفضل خسارة دعوى عن الكشف عن هذه الأسرار.

ولا شك أن التحكيم أصبح في الوقت الراهن من أكثر وسائل فض المنازعات استخداما بالرغم من بعض العيوب التي تشوبه، حيث إنه يستجيب لمتطلبات الحياة المعاصرة ويساير التطورات الهائلة في مجال التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية، فالدول المتقدمة أصبحت تقيس مناخ الاستثمار في الدول النامية بمدى تطور نظام التحكيم فيها، فإذا كانت تلك الأنظمة التحكيمية متطورة ومسايرة لأداق النظم والمعاهدات الدولية؛ فإنه يحق هنا وصف تلك الدول بأنها دول مرحبة وجالبة للاستثمار الأجنبي والعكس صحيح ([10]).

وقد ثار خلاف حول مدى اعتبار التحكيم في عقود النفط من قبيل التحكيم الدولي العام أو الداخلي أو الدولي الخاص، وانتهت محصلة هذا الخلاف إلى أن تحكيم عقود النفط يختص بتسوية منازعات ناشئة عن علاقة تتعلق بمصالح التجارة الدولية، أي أنه تحكيم دولي يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص ([11])، حيث إنه يخضع لقواعد القانون الدولي الخاص المتعلقة بالتحكيم سواء القواعد الموضوعية أو قواعد تنازع القوانين.

هذا؛ وقد ثار خلاف ما بين مؤيد ومعارض لوجود شرط التحكيم في عقود النفط، فالمؤيد يرى أن التحكيم مناسب وملائم أكثر من القضاء لتسوية المنازعات بين الدول المضيفة والشركات الأجنبية؛ نظرا لمقتضيات التجارة الدولية. واستند مؤيدي هذا الاتجاه إلى مبدأ سلطان الإرادة، كما أن حكم التحكيم وعدم قابليته للطعن؛ قد يوفر الوقت والتكاليف المادية، يضاف إلى ذلك أن شرط التحكيم في عقود النفط يشجع الشركات الأجنبية على الاستثمار في البلد المنتج للنفط لإحساسها بالأمان.

وفي المقابل؛ ذهب أصحاب الراي المعارض للتحكيم ([12])، إلى القول بأن ما ساقه أصحاب الرأي المؤيد؛ ليس دليلا كافيا على قبول التحكيم. واستندوا في ذلك إلى فكرة السيادة الخاصة بالدولة، والتي قد تتأثر باللجوء إلى التحكيم. حيث إن القضاء الداخلي مظهر من مظاهر سيادة الدولة وأحد السلطات الثلاث فيها، وبالتالي؛ فإن سيادة الدولة غير قابلة للتصرف فيها. فلا يجوز للدولة أن تتنازل عن مقومات سيادتها كليا أو جزئيا لجهة قانونية لأي سبب كان.

ونرى أن الرأي الأول؛ المؤيد للتحكيم، هو الرأي الأرجح. لأن الحجج التي ساقها مؤيدو هذا الرأي قوية ومقنعة، وتتماش ي مع طبيعة عقود النفط.

·       المطلب الثاني: التنظيم التشريعي للتحكيم في ليبيا (نموذجا)

اتخذ إنكار الدولة لـ “شرط التحكيم” اتجاهين في تحرير عقود النفط، الاتجاه الأول؛ كان بسبب ما عانته الدول الساعية للتنمية مما تعتبره حيف وظلم التحكيم الدولي؛ المتحيز لصالح الشركات الأجنبية. والاتجاه الثاني؛ تعارض شرط التحكيم نفسه مع القوانين الوطنية للدولة المتعاقدة؛ خاصة الدول التي تعمل بنظام القضاء المزدوج مثل؛ فرنسا، ليبيا ومصر. إلا أنه في السنوات الأخيرة؛ اتجهت جل الدول للاعتراف بالتحكيم في مجال العقود النفطية بنصوص تشريعية. وسوف نتناول في هذا المطلب التنظيم التشريعي للتحكيم في ليبيا.

لقد كان الوضع في ليبيا أشد تعقيدا مما هو عليه الحال في مصر. ففي مرحلة ما قبل سنة 1969 م، أي قبل ثورة سبتمبر، لم يكن هناك حظر على الدولة وهيآتها العامة في اللجوء إلى التحكيم. فقد نص قانون النفط الليبي رقم 25 لسنة 1955 م، في الفقرة الأولى من مادته (العشرون) على أنه: “تجري تسوية كل نزاع ينشأ بين وزارة النفط وبين صاحب العقد الممنوح؛ وفقا لأحكام هذا القانون، عن طريق التحكيم. وذلك على الوجه المبين في الملحق الثاني لهذا القانون”.

ألا أن ما بعد مرحلة 1969 م، اتخذت ليبيا موقفا عدائيا من التحكيم، وأصدرت عدة تشريعات أبطلت هذا الشرط في عقود الدولة الإدارية ([13])، مثل: قانون رقم 76 لسنة 1970 ([14])، بشأن مسألة تسوية المنازعات الناشئة عن عقود الإدارة العامة، حيث نصت المادة الأولى منه على: “يعد باطلا كل عقد يبرم بواسطة الوزارات والإدارات والمؤسسات والهيآت وينص على تسوية المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن العقد بطريقة التحكيم…”.

ثم أجري استثناء على القانون رقم (واحد) لسنة 1971 م، والذي سمح من خلال مادته (الأولى) “لمجلس الوزراء أن يستثني بعض العقود من نص المادة بالقانون رقم (76) لسنة 1970 م. ثم صدر قانون رقم (88) لسنة 1971 م، بإنشاء غرفة القضاء الإداري في كل محكمة استئناف لكي تفصل في العقود الإدارية، ثم صدر القانون رقم 149 لسنة 1972 م، والذي نصت مادته الوحيدة على “التنازل نهائيا عن فكرة حظر اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية”.

واعتبارا من 6/6/1980 م، أصدرت اللجنة الشعبية العامة “مجلس الوزراء” مرسوما بإعادة تنظيم العقود الإدارية، اقتصرت مادة منه في منازعات العقود الإدارية على القضاء الليبي، واستثنت من ذلك؛ العقود المبرمة مع الشركاتوالمؤسسات الأجنبية، وكل ما يمكن إدراجه ضمن حالة الضرورة ([15]).

وكان آخر تعديلاتها في 17/5/2000 م، والذي اعتبرت فيه بصفة أساسية أن: “القضاء الليبي هو المختص في النظر في المنازعات التي تنشأ عن العقود الإدارية التي تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها، إلا أنه في حالة الضرورة وفي حالة التعاقد مع جهات غير وطنية، يجوز للجنة الشعبية العامة “رئاسة الوزراء” اللجوء إلى التحكيم لحل المنازعات”.

وعلى هذه التعديلات؛ فقد منح المشرع الليبي للدولة والأشخاص (المعنوية العامة)، أهلية إبرام اتفاقيات التحكيم، ولكنه ضيق نطاقها، بوضعه شروطا عليها، حيث منحها هذه الأهلية في حالات التحكيم الدولي فقط، بشرط؛ أن يتم الاتفاق (على التحكيم) في حالات الضرورة، وأن يكون في صورة مشارطة تحكيم خاصة، وعدم جواز إدراج شرط التحكيم في تلك العقود. واشترط كذلك؛ ضرورة الحصول على موافقة (مجلس الوزراء) قبل إبرام اتفاق التحكيم. كما قرر بعض الشروط الأخرى المتعلقة بضمان تكافؤ الفرص بالنسبة للدولة، وذلك فيما يتعلق باختيار المحكمين. وألا يتم الاتفاق على تعيين محكم فرد، وهو ما جعل التحكيم في العقود الإدارية يخضع لمسطرة خاصة واستثنائية، يتم اللجوء إليه في حالة الضرورة، وبالشروط المقررة في القانون.

ومن المعروف أن قطاع النفط في ليبيا، تقوم الدولة بإدارته كاملا؛ بشكل مباشر وغير مباشر؛ عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط، والشركات العامة الموكلة لها ([16]). وهي الجهة المخ هولة بإبرام عقود النفط، فقد نظم المشرع الليبي موضوع التحكيم في عقود النفط، واعتبره إلزاميا بشأن تسوية المنازعات النفطية، بموجب القانون رقم (25) لسنة 1955م، وقررت المادة (1/20) منه، أن: “تجري تسوية كل نزاع ينشأ بين وزارة النفط وبين صاحب العقد الممنوح وفقا لأحكام هذا القانون؛ عن طريق التحكيم، وذلك على الوجه المبين في الملحق الثاني لهذا القانون”. ويبين هذا النص؛ أن المشرع قد قرر أهلية الدولة والمؤسسات العامة؛ لإبرام اتفاق التحكيم في مجال عقود النفط مع الأشخاص والجهات الأجنبية بشكل خاص. وهذه العقود؛ عادة ما تكون بين المؤسسة الوطنية للنفط كطرف أول؛ والشركات الأجنبية النفطية الخاصة كطرف ثاني.

وعلى الرغم من إتاحة هذا البند؛ يمكن لجوء الشركات الأجنبية النفطية الممثلة في العقد؛ إلى التحكيم باعتباره من المزايا المقررة لصالح هذه الشركات. إلا أن هذه الأخيرة؛ لم تستعمل حقها في ذلك إلا في فترة السبعينيات؛ وتحديدا بعد أن تبنت الدولة الليبية بعد عام 1969، مجموعة من السياسات لفرض بسط سيادتها على قطاع النفط. باعتباره أهم مصدر للدخل في البلاد، خاصة وأن الامتيازات التي كانت تمنح لهذه الشركات إبان الحكم الملكي؛ لم تعد تتناسب ووضع ليبيا على خارطة النفط العالمية (الأوبك) ([17]).

ومن أبرز هذه السياسات التي قامت بها الدولة الليبية بعد ثورة 1969 م، سياسة التأميم بنوعيه، الجزئي والكلي، وذلك بموجب قوانين.

أولا: التأميم الجزئي: أول تأميم قامت به الدولة الليبية سنة 1972 م، بدأت الدولة الليبية بالتفاوض مع شركة “أيني الإيطالية”، وهي شركة حكومية إيطالية تمتلك شركتين آنذاك في ليبيا وهما؛ “أجيب وكوري” من خلال عقدين للامتياز؛ رقم (82) و(100). ولم يدخل العقد رقم (82) في مراحل الإنتاج؛ إلا عام 1972 م، ولكن الشركة قامت بحفر 47 بئرا استكشافيا وتطويريا؛ وأربعة آبار منتجة. وكانت تسوية التعويض وفقا للقانون رقم (131) لسنة 1972م، الذي ينص على دفع قيمة 50% من قيمة المصروفات للامتياز رقم (82)؛ والبالغة 26 مليون دينار ليبي تقريبا؛ يتم استهلاكها لمدة 15 سنة، وهذا ما جنب الدولة الليبية تسديد المبلغ دفعة واحدة؛ بل تم تسديده على أقساط وعلى فترة زمنية طويلة، وكان لذلك ميزة تفاوضية؛ ساعدت الدولة في تحقيق خطط التحول الثنائية والثلاثية الاقتصادية في تلك الفترة، بغض النظر عن مخالفة ذلك لنص المادة رقم (14) من قانون النفط، التي تقضي باستهلاك الأصول على فترة 20 سنة.

أما العقد رقم (100) حقل أبو الطفل؛ فقد كان اكتشافا تجاريا بمعدل 270.000 ألف برميل يوميا تقريبا، وبلغ التعويض نصف المبلغ الكلي؛ أي 41 مليون دينار ليبي، حيث وافقت شركة “أيني الإيطالية” على دفع نصف هذا المبلغ على خمسة أقساط شهرية سنوية، وبفائدة تقدر بـ 3%.

وكان لذلك نتيجة تفاوضية واقتصادية مقبولة للجانب الليبي؛ وذلك من خلال تحمله لأقل التكاليف، مع الاستثناء الكامل لأي مبالغ إضافية كانت تطالب بها “أيني” عن الاحتياطات من النفط والغاز، وقد أدى نجاح المفاوض الليبي في رفض طلب “أيني” بتعويضه على أسس الاحتياطيات الهائلة؛ إلى إغلاق الطريق أمام الشركات الأخرى المطالبة بتعويضات مالية طائلة.

وكانت الدولة الليبية قد طالبت خلال مفاوضات التأميم؛ كافة شركات النفط العاملة على أراضيها أن تتبنى المشاركة؛ أسوة “بإيني” الإيطالية، وأن تحسب حصة فورية للدولة تصل تتراوح ما بين 50 و51%، وأن تقبل الشركات النفطية؛ التعويض على أساس القيمة الصافية للأصول، وأن يكون سعر الشراء لما تم بيعه سابقا؛ وسطا بين تكلفة ما بعد دفع الضريبة وبين السعر المعلن؛ مطروحا منه قيمة العمولة.

ثانيا: التأميم الكلي:([18])، كانت تلك من أصعب مراحل وقرارات التأميم في ليبيا. حيث عملت الدولة على “التأميم الكلي لشركة B.P” البريطانية؛ والمستثمر الأمريكي “نلسون بنكرهت” الشريكين في عقد الامتياز النفطي رقم 65 حقل السرير، الذي يبلغ إنتاجه في تلك الفترة 440.000 برميل يوميا (تقريبا) وبتدفق طبيعي”.

تم تأميم شركة (B.P) وإنشاء بدلا عنها؛ شركة الخليج العربية للاستكشاف بقانون رقم (115) بتاريخ 7 ديسمبر سنة 1971م، وتم تأميم حقوق “نلسون بنكرهت” بقانون رقم (42) بتاريخ 11/ يونيو 1973.

وبذلك؛ تنتقل إلى الدولة؛ ملكية الحقول بموجب قانوني التأمين السابقين؛ جميع أموال وحقوق وموجودات الشريكتين المتعلقة بعقد الامتياز رقم (65) ويشمل ذلك على وجه الخصوص منشآت ومرافق الاستطلاع والحفر واستخراج النفط الخام، والغاز الطبيعي ومشتقاته، والنقل والتصدير والتخزين، بما في ذلك؛ الآبار وحقول الإنتاج المشترك، وغيرها من الموجودات والممتلكات والحقوق.

وقد تم إصدار قانون رقم (102) لسنة 1974 بالموافقة على تعويض شركة (B.P) بمبلغ قدره 22 مليون دينار ليبي؛ مقابل جميع الأموال والحقوق والموجودات والحصص وغيرها من المنشأة والمرافق والوسائل؛ أهيا كان نوعها والخاضعة لتأميم نشاطها بعقد الامتياز النفطي رقم (65)، أو إلغاء أو التنازل عن جميع عقود النفط الـأخرى. وبقبول ذلك التعويض؛ سقطت كافة القضايا التي رفعتها شركة B.P أمام المحاكم الإيطالية والسويدية.

كذلك؛ القانون رقم (42) لسنة 1973 م، الذي ضمن لـ “نلسون بنكرهنت” حقوق التعويض على كامل الأصول والموجودات، والقانون رقم (58) لسنة 1975 م، ليؤكد على حق تعويض “نلسون بنكرهنت” على جميع نشاطاته النفطية داخل الدولة الليبية، حيث تمت الموافقة على تعويضه بمبلغ وقدره 55 مليون دينار ليبي؛ مقابل جميع الحقوق والموجودات والحصص وغيرها من المنشآت والمرافق.

المطلب الثالث: تطبيقات أحكام التحكيم في منازعات النفط

يكشف واقع المنازعات؛ أن جميع الدعاوى تقريبا؛ تم رفعها من جانب الأطراف الأجنبية ضد الدول المضيفة للاستثمار. خاصة؛ وأن أغالبها دول نامية. مع تسجيل حالات محددة ضد دول متقدمة، مثل دعوى ضد أيسلندا عام 1983 م، وأخرى ضد نيوزيلاند عام 1987 م، وحالة ثالثة ضد الولايات المتحدة الأمريكية عام 1999 م.

ومعظم الدعاوى التي صدرت فيها أحكام، كانت ضد الدول المضيفة، باستثناء حالة واحدة، حيث رفعت دعوى واحدة من حكومة الإكوادور؛ ضد شركة بترول في نزاع حول عقد للكشف والاستغلال لآبار النفط، وصدر الحكم فيها بتاريخ 20/2/2004 م، لصالح الإكوادور ([19]).

ولعل من أهم المنازعات الحديثة التي تمحورت حول ثروة النفط؛ هي المنازعات التي حدثت بعد تقسيم السودان إلى دولتين، ما نتج عنه إعادة ترسيم الحدود الشرقية والغربية لمنطقة “أبيى” المتنازع عليها، نظرا لغنى هذه المنطقة بالثروة النفطية، وهو ما سوف نتناوله باختصار فيما يلي:

·       النفط ومنازعات تقسيم السودان:

·       النزاع على منطقة “ابيى”:

عقب إعلان انفصال دولة جنوب السودان المستقلة في يوليو سنة 2011 م، وقعت مواجهات على الحدود، حيث تركز الصراع في ولاية النيل الأزرق ومنطقة “إبيى” الغنية بالنفط، وقد امتد النزاع إلى ملف ليشمل رسوم عبور النفط الجنوبي للأراضي السودانية، والذي يمثل شريان الحياة الاقتصادية للبلدين الجارين المتنازعين.

فقد هددت حكومة الشمال؛ بمنع تصدير النفط الجنوبي عبر خطوط الشمال أو عبر الموانئ ([20])، ما لم يتم دفع تكاليف النقل، مما يعني أن حكومة شمال السودان؛ تهدف إلى الإبقاء على نصيبها في النفط المنتج من الجنوب، حيث تدرك حكومة الشمال عدم قدرة دولة الجنوب الاستغناء عن عوائد النفط، نها تشكل 98% من الإيرادات المالية للجنوب ([21]).

·       قضية التحكيم بإعادة ترسيم الحدود عام 2009 م

نظرا للصراع والنزاع بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان حول ترسيم حدود؛ والتي تضم الأراضي الغنية بالنفط في منطقة “أبيى” تق هرر اللجوء إلى التحكيم ([22]). حيث أصدرت محكمة للتحكيم الدائمة بـ “لاهاي” في 22 يوليو سنة 2009 م، حكما بإعادة ترسيم الحدود الشرقية والغربية لمنطقة “أبيى” المتنازع عليها بين دولتي السودان. وطالبت المحكمة بتنفيذ قرارها باعتباره غير قابل للطعن. حيث تم إدخال حقول النفط ضمن المنطقة الخاصة بالجنوب، وقد رفضت هيأة التحكيم هذا الحكم؛ بسبب وجود تجاوز جزئي في الحدود الشمالية ([23]).

الخاتمة:

أن مبررات اللجوء إلى التحكيم؛ هي المزايا الكثيرة التي يتمتع بها “التحكيم” في حسم النازعات الناجمة أساسا عن الطبيعة الخاصة طراف هذه العقود: الدولة من جهة والطرف الأجنبي من جهة أخرى. وعن محل هذه العقود، إذ عادة ما يتعلق الأمر بمشاريع عملاقة تستغرق سنوات عديدة للتنفيذ؛ وتكلف الملايين من الدولارات، ما يتطلب سرعة في الإجراءات، تكون غير متاحة عادة في النظم القضائية التقليدية؛ المقيدة ببعض النصوص الإجرائية التي تحول دون الفصل السريع في النزاع، وكذلك تحقيق السرية التي تحول دون المساس بالمراكز المالية والاقتصادية للأطراف المتنازعة. من خلال حجب نشر أحكام التحكيم، لتظل المعلومات المرتبطة بالعقد سرية تماما. كما يكفل التحكيم باعتباره قضاء متخصصا؛ الخبرة القانونية والفنية التي تحقق المستوى اعلى من الكفاءة العلمية والقانونية التي تشترط الأطراف المتنازعة؛ توفرها لدى المحكمين الذين يتم اختيارهم.

وأمام اختلاف المراكز القانونية لطرفي عقد الامتياز النفطي؛ يحرص الشخص الأجنبي على إدراج شرط التحكيم مخافة استعمال الدولة لسيادتها وسلطته. ناهيك عن عدم الثقة وانعدام المعرفة بمحاكم الدولة المتعاقدة، كما يعد إدراج شرط التحكيم؛ أهم ضمانة لتشجيع الاستثمار، سواء للدولة التي تمنح الامتياز للمستثمرين في قطاع النفط؛ أو المتعاقد القائم بهذا الاستثمار.

إن إشهار الدولة لخيار التحكيم والعمل به؛ هو بمثابة ضمانات للشركات الأجنبية ودعوة غير مباشرة لجلب واستقطاب المشاريع الاستثمارية الخارجية.


([1]) د. عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، منشورات دار النهضة العربية، سنة 2003، ص 9

([2]) د. جلال وفا محمدين، التحكيم بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة للاستثمار، دار الجامعة الجديدة، سنة 2001، ص 5.

([3]) د. محمد طلعت الغنيمي، شروط التحكيم في اتفاقيات البترول، بحث مقدم لمؤتمر البترول العربي الثالث، سنة 1961، ص 1 وما بعدها.

([4]) د. أحمد حلمي خليل هندي، عقود الامتياز البترولية وأسلوب حل منازعاتها، منشورات دار النشر الفتح – القاهرة، سنة 2013 م، ص 322.

([5]) د. فتحي والي، الوسيط في القضاء المدني، دار النشر النهضة العربية، القاهرة، سنة 2001، ص 1038.

([6]) أورده: أ. الشارف سعد سالم، المنازعات الناشئة عن استغلال الحقول النفطية المشتركة” دراسة قانونية تحليلية عن دور التحكيم الدولي”، رسالة ماجستير مقدمة لأكاديمية الدراسات العليا بليبيا، سنة 2014، ص 45.

([7]) وقعت ليبيا على هذه الاتفاقية، في 19/ يوليو/سنة 1978 م، الجريدة الرسمية (عدد 18-10-يونيو سنة 1979).

([8]) صدقت ليبيا على هذه الاتفاقية في 19/11/1987 م، (الجريد الرسمية العدد 29 بتاريخ 19/ 9/1988) وللوقوف على تفاصيل تلك الاتفاقية، راجع المؤلف د. أحمد عمر أبوزقية، أوراق في التحكيم، منشورات جامعة بنغازي ليبيا، جامعة قاريونس، سنة 2003، ص 144 وما بعدها.

([9]) د. مفتاح خليفة عبد الحميد، التشريعات التي تنظم النشاط النفطي في ليبيا، منشورات دار المطبوعات الجامعية، سنة 2015، ص 139.

([10]) د. عصام فرج الله محسن إبراهيم، الطبيعة القانونية للعقود الدولية للبترول، منشورات دار الفكر العربي -الإسكندرية، سنة 2017، 294.

([11]) د. سراج حسين أبوزيد، التحكيم في عقود البترول، دار النشر النهضة العربية، القاهرة، سنة 2010، ص 189.

([12]) د. محمد طلعت الغنيمي، شرط التحكيم في الامتيازات البترولية، بحث مقدم في مؤتمر البترول العربي الثالث –الإسكندرية سنة 1960 م، وكذلك د. أحمد أبو الوفا، التحكيم في عقود البترول في البلاد العربية، بحث مقدم في مؤتمر البترول العربي الرابع-بيروت-سنة 1963.

([13]) د. خالد الكاديكي، الواقع العملي للتحكيم الدولي في عقود الأشغال العامة، مجلد المحامي، 164، أكتوبر، سنة 1986 م، ص 6.

([14]) صدر في 14 يوليو سنة 1970 م، الجريدة الرسمية الليبية عدد 46، لسنة 1970.

([15]) قرار اللجنة الشعبية العامة “مجلس الوزراء” رقم 58 لسنة 1980، بشأن الاختصاص القضائي.

([16]) بعض من الشركات التي تتبع المؤسسة الوطنية للنفط بليبيا-شركة البريقة لتسويق النفط رقم 74 لسنة 197، شركة سرت للنفط رقم (1458) لسنة 1981 م، شركة البحر الأبيض المتوسط للخدمات النفطية المساهمة وشركة راس لانوف لتصنيع الغاز والمنشأة بقرار اللجنة الشعبية العامة (سابقا) رقم 137 لسنة 1983.

([17]) في الفترة ما بين 14 إلى 16/ 12/ 1989 م، أنعقد مؤتمر الأوبك في مدينة الدوحة بدولة قطر وقد كان أول اجتماع الأوبك يحضره وفد ليبي بعد عام 1969، وفيه لاحظ العالم قاطبة أن وضع ليبيا لم يعد ينحصر في إبداء موقفها على أوضاع مالية مفروضة على أثر المفاوضات مع الشركات العالمية، وإنما تغير الحال إزاء وجود نبرة جديدة متطورة أخذت في الاعتبار أن النفط قوة سياسية سليمة ما لم تستخدم بما يحقق منفعة للدولة الليبية المصدرة للنفط، فإنها سوف تنعكس بالضرر عليها سلبا.

راجع: أ. عمر محمد بن يونس، هيكلة التشريع النفطي الليبي، منشورات دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولي، سنة 2003، ص 55.

([18]) القانون رقم (42) لسنة 1972 م، بشأن استرداد حق الامتياز النفطي رقم (65).

([19]) د. عبد الله الاشعل، مصر ومنازعات التحكيم التجاري الدولي، دار النشر مؤسسة الطويجي للتجارة –القاهرة، سنة 2005/2004، ص 109.

([20]) تمسك حكومة شمال السودان بورقتين الأساسيتين هما: موائي التصدير الواقعة على البحر الأحمر، وخطوط الأنابيب التي تنقل نفط الجنوب إلى موانئ التصدير في الشمال. أورده د. أحمد حلمي خليل، عقود الامتياز البترولية وأسلوب حل منازعاتها، ص 705.

([21]) نظرا لأهمية النفط لحكومة شمال السودان، فقد أعلن الرئيس السوداني “عمر البشير” بأن بلاده أصبحت أقرب إلى الحرب منها إلى السلام مع جنوب السودان، واتهم الجنوب برغبتها في تدمير الشمال عبر إيقاف ضخ النفط عبر أراضيه.

([22]) يعتبر هذا التحكيم من الأحكام الحديثة التي صدرت حول تقسيم حدود المناطق المتنازع عليها بسبب النفط، حيث تعد منطقة “ابيى” غنية بالنفط، مما أدي إلى إثارة النزاع بين دولتي السودان، والتي كانت قبل ذلك دولة واحدة لا تتنازع على شي سواء وحدتها.

([23]) اتفق الطرفان على حل النزاع بينهما على منطقة ابيى عن طريق التحكيم الدولي، ويقتصر قرار محكمة لاهاي فقط على تقرير ترسيم حدود منطقة ابيى، أما تبعية المنطقة سواء للشمال أو للجنوب تم تعليقه على نتيجة استفتاء الأهالي المنطقة وفقا لاتفاق تيفاشا للسلام عام 2005 م، راجع في ذلك د. أحمد حلمي خليل هنيدي، عقود الامتياز البترولية وأسلوب حل منازعاتها، مرجع سابق، ص 706.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading