سفيان سرار
طالب باحث بسلك الدكتوراه
جامعة محمد الخامس–الرباط–
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –سلا–
مقدمة
يقصد بالمحاكة العادلة عامة إخضاع العمل القضائي لمعايير مشروعة من حيث الشكل والجوهر، ومع عمومية هذا التعريف فإن المحاكمة العادلة في القانون الدولي لحقوق الإنسان يمكن تعريفها بأنها عدالة يتوفر فيها شرطين أولهما خضوع مسطرة المحاكمة لمعايير المحاكمة العادلة التي وضعها المجتمع الدولي وثانيهما أن تقوم بالمحاكمة وتنفيذ المواثيق الدولية سلطة قضائية مستقلة ومحايدة ونزيهة.
والمحاكمة العادلة بهذا المعنى هي نموذج شامل أو ذات مفهوم شمولي وكوني ينبغي فهمها في مختلف أقطار العالم فهما موحدا على الأقل للتقليص من الفوارق في تطبيقها لأكبر مدى([2])، وتعد مسألة تأمين المحاكمة العادلة وضمان استقلال القضاء من بين أولويات المجتمع الدولي، بحيث بدأت بواذر هذا الاهتمام تتجلى منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصولا إلى باقي المعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية اللاحقة([3]).
والمحاكمة العادلة كثيرا ما تثار في القضايا الجنائية رغم أن المحاكمة العادلة هي حق في جميع المحاكمات، بمختلف صورها المدنية أم التجارية….
لكن المجتمع طور معايير المحاكمة العادلة في الميدان الجنائي بالخصوص نظرا لارتباطها الوثيق الصلة بالحقوق والحريات الأساسية للأفراد بما فيها حقهم في الحياة.
وانسجاما مع هذا الإطار فإن الوثيقة الدستورية لسنة 2011، حملت في طياتها مجموعة من الحقوق والحريات لعل أهمها الحق في ضمان محاكمة عادلة([4]). وهو ما جاءت لتكريسه بعض النصوص المتعلقة بمسودة مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية لسنة 2014 في حالة المصادقة عليها.
وعلى الرغم من أن الحق في محاكمة عادلة يعد حجر الزاوية في البناء الذي تقوم عليه المحاكمات الجنائية، فإن ضرورة الوقوف على قيمة هذا الحق الثابت كانت تستحضر على الدوام، على المستوى النظري أو الفلسفي على أقل تقدير، تساؤلا مشروعا:
ماهي الضمانات القانونية الممنوحة من طرف المشرع المغربي لتكريس وحماية الحق في محاكمة عادلة؟
عند الإجابة عن هذا الإشكال الجوهري تعترضنا مجموعة من الإشكالات الفرعية تقتضي الإجابة عليها هي الأخرى من قبيل ما هو دور القضاء في ترسيخ الحق في محاكمة عادلة؟ وما هي باقي الجهات المتدخلة في حماية الحق في محاكمة عادلة؟ وماهي حدود العلاقة بين الحق في محاكمة عادلة والحق في الإعلام؟
لمعالجة هذا الإشكال سنعتمد على المنهج التحليلي النقدي وفق منهجية تقتضي تقسيم عناصر الإجابة إلى محورين:
- المحور الأول: حقوق المشتبه فيه قبل المحاكمة والذي نتساءل فيه عن مرحلة جمع الاستدلالات ثم ثانيا عن حجية محاضر الشرطة القضائية.
- المحور الثاني: حقوق المتهم أثناء المحاكمة والذي نتساءل فيه عن حقوق المتهم أمام هيئة الحكم ثم علاقة المحاكمة العادلة بالحق في الإعلام.
المحور الأول: حقوق المشتبه فيه قبل المحاكمة
تعد المرحلة السابقة لمثول المتهم أمام المحكمة، نقطة فاصلة في ضمان عدالة المحاكمة من عدمها، وتتمثل في مرحلة جمع الاستدلالات وما ينبغي معها من احترام الأصل في المشتبه فيه البراءة، وعدم المس بالحرية، وعدم الاعتداد بالاعتراف المنتزع بالعنف أو الإكراه، ومبدأ تساوي الأسلحة بين الخصوم والحق في الدفاع، التي سيتم تناولها بالتفصيل في العنوان الأول في حين سيتم الحديث عن حجية محاضر الشرطة القضائية في العنوان الثاني.
أولا: مرحلة جمع الاستدلالات:
ويتعلق الأمر بالمراحل السابقة في عرض الخصومة الجنائية على قضاء الحكم وتتمثل في البحث التمهيدي بمعناه الواسع ـ حالة التلبس ـ أو البحث التمهيدي بمعناه الضيق مرحلة التحقيق الإعدادي ومن أهم هذه الضمانات التي يخولها قانون المسطرة الجنائية للمشتبه فيه احترام الأصل في المشتبه فيه البراءة، وعدم المس بالحرية، عدم الاعتداد بالاعتراف المنتزع بالعنف أو الإكراه، تساوي الأسلحة بين الخصوم والحق في الدفاع.
أ– احترام الأصل في المشتبه فيه البراءة :
يقصد بقرينة البراءة أن الأصل في المشتبه فيه براءته مما أسند إليه، ويبقى هذا الأصل حتى تثبت – في صورة قاطعة وجازمة- إدانته، ويقتضي ذلك أن يتم احترام وضعه القانوني خلال الفترة السابقة على ثبوت الإدانة، وأن يستحضر القاضي أو ضابط الشرطة القضائية الذي يباشر البحث أو التحقيق أن الماثل أمامه ما زال بريئا مهما عظمت الأدلة والحجج المحصل عليها ضده([5]).
ويجد هذا الأصل سنده في العديد من الإعلانات والمواثيق الدولية والتي نذكر من بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 دجنبر1948، الذي نص في المادة 11/1 ” على أن كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا وفق محاكمة عادلة تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه”.
بالإضافة إلى المادة 14/2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية التي جاء فيها ” لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون”.
إن الاهتمام الدولي بقرينة البراءة انعكس على القوانين الداخلية للدول التي تبنت المبدأ في دساتيرها قصد الإلزام والالتزام به، واعتبرته مبدأ دستوريا وإجرائيا، كما فعل المشرع المغربي في الفقرة الرابعة من المادة 23 من الدستور المغربي لسنة 2011، والتي نصت على أن ” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان”. وفي المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية المغربي([6]).
ومن جملة النتائج المترتبة على قرينة البراءة عدم التضييق والانتقاص من حقوق المشتبه فيه إلا في أضيق الحدود التي يبيحها القانون إذا تعلق الأمر بالحراسة النظرية، التفتيش، المراقبة القضائية، الاعتقال الاحتياطي.
وأن تبنى الإدانة على اليقين القضائي الذي لا يتأتى استخلاصه إلا من خلال التقيد بمشروعية الأدلة المطروحة أمام القاضي إجرائيا وموضوعيا، وفي حال الشك يجب تفسيره لصالح المتهم.
ومن آثار هذا المبدأ، أن المتهم لا يتحمل عبء إثبات براءته وأن النيابة العامة هي التي تتحمل ذلك من الناحيتين الواقعية والقانونية نظرا لما تمتلكه من وسائل وأدوات لا يمتلكها المتهم، غير أن الواقع التشريعي المغربي كشف عن وجود مجموعة من النصوص القانونية، التي تتناقض وقرينة البراءة، وجعلت من المتهم مدانا إلى حين ثبوت براءته، وحملته عناء إثبات هذه البراءة إن هو أراد ذلك، وأصبح الأصل في المتهم هو الإدانة والبراءة مجرد استثناء([7]).
فكانت النتيجة إذن، إهدار ذلك الخيط الذهبي –قرينة البراءة- من نسيج القانون الجنائي، في تناقض صارخ مع افتراض براءة المتهم الذي يعد أحد أهم مكتسبات حقوق الإنسان في الفكر الجنائي المعاصر.
وأمام هذا الوضع بادرت بعض التشريعات المقارنة كالتشريع الفرنسي إلى تبني قانون كامل ومستقل قائم الذات ومقترن بجزاءات حقيقية تضمن الحماية لقرينة البراءة، في إطار برنامج إصلاح العدالة بموجب قانون 15 يونيو 2000 المتعلق بدعم وحماية قرينة البراءة وحقوق الضحايا([8]).
ب – عدم المس بالحرية:
تنص المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المادة 9 فقرة 1 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على منع كل اعتقال تعسفي أو الحرمان من الحرية لأسباب لا ينص عليها القانون.
وفي السياق ذاته سار الدستور المغربي في فصله 23 حيث اعتبر أن الاعتقال التعسفي من أخطر الجرائم وتعرض مقترفها لأقسى العقوبات، وبالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية نجد أنها نظمت أحكام الوضع تحت الحراسة النظرية وأحاطتها بضمانات شديدة، نذكر منها مراقبة القضاء لأماكن الوضع تحت الحراسة والسجلات المعدة لذلك ومدى احترام المدد المحددة قانونا للوضع تحت الحراسة النظرية([9]).
ونظرا لخطورة الوضع تحت الحراسة النظرية على حرية الأفراد فقد سن المشرع الجنائي المغربي ضمانة أخرى تنضاف إلى جملة الضمانات السابقة، ويتعلق الأمر بالمادة 67- 1 من مسودة مشروع ق.م.ج والتي تنص على أنه:
“يقوم ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، المشتبه في ارتكابهم جنايات أو جنح تتجاوز العقوبة المقررة لها قانونا سنتين حبسا.
يرفق ضابط الشرطة القضائية المحضر بنسخة من التسجيل توضع في غلاف مختوم وتضم وثائق الملف.
إذا تعذرت عملية التسجيل لأسباب تقنية، أشار ضابط الشرطة القضائية إلى ذلك في المحضر، مع بيان الأسباب بشكل دقيق ويشعر النيابة العامة فورا بذلك.
لا يمكن عرض التسجيل أمام المحكمة إلا في حالة المنازعة في التصريحات المدلى بها، وذلك بناء على أمر تصدره المحكمة إما تلقائيا أو بناء على طلب النيابة العامة أو أحد الأطراف.
ولا يمكن الطعن في التسجيلات إلا عن طريق الطعن بالزور. وفي كل الأحوال يخضع مضمون التسجيلات كغيره من وسائل الإثبات لاقتناع القاضي الصميم وفقا لمقتضيات المادة 286 من هذا القانون”.
ويبدو من خلال استقراء مضمون المادة المذكورة أعلاه، أنها جاءت لتدعيم ضمانات المحاكمة العادلة في شقها المتعلق بجمع الاستدلالات من خلال الاستعانة بالتسجيل السمعي البصري لأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، تفاديا لادعاء حدوث تعذيب مادي أو معنوي.
ومن بين الانتقادات التي قد تطال مضمون المادة 67- 1 ما جاء في الفقرة الأخيرة منها التي تقضي بأنه “لا يمكن الطعن في التسجيلات إلا عن طريق الطعن بالزور”.
هذا الأمر قد يشكل مساس بحقوق المتهم، وقد يفتح الباب أمام ادعاء التعرض للتعذيب المادي أو المعنوي قبل القيام بعملية التسجيل.
وذلك رغم ورود عبارة ” وفي كل الأحوال يخضع مضمون التسجيلات كغيره من وسائل الإثبات لاقتناع القاضي الصميم” لأن القاضي سوف يكون ملزم بالأخذ بالتسجيلات، إلا إذا تم الطعن فيها بالزور، ويعد الزور من بين الأمور الصعبة الإثبات في القانون.
ت – عدم الاعتداد بالاعتراف المنتزع بالعنف أو الإكراه:
أكدت اتفاقية مناهضة التعذيب في مادتها 15 “على عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة التعذيب كدليل في أية إجراءات”.
وهو نفس الطرح الذي تبناه كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 التي جاء فيها ” يجب ألا يلزم المتهم بالشهادة ضد نفسه أو الاعتراف أنه مذنب”. وكذلك مقتضيات المادة 293 من ق.م.ج التي نصت على أنه:
” يخضع الاعتراف كغيره من وسائل الإثبات للسلطة التقديرية للقضاة.
لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف أو الإكراه.
وعلاوة على ذلك، يتعرض مرتكب العنف أو الإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي”.
والهدف من وراء هذه المادة، هو الحد من الاعتقالات التعسفية والضغوطات التي قد تواكبها من أجل انتزاع الاعترافات عن طريق العنف أو الإكراه، الذي قد يطال المواطنين بمخافر الشرطة أو الدرك، وما يمكن أن تتضمنه محاضر الشرطة القضائية من اعترافات خيالية([10]).
ج – تساوي الأسلحة بين الخصوم والحق في الدفاع:
يقصد بتساوي الأسلحة بين الخصوم نزع الامتيازات عن النيابة العامة، والجعل من المتهم طرفا إيجابيا في الخصومة الجنائية، من خلال إتاحة الوقت والتسهيلات للمتهم، لجمع الأدلة وإعداد الدفاع، والحق في مناقشة شهود الإثبات وشهود النفي في محاكمة علنية تدور فيها المناقشة شفويا وبحضور الخصوم.
وهو الأمر الذي ذهبت إليه المحكمة الأوربية للحقوق الإنسان في قرارها الصادر بتاريخ 27 أكتوبر 1993 والذي جاء فيه:
«l’égalit des armes implique l’obligation d’offrir à chaque partie une possibilité raisonnable de présenter sa cause,…… dans des conditions qui ne la placent pas dans une situation de net désavantage par rapport à son adversaire »([11])
أما فيما يخص الحق في الدفاع فقد قررت الفقرة 3 من البند (ب) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن يحصل المتهم “على الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه والاتصال بمن يختاره من المحامين”.
ويعد الحق في الدفاع والاستفادة من المساعدة القانونية من الحقوق التي تم تكريسها في المادتين 23 و120 دستوريا([12]).
وتم التنصيص عليها في ق.م.ج المغربي في العديد من مراحل مسطرة المحاكمة والتي تبدأ مع البحث التمهيدي، الذي أصبح فيه من حق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية في حالة تمديدها، الاتصال بمحام، بترخيص من النيابة العامة، ابتداء من الساعة الأولى من فترة تمديد الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية في ظروف تكفل سرية المقابلة.(المادة 66 ق.م.ج).
وبالرجوع إلى مسودة مشروع ق.م.ج المغربي نجد أن المادة 1- 66 حملت في طياتها مجموعة من الضمانات القانونية التي تصب في خانة تدعيم أسس المحاكمة العادلة، يتعلق الأمر بالاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الأولى لإيقاف المعني بالأمر، في حالة تأخير ممثل النيابة العامة لاتصال المحامي بموكله، فإن التأخير يجب ألا يتجاوز نصف المدة القانونية للتمديد([13]). كما أصبح يحق للمحامي حضور الاستماع للمشتبه فيهم المصابين بإحدى العاهات المشار إليها في المادة 316 من ق.م.ج المغربي([14]).
كما تم تفعيل دور المحامي خلال مرحلة مثول المتهم أمام النيابة العامة سواء تعلق الأمر بجناية (المادة 73 ق.م.ج أو) جنحة (المادة 74 ق.م.ج) ففي الحالتين معا يجب على ممثل النيابة العامة إشعار المتهم قبل استنطاقه بحقه في تنصيب محامي حالا.
وإذا كان المتهم مرتكبا لجناية فإنه يعين له محام تلقائيا من طرف رئيس غرفة الجنايات، بعد إشعاره أن من حقه تنصيب محام عنه حالا.
وما قيل عن حضور المحامي مع المتهم حين عرضه على النيابة العامة، ينطبق على قضاء التحقيق، بحيث يشعر القاضي المتهم فورا أثناء مثوله أمامه لأول مرة بحقه في اختيار محام، فإن لم يستعمل حقه في الاختيار عين له قاضي التحقيق بناء على طلبه محاميا ليؤازره (المادة 134 ق.م.ج).
ثانيا: حجية محاضر الشرطة القضائية
عرفت المادة 24 من ق.م.ج المغربي المحضر بأنه تلك الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه أو ما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه.
ونظرا لتأثير المحاضر على حقوق الأفراد وحرياتهم، وتأثيرها الإيجابي أو سلبي على الوصف الذي قد يطبع المحاكمة سواء أكانت عادلة أم جائرة، فقد أحاط المشرع المغربي في ق.م.ج هذه المحاضر بمجموعة من الشروط والشكليات التي ينبغي التقيد بها ورتب جزاءات في المقابل في حالة الإخلال بها. فما هي شروط وشكليات إنجاز المحاضر؟ وما هو الجزاء المترتبة عن الإخلال بتلك الشروط والشكليات؟.
أ – شروط وشكليات إنجاز المحاضر:
بالرجوع إلى المواد 22 و23 و24 من ق.م.ج المغربي نجد أنها حددت مجموعة من الشروط والشكليات التي يجب على محرر المحضر الالتزام بها، والتي يمكن إجمالها في ضرورة احترام الاختصاص المكاني لضباط الشرطة القضائية، المتمثل في نطاق الحدود الترابية التي يزاولون فيها وظائفهم، وإذا حدث لأحد هؤلاء الضباط مانع، يكلف ضابط من أي دائرة مجاورة للقيام مقامه.
ويمكنهم أيضا أن يمارسوا مهمتهم بجميع أنحاء المملكة، في حالة الاستعجال، أو إذا طلبت منهم ذلك السلطة القضائية أو العمومية([15]).
كما ينبغي على ضباط الشرطة القضائية التقيد بشكل المحضر القانوني وتضمينه بكافة البيانات المنصوص عليها في المادة 24 من ق.م.ج من اسم المحرر وصفته ومكان عمله وتوقيعه وساعة إنجاز الإجراء وساعة تحرير المحضر إذا كانت تخالف ساعة إنجاز الإجراء وغيرها من البيانات الأخرى …..التي ورد ذكرها في نفس المادة.
وإذا لم يتم احترام هذه البيانات، فإن تلك المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية، لا يعتد بها، إلا إذا كانت صحيحة في الشكل وضمن فيها محررها وهو يمارس مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصيا في مجال اختصاصه.(المادة 289 ق.م.ج).
وهو نفس الأمر الذي تبناه القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بقوله إن ” افتقاد المحاضر للشكليات الأساسية فإن مبدأ الاستئناس ينهار وتنعدم صلاحيته وتصبح غير قابلة للاطمئنان إليها واستخلاص القناعة على ضوئها.
أن القضاء بصفته ضامنا للحقوق و الحريات يثير ولو من تلقاء نفسه عدم صحة سلامة الإجراءات سيما عند الحرمان من الحرية ([16])”.
ومن بين الشروط الأخرى أن يتضمن المحضر ما عاينه ضابط الشرطة القضائية أو ما تلقاه شخصيا، وهذا الشرط المتعلق بالمعاينة والاستماع لا ينطبق على الاستنتاجات التي يقوم بها ضابط الشرطة القضائية، وبالتالي فهي تعد غير ملزمة للنيابة العامة والمحكمة على حد سواء([17]).
ب– الجزاء المترتب عن الاخلال بشروط وشكليات المحضر:
يعد بطلان المحاضر من بين أهم الجزاءات المقررة عن الإخلال بشروط وشكليات تحرير المحضر، عملا بمقتضيات المادة 751 من ق.م.ج التي تقضي بأن ” كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز”.
ومن بين الإخلالات التي ترتب البطلان نجد انعدام حالة التلبس المنصوص عليها في المادة 56 من ق.م.ج في الشخص الموقوف من طرف ضابط الشرطة القضائية، أو أن تتم معاينة حالة التلبس بطريقة غير مشروعة كأن يدخل ضابط الشرطة القضائية منزل شخص مشتبه فيه من أجل جريمة سرقة مجوهرات وأثناء التفتيش وجد مواد مخدرة فهنا تنعدم حالة التلبس، لأن الإذن بالتفتيش الذي جاء من أجله يتعلق بالسرقة لا المخدرات.
ويطال البطلان أيضا إجراءات تفتيش المنازل التي تجرى خارج الوقت القانوني مع مراعاة بعض الحالات الاستثنائية المنصوص عليها قانونا والتي يتم فيها التفتيش خارج الوقت القانوني المحدد([18]).
ويتم تقرير البطلان أيضا في حق المحاضر التي تحتوي على اعتراف ثبت انتزاعه عن طريق العنف أو الإكراه، في إشارة للفقرة الثانية من المادة 293 ق.م.ج التي تنص على أنه ” لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف أو الإكراه”. وفي ذات الإطار فقد جاء في قرار صادر عن محكمة النقض، تأييدها لما ذهبت إليه محكمة الموضوع من ” استبعاد للمحضر بعدما ثبت لها بأن الاعتراف جاء وليد الإكراه والتعذيب، معتبرة بأن ذلك يدخل ضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع ([19])”.
المحور الثاني: حقوق المتهم أثناء المحاكمة
يتفرع عن الحق في محاكمة عادلة مجموعة من الحقوق التفصيلية التي تكفل النزاهة و العدالة الإجرائية أثناء المحاكمة وهنا يمكن الحديث بصفة أساسية عن حقوق المتهم أثناء جلسات المحاكمة والتي يتفرع عنها الحق في محاكمة أمام محكمة مستقلة ومحايدة ونزيهة، علنية المحاكمة، الحق في سرعة الإجراءات، تسبيب الأحكام كل ذلك في العنوان الأول ثم نتناول في العنوان الثاني الحديث عن علاقة الإعلام بالحق في محاكمة عادلة والذي يتخلله الحديث عن قرينة البراءة في مواجهة وسائل الإعلام وتأثير هذه الأخيرة على الحق في الدفاع إما بالإيجاب أو السلب.
أولا: حقوق المتهم أمام هيئة الحكم
من بين الحقوق التي يجب حفظها للمتهم أثناء مثوله أمام المحكمة، الحق في أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة ونزيهة، ضمان علنية المحاكمة، الحق في سرعة الإجراءات، تسبيب الأحكام.
أ– الحق في المحاكمة أمام محكمة مستقلة ومحايدة ونزيهة:
يعتبر استقلال القضاء من أهم مقومات المحاكمة العادلة، ولا يمكن وصف المحكمة بأنها منصفة إذا كان القضاة القائمون على إصدار الأحكام غير محايدين في اتخاذ قراراتهم، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة من الإعلان العالمي للحقوق الإنسان على أنه ” لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا للفصل في أية تهمة توجه إليه”.
ويعد أمر استقلالية المحكمة شرط جوهري لضمان عدالة المحاكمة بعيدا عن أي تدخل أو توجيه من شأنه التأثير على استقلالية القضاة وقلب موازين الأحكام والقرارات خدمة لجهة معينة أو فرد بعينه.
وقد جاء الفصل 109 من الدستور المغربي صريحا في هذا الإطار حينما نص على أنه: ” يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.
يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة”.
ولضمان استقلال القضاء ينبغي تأمين القضاة من العزل وتحصينهم ضد التعيينات والتنقيلات التعسفية، وضمان حقهم في الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، طبقا للشروط المنصوص عليها قانونا ومع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء.
ب – علانية المحاكمة:
الحق في علانية الجلسات منصوص عليه لحماية المتهم من المحاكمات السرية و كذلك ليدعم ثقة المواطنين في نزاهة وحيدة وشفافية إدارة العدالة([20])، وذلك عن طريق فتح أبواب المحاكم للتقييم العام، ومن شأن حضور العموم للجلسات والإجراءات والمحاكمات أن يعطي فكرة على مدى تقيد القانون الوطني بالتعهدات والالتزامات الدولية المصادق عليها في هذا الإطار.
ولقد أكد المشرع المغربي في تصديره لدستور 2011 الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من هذا الأخير، تشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وجعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
وهو الشيء الذي أقره الدستور المغربي في كل من الفصل 123 الذي جاء فيه ” تكون الجلسات علنية ما عدا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك”. وتم تأكيده مرة أخرى في الفصل 125 حينما نص على أن: ” تكون الأحكام معللة و تصدر في جلسة علنية وفق الشروط المنصوص عليها في القانون”.
وإذا كان الحق في علانية المحاكمة يعد ركيزة من ركائز المحاكمة العادلة فإن هذا المقتضى ترد عليه بعض الاستثناءات التي جاء ذكرها في المادتين 301 و 302 من ق.م.ج، منها ما يتعلق بمنع الأحداث أو بعضهم من دخول قاعة الجلسات إذا ارتأى رئيس الجلسة أن حضورهم فيها غير مناسب.(المادة 301 ق.م.ج).
أو إذا اعتبرت المحكمة أن في علنية الجلسة خطرا على الأمن أو على الأخلاق، ففي هذه الحالة تصدر مقررا بجعل الجلسة سرية. (المادة 302 ق.م.ج).
ج – الحق في سرعة الإجراءات:
نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في الفقرة 3 من المادة 9 على أنه “من حق كل شخص يحتجز بسبب تهمة جنائية في أن يحاكم في غضون فترة زمنية معقولة، أو يفرج عنه إلى حين المحاكمة”. وهو ما تم تأكيده في الفقرة 3 من المادة 14 من نفس العهد التي نصت على أن ” من حق كل شخص أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له”. وأقره الدستور المغربي في فصله 120 بقوله ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول”.
وبالرجوع إلى مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية نجد أنها نصت في الفقرة 2 من المادة 1 على أن ” تسهر السلطة القضائية على ضمان حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء، وعلى أن تتم جميع الإجراءات في أجل معقول”.
والهدف من وراء هذا المبدأ الحد من التأثير على نفسية المتهم حينما تطول إجراءات المحاكمة بشكل غير مبرر، الشيء الذي قد يتسبب في ضياع الأدلة أو ضعف ذاكرة الشهود.
وضمان المحاكمة في الدعاوى الجنائية مرتبط بالحق في الحرية وافتراض البراءة وحق المرء في الدفاع عن نفسه وتجدر الإشارة أنه ليس المقصود بالمحاكمة العاجلة اتخاذ إجراءات معجلة أو متسرعة تجحف بحقوق المتهم.
ويضم ق.م.ج المغربي مجموعة من المواد التي تكرس حق المتهم في سرعة الإجراءات ولا سيما في قضايا المعتقلين من أجل تحقيق السرعة والفعالية في أداء العدالة الجنائية نذكر منها بالخصوص المواد ( 180، 196، 215، 234، 381، 528 و 540 …..)؛
ولذلك فإن المحاكمة السريعة مشروطة بمنح المتهم الوقت الكافي والتسهيلات اللازمة لتحضير دفاعه، ويتجسد الحق في سرعة المحاكمة في عبارة موجزة الحكمة القائلة بأن “العدالة البطيئة نوع من الظلم “.
غير أن هذا المبدأ قد ترد عليه بعض الاستثناءات إذا تعلق الأمر ببعض الجرائم الخطيرة التي تكون مركبة و تضم عددا كبيرا من الأشخاص المتورطين وعددا من الشهود كالجرائم الاقتصادية أو المخدرات أو تتعلق بسلوك المتهم مثلا امتناع المتهم عن التعاون أو الفرار.
د– تسبيب الأحكام:
يعتبر تسبيب الأحكام شرط قانوني ملزم للمحاكم المغربية التي تخضع لرقابة محكمة النقض وهذا المبدأ يقوم على أسباب واقعية و أخرى قانونية تشتمل على ما يلي. بيان الوقائع المتعلقة بالجريمة موضوع المتابعة، بيان الأدلة، مناقشة أوجه الدفاع والرد عليها. الإشارة إلى النص القانوني الذي يعاقب الجريمة.([21])
وجاء في الفصل 125 من الدستور “تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون”. وهو ما أشار إليه قانون المسطرة الجنائية في الفقرة 1 من المادة 364 بأن ” تكون الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة عن هيئات الحكم محررة ومعللة بأسباب”. وإلا اعتبرت سبب من الأسباب الموجبة للنقض([22]).
ويكون الحكم مشوب بانعدام الأساس القانوني في الوقت الذي لا يقوم فيه قاضي الموضوع بوصف دقيق للمعطيات الواقعية التي تسمح لمحكمة النقض بممارسة رقابتها.
ولعل أهم الأسباب الموضوعية التي تؤدي إلى نقض الحكم المطعون فيه تقصير القاضي في فحص الوقائع وتدقيقها أو بنى الإدانة على أسباب واهية أو قضى بالبراءة رغم وجود وسائل إثبات مقنعة([23]).
وهكذا نجد أن محكمة النقض قد نقضت أحكاما استندت إلى محاضر باطلة أو إجراءات غير قانونية أو إدانة متناقضة أو متعارضة([24]).
وفي ختام هذا المحور المتعلق بحقوق المتهم أثناء المحاكمة نشير ولو بشكل مختصر إلى بعض الحقوق الأخرى التي لم نتناولها بالبحث نظرا لكثرتها، والتي نذكر منها الحق في استنفاذ جميع طرق الطعن في الأحكام والقرارات المقررة قانونا بما في ذلك الطعن في دستورية القوانين.
بالإضافة إلى عدم رجعية القوانين وعدم المتابعة من أجل نفس الفعل مرتين، التعويض عن الخطأ القضائي (الفصل 122 من الدستور المغربي). الحق في رد الاعتبار القانوني والقضائي([25]).
ثانيا: علاقة الإعلام بالحق في محاكمة عادلة:
إن حاجة الرأي العام وحقه المشروع في الاطلاع على الأحداث والأخبار القضائية في مرحلة مبكرة ومتابعتها يدفعان بمختلف وسائل الإعلام إلى سباق مفتوح من أجل تغطية الحدث القضائي وتقريب وقائعه من الرأي العام لا سيما وأن بعض المحاكمات القضائية ترتبط بمواضيع ذات بعد اجتماعي أو سياسي، لكن حاجة الجمهور والإعلام لا تتفق دائما مع موضوعية براءة المتهم التي هي الأصل ولا تساير أحيانا مبدأ استقلالية السلطة القضائية والحاجة إلى إبعادها من أي تأثير بما فيه تأثير الرأي العام و التأثير الإعلامي المفرط([26]).
أ – قرينة البراءة في مواجهة وسائل الإعلام:
يعد الأصل في المتهم البراءة، حق من الحقوق الأساسية للشخص موضوع متابعة قضائية، ويعتبر مبدأ جوهريا لضمان الحرية الشخصية للمتهم، ومن ثم يجب معاملة المتهم بجريمة مهما كانت جسامتها بوصفه شخصا بريئا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، كما نصت على ذلك المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
غير أن مصلحة الرأي العام في معرفة المستجدات القضائية المتعلقة ببعض الجرائم التي تخلف وراء حدوثها تأثيرا وهلعا كبيرين على نفسية المجتمع، قد تدفع ببعض وسائل الإعلام إلى المس بقرينة البراءة ومعها بالحق في محاكمة عادلة، وذلك عن طريق نشر التحقيقات وصور المتهمين وإبداء الآراء والتعليقات قبل أن تقول المحكمة كلمتها النهائية في النازلة موضوع المتابعة.
ومن أجل ضمان الحماية لقرينة البراءة نجد أن المشرع المغربي نص في الفقرة 2 و3 من المادة 303 ق.م.ج على أنه ” يعاقب كل من يقوم بتصوير شخص في حالة اعتقال أو يحمل أصفادا أو قيودا دون موافقة منه، وكل من يقوم بنشر صورة أخذت في الظروف المذكورة دون إذن صاحبها.
وكل من يقوم بأية وسيلة كانت بنشر تحقيق أو تعليق أو استطلاع للرأي يتعلق بشخص تجري في حقه مسطرة قضائية بصفته متهما أو ضحية دون موافقة منه، سواء كان معينا باسمه أو بصورته أو يمكن التعرف عليه من إشارات أو رموز استعملت في النشر”.
وبالرجوع إلى الفقرة 3 من المادة 15 من مسودة مشروع ق.م.ج المغربي نجد أن صلاحية إطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها، دون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم أو المتهمين خولت للنيابة العامة وحدها، ويمكن لهذه الأخيرة أن تأذن بذلك للشرطة القضائية.
أما بخصوص مشروع قانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات نجده قد نص في مادته 17 المدرجة في الباب الخامس تحت عنوان استثناءات الحق في الحصول على المعلومات، بأنه ” تستثنى من المعلومات المشمولة بالحق في الحصول عليها بموجب هذا القانون المعلومات التي من شأنها المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، والتي يؤدي الكشف عنها إلحاق ضرر بسير المساطر القضائية والمساطر المتعلقة بها”.
ب – تأثير الإعلام على الحق في الدفاع بالإيجاب أو السلب:
تلعب وسائل الإعلام دور الوسيط الطبيعي بين الحدث ـ هنا العمل القضائي ـ والمواطنين. وتساهم في ضمان حق الأفراد في تلقي الأخبار رغم أنهم ليسوا أطرافا مباشرين في القضية، وبالتالي تصبح وسائل الإعلام الوسيلة التي تمكنهم من ممارسة هذا الحق([27]).
ويمكن لوسائل الإعلام أن تساهم إيجابا في ضمان الحق في محاكمة عادلة علنية بعيدا عن المحاكمات السرية. ومعها حقوق الدفاع من خلال التأكد من مدى احترامها وفي حالة العكس، يمكنها أن تدين هذا الخرق سواء قبل المحاكمة أو أثناء الجلسة ويكون دور وسائل الإعلام حاسما في تبليغ ذلك إلى الرأي العام.
كما يمكن لوسائل الإعلام أن تكون طرفا سلبيا في تقويض أسس المحاكمة العادلة من خلال إصدار الأحكام قبل صدور الحكم القضائي نفسه، وشحن الرأي العام الذي سوف يقع في حيرة شديدة إذا خالف صدور الحكم القضائي التوجه الذي رسمه الإعلام. كما ينبغي لوسائل الإعلام التفريق بين الحديث عن الواقعة والحديث عن حكمها.
وهنا تبرز أهمية الإعلام في المحاكمة فهو إما يؤثر إيجابيا على سير المحاكمة العادلة بفضح الخروقات التي قد تشوب إجراءات المحاكمة، أو سلبا من خلال إصدار أحكام مسبقة قد تشوش على عمل القضاء وتعصف بحقوق وحريات المتهم.
الخلاصة
إن حرص المشرع المغربي على تكريس مبدأ المحاكمة العادلة، الذي ينبع من التزامه بجملة من المواثيق والمعاهدات الدولية التي تنص على ضرورة تأمين الحق في محاكمة عادلة كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة 10) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في (المادة14)، جعله يسارع إلى مواءمة التشريع الداخلي مع ما تتطلبه هذه الأوفاق الدولية في هذا المجال لبناء دولة الحق والقانون.
الشيء الذي تعزز بتدعيم قانون المسطرة الجنائية بمجموعة من الضمانات التي تكفل للشخص الذي يكون موضوع متابعة في جريمة ما، حقه في محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الشروط المتعارف عليها دوليا، بما فيها تجنيب تلك المحاكمة التأثير السلبي لوسائل الإعلام، الذي قد يؤثر بشكل مباشر على عمل السلطة القضائية التي خولها الدستور مهمة حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القانوني، وتطبيق القانون.
[1]حكم منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 153 سنة 2006 ص 214 أشار إليه محمد التراب ص 24 يجب الإشارة المرجع لمساطر الإدارية في تحصيل الديون العمومية.
[2]محمد عبد النباوي، ضمانات المحاكمة العادلة مرحلة جمع الاستدلالات، سلسلة إصلاح القانون والتنمية السوسيو اقتصادية، تأملات حول المحاكمة العادلة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الجزء الثاني، ماي 2009، ص 10.
[3]– المادة (10) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 دجنبر 1948.
– المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي تم اعتماده بمقتضى قرار الجمعية العامة عدد 2200أ (د-21) بتاريخ 16 دجنبر 1966. ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 23 مارس وصادق عليه المغرب بمقتضى الظهير عدد 186/79 بتاريخ 08/11/1979 وتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 3525/6 بتاريخ 21 ماي 1980.
– المادة (6) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية الموقعة والموقعة في روما في 4 نونبر 1950.
[4]تنص الفقرة 4 من الفصل 23 من الدستور المغربي بأن ” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان”.
[5]محمد عبد النباوي، ضمانات المحاكمة العادلة مرحلة جمع الاستدلالات، تأملات حول المحاكمة العادلة، سلسلة إصلاح القانون والتنمية السوسيو اقتصادية يديرها الأستاذ محمد جلال سعيد، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ماي 2009، ص.19
[6]تنص المادة 1 من ق.م.ج المغربي بأن : ” كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.
يفسر الشك لفائدة المتهم”.
[7]إن النصوص التشريعية التي تعترف بقرينة الإدانة تهدف إلى افتراض الركن المادي أو المعنوي للجريمة ونسبته إلى أحد الأشخاص، وذلك من أجل إعفاء النيابة العامة من عبء إثبات قيام الجريمة من كافة أركانها ونسبتها إلى الفاعل، مشكلة بذلك مخالفة صريحة للمفهوم الحرفي لقرينة البراءة، ويكثر الحديث عن قرينة الإدانة كلما تعلق الأمر بالجرائم الاقتصادية والتي نذكر منها على وجه الخصوص قانون الجمارك، وقانون الشركات التجارية.
[8]Loi n°2000-516 du 15 juin 2000 renforçant la protection de la présomption d’innocence et les droits des victimes, JCP. 28 juin 2000, n°26, p. 1228.
[9]أنظر المواد 45 و80 من قانون المسطرة الجنائية المغربي.
[10]الحسن البوعيسي، قراءة نقدية في بعض مقتضيات مشروع قانون المسطرة الجنائية، مجلة المحاماة، العدد 46، 2002، ص 112
[11]Mme Dominique karsenty ; conseiller référendaire à la cour de cassation,le droit au procès équitable, article puplier sur le site de cour cassation farnçais (www.courdecassation.fr).
[12]تنص المادة 23 في فقرتها 3 على أنه: ” يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت، ويحق له الاستفادة في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقا للقانون”.
ونصت المادة 120 في فقرتها 2 على أن: ” حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم”.
[13]تنص المادة 66 من ق.م.ج المغربي الحالي في فقرتها 8 على أنه في حالة تأخير اتصال المحامي بموكله يجب ألا يتجاوز مدة ثمانية وأربعين ساعة ابتداء من التمديد الأول.
[14]حددت المادة 316 من ق.م.ج هاته العاهات، في أن يكون المتهم أبكما أو أعمى أو مصابا بأية عاهة أخرى من شأنها الإخلال بحقه في الدفاع عن نفسه.
[15]بالرجوع إلى مسودة مشروع ق.م.ج المغربي في المادة 22 منه نجد أنه تم إضافة عبارة ” المختصة” إلى السلطة القضائية أو العمومية.
[16]قرار جنائي، بتاريخ15/1/92، ملف عدد 551/524/89، صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، منشور بمجلة الإشعاع، عدد7، يونيو 1992، ص 125.
[17]جاء في حكم صادر عن ابتدائية القنيطرة، ملف جنحي عدد 4061/97، ” أن تصريحات الشاهدين جاءت وقائعهما مخالفة للوقائع المضمنة بمحضر الشرطة أثناء استماع المحكمة لشهادة الشاهدين مما ينبغي معها استبعاد محضر الضابطة القضائية”. مجلة الإشعاع عدد 7، يونيو 1992، ص 215.
[18]تنص المادة 62 من ق.م.ج بأنه ” لا يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها قبل الساعة السادسة صباحا وبعد الساعة التاسعة ليلا، إلا إذا طلب ذلك رب المنزل أو وجهت استغاثة من داخله، أو في الحالات الاستثنائية التي ينص عليها القانون. غير أن العمليات التي ابتدأت في ساعة قانونية يمكن مواصلتها دون توقف.
لا تطبق هذه المقتضيات إذا تعين إجراء التفتيش في محلات يمارس فيها عمل أو نشاط ليلي بصفة معتادة.
إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية واقتضت ذلك ضرورة البحث أو حالة الاستعجال القصوى أو إذا كان يخشى اندثار الأدلة فإنه يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها بصفة استثنائية قبل الساعة السادسة صباحا أو بعد الساعة التاسعة ليلا بإذن كتابي من النيابة العامة.
[19]قرار عدد 631 تاريخ 24 دجنبر 1973 قضية 31065، جاء في مداخلة بعنوان المشروعية في البحث عن الأدلة الجنائية الحبيب بيهي مجلة الإشعاع عدد 3 ص 04.
[20]Julie Meunier ; la notion de procès équitable devant la cour européenne des droits de l’homme, article puplier sur le site web http://www.google.fr
[21]الحبيب بيهي، الرقابة القضائية على سلامة الأدلة، مجلة الإشعاع، عدد 10، ص 9.
[22]الفصل 534 قانون المسطرة الجنائية يجب أن يرتكز الطعن بالنقض في الأوامر أو القرارات أو الأحكام القابلة للطعن بالنقض على أحد الأسباب الآتية:
……………-1
……………-2
……………-3
……………-4
5- انعدام الأساس القانوني أو انعدام التعليل.
[23]الحبيب بيهي، المرجع السابق، ص 9.
[24]قرار عدد 92، بتاريخ 7/12/1959، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 27، ص177.
[25]أضافت مسودة مشروع ق.م.ج المغربي، اختصاصات جديدة للغرفة الجنحية من قبيل النظر في النزاعات المتعلقة بتطبيق أحكام رد الاعتبار بحكم القانون المنصوص عليها في المادتين 688 و 689 من ق.م.ج.
[26]كلمة افتتاحية للسيد وزير العدل، بمناسبة الندوة المنظمة من طرف الودادية الحسنية للقضاة المعهد العالي للقضاء، بتاريخ 19 أبريل2011 تحت عنوان ” السلطة القضائية والإعلام”.
[27]يوسف وهبي العدالة والإعلام، علاقة المباح أو المحظور، مجلة الإشعاع، عدد 25، ص61.


