في النظام القانوني المصري

دكتور

صافي أحمد قاسم

المقدمة

تمثل دعوى الإلغاء حجر الزاوية بين دعاوى القضاء الإداري باعتبارها وسيلة الدفاع عن مبدأ المشروعية، وحمل الأجهزة الإدارية على احترام القانون حال ممارسة صلاحياتها الإدارية، مثلما تعد الدعوى الدستورية وسيلة الدفاع عن مبدأ سمو الدستور، وحمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على التقيد بأحكامه حال ممارسة صلاحياتها التشريعية..

وإذا كانت الدعوى الإلغاء، والدعوى الدستورية تلك الأهمية، فإن للحكم الصادر فيهما دوراً حيوياً في وضع تلك الأهمية موضع التنفيذ على أرض الواقع، حيث يعتبر الحكم الصادر في الدعويين النتيجة النهائية لهما، وهو عنوان الحقيقة، وبناء عليه قمت باختيار نقطة رئيسية تعتبر العمود الفقري للحكم الصادر في الدعوى وهو حجية الحكم بل تعمقت أكثر من ذلك في اختيار حجية الحكم الصادر برفض الطعن، وذلك لإظهار نقطة جوهرية تمثل جانباً من الجوانب الإجرائية لدعوى الإلغاء والدعوى الدستورية حيث أن الجوانب الموضوعية لتلك الدعويين، تزخر المكتبات بهما، أما الجوانب الإجرائية فهي التي تحتاج إلى البحث والتعمق، مثل الدعاوى المرتبطة بقانون المرافعات المدنية والتجارية، (الدعاوى العادية)، الأمر الذي دعانا لاختيار هذا الموضوع كمحاولة لثبر أغواره، وتأصيل أحكامه لعلنا نسهم ولو بقدر في دراسة هذا الموضوع الإجرائي الهام بصدد دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية.

وفي الحقيقة إذا كان الحكم هو النتيجة الطبيعية لأي دعوى إلا أن الحكم الصادر في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية له أهمية خاصة، باعتبار أن الحكم الصادر فيها لا يمثل مصلحة طرف بعينه ولكن يمثل المصلحة العامة، وهذا يبرز الفارق بين القضاء الشخصي والقضاء الموضوعي، أيضاً من حيث إيضاح الفارق بين حجية الحكم الصادر برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية، وتأصيل هذا الفارق وإيضاح غموضه.

وقد اعتنقت في هذه الدراسة المنهج الوصفي، والذي يعتمد في جوهره على أساس وصف ظاهرة أو مشكلة معينة بهدف كشف ومعرفة الأسباب والعوامل التي أفضت إليها وصولاً إلى حل لها، وهذا ما حدث في الدراسة الماثلة، حيث قمت بوصف للحكم الصادر في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية، من حيث الحجية، وذلك حتى يتسنى لي الوصول إلى الهدف من هذه الدراسة وهو تحديد حجية الأحكام الصادر برفض الطعن مع الاستعانة بالمنهج التأصيلي وهو الرجوع إلى قانون المرافعات باعتباره (القانون العام) في مسألة الإجراءات وذلك لتأصيل بعض النقاط.

وعليه فقد قسمت الدراسة في هذه الموضوع إلى ثلاثة مباحث، خصصت المبحث الأول لعرض للطبيعة العينية للطعن بالإلغاء والطعن بعدم الدستورية وتعرضت في المبحث الثاني للحجية النسبية والحجية المطلقة، وكرست الثالث لمدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية… وذلك كما يلي:

-المبحث الأول: الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء والطعن بعدم الدستورية. 

-المبحث الثاني: الحجية النسبية والحجية المطلقة.

-المبحث الثالث: مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية.

المبحث الأول

الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء والطعن بعدم الدستورية

تنصب دراستنا في هذا المبحث إلى إيضاح الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء والطع عدم الدستورية وبناء عليه سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين. المطلب الأول ؟؟؟ فيه دراسة الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء والمطلب الثاني نوضح فيه الطبيعة العينية للطعن بعدم الدستورية.

المطلب الأول

الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء

الحقيقة دعوى الإلغاء تعد الدعوى الأم في مجال القضاء الإداري حيث أنها تعد حجر أساس بل أن صح التعبير تعد العمود الفقري وحتى نستطيع إيضاح طبيعتها نقوم بعرض تعريفها وعناصرها.

تعريف دعوى الإلغاء:

يقصد بها: “الدعوى القضائية التي يرفعها صاحب المصلحة فرد أم هيئة إما محاكمة رؤساء الإداري ضد إحدى الهيئات الإدارية مختصاً قراراً إدارياً نهائياً طالباً إلغاؤه أو إعادته لمخالفته للقانون أو عدم مشروعيته”([1]).

إلا أن هذا التعريف يؤخذ عليه الآتي:

هذا التعريف الدعوى التي يرفعها صاحب المصلحة أمام القضاء الإداري وقد تجاهل تعريف ما ورد بالمادة 83 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية بعد تعديلها بالقانون رقم 49 لسنة 1974 أن “تختص دوائر المواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض دون غيرها بالفصل في الطلبات التي يرفعها رجال القضاء والنيابة العامة بإلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بأي شأن من شئونهم([2]).

أيضاً في ظل القانون رقم 75 لسنة 1963 كانت لجنة تسمى لجنة التأديب والتظلمات وكانت هذه اللجنة تختص بتأديب أعضاء إدارة قضايا الدولة. بالفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئونهم وفي طلبات التعويض المترتبة عليها مما لا يدخل أصلاً في اختصاص القضاء([3]).

إلا أنه أدخل تعديل على بعض أحكام القانون رقم 2 لسنة 2002 وأصبحت تختص إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا دون غيرها بالفصل في الطلبات التي يقدمها أعضاء هيئة قضايا الدولة بإلغاء القرارات الإدارية النهائية والمتعلقة بأي شأن من شئونهم متى كان مبنى الطلب. عيباً في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو خطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة([4]).

وهذا يوضح لنا أن القضاء الإداري ليس الجهة الوحيدة المختصة بإلغاء القرارات الإدارية ولكن دائرة فحص الطعون بمحكمة النقض تختص أيضاً بإلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بأعضاء النيابة وهذا تطبيق لقاعدة كقاعدة قاضي الأصل هو قاضي الفرع، أيضاً لجنة التأديب والتظلمات التي كان معمول بها في ظل القانون رقم 75 لسنة 1963 وكان مختصة بإلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئون أعضاء قضايا الدولة.

أيضاً ما جرى عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا من حيث أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن البين من الاطلاع على القوانين أرقام 174 لسنة 1967 في شأن التظلم من لجان ضباط القوات المسلحة و232 لسنة 1959 في شأن شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة و96 لسنة 1971م بشأن الطعن في قرارات لجان الضباط بالقوات المسلحة الذي حل محل القانون رقم 174 لسنة 1957 و73 لسنة 1975 بتنظيم وتحديد اختصاصات واللجان القضائية للقوات المسلحة، أنها نزعت من اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري كافة المنازعات الإدارية الخاصة بضباط القوات المسلحة وقصرتها على اللجان القضائية لأفرع هذه القوات دون غيرها والتي جاء اختصاصها من الشمول والعموم بما يدخل في جميع المنازعات الإدارية الخاصة بالمكافآت والمرتبات والمعاشات في اختصاص القضاء العسكري طالما كانت المنازعة تتعلق بالحكومة العسكرية فيدور معها وجوداً وعدماً حتى ولو انقضت علاقة الضباط بهذه الخدمة وأصبح من الأفراد المدنيين طالما كان ينازع في شأن من شئون هذه الخدمة العسكرية والتي بسببها يطالب بما يدعيه من حقوق مرتبطة بأداء هذه الخدمة.

ومن حيث أنه لما كان المدعي ضابطاً بالقوات المسلحة حيث شغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وحصل بصفته العسكرية وأثناء خدمته بها وبسببها على وسام نجمة الشرف في تاريخ 6/10/1973 ومن ثم فإن الطعن في القرار الصادر بتاريخ 9/3/1992 بحرمانه من المكافأة المقررة لهذا الوسام يتعلق بأحد الأمور الوظيفية للضباط والتي تختص بنظرها والفصل فيها اللجان القضائية المختصة بالقوات المسلحة وإذا فصل الحكم المطعون فيه في موضوع المنازعة فإن يكون قد خالف القانون الأمر الذي يتعين معه الحكم بإلغائه والقضاء بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى وبإحالتها إلى لجنة ضباط القوات المسلحة بصفته هيئة قضائية للفصل فيها([5]).

أيضاً ما تضمنه القانون رقم 37 لسنة 1972 بتعديل بعض النصوص القانونية المتعلقة بضمان حريات المواطنين في القوانين القائمة قد نص في مادته (3) على أن لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ القوانين المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام… ثم نص في المادة (3) منه على أن يبلغ فوراً… ويكون التظلم بطلب يقدم بدون رسم إلى محكمة أمن الدولة العليا تشكل وقت لأحكام هذا القانون.

ومن ثم فإن أياً كان الرأي حول ما إذا كان اختصاص محكمة أمن الدولة التي تشكل لهذا الغرض يحجب اختصاص مجلس الدولة في نظر دعوى الإلغاء أم أن مؤدى ذلك النص وجود طريقين للمعتقل يختار بينهما أحدهما أمام مجلس الدولة والآخر أمام محكمة أمن الدولة أو أن هذا القانون كسابقه القانون رقم م162 سنة 1958 المعدل بالقانون رقم 60 لسنة 1968 لا يشمل قرار تحديد الإقامة ويظل الاختصاص بنظر طلب إلغاء لمجلس الدولة، مما لا محل لبحثه. فإننا أمام دعوى إلغاء إذ لا يتغير وضعها بتغيير المحكمة التي تنظر الطلب المقدم فيها وفي هذا الفرض فإن أي مساس بالحرية الشخصية لأي مواطن تخول أي شخص بصفته البسيطة هذا الطعن فيه حتى ولو لم تربطه رابطة بشخص المضار من هذا الإجراء أو القرار الصادر بالقبض أو الاعتقال([6]).

وبناء عليه يكون التعريف جانبه الصواب فيما يتعلق بإنجاب الطعن بالإلغاء على القضاء الإداري وحده.

من ناحية أخرى أبرز التعريف الجانب الشخصي للدعوى وتلاشى الجانب الموضوعي وهو عصب دعوى الإلغاء فالدعوى تختصم القرار الإداري في ذاته بهدف إلغائه وليس اختصام الجهة الإدارية لأن اختصام الجهة الإدارية وسيلة لإلغاء القرار ليس أكثر من ذلك.

فدعوى الإلغاء ليست دعوى بين أطراف ولكنها دعوى موجهة ضد قرار وأنه إذا كان هناك مدع في إجراءات دعوى الإلغاء فإنه لا يوجد بالمعنى الدقيق للكلمة مدعى عليه ونظراً لعدم وجود مدع عليه فإنه يوجد مدافع أو مدافعين عديدين عن القرار([7]).

فجلب دعوى الإلغاء مخاصمة القرار الإداري بينما دعوى القضاء الكامل تنصب على حق شخصي بمعنى أن صاحب الشأن يستمد حقه فيها من القانون مباشرة أو يستند فيها إلى سند ذاتي ويطالب فيها بأثر من آثار المركز القانوني الذي أنشأها ذلك السند، والسند الذاتي هو العقد أو الواقعة القانونية، العمل غير المشروع أو الحكم القضائي الصادر في منازعة ذاتية([8]).

وبناء عليه نرى تعريف دعوى الإلغاء بأنها توجيه الإجراءات ضد قرار إداري بهدف إلغائه نظراً لمخالفته للقانون.

ومن هذا التعريف نستطيع أن نستخرج أبرز سمات هذه الدعوى عن الإلغاء.

مضمون الطبيعة العينية لدعوى الإلغاء

يقصد بالطبيعة العينية لدعوى الإلغاء أن هذه الدعوى تحقق المصلحة العامة من ناحية وأنها موجه ضد قرار من ناحية أخرى. وبناء عليه سوف نتكلم عن فكرة المصلحة العامة ثم نتحدث عن القرار الإداري.

نشأة فكرة المصلحة العامة وتعريفها:

لقد ظهرت فكرة المصلحة العامة كقرين لمبدأ المشروعية، ذلك أنها قد ارتبطت بفكرة القانون منذ نشأتها وصاحبت حيث قيام الدولة القانونية باعتبارهما أي القانون والدولة من وسائل تحقيق تلك الغاية، ذلك فقد كانت المنفعة العامة حجر الزاوية عند أنصار نظرية العقد الاجتماعي([9])، فيرى “لوك” أن غاية الحكومة هو صالح المجموع، فالدولة عنده آلة نخلقها من أجل خيرنا وتعمل من أجل أهدافنا، فيلجأ الأفراد إلى إنشاء المجتمع المدني ليعهدوا إلى سلطاته بمهمة حماية أموالهم وكفالة نشاطهم الاقتصادي، ويرى “لوك”، أن الصالح العام لا يختلف في جوهره عن المصالح الأساسية لكل الأفراد الذي يقبلون أداء بعض التضحيات، فأداء الضريبة من أجل ذلك الصالح العام.

وهدف العقد الاجتماعي عند “روسو” هو حفظ المتعاقدين وازدهارهم، حيث يرى أن الفرد يجب أن يخضع لأحكامه الخاصة التي يمليها ضميره وألا يتخلى عن ذلك ليخضع للإرادة الخارجية ذات السيادة إلا حيث يكون الأمر مما يهم الجماعة. ويرى “روسو” أن السلطان هو وحده المقدر لتلك الأهمية، ذلك لو ترك التقدير للفرد في كافة الشئون حتى ما كان منهم يهم الجماعة لما أمكن أن تقوم للحكومة قائمة، ذلك لأنه يجب أن تقوم سلطة تقويم للأفراد مداها يقتضيه الصالح ومن ثم يجب إتباعه، ويتعين أن يكون لها سلطة غير محدودة في تحديد ماهية الصالح وإلا شلت حركة الكائن السياسي([10]).

وتمثل المصلحة العامة غاية العمل الإداري ومناطه، وحول هذه الفكرة تدور بوجه عام مشروعية أو عدم مشروعية تصرفات الإدارية، فسلامة العمل خارج حدود المشروعية إذا لم يرتب هذه النتيجة أو رتب غيرها من المصالح الخاصة، ومظهر الخروج هو الانحراف بالسلطة أو إساءة استعمال السلطة.

ترتيباً على ذلك، فالإدارة ليست مطلقة الحرية في تحديد الغاية من إصدار قراراتها الإدارية، فهي ملزمة أولاً بتحقيق الهدف الرئيسي.

والعام من جميع أعمال الإدارة وأنشطتها وهو هدف المصلحة العامة وإذا حادت عنه إلى تحقيق مصالح شخصية أو مادية تكون قد خالفت القانون واستوجب قرارها الإلغاء من القضاء الإداري للانحراف بالسلطة، وهي ملزمة ثانياً بتحقيق الأهداف العامة التي أنشئ من أجلها المرفق المختص والتي ترتبط بالاختصاصات الرئيسية لذلك المرفق والواردة في القانون أو القرار الصادر بإنشائه، ثم هي ملزمة ثالثاً بتحقيق الهدف الخاص أو الغرض من إصدار قرار بعينه، والذي لابد في النهاية أن يؤدي إلى تحقيق الأهداف العامة، وهدف المصلحة العامة ويشكل جزء منها أو خطوة في الطريق إليها([11]).

غير أن ترك الاختيار بين الأهداف العامة للإدارة يصدر عن أمرين أساسيين:

1-ضرورة مواجهة الإدارة للظروف المتغيرة، ذلك أن الإدارة تواجه كثير من المفاجآت والمواقف غير المتوقعة والتي لا تستطيع معها التريث حتى يصدر تشريع لمعالجتها، في هذه الحالات نجد أن الإدارة ملزمة بتلبية متطلبات الموقف الجديد، فالإدارة في هذه الحالات ملزمة بتحقيق مقاصد المجتمع ومتطلبات رفاهيته أي المصلحة العامة.

2-الاستفادة من خبرة الإدارة وتجاربها في إدارة المرافق العامة، فالإدارة مخولة طبقاً لنصوص الدستور في تنفيذ القوانين وهو التزام يجري تنفيذه على ضوء الغاية وفي الشكل المحددين، وفكرة تنفيذ القوانين فكرة واسعة قد لا يبدو مداها من أول نظرة، فهي تحمل الإدارة مهام كثيرة وعديدة، وهذا الامتداد والتعداد في أوجه نشاط الإدارة يقتضي بالضرورة ترك مجالات لتقديرها ولا خوف من ذلك متى كانت أعمالها في ضوء المصلحة العامة.

مما تقدم يتبين لنا الرابطة الموضوعية بين السلطة والهدف من تحويلها فسلامة العمل الإداري تدور وجود أن وجوداً أو عدماً مع ما يحققه من صالح عام، وأهمية الكشف عن هذا الفكر الموضوعي تصدر عن أمرين هامين، أولهما: توجيه من يملكون السلطة بحيث لا يقتصر واجبهم عن قصد الخير العام، بل أن يحقق العمل أو النشاط المصلحة العامة فعلاً، فرجل الإدارة وهو يهمه بممارسه العمل الإداري أو بإصدار القرار الإداري عليه أن يستلهم الغايات والأهداف العامة مستبعداً البواعث والنوايا الخاصة وجاداً في الوصول إلى تلك الغايات قصداً وواقعاً.

وثانيهما التزام القضاء ببحث الغايات التي حققها العمل أو القرار الإداري وما إذا كانت موافقة للأهداف والمقاصد التي ابتغاها القانون من تخويله للسلطة([12]).

ولقد أشارت أحكام القضاء المصري العادي والإداري إلى الطبيعة الموضوعية للمصلحة العامة، فتقول محكمة النقض “أنه إذا كان الشارع قد أطلق الحق في فصل فإن ذلك أساسه ما هو مفروض من أن الحكومة لا تعمل إلا في سبيل المصلحة العامة([13]).

ولقد أوضحت المحكمة الإدارية العليا هذا النظر في العديد من أحكامها فتقول في أحد أحكامها “أنه إذا كان الأصل أنه لا يجوز للقرار الإداري أن يعطل تنفيذ حكم قضائي إلا أنه إذا كان يترتب على تنفيذ الحكم فوراً إخلال خطير بالصالح العام يتعذر تداركه كحدوث فتنة أو تعطيل سير مرفق عام فيرجح عندئذ الصالح العام عن الصالح الخاص([14]).

بعد أن تعرضنا لفكرة المصلحة العامة نوضح بعد ذلك مدى تعلق دعوى الإلغاء بالمصلحة العامة، إذا كان القضاء الشخصي والقضاء الموضوعي يختلفان في طبيعة المسألة المعروضة على القاضي، إلا أنهما يختلفان أيضاً في أساس كل منهما، ففي القضاء الشخصي، فإنه يهدف إلى الدفاع عن مراكز فردية، أما القضاء الموضوعي فإنه يهدف إلى حماية المصلحة العامة والأخذ في الاعتبار المصالح الخاصة المرتبطة بها، وإذا كانت المصلحة العامة في المجال الشخصي غير غائبة إلا أنها ليست مؤثرة.

وتحقق دعوى الإلغاء المصلحة العامة، وذلك بتقرير جزاء على عدم المشروعية التي ترتكبها الإدارة ومحو نتائجها، كما أنها تهدف أيضاً إلى دفع الإدارة إلى عدم العودة إلى ارتكاب عدم المشروعية من جديد، فدعوى الإلغاء وسيلة موضوعية للبطلان منظمة لتحقيق حسن سير العدالة([15]).

ولما كان القضاء المدني يختلف في وظيفته عن القضاء الإداري، وكان هذا الاختلاف ينعكس على القواعد التي تنظم قيام كل قضاء بوظيفته، كان طبيعياً أن يكون هناك اختلاف في شروط قبول الدعوى بين الدعوى المدنية ودعوى الإلغاء.

فإذا كان يلزم لقبول الدعوى المدنية، بحسب الأصل، أن تشكل المنفعة التي يبغي المدعي الحصول عليها من دعواه حقاً بالمعنى القانوني لهذه الكلمة فإن هذه الشروط ليس بلازم توفرها لقبول دعوى الإلغاء فمن المقرر أنه متى كان الطاعن ذا صفة في طلب إلغاء قرار إداري فإن الدعوى التي يقيمها قصد ترتيب هذا الأثر تكون مقبولة وإن لم يستند في إقامتها إلى حق ذاتي مقرر له([16]).

ومن هنا كان القول بقبول الدعوى التي يقيمها تاجر بطلب إلغاء قرار إداري يجيره وكان القول بعدم قبول الدعوى التي يرفعها تاجر اقتضاء تعويض عما يفوته من كسب من جراء قتل عميل له مع أن قوام المصلحة في الدعويين واحد.

وإذا كان من المقرر أنه يلزم لقبول الدعوى المدنية – بحسب الأصول – أن يكون هناك اعتداء قد وقع فعلاً على الحكم المدعى به، وأن الضرر المحتمل الوقوع لا يبرر قبولها إلا على سبيل الاستثناء فإنه من المقرر كذلك أنه يستوي لقبول دعوى الإلغاء أن يكون المراد منها دفع ضرر أو توقي حدوثه([17]).

وإذا كانت الدعوى المدنية ودعوى الإلغاء تلتقيان في اقتضاء توافر الصفة عند رافعها لقبولها فإنهما تفترقان عند تحديد المقصود بهذا الشرط، فإذا كان يلزم لاعتبار هذا الشرط تتوفر فيمن يقيم دعوى مدنية أن يكون صاحب للحق المدعى به أو أن يكون – حيث لا يكون كذلك، صاحب للسلطة في استعمال الحق في الدعوى، فإنه يكفي لاعتبار طالب إلغاء القرار الإداري ذا صفة في طلبه أن ينتمي إلى جماعة ينطوي القرار المطعون فيه على مساس بمصلحة لها قانونية كانت أم اقتصادية ومن هنا جاء قضاء مجلس الدولة المصري باعتبار الصفة في الطعن بالإلغاء في قرار إداري صادر بتعطيل أداء الشعائر الخاصة بدين معين متوفرة لدى كل من يعتنق هذا الدين([18]).

وهذا الاختلاف القائم بين الدعوى المدنية ودعوى الإلغاء في شأن شروط قبولها يجد تفسيره في اختلاف الوظيفة التي يناط بكل من القضاء المدني والقضاء الإداري أداؤها. فقيام القضاء الأخير على مراقبة الإدارة في تطبيقها القانون يقتضي الترخيص في شروط قبول دعوى الإلغاء كما يتاح له أن يقف على كل قرار إداري مخالف للقانون وأن يقضي إلغائه، ولقد كان هذا الاعتبار يقتضي أن يكفل حق الطعن بالإلغاء للناس قاطبة، غير أنه رؤى – فيما يعني لنا – أن ما يحمل الرجل العادي على الالتجاء للقضاء طعناً في القرارات الإدارية المخالفة للقانون وعلى مكابدة أعباء سير الدعوى أمامه ليست الغيرة على المصلحة العامة وإنما قيام مصلحة شخصية له في ذلك فاستلزم قصر الحق في رفع دعوى الإلغاء على من ينتمي إلى جماعة ينطوي القرارات الإداري المخالف للقانون على مساس بمصلحة قانونية أو اقتصادية له ولعله مما يشهد لصحة هذا التفسير الذي نقول به ما هو مقرر في القضاء الإداري المصري، من استلزام قيام شرط الصفة في دعوى الإلغاء إلى حين الفصل فيها نهائياً، وهو الأمر الذي يعني أن تخلفه قبل ذلك مدعاة للحكم بعدم قبولها([19]).

أما القضاء المدني فإنه لم ينشأ ليكون – كقضاء الإلغاء – رقيباً على تطبيق القانون مكافلاً لاحترامه، وإنما ليقوم على فض المنازعات التي تقع بين الأفراد بتمكين ذي الحق من حقه وعليه فاضطلاع القضاء المدني بأداء وظيفته وتصديه للفصل في موضوع الدعوى المطروحة أمامه يقتضي أن يكون هناك حق مقرر قانوناً، وأن يكون هذا الحق الذي استهدف الاعتداء يقتضي تدخله لدفعه، فالمصلحة الاقتصادية والضرر المحتمل لا يخولان – بحسب الأصل – الحق في الدعوى ذلك أن تقرير هذا الحق في مثل هذين الفرضين إخراجاً للقضاء المدني من وظيفته التي هي فض المنازعات.

واعتبار وظيفة القضاء المدني هو أيضاً الذي يقتضي شرط الصفة في الدعوى، وبيان ذلك أنه لو كانت وظيفة القضاء المدني تتحصل – كما في قضاء الإلغاء – في كفالة احترام القانون أبلت الدعوى من غير صاحب الحق المعتدى عليه، ففي قبولها من غيره رفع للمخالفة التي حدثت لحكم القانون بوقوع اعتداء على حقه، غير أن وظيفة القضاء المدني لا تتمثل في كفالة احترام القانون وإنما في فض المنازعات. ولما كان صاحب الحق المعتدى عليه قد يؤثر – فضاً للنزاع – أن يتصالح في شأنه عملاً بالقول المأثور “إن صلحا مع شيء من الخسارة خير من دعوى مكسوبة” وكان له أن يتنازل عن حقه بمقابل أو بغير مقابل في أي وقت ما دام مستكملاً لأهلية التصرف، وكان من شأن ذلك أن يكون انشغال القضاء بالدعوى تطبيقاً للوقت والحق من غير طائل فيما لو رفعت الدعوى، من غير صاحب الحق ثم تنازل هذا الأخير عنه أو كان قد فعل من قبل رفعها([20]). كان من المقرر أن الدعوى لا تقبل من غير صاحب الحق المعتدى عليه إلا حيث يثبت له القانون سلطة استعمال ما لصاحب الحق المعتدى عليه من حقه في الدعوى، وهذا هو – كما سلف القول – مفهوم الصفة في الدعوى المدنية.

بعد تعرض لتوضيح الفرق بين القضاء الشخصي والقضاء العيني نجد أن هناك اتجاهان بخصوص طبيعة دعوى الإلغاء وهل هو قضاء شخصي يقوم على حماية حق مكتسب، فلا يكون الالتجاء إليه إلا بمناسبة الاعتداء على هذا الحق أم هو قضاء عيني مبناه حماية القواعد القانونية فلكل من له شأن أن يلتجئ إليه النقطة في الحقيقة هذه النقطة مثاراً للجدل بين الفقهاء، وفيه تطرق مذهبان مذهب ينكر على هذا النوع من اختصاص مجلس الدولة صفة القضاء، ويعتبره ضرباً من الإشراف الإداري ولا يقر للحكم الصادر فيه بالطبيعة القضائية ومذهب يرى أن دعوى الإلغاء إنما تقوم على أساس الاعتداء على حق. وهذا الحق قد يكون حقاً خطأً ذاتياً، ويكون موضوعه أن تلتزم الإدارة في تصرفاتها قواعد القانون التي تحدد اختصاصاتها وتنظم إجراءاتها الشكلية.

كلا المذهبين يشوبه غلو التطرف، وعلة ذلك فيما نرى هي محاولة الأخذ في قضاء الإلغاء الإداري بضوابط القضاء العادي من وجود قيام حق معتدى عليه ومصلحة حالة شخصية في طلب حمايته أما المذهب الأول فينقصه أن قضاء الإلغاء له خصائص الوظيفة القضائية. إذ يقوم مجلس الدولة بتطبيق قواعد القانون فيما تطرح عليه من المنازعات للفصل فيها. وأن المذهب الآخر فقد جهد متكلفاً، في البحث في مكنة الحق الذي يستند إليه الطاعن في دعوى الإلغاء مع أن ثمة ما يعنيه عن هذا الجهد فإن دعوى الإلغاء لا تقوم على تحري حقوق المتداعين، وليس من شأن الحكم فيها تعويضهم عما تلحق بهم التصرفات الإدارية من أضرار بل إن ذلك مجاله قضاء التضمين.

والرأي المقول به أن الإلغاء، قضاء، ولكنه ليس قضاء شخصياً، لأنه كما رأينا يقوم على الحكم بإلغاء الأمر الإداري دون بحث في حقوق شخصية اعتدى عليها أو في أضرار خاصة نتجت منه، فموضوعه مراقبة سلامة تطبيق القواعد القانونية والإشراف على أن الإدارة في نشاطها تلتزم في حدود القانون.

وعلى أية حال يؤيد القائلون بأن قضاء الإلغاء قضاء عيني الحجج الآتية:

1-أن دعوى الإلغاء ترفع وتقبل من شخص لا يستند إلى أي حق ذاتي، فالساكن مثلاً أو الناخب أو الممول الذي تقبل طعونه في قرارات صادرة من الجهة الإدارية لا يدعي ولا يستطيع أن يدعي لنفسه حقاً ذاتياً أصابه ضرر بمناسبة صدور الأمر الإداري أو تنفيذه، مع ذلك تقبل دعواه على أساس ما له من صفة تخولها إياها. حقه في رقابة نشاط السلطات الإدارية ومدى احترامها للقوانين، تلك الرقابة التي يباشرها من جهة المظهر السياسي نواب المجالس التشريعية، نيابة عن الأفراد، ومن جهة المظهر القضائي مجلس الدولة على ألا يكون له بصفته جهة قضائية أن يتعرض من نفسه للمشاكل التي يمكن أن تثور بين الأفراد والإدارة ليحكم فيها، بل لابد أن يتولى الأفراد عرضها عليه.

2-قضاء الإلغاء لا يقوم إلا على أساس مخالفة القواعد القانونية التي تنظم سير المصالح العمومية ومباشرتها لوظيفتها، فلا يكون الطعن مقبولاً إذا كان الاعتداء على حقه نشأ عن عقد أو شبه عقد أو جنحة أو شبه جنحة إذ النصوص التشريعية. التي نظمت هذا النوع من القضاء لم تنص على أسباب قبول الطعن لتجاوز السلطة عدا مخالفة القوانين، وهذه المخالفة تتحقق كلما خولت نص قانوني صراحة أو خولت قواعد الاختصاص أو أسيء استعمال السلطة أو وقع عيب في الإجراءات التي صدر بها الأمر.

3-إن النصوص التشريعية التي أنشأت هذا النوع من القضاء قد تضمنت أن سلطة مجلس الدولة لا تتعدى إلغاء الأمر الإداري أو تأييده.

4-وفضلاً عن ذلك فإن مجلس الدولة في هذه الدعوى لا يصدر حكماً بالتعويض من ذي الشخص الإداري، ولو تقدم له مثل هذا الطلب فليس له أن يقضي فيه، بل عليه أن يرفض لأنه يخرج عن اختصاصه بصفته قضاء الإلغاء.

5-من قواعد القانون المدني أن حجية الشيء المحكوم فيه نسبية فالحكم خادم الصادر لا تكون له حجية إلا بين طرفي الخصومة، أما في قضاء الإلغاء فالحكم الذي يصدره مجلس الدولة يكون له حجية مطلقة أي بالنسبة للكافة. فإذا ما صدر حكم بإلغاء الأمر الإداري يكون هذا الإلغاء مطلقاً وينعدم الأمر الإداري نفسه، وإذا صدر الحكم بتأييد الأمر الإداري فإن هذا الأمر لا يعدو قابلاً للمنازعة بأية حال إلا إذا كان سبب رفض دعوى الإلغاء متعلقاً بشخصية الطاعن.

6-يجوز للمدعي أن يرجع عن ترك الخصومة حتى ولو قبلته الإدارة لأن دعوى الإلغاء لا تولد نزاعاً بين خصوم.

7-استمرار الرابطة القانونية للخصومة بعد زوال الشخص المعنوي الذي أصدر القرار المطعون فيه.

8-عدم جواز اختصام الغير في دعوى الإلغاء حتى يكون الحكم حجة عليه.

9-استبعاد الطلبات العارضة، مثل طلب التعويض عن إساءة استعمال حق التقاضي، نظراً للطبيعة الخاصة لدعوى الإلغاء، لأن الدعوى موجهة ضد قرار وليست ضد الخصم المدعى عليه، ومن ثم ليس لهذا الأخير، أن يقدم طلبات عارضة في مواجهة المدعي.

العناصر الشخصية في دعوى الإلغاء

إن التأكيد على الطبيعة العينية لدعوى الإلغاء بالمفهوم المتقدم ليس إلا مجرد بنيان نظر يعتمد في جزء كبير منه على عنصر المجاز فالحقيقة أن دعوى الإلغاء هي وسيلة قانونية تكفل على حد سواء احترام مبدأ المشروعية وتحقيق مصلحة المدعي.

وتتمثل العناصر الشخصية في دعوى الإلغاء في مظاهر متعددة من أهمها ما يلي:

1-عدم التعارض بين الطبيعة العينية لدعوى الإلغاء وفكرة الخصوم إذا كانت الفكرة التقليدية لا تعترف بصفة الخصم “إلا في منازعات القضاء الشخصي، إلا أن هذه الفكرة لم تعد سديدة. ويكفي للتدليل على ذلك، أن النيابة العامة حين تقيم الدعوى العمومية عن ارتكاب جريمة، فإنها تعتبر “خصماً” في الدعوى الجنائية، وهذه الصفة تسمح لها بالطعن في الحكم، وذلك على الرغم من أنها لا تنحرف لتحقيق مصلحة شخصية، وإنما باعتبارها ممثلاًَ عن المجتمع. وقد بدأ القضاء يأخذ بهذا المفهوم، ويعترف بوصف الخصوم لأطراف دعوى الإلغاء، فدعوى الإلغاء – كما تقرر المحكمة الإدارية العليا – هي خصومة بين طرفين محلها اختصام قرار إداري معيب” وتعتبر هذه الصياغة من أدق ما تضمنته الأحكام في هذا الشأن.

2-أن المدعي يتصرف أساساً لتحقيق مصلحته الشخصية. غير أن هذه المصلحة تتفق مع المصلحة العامة التي تقتضي المحافظة على مبدأ المشروعية. ومن المقرر أن المصلحة الشخصية شرط لقبول دعوى الإلغاء، فلا تكفي مجرد الرغبة في احترام القانون.

3-أن النظام الإجرائي لدعوى الإلغاء يفترض وجود “خصوم” فيها. ويبدو ذلك واضحاً في تطبيق مبدأ المواجهة بين الخصوم. إلزام الإدارة بمصروفات الدعوى وإدانتها بغرامة مالية، والطعن في الأحكام.

بعد ذلك نتعرض للقرار الإداري الذي يعتبر عصب دعوى الإلغاء، وعمودها الفقري، فنقوم بعرض لتعريف القرار الإداري وتميزه عن غيره وأركانه.

تعريف القرار الإداري

نرى قبل التعريف للقرار الإداري عرض عناصر القرار الإداري فكل قرار إداري يتضمن عناصر ثلاثة:

عناصر القرار الإداري:

يتضمن القرار الإداري عناصر ثلاثة:

-فهو تصرف قانوني أي يرتب أثراً قانونياً ما فتخرج من نطاق القرارات الإدارية الأعمال المادية البحتة والوقائع المادية أي الأعمال المادية التي يهتم بها القانون ويرتب عليها بعض الآثار وتخرج كذلك الأعمال التمهيدية التي كانت لتصير تصرفات قانونية لو سارت حتى نهاية الشوط.

-وهو تصرف قانوني من جانب واحد فتخرج بذلك العقود الإدارية

-وهو تصرف قانوني يغاير ما يصدر عن الأفراد عادة من تصرفات إذ يتميز بأن جهة الإدارة وحدها هي التي تملك إصداره بما تتمتع به من مركز خاص فتخرج بذلك تصرفات الإدارة التي تنزل عند إجرائها إلى مستويات الأفراد أي التصرفات العادية، وأعمال الإدارة الخاصة.

-وأخيراً هو تصرف يصدر عن دائرة الوظيفة الإدارية فلا يعتبر قراراً إدارياً ما يصدر عن السلطة التشريعية أو السلطة القضائية ولا يعتبر كذلك ما يمس السلطة الحكومية أي أعمال السيادة([21]).

وبناء عليه درجت أحكام القضاء المصري وبوجه خاص المحكمة الإدارية العليا على تعريف القرار الإداري بأنه عمل قانوني من جانب واحد يصدر بالإرادة الملزمة لإحدى الجهات الإدارية في الدولة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذي يتطلبه القانون بقصد إنشاء وضع قانوني معين يكون جائزاً وممكناًَ قانوناً وبباعث من المصلحة العامة التي يبتغيها القانون([22]) التأديبي كأي قرار إداري لا يحسم خصومة قضائية بين طرفين متنازعين على أساس قاعدة قانونية وإنما هو ينشئ حالة جديدة ف يحق من صدر عليه، ولو صدر القرار التأديبي من هيئة تتكون كلها أو أغلبها من قضاة، إذ العبرة هو بالموضوع الذي صدر فيه القرار، فما دام هذا الموضوع إدارياً كالتأديب، فالقرارات التي تصدر فيه تكون بحكم اللزوم إدارية ولا تزال لها هذه الصفة، لكون من أصدرها قضاة كالجزاءات التأديبية التي يوقعها رؤساء المحاكم في حق موظفيها من كتبة ومحضرين إذ تعتبر قرارات تأديبية لا قضائية([23]).

تمييز القرار الإداري عن غيره

التفرقة بين القرار القضائي والقرار الإداري أو التأديبي:

مناط التفرقة بين القرار القضائي والقرار الإداري أو التأديبي هو الموضوع الذي يصدر فيه القرار، فالقرار القضائي هو الذي تصدره المحكمة بمقتضى وظيفتها القضائية ويحسم على أساس قاعدة قانونية خصومة قضائية تقوم بين خصمين تتعلق بمركز قانوني خاص أو عام، ولا ينشئ القرار القضائي مركزاً قانونياً جديداً وإنما يقرر في قوة الحقيقة القانونية وجود حق أو عدم وجوده، فيعتبر عنوان الحقيقة فيما قضى به متى حاز قوة الشيء المقضي به، ويكون القرار قضائياً هي توافرت له هذه الخصائص ولو صدر من هيئة لا تتكون من قضاء وإنما أسندت إليها سلطة قضائية استثنائية للفصل فيما يناط بها من خصومات، وعلى العكس من ذلك فإن القرار.

التفرقة بين القرار الإداري والمنشورات والتعليمات الداخلية

الملاحظات التي يوجهها الرؤساء من الموظفين إلى مرؤوسيهم فيما يتعلق بأعمالهم لا تعدو أن تكون من قبيل إجراءات التنظيم الداخلي للمرافق العامة لكفالة سيرها بانتظام واطراد وعلى وجه سليم عن طريق توجيه الرؤساء لمرؤوسيهم في أعمالهم وتبصيرهم بالمزالق التي قد يقعون فيها أثناء تأديتها دون أن يكون الغرض منها توقيع جزاء عليهم أو تقدير كفايتهم ولا يقبل من ثم الطعن فيها بالإلغاء لانتفاء أركان القرار الإداري فيما تضمنته([24]).

إجراءات الحجز الإداري لا تعتبر من قبيل القرارات الإدارية

إن إجراءات الحجز والبيع الإداري كما نظمها القانون رقم (308) لسنة 1955 لا تعدو أن تكون نظاماً خاصاً وضعه الشارع لتحصيل المستحقات التي للحكومة في ذمة الأفراد، راعى فيه التبسيط والسرعة وقلة النفقات مستبدلاً إياه بنظام قانون المرافعات للاعتبارات المذكورة… فما تتخذه الجهات الحكومية المختصة من إجراءات في هذا الخصوص تطبيقاً للقانون المذكور لو ما تثيره من منازعات مع ذوي الشأن في هذا النطاق لا يعتبر من قبيل القرارات الإدارية بالمعنى المقصود من القرار الإداري([25]).

الأعمال المادية والإجراءات التنفيذية لا تصل إلى مرتبة القرارات الإدارية

أعمال الإدارة المادية لا يقصد بها تحقيق آثار قانونية، إذا كان القانون يرتب عليها آثار معينة، فإن تلك الآثار هي وليدة المشرع مباشرة، لا إرادة الإدارة، وعلى ذلك فقد جرى قضاء المحكمة الإدارية العليا على أنه إذا كان أصل الحق مقرراً في قاعدة تنظيمية عامة كقانون أو لائحة.

يكون ما أصدرته الإدارة من أوامر أو تصرفات مجرد أعمال تنفيذية تهدف إلى مجرد تطبيق القانون، ولا يكون هذا التصرف أو الإجراء قراراً إدارياً بالمعنى المفهوم بل يكون مجرد إجراء تنفيذي أو عمل مادي لا يسمو إلى مرتبة القرار([26]) ومثال ذلك ما قضت به المحكمة الإدارية العليا بأن عملية نقل التكليف ليست قراراً إدارياً بل عملية ذات نتيجة واقعية بقصد تنظيم طريقة جباية الضريبة وتحصيلها([27]) ووسيلة الأفراد لمجابهة أعمال الإدارة المادية وما يترتب عليها من آثار ضارة هو القضاء الكامل أو قضاء التعويض دون الإلغاء، وذلك إذا ما توافرت في المنازعة أركان المنازعة الإدارية.

على أية حال فإن كان القرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بقصد إحداث أثر قانوني معين فهو لا شك من قبيل التصرفات القانونية فيما يتعلق بهذه الآثار المترتبة عليه والمقصود منه إما أن يترتب على هذا القرار ضرر للغير بما يتبعه ذلك من الاعتراف بصاحب الشأن بحق مقاضاة الإدارة بقصد التعويض هذا الضرر فليست هذه الآثار التي تقصدها الإدارة من القرار إذ هي لم تقصد به إلى إحداث الضرر ولا إلى التزامها بسببه التعويض مما يجعله في خصوصية هذه الآثار واقعة قانونية ينسحب عليها حكم المادة 172 من القانون المدني فيما تقضي به من سقوط دعوى التعويض المترتبة على العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات تسري من تاريخ علم المضرور بالضرر وبالشخص المسئول عنه([28]).

وقد تأثر الأستاذ الدكتور مصطفى كمال وصفي بهذه النظرية في اعتبار أن أركان القرار الإداري كسائر التصرفات القانونية في القانون الخاص إنما تقوم على الإرادة والمحل والسبب وبخصوص الإرادة التي يؤدي انعدامها إلى انعدام القرار الإداري يؤكد الأستاذ الدكتور/ مصطفى وصفي بأنها إرادة الهيئة الإدارية التي عليها إصدار القرار فلو صدر تعبير عن غير هذه الهيئة فإنه لا يعتد به قانوناً ولا يكون قائماً وبالتالي يكون القرار معدماً فالقرار يكون متخذها منعدماً لا يكون مصدر التعبير من رجال السلطة أو كانت السلطة المنوطة به ليست لإصدار هذا التصرف واعتبار القرار الإداري تصرف قانونياً فإنه يستلزم أن يكون التعبير عن الإدارة في إحداث أثر قانوني معين ويتمثل الأثر القانوني المترتب على القرار الإداري في إنشاء مركز قانوني معين أو تعديله أو إلغاء مركز قانوني قائم([29]).

على أية حال يقوم القرار الإداري على خمسة أركان هما الاختصاص، الشكل، السبب، المحل، الغاية.

 الاختصاص

إذا كان مبدأ الفصل بين السلطات يقتضي أن تمارس كل سلطة من سلطات الدولة الاختصاصات الموكولة إليها دون أن تتعدى على اختصاصات سلطة أخرى، فإن مبدأ الفصل بين الهيئات يقتضي أن تمارس كل هيئة إدارية الاختصاص المخول لها في صدور القانون، فالمقصود بالاختصاص أن يمارس الموظف العام عمله في حدود الاختصاصات المخولة له قانوناً وهو يعني قدرة الموظف على القيام بعمل معين([30]).

 الشكل

ويقصد به المظهر الخارجي للقرار الإداري ولا يخضع القرار كقاعدة عامة حين يصدر من جهة الإدارة لأي شكل محدد، فيمكن أن يكون القرار شفوياً أو مكتوباً، ويمكن أن يكون صريحاً أو ضمنياً بيد أنه إذا اشترط القانون ضرورة صدور القرار بعد استيفاء إجراءات شكلية معينة فيجب مراعاة هذه الشكليات كأن يشترط القانون أخذ رأي جهة معينة قبل إصدار القرار.

وتعتبر القواعد الشكلية في غاية الأهمية لأنها تؤدي إلى حماية المصلحة العامة بإلزام الإدارة بإتباع شكليات معينة لحثها على التروي والتدبر قبل إصدار القرارات الإدارية، ومن ناحية أخرى تؤدي القواعد الشكلية إلى حماية حقوق الأفراد من أن تمسها قرارات سريعة وغير مدرسة ومخالفة للإجراءات([31]).

 السبب

السبب هو الحالة الواقعية أو القانونية والسابقة على القرار التي تدفع الإدارة إلى إصداره.

فحدوث اضطرابات وخلل في الأمن العام يمثل الحالة الواقعية التي تدفع الإدارة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن والنظام العام وتقديم أحد الموظفين لاستقالته يمثل الحالة القانونية التي تدفع جهة الإدارة إلى إصدار قرار بقبول الاستقالة مثلاً.

 الغاية

الغاية هي الهدف النهائي الذي يريد مصدر القرار تحقيق أو الوصول إليه والغاية تختلف عن المحل والمتمثل في الأثر القانوني المترتب على القرار ومثال ذلك القرار الصادر بإحالة موظف معين إلى التقاعد لبلوغه السن القانونية الغاية منه هو تحقيق المصلحة العامة بضمان سير العمل الإداري عن طريق إبعاد كبار السن عن المجال الوظيفي أما محل القرار فهو قطع الصلة الوظيفية بين هذا الموظف والجهات الإدارية. والغاية تمثل الحد الخارجي للسلطة التقديرية للإدارية حيث يتعين على جهة الإدارة أن تستهدف من وراء قراراتها تحقيق المصلحة العامة سواء كانت المصلحة العامة بالمعنى الواسع أو الهدف الخاص المحدد للقرار الإداري من أوجه المصلحة العامة المختلفة.


وتم تطبيقها على صور ثلاث هي:

أولاً: عدم وجود علاقة بين القرار الإداري وأية مصلحة عامة ومن تطبيقات القضاء المصري في هذا الصدد، صدور قرار فصل شيخ، وثبوت أن هذا الفصل كان بسبب([32]) عداء الشيخ للعمدة، وانسياق الإدارة في هذا الإجراء بسبب إصرار العمدة على موقفه من المدعي موقفاً لم يصدر منه إلا عن ضغائن شخصية لا تمت للصالح العام، أو إحالة موظف إلى المعاش بقصد الانتقام وليس بباعث من الصالح العام.

ثانياً: إصدار القرار الإداري بقصد تحقيق مصلحة عامة مغايرة تماماً للمصلحة التي من أجلها منح مصدر القرار سلطة إصداره.

ومن تطبيقات القضاء المصري في هذا الصدد، ما جاء في حكم محكمة القضاء إداري الصادر في 17ي من نوفمبر عام 1955.. بأن يكون هناك انحرافاً في استعمال السلطة إذا اتخذت الإدارة قراراً لحماية أغراض غير التي قصدها الشارع من منحها تلك السلطة، حتى ولو كانت هذه الأغراض تتصل بالصالح العام، فإذا ثبت أن الرغبة في نقل المدعي من وظيفة بالكادر الفني العالي إلى وظيفة بالكادر الكتابي بسبب التهم التي أسندت إليه.. أمر قد يقتضيه الصالح العام، غير أنه لا يدخل ضمن الأغراض التي قصدها الشارع من إصدار المرسوم بقانون رقم 42 لسنة 1953، فكان يجب في هذا الشأن الرجوع إلى الأصلية التي وضعها قانون نظام موظفي بالدولة([33]).

كما قضت المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر في 16 من أبريل عام 1960 بأن.. إذا ما أصدر المحافظ مثل هذا التنظيم بقرار عام.. على جميع([34]) المطاحن التزامه وإلا استهدفت للجزاءات التي ينص عليها القانون، أما أن يقيد المحافظ مطحنة بذاتها ليحظر عليها التشغيل ليلاً بقرار فردي قبل أن يكون مسبوقاً بهذا التنظيم العام الذي يسري على الكافة كما عرض…، تنبيه مجاوزة لحدود السلطة…

ثالثاً: الانحراف بالإجراءات

ومن أحكام محكمة القضاء المصري في هذا الصدد تذاكر على سبيل المثال حكمها الصادر في 13 من يونيه عام 1950 والذي جاء فيه… بأن المشرع حرص على وصف الاستيلاء بأنه مؤقت تمييزاً له عن الاستيلاء الدائم نتيجة نزع الملكية… فإذا كانت الحكومة أصدرت القرار بالاستيلاء مؤقتاً على أرض المدعيات تمهيداً لنزع الملكية على ما جاء في دفاعها، فاتجاهها واضح من أن وضع يدها منذ البداية بصفة دائمة، فيصل ذلك إنما يكون باستصدار مرسوم خاص بنزع الملكية، أما الالتجاء إلى نظام الاستيلاء المؤقت، فهو أمر غير سليم، ويخالف ما استهدفه الشارع من هذا النظام..([35]).

المطلب الثاني

الطبيعة العينية للطعن بعدم الدستورية

قبل أن توضح الطبيعة العينية الطعن بعدم الدستورية نعرض في النقاط عدة في عجالة حتى نقف على الطبيعة الخاصة بالدعوى الدستورية.

أولاً: كيفية اتصال المحكمة الدستورية العليا الدعوى

التنظيم الدستوري المصري لموضوع الرقابة على دستورية القوانين لم يعرف الدعوى الأصلية وإنما عرف وسائل ثلاث لتحريك الرقابة الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا وهذه الوسائل هي (الإحالة، الدفع، التصدي).

هذا وقد أشارت المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة لهذه الوسائل الثلاث وقد نص القانون على ثلاثة طرق لتحقيق هذه الغاية باتصال المحكمة الدستورية بالدعوى الدستورية، أولاً: التجاء جهة القضاء من تلقاء نفسها إلى المحكمة الدستورية العليا لتفصل في دستورية نص لازم للفصل في دعوى منظورة أمام هذه الجهة وذلك تثبيتاًَ لالتزام الأحكام القضائية بالقواعد الدستورية الصحيحة. والثاني الدفع الجدي من أحد الخصوم أمام إحدى جهات القضاء بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة وعندئذ تؤجل المحكمة نظر الدعوى وتحدد لمن أثار الدفع أجلاً لرفع الدعوى بنفسه الطريقة الثالثة تخويل المحكمة الدستورية العليا أن تقضي من تلقاء نفسها – بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة أي من اختصاصاتها وسوف نقوم بعرض موجز لكل وسيلة حتى نستطيع الوقوف على ماهيتها.

أولاً: الإحالة

تقول المادة التاسعة والعشرون من قانون المحكمة الدستورية العليا:

تتولى المحكمة الرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه الآتي:-

1-إذا ترائى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية أصحاب قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير مرسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية([36]).

وتبدو أهمية الحكم المستحدث (طريق الإحالة من تلقاء المحكمة) في أن أطراف الدعوى قد لا يقفون على ما انطوى عليه النص المراد تطبيقه من مخالفة لأحكام الدستور، فسيكون على المحكمة أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي أن توقف الفصل في الدعوى وتحيل الأوراق من تلقاء نفسها – بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا([37]).

والواقع أن هذه الوسيلة ليست أكثر الوسائل انتشاراً في تحريك اختصاص المحكمة في هذا الشأن ذلك أن وسيلة الدفع توشك أن تكون الوسيلة الأكثر استعمالاً في هذا الخصوص ولكننا ندرس الإحالة أولاً لأن النص جعلها أسبق من وسيلة الدفع.

وتمثل تلك الوسيلة اتجاهاً متطوراً لتمكين رقابة الدستورية وتدعيمها، وطبقاً لها فإنه يسوغ لأي محكمة في السلم القضائي، ولأي هيئة ذات اختصاص قضائي أن تثير مسألة الدستورية من تلقاء نفسها، وفي أي حالة تكون عليها الدعوى، وذلك إذا رأت نصاً تشريعياً لازماً للفصل في النزاع المعروض عليها تثور بشأنه عدم الدستورية فإنها توقف الفصل في الدعوى الموضوعية وتحيل الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية([38]) تسويداً لأحكام الدستور وتطهيراً للنصوص التشريعية من العوار الدستوري الذي يعلق بها، والذي قد لا يتبينه الخصم أو يتبينه ويتجاهل إثارته أمام المحكمة بغيرة تعجيل الفصل في دعواه، الأمر الذي حدا بالمشرع لإقرار هذه الوسيلة المستحدثة حسبما أوضحت المذكرة الإيضاحية للقانون.

ويثور التساؤل فيما نحن بصدده حول مدى سلطة محكمة الموضوع في إحالة النص المشكوك في دستوريته إلى المحكمة الدستورية العليا إذا لم يرفع من دفع بعدم الدستورية الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا في الموعد المحدد، وطلب الخصم تعجيل الدعوى بعد فوات هذا الميعاد؟

ويجيب على هذا التساؤل أحد الفقهاء بقوله أنه إذا كان نص الفقرة (ب) من المادة (29) من قانون المحكمة الدستورية العليا يقضي بأنه: “… إذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن”، فإن هذا النص ينطبق فقط على الحالة التي تثار فيها مسألة الدستورية عن طريق الدفع وحدها.

وعلى ذلك فليس هناك ما يحول بين قاضي الموضوع وإحالة النص من تلقاء نفسه إذا تراءى له عدم دستوريته وأنه لازم للفصل في النزاع، والقول بغير ذلك يجعل قاضي الموضوع ملتزماً أو مطالباً بتطبيق هذا النص على موضوع النزاع على الرغم من اعتقاده عدم دستوريته لا لشيء إلا لمجرد أن صاحب الشأن لم يرفع الدعوى في الموعد المحدد وهو ما يستنكفه المنطق السليم([39]).

كما أن هذا القول إذا كان يصح الأخذ به في ظل قانون المحكمة العليا الذي كان يجعل تحريك الدعوى مقصوراً على حالة الدفع من أحد الخصوم، فإنه لا يجوز الأخذ به في ظل قانون المحكمة الدستورية العليا. الذي جعل الإحالة التلقائية من حق قاضي الموضوع، وجعل التصدي من حق المحكمة الدستورية العليا نفسها، الأمر الذي يدل على رغبة المشرع في تأكيد الجانب الموضوعي لدعوى عدم الدستورية وتفضيله على الجانب الشخصي([40]).

ويتعين حتى تكون الإحالة مقبولة أمام المحكمة الدستورية العليا أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إليها النص التشريعي أو النصوص التشريعية التي تعتقد المحكمة المحيلة أنه غير دستورية كذلك يتعين أن تبين المحكمة المحيلة النص الدستوري المدعي بمخالفته وأوجه المخالفة مادة 30 من قانون المحكمة وبعد تحضير الدعوى تحكم المحكمة الدستورية العليا بدستورية أو عدم دستورية النص أو النصوص المدعى بعدم دستوريتها([41])، وحكمها في هذا الأمر ملزم للمحكمة التي أحالت الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا وعلى المحكمة المحيلة أن تحكم بمقتضى ذلك، إذا حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص أوجب إعمال ذلك وإن حكمت بدستورية النص تعين على المحكمة المحيلة أن تطبق ذلك النص بصرف النظر عن اقتناعها أو اعتقاداها.

ثانياً: الدفع من جانب الأفراد

تنص المادة (29) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 على

أ)أن “تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي..

ب)”إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى، وحددت لمن أثار الدفع ميعاد لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.

ويستفاد من هذا النص أن لكل ذي شأن في الدعوى الموضوعية الحق في الطعن بعدم دستورية النص المطلوب تطبيقه على دعواه الموضوعية بيد أن قاضي الموضوع لا يحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا بطريقة تلقائية وإنما يتأكد من جدية الدفع، ويقتضي الأمر في هذا الخصوص تحديد المقصود بالجدية، وسلطة قاضي الموضوع إزاء الدفع بعدم الدستورية علاوة على وقت إثارة هذا الدفع، وذلك كله من خلال تناول الضوابط التي تحكم وسيلة الدفع الفرعي من جانب الأفراد([42]).

معنى الدفع: الغرض أن يكون هناك نزاع قضائي مطروح على إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي وبطبيعة الحال فإن المحكمة التي يطرح أمامها النزاع ستفصل فيها وفقاً لنصوص قانونية ويرى أحد أطراف الدعوى أن هذه النصوص المراد تطبيقها على المنازعة هي مخالفة لأحد النصوص الدستورية القائمة فيدفع بعدم دستورية هذا النص أو هذه النصوص والدفع بعدم دستورية نص أو نصوص في قانون أو قانون بأكمله يدخل ضمن عموم معنى الدفوع الفرعية في قانون المرافعات وهي تلك الدفوع التي تستهدف تأجيل الخصومة أو وقفها لحين الفصل في مسألة أولية يتوقف عليها الفصل في موضوع النزاع أو بمعنى آخر أن يكون الفصل في هذه المسألة التي يتضمنها الدفع لازمة لكي تتمكن المحكمة التي تنظر الموضوع من الحكم في الدعوى.

ولا شبهة في أن الدفع بعدم دستورية نص أو قانون يثير مسألة أولية أساسية لا تستطيع المحكمة التي تنظر موضوع الدعوى أن تفصل فيها ما لم تحسم تلك المسألة الأولية، مسألة دستورية أو عدم دستورية النص المدفوع بعدم دستوريته.

ولكن هل كل دفع من أحد أطراف المنازعة بعدم دستورية نص قانوني يؤدي مباشرة إلى تحريك الأمر أمام المحكمة الدستورية العليا، لو صح ذلك لأغرقت المحكمة الدستورية بسيل من الدعاوى الدستورية بغير حدود.

لهذا وضع المشرع قيداً يؤدي إلى نوع من التصفية أو “الغربلة” هو ضرورة أن تقدر المحكمة التي تدفع أمامها بعدم دستورية نص في قانون أن تقدر تلك المحكمة أن الدفع جدي في معنى ذلك([43]).

المقصود بجدية الدفع

أوردت الفقرة (ب) من المادة “29” من قانون المحكمة الدستورية العليا ضرورة أن يكون الدفع جدي، ويثور التساؤل حول المقصود بالجدية في هذا الخصوص، وللإجابة على هذا التساؤل ذهب رأي([44]) في ظل قانون المحكمة العليا إلى أن الدفع الجدي يقصد به الدفع الذي يبدو أنه ذو تأثير في الدعوى الموضوعية، بينما ذهب رأي ثالث يؤيده رأي آخر إلى أن معنى الجدية في الدفع ينصرف إلى مسألتين الأولى أن يكون الفصل في مسألة الدستورية منتجاً في الفصل في الدعوى الموضوعية أي أن يكون القانون أو اللائحة المطعون في دستوريتها متصلة بموضوع النزاع، الثانية أن تحتمل مدى مطابقة القانون أو اللائحة للدستور اختلافات في وجهات النظر أي ضرورة وجود شبهة خروج على أحكام الدستور، ولا يعني ذلك أن يتحقق القاضي من عدم الدستورية حتى يحيل الدفع إلى المحكمة الدستورية العليا، وإنما يعني أن الشك في دستورية القانون أو اللائحة، لتقدير مدى جدية الدفع – يفسر في جانب عدم الدستورية وجماع القول في جيدة الدفع أولاً ضرورة أن يكون الفصل في المسألة الدستورية التي أثارها الدفع لازمة للفصل في الدعوى المطروحة على محكمة الموضوع التي أثير أمامها الدفع وثانياً أن يكون هناك شك لدى قاضي الموضوع حول دستورية النصوص المدفوع بعدم دستوريتها([45]).

سلطة القاضي تجاه الدفع بعدم الدستورية

وفيما يتعلق بسلطة القاضي إزاء الدفع بعدم الدستورية طبقاً لما ورد بالمادة “29” من قانون المحكمة الدستورية العليا، فإن القاضي لا يحيل هذا الدفع بمجرد إبدائه من أحد الخصوم إلى المحكمة الدستورية بطريقة آلية تلقائية، وإنما يكون من حقه التأكد من جدية الدفع أي أن مدى مطابقة القانون أو اللائحة للدستور تحتمل اختلافاً في وجهات النظر.

وبطبيعة الحال فإن تقدير أمر الجدية لا يصل إلى حد الفصل في المسألة الدستورية، وإن كان الأمر عسير الاتصال وتداخل الحدود فيما بين تقدير كل من الجدية والدستورية معاً([46]). ويعد أمر تقدير جدية الدفع من صلاحيات قاضي الموضوع، فإذا ثبت له على وجه اليقين أنه لا شبهة في دستورية القانون أو اللائحة كله فله أن يرفض هذا الدفع وأن يفصل في الموضوع ولا يكون لمن أثار الدفع حق الطعن عليه أمام المحكمة الدستورية العليا، وإنما أمام محكمة ثاني درجة، أي أمام محكمة الاستئناف أو النقض بالنسبة للقضاء العادي، وأمام محكمة القضاء الإداري أو المحكمة الإدارية العليا بالنسبة للقضاء الإداري، وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا من أنها ….” ليست جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع، وإنما جهة اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها، ويتحدد هذا الاختصاص في مجال رقابة الدستورية – بما يبدي لدى محكمة الموضوع من دفوع بمخالفة الدستور تقدر محكمة الموضوع جديتها، وتقدر المحكمة الدستورية العليا توافر المصلحة فيها([47]).

وقت إثارة الدفع بعدم الدستورية يثور التساؤل بصدد الدفع بعدم الدستورية من وقت إثارة هذا الدفع، وهل هو دفع يتعلق بالنظام العام ومن ثم يمكن إبداؤه في أي حالة تكون عليها الدعوى، وأمام أي درجة من درجات التقاضي؟ أم أنه دفع لا يتعلق بالنظام العام وبالتالي يجب إبداؤه أمام محكمة الموضوع فقط؟ وفي معرض إجابتها على هذا التساؤل ذهبت محكمة النقض المصرية([48]) إلى عدم تعلق هذا الدفع بالنظام العام، وبالتالي عدم جواز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.

كما لا يجوز لهذه المحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها”، بينما يذهب جانب كبير من الفقه المصري إلى عدم مسايرة محكمة النقض فيما ذهبت إليه، ويرون أن الدفع بعدم الدستورية يتعلق بالنظام العام، ومن ثم يجوز إثارته في أي حال تكون عليها الدعوى وأمام أي درجة من درجات التقاضي، بل إن المسألة برمتها قد أصبحت خارج نطاق الجدل الفقهي بعد صدور قانون المحكمة الدستورية العليا الذي أعطى للقاضي الحق في أن يحيل مسألة الدستور من تلقاء نفسها إلى المحكمة الدستورية العليا، بل وأعطى لهذه المحكمة الأخيرة الحق في أن تتصدى بنفسها لفحص دستورية القوانين واللوائح، ومقتضى ذلك ولازمة تأكيد أن الدفع بعدم الدستورية يعد من النظام العام([49]) وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا بحكمها الصادر في القضية الدستورية رقم 23 لسنة 14 قضائية – دستورية بجلسة 12/2/1994 من أن الدفع بعدم الدستورية ليس من قبل الدفوع الشكلية أو الموضوعية وأنه يتغيا مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور ترجيحاً لها على ما عداها ومؤدى ذلك أن هذا الدفع يعد من النظام العام ومن ثم يجوز إثارته في أي حال تكون عليها الدعوى، وأمام أي محكمة([50]).

أيضاً من الضوابط الهامة للدفع بعدم الدستورية أنه إذا حكمت محكمة الموضوع بجدية الدفع المبدي أمامها بعدم دستورية نص أو نصوص في قانون أو قانون بأكمله فإنها تحكم بتأجيل نظر الدعوى إلى أجل تحدده. وفي نفس الوقت تحدد لمن أثار الدفع الذي رأته جديته أجلاً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا. فإذا لم يرفع صاحب الشأن الدعوى في الميعاد الذي حددته له المحكمة بحد أقصى ثلاثة شهور، اعتبر الدفع كأن لم يكن واستأنفت محكمة الموضوع سيرها في نظر الدعوى([51]). 

ومن ثم يمكن القول إن ميعاد رفع الدعوى الدستورية لا يعد من المواعيد التنظيمية، وإنما هو من المواعيد الحتمية التي يتعين رفع الدعوى خلالها، وإلا حكم بعدم قبولها، وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا في أحكام عديدة.


ثالثاً: التصدي

للمحكمة الدستورية العليا أن تتصدى لبحث دستورية قانون أو لائحة من تلقاء نفسها حسبما جاء بالمادة 27 من القانون رقم 48 لسنة 1979 التي قضت بأنه “لا يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية”. هذا الاختصاص الذي لم يكن مقرراً للمحكمة العليا سواء بالقانون 81 لسنة 1969م الخاص بإنشائها أو القانون 66 لسنة 1970م الخاص بالإجراءات والرسوم أمامها.

ويسوغ القول إذ بأن المادة 27 من القانون 48 لسنة 1979 قد أضافت طريقاً جديداً لتحريك عدم الدستورية غير أنه ولئن كان للمحكمة الدستورية العليا أن تتصدى من تلقاء ذاتها لبحث نص في قانون أو لائحة فإن المشرع قد حاط استخدام المحكمة لهذا الحق بضوابط معينة تكلفت ببيانها المادة آنفة البيان. هذه الضوابط التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

1-أن يكون نص القانون أو اللائحة قد عرض على المحكمة الدستورية العليا بمناسبة ممارسة اختصاصاتها – التي عددتها المادة 25 من القانون 48 لسنة 1979 وتبين لها مخالفته لأحكام الدستور. ومن قبيل ذلك إذا كانت المحكمة تتولى تفسير نص قانوني ثم تراءى لها مخالفة النص المطلوب تفسيره لأحكام الدستور، كان على المحكمة أن تتعرض من تلقاء نفسها لمدى دستورية هذا النص، فإذا اتضح مخالفته لأحكام الدستور قضت بعدم دستوريته دون أن يطلب منها ذلك([52]).

2-أن مباشرة المحكمة الدستورية العليا لحققها في التصدي لا يعني أنها قطعت بعدم دستورية النص محل التصدي، إذ لا يعدو أن يكون الأمر مجرد تصور مبدئي من جانب المحكمة بعدم دستورية النص، ومن ثم فإنه يجب إحالة الأمر إلى هيئة المفوضين بالمحكمة كي تتخذ بشأنه إجراءات تحضير الدعوى وإبداء رأيها القانوني بهذا الصدد، ثم تعرضه على المحكمة الدستورية العليا لتعلن رأيها النهائي فيه([53]).

3-لا يشترط بالنسبة للنص الذي تتصدى له المحكمة أن يكون لازماً للفصل في النزاع المطروح، بل يكفي مجرد قيام صلة بين النص أي النص المعروض عليها والنص الذي تتصدى له([54]).

فالاكتفاء بمجرد قيام صلة بين النص يعطي للمحكمة سلطة أوسع في مجال استعمالها لحق التصدي. وهو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم “10” لسنة 1 قضائية – دستورية بجلسة 16/5/1982 والتي طعن فيها أحد أعضاء مجلس الدولة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة “104” من قانون مجلس الدولة حيث استعملت المحكمة حقها في التصدي متعرضة لدستورية الفقرة الأولى من المادة 83 من قانون السلطة القضائية وجاء بحيثيات حكمها …”وحيث أنه بالنسبة للطعن بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة “104” من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972… فإنها تماثل في حكمها الفقرة الأولى من المادة 83 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 49 لسنة 1973… الأمر الذي دعا المحكمة إلى إعمال رخصة التصدي المتاحة لها طبقاً للمادة “27” من قانونها فيما يتعلق بالمادة الأخيرة – أي المادة “83” من قانون السلطة القضائية لاتصالها بالنزاع المطروح عليها([55]) وانتهت المحكمة في هذه الدعوى إلى الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادتين 104 و83 فيما تضمنتاه من عدم إجازة الطعن في قرارات نقل وندب رجال القضاء والنيابة العامة ومجلس الدولة أمام الدوائر المختصة طبقاً لهاتين المادتين.

4-أنه لا صحة لما ذهب إليه البعض من أن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم قبول الدعوى الدستورية لعدم توافر شروطها لا يمنع المحكمة من أن تتصدى بنفسها لعدم الدستورية إذا ظهر لها أن شبهة عدم الدستورية واضحة في النص الذي رفع الأمر بشأنه أمامها، خاصة وأن المشرع قد استخدم – لإعطاء المحكمة حقها في التصدي عبارة “بمناسبة ممارسة اختصاصاتها” مما يعد رغبة منه في التوسع في حالات التصدي، وأنه لو أراد التضييق لكان يجب عليه استعمال اصطلاح “أثناء” بدلاً من اصطلاح “بمناسبة” إذ أن يحدث مدى قبول الدعوى أو عدم قبولها يعتبر مناسبة لاستخدام المحكمة حقها في التصدي. بيد أنه لا يمكن مسايرة هذا الرأي فيما ذهب إليه، ذلك أن مناط إعمال رخصة التصدي المقررة للمحكمة الدستورية العليا بمناسبة ممارسة اختصاصاتها هو أن يكون النص الذي يرد عليه التصدي متصلاً بنزاع مطروح على المحكمة، فإذا انتفى قيام هذا النزاع أمامها، فلا يكون لرخصة التصدي سند يسوغ إعمالها([56])، وهو الأمر الذي رددته المحكمة الدستورية العليا في أحكام عديدة منها حكمها في القضية رقم “31” لسنة قضائية دستورية بجلسة 11/6/1983 والذي جاء فيه “أنه لا محل لما يثيره المدعي من أن لهذه المحكمة رخصة التصدي لعدم دستورية النص المطعون فيه طبقاً لما تقضي به المادة “27” من قانونها… ذلك أن إعمال هذه الرخصة المقررة لها طبقاً للمادة المذكورة منوط بأن يكون النص الذي يرد عليه التصدي متصلاً بنزاع مطروح عليها، فإذا انتفى قيام النزاع أمامها فلا يكون لرخصة التصدي سند يسوغ إعمالها… ([57]).

5-أن الرقابة التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا من خلال استعمالها لرخصة التصدي لا تتقيد بميعاد شأنها في ذلك شأ، الإحالة من جانب محكمة الموضوع، وخلافاً للدفع من جانب الأفراد، حيث يمكن للمحكمة أن تتصدى من تلقاء نفسها في أي وقت لدستورية نص في قانون أو لائحة بمناسبة ممارسة اختصاصاتها.

وأخيراً إذا كان المشرع المصري قد حرص على توكيد الشرعية الدستورية من خلال توسيعه لنطاق الرقابة بالوسائل الثلاثة سالفة الذكر، فإننا نضم صوتنا إلى أصوات غالبية الفقه المصري في المناداة بتتويج هذا المسلك التشريعي بإقرار الأخذ بالدعوى الأصلية في مجال رقابة الدستورية بما يحقق قدراً أكبر من الحماية للشرعية الدستورية، مع التسليم بوضع الضوابط الكفيلة بتفادي الدعاوى الكيدية حتى لا يهدر وقت المحكمة الدستورية العليا في أمور لا طائل من ورائها([58]).

طبيعة الرقابة

ثار هذا الموضوع بين اتجاهين يقول أحدهما بقانونية الرقابة ويذهب ثانيهما إلى سياسة الرقابة.

البعد القانوني للرقابة([59])

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن مهمة القاضي الأصلية هي الفصل في المنازعات ذات الطابع القانوني ومن ثم فإذا ما عرض عليه نزاع يتطلب تطبيق نص تشريعي معين، وأسفر فحصه لهذا النص عن تعارض مع نص دستوري، فإن الواجب الطبيعي للقاضي ومنطق الأمور يملي عليه أن يطبق النص الدستوري بحسبانه القانون الأعلى، وذلك عند تعارض النص التشريعي معه.

ولذلك تعد رقابة القضاء بهذا المعنى عملاً قانونياً، أو قضائياً، إن شئنا الدقة – وليس عملاً سياسياً، ويؤكد هذا أننا إذا تناولنا دور القاضي عند ممارسته للرقابة على دستورية القوانين لوجدنا أنه يقوم بدوره على النحو التالي:

1-يتحقق أولاً من صدور القانون صحيحاً، أي يتأكد من أن القانون صدر مستوفياً للشكل الذي يستلزمه الدستور لصدوره صحيحاً.

ويرى أنصار هذا الرأي([60]) أن قيام القاضي بهذه المهمة لا يعد من قبيل الرقابة على دستورية القانون، أو ضرباً من ضروبها فالرقابة على دستورية القوانين تفترض وجود قانون صحيح فإذا ما كان القانون غير مستكمل لأوضاعه الشكلية فلا مجال للقول بوجود القانون، ومن ثم تنتفي إمكانية الرقابة على دستورية القوانين.

إذا تأكد القاضي من صدور القانون صحيحاً فإنه يبحث في مرحلة تالية على مدى اتفاق، أو تعارض هذا القانون مع أحكام الدستور، وممارسة القاضي للرقابة في هذه المرحلة تعد  ممارسة طبيعية لوظيفته القضائية بحيث تحتفظ الرقابة والحال كذلك – ببعدها القانوني، ولا تتجاوز إلى البعد السياسي. بمعنى أن القاضي حين يباشر مهمته في الرقابة لا يتأثر بثمة تيارات سياسية، وكل ما يفعله هو التأكد من موافقة القانون للدستور من عدمه فإذا تأكدت هذه الموافقة قضى بدستوريته، وهذا من صميم الأعمال القانونية، ولا يمكن اعتباره عملاً سياسياً([61]).

التشكيك في سلامة رأي أنصار هذا الاتجاه

شكك البعض في سلامة الحجج التي ساقها أنصار هذا الاتجاه وانتقد الأساس الذي قامت عليه للآتي:

1-لأنه لا يمكن مشاطرة الرأي القائل بأن الرقابة على الدستورية ليست رقابة قانونية، إذ أنها رقابة سياسية في ذات الوقت بحسبان أن مادة الرقابة ذاتها سياسية بطبيعتها لأنها تنصب على عمل السياسيين المنظمين لشئون الدولة وهم المشرعين([62]).

2-القول بأن الرقابة على دستورية القوانين لا تنصب على عمل سياسي وإنما هي تنصب على النتيجة التي تترتب على هذا العمل، أي على التشريعات، ومن ثم تكون عملية الرقابة عملية قانونية – هذا القول يخلط ما بين المقدمات، والنتائج وإلا فكيف يستقيم القول بأن القضاء يراقب دستورية القانون الذي يعبر عن أفكار سياسية في الوقت الذي تتجرد فيه النتيجة المترتبة على الرقابة من الطابع السياسي؟

3-القول بأن الرقابة لها طابع قانوني وليس لها طابع سياسي استناداً إلى أن المشرع يكون من المهارة بحيث لا ينتهك نصوص الدستور صراحة فيما يسنه من قوانين، ومن ثم تصبح الرقابة القضائية عديمة الجدوى لأن دور القاضي سيقتصر على منع التعارض الصريح بين نص القانون، ونص الدستور، وبالتالي سيكون هذا التعارض نادراً نظراً لهذه المهارة، هذا القول يمكن الرد عليه، بأن المخالفة المقنعة هي الأكثر أهمية، وخطورة في مجال الرقابة على دستورية القوانين من المخالفة الصريحة ومن ثم سيحاول القائم على أعمال الرقابة أن يحل إرادته محل إرادة المشرع، وهذا يعد نوعاً من الرقابة السياسية لا القانونية عكس ما حاول أنصار هذا الرأي الإيهام به.

4-وحيث أن الدستور يكتفي بوضع الإطار العام للقواعد القانونية تاركاً للسلطة التشريعية مباشرة وظيفتها الإنشائية داخل هذا الإطار، فإن كل قاعدة دستورية من هذا النوع تنطوي على (تفويض دستوري* للسلطة التشريعية، ويمكن القول بأن اشتراك السلطة القضائية في تفسير نصوص الدستور، والقوانين يجعل للمحاكم هي الأخرى نصيباً من المشاركة في عملية التفويض الدستوري، وكلما جاءت عبارات الدستور على نحو أكبر من العموم، أو من الغموض كلما اتسع نطاق السلطة التقديرية الممنوحة للسلطة التشريعية واتسع كذلك نطاق مشاركة القضاء في وزن هذه السلطة التقديرية([63]).

وأهم ما يلاحظ على الرأي الذي ينتقد الطابع القانوني للرقابة تأكيده على أن الرقابة القضائية ليست بهذه الدرجة المتوهمة من الوضوح والانضباط نظراً إلى أنه كثيراً ما تجاوزت المحاكم ظاهرة النصوص ما بين سطورها، وتوجد مبادئ دستورية لا قيام لها في الواقع إلا في رؤوس القضاة – ومنذ أباح القضاء لنفسه أن يتخذ من هذه المبادئ معياراً لدستورية القوانين يمكن القول أن الرقابة تجاوزت طبيعتها القانونية التي تبررها الاعتبارات النظرية، وصارت وسيلة خطيرة لاقتحام المجال التشريعي ومن ثم لا يمكن وصف مثل هذه الرقابة القانونية أو نفي الطابع السياسي عنها([64]).

البعد السياسي للرقابة:

يرى أنصار هذا الاتجاه أن دور القاضي ليس مقصوراً على مجرد المقابلة الحرفية بين نصوص الدستور ونصوص القانون للبحث عن التعارض الصريح بينهما. إذ أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأنه لو اقتصر دور القاضي على إجراء المقابلة بين نص الدستور، والقانون فإن تدخله لن يجدي شيئاً، بحسبان أن المشرع العادي من المهارة دائماً بحيث لا ينتهك نصوص الدستور صراحة.

لذلك يتدخل القاضي بما يعتنقه من أفكار، وآراء ليتوصل لما إذا كان هناك انتهاك من القانون للدستور من عدمه، وهذا التدخل من جانب لقاضي يعد تجاوزاً لدوره القانوني إلى ممارسة دور سياسي، وخروجاً بالرقابة من البعد القانوني إلى البعد السياسي، ومن ثم فإن الرقابة تفضي بالضرورة إلى المجال السياسي.

وأنصار هذا الاتجاه يقيمون وجهة نظرهم السابقة على أساس أنه ما دام من غير المتصور إسناد عملية رقابة القانون إلى وضعيه، فيتعين وجود جهة أخرى مختصة بإقرار عدم الدستورية، وبالتالي الحيلولة دون ترتيب القانون غير الدستوري لإثارة.

كما أنه وإن كان الحكم بمطابقة قاعدة قانونية بأخرى أعلى منها لا يعد عملاً سياسياً وإنما عملاً قضائياً أو بالأخرى عملاً قانونياً، إلا أنه ليس هناك ما يمنع من الناحية العملية القاضي الذي يقارن بين نصين – الدستور – والقانون – وكلاهما ينم عن فكرة سياسية، ويتأثر باعتبارات سياسية من أن يتحول صوب الجانب السياسي وهذا التحول لا فكاك منه لأنه من المحتم أن تفضي الرقابة بالقاضي إلى الساحة السياسية وإنه إذا توارد للذهن أن الاستعانة بالقاضي لمراقبة دستورية القوانين هو أمر يتصل بمسألة قانونية فإن الواقع مغاير لذلك.

وأضاف أنصار هذا الاتجاه أن حقيقة الأمر في الرقابة أن القاضي يحدد نوايا واضعي الدستوري، ونوايا المشرع ويتوقع آثار القانون، ويتخيل أصدائه، ولتقييم ذلك كله يضع القاضي نفسه مكان واضعي الدستور، ويتجاوز عند قيامه بهذا الدور حدود الوظيفة القضائية إلى اقتحام الساحة السياسية، وهو لا يقضي بوصف قاضياً بل تبعاً للحالة الفكرية لرجل حكم، وبذلك نجد أننا إزاء إحلال فكرة سياسية هي فكرة القاضي محل فكرة سياسية أخرى هي فكرة المشرع([65]).

رأينا الخاص: بعد عرضنا للآراء التي حاولت تكييف الرقابة على دستورية القوانين، فإذا جاز لنا أن نبدي رأي، فإننا نؤيد الرأي الذي يرى أن الرقابة على دستورية القوانين لها طابعاً سياسياً مهماً حرص القاضي في هذا المجال على تفادي ارتياد الساحة السياسية فلئن أمكن من الناحية النظرية القول بأن القاضي يمارس في هذا المجال مهمة قانونية فنية خالصة، فإن الواقع يدل على خلاف ذلك ولعل العبرة في التصدي للأنظمة السياسية والنصوص الدستورية هو بالوقوف عليها من خلال تفاعلها مع الظروف الواقعية التي تعايشها دون الوقوف على هياكلها أو أحكامها مجردة ومما يؤيد ذلك أنه المتتبع لأحكام المحكمة الدستورية العليا في حصر لابد وأن ينتهي إلى هذه النتيجة ويؤيد ذلك الأسانيد الآتية:

1-تنص المادة الخامسة من قانون المحكمة الدستورية العليا على أن: (يعين رئيس المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية، ويعين عضو المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية.. ويجب أن يكون ثلث عدد أعضاء المحكمة على الأقل من بين أعضاء الهيئات القضائية).

ودلالة ما تقدم أن المشرع أجاز أن يكون بين تشكيل المحكمة الدستورية العليا أعضاء من خارج الهيئات القضائية، بل أن هؤلاء الأعضاء يمكن أن يصل عددهم إلى ثلث عدد أعضاء المحكمة وهذا يعني أن التشكيل قد لا يكون تشكيلاً قانونياً خالصاً.

وقد يكون هذا منفذا لوجود رجال السياسة، والحكومة داخل المحكمة وهو ما يؤدي بما لا يدع مجالاً للشك – للتأثر بشكل أو بآخر بالاتجاهات السياسية السائدة.

2-القاضي الدستوري حيثما تكون مخالفة التشريع للدستور لست واضحة، وصريحة قد يحل نفسه محل إرادة المشرع وصولاً للمخالفة، وأبعادها ولبيان وجودها من عدمه وهذا الإحلال يختلف من قاضي إلى آخر، ويتأثر بالاتجاهات التي يعتنقها القاضي لدرجة قد تؤدي على اختلاف التصورات فقد يرى قاضي يؤمن باعتبارات، واتجاهات معينة وجود المخالفة، بينما لا يرى قاضي آخر وجودها لعدم إيمانه بما اعتنقه الأول.

3-المحكمة الدستورية العليا بحسبانها القوامة على صيانة الدستور من مخالفات المشرع العادي الشكلية والموضوعية لابد وأن تتأثر بما ورد بصلب الدستور لإعلاء حكمه على القانون العادي، ولو كان ذلك على حساب البعد القانوني للرقابة، فالدستور ينطوي على تنظيم للمجال السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، وهذا التأثر وارد بل وله صدى من الواقع في مصر بدليل أن المحكمة الدستورية العليا عند إصدارها للعديد من أحكامها غلبت الوضع السياسي على الوضع القانوني وليس أدل على تأثر الرقابة الدستورية العليا الصادر في الدعوى الدستورية رقم 37 لسنة 9ق – دستورية – جلسة 19/5/1990 والتي وقضت فيها بعدم دستورية نص المادة الخامسة مكرر من القانون رقم 38 لسنة 1972 بشأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986([66]) فيما تضمنه من النص على “أن يكون لكل دائرة عضو واحد يتم انتخابه عن طريق الانتخاب الفردي”، ويكون انتخاب باقي الأعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية، وجاء في أسباب هذا الحكم، وحيثياته الفقرة التالية – وهي الفقرة السابقة مباشرة لمنطوق الحكم – “لما كان ذلك وكانت انتخابات مجلس الشعب قد أجريت بناء على نص تشريعي ثبت عدم دستوريته بالحكم الذي انتهت إليه المحكمة في الدعوى الماثلة، فإن مؤدى هذا الحكم، ولازمة أن تكوين المجلس المذكور يكون باطلاً منذ انتخابه، إلا أن هذا البطلان لا يؤدي البتة إلى ما ذهب إليه المدعي من وقوع انهيار دستورية ولا يستتبع إسقاط ما أقره المجلس من قوانين وقرارات وما اتخذه من إجراءات خلال الفترة الماضية وحتى تاريخ نشر الحكم في الجريدة الرسمية بل تظل تلك القوانين، والقرارات قائمة على أصلها من الصحة، ومن ثم تبقى صحيحة ونافذة وذلك ما لم يتقرر إلغاؤها أو تعديلها من الجهة المختصة دستورياً، أو يقضي بعدم دستورية نصوصها التشريعية بحكم من المحكمة الدستورية العليا. إن كان لذلك ثمة وجه آخر غير ما بنى عليه هذا الحكم…” تلك الجزئية من الأسباب، والمنطوق الذي يليها إنما هي خير دليل على صحة الرأي الذي انتهينا إليه بشأن تأييدنا للطبيعة السياسية للرقابة على دستورية القوانين وتأثرها بكثير من الاتجاهات السياسية السائدة، إذ أن الرقابة لو كانت ذات طبيعة قانونية لما أجهدت المحكمة الدستورية العليا نفسها في البحث عن مبررات، وأسانيد لما انتهت إليه من استمرار وجود ما أقره المجلس من قوانين، وقرارات صحيحة رغم الحكم ببطلان تشكيل المجلس الذي أصدر هذه الأعمال([67]).

والأثر الذي كان يجب أن يترتب من الناحية القانونية على هذا الحكم هو عدم صحة جميع ما صدر من مجلس الشعب خلال الفترة من تاريخ تشكيله، وحتى نشر هذا الحكم، إذ أن القضاء ببطلان تشكيل المجلس يستتبع بالضرورة بطلان جميع ما صدر عن المجلس من أعمال، بحسبان أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لها أثر رجعي – خاصة وأن المحكمة الدستورية العليا ذاتها أكدت واستقرت على أن أحكامها تحوز الأثر الرجعي، وتقدم لنا النص المقضي بعدم دستوريته من يوم ولادته، وجميع ما ترتب على هذا النص يعد كأن لم يكن، وفي حكم العدم – إلا إذا كان هناك حكم حاز قوة الأمر المقضي أو مركز قانوني استقر بموجب النص الذي قضى بعدم دستوريته بحسبان أن هذا يمثل استثناء من أعمال الأثر الرجعي وهو ما لا ينطبق على الأعمال التي صدرت من مجلس الشعب الذي قضى ببطلان تشكيله وهو ما كان يستوجب إعمال الأثر الرجعي في هذه الدعوى إعمالاً كاملاً.

ويلاحظ أن المحكمة الدستورية العليا ذاتها هي التي أقرت في العديد من أحكامها سريان أحكامها بأثر رجعي([68]).

وإعمال هذا الأثر في مثل هذا الحكم كان يستوجب بطلان جميع ما صدر عن هذا المجلس من أعمال خلال الفترة الماضية السابقة على صدور الحكم. إلا أن المحكمة الدستورية العليا رأت لأسباب سياسية عدم إعمال هذا الأثر، ولعل أهم هذه الأسباب أن رئيس الجمهورية تم انتخابه لفترة الرئاسة الثانية من قبل هذا المجلس، والمنطق القانوني لإعمال الأثر الرجعي للأحكام الدستورية مؤداه أن يغير جميع ما صدر عن هذا المجلس عدا المراكز القانونية التي استقرت، ومدة التقادم التي اكتملت والأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي وهي الاستثناءات التي حرصت المحكمة الدستورية العليا على تأكيدها وعدم إعمال الأثر الرجعي بشأنها في حكم العدم وبأثر رجعي، وهو ما كان يستتبع كذلك عدم صحة ما تم من ترشيح وانتخاب لرئيس الجمهورية بواسطة المجلس الذي قضى بعدم دستورية وكان يتعين معه القول بأن وجود رئيس الدولة على رأس الدولة غير دستوري إعمالاً لأحكام الأثر الرجعي.

حقاً أن هذه النتيجة ستؤدي إلى انهيار دستوري للدولة، وفراغ قانوني لبطلان ما صدر عن المجلس من تشريعات خلال هذه الفترة إلا أن هذا هو المعنى الحقيقي لإعمال الأثر الرجعي، أما وأن المحكمة تذهب إلى صحة جميع الأعمال، والقوانين التي صدرت من المجلس رغم القضاء بعدم دستورية تشكيله ورغم أن الأعمال التي قررت صحتها ليست من بين الاستثناءات التي قيدت بها المحكمة الدستورية العليا الأثر الرجعي لأحكامها فلا تفسير له سوى التأثر بالاتجاهات السياسية، ورغبة منها في تجنيب البلاد شرور الفراغ القانوني، والانهيار السياسي، إلا أن هذه الاعتبارات سياسية بحتة، ورغم بذلها ما كان يجب تغليبها على الاعتبارات القانونية المشار إليها، وهو ما يدلل على الطبيعة السياسية للمحكمة الدستورية العليا بطبيعة الرقابة التي تمارسها([69]).

بعد ذلك نقوم بعرض للطبيعة العينية للدعوى الدستورية وقبل أن نوضح تلك النقطة لابد لنا من عرض لمفهوم الدعوى الدستورية.

أولاً: مفهوم الدعوى الدستورية

يتولى المشرع العادي تنظيم المراكز القانونية للأفراد بتفويض من المشرع الدستوري الذي يقتصر على بيان طائفة الحقوق والحريات العامة التي يستمدها الأفراد من الدستور.. ذلك أن المشرع العادي يملك بما له من سلطة تقديرية وضع الضوابط القانونية لممارسة تلك الحقوق والحريات شريطة ألا يصل هذا التنظيم التشريعي إلى إهدار أصل الحق أو الحرية أو تفريغها من مضمونها([70])… واستناداً لهذا التنظيم التشريعي يتحدد مركز الفرد من القاعدة القانونية. ويقصد بالمركز القانوني الحالة التي يوجد فيها الفرد حيال القانون أي مجموعة الحقوق والحريات والالتزامات التي يمكن أن تقرر له([71]).

وتنقسم المراكز القانونية إلى مراكز قانونية عامة أو موضوعية ومراكز قانونية خاصة أو شخصية.. وإذا كانت المراكز القانونية العامة تستند إلى القانون في وجودها ومداها فإن المراكز الشخصية لا تستند إلى القانون إلا فيما يتعلق بإنشاء الواجب القانوني الذي يضمن وجود مكنة الاقتضاء فحسب، أما فيما يتعلق بمدى هذه المكنة ومضمونها فهي وليدة الإرادة أو الإرادات الفردية القائمة بالتصرف.

ومن تطبيقات المراكز القانونية العامة مركز الموظف في القانون العام حيث تتطابق حقوق وواجبات سائر الموظفين، أي أن المراكز الوظيفي للفرد – الموظف – يحتم عليه بعض الواجبات ويمنحه بعض الحقوق، أما المراكز القانونية الخاصة فإن مضمونها يتحدد بصورة فردية، بمعنى أنه يتغير ويختلف بالنسبة لكل حالة على حدة مثل مركز الدائن والمدين وما يكون لأي منهما من حقوق أو عليه من التزامات تتحدد في كل حالة على حدة وفقاً للاتفاق أو العقد.

فإذا نظرنا إلى المراكز القانونية العامة نجد أنها تنظم بصورة عامة ومجردة عن طريق القواعد العامة الملزمة كالتشريع الأصلي واللوائح ومن ثم يجوز تعديل مثل تلك المراكز وفقاً لما تمليه اعتبارات الصالح العام بحيث يسري هذا التعديل على كل من يشغل هذا المركز القانوني دون توقف على رضائه، بينما لا يمكن تعديل مضمون المراكز القانونية الذاتية إلا بموافقة ورضاء شاغليها.

ولما كان المركز القانوني ينطوي على منح الفرد سلطة المطالبة باستيفاء منافعه ومطالبه، أي منحه مكنة الاقتضاء، فإن إمكانية فشل هذا الفرد في الحصول على تلك المكنة يكون متصوراً أو قائماً الأمر الذي يجعل لصاحب المصلحة التمسك يحمل من بيده سلطة منحه حقوقه مصرياته التي اكتسبها من مركزه القانوني على العدول عن موقفه، بحيث إذا امتنع هذا الأخير عن العدول عن موقفه – وهو المشرع هنا – نشبت عن ذلك خصومة تستوجب عرضها على سلطة مستقلة تحمل راية الحياد ألا وهي السلطة القضائية وهي هنا المحكمة الدستورية العليا – توصلاً لحمل المشرع على الإيفاء بما التزم به.

ومن جماع ما سبق نخلص إلى القول بأن المركز القانوني يفتح المجال أمام شاغله، أي أمام صاحب مكنة الاقتضاء في اللجوء إلى محراب القضاء عن طريق رفع الدعاوى اللازمة للحكم بإلزام من تحمله القاعدة القانونية التي يستمد منها المركز القانون بواجب القيام بعمل أو الامتناع عن عمل أي بإلزامه بتنفيذ واجبه الذي فرضه عليه القانوني حتى يصل صاحب مكنة الاقتضاء بذلك الإلزام إلى استيفاء حقه.. وهو ما يمكن تسميته بالدعوى.. فالدعوى إذن هي عبارة عن سلطة قانونية يتمتع بها الأفراد ويتمكنون بمقتضاها من الالتجاء إلى القضاء طلباً لحماية حقوقهم المعتدى عليها، ومن ثم تجد هذه الدعوى مصدرها ووثيقة ميلادها في واقعة الاعتداء([72]).

وبتطبيق التعريف السابق على الدعوى الدستورية يمكن القول بأنها وسيلة اختيارية خولها القانون لصاحب الحق في اللجوء إلى القول لإيقاع الجزاء الذي يقرره القانون على إخلال البرلمان بالواجب الذي تنطوي عليه القاعدة الدستورية فهذه الدعوى تهدف إلى رفع الاختلاف بين ما آتاه البرلمان “من تشريع مخالف للدستور، وما كان عليه أن يأتيه من تشريعات تحترم الدستور”([73]).

ومن ثم، فإذا كان القانون الصادر من السلطة التشريعية من شأنه أن يمس المركز القانوني مصدراً للاعتداء على هذا المركز، فهنا تقوم لشاغل هذا المركز القانوني مصلحة مؤكدة في اللجوء إلى القضاء الدستوري عن طريق الدعوى الدستورية ليحصل منه على ما يضمن رد الاعتداء أو ما يجدد الاعتراف بحقه.. بمعنى أنه يجوز للأفراد اللجوء إلى القضاء الدستوري، عبر الدعوى الدستورية مطالبين إياه بالحكم بعدم دستورية القانون أو تقرير دستوريته([74]).

إلا أننا نميل إلى تعريف الدعوى الدستورية بأنها … سلطة الالتجاء إلى القضاء الدستوري في الشكل الذي يحدده الدستور والقانون – لتقرير دستورية أو عدم دستورية النصوص التشريعية الطعينة اللازمة للفصل في الدعوى الموضوعية حماية للحقوق والحريات الدستورية.

بعد عرضنا لتعريف الدعوى الدستورية نقوم بعرض لأوصافها


 الدعوى الدستورية دعوى قضائية ذات طبيعة خاصة

لم تتطرق الدساتير المصرية السابقة على الدستور الحالي إلى موضوع الرقابة على دستورية القوانين لا بالإجازة بالمنع، وعلى الرغم من أن فكرة الرقابة بقيت مستكنة في الضمير القانوني المصري إلا أنها لم تتوج تشريعياً إلا في عام 1969م حيث صدر قرار بقانون رقم 81 لسنة 1969م.

لينشئ المحكمة العليا التي يعهد إليها وحدها دون غيرها الفصل في المسألة الدستورية إذا ما أثير دفع بذلك أمام إحدى المحاكم.

وفي ظل دستور 1971م عهدت المادة 175 منه إلى المحكمة الدستورية العليا بمهمة الرقابة على دستورية القوانين واللوائح وبتقريب هذه المادة مع المادة التي تسبقها والتي تقضي بأن المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، لاتضح لنا أن الدعوى الدستورية هي دعوى قضائية تنظرها محكمة مشكلة تشكيلاً قضائياً لا يخالطها عنصر سياسي([75]).

وإذا كان قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 1979م لم يجز الدعوى الدستورية المبتدأة، إلا أنه جمع في الدعوى الدستورية يبين بعض خصائص أسلوب الدعوى وبعض خصائص أسلوب الدفع، مما يدفعنا إلى القول بأن الدعوى الدستورية، هي دعوى ذات طبيعة خاصة.

فمن زاوية كونها دعوى نجد أن المشرع قد اشترط في الدعوى الدستورية أن يكون هناك نزاع أو دعوى موضوعية أثير فيها دفع بعدم الدستورية، وأن الفصل فيه لازم للفصل في موضوع الدعوى، ففي هذه الحالة وحين يتأكد لقاضي الموضوع أن الدفع بعدم الدستورية يتصف بالجدية، فإنه يوقف هذه الدعوى أو يؤجلها ويجدر عن آثار الدفع مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر ليرفع دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا، فكأن المسألة الدستورية سوف تعرض في تلك الحالة على المحكمة الدستورية العليا عن طريق دعوى مباشرة يرفعها أصحاب الشأن إلا أنها ليست دعوى مبتدأة، وإنما هي دعوى في أعقاب دفع أثير أمام قاضي الموضوع وثبت للقاضي جديته، وأن الفصل فيه لازم للفصل في موضوع النزاع المعروض أمامه([76]).

ومن زاوية كونها دفع نجد أن الدفع المثار ترك بعض بصماته على طبيعة الدعوى الدستورية، حيث لا يجوز للمدعي أن يحدد له قاضي النزاع ميعاداً لرفع فيه دعواه أن يطلب من المحكمة الدستورية العليا إلغاء النص المطعون فيه أو إعلان بطلانه، فكل ما تملكه المحكمة الدستورية هو أن تقول كلمة الفصل في المسألة الدستورية بأن تقرر بأن النص الطعين مخالف أو غير مخالف للدستور ثم تنتقل السلطة لقاضي النزاع الذي له أن يفصل في موضوع الخصومة على هدى حكم المحكمة الدستورية العليا([77]).

الدعوى الدستورية ذات طبيعة مختلطة عينية شخصية

إذا كان هناك اتفاق حول طبيعة العينية للدعوى الدستورية فإن بوادر الاختلاف سرعان ما تلوح في الأفق عند محاولة شخصنتها، أي جعلها دعوى شخصية، فالكتابات الفقهية قد اتجهت إلى مفهوم الدعوى الدستورية بأنها دعوى عينية لم ترصد – بحسب الأصل – لحماية حقوق شخصية للأفراد، وإنما لتحقيق الشرعية الدستورية عن طريق اختصام النصوص القانونية واللائحية المخالفة للدستور.

وإذا كان من شأن ذلك أن يوفر نوعاً من الحماية الجدية لمصالح الغير فإن ذلك لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما يعد من قبيل النتيجة المترتبة على حماية مبدأ الشرعية الدستورية في مواجهة الهيئات التشريعية”.. ومن ثم فالدعوى الدستورية ليست سوى طعناً عينياً في القانون أو اللائحة يبنى على المصلحة العامة التي يجب أن تسود الأعمال التشريعية، فإذا ما أبيح للأفراد تحريكها عن طريق الدفع بعدم الدستورية فليس ذلك سوى رغبة من المشرع في أن يقيم من الأفراد رقباء على الهيئات العامة (السلطتين التشريعية والتنفيذية – تحقيقاً لسمو الدستور.. فهم في شأن الدعوى الدستورية يلعبون دوراً مماثلاً لرجال النيابة العمومية عندما يحركون الدعوى العمومية باسم المجتمع ومصلحته([78]).

فطالما كان جوهر الطعن بعدم الدستورية هو النص على دستورية القوانين واللوائح محل الطعن، فلا يمكن القول بانتماء الدعوى الدستورية إلى طائفة القضاء الشخصي. ذلك أن تلك الدعوى لا تمثل خصومة تتعلق بحقوق شخصية مثل دعوى التعويض، ولا تثير منازعة بين خصمين كالدائن والمدين، ولكنها تعد المثال الواضح للقضاء العيني بحكم كونها مجردة مخاصمة للقانون المخالف للدستور بغية رده إلى حكم الدستور حماية للشرعية الدستورية… وبعبارة أخرى فإن رافع الدعوى الدستورية لا يختصم البرلمان الذي صدر عنه القانون الطعين وإنما يختصم القانون.

وتمثل أحكام المحكمة الدستورية العليا إلى تكييف الدعوى الدستورية بأنها دعوى عينية، حيث أقرت بأن النصوص المطعون عليها بأحكام الدستور تحرياً لتطبيقاتها معها إعلاء للشرعية الدستورية، ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هي موضوع الخصومة الدستورية أو هي بالأحرى محلها، وإهدار هذه النصوص بقدر تهاترها مع أحكام الدستور هي الغاية التي تبتغيها هذه الخصومة([79]).

بينما ذهب اتجاه آخر بتكييف الدعوى الدستورية أنها ذات طبيعة مختلطة([80]) وهو الاتجاه الذي نؤيده، فالدعوى الدستورية ذات طبيعة مختلطة وليست الطبيعة العينية الخالصة وذلك لأن النظر القائل بأن الدعوى الدستورية تخاصم القانون المطعون فيه هو قول صحيح، بيد أنه إذا كان القانون هو عبارة عن إفصاح المؤسسة التشريعية عن إرادتها في ممارسة اختصاصاتها الدستورية بقصد التفاعل مع المراكز القانونية القائمة أو بقصد إنشاء مراكز قانونية جديدة، فإن في اختصام هذا القانون نعي على إرادة أعضاء البرلمان مما يشكل من الناحية الواقعية اختصام هذا المجلس النيابي نفسه، ويقوي هذا الاستخلاص أن الدعوى الدستورية قد تكتب شهادة نهاية الخدمة لأعضاء المجلس النيابي متى حكم بعدم دستورية القانون الذي أتى بهؤلاء إلى قبة البرلمان فالطعن بعدم دستورية قانون الانتخاب من شأنه أن يجعل البرلمان خصماً في الدعوى الدستورية، ولعل حل المجلس النيابي لعدم دستورية قانون الانتخاب أفضل تجسيد لفكرة اختصام البرلمان. فصاحب الدعوى الدستورية لم يقتضي حقه ضد قانون الانتخابات المطعون فيه فقط بل تجاوز الأمر إلى خروج أعضاء المؤسسة التي أصدرت هذا القانون من الخدمة ولو مؤقتاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن استطلاع قصد المشرع الدستوري من فكرة الرقابة على دستورية القوانين من خلال المحكمة الدستورية العليا يكشف عن حقيقة لا محل لإنكارها وهي ممارسة نوع من الرقابة على البرلمان حتى يحترم الدستور في مواجهة أصحاب المراكز القانونية، ولتحقيق هذه الغاية أنشئت محكمة متخصصة في المسألة الدستورية ولا تنتمي إلى التنظيم القضائي العادي ضماناً لعدم إثارة فكرة تدخل المحكمة بنشاطها. في مجال السلطة التشريعية، وهو ما يمثل عدواناً على مبدأ الفصل بين السلطات. فهذا الموقف من جانب المشرع الدستوري يمثل دليلاً على أن الدعوى الدستورية تهدف إلى حماية المراكز القانونية المقررة للأفراد، وضمان مصالحهم ضد تعسف السلطة التشريعية وخروجها في شأنهم على مقتضى الدستور.

علاوة على ما سبق، إذا كانت الدعوى الدستورية دعوى عينية خالصة غايتها حماية الشرعية الدستورية لرد اعتداء أصاب مركز فردي كما هو الشأن بالنسبة للقضاء الشخصي فلما لا يعتبرها الفقه أو القضاء من قبيل دعاوى الحسبة([81])… التي يمكن من خلالها تعدد فرص تعقب القوانين المخالفة للدستور أمام المحكمة الدستورية، كنا تتوسع دائرة المرخص لهم بتقديم طعن الدستورية، وفي ذلك كله تحقيق لمبدأ الشرعية الدستورية الذي هو مناط الدعوى الدستورية.

ولا يجوز الاحتجاج بمقولة أن تكييف الدعوى الدستورية، بأنها دعوى حسبة سوف يؤدي إلى اختفاء شخص المدعي، ومن ثم يبدو القاضي وكأنه تعرض للنزاع من تلقاء نفسه، وهذه النتيجة تتعارض مع قاعدة اتصال القاضي بالنزاع من خلال أطرافه.. ذلك أنه في الدعوى الدستورية يجوز للقاضي الدستوري أن يتصدى من تلقاء نفسه لفحص مدى دستورية أي نص تشريعي أو لائحي غير معروض على المحكمة متى كانت له صلة بالنزاع المطروح عليها([82]).

صحيح أن هذا التصدي مرتبط بقيام نزاع يتخذ شكل خصومة قضائية تتناقض من خلالها مصالح أطرافها، بحيث تبقى الخصومة القضائية المعروضة هي الأصل، وأن الفصل عن طريق التصدي في دستورية بعض النصوص ذات الصلة بالنزاع المطروح لا يتأتى إلا تبعاً، وأنه إذا لم يوجد هذا النزاع فلا يكون لرخصة التصدي سند يسوغ أعمالها..

ورغم ذلك كله فإن تصدى المحكمة الدستورية للمسألة الدستورية يحركها فكرة المصلحة العامة وليست المصلحة الشخصية لأطراف الخصومة المعروضة، وهذا التصور لفكرة التصدي يجعلها استثناءاً عن قاعدة عدم تجاوز القاضي لطلبات أطراف الدعوى([83]).

من أجل ذلك نميل إلى القول بأن حسبتة الدعوى الدستورية يجعلها، شبيهاً بالرقابة الإدارية أو السياسية التي تباشرها المجالس النيابة على أعمال الإدارة([84]).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، سيجد البرلمان نفسه ملزماً بفتح مكتب له داخل المحكمة الدستورية يتولى الدفاع عن كل تشريعاته المتهمة بمخالفتها للدستور، ومن هنا سيصعب على البرلمان التوفيق بين أداء وظيفته التشريعية ومتابعة الدعاوى المرصودة لقوانينها.

وحتى لا تستحيل الدعوى الدستورية إلى دعوى حسبة فقط تطلبت المحكمة الدستورية العليا – ومن قبلها المحكمة العليا – ضرورة توافر شرط المصلحة في الدعوى الدستورية وارتباطها بالمصلحة في الدعوى المنظورة أمام محكمة الموضوع حيث جرى قضاء تلك المحكمة وتواتر على أنه… “يشترط لقبول الدعوى الدستورية توافر المصلحة فيها، ومناط هذه المصلحة ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وأن يكون من شأن الحكم في المسألة الدستورية أن يؤثر فيما أبدى من طلبات في دعوى الموضوع([85])… كما أكدت في حكم آخر على أن الطعن في دستورية القوانين ليس من قبيل دعوى الحسبة لأن مناط قبولها – على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – أن تتوافر للطاعن فيها مصلحة شخصية مباشرة([86]).

وتأكيداً لهذا النظر رفضت المحكمة الدستورية العليا تصوير الدعوى الدستورية على أنها … أداة يعبر المتداعون من خلالها على آرائهم في الشئون العامة، أو تكون نافذة يعرضون من خلالها ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق علمية يطرحونها لإثباتها أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها أنها لا شأن للنص المطعون عليه بها([87]).

فالمصلحة الشخصية إذن هي دعامة الدعوى الدستورية غايتها، وما تحقيق الشرعية الدستورية في القانون الطعين سوى وسيلة لتسوير هذه المصلحة بسياج من الحماية.

وصفوة القول: أن الدعوى الدستورية هي دعوى ذات طبيعة مختلطة تجمع في طياتها الطبيعية العينية المتمثلة في حماية الشرعية الدستورية حيث يتولى القاضي القضاء بعدم دستورية التشريع الطعين حال مخالفته للدستور لتنقيته من عوار مخالفته للدستور، وكذلك الطبيعة الشخصية المتمثلة في ذاتية المركز القانوني للطاعن الذي تحميه تلك الدعوى عبر الحكم بعدم دستورية النص التشريعي الذي يمس بهذا المركز القانوني.

وترتيباً على ذلك، لا يجوز رفع دعوى أصلية أمام المحكمة الدستورية العليا بقصد إثبات أن نصاً في قانون أو لائحة يخالف نصاً دستورياً. فيجب أولاً: أن يطبق هذا النص على أحد الأفراد ثم يتنازع فيه أمام إحدى المحاكم، وأمام هذه المحكمة يجوز للخصم أن يدفع بعدم دستورية هذا النص([88])، أو يجوز لمحكمة النزاع ذاتها أن تحيل أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا لتحقق من جدوى دستورية هذا النص والمعيار المعول عليه في تحديد مدى انطباق النص المطعون عليه على الطاعن، يعتمد على أن ضرراً واقعياً قد لحق بالطاعن، وأن يكون هذا الضرر مباشراً ومستقلاً بعناصره، وأن مردود الأمر في هذا الضرر يرجع إلى النص المطعون عليه([89]).

الدعوى هي طريق للطعن الطبيعي بالنسبة للقوانين واللوائح:

تعد الدعوى الدستورية وسيلة للطعن في القوانين واللوائح.. بمعنى أن صاحب المصلحة – المدعي – إذا ما أراد أن يطلب من القاضي الدستوري الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة مخالفاً للدستور فليس أمامه سوى طريق الدعوى الدستورية – عن طريق الدفع بعدم الدستورية في النظام القانوني المصري بحسبان تلك الدعوى الطريق الطبيعي للحصول على حكم بعدم دستورية القوانين واللوائح التي تحمل بين طياتها مخالفة أحكام الدستور.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الدعوى الدستورية هي طعن القانون الدستوري ضد جميع القوانين واللوائح بحيث لا يقوم شك حول وجوب قبولها ما لم يصرح الدستور بغير ذلك([90]).

المبحث الثاني

الحجية النسبية والحجية المطلقة

سوف نقوم في هذا المبحث بعرض لمبدأ نسبية آثار الأحكام وهي القاعدة العامة في حجية الأحكام في قانون المرافعات المدنية والتجارية وذلك في مطلب أول ثم نقوم بعرض للاستثناء على هذه القاعدة وهي الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء وعدم الدستورية وذلك في مطلب ثاني.

المطلب الأول

القاعدة العامة في حجية الأحكام القضائية الصادرة في قانون المرافعات المدنية والتجارية

(مبدأ نسبية آثار الأحكام)

حتى يمكن أن نزيل ما يعتري الفكرة من غموض، ويرفع ما يكتنفها من لبس، لابد لنا من عرض لتعريف حجية الأحكام وبناء عليه سوف نقوم بعرض لتعريف حجية الأحكام في اللغة وفي الاصطلاح.

أولاً: تعريف حجية الأحكام في اللغة

أن حجية الأحكام لغة تنقسم إلى قسمين: الحجية والأحكام، أو حجية وحكم ولذا فسوف نعرضها على هذا النحو.

1-الحجية لغة: أصلها حاجة أو حاج أو الحجة أي البرهان وحاجة فحجه من بات رد أي غلبه بالحجة ويقال في المثل: لج فحج فهو رجل (محجاج) بالكسر أي كثير الجدل، والتحاج هو التخاصم والمحجة هي جادة الطريق([91]). وعرفها البعض بأنها “الدليل والبرهان والجمع حجج مثل غرفة وغرف، وحاجة محاجة، فحجة بحجة من باب قفل، إذا غلبه في الحجة([92]).

الحكم لغة: الحكم أصله حكم (الحكم) أي القضاء وقد حكم بينهم بحكم بالضم (حكماً) وضم له وصم عليه والحكم أيضاً الحكمة من العلم([93]) الحكيم: العالم وصاحب الحكمة ويقال للحكيم أيضاً: المتفنى للأمور وأحكمه فاستحكم أي صار محكماً.

ثانياً: تعريف حجية الأحكام في الاصطلاح

معنى حجية الأحكام في اصطلاح الفقه الإسلامي

إن حجية الحكم القضائي في نظر ومفهوم فقهاء المسلمين: “هي فصل في الخصومة بقول أو فعل يصدر عن القاضي على سبيل الإلزام([94]) ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن معنى “فصل الخصومة” هو الحل الذي يقع في نفس القاضي للنزاع المعروض عليه، بناء على تطبيق الأحكام الشرعية على الوقائع ويعبر عنه بقول أو فعل، يتضمن الإلزام لكل من الخصمين بالأوضاع الحقوقية التي يراها القاضي في ذلك الحل([95]).


معنى حجية الأحكام في اصطلاح القانون الوضعي

ذهب اتجاه من الفقه إلى تعريف الحجية إلى القول “بأن وظيفة القاضي وهي منح الحماية القضائية للحقوق والمراكز القانونية عن تعرضها لعارض من العوارض التي تواجهها فإن ذلك يستلزم أن تمنح هذه الحماية مرة واحدة، ولقد ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بأنه لا يجب أن يترك للخصوم حرية تجديد المنازعة حول ما تم الفصل فيه بأحكام قضائية موضوعية وإلا تأبدت المنازعات القضائية بين الخصوم أنفسهم حول ذات الحقوق والمراكز التي سبق الفصل فيها من قبل.

ليس ذلك فحسب بل إن ذلك سوف يؤدي إلى تعارض الأحكام القضائية بشأنها وترتب على ذلك استحالة تحقيق الاستقرار لهذه الحقوق والمراكز باعتبار أن هذه الأخيرة تمثل أحد أهم أهداف القانون([96]) وهو الأمر الذي جعل بعض أصحاب هذا الاتجاه([97]) يذهب إلى القول بأن المشرع الوضعي ابتكر وسيلة فنية، وهذه الوسيلة هي قاعدة حجية الأمر المقضي وهنا يمكن جمع عناصر تصرفات هذا الفريق لفكرة الحجية في أن حجية الأمر المقضي في ضوء اجتهاداتهم تعني أن القرار القضائي إذ يطبق إرادة القانون في الحالة المعنية فإنه يجوز الاحترام سواء أمام المحكمة التي أصدرته أو أمام المحاكم الأخرى، بحيث إذا رفع أحد الخصوم نفس الدعوى التي فصل فيها مرة أخرى تعين عدم قبولها. وإذا أثير ما قضى به أمام القضاء يجب التسليم به دون بحث مجدد “والحقيقة أن البعض من الفقه([98]) من أصحاب هذا الاتجاه كان له الفضل الأكبر في وضع هذا التعريف، ثم جاءت معظم تعريفات أصحاب هذا الاتجاه([99]) للفكرة بتعريفات تقترب منه وتدور في فلكه إلا أن هذا الرأي يعيبه أنه أعطى للأحكام الحجية الكاملة سواء أمام المحكمة التي أصدرته، أو أمام المحاكم الأخرى، وهذا القول غير سديد ذلك لأن الأحكام التي صدرت من محاكم في غير ولايتها لا يتصور وفقاً للمنطق العقلي أن تكتسب حجية أمام غير هذه المحاكم أو الجهة التي تتبعها حتى ولو كان القرار القضائي قد طبق إرادة القانون.

وذهب اتجاه آخر([100]) إلى تعريف الحجية “نوع من الحصانة التي تلحق بالتأكيدات القضائية الواردة في خصوص الحقوق والمراكز القانونية محل الطلب القضائي أو الدعوى فتفرض نفاذها وتحول دون المساس بها في أية إجراءات قضائية مستقبلة تنشأ بين الخصوم وتدور حول ذات الحقوق والمراكز القانونية محل التأكيدات القضائية.

وهنا يكشف أصحاب هذا الاتجاه عن ارتباط الحجية بالتأكيد القضائي عن مفترض أساسي يجب أن يتوافر في العمل القضائي لكي يحوز حجية الأمر المقضي فالحجية إذاً في نظر سيادته لا تلحق بكافة أعمال الحماية القضائية وإنما هي أثر قاصر على الأعمال التي تتضمن تأكيداً قضائياً ينصرف إلى الحقوق والمراكز القانونية موضوع الطلب القضائي.

والحجية عنده وحسب مفهومه السابق لا تتوافر إلا للأحكام التي تحمل تأكيداً قضائياً أما الأحكام التي لا تحمل تأكيداً قضائياً غير القطيعة الموضوعية لا تتمتع في نظر سيادته بالحجية، كذلك ذهب إلى أن العمل التأكيدي القضائي لا يتمتع بالحجية إلا إذا صدر ممن تكون له الصفة في إصداره، ومن ثم فالأحكام التي تجاوزت الولاية لا تكتسب الحجية، وإنما تثبت الحجية للتأكيدات القضائية ومن يعترف له القانون بولاية القضاء وفي حدود هذه الولاية.

ومن ثم فإن العمل القضائي حتى يكتسب الحجية يجب أن يتوافر له مفترضين الأول أن يكون العمل من أعمال القضاء التأكيدي وأن يصدر وفقاً لقواعد الولاية القضائية. وعلى ذلك فإذا ما صدر العمل القضائي على هذا النحو توافر له القضاء التأكيدي ومن صاحب ولاية في إصداره اكتسب حجية الأمر المقضي.

وفي مفهوم الرأي الأخير، أجد أن الحجية عند أصحاب هذا الاتجاه لا تثبت إلا للقرار القضائي التأكيدي وما يفهم منه أنها تثبت لكل صور القرار القضائي التأكيدي، الذي يذيل التجهيل الذي يلابس الحقوق والمراكز القانونية، سواء كان قرار قضائي تقريري، أو قرار قضائي للوفاء بالتزام كما في صورة حكم الإلزام، وهذا بطبيعة الحال يثبت للقرار القضائي التأكيدي، سواء كان في مسألة أصلية، أو في مسألة فرعية.

وما يفهم من هذا الرأي الأخير، أن الحجية لا تثبت لأعمال الحماية القضائية غير التأكيدية، كالقرارات الولائية.

وأعمال التنفيذ القضائي، كما أنه ذهب إلى أبعد من ذلك فلقد ذهب إلى أنه لا حجية لأعمال القضاء المستعجل لتخلف الدور التأكيدي لهذه الأعمال، ومع عدم تسليمنا بصحة هذا القول جملة، لأنه لا يمكن أن نتصور أن أعمال القضاء المستعجل تنتفي حجيتها تماماً، فلا يتصور أنها محدودة الحجية أمام محاكم القضاء المستعجل ذاتها([101]).

إلا أن التعريف الذي نميل إليه هو أن حجية الأمر المقضي “نوع من الحرمة تختص به الأعمال القضائية دون سائر الأعمال القانونية وهي تعني أن الحكم القضائي متى صدر فإنه يعتبر حجة فيما قضى به([102]).

التمييز بين حجية الأمر المقضي وقوة الأمر المقضي: يجب التمييز بين حجية الأمر المقضي وقوة الأمر المقضي. فحجية الأمر المقضي مفادها أن للحكم حجية فيما بين الخصوم وبالنسبة إلى ذات الحق محلاً وسبباً، أما القوة الأمر المقضي فهي المترتبة التي يصل إليها الحكم إذا أصبح نهائياً غير قابل للطعن فيه بطريق من طرق الطعن العادية، وإن ظل قابلاً للطعن فيه بطريق غير اعتيادي.

فالحكم القطعي نهائياً كان أم ابتدائياً، حضورياً كان أم غيابياً تثبت له حجية الأمر المقضي، لأنه حكم قضائي فصل في خصومة، ولكن هذا الحكم لا يحوز قوة الأمر المقضي، إلا إذا أصبح نهائياً غير قابل للطعن فيه بطريق اعتيادي وإلا فإنه لا يحوز هذه القوة، ولكن تكون له حجية الأمر المقضي، وتبقى هذه الحجية قائمة ما دام الحكم قائماً، فإذا ما طعن فيه بطريق عادي كالاستئناف أوقفت حجيته، فإذا ألغي نتيجة للطعن زال وزالت معه حجيته. أما إذا تأيد ولم يعد قابلاً للطعن بطريق عادي بقيت له حجية الأمر المقضي، وأضافت لها قوة الأمر المقضي([103]).

وقد يقتصر أثر الحجية على الخصوم في الدعوى التي صدر بشأنها الحكم وعلى ذات النزاع الذي فصل فيه محلاً وسبباً، وتسمى الحجية على هذا النحو بالحجية النسبية، وقد يمتد أثر الحجية إلى الغير ويسري في شأن كل الدعاوى ولو اختلفت موضوعاً وسبباً عن الدعوى التي صدر بشأنها الحكم، وتسمى الحجية في هذه الصورة الحجية المطلقة.

وبناء عليه في هذا المطلب سوف نعالج الحجية النسبية وفي المطلب الثاني نعالج الحجية المطلقة بشيء من التفصيل يسيطر على الحكم الصادر في الدعوى العادية مبدأ نسبية أثر الحكم.

أي أن الحكم لا يمتد إلى غير أطراف النزاع الذي قضى فيه وتلك هي القاعدة، فلا ينتفع بالحكم سوى أطراف الخصومة ولا يضار أيضاً سواهم.

وهذا يفرض علينا عرض لتأصيل مبدأ الحجية النسبية، ثم شروط أعمالها

تأصيل مبدأ الحجية النسبية

هناك وجهات نظر عدة حول تأصيل الحجية النسبية فذهب البعض إلى المصدر التاريخي والبعض الآخر ارتكز على تشبيه الأحكام بالعقود بينما  الفريق الأخير إلى مبدأ حياد القاضي وسوف نطرح لكل وجهة نظر في عجالة.

أ المصدر التاريخي

ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن حجية الشيء المحكوم فيه في القانون الروماني كانت دائماً نسبية، وأن فقهاء القانون الروماني تمسكوا بشدة بمبدأ نسبية الحكام فلم يقل الرومان مطلقاً بأن الحكم يحوز حجية الشيء المحكوم فيه في مواجهة شخص لم يكن طرفاً في الدعوى التي صدر فيها الحكم([104]).

وعلى أساس هذا المنوال جاء نص المادة 101 من قانون الإثبات المصري، أن حجية الشيء المحكوم فيه لا تكون إلا حجية نسبية لكون القانون الروماني هو المصدر التاريخي للقانون المصري.

ب تشبيه الأحكام بالعقود

ذهب أنصار هذا الرأي على أساس تشبيه الأحكام بالعقود فالعقود لا أثر لها إلا بين المتعاقدين، فهي لا تضر الغير ولا تفيده والحكم كالعقد لا يسري تأثيره، إلا على من كان طرفاً فيه دون أن يفيد الغير أو يضيره فآثار الأحكام تحكمها إذن نفس قاعدة النسبية التي تحكم العقود ولنفس السبب([105]).

ج مبدأ حياد القاضي

لم ترق فكرة العقد القضائي لبعض الفقهاء كأساس لتبرير نسبية حجية الشيء المحكوم فيه، فذهبوا إلى أن نسبية الأحكام نتيجة لمبدأ حياد القاضي المدني فيما يتعلق بمسائل الإثبات فالقاضي المدني دوره محايد في الخصومة، فهو لا يشترك بنفسه في البحث عن الحقيقة، وإنما يتقيد بما يقدمه الخصوم له من أدلة إثبات، فهم وحدهم الذين يملكون إدارة حركة الدعوى وتوجيهها ويقتصر دور القاضي على تقدير ما قدمه الخصوم من أدلة.

وعلى ذلك يجب أن تقتصر حجية الحكم على أطراف الدعوى الذين تمكنوا من تقديم أدلتهم ومناقشتها، دون غيرهم والقول بغير ذلك ينطوي على إخلال بمبادئ العدالة والإنصاف، إذ لا يصح أن يمتد أثر الحكم ليشمل حقوق شخص لم يتمكن من إثبات حقه أمام القاضي ولم تتح له فرصة الدفاع عنه.

فالحقيقة القضائية التي تعتبر ثمرة عناصر الإثبات التي قدمها الخصوم للقاضي يمكن أن تختلف إذا أتيح للغير فرصة تقديم أدلة إثبات أخرى لم تكن تحت نظر المحكمة عند صدور الحكم الأول([106]).

رأينا الخاص: نميل إلى الاتجاه الأخير، لكون الخصوم هم سادة الإثبات وهم المسيطرون على الدعوى والقاضي دوره سلبي، وهذا ما يفسر لنا أن أحكام الإلغاء تحوز حجية مطلقة وذلك للدور الإيجابي للقاضي الإداري فهو المهيمن على إجراءات الخصومة.

والحجية النسبية تستلزم لإعمالها توافر شروط ثلاثة هي وحدة الخصوم ووحدة الموضوع ووحدة السبب.

أولاً:وحدة الخصوم:

إن الحكمة التشريعية من تقنين حجية الشيء المحكوم، هي رغبة المشرع في وضع حد للنزاع ومنع تضارب الأحكام وكافياً للدفع بحجية الشيء المحكوم فيه شرط اتحاد الموضوع والسبب في الدعويين، ولم يكن هناك ثمة حاجة أو محل الاشتراط وحدة الخصوم، وكان كافياً وحدة الموضوع والسبب في الدعوى، أن نكون بصدد وحدة النزاع من الناحية الموضوعية، وهو ما جعل البعض مثل الفقه المصري([107]) يكتفي بوحدة السبب والموضوع، دون أن يشترط وحدة الخصوم.

لكن العدالة تأتي وتتأذى من أن يكون لحكم ثمة أثر في مواجهة شخص لم يكن طرفاً في هذا الحكم إذ انه ليس من العدل في شيء إعمال أثر هذا الحكم في حق من لم يكن طرفاً فيه ولم يمسح بأن يدافع عن حقوقه في هذه الدعوى التي صدر فيها الحكم الذي يحاج به، ومن ثم فيجب ألا يحاج بالحكم إلا من كان طرفاً فيه، وهو ما يسميه الفقه الأثر النسبي للأحكام ويرجع اشتراط الفقه لاتحاد الخصوم في حجية الأمر المقضي على مبدأ حياد القاضي لا إلى الخشية من تعارض الأحكام فقد كان يكفي لمنع تعارض الأحكام أن نشترط اتحاد المحل واتحاد السبب، فيكون الحكم في مسألة حجة في ذات المسألة إذا اتحد المحل والسبب، ويمتنع بذلك صدور حكم متعارض مع الحكم الأول، ويبرر أستاذنا الدكتور السنهوري، ذلك بأنه حتى إذا ما اختلف الخصوم لا يكون الحكم حجة ولو مع اتحاد المحل والسبب، أو أنه لا يكفي اتحاد المحل والسبب بل لابد من شرط اتحاد الخصوم أيضاً حتى يكون الحكم حجة عليهم ويكتسب حجيته([108]).

ولقد ذهب جانب آخر من الفقه مبرر أو وجوب اشتراط اتحاد الخصوم كشرط من شروط حجية الأمر المقضي إلى أنه لا يكفي.

أن يكون الموضوع متحداً بل لابد من اتحاد الخصوم أيضاً، مبرراً ذلك بأنه ليس من العدل في شيء أن تعطي حكماً أية قوة ضد شخص لم يكن خصماً في الدعوى ولم يدافع عن حقوقه، وهذا هو ما ذهب إليه وأيده جمع كبير من الفقهاء([109]) وذلك أخذاً في الحسبان بمبدأ نسبية الأحكام فالأحكام لا تكون حجة إلا بالنسبة إلى طرفي الخصومة ومن كان خصماً فيها وجه إليه طلبات.

وطبقاً لهذا الشرط لا تسري الحجية إلا في مواجهة الخصوم في الدعوى والعبرة في تحديد الخصم بصفته القانونية لا بصفته الطبيعية، فإذا كان أحد الخصوم ممثلاً في الدعوى عن طريق نائب أو وكيل فإن الحكم يسري في مواجهة الأصيل لا في مواجهة النائب ويرى شراح القانون الخاص أن الحكم يسري أيضاً في مواجهة الخلف سواء كان خلفاً عاماً أو خاصاً، كما أنه يسري في بعض الأحوال في مواجهة الدائنين العاديين([110]).

وبناء عليه نقوم بتوضيح شروط تطبيق فكرة وحدة الخصوم

 يشترط أن يتحد الخصوم أنفسهم

يذهب الرأي الراجح في الفقه المصري([111]) وشابهه في ذلك غالبية شراح القانون في مصر إلى القول بأنه لا يكون للحكم حجية إلا بالنسبة إلى الخصوم أنفسهم، فيرى صاحب هذا الاتجاه الغالب في الفقه إلى القول أن الحكم كالعقد لا يسري أثره إلا في حق من كان طرفاً فيه، أي من كان طرفاً في الخصومة القضائية التي صدر فيها وهو بالقطع في ذلك يحد من الحجية بجعلها لا تمتد إلى الغير.

مثال ذلك: لو أن مستأجر ما حصل على حكم ضد المؤجر بتسليمه للعين المؤجرة، فإن هذا الحكم لا يكون حجة إلا على من كان خصماً في هذه الدعوى أي أن حجية هذا الحكم لا تمتد إلى المؤجر فقط والمستأجر أما غير هذين كالمشتري للعين المؤجرة فلا يكون الحكم حجة عليه، وله بالرغم من ذلك أن يرفع دعوى على المستأجر يطالبه بالعين إذا لم يكن لعقد الإيجار تاريخ ثابت يكون له حجة عليه فلا يستطيع أن يرفع دعوى من جديد على المستأجر ليطرح نفس النزاع الذي سبق الفصل فيه، ذلك لأنه كان خصماً في هذه الدعوى، وحجية العلم قائمة بالنسبة له ومن ثم فحجية الحكم لا تمتد لغير الخصوم، ومن ثم فإن الحكم يكون حجة على الخصوم أنفسهم.

والخصوم في الدعوى عدد مغاير من الأشخاص يشمل إلى جانب المدعي والمدعى عليه، عدداً آخر من الأشخاص تتسع بهم دائرة الخصوم وهم من يتدخلون في الدعوى بإرادتهم أو يختصمون فيها، وهؤلاء جميعاً يعتبر الحكم حجة لهم أو عليهم.

وهم قد يكونون اثنين أو أكثر، إلا أنهم لا يقلون بأي حال عن اثنين، يتحقق بوجودهما مبدأ المواجهة الذي قدم عليه العمل القضائي، هما: المدعي والمدعى عليه.

على أن تغاير المراكز القانونية للخصوم وتبادلها أثناء سير الدعوى نتيجة لتبادل وسائل الدفاع والهجوم، لا يؤثر على المراكز القانونية للخصوم كما حددته صحيفة افتتاح الدعوى([112]).

 يشترط أن يتحد الخصوم قانوناً

العبرة في مفهوم شرط اتحاد الخصوم، أن يتحد الخصوم بصفاتهم لا بأشخاصهم أي أن المعول عليه في اتخاذ الخصوم هي باتخاذ أطراف النزاع الحقيقيين، لا باتحاد الأشخاص الماثلين في الدعوى، وهذا هو ما عناه المشرع باشتراط اتحاد الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم، لأنه إذا كان الممثل في الدعوى عن نفسه يعتبر هو الخصم الحقيقي، أما الممثل عن غيره فإنه لا يعتبر كذلك بل يكون الأصيل هو الخصم الحقيقي في الدعوى التي مثله فيها غيره، ويجب توافر شرط اتحاد الخصوم أن يكون الخصم هو نفسه خصماً في الدعوى الأخرى([113]).

ومن ثم فإنه لا يصح اعتبار الحكم حائزاً لحجية الشيء المحكوم عليه بالنسبة لخصم أدخل في الدعوى ولم توجه إليه فيها طلباً ما.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه “إذا رفع دائن دعواه على مدينة المؤجر وعلى المستأجر منه، طالباً بإلغاء عقد الإيجار الملزم بينهما لصوريته، ورفع المستأجر دعوى فرعية طلب فيها الحكم بصحة العقد وإلزام الدائن والحارس المعين بناء على طلبه بتعويض، فقضى بصورية العقد وبرفض الدعوى الفرعية، ثم رفع المستأجر دعوى على المؤجر طلب فيها الحكم عليه بمبلغ عينه هو ما عجله من أجرة الأرض وما تكلفه من المصاريف وما قدره لنفسه من التعويض، فدفع المؤجر بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها فقضى برفض هذا الدفع على أساس ما هو ثابت من أنه لم يوجه المستأجر إلى المؤجر أي طلب وأن الحارث لا يمثل المؤجر فيما وجهه إليه المستأجر من طلبات، فهذا الحكم لا يكون مخلاً بحجية الأمر المقضي، إذ الخصمان في الدعوى التي صدر فيها لم يكن أحدهما خصماً للآخر في الدعوى السابق الفصل فيها([114]).

أما بخصوص الأشخاص الممثلون في الدعوى، فإنه لا يشترط حضور الشخص في الدعوى بنفسه حتى يعتبر طرفاً فيها فالشخص يعتبر طرفاً في الخصومة حتى ولو لم يكن حاضراً فيها بنفسه إذا كان ممثلاً في الدعوى عن طريق أحد الخصوم الحاضرين فيها.

وبناء عليه وطبقاً للراجح في الفقه المصري([115]) أن الحكم يعد حجة على الخصوم فقد بل أن حجية الحكم تمتد إلى خلف الخصوم، وخلف الخصوم قد يكونوا خلفاً عاماً وقد يكون خلفاً خاصاً.

أ) بالنسبة للخلف العام

يحوز الحكم الصادر في مواجهة السلف – عن أنصار النظرية التقليدية حجية الشئ المحكوم فيه في مواجهة الخلف العام. والخلف العام: هو من يخلف الشخص في ذمته المالية كلها كالوارث الوحيد أو في حصة منها كالوارث مع غيره والموصى له بجزء من التركز في مجموعها([116]) فهؤلاء يفترض فيهم أنهم كانوا حاضرين بأنفسهم في الدعاوى التي كان سلفهم حاضراً فيها.

وعلى ذلك فإن حجية الحكم تمتد إلى هؤلاء باعتبارهم يخلفون الشخص في حقوقه فيتقيدون بالأحكام الصادرة ضده ويفيدون من الأحكام الصادرة لصالحه.

على سبيل المثال إذا أقام المورث دعوى قبل وفاته قبل شخص آخر في حق له عنده أو شيء آخر، ورفضت هذه الدعوى فلا يجوز للورثة أن يجددوا النزاع مرة أخرى بشأن ذات الحق الذي رفضت دعوى مورثهم بشأنه، لأن الحكم الصادر ضد المورث يمتد أثره وحجيته إلى خلفه العام – ورثته – لأنهم يعتبرون ممثلين في الدعوى السابقة في شخص مورثهم. ومن ثم في فيكون الحكم السابق حجة عليهم.

ب) بالنسبة للخلف الخاص

الخلف الخاص هو من يخلف شخصاً في حق معين بالذات سواء كان حقاً عينياً أو حقاً شخصياً. كالمشتري يخلف البائع في العين المبيعة والمحال إليه يخلف المحول في حقه الشخصي قبل مدينه([117]).

على سبيل المثال إذا تنازع زيد مع بكر على شيء وحكم لبكر ثم باعه زيد بعد ذلك لخالد فإن الحكم الصادر لبكر يسري على خالد، أما إذا كان البيع سابقاً على الحكم وثابت التاريخ فلا يسري.


وحدة الموضوع

يقصد بوحدة الموضوع إلى القول بأنه وحدة المحل، أو أن تكون الطلبات في الدعوى الأولى المحكوم فيها هي نفسها الطلبات في الدعوى الثانية، فمحل الدعوى هو الأمر الذي يرد عليه طلب المدعي ويدور حوله النزاع([118]).

أيضاً عرف بأنه هو الحق الذي يطلبه الخصم أو المصلحة التي يسعى لتحقيقها بالتداعي سواء كان ذلك الحق أو تلك المصلحة متعلقة بشيء مادي أم لا([119])، ولقد شايعت المحكمة الإدارية العليا في قضاء لها هذا التعريف السابق إذا قضت بأن الدفع بالسبق يجب أن يكون موضوع الدعوى الجديدة هو الموضوع ذاته الذي فيصل فيه الحكم السابق، أي لحق ذاته، أو المصلحة فيها([120]). 

بعد تعرضنا لتعريف وحدة الموضوع نقوم بعرض لضوابط وحدة الموضوع.

 أن العبرة في وحدة الموضوع هي بما كل محل طلب للخصوم

إن من المسلم به قانوناً وعملاً أن العبرة بما طلبه الخصوم من المحكمة وكان محل بحث منها، وليس بما احتفظ به الخصوم في معطف أسرارهم دون عرضه على مائدة القضاء للفصل فيه وعليه فإن العبرة هي بما كان محل طلب من الخصوم، وعرض في صورة طلبات محددة وواضحة للخصوم وتناضل بشأنها طرفي الدعوى وصولاً للقضاء بها، وعليه فإن الراجح أن الحجية لا تكون إلا للمحل ذاته الذي سبق طلبه في الدعوى التي صدر فيها الحكم([121]).

فإذا رفع شخص دعوى على مدينة وضامنه ولم يطلب الحكم بالتضامن وحكم له على المدين بالدين وعلى الضامن بالضمان البسيط دون تضامن لا يجوز الحكم الأول قوة الشئ المحكوم به بالنسبة للتضامن لأنه لم يطلب في ..([122]).

العبرة بما كان محل طلب من الخصوم وفصلت فيه المحكمة

وهذه القاعدة أيضاً نتيجة طبيعية لما جرى عليه العمل بالمحاكم إذ أن الواقع العملي أكد أن العبرة لم تكن فقط بما كان محل طلب للخصوم بل بما فصلت فيه المحكمة، إذ من الممكن أن نكون بصدد محل للحق أو موضوع سبق للمحكمة أن فصلت فيه إذ لا يكفي أن يكون الطلب قد عرض على المحكمة بل يشترط أن تكون المحكمة قد فصلت فيما عرض عليها من طلبات بقضاء موضوعي نهائي وعندئذ تثبت الحجية للقرار الصادر من المحكمة في طلب موضوعي قد فصلت فيه([123]).

أن الحكم بالكل يسري على الجزء لأن الجزء بعض من الكل، يذهب الرأي الراجح في الفقه المصري([124]) إلى القول بأن الحكم في الكل يتضمن الحكم في الجزء، وذلك إذا كان الكل هذا يتكون من أجزاء، بطبيعتها أو بطريقة العادة، غير متجزئة فالحكم في الكل حكم في الجزء([125]).

وبناء عليه إذا رفع شخص دعوى بدين ورفضت لعدم ثبوت هذا الدين لا يصح له أن يرفع الدعوى بقسط منه فيما بعد.


 الحكم في الشئ هو الحكم فيما يتفرع عنه

إذا حكم لك مثلاً بملكية منزلاً لا يمكن لخصمك الذي كان ينازعك في الملكية أن ينازعك في استحقاقك لريعه، وإذا حكم لك بدين لا يمكنه أن ينازعك في فوائده القانونية. على أية حال فإن المعول عليه وأساس الدفع بحجية الشيء المقضي فيه هو ما عرض الخصوم على المحكمة، وكل محل طلب فعلياً وفصلت فيه المحكمة بحكم موضوعي قطعي بحث أصل موضوع الطلب محل النزاع، وأن يكون قد تناضل بشأن الخصوم، ثم فصلت فيه المحكمة.

وحدة السبب:

السبب هو المصدر القانوني للحق المدعى به، وقد يكون واقعة مادية أو تصرفاً قانونياً أو قاعدة قانونية يستمد منها المدعي حقه مباشرة([126]) وبعبارة أخرى هو الفعل المعتبر في القانون أساساً لاكتساب الحق في المطالبة بالشيء المراد الحصول عليه في الدعوى.

وقد تضمنت المادة 101 من قانون الإثبات وكذا محاولات الفقه والقضاء المصري عدة ضوابط لفكرة السبب يمكن إبرازها على النحو التالي:

 الحجية إذا تعدد السبب وإن اتحد المحل

إن هذه القاعدة تعني أنه إذا تعدد السبب فلا حجية، وإذا تعدد السبب وتعدد المحل فلا حجية أيضاً، ذلك لأنه في الفرض الأول تخلف شرط من شروط الدفع بالحجية إعمالاً لنص المادة 101 من قانون الإثبات وهو شرط السبب، وفي الفرض الثاني تخلف شرطي السبب والمحل، ولا يمكن في هذه الحالة الدفع بحجية الأمر المقضي وذلك لتخلف شرائطها.

كما ذهب إلى ذلك السنهوري باشا إلى القول بأنه من باب أولى إذا ما تعدد السبب والمحل كانا مانعاً من التمسك بالحجية، ويترتب على ذلك أن الحكم الصادر في دعوى من دعاوى وضع اليد لا يكون مانعاً من إقامة دعوى الملكية إذ أن مثل هذا الحكم لا يعد حجة في مواجهة الذي يتمسك بالملكية لاختلاف المحل والسبب([127]).

ومما يؤيد شرط السبب أنه إذا رفع بكر دعوى على زيد وطلب فيها الحكم بتثبيت ملكيته إلى عقار بمقتضى عقد بيع صادر منه إليه، يعتبر عقد البيع هنا سبب الدعوى فإذا حكم برفض الدعوى لبطلان عقد البيع مثلاً، ورفع بكر بعد هذا دعوى أخرى ضد زيد نفسه، وعن العقار بعينه وادعى ملكيته في هذه المرة بناء على عقد وصية أو عقد هبة فليس ثمة ما يمنع من نظر الدعوى لاختلاف الدعويين في السبب فالسبب في الدعوى الأولى كما رأينا هو البيع والسبب في الدعوى الثانية هو الوصية أو الهبة والسببان مختلفان، فلا محل إذن للدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها([128]).

 يعمل بالحجية إذا اتحد السبب وإن تعددت الأدلة

يجب عدم الخلط بين سبب الدعوى ووسائل الإثبات، فالسبب هو الفعل المعتبر في القانون أساساً لاكتساب الحق في المطالبة بالشئ المراد الحصول عليه في الدعوى.

أما وسائل الإثبات فهي الدعامة التي يرتكز عليها ذلك الأساس وقد تتعدد هذه الوسائل، فإذا رفضت الدعوى لعدم نجاح المدعي في الإثبات أو بعبارة أخرى لعدم كفاية الدليل الذي تقدم به لإثبات دعواه، لم يكن له أن يعود فيرفعها مرة أخرى بدليل آخر أو بطريقة أخرى يظن أنه يوفق بها في كسب دعواه وعلى ذلك إذا ادعى زيد أنه أقرض بكر مبلغاً من المال ورفع عليه الدعوى، فأجلت على التحقيق ليثبت زيد بشهادة الشهود حجة ما ذهب إليه، ولكنه عجز عن الإثبات، فلا يمكنه في هذه الحالة أن يقاضي بكراً مرة أخرى عن نفس المبلغ وبنفس السبب ليثبت دعواه في هذه المرة بمستند كتابي. وأن طرق الإثبات التي يسوغ للمدعي أن يستند عليها في كسب دعواه غير محددة فإذا نحن قلنا أنه يجب قبول الدعوى بناء على ما يقدم من وسائل إثبات جديدة لم تقدم في الدعوى الأخرى، لخرجنا من هذا أن مبدأ قوة الشئ المحكوم فيه لا يمكن تطبيقه بحال وهذا ما لا يمكن التسليم به، لقد فرط المدعي في دعواه والمفرط أولى بالخسارة([129]).

ونحن من جهتنا نؤيد هذا الرأي فيما تضمنه من عرض لتحديد ماهية السبب ووسائل الإثبات، ولكن نختلف معه فيما يتعلق برفض الدعوى إذا عاود الخصم الدعوى مرة أخرى بأدلة مختلفة، لأنه يحق للخصم تقديم أدلة أخرى، كما هو الحال في القرض يمكن إثباته بالكتابة وشهادة الشهود والقرائن في بعض الأحوال والإقرار واليمين وما يؤيد ذلك أنه إذا كان السبب واحد معها تعددت الأدلة واقعية كانت هذه الأدلة أو قانونية، وعندئذ يكون للحكم الصادر في الدعوى الأولى حجية الأمر المقضي في الدعوى أخرى، أن عاد فيها الخصم إلى نفس السبب.

وهذا هو ما استقر عليه قضاء محكمة النقض بأن نصت … إذا اتحد السبب وتعددت الأدلة فلا يكون هناك اختلاف في الدعويين الأولى والثانية، ومن ثم وجب إعمال حجيته لاتحاد السبب([130]).

 إذا اتحد السبب وتعددت الدعاوى وجب إعمال الحجية أيضاً:

إن البين هنا أنه لا يوجد مشكلة إذا ما كان هناك وحدة في السبب في الدعاوى فإذا ما فصل فيها ثم أعيد رفعها مرة أخرى فهنا يتم إعمال حجية الأمر المقضي في الدعوى الأولى، لكن هل وحدة السبب مع تعدد الدعاوى تستوجب عدم إعمال قاعدة الحجية وذلك لتعدد الدعاوى([131]).

الواقع العملي أكد أنه لا عبرة بتعدد الدعاوى التي يمكن أن ترفع بناء على سبب واحد وهو ما ذهب إليه البعض من الفقه المصري([132]) وذلك بقوله – أنه قد ينشأ عن السبب الواحد دعويان لصاحب الشأن له الحق في اختيار إحداهما، فإذا اختار واحدة ورفض طلبه فيها كان للحكم الصادر بالرفض حجية الأمر المقضي بالنسبة إلى الدعوى الأخرى لاتحاد السبب في الدعويين، وعلى ذلك فإن الدعوى الأخرى تكون غير مقبولة إذا ما عاد الخصم بعض رفض دعواه الأولى لذات السبب.

وعلى هذا استقر قضاء محكمة النقض وكان مذهبها مشايعاً للاتجاه السابق إذ قضت بأنه إذا حكم بالرفض فقد استنفد السبب المشترك للدعويين معاً ولا عبرة، هنا بتعدد الدعاوى إذ العبرة بوحدة السبب فيها فالحكم في الأولى يدفع بحجيته في الدعوى الثانية ولا يمكن للقاضي أن يفصل في الدعوى الثانية على عكس ما قضى به في الأولى لوحدة السبب بينهما، فالعبرة هنا هي بتعدد السبب لا بتعدد الدعاوى، فإذا اتحد السبب وجب إعمال الحجية، أما إذا تعدد فلا حجية([133]).

على أية حال إن العبرة هي بوحدة السبب إذا كان السبب واحد وإن تعددت الأدلة أو الحجج فإن وحدة السبب هي المعول في ذلك فإذا اتحد السبب وجب إعمال الحجية فيما كان سببه مشترك، فالحكم في كل ما كان سببه مشترك لا يستنفذ الولاية ويحاج بهذا الحكم ويعمل بحجيته، فالحكم الأول يستنفد الأمر المقضي به ولا يمكن اللجوء إلى دعاوى أخرى ولو تغيرت الأدلة والحجج فيها مع وحدة السبب، كذلك إذا ما تعددت الدعاوى فالعبرة بوحدة السبب فالحكم في الدعوى الأولى يستنفذ في الدعوى الثانية أي سيعمل أثر حجيته في الدعوى الثانية لوحدة السبب في الدعويين وإن كان قد ذهب البعض إلى أن اتحاد السبب كشرط لإعمال الحجية وإن يجعل العودة إلى التقاضي أمر ممكن في ذات الموضوع وبين نفس الخصوم بدعوى أن السبب مختلف لذلك ذهبوا إلى حذف هذا الشرط من شروط الحجية دون أن يختل الأساس الذي تقدم عليه، بينما ذهب اتجاه آخر إلى إدماج المحل والسبب في شرط واحد ويكون هذا الشرط وحدة المسائل المتنازع عليها([134]).

إلا أننا نميل إلى الإبقاء على شرط السبب مع عدم التوسع فيه، فإذا تعدد السبب لم يجز التمسك بحجية الأمر المقضي حتى ولو اتحد المحل. ولكن إذا اتحد السبب مع اتحاد المحل والخصوم جاز التمسك بحجية الأمر المقضي حتى لو تعددت أدلة الإثبات على هذا السبب الواحد أو تعددت الدعاوى التي تنشأ عن السبب الواحد([135]).

المطلب الثاني

الاستثناء الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء وعدم الدستورية

أولاً: الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء أحكام الإلغاء هي حاصل دعوى الإلغاء النهائية ونتيجتها، تكمن فيها طبيعة الجزاء الذي تحمله هذه الدعوى وتوضح حدوده ونطاقه، فإذا قيل بأن القضاء الإداري له ولاية إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو التساؤل عن آثار هذا الإلغاء ونتائجه، ولا غلو في القول بأن أهمية دعوى الإلغاء من الناحية العملية إنما تقاس بالآثار التي تترتب على أحكام الإلغاء والنتائج التي تحققها، وبناء عليه قرر قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 سريان القواعد الخاصة بقوة الشيء المحكوم فيه على أحكام المجلس على أن تكون الأحكام الصادرة بالإلغاء حجة على الكافة، وفي ذلك تقول المادة 52 من القانون المذكور تسري في شأن جميع الأحكام القواعد الأصلية بقوة الشيء المحكوم فيه على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء وحجة على الكافة فإذا كانت أحكام مجلس الدولة صادرة بناء على الطعن بسبب تجاوز السلطة تحوز حجية الشئ المحكوم فيه أسوة بسائر الأحكام القضائية إلا أنها تزيد عليها أن حجيتها مطلقة وليست نسبية حيث يستفيد منها ليس أطراف الخصومة فحسب، وإنما كل من تعلقت له مصلحة بالقرار المطعون فيه أو يكون قد مس مركزه القانوني([136]).

وإن كنا نؤيد ما ذهب إليه أحد الشراح إلى القول بأن كلمة الكافة الذي يسري في مواجهتهم أثر الحكم كلمة خاطئة، ولا ينبغي أن نفهم هذه الكلمة بأنها تعني الناس جميعاً، فهذا الأثر لا يكون حتى للقواعد التنظيمية ذاتها على ما هو مقرر من صفة العمومية، بل هي تفهم على أنهم طائفة من الناس محدودة بصفاتهم لا بأشخاصهم وذواتهم، وهذه الطائفة قد تتضاءل وتتناقض حتى تنحصر في قلة فيهم الصفة التي من أجلها يفيدون أو يضارون من الحكم، وتكون هذه القلة هي الكافة الذين يسري الحكم في مواجهتهم، وأحيان يتقلص معنى الكافة إلى العدم إذا لم يكن هناك من يفيد في الحكم أو يضار به سوى المحكوم ضده، ولذلك يرى الشارح أن من الأفضل أن يقال بأن أثر الحكم يتعدى إلى غير من كانوا أطرافاً في الخصومة التي صدر فيها الحكم([137]).

ولما كان الطعن بالإلغاء خصومة عينية توجه إلى القرار الإداري ذاته وليس خصومة شخصية بين الطاعن والسلطة العامة، فإن القضاء الإداري يفصل في الطعن المرفوع أمامه ولو تغير الموظف الذي أصدر القرار المطعون فيه أو زالت صفته ولا يقبل من هذا الموظف التدخل للدفاع عن قراره، فمتى كان الثابت أن الوزير لم يكن خصماً أصيلاً في الدعوى، وإنما اختصم كنائب عن الدولة بوصفه وزيراً لإحدى الوزارات فإن الخصومة والحالة هذه تكون قد انعقدت بين المدعي وبين الدولة لا بين المدعي وبين الوزير بصفته الشخصية ما دام لم يطلب الحكم عليه بأي إلزام أو شيء بهذه الصفة الأخيرة كما أن الخصومة انصبت على طلب إلغاء قرار إداري صدر في شأن تسيير مرفق عام من مرافق الدولة يقوم الوزير على إدارته بوصفه وزيراً، فموضوع الدعوى هو اختصام القرار الإداري في ذاته ووزنه يميزان القانون فيلغى القرار إذا شابه عيب من العيوب المنصوص عليها في قانون مجلس الدولة، وهي عيب عدم الاختصاص أو عيب في الشكل، أو عيب مخالف القانون واللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو عيب إساءة استعمال السلطة ويكون حصيناً من الإلغاء إذا لم ينطوي على عيب أو أكثر من تلك العيوب والخصومة عينية بالنسبة للقرار بمعنى أن الحكم الصادر بالإلغاء يكون حجة على الكافة، حتى ولو نسب إلى الوزير في الدعوى إساءة استعمال السلطة بمقولة أنه كان مدفوعاً في تصرفه مع المدعي بعوامل وأغراض شخصية لأن الطعن في القرار الإداري بعيب إساءة السلطة لا يقلب الخصومة في شأنه إلى خصومة شخصية بين الطاعن والوزير ما دام لم يطلب الحكم عليه بإلزام أو بشئ بهذه الصفة([138]) وقد بلورت المحكمة الإدارية العليا هذه الفكرة بل اعتبرتها من النظام العام وذلك على أساس أن روابط القانون العام تختلف عن روابط القانون الخاص، وأن الأخيرة تهدف أساساً إلى معالجة مصالح فردية خاصة على أساس التعامل بين أطرافها ولذا كان لمشيئتهم وإقامتهم أثره الحاسم في ترتيب المراكز القانونية وتعديلها وكانت قواعد القانون الخاص إلا ما تعلق منها بالنظام العام غير آمرة يجوز الاتفاق على مخالفتها في حين أن قواعد القانون الإداري تهدف أساساً على معالجة مراكز تنظيمية عامة لا تعادل في المصلحة بين أطرافها وتعلو فيها المصلحة العامة على المصلحة الفردية، فلا يجوز الاتفاق على ما يعارض تلك المصلحة بل يجب أن يحكم إفشاء المراكز القانونية فيه على سنن القانون وأنه حتى انحسم المراكز التنظيمية بحكم حاز قوة الشيء المحكوم فيه فقد استقر فيه الموضوع الإداري نهائياً، فالعودة لإثارة النزاع فيه بدعوى جديدة هو زعزعة لهذا الوضع الذي استقر، واستشهد بأن القانون جعل المفوضين حق الطعن في الحكم إن خالف قوة الشئ المحكوم فيه سواء طعن الخصم بذلك أو لم يطعن، ومن ثم فقد قررت المحكمة الإدارية العليا أن هذا الدفع من النظام العام تنزله المحكمة من تلقاء نفسها أياً كان موضوعها سواء أكان طعناً بالإلغاء أو غير ذلك ما دام هذا الموضوع معتبراً من المراكز التنظيمية المرد فيها لأحكام القانون وحده ولا يملك الطرفان الاتفاق على ما يخالفه واستخلصت المحكمة من ذلك أن المنازعات المتعلقة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت تنطبق عليها هذه القاعدة دون أن يغير من ذلك أن الأحكام الصادرة بالإلغاء ذات حجية عينية على الكافة بينما هذه الأخرى ذات حجية مقصورة على أطرافها([139]).

وقد دعي ذلك إلى القول بأن الأحكام الإدارية الصادرة في منازعات يتعلق موضوعها بمراكز تنظيمية عامة يكون هذا الدفع فيها من النظام العام سواء أكانت حجيتها مطلقة يحتج بها في مواجهة الكافة أم كانت ذات حجية نسبية مقصورة على طرفي الخصومة وأن الأحكام الصادرة في منازعات لا يتعلق موضوعها بمراكز تنظيمية عامة لا يكون الدفع فيها متعلق بالنظام العام، ومن هذا النوع الأخير الأحكام الصادرة في دعاوى التعويض عن القرارات الإدارية([140]).

ونستنتج من ذلك أن الحكم الصادر بإلغاء القرار الإداري إنما يتمتع بالحجية المطلقة ويسري في مواجهة الكافة، وتنطبق القاعدة على القرارات التنظيمية واللوائح، وكذلك على القرارات الإدارية الفردية.

تأجيل الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء: هناك اتجاهان حول هذه النقطة الاتجاه الأول ذهب هذا الاتجاه إلى أن الأساس لكون حكم الإلغاء يتعدى أثره إلى الغير هو أن المراكز التنظيمية يحدد بعضها البعض ويمس بعضها بعض، لأنها ناشئة عن تنظيم يحقق لأصحاب المراكز فيه حقوق وواجبات نحو بعضهم البعض في التنظيم الحكومي يجعل للأفراد حقوق قبل الموظف وواجبات عليهم نحوه، ويجعل بين الموظفين التزامات باحترام التسلسل الإداري وحقوقه في التدرج فيه، ولذلك فإن تعيين الموظف يمس مراكز الأفراد ومراكز الشاغلين للوظائف في ذلك التنظيم وإلغاء قرار فصل الموظف يكون حجة على الغير أو حجة بهذا المعنى، والحكم الصادر بهذا المقتضى يضطر أصحاب المراكز إلى احترامه والاعتراف به فيكون حجة عليهم ويتعدى أثره إليهم وتعدي أثر الحكم الموضوعي إلى الغير لا يحمل أكثر من هذا المعنى، فهو يكون حجة على الغير أو حجة لهم متى كانت مراكزهم القانونية قد تأثرت بصدوره، أو كان مركز المحكوم ضده قد تأثر بصدور الحكم في المنازعة الموضوعية.

ولا يستتبع ذلك حتماً أن يتأثر جميع أصحاب المراكز القانونية ذات الشأن بإلغاء القرار الإداري، بل أن ذلك متوقف على ما يتبين من أن القرار الملغي قد مس مركز الغير فعلاً([141]).

الاتجاه الثاني: وهذا الاتجاه ذهب إلى تبرير الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء إلى أن دعوى الإلغاء تنتمي إلى القضاء العيني، أي استند إلى التفرقة بين القضاء العيني والقضاء الشخصي، فوفقاً لهذه النظرية تنقسم المراكز القانونية إلى مراكز قانونية عامة وموضوعية ومراكز قانونية شخصية، المركز القانوني الموضوعي هو الذي يتأثر مباشرة من القواعد القانونية بطبيعتها عامة ومجردة فإن مضمون هذا المركز العام يعتبر واحداً بالنسبة للجميع، لا يختلف من حالة إلى أخرى بالنسبة للمجموعة المتماثلة في الظروف([142]).

ولما كانت القاعدة القانونية تتصف بعمومية الأثر بسريانها في مواجهة الناس جميعاً، ويتعين على الكافة احترام الأثر القانوني الناشئ عنها، فقد قيل أن السند الموضوعي أي التصرف الشرطي أو الحكم القضائي الذي يحدد المركز الموضوعي يحتج به في مواجهة الكافة كذلك فالجنسية، أو الوظيفة العامة تنشأ نتيجة للقانون ولذلك فهي مراكز قانونية يتعين على الناس جميعاً احترامها والنزول على الآثار التي ترتبها، وكذلك فإذا ترتبت مثل هذه الآثار بسبب تصرف شرطي أو حكم قضائي أدخل الفرد في نطاق أو مجال قاعدة تنظيمية معينة وجعلها تنطبق عليه بسبب هذا التصرف الشرطي فإنها تكون عامة مطلقة.

رأينا الخاص: في الحقيقة لا نميل إلى الاتجاه الأول لأن فكرة تأثير المراكز القانونية التنظيمية في بعضها البعض لا يستتبع ذلك حتماً أن يتأثر جميعه أصحاب المراكز القانونية ذات الشأن بإلغاء القرار الإداري، بل إن ذلك متوقف على ما تبين من أن القرار الملغي قد مس مركز الغير فعلاً([143]).

أيضاً الاتجاه الثاني لا يؤدي إلى تأصيل الحجية المطلقة لأحكام الإلغاء، وذلك لأن المركز القانوني الشخصي هو في حقيقته مركز قانوني موضوعي، وذلك مثلاً كمركز الدائن ومركز المدين ومركز المسئول المدني، فالقانون هو الذي يعرف تلك المراكز وينظمها، شأنها شأن المراكز القانونية الموضوعية، والفارق الوحيد الذي يمكن أن ينشأ بين المراكز القانونية الشخصية بعضها البعض هو فارق في القيمة أو الدرجة فقد تختلف قيمة الدين من فرد لآخر إلا أن المركز القانوني للمدين والدائنين واحد في جميع الفروض والمضمون القانوني والوسائل القانونية المقررة لحمايتهم واحدة.

من ناحية أخرى أخذ على تقسيم المنازعات إلى عينية وشخصية أنه لا يصلح كمعيار منضبط لبيان حالات الحجية النسبية، وأوضح دليل على ذلك أن الأحكام الصادرة في الدعاوى العينية بالرفض كما هو الشأن بالنسبة للدعوى الإلغاء تحوز حجية نسبية إجماع الفقه والقضاء([144]).

كذلك هناك فارق كبير بين القاعدة التنظيمية والقرار الإداري أو التصرف الشرطي الذي يصدر تطبيقاً للقاعدة التنظيمية وينشأ لصاحبه مركزاً قانونياً تنظيمياً بالتطبيق لتلك القاعدة، فالقاعدة التنظيمية هي وضع مفرغ مجرد ولذلك استحق أن يكون عمومياً، أما القرار الإداري الفردي وسائر الأسانيد الشرطية فهي ليست مفرغة ولا مجرد بل هي ممتلئة بمن صدرت في شأنهم ومحددة ومقيدة لهم ولذلك فلا يكون لها حتى صفة العمومية في جميع الأحوال([145]).

وفي الحقيقة أميل إلى الاتجاه الذي أبرز عمل قاضي الإلغاء فهو الركيزة الأساسية التي يمكن أن نصل بها إلى أساس الحجية المطلقة لدعوى الإلغاء.

فقاضي الإلغاء يقوم أولاً بالبحث في مشروعية القرار المطعون فيه، فإذا انتهى إلى تقرير عدم مشروعية فإنه يتبع ذلك التقرير بعمل إداري يتضمن إزالة القرار الإداري وما ترتب عليه من آثار، وقاضي الإلغاء هو يقرر إلغاء القرار الإداري إنما يقوم بعمل شبيه بأعمال السلطة، وأقرب ما يكون شبهة بعملية سحب القرار التي تقوم بها الإدارة، فالآثار القانونية المترتبة على الإلغاء القضائي والسحب الإداري تكاد تكون واحدة وهي تتمثل في إعدام القرار منذ صدوره واعتباره كائن لم يكن.

وعملية سحب القرار الإداري تسري بطبيعتها في مواجهة الكافة فإذا ما تمت هذه العملية وتحققت آثارها بمقتضى عمل قضائي يحوز حجية الأمر المقضي، فإن الحجية المقررة لهذا العمل القضائي ينبغي أن تسري بدورها في مواجهة الكافة وتعمل أثرها بالنسبة لكل جهات القضاء([146]).

ومما يؤيد ذلك حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في 18 من يناير سنة 1985 والذي جاء فيه.. أن الأحكام الصادرة بالإلغاء ذات حجية عينية تسري في مواجهة الكافة، بينما المنازعات الأخرى كالمنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت ذات حجية مقصورة على أطرافها لأن المرد في ذلك ليس إلى خصائص تتميز بها منازعات الصنف الأول وهي طبيعة الروابط القانونية فيها من ناحية ودرجة الاتصال بالمصلحة العامة عن طبيعة الروابط القانونية في منازعات الصنف الثاني، بل طبيعة الروابط فيها جميعاً واحدة من هذه الناحية، وإنما المرد في ذلك إلى مقتضى إلغاء القرار الإداري هو اعتباره معدوماً وكأن لم يكن، ويسري هذا الأثر بحكم اللزوم بطبائع الأشياء على الكافة ولكل ذي شأن ولو لم يكن من أطراف المنازعة أن يتمسك به وآية ذلك أن الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري في مثل هذه المنازعات بالرفض ليست لها حجية عينية على الكافة([147]).

ويتضح لنا من هذا الحكم أنه قد استبعد الاستناد إلى الطبيعية الخاصة لدعوى الإلغاء كمبرر للحجية المطلقة للحكم الصادر فيها واستند إلى فكرة انعدام القرار كأثر لإلغائه، بل حاول التدليل على عدم صلاحية فكرة الطبيعية الخاصة لدعوى الإلغاء لتبرير الحجية المطلقة بما أوضحه من أن الأحكام الصادرة في تلك الدعوى بالرفض ليست لها سوى حجية  نسبية.

ثانياً: الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بعدم الدستورية في حجية الأحكام التي تفرضها على النحو التالي:

 قبل إنشاء المحكمة العليا

استقرت الأوضاع في مصر – قبل إنشاء المحكمة العليا – في الوقت الذي قرر فيه القضاء حقه في رقابة التشريعات رغم عدم وجود نص على قصر سلطة المحكمة على الامتناع على تطبيق هذا التشريع على واقعات الدعوى، وكان هذا الامتناع يتمثل في مجرد إهمال أعمال التشريع. إلا أن ذلك لم يكن مانعاً من إعادة تطبيقه عن طريق محكمة أخرى، بل عن طريق ذات المحكمة التي سبق وامتنعت عن تطبيقه، وذلك إذا ما أثير أمامها بمناسبة قضية أخرى عرضت عليها.

وبذلك فإن حجية الأحكام الصادرة بشأن رقابة دستورية القوانين خلال هذه الفترة كانت حجية نسبية قاصرة على حدود الدعوى التي صدرت فيها، ولم تكن تتعداها إلى خارجها([148]).

كما عمل المشرع في الوقت ذاته على اعتناق أسلوب مركزية الرقابة على دستورية القوانين، حين عهد بالرقابة المذكورة إلى المحكمة العليا دون سواها([149]).

وبناءً عليه فإن قانون 81 لسنة 1969م، أنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى مضمون الحجية أو بيان الأثر الذي يترتب على الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية إلا أنه لنا تعقيب على التنظيم التشريعي للمحكمة العليا.

فيما سبق إنشاء المحكمة العليا حين كانت المحاكم العادية والإدارية تتبين وجود تعارض بين الدستور والقانون فإنها كانت لا تلغي القانون، لأن الحكم بإلغاء القانون لا تملكه المحاكم إلا بنص صريح في الدستور، والمحاكم من جهة أخرى لا تستطيع أن تطبق القانون عند تعارضه مع الدستور، لأن هذا بدوره لا تملكه المحكمة إلا برخصة دستورية صريحة كل ما تملكه المحكمة عند سكوت الدستور هو أن تمتنع عن تطبيق القانون غير الدستوري في القضية المعروضة عليها وقضاؤها في هذا مقصور على هذه القضية بالذات دون أن تتقيد محكمة أخرى بهذا القضاء بل دون أن تقيد هي نفسها به في قضية أخرى تنظرها بعد ذلك([150]) ومن ناحية أخرى فإن محكمة القضاء الإداري قررت مبدأ إلغاء القرار الإداري الذي أصدرته الجهة الإدارية مستندة إلى قانون غير دستوري، ذلك أنه إذا كانت المحكمة لا تملك الحكم بإلغاء القانون إذا ما طلب إليها ذلك بصفة أصلية، إلا أنه من المسلم به أن من حقها أن تتعرض لبحث دستورية القانون في حدود منازعة من المنازعات المطروحة عليها والتي تختص بنظرها، وذلك إذا دفع بأن القانون الذي تتمسك به الحكومة قانون غير دستوري فتملك المحاكم في هذه الحالة أن تمتنع عن


إنشاء المحكمة العليا

ناط المشرع الرقابة على دستورية القوانين بالمحكمة العليا التي أنشئت للمرة الأولى بالقانون رقم 81 لسنة 1969، الذي قضت المادة الرابعة منه بأن تختص المحكمة العليا بما يأتي:

1-الفصل دون غيرها في دستورية القوانين إذا ما دفع بعدم دستوريته قانون أمام إحدى المحاكم، وتحدد المحكمة التي أثير أمامها الدفع ميعاد للخصوم لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا، ويوقف الفصل في الدعوى الأصلية حتى تفصل المحكمة العليا في الدفع، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن…

وقد أشارت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 81 لسنة 1969 إلى المحكمة من إيراد حكم البند (1) من المادة الرابعة أتت البيان بقولها “انفرادها (أي المحكمة العليا) دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين وذلك في حالة إذا ما دفع بعدم دستورية القانون أم إحدى المحاكم أثناء نظر دعوى مرفوعة أمامها، حتى لا يترك أمر البت في مسألة على هذا القدر من الخطورة للمحاكم على مختلف مستوياتها حسبما جرى عليه العرف القضائي في الجمهورية العربية المتحدة وحتى لا تتباين وجوه الرأي فيه.

ويتضح من الكيفية التي جرى بها صياغة البند (1) من المادة الرابعة من القانون رقم 81 لسنة 1969م أو تلك التي أشارت إليها المذكرة الإيضاحية للقانون سالف البيان، أن المشرع أثر هجر أسلوب عدم مركزية الرقابة على دستورية القوانين الذي كان سائداً فيما قبل صدور القانون 81 لسنة 1969م هذا الأسلوب الذي كان يتمثل في تخويل سائر المحاكم (العادية والإدارية) الفصل في دستورية القوانين عن طريق الدفع المثار أمام إحداهما من قبل أحد الخصوم بعدم دستورية قانون لازم للفصل في النزاع المطروح عليها تطبيق القانون غير الدستوري في القضية المعروضة عليها، وتقضي بإلغاء وبطلان القرار الإداري الذي أصدرته الجهة الإدارية مستندة إلى تلك القانون غير الدستوري([151]).

وبعد إنشاء المحكمة العليا وتقرير مركزية الرقابة على دستورية القوانين قرر المشرع أن الطعن في دستورية القوانين عن طريق الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة المختصة بنظر النزاع فلا يجوز طبقاً لنصوص هذا القانون اللجوء مباشرة إلى المحكمة العليا برفع دعوى أصلية بعدم دستورية قانون.

وإنما يتعين أن يكون هناك نزاع أمام محكمة إدارية أو عادية يراد تطبيق قانون معين عليه ثم يثير أحد الخصوم دفعاً بعدم دستورية هذا القانون. فإذا ما دفع بعدم دستورية قانون على هذا النحو تحدد المحكمة التي أثير أمامها الدفع ميعاد للخصوم لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا، ويوقف الفصل في الدعوى الأصلية حتى تفصل المحكمة العليا في الدفع فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.

وقد جاء قانون الإجراءات والرسوم ناصاً في مادته الأولى على أن ترفع طلبات الفصل في دستورية القوانين إذا قدرت المحكمة المثار أمامها الدفع بعدم الدستورية جدية هذا الدفع.

وبناء على هذا التنظيم وجه الأستاذ الدكتور ثروت بدوي النقد التالي:

“لا شك في أن نصوص القانون لا تمسح بتقرير الحجية المطلقة للأحكام الصادرة من المحكمة العليا، وحتى تلك التي تقرر عدم دستورية القانون، ومن ثم تخضع أحكام المحكمة العليا لما تخضع له الأحكام القضائية عموماً، حيث الأثر النسبي لها، فالقاعدة العامة أن الأحكام القضائية – عدا ما استثنى منها بنص صريح ذات أثر نسبي “فقاعدة الحجية بالنسبة للأحكام تسري على أحكام المحكمة العليا حيث أن المشرع لم يقرر غير ذلك”.

إلا أن المشرع سرعان ما تدارك هذا النقض بإصداره القانون رقم 66 لسنة 1970.

قانون رقم 66 لسنة 1970

يعالج القانون رقم 66 لسنة 1970 الإجراءات أمام المحكمة العليا الذي قضت المادة 31 منه بأن “تنشر في الجريدة الرسمية قرارات تفسير النصوص القانونية وكذلك منطوق الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين، وتكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء.

وبذلك نظم هذا النص أحكام الحجية وتدارك ما انطوى عليه قانون إنشاء المحكمة العليا من نقص فقد نص قانون الإجراءات أمام المحكمة العليا الذي صدر بمقتضى القانون رقم 66 لسنة 1970 في 25 أغسطس سنة 1970 على تقييد المحاكم المختلفة بما قررته المحكمة العليا في حكمها ومعنى ذلك أنه على الرغم من الأثر النسبي لأحكام المحكمة العليا، فإن المشرع في قانون لاحق هو قانون الإجراءات قد ألزم جميع جهات القضاء بالتقيد بما تقرره المحكمة العليا في شأن دستورية القوانين التي يطعن فيها أمامها. ومن ثم فإن حكم المحكمة العليا الصادر بتقرير عدم دستورية قانون معين لا يلغي هذا القانون وإنما يمنع المحاكم من العمل بمقتضاه في جميع القضايا التي تعرض أمام المحاكم والتي كان يراد تطبيق ذلك القانون عليها.

ولم يقتصر قانون الإجراءات على النص في المادة 31 منه على أن الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين تكون ملزمة لجميع جهات القضاء بل أنه قد نص في نفس المادة على نشر منطوق هذا الأحكام في الجريدة الرسمية ويبدو من هذا النص أن المشرع أراد أن يقرر لهذه الأحكام حجية مطلقة على خلاف ما توصي به نصوص القانون رقم 81 لسنة 1969م بإصدار قانون المحكمة العليا، ولعل ذلك التناقض يرجع إلى العجلة التي تم بها إصدار قانون المحكمة العليا([152]).

صدور دستور 1971

صدر دستور جمهورية مصر العربية بتاريخ 11 من سبتمبر 1971م، وتناول المحكمة الدستورية العليا في الفصل الخامس من الباب الخامس من المواد(174 – 178) وقد نص في المادة (178) منه على أن “تنشر في الجريدة الرسمية الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية، والقرارات الصادرة بتفسير التشريعية، وينظم القانون ما يترتب على الحكم بعدم دستورية نص تشريعي من آثار.

ونفاذاً لذلك صدر القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن إصدار قانون المحكمة الدستورية العليا وجاء نص المادة 49 منه لتنظم أحكام الحجية إذا نصت على أن “أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية ملزمة لجميع سلطات الدولة، وللكافة، وتنشر هذه الأحكام في الجريدة الرسمية بغير مصروفات خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من صورها، ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون، أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم، فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استناداً إلى ذلك النص كأن لم تكن.

وبذلك تكون أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا جاءت أكثر تفصيلاً من قانون المحكمة العليا بشأن تنظيم حجية الأحكام الدستورية([153]).

المبحث الثالث

مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية

سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب نتناول في المطلب التمهيدي مضمون الأحكام الصادرة برفض الطعن وفي المطلب الأول مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء وفي المطلب الثاني مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في الدعوى الدستورية.

المطلب التمهيدي

مضمون الأحكام الصادرة برفض الطعن

من الثابت أن حق التقاضي مكفول للكافة ويجوز لأي شخص له حق أو طلب أو مصلحة معينة أن يبدأ الخصومة وذلك بقيد صحيفة دعواه بقلم كتاب المحكمة مختصماً فيها من له حقاً قبله أو له طلب معين عنده ويتعين أن يكون للمدعي أو من يبدأ الخصومة مصلحة في دعواه، وقد يتوافر لمن يبدأ الخصومة أهلية التقاضي وكذا المصلحة، ثم تبدأ الخصومة ولا يستطيع أن يثبت دعواه حينئذ تسير الدعوى ولكنها لا تصل إلى الهدف المرجو منها أي أنها تنتهي انتهاء مبتسراً إما لعيب في إجراءاتها أو غير ذلك، أو قد تكون الإجراءات قد اتبعت صحيحة ولكن المدعي عجز عن إثبات دعواه لسبب أو لآخر، حينئذ تقضي المحكمة برفض الدعوى وهذا التصنيف من الأحكام يقسم إلى أحكام تصدر برفض الدعوى بحالتها، وأحكام تصدر برفض الدعوى لعدم تقديم مستنداتها، أو لعجز المدعي عن إثباتها. وهذا ما سوف نوضحه على النحو التالي:

الأحكام الصادرة برفض الدعوى بحالتها: الدعوى قد يرفعها المدعي بالطرق المعتادة وتثير على هذا النحو ولكنها قد تنتهي انتهاء مبتسراً إما إجرائياً لأسباب تتعلق بالشكل أو برفض حالتها لعدم تقديم مستنداتها والذي يهمنا في هذا المقام هو رفض الدعوى بحالتها فقد يكون مرجع ذلك لعدم تقديم المدعي مستندات تؤيد دعواه أو أن تكون المستندات غير كافية بطبيعتها لتكوين رأي فيها من قبل المحكمة أو بمعنى أكثر وضوحاً أن يعجز المدعي عن إثبات دعواه فحينئذ تقضي المحكمة برفض الدعوى، ومن أمثلة ذلك:

-رفض الدعوى بالحالة التي هي عليها أن ترفع لدعوى من غير ذي صفة فيحكم بعدم قبولها وتقبل بعد ذلك إذا رفع من ذي صفة.

-كذلك قد ترفع الدعوى من شخص لم يحصل على الإذن للزم من المحكمة الحسبية فترفض الدعوى بحالتها التي هي عليها حتى يحصل المدعي على الإذن.

-رفع الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار إداري لم يصدر بعد، فترفض الدعوى لرفعها قبل الأوان([154]).

-الأحكام الصادرة برفض الدعوى لعدم تقديم مستنداتها أو لعجز المدعي عن إثباتها. وهي عجز المدعي عن إثبات دعواه أو لعدم تقديم مستنداتها أو لشئ آخر فإن الحكم الصادر في الدعوى بحالته هذه يحوز حجية موقوتة بمعنى أن المدعي إذا عاود رفع دعواه من جديد دون أن يطرأ عليها تغيير في ظروفها فإنها لا تقبل من عدم تغيير في حالتها أما إذا تغيرت الظروف التي كانت معاصرة لرفض دعواه بحالتها كما لو قام المشتري بسداد كامل الثمن في دعوى صحة التعاقد مثلاً فحينئذ تكون دعواه مقبولة أما إذا رفضت الدعوى بحالتها كأول عهد لها فإنها تحوز حجية موقوتة([155]).

المطلب الأول مدى حجية الأحكام الصادرة برفض لطعن في دعوى الإلغاء وفي المطلب الثاني نتناول مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في الدعوى الدستورية.

المطلب الأول

مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء

الواقع أن إقرار الحجية النسبية للأحكام الصادرة بعدم قبول دعوى الإلغاء لانعدام المصلحة أو الصفة أو لانقضاء الميعاد أمر شائع ومقبول فمثل هذا الحكم لا ينبغي أن يكون حائلاً دون قبول الدعوى إذا ما توافرت شروط قبولها بعد ذلك سواء بالنسبة للمدعي أو بالنسبة لغيره.

ولكن الذي يحتاج لإيضاح وتبرير هو الاختلاف بين حجية الحكم الصادر برفض الدعوى موضوعا وبين حجية الحكم الصادر في الموضوع بإلغاء القرار فبرغم أن الحكم في الحالتين يمس موضوع النزاع وبرغم اتفاق طبيعة التقرير الذي يقوم به القاضي في كل منهما وهو بيان مدى مطابقة للقرار المطعون فيه لقواعد المشروعية، وبرغم أنهما صادران في دعوى من طبيعة واحدة هي دعوى تجاوز السلطة إلا أن ثمة اختلافاً بينا في حجية الحكم الصادر في كل منهما.

أولاً: أساس الاختلاف بين حجية أحكام الإلغاء وأحكام الرفض

ذهب اتجاه إلى نظرية احتمالات الخطأ فاحتمالات الخطأ في حالة رفض الدعوى أقوى منها بكثير في حالة قبولها وإلغاء القرار، ولا يختلف في ذلك بكثير عما يرده معظم الشراح من أن العلة في تلك التفرقة ترجع إلى أنه في حالة رفض الدعوى يظل القرار قائماً ولا يعني الرفض أكثر من أن المحكمة لم تقتنع بما استند إليه المدعي في دعواه، وقد تكون ثمة أسانيد أخرى مما لا تملك المحكمة إثارتها من تلقاء نفسها تقطع بعدم مشروعية القرار([156]).

ذهب اتجاه آخر إلى التفرقة بين القرارات الإدارية التي تؤثر تأثيراً مباشراً في مصالح الأفراد. وذلك مثلاً كقرار الاستيلاء على أرض مملوكة للمدعي أو حرمانه من ترخيص ممنوح له. وقيل بأن الحكم الصادر بإلغاء مثل هذا القرار يكون ذا أثر نسبي فلا يعتبر حجة على الغير – وبين القرارات التي ليس لها مثل هذا الأثر المباشر كالقرارات الصادرة بصيانة أمن الدولة وسلامتها والقرارات التنظيمية العامة التي لا تنطبق على الأفراد إلا بعد صدور قرار إداري بذلك وقيل بأن الحكم الصادر بإلغاء مثل هذه القرارات يكون حجة على الكافة([157]).

وهناك اتجاه ثالث: ذهب هذا الاتجاه إلى تأسيس حجية الحكم إلى فكرة الإلغاء والإلغاء الجزئي، فيكون الإلغاء كاملاً، متى ألغى القرار المطعون فيه بجميع أجزائه ومشتملاته.

وقد يكون ذلك بصفة خاصة في القرارات التي لا تقبل التجزئة… والتي تنصب على محل واحد كقرار صادر بالاستيلاء أو اعتبار عقار معين من المنافع العامة. كما قد يتناول القرارات ذات المحال المتعددة، كقرار بإجراء حركة بتعيين بعض الموظفين أو بترقيتهم لعيب في الشكل. وذلك إذا صدر الحكم بإلغاء القرار كله في جميع مشتملاته وبالنسبة لجميع من تناولتهم حركة التعيين أو الترقية.

كما يكون الإلغاء جزئياً إذا اقتصر على الحكم بإلغاء جزء مما تضمنه القرار دون سائر أجزائه ومشتملاته، ويكون ذلك في القرارات القابلة للتجزئة بطبيعتها([158]).

لا يقضي القاضي الإداري بالإلغاء الجزئي، حينما يكون القرار المطعون عليه كلا غير قابل للتجزئة”. وعلى العكس تفسح أمام القاضي إمكانية الإلغاء الجزئي، حينما يلاحظ وجود نص لا يرتبط بالقرار “برابطة غير قابلة للتجزئة” ويدل التعبير المستخدم بواسطة القاضي على أنه يسند دوراً محورياً في هذا الخصوص إلى عدم القابلية للتجزئة. إذ لا تتحدد قابلية القرار للتجزئة إلا بالنظر إليها (أي بالنظر إلى عدم القابلية للتجزئة). فالقابلية للتجزئة مستمدة إذن من تخلف عدم القابلية للتجزئة([159]).

وذلك إذا نص القرار على آثار متعددة للمركز القانوني، أو إذا أمكن إلغاء بعض أحكامه أو أوصافه كتاريخ سريانه ومن أمثلة ما ورد في حكم محكمة القضاء الإداري بمراجعة قرار المجلس الصادر بفرض الرسم على محلج المدعي المودع صورته بملف الدعوى، تبين أنه لم يعين تاريخ سريانه، غير أن الوزير عندما أصدر قراره المطعون فيه، نص في مادته الثالثة على سريان مفعوله اعتباراً من أول مايو 1946 مع أن هذا القرار لم يصدر إلا في مايو 1947 ومن حيث أن صدور القرار على هذا الوضع يعتبر مخالفاً للقانون، فيتعين إلغاؤه فيما نص عليه في مادته الثالثة من إسناد أثره إلى الماضي”([160]).

وبناء على ذلك اتجه القضاء إلى التفرقة بين أثر أحكام الإلغاء الكلي، وقيل بأنه يكون في مواجهة الكافة، وأحكام الإلغاء الجزئي الذي يسمى أحياناً الإلغاء النسبي وقيل بأن بأثره يكون نسبياً قاصراً على أطراف المنازعة التي صدر فيها الحكم([161]).

إلا أن هذه الفكرة مردود عليها بأن حجية الأحكام الصادرة بالإلغاء هي حجية عينية كنتيجة طبيعية لإعدام القرار الإداري في دعوى هي في حقيقتها اختصام له في ذاته إلا أن مدى الإلغاء يختلف بحسب الأحوال فقد يكون شاملاً لجميع أجزاء القرار وهذا الإلغاء الكامل قد يقتصر على جزء منه دون باقيه وهذا هو الإلغاء الجزئي.

إلا أننا نميل إلى تأصيل الحجية النسبية لأحكام الرفض، أي أن القاضي الإداري لا يملك إثارة أوجه عدم المشروعية من تلقاء نفسه إلا في حالات استثنائية، وبذلك فإن الحكم بالرفض لا يعني سلامة القرار وكل ما يعنيه هو أن المدعي لم يوفق في إثبات عدم شرعيته([162]).

آثار الحجية النسبية لأحكام الرفض

يترتب على الحجية النسبية لأحكام الرفض أنه يتعين حتى يتسنى إعمالها أن تتوافر شروطها الثلاثة وهي وحدة الخصوم والموضوع والسبب. فإذا ما تخلف شرط من هذه الشروط أمكن قبول دعوى جديدة بطلب إلغاء القرار وهذا ما نوضحه على النحو التالي:

1- شرط اتحاد الخصوم

ليس ثمة ما يحول دون رفع دعوى جديدة لإلغاء القرار استناداً إلى ذات الأسباب السابقة ولكن من خصم آخر خلاف المدعي في الدعوى السابقة، ولا محل للتشكيك في قيمة هذا الفرض إذ أنه الغرض الوحيد الذي يتسع المجال عملاً لتحقيقه فإمكان معاودة المدعي رفع الدعوى جديدة استناداً إلى أسباب جديدة فرض يعيد الاحتمال لتحقق العلم بالقرار في الدعوى الأولى والقضاء الميعاد بالنسبة للدعوى الثانية، وذلك عدا حالة نادرة وهي صدور تشريع يفتح ميعاداً جديداً للطعن على القرار.

2- شرط اتحاد الموضوع

على خلاف أحكام الإلغاء لا تحوز أحكام الرفض أية حجية بالنسبة للدعاوى الأخرى التي تختلف في موضوعها عن دعوى الإلغاء كدعوى التعويض ودعوى تقدير المشروعية، فالحكم الصادر برفض الدعوى لا يحول دون الحكم بالتعويض عن القرار استناداً لعدم مشروعيته.

3- بالنسبة لاتحاد السبب

إذا كان الخصم قد أقام دعواه استناداً على سبب معين وقضى برفضها فليس ثمة ما يحول دون رفع الدعوى الثانية استناداً إلى سبب جديد([163]).

فيمكن للخصوم، أن يرفعوا دعوى إلغاء عن نفس القرار ولكن استناداً إلى أسباب أخرى للطعن بالإلغاء،  غير أن الدعوى الجديدة سوف تصطدم غالباً بعقبة كؤود ألا وهي عدم قبولها شكلاً نظراً لفوات ميعاد الطعن بالإلغاء([164]).

على أية حال وكما أوضحت محكمة القضاء الإداري هذه القاعدة في أحد أحكامها والذي قالت فيه إن الحجية المطلقة التي تتعدى أطراف الخصومة إلى الغير يصبح الحكم فيها حجة على الكافة، وتصوره على الحكم الذي يصدر بالإلغاء، أما الحكم برفض الطعن بالإلغاء، فإن حجيته مقصورة على طرفيه، ذلك لأنه قد يكون صائباً بالنسبة إلى الطاعن وخاطئاً بالنسبة لغيره([165]).

وذلك بغض النظر عن موقف مجلس الدولة بالنسبة لنظرية السبب أو بالنسبة لحقه في إثارة أوجه الإلغاء التي لم يثرها الخصوم.

النتائج المترتبة على الحجية النسبية لأحكام رفض دعوى الإلغاء

1-إذا صدر حكم برفض دعوى إلغاء قرار لائحي، فإنه يجوز للغير أن يدفع بعدم مشروعية هذا القرار في دعوى أخرى لا يكون لها نفس الموضوع ولا تستند إلى ذات السبب في الدعوى الأولى، وبالتالي فإن الدفع بعدم مشروعية اللائحة يكون مقبولاً، وتحتفظ المحكمة التي تنظر الدفع بعدم المشروعية بكامل سلطاتها في تقدير مشروعية اللائحة على الرغم من رفض إلغائها.

2-إذا صدر حكم برفض دعوى إلغاء القرار، سواء فردياً أو لائحياً، فإنه لا يجوز التمسك بحجية الشئ المحكوم فيه، بمناسبة نظر دعوى تعويض عن الأضرار الناشئة عن هذا القرار.

3-لا تتقيد المحاكم الجنائية بأحكام الرفض، فيمكن أن تنتهي إلى عدم مشروعية القرار وبناء على ذلك، يجوز للقاضي الجنائي أن يصدر حكماً ببراءة المتهم إذا قدم أن اللائحة التي يحاكم على أساسها، غير مشروعة على الرغم من الحكم الذي سبق أن أصدره القاضي الإداري برفض دعوى إلغائها([166]).

المطلب الثاني

مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في الدعوى الدستورية

نتناول في هذا المطلب رأي المحكمة العليا ثم رأي المحكمة الدستورية العليا وأصدر ذلك في الفقه.

أولاً: رأي المحكمة العليا

بداءة نشير إلى أن هناك صورة من صور الأحكام الصادرة بالرفض لا تثير خلافاً في الرأي، وهي عدم قبول الدعوى لسبب شكلي لتخلف شرط الميعاد أو شرط المصلحة، أو خلو صحيفة الطعن من توقيع محام مقبولاً للمرافعة أمام المحكمة أو أن تكون خالية من بيان النص التشريعي محل الطعن أو النص الدستوري محل المخالفة الدستورية. فمثل هذه الأحكام لا تحوز الحجية المطلقة وإنما تكون حجيتها نسبية لا تحول بين المحكمة وقبول الدعوى. إذا ما توافرت شروط قبولها بعد ذلك سواءً بالنسبة للمدعي أو بالنسبة لغيره. لأن المحكمة لم يسبق لها نظر الموضوع ولا ينبغي أن يكون عدم القبول حائلاً دون نظره بعد ذلك إذا ما توافرت الشروط المتطلبة قانوناً([167]). أما الأحكام الصادرة برفض الطعن من الناحية الموضوعية، أي تلك التي تقرر دستورية النص المطعون عليه فهي التي أثارت خلافاً في الرأي حول مدى تمتعها بالحجية المطلقة من عدمه وقد عرض هذا الأمر أمام المحكمة العليا في الدعوى الدستورية رقم 8 لسنة 3 القضائية، والتي طعن فيها بعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 50 لسنة 1969م بتعيين حد أقصى لملكية الأسرة والفرد في الأراضي الزراعية وما في حكمها، والقانون رقم 15 لسنة 1967 بتفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون، على الرغم من أن المحكمة سبق لها أن قضت في دعوى أخرى برفض الطعن بعدم دستورية هذين التشريعين. وفي هذه الدعوى دفعت الحكومة باعتبار الخصومة منتهية تأسيساً على أن الدعوى الدستورية دعوى عينية، وأن المحكمة لا تتقيد بالأسباب التي يبديها الطاعن، ولها أن تستظهر أسباباً أخرى، بحيث تبسط رقابتها كاملة في هذا الشأن ومن ثم يكون الحكم الصادر حجة على الكافة سواء كان بعدم الدستورية أم برفض الطعن.

وفي ضوء ما ورد في المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم (66 لسنة 1970) والتي نصت على أن تنشر في الجريدة الرسمية الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين، وتكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء خاصة وأن المستفاد من عبارة (الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين) أنها وردت عامة دون تخصيص لتكون الحجية واحدة سواء بالنسبة للأحكام التي قضت بعدم دستورية النص، أم برفض الدعوى، ولما كانت المحكمة العليا سبق وقضت برفض الدعوى بعدم دستورية القانون، وتكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء خاصة وأن المستفاد من عبارة (الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين) أنها وردت عامة دون تخصيص لتكون الحجية واحدة سواء بالنسبة للأحكام التي قضت بعدم دستورية النص، أم برفض الدعوى، ولما كانت المحكمة العليا سبق وقضت برفض الدعوى بعدم دستورية القانون رقم (15 لسنة 1967م).

وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم (50 لسنة 1969) ونشر قضاؤها في هذا الشأن بالجريدة الرسمية طبقاً للمادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة، ومن ثم تكون الخصومة في هذه الدعوى – وقد تضمنت طلب الحكم بعدم دستورية هذين التشريعين – منتهية لسبق الفصل في دعوى الدستورية المقامة بشأنهما([168]).

بيد أن المحكمة لم تساير هذا النظر، واتجهت إلى رفض إضفاء الحجية المطلقة على الأحكام الصادرة برفض الدعوى. وجاء بحيثيات حكمها فيما نحن بصدده…” ومن حيث إن هذا الدفع – الدفع باعتبار الخصومة منتهية – مردود بأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين التي تمارسها المحكمة العليا من خلال الفصل في الدعاوى الدستورية طبقاً للفقرة الأولى من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 1969م تستهدف حماية الدستور وصونه، وذلك عن طريق إنهاء قوة نفاذ النص المخالف للدستور، ولما كانت الدعوى الدستورية دعوى عينية توجه فيها الخصومة إلى التشريع ذاته فإن مقتضى ذلك أن الحكم الذي يصدر بعدم دستورية نص تشريعي يلغي قوة نفاذ هذا النص، ويغدو معدوماً من الناحية القانونية، ويسقط كتشريع من تشريعات الدولة. ولما كان هذا الأثر لا يقبل التجزئة بطبيعته فإن حجية الحكم الصادر بعدم دستورية نص تشريعي لا يقتصر على أطراف النزاع في الدعوى التي قضى فيها فقط، وإنما ينصرف أثر هذا الحكم إلى الكافة، ويكون حجة عليهم، والأمر يختلف بالنسبة إلى حجية الحكم الذي يصدر من المحكمة العليا برفض الطعن لعدم دستورية نص تشريعي، فهذا الحكم لا يمس التشريع الذي طعن بعدم دستوريته، فيظل هذا التشريع قائماً بعد صدور الحكم ولا يحوز الحكم المذكور سوى حجية نسبية بين أطراف النزاع، لذلك يجوز أن يرد الطعن بعدم الدستورية على هذا التشريع القائم مرة أخرى، ولا وجه للقول بأن المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1970 “إذ تنص على نشر منطوق الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين، وتكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء فإنها تعني التزام جهات القضاء بالأحكام الصادرة بعدم الدستورية، والأحكام الصادرة برفض الطعن، وتكون لهذه الأحكام جميعها حجية على الكافة ذلك أن المادة 31 المشار إليها بنصها على التزام جميع جهات القضاء بالأحكام الصادرة من المحكمة العليا في الدعاوى الدستورية، إنما تعني بحكمها الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بعدم الدستورية في النصوص التشريعية فحسب، إذ أن النص على التزام جميع جهات القضاء بهذه الأحكام مرده إلى الأثر الذي يترتب على صدورها، ويتمثل في إنهاء قوة نفاذ النص التشريعي، واكتساب الحكم حجية على الكافة نتيجة لإنهاء قوة نفاذ النص المقضي بعدم دستوريته، وأما الأحكام الصادرة برفض الطعن بعدم دستورية نص تشريعي فإنها لا تمس التشريع المطعون فيه، ولا يكون لهذه الأحكام سوى حجية نسبية بين أطرافها على ما تقدم، لذلك تنتفي الحكمة والعلة من التزام جميع جهات القضاء بها، ومن ثم فلا يعدو نشر الأحكام الصادرة في الدعوى الدستورية برفض الطعن في نص تشريعي في الجريدة الرسمية أن يكون إعلاناً لمنهج المحكمة في رقابة دستورية القوانين، والتعريف بهذا القضاء، والتبصير به لكي يستهدي به عند إثارة الطعون بعدم الدستورية أمام جهات القضاء، ولا يترتب عليه أن تكون هذه الأحكام ملزمة لجميع جهات القضاء، يؤيد هذا النظر أنه من المسلم به في دعوى إلغاء القرارات الإدارية، وهي دعوى عينية تهدف إلى إلغاء القرارات الإدارية وإعدام آثارها فهي مماثلة في طبيعتها للدعوى الدستورية، أن الحجية على الكافة مقصورة على الأحكام التي تصدر في هذه الدعوى بالإلغاء وذلك لإعدام القرار الإداري في دعوى هي في حقيقتها اختصام له ذاته، أما الأحكام الصادرة برفض الطعن فليس لها سوى حجية نسبية بين أطراف النزاع وعلى هذا تنص صراحة المادة 52 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 حيث تقول… “تسري في شأن جميع الأحكام القواعد الخاصة بقوة الشئ المحكوم فيه، على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء تكون حجة على الكافة”.

ومن حيث أنه لما تقدم فإن قضاء هذه المحكمة برفض الطعن بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967، وعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 50 لسنة 1969، ليس له حجية على الكافة ولا يحول دون الفصل في الدعوى القائمة المرفوعة من مدعين لم يكن أيهما طرفاً في الدعوى التي قضى فيها برفض الطعن بعدم الدستورية، التشريعين أنفي الذكر، ومن ثم يكون الدفع باعتبار الخصومة منتهية غير قائم على أساس سليم من القانون متعيناً رفضه([169]).

والبين من مسلك المحكمة العليا في هذا الحكم أنها قد اتجهت إلى أن الحجية المطلقة للحكم الصادر في الدعوى الدستورية لا تحوزها إلا الأحكام الصادرة بعدم الدستورية دون الأحكام الصادرة برفض الطعن، وبالتالي بدستورية النص التشريعي المطعون عليه، بحيث لا تحوز هذه الأخيرة – أحكام الرفض – سوى حجية نسبية فقط.

موقف الفقه

ما ذهبت إليه المحكمة العليا في حكمها السابق فيما يتعلق بحجية الأحكام الدستورية الصادرة برفض الدعوى وكونها حجية نسبية هو مذهب محل نقد شديد  من الفقه، حيث ذهب البعض إلى أن المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا قد وردت عامة، ولم تفرق بين الأحكام الصادرة بعدم الدستورية وتلك الصادرة برفض الدعوى على ما ذهبت إليه المحكمة العليا([170]).

وذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك حيث قال أنه إذا كانت الحكمة من تقرير الحجية النسبية بالنسبة للأحكام الصادرة بالرفض بصدد دعوى الإلغاء – التي يقاس عليها – أنه قد توجد أسانيد أخرى، مما لا تملك المحكمة إثارتها من لقاء نفسها تقطع بعدم مشروعية القرار، فإن هذه الحجية لا وجود لها بالنسبة للقضاء الدستوري، حيث لا يتقيد القاضي الدستوري بالأسباب التي يبديها المدعي في دعواه، فله أن يستظهر أسباب أخرى ويبسط رقابته كاملة في هذا الشأن([171])، بينما لا يستطيع قاضي الإلغاء أن يتعرض لأسباب لم ترد في صحيفة الدعوى، باستثناء تلك المتعلقة بالنظام العام، وبالتالي، فإذا قضت المحكمة العليا برفض الدعوى فإنها تكون قد حسمت الموضوع، وفحصت القانون المشكوك في دستوريته، وانتهت إلى مطابقته للدستور وهي في تعرضها له يكون ذلك وفقاً للأسباب الواردة بالصحيفة، وأية أسباب أخرى تراها مؤدية للفصل في الدعوى([172]).

رأينا الخاص:  نرفض اتجاه المحكمة العليا فيما يتعلق بحجب الحجية المطلقة من الأحكام الصادرة برفض الدعوى ونؤيد اتجاه الفقه في هذا الصدد حيث أن كون الدعوى الدستورية هي دعوى عينية شأنها شأن دعوى الإلغاء لا يبرر مطلقاً أن يعامل القرار الإداري معاملة النص التشريعي، إن القرار الإداري قد يكون صحيحاً بالنسبة لفرد ولا يكون صحيحاً في الوقت نفسه بالنسبة لفرد آخر ولكن النص التشريعي العام المجرد يلحقه العيب في ذاته إن وجد ذلك العيب ويبرأ ذاته من العيب عندما ينتفي ذلك العيب هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن قول الحكم السالف الإشارة إليه إن نشر الأحكام الدستورية في الجريدة الرسمية لا يعدو أن يكون إعلاناً لمنهج المحكمة كما لو كانت المحكمة الدستورية تعلن عن مناهج ولا تصدر أحكاماً وكما لو كانت الجريدة الرسمية كتاباً في الفقه، وكل هذا غير صحيح.

ولا مجال هنا لإعمال نظرية احتمالات الخطأ في حالة رفض الدعوى فاحتمالات الخطأ في حالة رفض الدعوى أقوى منها بكثير في حالة قبولها وإلغاء القرار، وعند الرفض يبقى القرار قائماً، ولا يعني الرفض أكثر من أن المحكمة لم تقتنع بما استند إليه المدعي في دعواه، وقد تكون ثمة أسانيد جديدة مما لا تملك المحكمة إثارتها من تلقاء نفسها تقطع بعدم شرعية القرار فهذا ينطبق على دعوى الإلغاء أما الدعوى الدستورية فالمحكمة تقوم بفحص الأسباب الواردة بالصحيفة وأية أسباب أخرى تراها المحكمة لازمة للفصل في الدعوى.

رأي المحكمة الدستورية العليا

اعتنقت المحكمة الدستورية العليا فكرة الحجية المطلقة لأحكام برفض الطعن.

وأسست المحكمة قضاءها على أن الفقرة الأولى من المادة 175 من الدستور قد نصت على أن “تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح…” كما قضت المادة 178 من الدستور بأن “تنشر في الجريدة الرسمية الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية”.

وقضت المادة 49/1 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 على أن “أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية… ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة” ومؤدى ذلك أن الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية – وهي بطبيعتها دعاوى عينية توجه الخصومة فيها إلى النصوص التشريعية المطعون عليها بعيب دستوري – تكون لها حجية مطلقة بحيث لا يقتصر أثرها على الخصوم في الدعاوى التي صدرت فيها، وإنما ينصرف هذا الأثر إلى الكافة وتلتزم بها جميع سلطات الدولة سواء أكانت هذه الأحكام قد انتهت إلى عدم دستورية النص التشريعي المطعون فيه أم إلى دستوريته ورفض الدعوى على هذا الأساس وذلك لعموم نص المادتين 175، 178 من الدستور والمادة 49/1 من قانون المحكمة المشار إليه ولأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين التي اختصت بها المحكمة الدستورية العليا دون غيرها هي رقابة شاملة تمتد إلى الحكم بعدم دستورية النص فتلغى قوة نفاذه، أو إلى تقرير دستوريته وبالتالي سلامته من جميع العيوب وأوجه البطلان([173]).

لذلك فإن المحكمة الدستورية العليا قد سلكت مسلكاً غير ما استقرت عليه المحكمة العليا بشأن نطاق الحجية إذا لم تقصر الحجية المطلقة على الأحكام الصادرة بعدم دستورية النص التشريعي، أو اللائحة وإنما مدتها كذلك إلى الأحكام الصادرة برفض الطعن بعدم دستورية النص([174]). 

ويجمع الفقه المصري على أن مؤدى نصوص الدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا أن الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية، وهي بطبيعتها دعاوى عينية توجه الخصومة فيها إلى النصوص التشريعية المطعون فيها بعيب دستوري، تكون لها حجية مطلقة لا يقتصر أثرها على الخصوم في الدعاوى الدستورية التي صدرت فيها، وإنما ينصرف هذا الأثر إلى الطاقة وتلتزم بها جميع سلطات الدولة([175]).

وتأسيساً على ذلك استقرت أحكام المحكمة الدستورية العليا على تقرير الحجية المطلقة لجميع أحكامها.

وانتقدت مسلك المحكمة العليا بشأن تفرقتها بين الأحكام الصادرة بعدم دستورية النص والتي تحوز حجية مطلقة، وبين التي تصدر برفض الطعن بعدم الدستورية التي تحوز حجية نسبية.

واستندت المحكمة الدستورية العليا في هذا الانتقاد إلى أن مؤدى حكم الفقرة الأولى من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا، والتي ينعقد الاختصاص لها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين، وحكم المادة (31) من قانون الإجراءات والرسوم أمامها، والتي تقضي بنشر منطوق الأحكام الصادرة، عنها في الجريدة الرسمية، وإلزامها للكافة، ولجميع جهات القضاء، يستتبع أن تكون حجيتها مطلقة سواء صدرت بعدم دستورية النص التشريعي، أم برفض الطعن – وذلك لعموم نص المادة الرابعة والمادة 31 المشار إليهما فإن هاتين المادتين تكونان قد قطعت بأن الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية لا يقتصر أثرها على من كان طرفاً فيها من الخصوم، بل ينصرف هذا الأثر كذلك إلى الناس أجمعين وإلى الدولة بمختلف تنظيماتها، بما في ذلك جهات القضاء على تشعبها، وذلك سواء كانت هذه الأحكام قد انتهت إلى عدم دستورية النص المطعون عليه، ومن ثم بطلانه وزوال الآثار التي أنتجها، أم إلى دستوريته، وبالتالي براءته من العيوب الدستورية جميعها وبقائه نافذاً في الصور التي أفرغه المشرع فيها، ذلك أن الحق في الدعاوى الدستورية، وهي دعاوى عينية بطبيعتها تنصب على النصوص التشريعية، ذاتها تحرياً لموافقتها أو مخالفتها للدستور، وهذا فضلاً عن أن الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية التي انفردت بها المحكمة العليا، هي رقابة شاملة قوامها هذه النصوص ذاتها أياً كانت الجهة التي أقرتها أو أصدرتها ويمتد نطاقها إلى تجريدها من قوة نفاذها إلى ما قضى بعدم دستوريتها، أو إلى تقرير صحتها وانتفاء موجبات إبطالها، فلا يعرقل سريانها في مواجهة المخاطبين بها عائق([176]). وقد ردت المحكمة الدستورية العليا منهجاً هذا حين ذكر “أنها سبق أن تناولت المسألة الدستورية عينها بحكمها الصادر بجلسة 3/4/1999م في القضية رقم 197 لسنة 19 قضائية “دستورية” والذي قضى برفض الدعوى، وإذا نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 15/4/1999 من وقبل أن تصدر محكمة الموضوع حكمها في 26/3/2000م بما مؤداه أن عدم التزامها تقديرها جدية الدفع بعدم الدستورية مبناه صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا في موضوع الدفع، وكان مقتضى أحكام المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة للدولة بسلطاتها المختلفة، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، فإن الخصومة الراهنة تكون غير مقبولة([177]).

وإذا كان مقتضى الحجية المطلقة للحكم الصادر في الدعوى الدستورية سواء أكان بعدم الدستورية أم بالرفض ألا تثار في المسألة الدستورية التي تضمنها من جديد أمام المحكمة الدستورية العليا، فإن ثمة حالة وحيدة يمكن أن تتم فيها إعادة عرض هذه المسألة على المحكمة التي تتولى عندئذ الفصل فيها دون أن يكون في ذلك خروج على الحجية المطلقة للحكم الذي سبق للمحكمة أن قررت دستوريته مخالفاً للدستور الجديد، أو التعديلات المستحدثة، إذ الأصل العام أن المرجع في دستورية تشريع معين يكون إلى أحكام الدستور الذي صدر هذا التشريع في ظلها وذلك طوال فترة سريانها، فإذا استبدلت بها أحكام دستورية جديدة، فإن الأحكام الدستورية المستحدثة تكون هي المرجع في دستورية هذا التشريع([178]).

وهذا هو ما يقتضيه سمو أحكام الدستور القائم على ما عداه.

موقف الفقه

اختلف الفقه بشأن موقف المحكمة الدستورية العليا ما بين مؤيد ومعارض وبناء عليه سوف نقوم بعرض للاتجاهان.

الاتجاه الأول

يؤيد هذا الاتجاه موقف المحكمة العليا ويرفض اتجاه المحكمة الدستورية العليا فيما يتعلق بإضفاء الحجية المطلقة على الأحكام الصادرة برفض الدعوى وسندهم في ذلك ما يلي:

-أن نص الفقرة الأولى من المادة 49 سالف الذكر فيما قضى به من أن أحكام المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية وقرارات التفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة (وكذلك المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم سالفة الذكر) إنما يعني بحكمه الأحكام الصادرة بعدم الدستورية فقط، وليس الأحكام الصادرة بالرفض فالأحكام الصادرة بعدم الدستورية هي التي تأتي بجديد يتمثل في رفض نفاذ النص المقضي بعدم دستوريته وبالتالي عدم جواز تطبيقه، وهذا الجديد هو علة التزام سلطات الدولة الكافة بهذه الأحكام، أما الأحكام الصادرة بالرفض فإنها لا تأتي بجديد يتعين الالتزام به، لأن النص المقضي بدستوريته هو نص قديم، ملزم للكافة من النص المقضي بدستوريته هو نص قديم، ملزم للكافة من تاريخ العمل به، والحكم بدستوريته لا يجدد ميلاده ولا يحدد له موعداً جديداً لسريانه ولا يضيف له شيئاً من الإلزام لم يكن له من قبل، ومن ثم لا تكون لهذه الأحكام إلى حجية قاصرة على أطرافها([179]).

-أنه لا يسوغ الاحتجاج بأن نص الفقرة الأولى من المادة 49 فيما قضى به من أن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية، وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة، وللكافة قد ورد مطلقاً دون تمييز بين الأحكام الصادرة بعدم الدستورية والأحكام الصادرة بالرفض، وذلك لأن إطلاق النص على النحو سالف البيان لا يعني تفسيره بعيداً عن القواعد المقررة لحجية الأحكام في قانون المرافعات، وعن مصادره التي نقل عنها.

-فمن حيث وجوب تفسير النص في ضوء القواعد المقررة لحجية الأحكام في قانون المرافعات، فالثابت أن المحكمة الدستورية العليا قد تناولت بالتفسير هذا النص، وانتهت في ضوء القواعد المقررة لحجية الأحكام في قانون المرافعات إلى أن الأحكام التي تصدر من المحكمة في غير موضوع الدعوى، مثل الأحكام الصادرة ببطلان حق الدعاوى، أو بعدم قبولها لانتفاء المصلحة فيها، أو لفوات ميعاد رفعها، لا يتجوز إلا حجية نسبية قاصرة على أطرافها أنها صادرة في دعاوى دستورية، ولوظائف المحكمة أخذت بتفسير النص على إطلاقه لكانت هذه الأحكام بدورها تتمتع بحجية مطلقة ومن هنا يتضح أن المحكمة خرجت على فكرة إطلاق النص (أو عمومه) في الأحكام المشار إليها، وبالتالي فإن الاستناد إلى هذه الفكرة للقول بأن باقي الأحكام الأخرى تتمتع بحجية مطلقة لا يكون سديداً لأنه لا يجوز أن يكون النص عاماً، ومقيداً في آن واحد([180]).

2-ومن حيث وجوب تفسير النص في ضوء مصادره التي نقل عنها فمن المقرر أن نص المادة 149/1 سالفة الذكر (ومن قبله نص المادة 31 من قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا) قد نقل عن النظام الإيطالي، وفي هذا النظام تعتبر الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية الإيطالية بعدم الدستورية حجة على الطاقة، أم الأحكام الصادرة برفض الطعن فلا تحوز إلا حجية نسبية، وليس هناك ما يمنع من إعادة إثارة المسألة الدستورية التي سيقد الفصل فيها بالرفض ولو من ذات الخصوم في نزاع آخر ينشأ بينهم([181])، ومن ثم ينبغي الالتزام بهذا التمييز الخاص بحجية الأحكام الواردة في النظام الإيطالي المنقول عنه.

3-أن الطعن بعدم الدستورية بطبيعته يطرح النص المطعون فيه برمته أمام المحكمة الدستورية العليا لترى مدى اتفاقه أو اختلافه مع النصوص الدستورية من كافة النواحي دون أن تتقيد في ذلك بالأسباب التي أثارها الطاعن ومن هنا فلا تعارض بين التنقيب الشامل عن المخالفات الشكلية والموضوعية في النص المطعون فيه وبين تقرير الحجية النسبية للأحكام الصادرة بالرفض، ولا يسوغ القول بأن هذا التنقيب الشامل عن المخالفات في النص المطعون يستوجب تقرير الحجية المطلقة للأحكام لأن هذا التنقيب واجب في جميع الدعاوى الصادرة بالرفض، وعلى ذلك فليس من شأن الرأي بتقرير الحجية النسبية للأحكام الصادرة بالرفض أن يمنع المحكمة من أن تحيل بصرها على حد تعبيرها حتى في الأوضاع الشكلية والموضوعية التي تطلبها الدستور منقبة عن أية مخالفة لأحكامها في النص التشريعي المطعون فيه ليكون حكمها إما كاشفاً عن قيامها في النص المطعون فيه فتقضي بعدم دستوريته وإما نافياً لثبوتها فتقضي برفض الدعوى أي بدستورية النص([182]).

4-علاوة على أن الدرس والتمحيص للنص المطعون في دستوريته والمقضي برفضه، سيقلل من عدد القضايا التي يمكن أن تثار فيها المسألة الدستورية من جديد.

إن المحكمة الدستورية العليا، تقوم بدور قانون مشرب بالسياسة بحسبان أن قضاءها له آثار سياسية واقتصادية، واجتماعية. إذ هي لا تعمل بمنأى عن الظروف السياسية، والاقتصادية والاجتماعية القائمة، والمناخ الديمقراطي، أو الديكتاتوري السائد، وما قد يحيط بالنظام السياسي من أزمات قد تهدده، فهذه العوامل، وأمثالها هي عوامل ضاغطة على المحكمة بلا جدال وقد نرى المحكمة أن الحكم في قضية بعدم دستورية نص تشريعي معين في ظروف معينة، قد يؤثر على كيان الدولة أو كيان إحدى مؤسساتها فتركن إلى على الحكم يرفض الطعن مؤثرة حماية الدولة، أو أحد مؤسساتها على حماية الدستور ذاته وفقاً للمبدأ القائل بأن “حماية الدولة مقدمة على حماية الدستور” وتقرير الحجية النسبية للأحكام الصادرة بالرفض في مثل هذه الحالات يكون ملائماً وأجدى في رعاية حقوق الأفراد على المدى البعيد لأنه يمسح بإعادة طرح النزاعات المرفوضة مرة أخرى من أطراف آخرين على القضاء الدستوري، وقد يتغير وجه الرفض فيها إذا ما تغيرت الظروف الضاغطة التي قضى من أجلها بالرفض.

وأضاف أنصار هذا الاتجاه أن استعراض أحكام المحكمة العليا يكشف عن بعض الأحكام الصادرة منها بالرفض، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية، والاجتماعية التي كانت قائمة عند إصدارها والتي يمكن أن يتغير فيها وجه الرأي فيما لو عرضت مرة ثانية على المحكمة الدستورية العليا، وهي تعمل في ظروف ديمقراطية واقتصادية مغايرة عن تلك التي تعمل فيها المحكمة العليا وأكد أنصار هذا الاتجاه أن التفسير الصحيح لنص الفقرة الأولى من المادة 49 سالفة الذكر يفضي إلى التمييز بين حجية الأحكام الصادرة بعدم الدستورية، والأحكام الصادرة بالرفض، أي بتقرير دستورية النص المطعون فيه – فالأحكام الصادرة بعدم الدستورية تتمتع بحجية مطلقة، أي ملزمة لجميع سلطات الدولة، وللكافة، والأحكام الصادرة بالرفض تتمتع بحجية قاصرة على أطرافها بحيث يجوز إعادة إثارة المسألة الدستورية التي سبق الفصل فيها بالرفض من خصوم آخرين.

وعلى ذلك لا ينال من هذا الرأي القول بأن إضفاء الحجية النسبية على الأحكام التي سبق الفصل فيها بالرفض سيؤدي إلى زيادة الطعون أمام المحكمة الدستورية العليا مما يعوقها عن التفرغ لمهامها وأدائها على أحسن وجه، لأنه يمكن فرض كفالة مالية على من يسمح له برفع دعوى يعيد فيها إثارة مسألة دستورية سبق الفصل فيها بالرفض تصادرها المحكمة في حالة خسرانه الدعوى، مما يحد من عدد الدعاوى.

بحيث لا يثير المسألة الدستورية السابق رفضها إلا من كان جاداً ومقتنعاً بإمكانية عدول المحكمة عن قضاءها السابق.

كما يمكن قصر إثارة المسألة الدستورية المقضي برفضها من جديد على الخصوم الجدد دون المحاكم.

وأضاف كذلك أنصار الاتجاه المعارض لمسلك المحكمة الدستورية العليا والذي يرى ضرورة تقرير الحجية النسبية للأحكام الصادرة عنها برفض الدعوى الدستورية، وبالتالي بدستورية النص التشريعي، وقصر الحجية فقط على الأحكام الصادرة بعدم الدستورية أنه لا يجوز معاملة كل الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، سواء في ذلك تلك التي تقضي بدستورية النص، أو بعدم دستوريته نفس المعاملة لأن ذلك يفضي إلى عكس ما يقصده المشرع، وما ترمي إليه المحكمة الدستورية العليا، حيث أن الهدف من إنشاء القضاء الدستوري هو الحفاظ على مبادئ الدستورية وصون أحكامها ومعدم الخروج عليها، وهو الأمر الذي دفع بالمشرع الدستوري إلى تقرير مركزية الرقابة الدستورية([183]).

إلا أن هذا الهدف لا يمكن بلوغه، على الوجه الأفضل إذا أغلق الباب أمام الأفراد أن يلوذوا بالقضاء الدستوري لمجرد صدور حكم سابق من المحكمة الدستورية، ولمجرد أن النص المراد تطبيقه عليهم سبق وأن قضت المحكمة بدستوريته فالدعوى الدستورية – مع التسليم بطبيعتها الخاصة – هي مثل سائر الدعاوى فيما يتعلق بالطعن عليها، والأسباب التي يستند إليها هذا الطعن، إذ يقوم على اجتهاد الأفراد من متخصصين “المحامين” أو الأفراد وأصحاب الشأن وعلى وجهة نظر القاضي الذي يفصل في الدعوى. وأضاف أنصار هذا الاتجاه كذلك أنه قد يخطئ محام، ويفوته أوجه طعن صحيحة في القانون فيدفع بعدم دستوريته استناداً إلى وجوه طعن غير كافية لوصم النص المطعون عليه بعدم الدستورية، فإذا قضت المحكمة الدستورية برفض الدعوى الدستورية وبالتالي بدستورية النص التشريعي، ترتب على ذلك تحصين النص القانوني ربما على غير الواقع لمجرد خطأ، أو ليس وقع فيه محام، هذا من الناحية الفنية، ولكن الأمر يبدو أكثر خطورة، من الناحية السياسية، فالحزب الحاكم، وهو أيضاً حزب الأغلبية قد يحرض البرلمان على إصدار تشريع لتحقيق غرض سياسي للحزب الحاكم، وفي هذه الحالة قد يكون القانون مشوباً بالانحراف في استعمال السلطة التشريعية، ولكن الحكومة، والحزب صاحب الأغلبية البرلمانية تحسباً لإلغاء هذا القانون من جانب المحكمة الدستورية، إذ أثير نزاع جدي في الموضوع، يدفعان بعض أعضاء الحزب إلى افتعال نزاع حول دستورية القانون ولكنهم في نعيهم عليه لا يستندون إلى الأسباب الحقيقية، ويصلون بذلك إلى رفض الطعن والقضاء بدستورية القانون فيكون بذلك قد تحصن بصفة نهائية، وبالمخالفة لمبدأ الشرعية([184]).

وأضاف بعض أنصار الاتجاه المعارض لمسلك المحكمة الدستورية العليا([185]) أن هناك بعض أحكام يتضح منها عدم صحة القول بتقرير الحجية المطلقة للأحكام الصادرة برفض الطعن ومن ثم بتقرير دستورية النص، كالأحكام الصادرة برفض الطعن بسبب عيب شكلي، دون أن تتطرق المحكمة فيها إلى بحث عيب مخالفة النص للأحكام الموضوعية المقررة في الدستور، إذ ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مثل هذه الأحكام في مرحلة ثانية من قضائها إلى أنه يجوز إعادة طرح هذا النص عليها مرة أخرى تأسيساً على وجود مخالفة للأحكام الموضوعية للدستور.

وفي هذا الصدد ذهبت المحكمة الدستورية في حكمها الصادر بجلسة (18/4/1992) إلى القول بأنه “وحيث أن هذا المناعي جميعاً – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة. تعتبر من المطاعن الشكلية التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي للأوضاع الإجرائية التي تطلبها الدستور سواء في ذلك ما كان متصلاً منها باقتراح النصوص التشريعية، أو إقرارها، أو إصدارها حال انعقاد السلطة التشريعية، أو ما كان منها منصرفاً إلى الشروط التي يفرضها الدستور لمباشرة الاختصاص بإصدارها في غيبة السلطة التشريعية أو بتفويض منها، ومن ثم ينسحب قضاء هذه المحكمة في الدعوى الماثلة إلى تلك المطاعن وحدها، ولا يعتبر الحكم الصادر برفضها مطهراً للنصوص التشريعية المطعون عليها من العيوب الموضوعية التي تشوبها، أو مانعاً لكل ذي مصلحة من طرحها على هذه المحكمة وفقاً لقانونها([186]).

ومن ذلك يتضح أن عمومية نص المادة (49/1) من قانون إنشاء المحكمة الدستورية العليا (رقم 48 لسنة 1979) التي تنص على أن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية، وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة للكافة. لم تمنع المحكمة الدستورية العليا من القضاء بجواز إعادة طرح نص تشريعي سبق وأن قضت برفض هذا الطعن مظهراً للنص المطعون عليه من مثالبة الموضوع، أو مانعاً كل ذي مصلحة من طرحه على المحكمة.

الاتجاه الثاني

وذهب أنصار هذا الاتجاه إلى تأييد مسلك المحكمة الدستورية العليا بشأن تقرير الحجية المطلقة لجميع الأحكام الصادرة منها سواء كانت بعدم الدستورية، أم برفض الطعن، واستند هذا الرأي إلى أن المحكمة إنما تسترد كامل سلطتها بالنسبة للقانون، أو اللائحة المطعون بعدم دستوريتها، كما أنها للمحكمة حق التصدي من تلقاء نفسها بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها للنص غير الدستوري في قانون، أو لائحة معروضة أمامها، بالإضافة إلى أن الفقرة الأولى من المادة 49 من قانون المحكمة حين قررت أن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية ملزمة لجميع سلطات الدولة، وللكافة لم تفرق بين الحكم الصادر بعدم الدستورية، والحكم الصادر برفض الطعن مما يدلل على أن المشرع قد أراد أن تكون الحجية واحدة سواء بالنسبة لأحكام القبول أو الرفض الموضوعي([187]).

وأضاف أنصار هذا الاتجاه إلى أنه وإن كان كلاً من الدعوى الدستورية ودعوى الإلغاء تشتركان في الانتماء إلى القضاء العيني، إلا أن الفروق تظل بينهما قائمة ومستندة في الأساس إلى تعلق الأولى بقضاء الدستورية واتصال الثانية بقضاء المشروعية، ومن شأن هذا الخلاف أن تختلف آثار الحكم في كل دعوى من الدعويين بالنظر إلى طبيعتها، وإلى تحديد المشرع لهذه الآثار ولما كان ذلك، وكان تسويد أحكام الدستور يقتضي تقرير الحجية المطلقة للحكم الصادر في الدعوى الدستورية سواء بعدم الدستورية أم بالرفض الموضوعي سواء بسواء، وكان المشرع قد أقر هذا النظر حين أطلق الحجية لهذه الأحكام دون أن يفرق بينها، فمن ثم فإنه يتعين إعمال مقتضى ذلك، وتقرير الحجية المطلقة لا النسبية للحكم الصادر بالرفض الموضوعي في الدعوى الدستورية([188]).

بعد أن عرضنا لاتجاه الفقه سواء المؤيد والمعارض لما ذهبت إليه المحكمة الدستورية العليا نقوم بعرض لرأينا الخاص إلا أنه يفرض علينا الواقع ضرورة تفنيد الحجج الخاصة بالرأي الذي لا نميل إليه وهو الرأي المعارض لاتجاه المحكمة الدستورية العليا.

من حيث ما احتج به الرأي المعارض لمسلك المحكمة الدستورية العليا من أن المحكمة ذاتها لم تقرر الحجية المطلقة للأحكام الصادرة منها في غير موضوع الدعوى كالأحكام التي تصدر ببطلان صحف الدعاوى، أو بعدم قبولها لانتفاء المصلحة، أو الصفة، أو لعدم إقامة الدعوى الدستورية خلاف الميعاد المقرر قانوناً.. وأن هذه الأحكام باعتراف المحكمة الدستورية العليا ذاتها لا تحوز سوى حجية نسبية ومن ثم لا يمكن تقرير الحجية المطلقة لجميع الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية. فإن هذا الاتجاه يمكن الرد عليه لانطوائه على خلط بين نوعين من الأحكام.

1-الأحكام الصادرة برفض الدعوى: وهي الأحكام التي صدرت بتقرير دستورية النص، وعدم انطوائه على ثمة مخالفة دستورية، وخلوه من جميع العيوب الدستورية الشكلية أو الموضوعية، أو ثمة عوار دستوري، وهذه حجيتها مطلقة، لأن مثل هذه الأحكام إنما صدرت بعد بحث من المحكمة انتهت فيه إلى مطابقتها لأحكام الدستور، ومن ثم لا يجوز إعادة عرض ذات النصوص التشريعية التي صدرت فيها هذه الأحكام على ذات المحكمة مرة أخرى بالإضافة إلى أنه لا يوجد سند يمكن التزرع به للقول بالحجية النسبية للأحكام الصادرة برفض الطعن رغم صراحة نص المادة 49 في تقرير الحجية المطلقة لجميع الأحكام الدستورية والتي لم تفرق فيه هذا الشأن بين الأحكام الصادرة بعدم الدستورية والأحكام الصادرة برفض الطعن.

ب) الأحكام الصادرة بعدم القبول لأسباب شكلية

اشترط قانون المحكمة الدستورية العليا شروطاً لقبول الدعوى الدستورية أمامها، وتواترت أحكامها على ضرورة توافر تلك الشروط، وقررت أن “قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أنه لا يجوز قبول الدعوى الدستورية إلا بتوافر الشروط اللازمة لاتصالها بها طبقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها([189]).

ومن هذه الشروط ضرورة بيان النص الدستوري المطعون بعدم دستوريته، وأن تكون مرفوعة في خلال الميعاد الذي حددته محكمة الموضوع… أو أن يتخلف أي إجراء آخر من إجراءات التقاضي المتعلقة بالنظام العام خاصة وأنه استقر في قضاء المحكمة الدستورية العليا على أنه في مثل هذه الحالة تحكم المحكمة بعدم القبول وهذا الحكم لا يكون له سوى حجية نسبية يقتصر أثرها على الدعوى التي صدر بشأنها، وعلى أطرافها دون غيرهم.

وبناء عليه هذا الحكم لا يحول دون إعادة الطعن في ذات النص أو النصوص، ومن ذات الأشخاص إذا ما توافرت الشروط أو الأشكال التي كانت قد تخلفت فلا ينبغي أن يكون الحكم بعدم القبول حائلاً دون قبول الدعوى إذا ما توافرت شروط قبولها بعد ذلك، سواء بالنسبة للمدعي أو بالنسبة لغيره، سواءً بالنسبة للقاضي، الذي أحال أمر عدم الدستورية أو غيره في ذات المحكمة أو غيره([190]).

أيضاً بخصوص استناد الرأي المعارض إلى نص المادة 49 فيما يتعلق بأن المقصد منها الأحكام الصادرة بعدم الدستورية فقط فهذا مردود عليه بأن نص المادة جاء عاماً حين نص على أن “أحكام المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية وقرارات التفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة، وللكافة “والنص العام ليس لأحد تخصيصه فالعام يؤخذ على عمومه ما لم يقيده نص خاص.

أيضاً لا محل للتخوف الذي أثاره الاتجاه المعارض لمسلك المحكمة الدستورية العليا بشأن احتمال خطأ المحامي الذي أقام الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا في تأصيل هذا الطعن وعدم تضمينه لأوجه طعن صحيحة، أو كافية، لوصم النص المطعون عليه بعدم الدستورية([191]) إذ أنه بغرض عدم كفاية المطاعن الدستورية المثارة أمام المحكمة الدستورية العليا فإن المحكمة عند بحث النص الطعين عليها ألا تتقيد بما ذكره الطاعن بصحيفة الطعن، إذ أن الطاعن إذ بفرض طعنه على مخالفة النص التشريعي لأحد نصوص الدستوري فقط، وبشكل قد لا يكفي للقضاء بعدم الدستورية، فإن المحكمة عليها ألا تتقيد بذلك إذا ثبت لها أن النص التشريعي مخالف لنصوص دستورية أخرى، وفي هذه الحالة يتعين عليها أن تقضي بعدم دستورية هذا النص على الرغم من أن المطاعن الدستورية المقام بها الطعن لم تكن كافية.

ومما يؤيد ذلك أن المادة 27 من قانون المحكمة الدستورية العليا نصت على أنه لا يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون، أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها، ويتصل بالنزاع المطروح عليها…”

فإذا كان هذا النص أجاز للمحكمة الدستورية العليا أن تتصدى لنص آخر غير النص المقام بشأن الطعن الدستوري مادام متصلاً بالنزاع المطروح عليها، فإنه يكون من المنطقي في ضوء ذلك ألا تتقيد المحكمة الدستورية العليا بالمطاعن الدستورية التي يثيرها الطاعن، وتقضي بعدم دستورية النص إذا ثبت لها مخالفته لنصوص الدستور حتى وإن كانت المطاعن الدستورية المقام بها الطعن أشارت إلى بعض أوجه المخالفات الدستورية دون البعض الآخر وهو ما أخذت به المحكمة الدستورية العليا في بعض أحكامها حين أكدت على حقها في أن تتعرض لنصوص دستورية أخرى غير النصوص التي ذكرت في الطعن بعدم الدستورية([192]) للتأكد من مدى مخالفة النص المطعون عليه لنصوص الدستور من عدمه.

بعد الرد على الحجج التي ساقها الاتجاه المعارض لاتجاه المحكمة الدستورية العليا فإننا من جانبنا نؤيد اتجاه المحكمة الدستورية العليا وهو إطلاق الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بعدم الدستورية والأحكام الصادرة بالرفض ليس على أساس الطبيعة العينية للدعوى الدستورية، فدعوى الإلغاء تتمتع بالطبيعة العينية ومع ذلك الأحكام الصادرة فيها بالرفض حجيتها نسبية ولكن نؤسس رأينا على أساس أن المحكمة غير مرتبطة بالأسباب التي أبداها الطاعن وإنما تسترد كامل سلطتها بالنسبة للقانون أو اللائحة المطعون بعدم دستوريتها، كما أن المحكمة الدستورية العليا تتمتع بميزة التصدي من تلقاء نفسها لأي نص غير دستوري، أيضاً عمومية نص المادة “49” من قانون المحكمة الدستورية العليا، أما بخصوص الحالة الوحيدة التي تعتبره خروجاً على الحجية المطلقة، وتتحقق هذه الحالة عندما يصدر دستور جديد، أو يعدل الدستور القائم، ويصبح النص التشريعي الذي سبق للمحكمة أن قررت دستوريته مخالفاً للدستور الجديد، أو التعديلات المستحدثة، إذ الأصل العام أن المرجع في دستورية تشريع معين يكون إلى أحكام الدستوري الذي صدر هذا التشريع في ظلها وذلك طوال فترة سريانها، فإذا استبدلت جهة أحكام دستورية جديدة، فإن الأحكام الدستورية المستحدثة تكون هي المرجع في دستورية هذا التشريع([193]) إلا أنه هذا استثناء والاستثناء لا يقاس عليه.

الخاتمة

في الحقيقة حجر الزاوية لموضوع بحثنا هو إيضاح حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية من أجل الوصول إلى إبراز طبيعة هذه الحجية وأثرها.

وقد قمت بعرض لهذا من خلال ثلاثة مباحث تناولت في المبحث الأول الطبيعة العينية للطعن الإلغاء والطعن بعدم الدستورية من خلال مطلبين تناولت في المطلب الأول، الطبيعة العينية للطعن بالإلغاء وفي المطلب الثاني الطبيعة العينية للطعن بعدم الدستورية أما في المبحث الثاني: تناولت الحجية النسبية والحجية المطلقة وذلك من خلال مطلبين عرض للقاعدة العامة في حجية الأحكام القضائية في قانون المرافعات المدنية والتجارية (مبدأ نسبية آثار الأحكام وذلك كمطلب أول: ثم عرض للاستثناء وهو الحجية المطلقة للأحكام الصادرة بالإلغاء وعدم الدستورية.

أما المبحث الثالث فقد تناولت فيه مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء والدعوى الدستورية وذلك من خلال مطلبين، المطلب الأول: مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء، والمطلب الثاني تناولت فيه مدى حجية الأحكام الصادرة برفض الطعن في الدعوى الدستورية.

وقد كشفت الدراسة من خلال عرض للطبيعة الخاصة بدعوى الإلغاء والدعوى الدستورية ومن خلال عرض للحجية النسبية والمطلقة وذلك كقاعدة عامة واستثناء إلى تمتع الأحكام الصادرة برفض الطعن في دعوى الإلغاء بالحجية النسبية، وذلك من خلال تأصيل لتلك الحجية، وإلى تمتع الأحكام الصادرة برفض الطعن في الدعوى الدستورية بالحجية المطلقة وذلك من خلال عرض لاتجاه المحكمة العليا، والمحكمة الدستورية العليا، واتجاه الفقه وقد قمنا بعرض لرأينا الخاص حول كل نقطة كلما اقتضت الدراسة ذلك.

التوصيات:

نوصي بتطبيق نظام الدعوى الأصلية كطريقة من طرق رفع الدعوى الدستورية، فالملاحظ أن هناك ارتباطاً كبيراً بين طريقة تنظيم الرقابة وطريقة الطعن في القوانين من ناحية، والجزاء الذي تقرره الهيئة المختصة بالرقابة من ناحية أخرى، فكما أن الوسيلة العادية لممارسة الرقابة من قبل المحاكم المختلفة هي الدفع بعدم الدستورية، والجزاء لا يكون أكثر من الامتناع عن تطبيق القانون غير الدستوري على الواقعة المعروضة على المحكمة، نشاهد أن الوسيلة المعتادة للرقابة من قبل المحكمة الواحدة هي الدعوى الأصلية بإلغاء القانون، والجزاء لا يكون بطلان القانون بصورة نهائية.

كذلك يلاحظ أن امتناع القاضي عن تطبيق القانون في حالة التحقق من عدم دستوريته، يكون ذا حجة نسبية قاصرة على النزاع القائم فحسب مما يؤدي إلى بقاء القانون نافذاً في الحالات الفردية الأخرى التي لا تنسحب عليها حجية الحكم، ويبقى القانون سارياً سواء بالنسبة للمحكمة نفسها، أو بالنسبة لغيرها من المحاكم، وبناء عليه ننادي بتطبيق نظام الدعوى الأصلية.

قائمة المراجع

1.د/ إبراهيم محمد علي، المصلحة في الدعوى الدستورية، دار النهضة العربية. 

2.د/ أحمد السيد الصاوي، الشروط الموضوعية للدفوع بحجية الشيء المحكوم فيه، أثر الأحكام بالنسبة للغير، دار النهضة العربية.

3.د/ أحمد كمال أبو المجد، رقابة دستورية القوانين في الولايات المتحدة والإقليم المصري، 1958.

4.د/ أحمد ماهر زغلول، أعمال القاضي التي تحوز الحجية وضوابطها.

5.د/ إسماعيل عبد الرحيم عميش السيد، حرية الرأي في القانون الوضعي والفقه الإسلامي، 2009.

6.د/ ثروت عبد العال أحمد، عبد المحسن ريان، قانون القضاء الإداري، 2008، 2009.

7.د/ ثروت عبد العال وآخرين، القانون الإداري، 2010، 2011.

8.د/ حسن بهجت محمد، الدعوى الإدارية وأنواعها، مجلة إدارة قضايا الدولة، العدد الأول، السنة 30 يناير، مارس، 1986.

9.د/ رفعت عيد سيد، الوجيز في الدعوى الدستورية، 2004، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى.

10.د/ رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، الطبعة الثالثة سنة 1983، دار النهضة العربية.

11.د/ سعد عصفور، محسن خليل، القضاء الإداري.

12.د/ سعد عصفور، النظام الدستوري المصري، دستور سنة 1971، مبدأ المشروعية، 1971، دار النهضة العربية.

13.د/ سليمان مرقص، أصول الإثبات وإجراءاته.

14.د/ السيد حسين الخولي، حول اختصاص لجنة التأديب والتظلمات بإدارة قضايا الدولة، مجلة قضايا الدولة، سنة 20، 1976.

15.د/ شعبان أحمد رمضان، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين، دراسة مقارنة، 2000، دار النهضة العربية.

16.د/ صافي أحمد قاسم، الخصائص المميزة لدعوى الإلغاء عن الدعوى العادية، 2006.

17.د/ صلاح الدين فوزي، الدعوى الدستورية.

18.طعيمة الجرف، شروط قبول الدعوى في منازعات القانون الإداري، الطبعة الأولى، مكتبة القاهرة.

19.د/ عادل عمر شريف، القضاء الدستوري، قضاء الدستورية في مصر 1988.

20.د/ عبد الحميد الشواربي، حجية الأحكام المدنية والتجارية، في ضوء القضاء والفقه، 1996، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الرابعة.

21.د/ عبد الرؤوف هاشم بسيوني، المرافعات الإدارية، 1999، دار النهضة العربية.

22.د/ عبد الرازق السنهوري، الوجيز في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، الجزء الأول، الوسيط في القانون المدني، الجزء الثاني، مطبعة سنة 1952.

23.د/ عبد الله ناصف، حجية وآثار أحكام المحكمة الدستورية العليا، قبل التعديل وبعد التعديل، 1998م، دار النهضة العربية.

24.د/ عبد المنعم الشرقاوي، نظرية المصلحة في الدعوى، 1947.

25.د/ عبد المنعم عبد العظيم جيره، آثار حكم الإلغاء، 1971، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى.

26.د/ عزيزة الشريف، القضاء الدستوري المصري، 1990، دار النهضة العربية.

27.د/ محمد السيد زهران، الرقابة على دستورية القوانين في إيطاليا، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد الأول، السنة 14، يناير، مارس 1970.

28.د/ محمد أنس قاسم جعفر، الوسيط في القانون العام، أسس وأصول القانون الإداري، 1984، 1985.

29.د/ محمد حسنين عبد العال، مبادئ القانون الإداري، طبعة سنة 2002.

30.د/ محمد عبد السلام مخلص، نظرية المصلحة في دعوى الإلغاء، رسالة 1981.

31.د/ محمد عبد العال السناري، الشريعة الإسلامية وضوابط رقابة دستورية القوانين في مصر، طبعة 1986، عالم الكتب.

32.د/ محمد عصفور، المشكلات التي تثيرها الرقابة على دستورية القوانين، بحث بمجلة المحاماة، السنة 51، العدد الثاني، فبراير 1971.

33.د/ محمد محمد عبد اللطيف، قانون القضاء الإداري، الكتاب الثاني، دعوى الإلغاء، 2000.

34.د/ محمد مصطفى حسن، المصلحة العامة في القانون والتشريع الإسلامي، مقارنة منشورة بمجلة العلوم الإدارية، السنة 25، يونيو 1983، العدد الأول.

35.د/ محمود أحمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية، آثاره وحجيته وتنفيذه، 2004/2005، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية.

36.د/ محمود عبد الرحمن، قوة الأمر المقضي.

37.د/ محمود هاشم، قانون القضاء المدني، الجزء الثاني.

38.المستشار دكتور حسين أبو زيد، الحكم بالإلغاء حجيته وآثاره وتنفيذه، مجلة مجلس الدورة، السنة الثالثة، سنة 1952.

39.د/ مصطفى عفيفي، رقابة الدستورية في مصر والدول الأجنبية، الطبعة الأولى، سنة 1990، مكتبة سعيد رأفت، جامعة عين شمس.

40.د/ مصطفى كامل إسماعيل، المرافعات الإدارية، 1969.

41.د/ مصطفى كمال وصفي، أصول إجراءات القضاء الإداري، الجزء الثاني.

42.د/ المهدي إبراهيم منصور شلبي، حجية الأحكام بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، 2007.

43.د/ نادية محمد فرج الله، معنى القرار الإداري، موضوع دعوى الإلغاء، 1994.

44.د/ نبيلة عبد الحكم كامل، الرقابة القضائية على دستورية القوانين، القضاء الدستوري، 1993، دار النهضة العربية.

45.د/ نعيم عطية، الروابط بين القانون والدولة والفرد، طبعة سنة 1968.

46.د/ هشام فوزي، رقابة دستورية القوانين، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

47.د/ وهيب عياد سلامة، أثر القرار الصادر بقبول الاستقالة على حقوق الموظف المستمدة من الوظيفة العامة، مجلة قضايا الدولة، العدد الرابع، سنة 25.

أسلوب إصدار المحكمة الدستورية العليا لأحكامها، 2003، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية. الإلغاء الجزئي للقرارات الإدارية، 1992م، دار النهضة العربية.

48.د/ ياقوت العشماوي، مقارنة بين قانون المحكمة الدستورية العليا، وقانون المحكمة العليا، مجلة العلوم الإدارية، السنة 22، العدد الثاني، ديسمبر 1980.

49.د/ يحيى الجمل، (القضاء الدستوري في مصر، 2000، دار النهضة العربية).

50.د/ يسري محمد العصار، التصدي في القضاء الدستوري، 1999.

المجلات والمجموعات

-مجلة هيئة قضايا الدولة.

-مجلة العلوم الإدارية.

-مجلة المحاماة.

-مجموعة أحكام محكمة النقض.

-مجموعة أحكام الإدارية العليا.

-الموسوعة الدستورية، إعداد المستشار الدكتور/ محمد ماهر أبو العينين.


[1]  عبد العال أحمد، د. عبد المحسن سيد ريان، قانون القضاء الإداري، 2008/2009، ص301.

[2]  د. وهيب عياد سلامة: أثر القرار الصادر بقبول الاستقالة على حقوق الموظف المستمدة من الوظيفة العامة. م قضايا الدولة، عدد الرابع، س25، ص86.

[3]  السيد حسن الخولي “حول اختصاص لجنة التأديب والتظلمات بإدارة قضايا الدولة، م قضايا الدولة، ع س 20 أبريل 1976، ص440.

[4]  قانون رقم 2 لسنة 2002 بتعديل بعض أحكام قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963م قضايا الدولة ع2 س 460 أبريل، يونيه، 2002، ص213.

[5]  م.أ.ع الدائرة الثانية، الطعن رقم 80 لسنة 40ق جلسة 17/7/1999 م/ مشار إليه بمجلة قضايا الدولة ع3 س43، يوليو – سبتمبر 1999، ص152.

[6]  د. محمد عبد السلام مخلص: نظرية المصلحة في دعوى الإلغاء، رسالة 1981، ص116.

[7]  د. محمد عبد السلام. الرسالة السابقة، ص79.

[8]  د. عبد الرؤوف هاشم بسيوني، المرافعات الإدارية، 1999، دار النهضة العربية، ص59.

[9]  د. محمد مصطفى حسن: المصلحة العامة في القانون والتشريع الإسلامي، مقالة منشورة بمجلة العلوم الإدارية، السنة الخامسة والعشرون، يونيو 1983، العدد الأول، ص7.

[10]  د. إسماعيل عبد الرحيم عميش السيد، حرية الرأي في القانون الوضعي والفقه الإسلامي، رسالة دكتوراه: مقدمة إلى حقوق أسيوط، 2009، ص280.

[11]  حكم المحكمة الإدارية العليا والصادر بتاريخ 5/3/1963، مجموعة أحكام السنة الثامنة، ص398.

[12]  د. إسماعيل عبد الرحيم، الرسالة السابقة، ص284.

[13]  انظر نقض مدني في 22/2/1945 مجموعة 25 سنة، ص1020.

[14]  انظر حكم المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 724 لسنة 3ق، جلسة 10/1/1959م، مجموعة أحكام السنة الثالثة، ص533.

[15]  د. محمد عبد اللطيف. قانون القضاء الإداري، الكتاب الثاني، دعوى الإلغاء 2000، ص43.

[16]  د. سعد عصفور، محسن خليل: القضاء الإداري، ص374.

[17]  انظر حكم محكمة القضاء الإداري المصرية الصادر بتاريخ 27/2/1958 مشار إليه في مؤلف الدكتور/ محسن خليل، سعد عصفور المرجع السابق، ص376.

[18]  حكم الإدارية العليا الصادر في 23/3/1968.

[19]  حكم الإدارية العليا في 24/12/1966.

[20]  د. عبد المنعم الشرقاوي، نظرية المصلحة في الدعوى، 1947، ص269.

[21]  رسالتا للدكتوراه بعنوان الخصائص المميزة لدعوى الإلغاء عن الدعوى العادية دراسة مقارنة 2006، ص55.

[22]  حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 29/2/1964 في الطعن رقم 979 لسنة 8ق مجموعة الأحكام للمستشار أبو شادي سنة 1955 ص1733.

[23]  حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 26/4/1960 في الطعن رقم 21 لسنة 2ق 23 سنة 2س.

[24]  حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 23/12/167 في الطعن رقم 514 لسنة 11ق – مجموعة الأحكام السنة 13 رقم 44 من 332.

[25]  د. حسن بهجت محمد، الدعوى الإدارية وأنواعها، مجلة إدارة قضايا الدولة، العدد الأول، السنة 30 يناير، مارس، 1986، ص91.

[26]  حكم أ. ع. في 26 يناير سنة 1963، س8، ص609.

[27]  حكم أ.ع. فبراير 1956، من العاشرة، ص194.

[28]  د. طعمية الجرف: شروط قبول الدعوى في منازعات القانون الإداري، ط1، مكتبة القاهرة ص293.

[29]  د. نادية محمد فرج الله: معنى القرار الإداري موضوع دعوى الإلغاء، رسالة دكتوراه، 1994، ص47.

[30]  د. ثروت عبد العال وآخرين، القانون الإداري: 2010/2011، ص472.

[31]  د. محمد أنس قاسم جعفر: الوسيط في القانون العام أسس وأصول القانون الإداري، 1984، 1985، ص106.

[32]  راجع حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 1235 لسنة 6ق جلسة 6/5/1953، مجموعة السنة السابعة، حكم رقم 597، ص98. والذي جاء فيه.. أن ظروف الحال وملابساته ترشح للاعتقاد بأن الإدارة إذا فصلت المدعي إنما انساقت إلى ذلك بسبب إصرار العمدة على موقفه من المدعي موقفاً لم يصدر منه إلا عن ضغائن شخصية لا تمت للصالح العام بسبب، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون. راجع حكم محكمة القضاء الإداري في الدعويين رقم 448، 550، لسنة 5ق جلسة 24/6/1953، مجموعة السنة السابعة، حكم رقم 845، ص1733 والذي جاء فيه… والواقع أن ظروف الحال وملابساته تدل على أن إحالة المدعي إلى المعاش كانت رداً على دعواه الأولى، أي وليدة الانتقام وليست بباعث من الصالح العام..

[33]  راجع حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 3648 لسنة 8ق جلسة 17/11/1955 – 10/37/33 المشار له المستشار حمدي عكاشة في مؤلفه القرار الإداري 1987 ص563.

[34]  راجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعنين رقم 16، 19 لسنة 21ق جلسة 16/4/1960 – 5/79/780 دمشق مشار إليه في مؤلف المستشار/ حمدي ياسين عكاشة سالف الذكر ص594.

[35]  راجع حكم المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 1362 لسنة 1ق جلسة 26/11/1966 – 12/27/282 والمنوه عنه في مجموعة المبادئ القانونية التي أقرتها من عام 1965 حتى عام 1980 ص2052 والذي جاء فيه… أن الملابسات التي اكتنفت إصدار القرار محل المطعون ضده ورفاقه بالتزاماتهم بالبناء والتصوير بقصد الاستيلاء على الجانب الأكبر من القطعة المختصة لهم لتوزيعها على آخرين غيرهم بمقولة أن في ذلك تحقيق لمصلحة عامة هي تفرع أزمة الغاية وذلك حجة واضحة فالثابت أن الجابنة نصت بالمساحات التي سبق تخصيصها للمنتفعين ولم يصدر فيها تتسع بمساحات أخرى.

[36]  د. يحيى الجمل – القضاء الدستوري في مصر، 2000، دار النهضة العربية، ص152.

[37]  د. وهيب عياد سلامة، أسلوب إصدار المحكمة الدستورية العليا لأحكامها، 2003، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، ص26.

[38]  عادل عمر شريف، النظام الدستوري، قضاء الدستورية في مصر 1988، ص407.

[39]  هامش 2 الصفحة السابعة، رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، الطبعة الثالثة سنة 1983، دار النهضة العربية ص857.

[40]  عادل عمر شريف، الفقه الدستوري، “قضاء الدستور في مصر” المرجع السابق ص

[41]  محمد عبد العال السناري، الشريعة الإسلامية وضوابط رقابة دستورية القوانين في مصر ط1986، عالم الكتب، ص188.

[42] شعبان أحمد رمضان، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين، دراسة مقارنة، 2000، دار النهضة العربية، ص203.

[43] د. يحيى الجمل، المرجع السابق، ص158.

[44]  الأستاذ محمد السيد زهران، الرقابة على دستورية القوانين في إيطاليا، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد الأول، السنة 14، يناير – مارس، 1970، 134-135.

[45]  د. عادل عمر شريف، قضاء الدستورية، المرجع السابق، ص395.

[46]  د. مصطفى عفيفي، رقابة الدستورية في مصر والدول الأجنبية، الطبعة الأولى، سنة 1990، مكتبة سعيد رأفت – جامعة عين شمس ص286.

[47]  حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 47 لسنة 3ق – دستورية بجلسة 12/6/1983، المجموعة ج2، ص127.

[48]  حكم محكمة النقض المصرية بجلسة 13/5/1975، حكم رقم 233 لسنة 39ق، مجموعة أحكام محكمة النقض، الدائرة المدنية، السنة 25، ص782.

[49]  د. رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص584، د. صلاح الدين فوزي، الدعوى الدستورية، ص94.

[50]  مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء السادس، ص174.

[51]  د. يحيى الجمل، المرجع السابق، ص159.

[52]  د. وهيب عياد سلامة: أسلوب إصدار المحكمة الدستورية العليا لأحكامها، المرجع السابق، ص26.

[53]  المستشار الدكتور – ياقوت العشماوي، مقارنة بين قانون المحكمة الدستورية العليا وقانون المحكمة العليا، مجلة العلوم الإدارية، السنة 22، العدد الثاني – ديسمبر 1980، ص21.

[54]  د. صلاح الدين فوزي، الدعوى الدستورية، ص97.

[55]  مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الثاني، ص50.

[56]  د. رزمي الشاعر، النظرية العادية للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص599.

[57]  انظر على سبيل المثال حكمها الصادر في القضية الدستورية رقم 97 لسنة 4 قضائية – دستورية بجلسة 4/6/1988، الجزء الرابع، ص115، وأيضاً حكمها الصادر في القضية الدستورية، رقم 5 لسنة 12 قضائية – دستورية بجلسة 4/7/1992، الجزء الخامس – المجلد الثاني، ص431.

[58]  د. سعد عصفور، النظام الدستوري المصري، دستور سنة 1997، منشأة المعارف بالإسكندرية، طبعة سنة 1980، ص316 وأيضاً د. رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص578.

[59]  د. وهيب عياد سلامة، أسلوب إصدار المحكمة الدستورية لأحكامها، المرجع السابق، ص29.

[60]  د. عبد الحميد كمال حشيش، مبادئ القضاء الإداري، المجلد الأول، مبدأ المشروعية، 1971، دار النهضة العربية، ص47، ص48.

[61]  د. محمود أحمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية “آثاره وحجيته وتنفيذه”، 2004/2005، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية 375.

[62]  د. محمد عصفور، المشكلات التي تثيرها الرقابة على دستورية القوانين، بحث بمجلة المحاماة، السنة 51 العدد الثاني، فبراير 1971، ص63.

[63]  د. أحمد كمال أبو المجد، رقابة دستورية القوانين في الولايات المتحدة والإقليم المصري، رسالة دكتوراه، حقوق القاهرة، 1958، ص284.

[64]  د. وهيب عياد سلامة، أسلوب إصدار المحكمة الدستورية العليا لأحكامها، المرجع السابق، ص30 وما بعدها.

[65]  د. وهيب عياد سلامة، أسلوب إصدار المحكمة الدستورية لأحكامها، المرجع السابق، ص33، وما بعدها.

[66]  المستشار أحمد وهبة، تعليق على الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 371 لسنة 9 ق دستورية، الصادر بجلسة (19 مايو سنة 1990)، مجلس هيئة قضايا الدولة، العدد الثاني، السنة الخامسة والثلاثون أبريل، يونيو 1991.

[67]  د. محمود أحمد زكي، المرجع السابق، ص383.

[68]  من هذه الأحكام الحكم الصادر في الدعوى رقم 16 لسنة 3ق، والحكم الصادر في الدعوى، رقم 48 لسنة 3ق، جلسة 5 يونيه 1982 وغيرها..

[69]  د. محمود أحمد زكي، المرجع السابق، ص384.

[70]  د. شعبان أحمد رمضان، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين، المرجع السابق، ص405 وما بعدها.

[71]  د. محمد حسنين عبد العال، مبادئ القانون الإداري، طبعة سنة 2002، ص109، ص110.

[72]  د. طعيمة الجرف، شروط قبول الدعوى في منازعات القانون الإداري، المرجع السابق، ص268.

[73]  المستشار الدكتور/ نعيم عطية، الروابط بين الدولة والفرد، طبعة سنة 1968، ص151.

[74]  انظر في هذا المعنى د. رفعت عيد سيد، الوجيز في الدعوى الدستورية، دار النهضة العربية – الطبعة الأولى، طبعة سنة 2004، ص191.

[75]  د. عادل عمر شريف، قضاء الدستورية، المرجع السابق، ص421.

[76]  د. طعيمة الجرف، القضاء الدستوري، الطبعة الأولى، طبعة سنة 1993، ص233، ص234.

[77]  د. رفعت عيد سيد، الوجيز في الدعوى الدستورية، المرجع السابق، ص192.

[78]  د. طعيمة الجرف، شروط قبول الدعوى، المرجع السابق، ص211، د. فتحي فكري، القانون الدستوري – الكتاب الأول – المبادئ الدستورية العامة، طبعة سنة 1997، دار النهضة العربية، ص230، د. نبيلة عبد الحكيم كامل، الرقابة القضائية على دستورية القوانين، القضاء الدستوري، دار النهضة العربية، طبعة سنة 1993، ص232.

[79]  راجع على سبيل، الأحكام التالية: حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 19 لسنة 15/5/1993، الدعوى رقم 57 لسنة 4ق جلسة 6/2/1993.

[80]  قرب من هذا الرأي، طعيمة الجرف: شروط قبول الدعوى، المرجع السابق ص211 حيث ذكر رأيه بخصوص دعوى الإلغاء، ولا شك في اتحاد الدعويين الإلغاء والدستورية في الطبيعة العينية، حيث إن الأولى تحمي المشروعية القانونية، بينما تحمي الثانية الشرعية الدستورية.

[81]  دعاوى الحسبة هي عبارة عن استعداد من له ولاية القضاء بوجود مخالفة لحق من حقوق الله تعالى أو لحق غلب فيه حق الله تعالى، الشهادة عنده بوقوع تلك المخالفة سواء بطريق الرفع أو الدفع لاتخاذ ما يلزم بالنسبة لها راجع د. حسن صلاح الدين اللبيدي، دعاوى الحسبة، طبعة سنة 1983، ص6.

[82]  د. صلاح الدين فوزي، الدعوى الدستورية، المرجع السابق، ص97.

[83]  د. يسري محمد العصار، التصدي في القضاء الدستوري، طبعة سنة 1999، ص13.

[84]  وهذا ما ذهب إليه البعض وهو بصدد نفي وصف الحسبة عن دعوى الإلغاء انظر: محمود حافظ، القضاء الإداري، 1993، ص568.

[85]  حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 5 لسنة 3 قضائية، بجلسة 21/12/1985، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الثالث، ص268.

[86] حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 10 لسنة 5 قضائية، بجلسة 3/12/1983، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الثاني، ص193.

[87] حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية الدستورية رقم 19 لسنة 15 ق بجلسة 5/4/1995، مجموعة الأحكام، الجزء السادس، ص609.

[88]  د. رفعت عيد سيد، المرجع السابق، ص331.

[89]  د. إبراهيم محمد علي، المصلحة في الدعوى الدستورية، دار النهضة العربية، ص151.

[90]  د. رفعت عيد سيد، المرجع السابق، ص197.

[91]  مختار الصحاح، للعلامة الشيخ محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، بترتيب الشيخ محمود خاطر، باب: حجج ص122، 123.

[92]  المصباح المنير، أحمد بن محمد بن علي المغربي الفيومي، الطبعة الخامسة سنة 1922، ج1 (لفظ صح) ص167.

[93]  مختار الصحاح، للعلامة الشيخ محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، باب: حكم ص148.

[94]  معنى حجية الحكم القضائي بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، محمد نعيم، ياسين، ص132.

[95]  راجع في معنى ذلك على سبيل المثال: تبصرة الحكام، لابن فرحون، ج1، ص74، وأدب القاضي، للماوردي، ج1، ص691.

[96]  د. محمود هاشم، قانون القضاء المدني، ج7 بند 250، ص414.

[97]  د. محمد سعيد عبد الرحمن، الحكم الشرطي، ص497.

[98]  د. فتحي والي، الوسيط في شرح قانون المرافعات، بند 82، ص135.

[99]  الأستاذ/ محمود عبد الرحمن، قوة الأمر المقضي، بند 1، ص21، العميد عبد الرازق السنهوري، الوسيط الإثبات، بند 37، ص133.

[100]  د. أحمد ماهر زغلول، أعمال القاضي التي تحوز الحجية وضوابطها، بند 31، ص53

[101]  د. المهدي إبراهيم منصور شلبي، حجية الأحكام بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، 2007، ص495.

[102]  د. عبد المنعم عبد العظيم جيره، آثار حكم الإلغاء، 1971، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى.

[103]  د. عبد الحميد الشواربي، حجية الأحكام المدنية والجنائية في ضوء القضاء والفقه، الطبعة الرابعة 1996، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص13.

[104]  د. أحمد السيد صاوي، اثر الأحكام بالنسبة للغير، دار النهضة العربية، ص11.

[105]  د. عبد الرازق السنهوري، الوجيز في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، ج1، ص196، بند 772.

[106]  د. أحمد السيد صاوي، المرجع السابق، ص13.

[107]  د. أحمد السيد صاوي، الشروط الموضوعية للدفع بحجية الشئ المحكوم فيه، ص74، ص75 وما بعدها.

[108]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط، الإثبات، ص876.

[109]  د. أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص13، محمود عبد الرحمن، قوة الشئ المحكوم فيه، المرجع السابق، ص116.

[110]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، الجزء الثاني، طبعة سنة 1952، ص675.

[111]  د. سليمان مرقص، أصول الإثبات وإجراءاته، ص250.

[112]  د. أحمد السيد الصاوي، المرجع السابق، ص17.

[113]  د. السنهوري، الوسيط، المرجع السابق، ص878.

[114]  نقض مدني، 13 مارس 1947، مجموعة عمر، ج5.

[115]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط، المرجع السابق، ص879.

[116]  د. سليمان مرقص، شرح القانون المدني، ج1، الالتزامات، 1964، بند 269، ص242.

[117]  أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص24.

[118]  د. المهدي إبراهيم منصور، المرجع السابق، ص94.

[119]  د. سليمان مرقص، أصول الإثبات، المرجع السابق، ص223.

[120]  حكم الإدارية العليا الصادر في 28 فبراير 1965، مجموعة أحكام الإدارية العليا، ص5، ص337.

[121]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني المصري، الجزء الثاني، ص892.

[122]  د. المهدي إبراهيم منصور، المرجع السابق، ص97.

[123]  د. أحمد ماهر زغلول، أعمال القاضي التي تحوز الحجية وضوابطها، المرجع السابق، ص630.

[124]  د. السنهوري، الوسيط، الإثبات، ص900، 901.

[125]  د. المهدي إبراهيم منصور، المرجع السابق، ص97.

[126]  د. عبد المنعم عبد العظيم صبره، المرجع السابق، ص4.

[127]  د. السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، المرجع السابق، ص903.

[128]  محمود عبد الرحمن، قوة الشئ المحكوم فيه، المرجع السابق، ص92.

[129]  محمود عبد الرحمن، قوة الشئ المحكوم فيه، المرجع السابق، ص94.

[130]  نقض مدني، 8/2/1945، مجموعة عمر 4 رقم 206، ص565.

[131]  د. المهدي إبراهيم منصور، المرجع السابق، ص125.

[132]  د. السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، المرجع السابق، ص925.

[133]  نقض مدني، 8/2/1945/ مجموعة عمر 4 رقم 206 ص565.

[134]  د. عبد المنعم جبره، المرجع السابق، ص5.

[135]  د. السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، المرجع السابق، ص375.

[136]  د. محمد عبد الحميد أبو زيد، القضاء الإداري، 94/1995، ص167.

[137]  د. مصطفى كمال أبو المجد، أصول إجراءات القضاء الإداري، ج2، ص198.

[138]  د. مصطفى كمال إسماعيل، المرافعات الإدارية، ص170.

[139]  المحكمة الإدارية العليا في 18/8/1958، السنة الثالثة، رقم 64، ص551.

[140]  د. مصطفى كمال وصفي، أصول إجراءات القضاء الإداري، المرجع السابق، ص168.

[141]  د. مصطفى كمال مصطفى، أصول إجراءات القضاء الإداري، ج2، ص194.

[142]  د. عبد المنعم جيرة، المرجع السابق، ص60.

[143]  د. مصطفى وصفي، المرجع السابق، ص195.

[144]  ج. عبد المنعم جيره، المرجع السابق، ص66.

[145]  د. مصطفى وصفي، المرجع السابق، ص194.

[146]  د. عبد المنعم جيره، المرجع السابق، ص69.

[147]  حكمها الصادر في الدعوى رقم 1496 لسنة 2 مجموعة أحكام السنة الثالثة، ص546.

[148]  د. محمود أحمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية، المرجع السابق، ص445.

[149]  د. وهيب عياد سلامة، أسلوب إصدار المحكمة الدستورية لأحكامها، المرجع السابق، ص17.

[150]  د. عزيزة الشريف، القضاء الدستوري المصري، 1990، دار النهضة العربية، ص97.

[151]  حكم محكمة القضاء الإداري الصادر في ديسمبر سنة 1957، وحكم المحكمة الإدارية العليا في 15 ديسمبر سنة 1956.

[152]  د. عزيزة الشريف، القضاء الدستوري المصري، المرجع السابق، ص100.

[153]  محمود أحمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية، المرجع السابق، ص446.

[154]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط الجزء الثاني، الإثبات، ص852.

[155]  د. أحمد ماهر زغلول، أعمال القاضي التي لا تحوز والتي تحوز الحجية وضوابط حجيتها، ص125.

[156]  د. عبد المنعم جيره، آثار حكم الإلغاء، المرجع السابق، ص99.

[157]  د. مصطفى كمال مصطفى، أصول إجراءات القضاء الإداري، المرجع السابق، ص550.

[158]  المستشار حسين أبو زيد، الحكم بالإلغاء حجيته وآثاره وتنفيذه، مجلة مجلس الدولة، السنة الثالثة، سنة 1952، ص157، وما بعدها.

[159]  د. وهيب عياد سلامة، الإلغاء الجزئي للقرارات الإدارية، 1992، دار النهضة العربية، ص61.

[160]  صادر بتاريخ 17 من يناير 1950، السنة الرابعة، ص195.

[161]  د. مصطفى وصفي، المرجع السابق، ص550.

[162]  د. عبد المنعم جيره، المرجع السابق، ص103.

[163]  د. عبد المنعم جيره، المرجع السابق، ص103.

[164]  د. محمد عبد اللطيف، قانون القضاء الإداري، المرجع السابق، ص392.

[165]  الحكم الصادر في الدعوى رقم 1496 لسنة 2 مشار إليه بمرجع د. عبد المنعم جيره، المرجع السابق الإشارة إليه ص108.

[166]  د. محمد محمد عبد اللطيف، قانون القضاء الإداري، المرجع السابق، ص394.

[167]  د. رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص606.

[168]  د. عادل عمر شريف، قضاء الدستورية، القضاء الدستوري في مصر، مرجع سابق، ص67.

[169]  هذا الحكم غير منشور بمجموعة أحكام وقرارات المحكمة العليا، ومشار إليه بمؤلف الأستاذ الدكتور/ رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص607.

[170]  د. شعبان أحمد رمضان، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين، المرجع السابق، ص584.

[171]  د. رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص608.

[172]  د. محمد عبد اللطيف، إجراءات القضاء الدستوري، المرجع السابق، ص245.

[173]  انظر على سبيل المثال: مجموعة المحكمة الدستورية العليا، الجزء الثالث، ص225 – في القضية رقم 11 لسنة 4 قضائية دستورية بجلسة 21/12/1985.

[174]  د. شعبان أحمد رمضان، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين، المرجع السابق، ص585.

[175]  راجع في ذلك على سبيل المثال د. رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص604، عادل عمر شريف، قضاء الدستورية، المرجع السابق، ص464.

[176]  راجع في هذا حكم المستشار الدكتور محمد ماهر أبو العينين، الموسوعة الدستورية، الكتاب الثاني، إجراءات الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا، ص190، 191.

[177]  الطعن رقم 8 لسنة 22ق، جلسة 7/7/2002، مكتب فني 10 – جزء رقم 1.

[178]  انظر حكم المحكمة العليا في الدعوى الدستورية رقم 5 لسنة 17 قضائية، بجلسة أول أبريل، 1978، مجموعة أحكام وقرارات المحكمة العليا، الجزء الثاني، ص146.

[179]  د. عبد الله ناصف، حجية وآثار أحكام المحكمة الدستورية العليا قبل التعديل وبعد التعديل، رجعة التعديل، 1998، دار النهضة العربية، ص28.

[180]  د. محمود أحمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية، المرجع السابق ص463.

[181]  د. طعيمة الجرف، المرجع السابق، ص284.

[182]  انظر الدعوى رقم 57 لسنة 4ق (دستورية) بجلسة 6/2/1992، مجموعة المحكمة الدستورية العليا، الجزء الخامس، المجلد الثاني، ص150.

[183]  د. عبد الله ناصف، حجية وآثار أحكام المحكمة الدستورية العليا قبل التعديل وبعد التعديل، مرجع سابق، ص30 وما بعدها.

[184]  د. نبيلة عبد الحليم كامل، الرقابة على دستورية القوانين، مرجع سابق، ص236.

[185]  مستشار دكتور/ محمد ماهر أبو العينين، موسوعة الدفوع في نطاق القانون العام، الكتاب الرابع، المرجع السابق، ص238.

[186]  حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم (13 لسنة 11ق دستورية)، جلسة 18/4/1992، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الخامس – المجلد الأول – الأحكام التي أصدرتها المحكمة من 1/7/1991 حتى 30/6/1992 – ق285.

[187]  د. رمزي طه الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، المرجع السابق، ص608.

[188]  د. عادل عمر شريف، قضاء الدستورية، القضاء الدستوري في مصر، المرجع السابق، ص465.

[189]  راجع أحكام المحكمة الدستورية العليا الصادرة بجلسة 7/5/1994 في الدعوى الدستورية رقم 10 لسنة ، جلسة 15/5/1993 في الدعوى رقم 5 لسنة 11ق، جلسة 3/1/1993 في الدعوى رقم 3 لسنة 12ق مشار إليها بمؤلف المستشار فايز السيد جاد اللمساوي، د/ أشرف فايز اللمساوي، المحكمة الدستورية العليا شروط قبول الدعوى أمامها وحجية الأحكام الصادرة منها وآثار الحكم بعدم دستورية نصوص الاتفاق الجنائي والنصوص الضريبية، والنصوص الأخرى، الطبعة الأولى، عماد للكتب القانونية، ص113.

[190]  د. هشام فوزي، رقابة دستورية القوانين، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ص121.

[191]  المستشار الدكتور/ محمد ماهر أبو العينين، موسوعة الدفوع في نطاق القانون العام، الكتاب الرابع، الإجراءات والإشكاليات الخاصة بالرقابة القضائية على دستورية القوانين في مصر، وفقاً لأحكام المحكمة الدستورية العليا في عام 2002، ص234.

[192]  د. محمود أحمد زكي، المرجع السابق، ص473.

[193]  د. شعبان أحمد رمضان، المرجع السابق، ص592.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading