الأستاذ الدكتور: عمار بوضياف
كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة تبسة رئيس المجلس العلمي

 

مقدمة :

تتخذ منازعات التعمير في النظام القانوني الجزائري وفي النظام القضائي صورا وأشكالا كثيرة لعل أهمها منازعات رخصة البناء ومنازعات الهدم. لما لها من إنشار واسع على مستوى الجهات القضائية. وتعود أهمية هذا النوع من المنازعات تحديدا كون أن النزاع من جهة ينصب علي عقار، والعقار يحتل مكانة مرموقة لدى الأفراد، ومن جهة أخرى يتعلق النزاع بحق الملكية، وحق المالك في أن يقيم ما شاء من إنجازات ومشاريع فوق ملكه. وحق الملكية مصون بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومصون بموجب أحكام دستورية وقانونية.

ومن هنا نطرح الإشكالية التالية:

هل وفر المشرع الجزائري من الضمانات في منازعات التعمير خاصة في منازعات رخصة البناء ورخصة الهدم ما يحفظ الموازنة بين حق الجهات الإدارية في فرض إجراءات الضبط في مجال العمران والمحافظة على النظام العام من جهة، وحق المالك في أن يشيد في ملكه ما يراه صالحا أو في أن يهدم جزءا أو كلا من منشئاته العقارية.

والغرض الأساس من طرح هذه الإشكالية هو الكشف عن حياد المشرع في الموازنة بين المحافظة على النظام العام وما يقتضيه من إجراءات وتدابير، وبين صيانة وضمان حق الملكية وما يتبعه من حقوق أخرى ذات الصلة.

ولما كانت منازعات العمران كثيرة ولا يمكن الإحاطة بها في دراسة كهذه، فضلنا التركيز على أهم أنواع منازعات العمران ألا وهي منازعات رخصة البناء، ومنازعات الهدم. فتناولانهما بالدراسة من الناحيتين التشريعية والتنظيمية من جهة ومن الناحية القضائية من جهة أخرى.

المبحث الأول: منازعات رخصة البناء.

المبحث الثاني: منازعات الهدم.

المبحث الأول : منازعات رخصة البناء :

  • تعريف رخصة البناء:

لم يعرف المشرع الجزائري رخصة البناء في القانون 90-29 المؤرخ في أول ديسمبر 1990 يتعلق بالتهيئة والتعمير. وقد عرفها الدكتور محمد الصغير بعلي بأنها: “القرار الإداري الصادر من سلطة مختصة تمح بمقتضاه للشخص الحق في البناء بمعناه الواسع طبقا لقانون العمران” ([1])

وعرفها الدكتور الزين عزري بأنها: “القرار الصادر من سلطة مختصة يمنح بمقتضاه الحق للشخص طبيعيا أو معنويا بإقامة بناء جديد أو تغيير بناء قائم قبل البدء في أعمال البناء التي يجب أن تحترم قواعد قانون العمران” ([2])

  • الطبيعة القانونية لرخصة البناء:

إن رخصة البناء عبارة عن تصرف قانوني صادر عن جهة إدارية منحها القانون سلطة الإصدار طبقا لشروط وإجراءات. وتصدر رخصة البناء بالإرادة المنفردة ولا تحجب عنها هذه الخاصية حتى ولو كانت تتم بطلب من المعني وسعي منه. وترتب رخصة البناء أثرا قانونيا يتمثل في حق المعني المستفيد من الرخصة من القيام بأشغال البناء في العقار محل الرخصة.

ورغم أن رخصة البناء تخول صاحبها حق البناء، إلا أنه لا يمكن إجبار المستفيد من الرخصة على القيام بالبناء. وتلقي رخصة البناء على صاحبها جملة من الالتزامات منها أعلام رئيس المجلس الشعبي البلدي بتاريخ فتح ورشة البناء ووضع لافتة مرئية توضح مراجع رخصة البناء الممنوحة ونوع البناء، وتاريخ افتتاح الورشة والتاريخ المتوقع لانتهاء الأشغال، واسم صاحب المشروع وغيرها من البيانات. وأن يضع حاجز فاصل مرئي ليلا ونهار. وف حال عدم استكمال البناء في المدة المحددة في رخصة البناء وجب تقديم طلب جديد لاستئناف الأشغال.

فرخصة البناء إذن لها دور وقائي ورقابي لفرض مقاييس التخطيط العمراني المعد حسب قواعد الأمن والصحة وسلامة الأشخاص وممتلكاتهم. فليست رخصة البناء إجراءا بيروقراطيا، أو إجراءا روتينيا، بل له جملة من المقاصد العامة التي لا يمكن إنكارها. وتساهم رخصة البناء من جهة أخرى في المحافظة على البيئة والنسيج العمراني بشكل عام. واستثنى القانون فقط من رخصة البناء البنايات التي تحتمي بسرية الدفاع وهذا طبقا للمادة 53 من القانون 90-29 المذكور.

  • الجهة المختصة بمنح رخصة البناء:

كأصل عام يعود الاختصاص بمنح رخصة البناء لرئيس المجلس الشعبي البلدي. وهذا ما نصت عليه المادة 65 من القانون 90-29 المذكور. وفي ذات السياق والتوجه جاء قانون البلدية الجديد رقم 11-10 المؤرخ في 22 يوليو 2011 في المادة 95 منه: “يسلم رئيس المجلس الشعبي البلدي رخص البناء والهدم والتجزئة حسب الشروط والكيفيات المحددة في التشريع والتنظيم المعمول بهما”.

وقد يختص الوالي بمنح رخصة البناء حسب المادة 66 من القانون 90-29. والتي نصت على أن: “تسلم…رخصة البناء من قبل الوالي في حالة:

  • البنايات والمنشآت المنجزة لحساب الدولة والولاية وهياكلها العمومية.
  • منشآت الإنتاج والنقل وتوزيع وتخزين الطاقة وكذلك المواد الاستراتيجية.
  • اقتطاعات الأرض والبنايات الواقعة في المناطق المشار إليها في المواد 49، 48، 46، 45، 44. من القانون 90-29. وقد تسلم رخصة البناء من الوزير المكلف بالتعمير بعد الاطلاع على رأي الولاة ذات المصلحة الوطنية والجهوية. ويخضع منح رخصة البناء لجملة الإجراءات والشكليات والتحقيقات حددها القانون.
  • رفض منح رخصة البناء:

إذا كان منح رخصة البناء لا يثير من حيث الأصل أي إشكالية أو منازعة، فإنه خلاف ذلك قد تنشأ منازعة أمام وضعية أو حالة رفض منح رخصة البناء. ولقد جاء المرسوم التنفيذي 91-176 المؤرخ في 28 مايو 1991 يحدد كيفيات تحضير شهادة التعمير ورخصة التجزئة وشهادة التقسيم ورخصة البناء وشهادة المطابقة ورخصة الهدم واضحا في نص مادته 44 والتي جاء فيها: “…عندما تمنع الرخصة أو تشتمل على تحفظات فيجب أن يكون القرار الذي تتخذه السلطة المختصة معللا.”

وهكذا ألزم المشرع الجهة الإدارية المختصة بمنح رخصة البناء أن تسبب قرار الرفض. وضمانة التسبيب تخدم كل
الأطراف سواء المعني بالأمر أو الجهة الإدارية المصدرة للرخصة أو القضاء في حال نشوء منازعة إدارية.

  • تأجيل منح رخصة البناء:

يمكن للجهة الإدارية المختصة أن تؤجل الفصل في طلب رخصة البناء وهذا إذا كانت أداة التهيئة والتعمير قيد الإنجاز أو الإعداد ومع احترام المدة الزمنية المقررة قانونا وهي سنة على الأكثر حسب منطوق المادة 90-29 المذكور. وورد التأجيل أيضا في المادة 45 من المرسوم التنفيذي 91-176 المذكور.

  • جواز اللجوء للتظلم قبل رفع الدعوى:

أجازت المادة 63 القانون 90-29 لمن كان عرضة لقرار رفض رخصة بناء أن يقدم تظلما أو طعنا سلميا أو أن يرفع دعوى قضائية. ومن هنا لم يقر النص الخاص قاعدة إجبارية التظلم، بل دخل تحت الجواز لا الوجوب، وترك الأمر لصاحب المصلحة، فهو من يختار إما طريق التظلم أو الطريق القضائي. وبذلك، وبعد التعديل الذي عرفه قانون الإجراءات المدنية والإدارية والذي تبنى قاعدة جواز التظلم لا وجوبه بموجب المادة 830 منه، حدث التوافق بين النص الخاص ممثلا في القانون 90-29 والنص العام القانون 08-09. وبخصوص أجل التظلم لم يضع النص الخاص أجلا بما يعني تطبيق الأجل المنصوص عليه في النص العام أي قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

  • الجهة القضائية المختصة بالنظر في منازعات رخصة البناء:

طالما عقد الاختصاص بمنح رخص البناء لرئيس المجلس الشعبي البلدي في مواضع وحالات، وللوالي في حالات أخرى، وللوزير المكلف بالتعمير في حالات ثالثة طبقا للنصوص المشار إليها. فإنه ينجم عن ذلك تغير اختلاف قواعد الاختصاص حسب طبيعة القرار المطعون فيه والجهة المختصة بإصداره.

فيؤول الاختصاص بالنظر في منازعات رخص البناء التي يصدرها كل من رئيس المجلس الشعبي البلدي والوالي للمحكمة الإدارية باعتبارها الجهة القضائية ذات الولاية العامة بالفصل في المنازعات الإدارية طبقا للمادة 800 من القانون 08-09 المذكور. ويؤول الاختصاص بالنظر في طلب إلغاء رخص البناء الصادرة عن وزير التعمير لمجلس الدولة طبقا لمقتضيات المادة 9 من القانون العضوي 89-01 المعدل والمتمم. وكذلك المادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

  • أوجه إلغاء رخصة البناء قضائيا:

إن أوجه إلغاء رخصة البناء قضائيا لا تختلف عن أوجه دعوى الإلغاء عموما. فقد يطعن في رخصة البناء من حيث الاختصاص وقد يطعن فيها من حيث الشكل خاصة وأن رخصة البناء تخضع لجملة إجراءات شكلية، وقد يطعن فيها من حيث المحل أو الهدف أو السبب. وهذا أمر طبيعي طالما اعتبرنا رخصة البناء بمثابة قرار إداري بأتم معنى الكلمة.

تطبيقات قضائية:

  1. خرق قواعد الاختصاص بشأن رخصة البناء.

بطلان القرار.

قرار مجلس الدولة رقم 55 الصادر عن الغرفة الثالثة بتاريخ 11-02-2002. ([3])

وقد جاء في القرار المذكور أنه بناء على استئناف مسجل لدى كتابة ضبط مجلس الدولة من قبل والي ولاية الجزائر ضد القرار الصادر عن مجلس قضاء الجزائر والقاضي بإلغاء القرار..

حيث عرض أن المستأنف عليها استفادت بحق الامتياز على عقار كائن بالأبيار من أجل بناء مساكن وأن المستأنف عليها تقدمت بملف أمام مصالح التهيئة العمرانية من أجل الحصول على رخصة البناء. وأنه بعد دراسة تقنية قامت بها هيئات مختصة في العمران أظهرت أن بناء عمارة فوق القطعة الأرضية المعنية يشكل خطرا أكيدا بسبب انزلاق التربة ومن أجل تفادي أي كارثة اتخذ مدير تهيئة الإقليم والتعمير لمحافظة الجزائر قرارا يقضي بإلغاء رخصة البناء.

وحيث أنه كان على القضاة التأكد من صحة أقوال مصلحة التعمير وذلك بانتداب خبير.

وأضاف مجلس الدولة:

لكنن حيث أن هذه المديرية والتي تعد مديرية ولائية ليست مختصة لإلغاء مقرر يتضمن رخصة البناء.

حيث أن القرار… المتضمن إلغاء رخصة البناء ليس من صلاحيات هذه المديرية الولائية التي ارتكبت بالتالي تجاوزا في ممارستها للسلطة وأن على صواب قام قضاة الدرجة الأولى بإلغاءه.

  1. خرق الشكليات المحددة قانونا.

بطلان القرار.

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة رقم 003594 الفهرس رقم 21 بتاريخ 14-012001 ([4])

قضى مجلس الدولة بتأييد القرار المستأنف فيه والذي قضى بإلغاء رخصة البناء التي سلمت للمستأنف نظرا إلى أنها مشوبة بعيب في الشكل كون أن رخصة البناء موقعة من النائب الثاني لرئيس المجلس الشعبي البلدي.

  1. خرق الإجراءات المحددة قانونا.

بطلان القرار.

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة رقم 417 بتاريخ 16-07-2001 ([5])

بمقتضى عريضة مسجلة لدى كتابة ضبط مجلس الدولة استأنف السيد… قرار صادر عن الغرفة الإدارية بمجلس قضاء الجزائر والقاضي بإلغاء رخصة البناء الممنوحة له.

حيث أجابت الدائرة الحضرية لبلدية مراد رايس… أنها منحت فعلا رخصة البناء لكن المعاينات التي قامت بها الجهات المختصة أثبتت أن البناية غير مطابقة للمقاييس العمرانية بالإضافة أنها لا تحتوي على رأي إحدى اللجان الاستشارية.

حيث أن القرار محل الاستئناف قد ذكر بأنه لا يظهر من رخصة البناء أنه تم اتخاذ رأي الهيئات الاستشارية.

حيث أن رأي المصالح المختصة واجب في البنايات ذات الاستعمال الصناعي والتجاري.

وبالنتيجة أيد مجلس الدولة القرار المطعون فيه.

  1. تأجيل منح رخصة بناء مقيد بزمن:

قرار المحكمة العليا الغرفة الإدارية ملف رقم 10-02-1990. ([6])

من المقرر قانونا أن للإدارة الحق في تأجيل البت في طلب رخصة البناء لمدة لا تزيد عن سنة، ومن ثم فإن القرار
الإداري المخالف لهذا المبدأ يعد مشوبا بعيب الخطأ في تطبيق القانون.

ولما كان الثابت في قضية الحال أن الطاعن قدم طلب رخصة البناء ولم يتلق جوابا بالقبول أو الرفض وأن الإدارة المتمثلة في شخص الوالي وجهت له رسالة تعلمه من خلالها بأن القطعة الأرضية التي ينوي البناء فوقها محل الدراسة دون أن تتخذ موقفا يتعلق بطلب الطاعن برخصة البناء، رغم فوات المدة القانونية.

ومتى كان الأمر استوجب على المصلحة المختصة الاستجابة للطلب وإبطال القرار الإداري الضمني.

قرار مجلس الدولة الغرفة لثالثة ملف 003916 فهرس 129 بتاريخ 08-04-2002 ([7])

حيث أنه بناء على عريضة مودعة بكتابة الضبط لدى مجلس الدولة بتاريخ 18-12-1999 استأنف المدعى عليه رئيس بلدية قالمة القرار الصادر عن الغرفة الإدارية لمجلس قضاء قالمة بتاريخ 18-11-1999 والذي قضى بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع إلغاء القرار الضمني السلبي الخاص بعدم منح المدعي رخصة البناء.

حيث أن القانون يخول رئيس البلدية تأجيل الفصل في شأن منح رخصة البناء على أن لا تتجاوز المدة سنة واحدة وذلك طبقا لنص المادة 45 من المرسوم التنفيذي 91-176.

وعليه فإن المستأنف بإصداره المقرر المطعون فيه يكون قد تصرف في حدود ما خوله القانون وتطبيقا لذلك فإن قضاة أول درجة حادوا عن الصواب لما استجابوا لطلبه مما استوجب إلغاء قرارهم المستأنف والتصدي من جديد برفض طلب المدعي لعدم تأسيسه.

  1. الطعن في رخصة البناء قد يكون من الجار صاحب المصلحة:

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف رقم 003639 الفهرس 458 بتاريخ 0110-2002 ([8])

وحيث أن المجلس بالرجوع إلى وثائق الطرفين والقرار المعاد يتضح بأن المسألة تتعلق بشرعية رخصة البناء.

وأنه لتسليم هذه الرخصة أن الملكية ضرورية لكنها ليست كافية، لأن منح الرخصة يتطلب شروطا أخرى لم تتوافر في قضية الحال وهي عدم الإضرار بالجيران وعدم البناء على قنوات صرف المياه القذرة أو على ممر،

وعليه فإن هذا ثابت بمقتضى الوثائق المقدمة من طرف المستأنف عليه وهذا ثابت بمقتضى محضر مفتش التعمير…

وعليه يستنتج من ذلك بأن قضاة الدرجة الأولى أصابوا في قضائهم وعليه يتعين تأييد القرار المعاد.

  1. الطعن في رخصة البناء ثابت للشريك على الشيوع:

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف رقم 005999 فهرس 11 بتاريخ 06-01-2004 ([9])

قد ينازع في قرار منح رخصة البناء الشريك على الشيوع. حيث جاء في القرار المذكور ما يلي:

حيث أن ملك المستأنف عليهما لنسبة من العمارة لا يعطيهما الحق باتخاذ تغييرات في الرواق الموجود بمدخل العمارة دون الحصول مسبقا على رخصة جميع المالكين بالاشتراك الآخرين الذين يملكون باقي النسبة.

حيث أنه لا يمكن لرخصة البناء مخالفة مقتضيات المرسوم 83-666 المؤرخ في 12-12-1983 الخاص بتسيير الأملاك المشاعة والجماعية. وأن البلدية بتسليمها رخصة البناء المتنازع عليها ارتكبت تجاوزا للسلطة.

حيث أن قضاة الدرجة الأولى أخطأوا برفضهم دعوى المستأنفين مؤسسين قرارهم على غياب ضرر يكون قد ألحق بهم بفتح الباب المتنازع عليه. في حين أن المدعين يملكون بالاشتراك العمارة وبصفتهم هذه يتمتعون بحقوق مكرسة بموجب النصوص أعلاه.

وحيث أنه يتعين إلغاء القرار المستأنف وإبطال المقرر البلدي المتضمن رخصة البناء.

  1. ديوان الترقية والتسيير العقاري غير مؤهل لإصدار رخصة بناء:

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف 005594 فهرس 11-2003 بتاريخ 07-01-2003 ([10])

…وبالرجوع إلى أوراق الملف وإلى القرار المستأنف وخاصة بعد الاطلاع على أحكام المادة 65 من القانون 90-29 المتعلق بالتهيئة والتعمير والتي تعطي الصلاحية لرئيس المجلس الشعبي البلدي دون غيره بشأن تسليم رخصة البناء ممثلا للبلدية بالنسبة لجميع الاختصاصات والبناءات في قطاع تغطية مخطط شغل الأراضي وهو الثابت في قضية الحال يتضح بأن رخصة البناء المسجلة من طرف الديوان ما هي إلا وثيقة مبدئية للحصول على رخصة البناء التي تسلم إجباريا من طرف البلدية.

  1. استحالة سحب رخصة البناء إذا صدر القرار صحيحا.

قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى رقم 29432 بتاريخ 27-11-1982 ([11])

من المقرر قانونا وعلى ما جرى به القضاء الثابت استحالة سحب القرار الإداري الصحيح الذي تتخذه السلطة
ويكون منشئا لحقوق.

ومن ثم فإن القرار البلدي الملغى لرخصة البناء لمجرد ادعاء بوجود نزاع في الملكية يعد قرارا مشوبا بتجاوز السلطة. ولما كان من الثابت في قضية الحال أن القرار المتخذ من رئيس المجلس الشعبي البلدي الذي منح بمقتضاه للطاعن رخصة البناء يكتسي الصيغة التنفيذية ويرتب حقوقا للمستفيد منه دون أن يكون مشوبا بأي مخالفة. فإن الطاعن على صواب عند تمسكه ببطلان القرار المطعون فيه المشوب بتجاوز السلطة.

  1. منح رخصة البناء عدم مراعاة المهلة القانونية تجاوز السلطة.

قرار المحكمة العليا ملف رقم 68240 بتاريخ 28-07-1990 ([12])

من المقرر قانونا أن دراسة الملف الكامل لطلب رخصة البناء تتم في أربعة أشهر على الأكثر ابتداء من التاريخ الذي تتسلم فيه الإدارة المعنية الملف المذكور وتعطي هذه الإدارة لصاحب الطلب وصلا بذلك وتمنح رخصة البناء أو ترفض صراحة خلال المهلة المحددة أعلاه.

ومن ثم فإن رسالة الوالي المتضمنة الرفض لأسباب غير ثابتة بعد مضي الفترة المحددة قانونا يعد تجاوزا للسلطة. ومتى كان كذلك استوجب إبطال مقرر الرفض.

  1. الإدارة تملك حق تجميد رخصة البناء لأسباب جدية:

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف رقم 012988 فهرس 96 بتاريخ 06-01-2004 ([13]) بمقتضى عريضة…استأنف والي الجزائر القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمجلس قضاء الجزائر والقاضي بإلغاء المقرر الولائي المتضمن تجميد رخصة البناء المؤرخة في…

حيث عرض الطاعن أن التجميد إجراء تحفظي لتفادي الوقوع في أخطاء ومخالفات جسيمة للقانون. وأن قضاة المجلس كان بإمكانهم اللجوء لخبرة. ومن ناحية أخرى أن رخصة البناء موضوع قرار التجميد تتعلق بأرض هي محل نزع ملكية للمنفعة العمومية والسماح للمستأنف عليه بإنجاز أشغال البناء المرخص له والاستمرار في ذلك قد يؤدي بلا شك إلى عرقلة إنجاز أشغال تهيئة الطريق التي انطلقت فعلا…وقد تضطر الإدارة لتهديمها فيما بعد مما يزيد في نفقات الخزينة العمومية.

وحدد مجلس الدولة موقفه بالقول:

…فإن تدخل والي الجزائر جاء في إطار ظرف جدي كون الأمر يتعلق بضرورة اتخاذ إجراء تحضيري ومؤقت يرمي إلى تمهيد المجال لمشروع إنشاء الطريق.

وبالنتيجة ألغى قرار الغرفة وأعلن عن رفض الدعوى. وتأكد ذات التوجه في قرارات كثيرة منها قرار الغرفة الثالثة
ملف 011485 فهر 145 بتاريخ 10-02-2004. وقرار الغرفة الثالثة ملف 010221 فهرس 287 بتاريخ 11-05-2004. وقرار الغرفة الثالثة 012806 فهرس 320 بتاريخ 11-05-2004.

  1. سكوت الإدارة عن اتخاذ موقف واضح رغم التظلم:

قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة رقم 009808 فهرس 521 بتاريخ 22-07-2003 ([14])

حيث أنه بموجب مذكرة طعن بالاستئناف مسجلة لدى كتابة ضبط مجلس الدولة استأنف السيد…ضد قرار مجلس قضاء سطيف والذي قضى برفض الدعوى لعدم التأسيس والرامية إلى إلزام بلدية عين ارنات بأن تسلم له رخصة بناء.

وأن البلدية لم تأخذ أي قرار في المدة المحددة لها قانونا…فقدم تظلما أمام الدائرة والولاية وبعد سكوت الإدارة الذي يعتبر قرار ضمني بالرفض سلك المعني الطريق القضائي.

وبعد فحص الملف ودراسة الوقائع انتهى مجلس الدولة لما يلي:

حيث أن طلب المستأنف المتعلق بتسليمه لرخصة البناء متوفر على جل الشروط مما يتعين إذن التصريح بأن له أحقية تسلم رخصة البناء من قبل البلدية

وبالنتيجة ألغى مجلس الدولة قرار الغرفة الإدارية بسطيف وتصدى معلنا عن أحقية السيد…في تسلم رخصة البناء من البلدية.

المبحث الثاني: منازعات الهدم.

إذا كان البناء يخضع لرخصة تسلمها السلطة المختصة بعد توافر الشروط وإيداع الملف واستيفاء جملة الإجراءات المحددة قانونا، فيكون من باب أولى اشتراط الرخصة لهدم بناية، وهذا لما قد ينجم عن الهدم من خطورة. من أجل ذلك جاءت المادة 60 من القانون 90-29 بقولها: “يخضع كل هدم كلي أو جزئي لرخصة الهدم…

تحضر رخصة الهدم وتسلم في الأشكال بالشروط والآجال التي يحددها التنظيم”.

ولقد ابتغى المشرع من خلال وجوب استصدار رخصة للهدم تحقيق جملة من القاصد لعل أهمها:

  1. حماية البنايات الواقعة في أماكن مصنفة أو في طريق التصنيف في قائمة الأملاك التاريخية أو المعمارية أو السياحية أو الثقافية أو الطبيعية.
  2. حماية البنايات المجاورة. ([15])

وجاءت المادة 61 لتنص أن طلب رخصة الهدم يودع على مستوى المجلس الشعبي البلدي. وينبغي أن يكون رفض الطلب مسببا طبقا للمادة 62. ويبلغ المعني بالقرار. وهنا أيضا يمثل التسبيب قيدا على الإدارة ينبغي مراعاتها في كل قراراتها المتعلقة برفض طلبات هدم البنايات. كما يمثل في ذات الوقت ضمانة لصاحب البناية ليعرف من خلالها أسباب الرفض ويستطيع بعد ذلك أن يتخذ الموقف الذي يناسبه، إما التظلم الإداري، أو التوجه للقضاء.

  • تعريف رخصة اله دم:

عرف البعض رخصة الهد على أنها القرار الإداري الصادر من الجهة المختصة والتي تمنح بموجبه للمستفيد حق إزالة البناء كليا أو جزئيا متى كان هذا البناء واقعا ضمن مكان مصنف أو في طريق التصنيف. ([16]) ولما كانتر خصة الهدم بمثابة قرار إداري جاز الطعن فيه قضائيا أمام الجهة المختصة، وإثارة أحد أوجه إلغاء القرار الإداري سواء من جهة الاختصاص أو الإجراءات أو الشكل وغيرها من أركان القرار الإداري.

  • تطبيقات قضائية:
  1. قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا رقم 167252 مؤرخ في 27-04-1998 ([17])

من المقرر قانونا بالمادة 124 من القانون المدني أن كل عمل أيا كان يرتكبه المرء ويسبب ضررا للغير يلزم من كان
سببا في حدوثه بالتعويض.

ولما كان ثابتا في قضية الحال أن البلدية قامت بالتعدي على الجدار وتحطيمه بدون أن تحصل على حكم يرخص لها بذلك بحجة أن الحائط تم بناؤه بطريقة فوضوية رغم أن المستأنف استظهر برخصة البناء ومحضر إثبات حالة على أن لم يغلق مجرى مياه الوادي كما تدعيه البلدية.

وعليه فإن البلدية تتحمل مسؤولية خطئها مما يتعين إلغاء القرار المستأنف الذي رفض تعويض المستأنف.

  1. قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف رقم 016558 فهرس 341 بتاريخ 11-05-2004 ([18])

حيث أنه بموجب مذكرة مودعة لدى كتابة ضبط مجلس الدولة قام المدعو…بإعادة السير في الدعوى بعد إنجاز خبرة…

حيث أنه يزعم كونه مالكا لعقار كائن… في سنة…تقدم لدى مصالح البلدية من أجل طلب رخصة بناء دكاكين… وبعد دراسة الملف تحصل على رخصة بناء من طرف رئيس البلدية. وبتاريخ…بلغ بوقف الأشغال بحجة أنه لا يحوز على رخصة والتزم بذلك. ثم بلغ بقرار هدم البناية.

فرفع دعويين الأولى استعجالية من أجل توقيف الهدم والثانية في الموضوع.

وبموجب أمر قضائي استعجالي تم توقيف الهدم. غير أن مصالح البلدية قامت بالهدم. ثم أصدرت الغرفة الإدارية قرار برفض الدعوى لعدم التأسيس بحجة أنه قام بالبناء خارج السياج. وبعد استئناف القرار صدر قرار عن مجلس الدولة بتعيين خبير من أجل التحقق من وجود خرق من عدمه بالنسبة لصاحب البناء.

وانتهى الخبير لما يلي:

نسبة الأشغال وصلت إلى 60 بالمائة.

احترم المعني مخطط التنظيم. واحترم السياج واحترم الرخصة

وبالنتيجة ذهب مجلس الدولة للقول:

حيث أنه ونظرا لكل هذه العناصر يعتبر قرار رئيس البلدية المتضمن إلغاء رخصة البناء تعسفي كونه اتخذ في شكل تجاوز سلطة ويتعين إذن إبطاله.

واعتمادا على الخبرة…الحكم على البلدية بأن تدفع مبلغ…عن الهدم… مصاريف الخبرة.

  1. البناء دون رخصة موجب للهدم:
  • قرار مجلس الدولة الغرفة الثالثة ملف رقم 011262 فهرس 135 بتاريخ 10-02-2004 ([19])

حيث لأن موضوع النزاع يتعلق بهدم بناية أقامها المستأنف دون رخصة على القطعة..

حيث يذكر أن هذه الأرض تابعة له وأنه استعمل حقه فيها وقد وضع ملف طلب رخصة البناء.

حيث أن المستأنف عند بداية البناء تسلم اعذارات تنذره بوقف البناء إلى غاية الحصول على رخصة ولكنه تمادى في ذلك.

حيث أن القانون 90-29 يوجب على كل من يريد البناء أن يكون متحصلا على رخصة بناء ومادام المستأنف لم يكن لديه هذه الرخصة مسبقا فيكون بذلك مخالفا للقانون

وتكرس ذات التوجه القضائي في القرار الصادر عن الغرفة الثالثة بتاريخ 10-02-2004 فهرس 136 ملف رقم 011277. وقبل ذلك في القرار الصادر بتاريخ 06-01-2004 ملف رقم 011457 فهرس 55.


[1] أنظر الدكتور محمد الصغير بعلى، تسليم رخصة البناء في القانون الجزائري، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، المركز الجامعي تبسة، 2007، ص 16. وللاطلاع على تعريفات أخرى أنظر: عايدة ديرم، الرقابة الإدارية على أشغال التهيئة والتعمير في التشريع الجزائري، الجزائر، دار قانة، 2011، ص 62 وما بعدها.

[2] أنظر الدكتور الزين عزري، النظام القانوني لرخصة البناء في التشريع الجزائري، مجلة الفكر البرلماني، 2005، عدد 09، ص 135.

[3] غير منشور

[4] غير منشور

[5] غير منشور

[6] أنظر المجلة القضائية، 1991، عدد 3، ص 181

[7] غير منشور

[8] غير منشور

[9] غير منشور

[10] غير منشور

[11] أنظر المجلة القضائية، العدد الأول، 1990، ص 188.

[12] أنظر المجلة القضائية، العدد الأول، 1992، ص 153.

[13] غير منشور

[14] غير منشور

[15] لتفصيل أكثر راجع: سماعين شامة، النظام القانوني الجزائري للتوجيه العقاري، دار هومة، الجزائر، 2002، ص 223 وما بعدها.

[16] أنظر عايدة ديرم، المرجع السابق، ص 89.

[17] أشار إليه حمدي باشا عمر، مبادئ القضاء العقاري، عنابة، الجزائر، دار العلوم، 2000، ص 78

[18] غير منشور. وأنظر قرار هدم بناية قديمة واختصاص كل من البلدية وديوان الترقية والتسيير العقاري رقم 009984 بتاريخ 05-02-2002 منشور، بمجلة مجلس الدولة، العدد الأول، ص 145.

[19] غير منشور.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading