بين التبعية والاستقلالية
الأستاذ مصطفى بن شريف
دكتور في الحقوق، محام بهيئة وجدة
إن تشريع القوانين هو مناط السلطة التشريعية، التي تمارس أيضا أعمال الرقابة على الحكومة والسلطة القضائية يتحدد دورها، في تطبيق القانون، لحماية الحقوق والحريات، في حين تتولى السلطة التنفيذية (أي الحكومة) ضمان تنفيذ الأحكام القضائية وإعداد السياسات العمومية.
وعليه فإنه لتحقيق الشرعية الدستورية والشرعية القانونية يتعين توافر سلطة قضائية مستقلة وعلى العكس من ذلك، فإن وجود قضاء غير مستقل وقضاة غير مستقلين، هو تهديد لاستقرار الدولة والمجتمع، اعتبارا لما قد يخلقه هذا الوضع من فقدان الثقة لدى المواطنين في القضاء والقضاة، وبالتالي سنكون أمام أزمة الأمن القضائي، لذلك ومن أجل تحقيق استقلال فعلى للسلطة القضائية والقضاة، كاستقلال يتوخاه المجتمع ويخدم مصلحته بشقيه العضوي والشخصي، الأمر الذي يتطلب توفير ضمانات دستورية وقانونية وسياسية تتلاءم مع القانون الدولي والمبادئ الدولية المتعلقة باستقلال القضاء. وهكذا سنعمد إلى مقاربة الموضوع بالتطرق إلى استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة في إطار جدلية العلاقة بين الاستقلال العضوي والاستقلال الشخصي من خلال المبادئ الدولية التي تحكم استقلال القضاء والقضاة، استقلال القضاء وقضاة الحكم والنيابة العامة في الأنظمة الدستورية والقانونية.
أولا: مبدأ الفصل بين السلطات:
يقصد بمبدأ الفصل بين السلطات عدم تجميع واحتكار السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية من طرف سلطة أو هيئة واحدة. وعلى العكس من ذلك، فالمبدأ يروم ممارسة كل سلطة لصلاحياتها الدستورية باستقلال عن السلطة الأخرى. هذه الاستقلالية، ليست ضد مبدأ التعاون بين السلطات لخدمة المصالح العليا للدولة. فالمبدأ العام يقضي بعدم جواز تدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية. وهذا ما عزز النزوع إلى المطالبة باستقلال القضاء، أو بالأحرى استقلال ذاتي للسلطة القضائية. فالفصل بين السلطات هو نوع من التقييد للسلطة التنفيذية في علاقتها مع المواطنين. بمناسبة ممارستها السلطة السياسية وذلك لضمان حماية الحقوق والحريات الفردية والعامة.
ومبدأ الفصل بين السلطات، يعتبره قسم واسع من الفقه بأنه معيار أساسي للتمييز بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الشمولية. في الحالة الأولى، نكون أمام سيادة مبدأ الفصل بين السلطات، وفي الحالة الثانية، نكون في وضعية تركيز وتجميع السلطات في يد سلطة أو هيئة واحدة، وفى أغلب الأحوال تكون السلطة التنفيذية وهذا ما يؤدي إلى تهديد الحرية والى الاستبداد بالسلطة السياسية ([1]).
ثانيا: نشأة مبدأ الفصل بين السلطات:
إن مبدأ الفصل بين السلطات يستقى جذوره من فلسفة المفكرين الأوربيين عند مطلع القرن الثامن عشر، ومن أبرزهم جون لوك، الذي ميز لأول مرة بين أنواع السلطات، التي قسمها إلى ثلاثة: السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية والسلطة الفيدرالية. ويلاحظ بأن الفيلسوف الإنجليزي لم يدرج ضمن نظريته المتعلقة بتوزيع السلطات، السلطة القضائية ([2]). هذا الإغفال، هو ما يفسر ارتباط مبدأ الفصل بين السلطات باسم المفكر الفرنسي مونتيسكيو في كتابه روح القوانين، الذي وضع مبادئه الأساسية بشكل واضح ودقيق ([3])، ويروم مبدأ الفصل بن السلطات توزيع وظائف الدولة: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعدم النزوع إلى تجميعها في يد هيئة واحدة ([4])، حتى لا يعم الاستبداد بالسلطة، ونكون أمام حالة السلطة المطلقة، كنقيض للسلطة الديمقراطية، وهو المبدأ الذي اعتبره جانب من الفقه الدستوري، بمبدأ مناهضة التسلط لحماية الحريات ([5]).
ثالثا: تطور مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الدستوري المغربي:
إن مبدأ الفصل بين السلطات لقي حماسا كبيرا لدى زعماء الثورة الفرنسية، وهو ذات الموقف الذي تم الإعلان عنه من طرف الثورة الأمريكية، التي اعتبرت بأن مبدأ الفصل بين السلطات هو الأساس في تنظيم السلطات في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يكاد يمثل شكل الفصل الجامد للسلطات تنظيميا، لكن ذلك لا يجرده من مبدأ التعاون بين السلطات ([6]).
لقد تأثر المغرب بالنظام السياسي الفرنسي في تنظيم الدولة في أول دستور له في 14 دجنبر 1962 ، بالإعلان عن الشروع في دسترة النظام السياسي المغربي، الغارق في التقليدانية الموروثة والمتجذرة في الدولة والمجتمع، والتي تعكس وبحق غياب توزيع للسلطة، لكون السلطان كان هو من يمثل الدولة ويحكمها، لا يتقاسم سلطاته مع أي هيئة أخرى، وذلك بسبب انعدامها أو أنها كانت معدومة، أمام غياب برلمان منتخب، وقضاء مستقل. وهكذا يعتبر دستور 1962 بمثابة البداية لدسترة النظام السياسي المغربي، والاعتراف بمبدأ الفصل بين السلطات ضمن نسق متحكم فيه من طرف الملكية. فالحسن الثاني هو واضع دستور1962 ، بعد توقف “مجلس الدستور” عن أداء وظيفته بسبب الصراعات السياسية العميقة بين مكوناته. ويمثل دستور 1962، أول وثيقة مكتوبة تتضمن مبادئ ومؤسسات تماثل تلك المألوفة في الدساتير الغربية دون القطع مع التقليدانية، وهذا ما يميز الملكية في المغرب، ذات ((النزعة الحاكمة ((أي ((الملكية التنفيذية)) وهو غير ((الملكية البرلمانية)). علما أن دساتير 1996، 1970، 1972، 1992 ، أكدت بدورها على مفهوم الملكية الحاكمة، في ظل العمل بمبدأ الفصل بين السلطات المتحكم فيه. ويستفاد من الدساتير المذكورة، أنها تضمنت مبادئ صريحة تنظم السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتوزيعها، لكنها لم تعلن صراحة بأن القضاء “سلطة”، وهذا ما يستخلص من الفصل 82 من دستور 1962 الذي نص بأن ” القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية” ([7])، وهو الأمر الذي تم تأكيده في سائر الدساتير اللاحقة ([8]) له، إلى أن تم العمل بدستور 2011 ، الذي أكد في الفصل 107 بأن ” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية و عن السلطة التنفيذية” كإعلان رسمي على مبدأ فصل السلطات بالاعتراف الصريح بذلك، وبأن القضاء سلطة ضمن صيرورة الحياة الدستورية في المغرب.
المبحث الأول
المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال القضاء والقضاة
لا يوجد تعريف لمفهوم إستقلال السلطة القضائية في القوانين الوطنية، والأنظمة الدستورية، وهذا ما دفع التفكير في إعداد معيار عالمي موحد لاستقلال القضاء يتلاءم مع النظم السياسية والقانونية في العالم.
وفى هذا الإطار تم اعتماد العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان، التي أولت جميعها أهمية على دور القضاء واستقلاليته في تأمين حماية الأفراد والجماعات من شطط السلطة وتعسفها، وكذا توفير مناخ قانوني سليم يشجع على الاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال كإعلان رسمي على قطع دابر العلاقة مع الرشوة والفساد داخل المؤسسات القضائية. هذه الإرادة الدولية، عكستها تقارير وتوصيات المؤتمرات والاتفاقيات الصادرة عن الهيئات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والتنمية والمؤسسات المالية. ولذلك فإن استقلال القضاء لم يعد مسألة داخلية، بل هو مطلب دولي، أقرته العديد من المواثيق الدولية ([9]) والإقليمية.
المطلب الأول: في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في المادة 10 منه على أنه (لكل إنسان الحق بكامل المساواة في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة عند تقرير حقوقه وواجباته وأي اتهام جنائي يوجه ضده” ([10]). ويلاحظ بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة لأمم المتحدة، بأنه حرص على تأكيد حق الإنسان في قضاء مستقل ومحايد، وهما شرطان متلازمان لقيام قضاء نزيه، غايته حماية الشرعية عن طريق فرض احترام تطبيق القانون على الجميع، دولة وأفراد، بشكل يضمن السلم الاجتماعي والأمن القضائي.
المطلب الثاني: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:
لقد حرص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على تأكيد مبدأ استقلال القضاء، وحياده في المادة14 / فقرة 18 التي أوضحت بأن “الناس جميعا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون” ([11])، كما ورد في الفقرة 5 من المادة المذكورة، بأنه يحق لكل شخص أدين بجريمة في اللجوء إلى محكمة اعلى تعيد النظر في قرار إدانته وفى العقاب الذي حكم به عليه.
ويستخلص من العهد الدولي المذكور، أنه أكد على أن مسألة استقلال القضاء على جانب بالغ من الأهمية بتأكيده أن القضاء هو اختصاص للقضاة لا يمارسه إلا القضاة، ويجب أن يكون في منأى عن أي تدخل، كما أن مراجعة الأحكام، هو من صلاحية القضاء، تتولاه محكمة عليا (محكمة النقض)، والأحكام القضائية ملزمة وواجبة التنفيذ، وعلى السلطة التنفيذية أن تتولى ذلك لما فيه من مصلحة عامة لضمان استقلال القضاء ([12]).
المطلب الثالث: في المؤتمرات الدولية ومؤتمرات الأمم المتحدة
لقد اعتمدت مؤتمرات الأمم المتحدة المتعلقة باستقلال القضاء عددا من المبادئ المعروفة بالمبادئ الأساسية لاستقلال القضاء، المستندة إلى المواثيق الدولية، كمصدر رئيسي لتلك المبادئ، ويتعلق الأمر:
- الإعلان العالمي لاستقلال القضاء (مونتريال 1983).
- المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية (ميلانو .(1985
- مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء.
- مبادئ بانجالور للسلوك القضائي (2002 لاهاي).
أولا: الإعلان العالمي لاستقلال القضاء لسنة 1983
صدر هذا الإعلان عن المؤتمر العالمي لاستقلال القضاء في 10 يونيو 1983 في مونتريال بكندا، الذي أكد على مقومات إستقلال القضاء وإستقلال القضاة، ومن أهمها:
- ممارسة السلطة القضائية لاختصاصها المتمثل في الفصل في النزاعات بين المواطنين وبين المواطن والدولة وذلك لضمان الأمن القضائي.
- توفير مناخ سليم يكفل للقاضي ممارسة وظيفة القضاء بحياديه ونزاهة، دون أية قيود أو تأثيرات أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة مهما كان مصدرها.
-ضمان مبدأ إستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
-الولاية الشاملة للسلطة القضائية للنظر في سائر الدعاوى والطعون ذات الصبغة القضائية.
-عدم جواز تدخل أي سلطة في أعمال السلطة القضائية.
-لا تمارس السلطة التنفيذية أية رقابة على الوظائف القضائية أو على المحاكم.
-لا يجوز للسلطة التنفيذية القيام بأي عمل أو تعطيل القيام بأي عمل يؤدي إلى استبعاد الحل القضائي لأحد النزاعات، أو يعيق التنفيذ السليم لقرار إحدى المحاكم.
-تحديد عمل القضاة وتعيين القضايا من المهام الداخلية التي يجب أن تقوم بها السلطة القضائية أو مجلسها الأعلى.
-لا يجوز نقل القضاة من دائرة إلى أخرى دون موافقتهم.
-يضمن القانون مدة وظيفة القضاة واستقلالهم وأمنهم وكفاية مرتباتهم، وظروف عملهم، إلى أن يبلغ القاضي سن التقاعد القانوني، وعلى الدولة أن تكفل مرتبه ومرتب التقاعد بما يكفل كرامته وكرامة أسرته، وألا يتم ملاحقة أي قاض، إلا بإذن من السلطة القضائية.
-عدم جواز تولي القاضي وظيفة تنفيذية أو تشريعية أو أي منصب سياسي أو حزبي.
ثانيا: المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ([13])
تعتبر هذه المبادئ من الإنجازات الرئيسية لمؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد في ميلانو بإيطاليا في شتنبر ودجنبر 1985 ، وقد دعا المؤتمر، الدول إلى اعتماد مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ضمن تشريعاتها الوطنية والإقليمية، الأساسية والعادية، وتم اعتماد هذه المبادئ بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 40/32 و40/146.
ومن أهم ما أوردته المبادئ الأساسية في شأن السلطة القضائية يمثله المبدأ 12، الذي أكد بأن القضاة يتمتعون، “سواء كانوا معينين أو منتخبين، بضمان بقائهم في منصبهم إلى حين بلوغهم سن التقاعد الإلزامية أو انتهاء الفترة المقررة لتوليهم المنصب، حيث يكون معمولا بذلك”، كما أن المبدأ 11 أكد على أن القانون يضمن “للقضاة بشكل مناسب تمضية المدة المقررة لتوليهم وظائفهم واستقلالهم، وأمنهم، وحصولهم على أجر ملائم، وشروط خدمتهم ومعاشهم التقاعدي وسن تقاعدهم” ([14])، كما تناولت المبادئ، موضوعات استقلال السلطة القضائية وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والمؤهلات والاختيار والتدريب للقضاة كتأكيد على المبادئ التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان شريطة مراعاة هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء.
ثالثا: مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء
ويتعلق الأمر بالمشروع الذي أعدته اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات المتفرعة عن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في الدورة الأربعين، الذي اعتمد إعلان مونتريال مع تنقيحه، وذلك بمقتضى قرار اللجنة الفرعية المتخذ في 3 شتنبر 1978. يشار إلى أن مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء لم يتم إقراره بعد من طرف مؤتمرات الأمم المتحدة، وهذا ما يتطلب النهوض به من طرف القضاة والمحامون.
رابعا: مبادئ بانجالور للسلوك القضائي(2002)
تم تبني مبادئ بانجالور للسلوك القضائي من قبل مجموعة النزاهة القضائية لرؤساء المجالس العليا للقضاء، خلال مائدة مستديرة عقدت بقصر السلام بلاهاي في هولندا في 26 نونبر 2002، والتي تم تحديدها في ستة مبادئ أساسية وهي: الاستقلال، والحياد، والنزاهة والملاءمة والمساواة، والكفاءة، والاجتهاد.
خامسا: مبادئ هابانا بشأن دور أعضاء النيابة العامة ([15]):
لقد أكدت مبادئ هافانا بأن قضاة النيابة العامة يضطلعون بأدوار حاسمة في إقامة العدالة، ولتحقيق هذه الغاية يتعين أن يكون أعضاء النيابة العامة من ذوي النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب ومؤهلات ملائمة ([16])، وأن يؤدوا مهامهم باستقلالية وتجرد ودون مضايقة أو تدخل في اختصاصاتها.
المبحث الثاني
استقلال القضاء واستقلال القضاة في التشريع
الدستوري والتشريع العادي
إن مبدأ استقلال القضاء يتعين أن يكون مصدره الدستور، وهو حق لكل مواطن، لأن الغاية من إستقلال القضاء، هو تأمين إستقلال العدالة ونجاعتها في المجتمع، وليس امتياز للقاضي. علما أن ظروف اشتغال القضاة في المغرب بمناسبة أداء وظيفتهم القضائية غير مأمونة في غياب نظام أساسي متطابق مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاء، ويبرز هذا الوضع من خلال دساتير 1962 و1970 و1972 و1992 و1996 التي اعتبرت جميعها بأن القضاء وظيفة، وليس سلطة، مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ([17]) بحيث خلت جميعها من الاعتراف للقضاء كونه “سلطة قضائية”. وهذا ما يلاحظ من مقتضيات القانون رقم 467-74-1 الصادر بتاريخ 11 نونبر 1974المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، سواء تعلق الأمر بقضاة الحكم أو قضاة النيابة العامة. بالمقابل فإن دستور يوليوز 2011، نص بما يضمن استقلال السلطة القضائية في الفصل 107 منه، بتنصيصه صراحة بأن ((السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية)). وتعززت هذه الاستقلالية أيضا بالفقرة الثانية من الفصل 107منه بتأكيدها أن ” الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية” وكذا بموجب الفصول 19 و56 و57 و86 و111 و113 و114 و115 و116 من الدستور المذكور.
ويفهم من ذلك أن الشرعية الدستورية هي الأصل والمبدأ، وسيادة القانون هي التزام سلطات الدولة باحترام المبدأ والتقيد به، وهذه المطابقة هي ما تعرف بالمشروعية وهي تتميز عن الشرعية. فاستقلال السلطة القضائية معيار أساسي في قيام الديمقراطية، وتأكيدا على مبدأ الفصل بين السلطات، بما يضمن انتخاب مجلس أعلى للسلطة القضائية يتمتع بالاستقلال المالي والمؤسساتي والإداري وهذا مناط القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
المطلب الأول: استقلال السلطة القضائية في التشريع الدستوري: الاستقلال العضوي
لقد تضمنت الدساتير المغربية (1962، 1970، 1972، 1992، 1996) مبادئ عامة، غير كافية لتأمين استقلال القضاء واستقلال القضاة. ويستخلص ذلك، بخلو تلك الدساتير جميعها من الإشارة والتنصيص بأن القضاء “سلطة”. واكتفت القول بأن “القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”. إن الاختلال الذي طبع التطور الدستوري في المغرب فيما يتصل بدسترة “السلطة القضائية” هو تبخيس من مركزها، بتنكره لمبدأ الفصل بين السلطات، أمام غياب توازن دستوري بين القضاء والسلطتين التشريعية والتنفيذية. علما أن الغاية من مبدأ الفصل بين السلطات، هو عدم تجميع السلطات وتركيزها في يد هيئة واحدة، بما يضمن قيام ديمقراطية حقيقية. وهذا ما يتطلب تأسيس سلطة قضائية مستقلة وقوية في مواجهة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لضمان سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.
إن المبادئ الأساسية للنظام القضائي المغربي المعلن عنها في تلك الدساتير، لم تمنع من إصدار قوانين ومراسيم مخالفة للشرعية الدستورية. وأهمها القانون رقم 467-47-1 الصادر بتاريخ 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة وتنظيم المجلس الأعلى للقضاء. هذا الوضع الدستوري في المغرب كانعكاس للسياسي، جعل السلطة القضائية “هيئة” دستورية بلا سلطة “فعلية”، عكستها أوضاع القضاء والقضاة، طيلة سنوات عديدة بفعل التدخلات الممنهجة للسلطة التنفيذية في أعمال القضاة، إلى حد التحكم في تدبير الملفات القضائية وغياب ضمانات استقلال المجلس الأعلى للقضاء. هذه الاختلالات الدستورية أنتجت إختلالات قانونية، تعكس أزمة المشروعية الدستورية والمشروعية القانونية في المغرب لمدة طويلة، اعتبارا لكون الشرعية القانونية مصدرها القانون، في حين أن الشرعية الدستورية مصدرها الدستور. علما أنه لا قيمة للشرعية الدستورية أو الشرعية القانونية ما لم يتم تأمين ضمانات قضائية كفيلة بحماية الحقوق والحريات ([18]). فكل إنكار على القضاء بأنه “سلطة قضائية” هو تمهيد للمساس باستقلال القضاء بتجريده من قوة الإلزام بعدم مساواته مع السلطتين التشريعية والتنفيذية ([19]). وهكذا يلاحظ بأن التطور الدستوري في المغرب شكل عائقا حقيقيا في تأمين استقلال السلطة القضائية، وهو ما انعكس على استقلالية القضاة في إصدار أحكامهم وفى حياتهم المهنية، هذا الاختلال الدستوري المتعلق بمركز السلطة القضائية، سيتم التحكم فيه وتوجيهه في دستور 2011 بالتأكيد في الفصل 107/ف1 “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية” والفصل 113/فقرة 2 أكد ” يضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمبادرة منه، تقرير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها” كما أن الفصل 116 الفقرة 2 “يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي”. لكن الارتقاء بالقضاء إلى سلطة قضائية بموجب دستور 2011 يتعين تكريسه على مستوى القوانين التنظيمية والعادية المقبلة.
المطلب الثاني: مقومات الاستقلال العضوي للسلطة القضائية
إذا كان مبدأ الفصل بين السلطات يكفل استقلال السلطة القضائية، عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالتنصيص عليه في دستور الدولة، إلا أن ذلك غير كاف لضمان استقلالية فعلية، بل يجب على الدولة أن تتخذ التدابير التشريعية والمؤسسية لتأمين استقلال القضاء عن البرلمان والحكومة، وفي هذه الحالة، نكون أمام عملية الاستقلال العضوي للقضاء الذي يمثله الاستقلال المالي والإداري والمؤسساتي للقضاء، وهي ضمانات أساسية في أي نظام سياسي، ملكي أو جمهوري، رئاسي أو برلماني.
إن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هيئة دستورية، وظيفته تم تحديدها بموجب الفصل 113 من الدستور، كما أن تشكيلته تم حصرها بموجب الفصل 115 من الدستور، الذي يقابله الفصل 65 من الدستور الفرنسي ([20]) لكن مع اختلاف واضح في الوظائف والتركيبة، بين المقاربة الدستورية المغربية والفرنسية، ففي الدستور المغربي نجد بأنه ينص في فصله 115 بأن الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم ([21])، فاستبعاد وزير العدل من تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لم يمنع من حفاظه على سلطة الرقابة على النيابة العامة، وهذا ما يتعارض مع المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية بما فيها تلك المتعلقة بالنيابة العامة. في حين أنه في فرنسا لم يعد رئيس الجمهورية يرأس المجلس الأعلى للقضاء (Le Conseil supérieur de la magistrature) بموجب التعديل الدستوري بتاريخ 23 يوليو 2008 الذي شمل التركيبة والاختصاصات، التي تولى تفصيلها القانون التنظيمي رقم: 830 -2010 ([22])، لكن بالمقابل حافظ على سلطة تعيين القضاة طبقا للفصل 13من الدستور والمادتين 26 و28 من مرسوم 22 دجنبر 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.
أولا: في أهمية الاستقلال الإداري والمالي والمؤسساتي
يعتبر هذا العنصر من الأركان الأساسية الكفيل بتوفير استقلال فعلي للسلطة القضائية. ومعناه استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. وفي هذا الإطار أكد المبدأ 1 من المبادئ الأساسية لاستقلال الهيئة القضائية بأنه “تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية، ويجب أن ينص عليه دستور البلد أو قوانينه، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية”. وأضاف المبدأ 7 ((من واجب كل دولة عضوا أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة))، ومن أجل تأمين ذلك، أورد دستور 2011، في فصله 116 فقرة 2 “يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي”، وهو المبدأ الذي لم يرد في الدساتير السابقة عنه. ويفهم من فصول الدستور بأن المحاكم هي التي تتولى وظيفة السلطة القضائية. كما نجد في التوصية رقمR (84) 12 ، الصادرة عن لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوربا بتاريخ10 يوليوز1998 . أكدت “أنه لا يحق لأي جهاز، غير المحاكم ذاتها، أن تتخذ قرارات بشأن ولايتها كما يحدده القانون ([23])”، وهذا ما يوافق المادة 6/36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، والمادة 32 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان (C E D H). إن واقع القضاء المغربي حاليا يخضع لهيمنة وزارة العدل، والتي تتمثل في الهيمنة على المجلس الأعلى للقضاء وتشكيله وتسييره واستقلاليته سواء على المستوى المؤسساتي أو على المستوى الإداري والمالي وهذا ما يتطلب إصدار قانون تنظيمي للسلطة القضائية يستجيب للمبادئ الأساسية الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية، ماليا وإداريا، وبشكل يطابق أيضا أحكام الدستور، بالتأكيد على الاستقلال المالي والإداري والمؤسساتي، مما يتعين معه وجوبا إدراج ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية في الميزانية العامة للدولة، وأن تسند وظيفة الآمر بصرف الميزانية إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ([24]) أي رئيس محكمة النقض. وهذا ما يستوجب أيضا استحداث منصب الأمين العام (secrétaire général) للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يتم تعيينه من القضاة اللذين قضوا عشر سنوات على الأقل من الخدمة الفعلية بظهير باقتراح مشترك للرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام بها ([25])، ويكون في هذه الحالة في وضعية الإلحاق لنفس المدة التي انتدب لها أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويمكن تجديدها لولاية ثانية.
وعليه فإن إعتماد هذه الأحكام في القوانين التنظيمية المقبلة سيمكن السلطة القضائية من إدارة شؤونها بنفسها في استقلالية كاملة عن وزارة العدل إداريا وماليا ومؤسساتيا، وذلك عن طريق توفير الموارد المالية للسلطة القضائية بإقرار ميزانية خاصة بها، منفصلة عن ميزانية وزارة العدل، للقطع مع الوضعية الحالية التي يميزها هيمنة وزارة العدل على القضاء والقضاة.
المطلب الثالث: استقلال القضاة في التشريع الدستوري والتشريع العادي: الاستقلال الشخصي أو الفردي
إذا كان الاستقلال العضوي ركن أساسي لاستقلال السلطة القضائية عن الحكومة والبرلمان، لكنه يبقى عمل غير كاف لتأمين هذه الاستقلالية، بل يتعين أيضا توفير ضمانات دستورية، وأخرى قانونية، تكفل استقلالية القضاة في أداء مهامهم. فالتعيين يجب أن يعتمد على معايير موضوعية أهمها: الكفاءة المهنية والنزاهة، بحيث لا يمكن اختيار قضاة بناء على أراءهم السياسية أو معتقداتهم الدينية ([26]). فكل تعيين أو عزل من قبل وزير العدل أو رئيس الدولة دون التشاور مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعتبر تعديا صريحا على استقلال القاضي ويعتبر من القرارات القابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء تطبيقا للفصل 118 ف 2 من الدستور، وبأنه خرق سافر للمواثيق الدولية (المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وهذه المعايير غالبا ما لا تتقيد بها السلطة التنفيذية، المتجلية في هيمنة الحكومة على القضاء بالمغرب. لذلك فكل تعيين يتولاه البرلمان أو الحكومة فيه مساس صريح باستقلال القضاء والقضاة. لأن التعيين يجب أن تتولاه هيئة مستقلة ([27]) وهي السلطة القضائية. والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان (C E D H)، بدورها أكدت على المبدأ المذكور بقولها ذلك لتثبت ما إذا كان يمكن وصف محكمة بأنها محكمة مستقلة، يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، طريقة تعيين أعضائها واختصاصهم ومدى وجود ضمانات تقيمهم الضغوطات الخارجية” ([28]). وهذه كلها معايير ومبادئ كاشفة لاستقلال السلطة القضائية من عدمها.
أولا: الضمانات الدستورية والقانونية لاستقلال القضاة
ويتعلق الأمر بالمقاربة التي تفيد بأن الأمر يتعلق باستقلال المحاكم اتجاه السلطتين التشريعية والتنفيذية كإطار مؤسساتي. ويشمل المفهوم أيضا استقلال القضاء اتجاه سائر العناصر الخارجية. وهذا النوع من الاستقلال، يعرف بالاستقلال الشخصي وهو نتيجة للاستقلال العضوي للقضاء.
إنه لا يمكن تصور استقلال شخصي للقضاة، دون وجود استقلال عضوي. فاستقلال القضاء، هو وسيلة لتحقيق النزاهة، وليس بغاية. علما أن نزاهة القضاء، هو حق للمتقاضي طبقا للمادة 6 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات، ففعالية القضاء مرتبطة باستقلال القاضي في أداء وظيفته القضائية بتجرد واستقلالية ([29])، وهي ما تكون مصدر ثقة لدى المتقاضين كضرورة اجتماعية واقتصادية لتأمين استقرار المعاملات وكمؤشر على قيام الأمن القضائي.
إن ما يقوض أسس قضاء مستقل ونزيه، هو التعليمات والتأثيرات المختلفة التي تروم عدم تطبيق القانون. فغياب الاستقلال المؤسساتي حاضر بقوة في الحياة القضائية المغربية، والذي يعكس مدى المساس بمبدأ الفصل بين السلطات، وغياب الشفافية داخل السلطة القضائية، بدءا بشروط وكيفية ولوج القضاة للحياة المهنية، ورسم حقوقهم وواجباتهم، وكذا القواعد التي تحكم مسارهم المهني ونظامهم التأديبي.
إن تحرير القضاة من وصاية وزير العدل والسلطة التنفيذية هو مدخل أساسي لاستقلال القضاء والقضاة، اعتبارا لأن لاستقلال القضاء مفهومين: عضوي وشخصي، فالعضوي هو استقلال القضاء كسلطة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، والشخصي هو استقلال القاضي شخصيا عن أية تأثيرات مهما كان مصدرها.
يلاحظ بأن مبدأ استقلال القضاة يصطدم بمنظومة قانونية تقليدية تتعارض مع الشرعية الدستورية الحالية ومع المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال القضاء، وكذا بفعل وجود ممارسات سلطوية تحول دون تطوير مرفق القضاء وتعزيز استقلاليته ومن أهم القوانين التي تقتضي المراجعة هي: ظهير بمثابة قانون رقم: 1.74.467 بتاريخ 26 شوال 1394 موافق 11 نونبر 1974 يكون النظام الأساسي لرجال القضاء ([30]) كما تم تعديله.
الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338، بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 15يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة كما تم تغييره وتتميمه ([31]).
مرسوم رقم 2.75.174 بتاريخ ربيع الأول 1395 (8 أبريل 1975 بتحديد ترتيب درجات رجال القضاء وأرقامها الاستدلالية وأجور الملحقين القضائيين كما تم تغييره وتتميمه ([32]).
مرسوم رقم 2.05.178 صادر في 22 من ربيع الأول 1427 (21 أبريل2006 ) بتحديد شروط المشاركة في مباراة الملحقين القضائيين وبرنامج الاختبارات وتنقيطها وكدا الإجراءات المتعلقة بامتحان نهاية تدريب الملحقين المذكورين ([33]).
المرسوم 2.75.882 المؤرخ في 20 ذي الحجة 1395 الموافق ل 23 دجنبر 1975 المتعلق بانتخاب ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى القضاء كما تم تعديله وتتميمه.
المرسوم رقم 2.75.883 بتاريخ 20 ذي الحجة 1395 (23 دجنبر 1975) يحدد شروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة إلى الرتبة.
إن القوانين المذكورة تؤثر بشكل سلبي على استقلال القضاء والقضاة، لكونها تحد من فعالية وظائف السلطة القضائية، أمام هيمنة وزارة العدل على مسلسل اختيار القضاة وتعيينهم وترقيتهم وتأديبهم. يضاف إلى ذلك، الهيمنة على المجلس الأعلى للقضاء والتحكم في انتخاب أعضاءه وتحديد تاريخ الانتخاب، عدد مكاتب التصويت، الدوائر، تحضير لوائح الناخبين وتعليقها، البث في الطعون، تعيين أعضاء مكاتب التصويت باقتراح من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام بها.
هذه القيود القانونية تعتبر بمثابة معوقات حقيقية، لكونها لا تضمن للقضاة شروط عمل مناسبة في أداء وظائفهم، بشكل يؤمن استقلالهم، خاصة أمام رواتب هزيلة، لا تكفل لهم حياة كريمة ولأسرهم إلى حين بلوغ سن التقاعد.
ويلاحظ من مقتضيات النظام الأساسي للقضاة بأن وزير العدل هو من يحصر سنويا لائحة الترقي بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء (الفصل23 )، ويمكنه دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للقضاء انتداب قاض أو أكثر عند الحاجة لملأ فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة بإحدى المحاكم لمدة ثلاثة أشهر في السنة (الفصل 57)، كما يجوز لوزير العدل أيضا ودون استشارة المجلس الأعلى للقضاء توقيف قاض حالا عن مزاولة مهامه في حالة ما إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما. ويمكن أن يشمل التوقيف عدم صرف الراتب طيلة مدة التوقيف (الفصل 62). كما بإمكانه إصدار عقوبات تأديبية من الدرجة الأولى، كالإنذار والتوبيخ، بالتأخير من رتبة إلى رتبة أعلى لا يتجاوز سنتين، وذلك بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء. وله أيضا تمديد سن التقاعد للقضاة فوق 60 سنة، لمدة سنتان قابلة للتجديد مرتين لنفس المدة، بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء.
المبحث الثالث
النيابة العامة بين التبعية والاستقلالية
إن قضاة النيابة العامة ([34]) في التشريع المغربي هم قضاة مثل قضاة الحكم لهم حقوق وعليهم واجبات، مطالبون بتطبيق القانون معا، أضف إلى ذلك أن قضاة النيابة العامة ملزمون بتنفيذ السياسة الجنائية تحت إشراف السيد وزير العدل الذي يتولى تصريفها عبر الوكلاء العامين للملك طبقا للفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية. علما أن تنقيط الوكلاء العامين هو من اختصاص وزير العدل طبقا للفصل 3 من مرسوم 1975/12/23 والنيابة العامة في النظام القانوني المغربي تخضع إلى سلطة وزير العدل، الذي يتولى إصدار تعليماته إلى الوكلاء العامين إما كتابيا أو شفهيا، بحيث لا يوجد ما يمنع ذلك، إلا أنه تم التنصيص صراحة بمقتضى دستور2011 ، الذي قرر وجوب إصدار تعليمات كتابية، وأن تكون مطابقة للقانون، ويفهم من ذلك، أن التعليمات الكتابية المخالفة للقانون لا تلزم أعضاء النيابة العامة بالنظر إلى كونهم مطالبون بتطبيق القانون وتمثيل المجتمع (الفصل 110 من الدستور) لكن هذا قد يعرضهم للمساءلة القانونية، وعليه فإذا كان قضاة النيابة العامة هم جزء من القضاء، فإلى أي حد يعتبر مركزهم القانوني كجهة تابعة لوزير العدل (السلطة التنفيذية) مراع للمبادئ الدولية الأساسية بشان استقلال السلطة القضائية والقضاة، أم أن هذه التبعية تقويض للاستقلالية، وتجعل من قضاة النيابة العامة مقيدين بتعليمات وزير العدل، هذا الوضع لم يعد محل اجماع الفقه، قسم منه يدعو إلى استقلال النيابة العامة عن وزير العدل، نظرا لما تلك التبعية من مساس بمبدأ فصل السلطات وروح استقلال السلطة القضائية عضويا وشخصيا، وبالتالي فإن سلطة الإشراف يجب أن تنتقل إلى الوكيل العام لمحكمة النقض وهو التأويل الذي يجد سنده في دستور 2011، في حين أن القسم الآخر من الفقه لا يؤيد هذا الاتجاه، ويعتبر بأن تبعية النيابة العامة لوزير العدل لا تشكل بأي حال من الأحوال مساسا باستقلال السلطة القضائية اعتبارا لكون وزير العدل لم يعد عضوا في تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفي المقابل ليس في الدستور ما يمنع وزير العدل من مراقبة النيابة العامة، مما يفتح الباب لسائر التأويلات الممكنة بين مؤيدة لتبعية النيابة لوزير العدل أو استقلاليتها عنه وتبعيتها للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
حقا إن دستور 2011 بوأ القضاء مركز السلطة القضائية، وهذا ما يقتضي وجوبا بأن تصدر القوانين التنظيمية بشكل يعكس روح الدستور وبما لا يتعارض مع مقتضياته، خاصة ما تعلق منها بالقانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء. لقد عرف المغرب مؤسسة النيابة العامة لأول مرة بموجب ظهير 1913/08/12 وقانون المسطرة الجنائية في 1959 إلى أن تم إصدار ظهير 15/07/1974، الذي قنن جهاز النيابة العامة وفقا لما هو سائد حاليا في المنظومة التشريعية المستنبطة من التشريع الفرنسي الذي عرف مؤسسة النيابة العامة منذ القرن الثالث عشر، وحافظ النظام الفرنسي على تبعية النيابة العامة لوزير العدل رغم الانتقادات الموجهة في هذا الإطار، لأن تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية في فرنسا اعتبرته المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قضيتي ميد فيديف (Medvedyev) ومولان (Moulin) الصادر بشأنهما القرارين على التوالي في: 2010/03/29 و2011/11/20 واللذان اعتبرا بأن تبعية النيابة للسلطة التنفيذية يفيد عدم توفرهم على ضمانات الاستقلال والحياد. وهو المبدأ الذي أكدته محكمة النقض الفرنسية في القرارين المؤرخين في: 2010/10/15 و 2011/11/18. فتبعية قضاة النيابة العامة لوزير العدل يؤثر على مركزهم كقضاة وفقا للفصل 5 فقرة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إذن فالإشكال المرتبط بالنيابة العامة، يتمثل في كونها جزء من السلطة القضائية أم امتداد للسلطة التنفيذية فيما يتصل بالقرارات الصادرة عنها حتى وإن كانت قرارات قضائية بالنظر إلى تبعيتها لوزير العدل الذي يتولى تطبيق السياسة الجنائية، هذه التبعية مثيرة للجدل يصعب على النيابة العامة تحقيق عدالة جنائية عادلة ومنصفة للمجتمع، خاصة وأن قضاة النيابة العامة يخضعون لإدارة ومراقبه رؤسائهم التسلسليين تحت سلطة وزير العدل، وعلى خلاف ذلك فقضاة الحكم (Magistrats de siége) مستقلون وغير قابلين للعزل Indépendants et inamovibles الأمر الذي يكون معه قضاة النيابة العامة ملزمون بتنفيذ تعليمات وزير العدل ولا حق لهم في مخالفتها بالنظر إلى ما قد يعرضهم ذلك لمتابعات تأديبية، وهذا الوضع قد يطرأ في القضايا السياسية والجنائية بتقرير المتابعة من عدمها. حتما يجب أن يخضع تعيين ونقل قضاة النيابة العامة لنفس المبادئ المطبقة على قضاة الحكم، فالسلطة الرئاسية لا يجب أن تكون هي سلطة التعيين أو التسمية وألا يحق لوزير العدل إصدار تعليمات بعدم المتابعة Les instructions de non poursuite.
المطلب الأول: النيابة العامة في التشريع العادي
إن تبعية النيابة العامة لوزير العدل في النظام القانوني المغربي أمر قائم، استنادا إلى الفصل 56 من قانون 11/11 / 1974 المعتبر بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء، الذي نص صراحة بأنه “يوضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل ومراقبة وتسيير رؤسائهم الأعليين”، وهو المبدأ الذي تم التأكيد عليه في المادة 81 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص بأنه ” يشرف وزير العدل على تنفيذ السياسة الجنائية، ويبلغها إلى الوكلاء العامين للملك الذي يسهرون على تطبيقها.
وله أن يبلغ إلى الوكيل العام للملك ما يحصل إلى علمه من مخالفات للقانون الجنائي، وأن يأمره كتابة بمتابعة مرتكبيها أو يكلف من يقوم بذلك، أو أن يرفع إلى المحكمة المختصة ما يراه الوزير ملائما من ملتمسات كتابية). يلاحظ من المقتضيات القانونية المذكورة، أن النيابة العامة، تخضع لسلطة وزير العدل، وتتقيد بواجب احترام التسلسل الترتيبي الذي يلزم قضاة النيابة العامة الامتثال لتعليمات رؤسائهم المباشرين، وهو الأمر الذي تم التشديد عليه في المادة 38 من قانون المسطرة الجنائية التي أوردت بأنه ” يجب على النيابة العامة أن تقدم ملتمسات كتابية، طلبا للتعليمات التي تتلقاها ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة51 ، وهي حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة”.
وعليه يستخلص بأن قاضى النيابة العامة ملزم بتطبيق تعليمات رؤسائه المباشرين ولا يجوز له بأي حال من الأحوال مخالفتها، لأنه عند عدم التقيد بها قد يعرضه ذلك للمتابعة التأديبية، وهذا على خلاف التعبير عن وجهة النظر الشفهية خلال المرافعات عملا بالقاعدة أن: la plume est serve mais la parole est libre . إن قانون المسطرة الجنائية والنظام الأساسي لرجال القضاء والقانون رقم 1.74.338 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة وكذا القوانين الإجرائية الجنائية والمدنية المعمول بها في المنظومة القضائية كتشريع عادي، يؤشر صراحة على تبعية قضاة النيابة العامة لوزير العدل، وهو ما يشكل مساسا بمبدأ استقلالية السلطة القضائية، التي تعتبر النيابة العامة جزء منها بوصفها هيئة قضائية، علما أن التبعية لوزير العدل كسلطة حكومية تنفيذية تختلف عن تبعية قضاة النيابة العامة في إطار العمل بمبدأ التسلسل الرئاسي، في الحالة الأولى، تكون النيابة العامة في وضعية التبعية للسلطة التنفيذية في شخص وزير العدل، الذي يملك سلطة الإشراف على وضع وتطبيق السياسة الجنائية التي رسمتها الحكومة في برنامجها وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 93 من الدستور، الذي أكد بأن الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي، ووزير العدل بهذه المناسبة ينفرد بالسياسة الجنائية دون إشراك السلطة القضائية.
وهذا التوجه فيه نوع من الاحترام لمبدأ فصل السلطات، على الرغم من أنه فيه مساس باستقلالية النيابة العامة الذي يجعل من استقلال السلطة القضائية على المحك أخذا بعين الاعتبار، أن المركز الدستوري لوزير العدل، يختلف عن المركز الدستوري لقضاة النيابة العامة، فيما يتصل بشرعية الانتداب التي تقوم على الانتخاب بالنسبة لوزير العدل كممثل للأغلبية الحكومية تناط به وظيفة تدبير قطاع العدل، في حين أن قضاة النيابة العامة هم قضاة تحكمهم مقتضيات قانونية تختلف عن قضاة للحكم وعن وزير العدل وبالتالي فإن أمر إسناد رئاسة النيابة العامة للوكيل العام للملك لدى محكمة.
النقض وانفصالها عن وزير العدل، يطرح مسألة مصدر الشرعية في التمثيلية، وهو الأمر الذي يستدعي وجوبا بأن يتم التكليف لمنصب الوكيل العام لمحكمة النقض أن يستند إلى مبدأ الانتخاب، وهو ذات المبدأ الذي يجب أن يحكم منصب الرئيس الأول لدى محكمة النقض هذا ما يقتضي بالضرورة إصدار القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية والنظام الأساسي لرجال القضاء بما يتلاءم مع هذا الاتجاه وتجدر الإشارة إلى أن السلك القضائي في المغرب يشتمل على هيئة واحدة ([35]).
تتألف من قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة والقضاة الذين يمارسون مهامهم بالإدارة المركزية لوزارة العدل والحريات ([36]).
في التشريع الفرنسي، نجد بأن مركز قضاة النيابة العامة لا يختلف عن مثيلتها المغربية، بحيث أن الفصل 30 وما بعده من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية يضع وكيل الجمهورية تحت سلطة وزير العدل وبأن تكون طلباتها(réquisitions) كتابية بشكل يوافق تلك التي صدرت عن وزير العدل، بحيث يجوز لهذا الأخير إصدار تعليمات كتابية إلى الوكيل العام يأمره بفتح متابعة هذا الوضع يشكل بوضوح تبعية النيابة العامة لوزير العدل في النظام القانوني الفرنسي، هذه التبعية التسلسلية اعتبرتها محكمة النقض الفرنسية في توجه سابق بأنها لا تأثير لها على وكيل الجمهورية Procureur de magistrat لكونه قاض (magistrat) من صلاحيته ممارسة وظائف قضائية طبقا لمفهوم المادة 5 ف 3 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، هذا الموفق سيعاد فيه النظر من طرف محكمة النقض الفرنسية بعد صدور قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 10 يوليوز 2008 و23 نونبر 2010 في قضية مدفيدف ومن معه ضد فرنسا (Medvedyev et autres C / France) ([37]).
وأعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق للإنسان بهذا الصدد بأن وكيل الجمهورية ليس “سلطة قضائية” تبعا لاجتهاد هذه المحكمة بشأن المفهوم المذكور، بالنظر إلى عدم استقلاليته اتجاه السلطة التنفيذية.
المطلب الثاني: النيابة العامة في التشريع الدستوري
إن النظام القانوني الذي يحكم قضاة النيابة العامة يتميز بخصائص غير مألوفة في سير عمل قضاة الحكم أو القضاء الجالس، ويعبر عنها بأنها نوع من نظام خاص، يتمظهر في وحدة النيابة العامة، تسلسل جهاز النيابة العامة وفي استقلال النيابة العامة أو في تبعيتها للسلطة التنفيذية، علما أن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية في التشريع الدستوري المغربي، لذلك فهي تبعية قضائية للسلطة القضائية، لكن استقلال السلطة القضائية يختلف عن استقلال قضاة النيابة العامة، في الحالة الأولى نكون أمام استقلال القضاء كسلطة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفى الحالة الثانية نكون أمام مأزق الاستقلالية القضائية والتبعية الإدارية لوزير العدل. هذا الوضع يخل باستقلال السلطة القضائية، وهو الاتجاه الذي تأخذ به العديد من الدول كالمغرب وفرنسا وإيطاليا ومصر ومعظم الدول العربية حتى ولئن كانت مجالس السلطة القضائية في الدول المعنية، هي من تقترح تعيين وترقية القضاة وأعضاء النيابة العامة، في حين أن وزير العدل يتولى تنفيذ قراراتها، هذه الإشكالية المتمثلة في تبعية أو استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية سنتولى مناقشتها من خلال المرجعية الدستورية التي أكدت على مبدأ استقلال القضاء ([38]) ومبدأ الفصل بين السلطات، وضمان سيادة الشرعية الدستورية واحترامها وهو ما يتطلب إصدار قوانين يجب أن تتسم بالشرعية المطابقة لروح الدستور، وهذا ما يقتضي قيام سلطة قضائية مستقلة، وقضاة مستقلون لضمان سيادة القانون ([39]). إن بداية دسترة النظام السياسي في المغرب كانت مع دستور 1962 كأول وثيقة رسمية تتضمن مبادئ ومؤسسات تقابل تلك المألوفة في دساتير الدول الغربية الذي تم التأكيد فيه على مبدأ الفصل بين السلطات ضمن نسق خاص، لم يتم الإعلان فيه بأن للقضاء سلطة ([40])، وهو ذات المبدأ، الذي تم تأكيده في دساتير 1970 و1972 و2 199 و1996، ويستخلص من الدساتير المذكورة أنها لم تتضمن الإشارة إلى المركز القانوني لقضاة النيابة العامة، والاستثناء هو ما أورده دستور 2011 في الفصل 110 ف 2، عند تنصيصه بأنه “يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها ” من الملاحظ أن التشريع الدستوري المغربي لم يحدد صراحة من هي السلطة التي يخضع لها قضاة النيابة العامة، الأمر الذي سيفتح الباب لسائر التأويلات، بحيث أن التبعية، قد تكون لوزير العدل، أو الوكيل العام لدى محكمة النقض، وفي كلتا الحالتين ليس في النص الدستوري المذكور ما يحول دون تبني هذه الفرضية أو تلك لإتسامهما بالمطابقة مع الدستور، وما يعزز هذه النظرية التأويلية، هو استثناء قضاة النيابة العامة من مشمولات الفصل 108، الذي يقابله الفصل 64 ف 4 من الدستور الفرنسي، ويفهم من ذلك أنه على عكس قضاة الحكم، فقضاة النيابة العامة قابلون للعزل والتنقيل، وهو الأمر الذي قد يتولاه وزير العدل أو الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أو السلطة القضائية.
فالتنصيص في الفصل 106 من الدستور المغربي، بأنه يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، إن المقتضى المذكور لا يشمل قضاة النيابة العامة، بل ينطبق على قضاة الحكم أو الأحكام، وهذا عكس ما قد يقول به بعض من الفقه الدستوري، لأن التعليمات تعني قضاة النيابة العامة التي قد تصدر إما عن وزير العدل وإما عن الوكيل العام لدى محكمة النقض، وعلى خلاف التبعية التسلسلية للوكيل العام التي ليست محل تعارض مع مبدأ استقلال السلطة القضائية، فإنه عند إعمال مبدأ التبعية لوزير العدل سنكون حتما أمام حالة المساس باستقلال السلطة القضائية، بالنظر إلى كون وزير العدل هو ممثل السلطة التنفيذية، ومركزه السياسي فيه تأكيد على تبعية قضاة النيابة العامة وهذا ما يقوض استقلاليتهم ز كقضاة ز مقارنة مع زملائهم في القضاء الجالس وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 107 من الدستور الذي نص صراحة بأن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”، لذلك فتبعية النيابة العامة لوزير العدل فيها تعارض مع الفصل 107 من الدستور الذي كرس مبدأ الفصل بين السلطات، علما أن النيابة العامة بمناسبة ممارستها سلطة الاتهام يجب أن لا تخضع للتعليمات الخارجية (أي تعليمات وزير العدل) بل للتعليمات الداخلية ضمن آلية التسلسل الرئاسي، وانسجاما مع مبدأ الاستقلال العضوي للسلطة القضائية والاستقلال الشخصي للقضاة، علما أنه من المعلوم قضاء، أن الأصل في النصوص الدستورية أنها تعتمد في كليتها وشموليتها بالنظر إلى الترابط القائم بينها، وهو المبدأ الذي أكدت عليه المحكمة الدستورية العليا في مصر في العديد من أحكامها ([41])، أي أنه يؤخذ بأحكام الدستور في مجموعها ضمن منطق التكامل الذي يجب أن يحكمها، وفيما يتعلق باستقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة أكد الدستور المصري لسنة1971 في المادة 165 بأن ((السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون” ([42]). ولقد اعتبر الفقه الدستوري أيضا، بأن النيابة العامة في مصر ولئن كانت تتولى مهام سلطة الاتهام وسلطة التحقيق المستمدة من الدستور في المادة 44 منه )دستور سنة 1971)، فإن ذلك يفقدها مركزها القانوني كجهة قضائية لها الحصانة والضمانات المقررة لقضاة الحكم وذلك بموجب القانون رقم 35 لسنة 1984، المتعلق بالسلطة القضائية الذي أكد بأن النيابة العامة شعبة أصيلة من شعب السلطة القضائية.
وخلافا لمركز النيابة العامة في النظام الدستوري المصري، فإنه بالنسبة للنيابة العامة في المغرب، يستخلص من الفصول 108 و109 و110 و111 من دستور 2011 للمملكة المغربية، نوع من الغموض من حيث تحديد الجهة التي ستتبع لها النيابة العامة، وزير العدل أم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهو الأمر الذي سيتولى تفصيله القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية، علما أن الدستور استثنى صراحة قضاة النيابة العامة من حصانة النقل والعزل في فصله 108، وهو ما يعني حصر هذه الحصانة بالنسبة لقضاة الأحكام دون سواهم. إن استثناء قضاة النيابة العامة من حصانة النقل والعزل بمقتضى دستوري سيصعب معه في القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية المقرر إصداره، إسناد سلطة الإشراف على النيابة العامة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهذا التأويل هو دستوري في نظرنا، استنادا إلى فصول الباب السابع من الدستور المتعلق بالسلطة القضائية واستقلال القضاء، التي فيها نوع من عدم ضمان استقلالية النيابة العامة، بالنظر إلى غياب شروط أساسية لتحقيق ذلك من أهمها:
- مبدأ الفصل بين السلطات
- مبدأ عدم عزل ونقل قضاة النيابة العامة.
المبحث الرابع
مركز النيابة العامة في الاجتهاد القضائي
لم تتردد بعض المحاكم في إبداء رأيها وتعريفها للمركز القانوني للنيابة العامة الذي تتبوؤه في التشريعات المقارنة، كنوع من التفسير للنصوص التشريعية الذي يتوخى منها تحقيق العدالة، وعدم تضارب الأحكام، خاصة في ظل نظام قضائي موحد، يشكل فيه قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة هيئة قضائية واحدة. فإذا كان التشريع الدستوري قد فوض القانون في تحديد ماهية السلطة القضائية واختصاصاتها وشروط تعيين أعضائها ونقلهم، فإن ذلك القانون يجب أن يصدر بشكل مطابق لروح الدستور وأن يعكس التقيد بمبدأي فصل السلطات واستقلال السلطة القضائية، علما أن الدستور لم يبين بالتحديد ما يجب أن تكون عليه السلطة القضائية، بل فوض ذلك للقانون ليتولى التفاصيل كتشريع عادي تنفيذا لتوجهات الدستور الذي قرر صراحة بأن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه للتثبت مما إذا كان يمكن وصف محكمة بأنها محكمة مستقلة (المادة 6 ف1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان) يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار طريقة تعيين أعضائها واختصاصهم ومدى وجود الضمانات التي تقيهم الضغوطات الخارجية، ومسألة ما إذا كانت المحكمة تتسم بالاستقلال المفترض ([43]).
ولقد اعتبرت المحكمة المذكورة، في قرارها الصادر بتاريخ 29 مارس 2010 في قضية مدفيدف ومن معه ضد فرنسا (Medvedyev et autres) بأن وكيل الجمهورية في النظام القانوني الفرنسي يتسم بالتبعية للسلطة التنفيذية الأمر الذي يفقده صفة “السلطة القضائية” وهو ما يشكل خرقا لأحكام المادة 5 الفقرة 3 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان ([44])، وهو ذات المبدأ الذي أكدت عليه المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قرارها الصادر بتاريخ: 23 نونبر 2010 في قضية مولان (Moulin) ضد فرنسا ([45])، الذي شددت فيه على غياب مركز السلطة القضائية بالنسبة لوكيل الجمهورية تطبيقا للمادة 5 الفقرة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تلزم فرنسا باحترام مقتضياتها وبملائمة تشريعاتها معها بما يضمن استقلال وحياد النيابة العامة عن السلطة التنفيذية مضيفة بأن تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية يفقدها استقلاليتها وهو معيار جوهري في تحديد الانتماء للسلطة القضائية تأكيدا على مبدأ فصل السلطات، بحيث لا يمكن تصور تبعية النيابة لوزير العدل والقول بانتمائها للسلطة القضائية لأن التبعية للسلطة التنفيذية معناه غياب الاستقلالية في السلطة الأصلية التي تتبع لها وهي السلطة القضائية، هذه الثنائية بين التبعية والاستقلالية للسلطة التنفيذية أو السلطة القضائية توصف معها وضعية النيابة العامة بأنها هجينة (hybride) بالنظر إلى كونها غير مريحة لأعضائها ومقلقة للمتقاضين.
المطلب الأول: أثر الاجتهاد القضائي على توجه القضاء والتشريعات فيما يتعلق
بمركز النيابة العامة
إنه من المعلوم أن قرارات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان ملزمة للدول الأعضاء احتراما لمبدأ الإلزام الذي تمليه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي يتعين التقيد بأحكامها، ومطابقة تشريعاتها الوطنية مع مقتضياتها، لأن المحكمة المذكورة تمارس نوعا من الرقابة على أحكام المحاكم الوطنية بعد صيرورتها نهائية باستنفاذ وسائل الطعن الداخلية، وتتولى لجنة وزراء المجلس الأوروبي السهر على تنفيذ القرارات التي تصدرها، تطبيقا للمادة 46/ف 2من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو ذات المبدأ المقرر لمجلس الأمن الذي يضطلع بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية بناء على المادة 94 ف 2 من ميثاق الأمم المتحدة.
لذلك فأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واجبة الاحترام، وهو ما يستدعي من الدول الأعضاء أن تلائم تشريعاتها واجتهاد محاكمها مع ما تعلنه المحكمة المذكورة من مبادئ في قراراتها ([46]).
فالمحاكم الوطنية والتشريعات الوطنية، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار ما تصدره المحكمة من قرارات بصفة تلقائية، وهو الموقف الذي تبنته المحكمة الفدرالية السويسرية ([47]) وكذا محكمة النقض البلجيكية. فرنسا بدورها لم تخرج عن المبدأ ولو بشكل تدريجي، بفعل تأثير اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على القضاء الفرنسي، وعلى تشريعها الوطني، بعد أن اعتبرت محكمة النقض ([48]) وكذا مجلس الدولة ([49]) بأن قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ليست لها قوة الشيء المقضي به وليس لها تأثير مباشر على القانون الوطني، وعلي خلاف محكمة النقض ومجلس الدولة، لم يتجاهل المجلس الدستوري أهمية الاجتهاد الأوروبي في الإنتاج التشريعي الفرنسي بالتوجيه لاتخاذ تدابير الملائمة ([50]) وإن اقتضى الأمر إجراء تعديل دستوري من أجل تغيير النظام القانوني للنيابة العامة وهو ذات الموقف عبرت عنه اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان Commission nationals consultative des droits de l’homme (C N C D H) وبمناسبة مراجعة قانون المسطرة الجنائية مؤكدة بأن ضمانات استقلال النيابة العامة يجب تقريرها، فمن جهة بأن يكون التعيين بناءا على اقتراح من طرف المجلس الأعلى للقضاء، ومن جهة أخرى، إلغاء النصوص التي تتضمن التعليمات الفردية ([51])، فطبقا للفصل 1 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، يعتبر قضاة النيابة العامة جزء من الهيئة القضائية، والمجلس الدستوري أكد في قراره الصادر بتاريخ 21 فبراير 1992 على وحدة الهيئة القضائية Unité du corps judiciaire ([52]).
وهو ذات المبدأ الذي أورده في قراره الصادر حديثا بتاريخ 6 ماي 2011، مبرزا بأن السلطة القضائية تتألف من قضاة الحكم والنيابة العامة ([53])، لكن قضاة النيابة العامة، في نظر المجلس الدستوري الفرنسي، لا يشملهم مبدأ عدم العزل أو النقل، اسوة بقضاة الحكم، كما ورد في قراره الصادر بتاريخ 21 فبراير 1992 ([54]).
وعليه فإن تأكيد المجلس الدستوري على مبدأ استقلالية قضاة النيابة العامة كمبدأ دستوري، لم يرافقه تمتيعهم بذات الحقوق المقررة دستوريا لقضاة الحكم، مما يعني صراحة بأن جهاز النيابة العامة لا يتمتع بمقومات الاستقلالية لتبعيته الصريحة لسلطة وزير العدل، وهو الوضع الذي ينطبق على النيابة العامة بالمغرب، لأنه لا يكفى القول بأن قضاة النيابة العامة جزء من الهيئة القضائية أو السلطة القضائية، ليكونوا في مركز يتميز بعدم التبعية، بل أن العكس هو السائد في النظامين القانونين المغربي والفرنسي، لذلك فإن تأويل المجلس الدستوري الفرنسي لم يتبنى مقاربة حقوقية، بل اعتمد منطق الدستورانية، وهو ما لا يتماشى مع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الصادرة سنة 2010 في قضيتي مدفيدف Medvedyev ومولانMoulin ، التي اعتبرت صراحة بأن وكيل الجمهورية ليس بسلطة قضائية بالنظر إلى عدم استقلاليته عن السلطة التنفيذية.
لكن وعلى عكس تأويل المجلس الدستوري، تراجعت محكمة النقض عن اجتهادها السابق معلنة في قرارها الصادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ: 15 دجنبر 2010، استنادا إلى المادة 5 ف 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بأن النيابة العامة ولئن كانت جزء من السلطة القضائية طبقاً للمادة 5 ف 3 من الإتفاقية المذكورة، لكنها لا تتوفر على ضمانات الاستقلالية والتجرد، مما يجعلها طرفا تابعا ([55]) للسلطة التنفيذية.
إن السلطة القضائية وفقا للتشريع الدستوري، هي إحدى سلطات الدول الثلاث التي تقوم على ولاية القضاء وتستقل بشؤون العدالة في مقابل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهذا يستلزم بأن تكون النيابة العامة مستقلة عن السلطة التنفيذية وبأن لا تكون تابعة لوزير العدل، وهو الاتجاه الذي تبناه المشرع المصري بتعديله لقانون السلطة القضائية بالقانون رقم 142 لسنة 2004، الذي قرر إلغاء تبعية النيابة العامة لوزير العدل، وهو المبدأ الذي يعكس استقلالية القضاء عضويا وشخصيا، على خلاف ما هو عليه الوضع في النظامين القانونيين الفرنسي والمصري الذي لا يطابق المبادئ الدولية الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية والقضاة التي تم الإعلان عنها في العديد من مؤتمرات الأمم المتحدة، ومن أهمها تلك الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 المادة 10 وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 (المادة 14 وفي مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة) ([56]) (الإعلان العالمي لاستقلال العدل في مونتيربال سنة 1983 ، وفي المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية) ميلانو بإيطاليا سنة 1985 ، وفي مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء، وفى مبادئ بانجالور للسلوك القضائي (2002).
[1] محمد الرضواني، المفاهيم الأساسية للقانون العام، دار القلم، الرباط، 2007، ص. 95.
[2] Jean Claude ZARKA, Introduction au droit constitutionnel, Ellipses, Paris, 2003, p. 83.
[3] عبد الكريم علوان، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2006، ص. 218.
[4] المصطفى قاسمي، القانون الدستوري الحديث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004، ص. 4.
[5] محمد زين الدين، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2011، ص. 162-163.
[6] V. Georges Burdeau, François Hamon-Michel et Michel Troper, Droit constitutionnel
L. G. D. J, Paris, 1995, p 103.
[7] أمحمد مالكى، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2001، ص. 262.
[8] راجع الفصل 75 من دستور ,1970 الفصل 76 من دستور ,1972 الفصل 85 من دستور ,1992 والفصل 82 من دستور 1996.
[9] راجع مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية من النقطة الثامنة إلى النقطة العشرين، اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في ميلانو من 26 غشت إلى 6 دجنبر 1985 التي تم اعتمادها بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/32 المؤرخ في 29 نونبر 1985 و146/40 المؤرخ في 13 دجنبر 1985.
[10] اعتمدته الجمعية العامة الأمم المتحدة وأعلنته بموجب القرار رقم 217أ (د-3) المؤرخ في 10 دجنبر 1948.
[11] اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار 2200 (ألف د-21) المؤرخ في 16 دجنبر ,1966 تاريخ بدأ النفاذ، 23 مارس 1976 طبقا للمادة 49. راجع أيضا الفقرتين و19 و20 من التعليق على المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من طرف لجنة حقوق الإنسان في ملاحظتها العامة رقم 32.
[12] يحى الرفاعى، تشريعات السلطة القضائية معلقا على نصوصها-ملاحق الطبعة الثانية-مكتبة رجال القضاء-ص 179 وما بعدها.
[13] اعتمدته الجمعية العامة الأمم المتحدة وأعلنته بموجب القرار رقم 217 أ (د-3) المؤرخ في 10 دجنبر 1948.
[14] نفس الوثيقة المبدأ 11.
[15] مبادئ توجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في هافا نا من 27 غشت إلى 7 شتنبر 1990.
[16] راجع النقط 6 و7 و8 و9 و12 و13 و14 و16 و17 و18 و19 من المبادئ التوجيهية بشان دور أعضاء النيابة العامة.
[17] محمد الإدريسي العلمى المشيشي، استقلال القضاء وفصل السلط، مجلة الإشعاع، العدد 2، السنة الأولى، دجنبر ,1989 ص. 28.
[18] احمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص 239.
[19] عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، سنة 1975.
[20] L’article 65 de la Constitution française dispose : Le Conseil supérieur de la magistrature comprend une formation compétente à l’égard des magistrats du siège et une formation compétente à l’égard des magistrats du parquet.
La formation compétente à l’égard des magistrats du siège est présidée par le premier président de la Cour de cassation. Elle comprend, en outre, cinq magistrats du siège et un magistrat du parquet, un conseiller d’État désigné par le Conseil d’État, un avocat ainsi que six personnalités qualifiées qui n’appartiennent ni au Parlement, ni à l’ordre judiciaire, ni à l’ordre administratif. Le Président-de la République, le Président de l’Assemblée nationale et le Président du Sénat désignent chacun deux personnalités qualifiées. La procédure prévue au dernier alinéa de l’article 13 est applicable aux nominations des personnalités qualifiées. Les nominations effectuées par le président de chaque assemblée du Parlement sont soumises au seul avis de la commission permanente compétente de l’assemblée intéressée.
La formation compétente à l’égard des magistrats du parquet est présidée par le procureur général près la Cour de cassation. Elle comprend, en outre, cinq magistrats du parquet et un magistrat du siège, ainsi que le conseiller d’État, l’avocat et les six personnalités qualifiées. mentionnés au deuxième alinéa.
La formation du Conseil supérieur de la magistrature compétente à l’égard des magistrats du siège fait des propositions pour les nominations des magistrats du siège à la Cour de cassation, pour celles de premier président de cour d’appel et pour celles de président de tribunal de grande instance. Les autres magistrats du siège sont nommés sur son avis conforme.
La formation du Conseil supérieur de la magistrature compétente à l’égard des magistrats du parquet donne son avis sur les nominations qui concernent les magistrats du parquet.
La formation du Conseil supérieur de la magistrature compétente à l’égard des magistrats du siège statue comme conseil de discipline des magistrats du siège. Elle comprend alors, outre les membres visés au deuxième alinéa, le magistrat du siège appartenant à la formation compétente à l’égard des magistrats du parquet.
La formation du Conseil supérieur de la magistrature compétente à l’égard des magistrats du parquet donne son avis sur les sanctions disciplinaires qui les concernent. Elle comprend alors, outre les membres visés au troisième alinéa, le magistrat du parquet appartenant à la formation compétente à l’égard des magistrats du siège.
Le Conseil supérieur de la magistrature se réunit en formation plénière pour répondre aux demandes d’avis formulées par le Président de la République au titre de l’article 64. 11 se prononce, dans la même formation, sur les questions relatives à la déontologie des magistrats ainsi que sur toute question relative au fonctionnement de la justice dont le saisit le ministre de la justice. La formation plénière comprend trois des cinq magistrats du siège mentionnés au deuxième alinéa, trois des cinq magistrats du parquet mentionnés au troisième alinéa, ainsi que le conseiller d’État, l’avocat et les six personnalités qualifiées mentionnés au deuxième alinéa. Elle est présidée par le premier président de la Cour de cassation, que peut suppléer le procureur général près cette cour.
Sauf en matière disciplinaire, le ministre de la justice peut participer aux séances des formations du Conseil supérieur de la magistrature.
Le conseil supérieur de la magistrature peut être saisi par un justiciable dans les conditions fixées par une organique.
La loi organique détermine les conditions d’application du present article.
[21] انظر الفقرة الأولى من الفصل 113.
[22] V. Loi organique n° 2010-830 du 22 juillet 2010 relative à l’application de l’ article 65 de la Constitution publiée au journal officiel de la République Française du 23 juillet 2010.
[23] التوصية رقم 12 (84)، الصادرة عن اللجنة الوزارية التابعة لمجلس أوربا، المبدأ أ 12 أ-ألف-ف 3).
[25] L’article 9 de la loi organique n° 2101-830 du 22 juillet 2010 relative à l’application de l’article 65 de la Constitution française dispose : «L’autonomie budgétaire du Conseil supérieur est assurée dans les conditions déterminées par une loi de finances».
[26] انظر وثيقة الأمم المتحدة، الوثائق الرسمية للجمعية العامة 40/52 (المجلد الأول) الفقرة 224، راجع أيضا المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
[27] راجع وثيقة الأمم المتحدة، الوثائق الرسمية للجمعية العامة، 40/50، الفقرتان 288 و301
[28] المادة 6 فقرة 1، من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.
[29] Voir, Recommandation n° R(94) 12 du Comité des Ministres aux Etats membres sur l’indépendance, l’efficacité et le rôle des juges ,13 octobre 1994.
[30] الجريدة الرسمية عدد 3237 بتاريخ28 شوال13) 1394 نونبر (1974 ص3315.
[31] الجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432 (5 سبتمبر (2011 ص 4386.
[32] الجريدة الرسمية عدد 5832 بتاريخ 26 ربيع الأول 1395 (9 ابريل (1975 ص 1042
[33] الجريدة الرسمية عدد 5417بتاريخ 3 ربيع الأخر 1427 (فاتح ماي 2006 )، ص 1093.
[34] في التشريع المغربي، تتألف النيابة العامة على مستوى محاكم الدرجة الأولى من وكيل الملك ونائب أو عدة نواب أو على صعيد محاكم الاستئناف تتكون من وكيل عام للملك ونوابه العامين، وذات المبدأ تخضع له النيابة العامة بمحاكم الاستئناف التجارية عملا بالفقرة 18 من الفصلين 2 و3 من القانون رقم 95.5 وبالنسبة لمحكمة النقض تتألف النيابة العامة من الوكيل العام للملك يساعده المحامون العامون تطبيقا لأحكام الفقرة 1 من الفصل 10 من ظهير التنظيم القضائي كما تم تغييره وتتميمه بالظهير الشريف رقم 65.97.1.
[35] نورة غزلان الشنيوي، التحديات الكبرى للدستور المغربي الجديد في مجال القضاء، وأوجه تطبيقاتها في مادة التنظيم القضائي للمملكة، دراسة من صميم إصلاحات سنة 2011، مطبعة الورود انزكان، 2012 ص 67.
[36] عبد الكريم الطالب، التنظيم القضائي دراسة عملية، الطبعة الرابعة، دار المعرفة، مراكش، 2012 ص. 170.
[37] Cour EDH, 5e section, 10 Juillet 2008, Medvedyev C France req n° 3394/03.
[38] راجع في هذا الإطار الدستور المصري لسنة 1791 في فصله 165، الدستور الكويتي في المادة 63، الدستور الأردني في المادة 51، الدستور اللبناني في المادة 20، الدستور السوداني في المادة 98، الدستور التونسي في المادة 65 الدستور الفرنسي في الفصل 64 والدستور الإيطالي في المادة 10 والدستور المغربي في الفصل 107.
[39] احمد فتحي سرور، الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، 1993، ص 240.
[40] راجع الفصول 82 من دستور 1962 ، الفصل 75 من دستور 1970، الفصل 76 من دستور 1972 ، الفصل 85 من دستور 1992 والفصل 85 من دستور 1996.
[41] حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 5 فبراير سنة 1984 في القضية رقم 23 لسنة 15 ق دستورية مجموعة الأحكام-الجزء السادس-ص 140 وحكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 16 نونبر سنة 1996 في القضية رقم 38 لسنة 16 قضائية دستورية مجموعة الأحكام، للجزء الثامن، ص 169.
[42] إن المادة 165 المذكورة تقابلها المادة 46 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011.
[43] Eur .Court. HR. Case of incal. V .Turkey. Judgement of 9 June 1998, Reports 1998. Iv. p. 1571, para. 65.
[44] Cour EDH, Grande chambre (G.C), 29 mars 2010, Medvedyev et autres C. France, Req n° 3394/03. La cour a rappelé que «Le magistrat doit présenter les garanties requises d’indépendance l’égard de l’exécutif et des parties, ce qui exclut qu’il puisse agir par la suite contre le requérant dans la procédure pénale, à l’instar du Ministre Public».
[45] CEDH, 20 novembre 2010, Moulin C. France, requête n° 37104 /06. La cour a observé que «la procureur adjoint de Toulouse, membre du ministre public, ne remplissant pas, au regard de l’article 5& 3 de la Convention, les garanties d’indépendance exigées par la jurisprudence pour être qualifiée, au sens de cette disposition, de juge ou (…) autre magistrat habilité par la loi à excuser des fonctions judiciaires».
[46] Frédéric SUDRE, Droit européen et international des droits de l’homme, 8e Edition, PUF, Paris, 2006, pp 692 – 693.
[47] G. Malinverni et M. Hotellier, La pratique suisse relative aux droits de l’homme, Rev. Suisse de droit international et de droit européen, 1994, P. 527.
[48] Crim., 4 mai, Saidi, JCPG, 1994, II, 22349.
[49] C E, Sect., 3 juillet 1998 , M Bitouzet, RFDA, 1998,1243.
[50] Cons. Const., décision n? 2010-14/22 QPC, 30 Juillet 2010, M. Daniel w. et autres, journal officiel. 31 juillet 2010, p. 14198.
[51] CNC DH, Avis sur la réforme de la procédure pénale, adopté par l’assemblée plénière du 10 juin 2010, & 22 ( en ligne) disponible sur (ww. Cncdh. fr).
[52] Cons. Const, décision n° 92-305 DC, 21 février l992, loi organique modifiant l’ordonnance n° 58-1270 du 22 décembre 1958 portant loi organique relative au statut de la magistrature, R J C I- 483.
[53] Cons. Const, décision n° 2011-125 QPC, 6 mai 2011, M. Abderhmane L., J. O. 7 mai 2011, texte n° 76.
[54] Cons. Const, décision n° 92-305 DC, 21 février 1992.
[55] Cass., Crim, 15 décembre 2010, n° 10-83.674 – affaire Philippe Creissen.
[56] مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، ميلانو 26 غشت-6 شتنبر سنة 1985، منشورات الأمم المتحدة-نيويورك 1986، ص 81.


