دراسة مقار ن ة (المغرب واليمن)
شايف الذيفاني
طالب باحث بسلك الدكتوراه
كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية-
جامعة الحسن الأول-سطات
مقدمة:
يتوقف دور القاضي الإداري عند امتناع الإدارة بتنفيذ الأحكام الصادرة إما بإلغائه للقرارات المخالفة للتنفيذ٬ أو الحكم بالتعويض عن عدم التنفيذ٬ و لم يتضمن القانون السماح له بإصدار الأوامر أو الحلول محل الإدارة٬ مما يجعل الأحكام الصادرة عن القاضي الإداري٬ لا تتضمن الآثار التنفيذية لحكمه ٬ مما يترتب عنه مواجهة الإدارة لهذه الأحكام بعدم التنفيذ و هو ما يؤشر على محدودية هذه الحلول القضائية[1]٬ التي تؤثر سلبا على مرد ودية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة.
ولقد ساهمت في تكريس هذه المحدودية بعض المفاهيم والتي كان لها تأثير سلبي على عمل القاضي الإداري٬ كالتفسير الخاطئ لمبدأ الفصل بين السلطة القضائية والإدارية٬ وكذلك مبدأ القاضي الإداري يقضي و لا يدير٬ و كونه لا يجب عليه عرقلة نشاط الإدارة أو الحلول محلها٬ ومن هذه المفاهيم الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية المغربي.
و على هذا الأساس سوف نقسم الدراسة إلى نقطتين:
أولا: الفعالية المحدودة للقاضي الإداري من خلال وسيلة الإلغاء و التعويض
ثانيا: افتقار القاضي الإداري لسلطة الأمر و الحلول محل الإدارة.
أولا: الفعالية المحدودة للقاضي الإداري من خلال وسيلة الإلغاء و التعويض
إذا كان القانون قد خول القاضي الإداري في حال امتناع الإدارة عن تنفيذ الحكم الإداري الحائز لقوة الشيء المقضي به إمكانية إلغاء القرار الإداري الصريح أو الضمني المخالف للتنفيذ و كذلك تحميلها المسؤولية الإدارية و الحكم عليها بالتعويض ٬ إلا انه يثور التساؤل عن مدى فعالية هذه الوسائل القضائية التي يتمتع بها القاضي الإداري في تنفيذ الأحكام الصادرة عنه ضد الإدارة.
- مدى فعالية دعوى إلغاء قرار امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها
تحظى دعوى إلغاء قرار امتناع الإدارة عن تنفيذ الإحكام القضائية الصادرة ضدها بأهمية كبيرة لما تشكله من ضمانة إضافية في يد المتضرر من امتناع الإدارة عن تنفيذ الحكم الذي جاء لصالحه٬ إلا انه و حتى في الحالة التي تلغى فيها المحكمة القرار الصادر برفض التنفيذ و يحصل صاحب المصلحة على حكم ثان٬ فان تنفيذه يصطدم مرة أخرى يتعنت الإدارة٬ و بالتالي سيصبح الطاعن يدور في حلقة مفرغة تزيد من إرهاق كأهلة بالوقت و المصاريف التي لا طائل منها[2].
فدعوى إلغاء قرار امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة لا تحقق الشيء الكثير بالنسبة للمتضرر من امتناع الإدارة عن التنفيذ٬ و ربما تكون في صالح الإدارة على حساب الأفراد ٬ فهذه الأخيرة يمكنها أن تتنكر للحكم و يبقى أمام المتضرر اللجوء مرة أخرى للقضاء لإلغاء قرار الامتناع الجديد٬ و هذا الأشكال هو الذي أدى ببعض الفقهاء إلى التسليم بكون دعوى الإلغاء لا يمكن أن تشكل وسيلة ناجعة لحمل الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهتها.
أما القضاء الإداري اليمني فلم يأخذ بدعوى إلغاء القرار الإداري الصريح أو الضمني المخالف للتنفيذ في كثير من الحالات و ذلك لوجود الوسائل القانونية الجبرية التي تمكنه من إلزام الإدارة الممتنعة عن التنفيذ٬ بمجرد انتهاء المهلة القانونية المحددة لتنفيذ الحكم الصادر ضدها٬ و من هذه الوسائل إلزام الإدارة و الحلول محلها إما بالتنفيذ على حساباتها النقدية في البنك المركزي ٬ والى فرض الجزاء الجنائي على الموظف الممتنع عن التنفيذ[3].
و بالنتيجة تظل هذه الوسيلة القضائية غير فعالة في بعض الحالات ٬ حيث تصطدم بإصرار الإدارة و تماديها في امتناعها و تجاهلها الممنهج للحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به٬ و إلى نفوذ الشخص الممتنع عن التنفيذ.
و بذلك يتضح عدم جدوى دعوى الإلغاء ما دامت لا تستطيع مواجهة إدارة قوية تتمتع بامتيازات كبيرة تصر على تعنتها و تجاهل أحكام القضاء الإداري٬ و كذلك إن الحكم بإلغاء قرار امتناع الإدارة عن التنفيذ سيواجه من قبل الإدارة بالرفض أو لتماطل في التنفيذ٬ مما سيؤدي إلى نفس مصير الحكم الأول و يسبب بذلك إرهاقا لمتضرر ماديا ومعنويا ويؤدي إلى التشكيك في هيبة القضاء و يبين محدودية القاضي الإداري في وسيلة الإلغاء .[4]
- مدى فعالية تحريك المسؤولية الإدارية للإدارة الممتنعة عن التنفيذ
إن إثارة المسئولية للإدارة الممتنعة عن التنفيذ هي وسيلة خولها القانون للشخص المتضرر من امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي صدر لصالحه، والتي عن طريقها يستطيع اللجوء إلى القضاء من أجل المطالبة بالتعويض عن ما لحقه من ضرر جراء خطئها المتمثل في عدم تنفيذها حكم يتضمن التزامات في حق المتضرر يجب عليها أن تفي بها لأجله، ويرجع تحديد مقدار التعويض للقاضي، إضافة إلى إمكانية إثارة المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ التي من خلالها يتم إلزام الموظف المخالف لتنفيذ الأحكام بتعويض مالي قدم إلى الحكمة لصالحه[5].
إلا أن هذه الوسيلة أظهرت بدورها عن ضعفها و قصورها٬ إذ لا تبقى الفائدة من إصدار حكم جديد في حق الإدارة يقضي بمنحها لمتضرر تعويضا من جراء امتناعها عن تنفيذ الحكم السابق٬ مادامت هذه الإدارة هي نفسها التي رفضت تنفيذ حكم قضائي سابق حائز لقوة الشيء المقضي به٬ و كيف يمكن إجبارها على تنفيذ الحكم الثاني و القاضي بتعويض المتضرر مادام هذا الحكم أيضا غير قابل للتنفيذ.
و في هذا الصدد يقول الأستاذ أمال المشرفي ” دعوى التعويض لا يمكن أن تشكل ضمانة حقيقية و فعالة لدفع الإدارة نحو التنفيذ٬ لان الإدارة المخالفة للقانون من جراء امتناعها عن تنفيذ حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به هي نفسها التي يمكنها رفض منح التعويض من الضرر الناتج من جراء تصرفها المتعمد هذا و المتمثل في امتناعها عن تنفيذ الحكم الأصلي٬ و بالتالي ستبقى مخالفتها للقانون و المشروعية قائمة و لا سبيل أمام القاضي لإلزامها”[6].
ففي إحصائيات مأخوذة من المحكمة الإدارية بالرباط سنة 2015 فيما يخص قضايا التعويض( المسؤولية الإدارية+ عقود إدارية و صفقات عمومية وغيرها) نجد أنه صدر عن هذه الأخيرة العديد من الأحكام وهي على الشكل التالي[7]:
| القضايا | عدد القضايا المحكومة |
| المسؤولية الإدارية | 994 |
| عقود إدارية وصفقات عمومية | 313 |
| تجاوز السلطة | 782 |
إذن و كما يبدو فان تحريك المسؤولية الإدارية ضد الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها لا يحقق الشيء الكثير مادامت لم ينفذ الحكم الصادر ضدها في بدايته٬ وبالتالي فان إثارة المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ قد تعد وسيلة يمكن اللجوء إليها لضمان تنفيذ أحكام القضاء الإداري.
و بذلك يبقى الحكم الإداري مجرد تقرير لحق قد تقبله و قد ترفضه الإدارة ما دامت هي المالكة لناصية التنفيذ الجبري و المتحكمة في زمامه٬ و هنا يمكن التساؤل عن ما هي الضمانة الفعلية لتنفيذ حكم أخر يمنح التعويض ما دامت سلطه القاضي الإداري عاجزة عن تنفيذ قرار يتعلق بالمشروعية ٬ و بالأحرى عندما يتعلق الأمر بتنفيذ مبالغ مالية[8].
ثانيا: افتقار القاضي الإداري لسلطة الأمر و الحلول محل الإدارة
إذا كانت الإدارة تملك اتجاه الحكم القضائي حرية كاملة في تنفيذه أو عدم تنفيذه و هو ما يؤدي بالمحكوم له بالعودة لساحة المحاكم مرة أخرى٬ طالبا من القاضي أن يكفل تنفيذه٬هنا يثور التساؤل عن مدى إمكانية القاضي الإداري في توجيه أوامر للإدارة و ما هي الحلول التي يمكنه أن يتناولها في هذا الإطار؟.
سبق القول بأن القاضي الإداري لا يمكنه أن يبقى مكتوف اليدين أمام امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام التي تصدرها ٬ مما يجعله مضطرا حتى يعطي لأحكامه الجدوى والفعالية إلى إعمال قواعد الاجتهاد التي يراها ضرورية لتكريس المبادئ المطابقة للقواعد العامة الغير مخالفة للقانون٬ إلا انه في إطار توجيه الأوامر إلى الإدارة لتنفيذ الأحكام الصادرة عنه تبقى محدودة و قصيرة٬ حيث استقرت أحكام القضاء الإداري سواء في فرنسا أو في مصر على إن سلطة القاضي الإداري تقف عند مجرد الحكم بإلغاء القرار الإداري أو التعويض دون أن يكون له حق إصدار الأوامر [9] للإدارة أو الحلول محلها في إصدار القرارات الإدارية أو تعديلها٬ لكن إقرار هذه القواعد ليس من شانها حرمان القضاء الإداري من إيضاح أثار حكم الإلغاء.
و من ثم ينحصر عمل قاضي الإلغاء فقط في إلغاء القرار الإداري المعيب إذا ما ثبت له عدم مشروعيته٬ و ليس له أن يعدل القرار المعيب٬ أو أن يستبدل به قرار جديدا٬ أو أن يصدر أوامر للإدارة٬ لان هذا يتنافى مع مبدأ فصل السلطات.
ففي ذات السياق قضى مجلس الدولة الفرنسي من انه لا يدخل في اختصاصه الأمر بإعادة الموظف المفصول إلى عملة٬ و ما قضى به أيضا من انه لا يدخل في اختصاصه الأمر بهدم مبنى تم بناؤه بمقتضى قرار غير مشروع[10].
و ما قضى به كذلك مجلس الدولة الفرنسي في حكمه الصادر في 3 ابريل 1987 في قضية consort Hegel حيث أقر فيه صراحة على انه ليس من اختصاصه إصدار أوامر للإدارة[11] .
و في هذا السياق أكد أيضا مجلس الدولة المصري في قضائه على هذا المبدأ حيث يقول في احد أحكامه[12]٬ إذا كان الطلب المقدم ينطوي على صدور أمر للجهة الإدارية بعمل شيء معين٬ فان المحكمة لا تملكه٬ إذ أن اختصاصها مقصور على إلغاء القرارات المخالفة للقانون أو تسوية المراكز بالتطبيق للقانون.
و من الأمثلة كذلك رفض مجلس الدولة توجيه أوامر معينة للإدارة”…و أن المدعي إذ ضمن طلباته إلزام وزارة الداخلية إعادته إلى عمله يكون قد طلب أمرا لا تختص به محكمة القضاء الإداري ٬ مادام اختصاصها بمقتضى قانون إنشائها مقصورا على إلغاء القرارات الإدارية التي تقع مخالفة للقانون٬ فيمتنع عليها تبعا لذلك أن تصدر أمرا إلى جهات الإدارة العامة بإجراء شيء معين بذاته[13].
و مع ذلك فالمشروع الفرنسي استطاع إلى حد كبير من تجاوز هذه الإشكالية حيث مكن القاضي الإداري من إصدار أمر لكل شخص من أشخاص القانون العام٬ او شخص المن أشخاص القانون الخاص مكلف بتدبير مرفق عمومي يجبره فيه على اتخاذ قرارات معينة كفيلة بتنفيذ حكم صادر عن المحكمة الإدارية[14].
و يرجع سبب حظر القاضي الإداري المصري من توجيه الأوامر إلى الإدارة إلى مبدأ الفصل بين السلط و إلى صرامة النصوص التشريعية التي تلزم الإدارة على تطبيق الأحكام القضائية و هو ما أكده الدستور المصري لسنة 1971 في المادة 72 [15].
أما القاضي الإداري المغربي فقد اتجه نحو مسلك القاضي الإداري المصري حيث أكد في كثير من قراراته و أحكامه على عدم جواز توجيه أوامر للإدارة أو الحلول محلها في التنفيذ٬ و يرجع سبب في منع القاضي الإداري المغربي من إصدار أمر إلى السلطة الإدارية أو الحلول محلها إلى ما نص عليه المشروع بعد الاستقلال في الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 من انه ” يمنع على المحاكم عدا إذا كانت هناك مقتضيات قانونية مخالفة٬ أن تنظر و لو بصفة عرضية في جميع طلبات التي من شانها أن تعرقل عمل الإدارات العمومية للدولة٬ أو الجماعات العمومية الأخرى٬ ا وان تلغى إحدى قراراتها”.
إن هذا المنع الوارد من قبل المشروع و كذا محدودية القاضي الإداري في دعوى الإلغاء بعدم الحلول محل الإدارة يجعل القارئ يتساءل عن كيف يمكن للقاضي الإداري إلزام الإدارة بتنفيذ الحكم القضائي الصادر ضدها٬ أو إلزامها تسخير قوتها العمومية من اجل العمل على تنفيذ الحكم القضائي في مواجهتها.
و مع ذلك حول القضاء الإداري المغربي تجاوز هذا الوضع بإلزام الإدارة بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها٬ من ذلك الأمر ألاستعجالي الصادر من المحكمة الإدارية بالرباط في قضية ورثة العشيري و الذي قضى بإيقاف أشغال البناء الجارية على قطعة ارض في ملكية المدعين ٬ و التي تم الاستيلاء عليها من طرف الإدارة٬ في عملية البناء ٬ ما تسبب في أضرار جسيمة يستعصى جبرها[16].
و تعتبر قضية ورثة العشيري واحدة من بين المواقف الجريئة التي أكد فيها القاضي الإداري على جواز إصدار أوامر إلى الإدارة لحملها على التنفيذ٬ و التي تنسجم مع روح الدستور المغربي الذي ألزم الجميع على الامتثال للقانون٬ إلا أن التوجه العام للقضاء الإداري المغربي٬ يسير نحو عدم توجيه الأوامر للإدارة الممتنعة عن تنفيذ أحكامه.
أما القاضي اليمني فإنه لم يتأثر بمبدأ حظر توجيه الأوامر إلى الإدارة ٬ كما حصل ذلك مع القاضي الإداري المصري و المغربي٬ فالمشروع اليمني لم يحظر على القاضي توجيه أوامر إلى الجهات الإدارية٬ كما لم يحظر عليه أن يحل محل الإدارة في الإلغاء أو التعديل أو القيام بأمر الإدارة بأداء عمل أو الامتناع عن عمل ٬ و هذا يعني اختصاص أصيل للنظام القضائي اليمني الذي ينتمي إلى نظام وحدة القانون و القضاء و له حق الرقابة و المشروعية و الملائمة[17].
ومما يؤكد ذلك ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بصنعاء[18]٬ بتاريخ 2011/11/22 م و الذي جاء في منطوق ” إلزام وزارة الأشغال بصرف راتب صادق عبد الملك البحري بحسب قرار تعيينه رقم (35) المؤرخ 2011/2/22 م الصادر عن وزارة الأشغال بتعيينه بوظيفة دائمة اعتبارا من تاريخ إصدار القرار.
و في نفس السياق ذهبت محكمة جنوب غرب أمانة العاصمة[19] بتاريخ 2007/4/9 م و الذي جاء في منطوقة” إلزام وزارة المالية بتنفيذ فتوى الخدمة المدنية رقم ) 2101 ) وتاريخ 2001/2/11 القاضية بتوظيف المدعي و تعزيزه ماليا من تاريخ صدور هذا الحكم.
كما أكدت محكمة استئناف أمانة العاصمة في حكم آخر بإلزام المدعى عليها ( وزارة الأشغال العامة والطرق) بإعادة المدعي إلى عملة مع صرف مستحقاته المالية من تاريخ إيقافه عن العمل٬ و إلزام المدعى عليها بدفع مبلغ قدره 500 ألف ريال تعويضا عن إضرار المادية والمعنوية٬ كما حكمت المحكمة بتعميل المستأنفة المصاريف القضائية للمستأنف ضده[20].
فالقاضي الإداري اليمني يباشر هذا الاختصاص استنادا إلى نص المادة (488 )[21] من قانون المرافعات والتنفيذ المدني وكذلك استنادا إلى أحكام المادتين (77.9) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991 و بناء على هاتين المادتين٬ فان المحاكم هي صاحبة الولاية العامة للنظر في جميع القضايا بما فيها المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها.
و في نفس السياق يملك القاضي الإداري سلطة توجيه أوامر على شكل عرائض إلى الإدارة استنادا إلى المادة (246 ) من قانون المرافعات اليمني[22] التي تمنح القاضي إصدار قرارات وقتية و تحفظية بمقتضى السلطة الولائية الممنوحة له[23].
فمن الأمثلة على ذلك الأمر الصادر عن محكمة غرب أمانة العاصمة ٬ الموجه إلى البنك اليمني للإنشاء و التعمير بتاريخ 2008/11/9 بصرف مرتب طالب الأمر و كافة مستحقاته٬ ابتداء من شهر يناير 2008 و قد كانت صيغة الأمر على النحو التالي:
“تأمر محكمة غرب أمانة العاصمة٬ المطلوب الأمر ضده البنك اليمني للإنشاء و التعمير بصرف مرتب طالب التنفيذ و كافة مستحقاته ابتداء من شهر يناير 2008 ٬ و من له تظلم من الأمر٬ فعليه التقدم به إلى المحكمة خلال مدة القانونية[24].
و على رغم الصلاحيات الواسعة التي اقرها القانون اليمني لسلطة قاضي التنفيذ٬ إلا أن ذلك لا يعني حلول القاضي اليمني محل الإدارة٬ وذلك ما أكده القاضي اليمني في العديد من أحكامه و خاصة الأحكام الصادرة في إلغاء القرارات الإدارية و منها الحكم في القضية رقم (1) لسنة 1999 و الذي جاء في حيثياته بأن سلطة قاضي الإلغاء٬ مقصورة على نظر توافر المشروعية في القرار المطعون٬ فإذا وجد القاضي أن القرار الإداري المطعون فيه غير مطابق للقانون أو اللائحة٬ أو لم يصدر على مقتضى القانون.
خاتمة:
من صفوة القول، إن سمو مبدأ المشروعية يجعل الإدارة شأنها شأن باقي الأفراد خاضعة لسيادة القانون، وملزمة بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها، نظرا للقوة الإلزامية التي تفرضها الأحكام القضائية الحائزة على قوة الشيء المقضي به، الصادرة ضد الإدارة، والتزام الإدارة بتنفيذ هذه الأحكام ليس ضعفا من جانبها وإنما تجسيدا لسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه، كونها هي الأولى باحترام القانون والالتزام بحدوده، لأنه بدون تنفيذ، تصير الأحكام القضائية عديمة الفعالية، وتهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي وتعدم ثقة المواطنين في العدالة.
[1] – محمد صقلي حسيني: إشكالية توجيه الأوامر للإدارة في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب ٬ مجلة القضاء و القانون٬ وزارة العدد 157 ٬ لسنة 2010٬ ص: 97 .
[2] – لمياء الوارث: التنفيذ الجبري للأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة (الواقع والآفاق)، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام المعمق، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية 2008-2009، ص: 61 .
[3] – نصت المادة( 487 ) من قانون المرافعات و التنفيذ اليمني في صدد ما يجب اتخاذه في حال عدم قيام الجهة المعنية بالتنفيذ من إجراءات و هي :
- مخاطبة رئيس الوزراء ليأمر بالتنفيذ خلال مدة أقصاها 45 يوما ٬
- فان مضت تلك مدة دون تنفيذ فيصدر قاضي التنفيذ أمرة بالتنفيذ طبقا لهذا القانون فيحجز على حسابات الجهة المنفذ ضدها لدى البنك المركزي أو إي بنك أخر أو الحساب الخاص بخزينة الدولة في البنك المركزي٬ إما إذا واجه تنفيذ الحكم اعتراض أو عرقلة فان المدة (489 ) من نفس القانون قد قررت عقوبة و هي الحبس مدة لا تزيد عن سنتين لكل من عرقل أو اعترض تنفيذ أي حكم ضد الدولة.
[4] – عبد الصمد أزكاغ: إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارة، مرجع سابق، ص: 134 .
[5] – لمياء الوارث: مرجع سابق٬ ص: 69.
[6] – أمال المشرفي: مرجع سابق٬ ص:49 .
[7]– نشاط المحكمة الإدارية بالرباط سنة 2015، إحصائيات ومعطيات وزارة العدل، الإحصائيات متوفرة على البوابة الإلكترونية لوزارة العدل، http://www.justice.gov.ma/
[8] – ايشو ميمون: الإدارة العامة و تنفيذ القرارات القضائية الإدارية٬ المجلة المغربية للقانون و الاقتصاد و التنمية٬ العدد 17 ٬ 1998 ٬ ص :126 .
[9] – يقصد بالأوامر هنا الأوامر الصريحة التي تتضمن إلزام الإدارة بالقيام بعمل أو الامتناع عن القيام به و بذلك يختلف مدلول الأوامر عن مضمون الالتزامات التي يرتبها حكم الإلغاء على عاتق الإدارة٬ لمزيد من الاطلاع ينظر عبد المنعم جيره: ٬ ص:296 .
[10] – حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 9 يونيو 1899 في قضية TOUTAIN ٬ و كذا الحكم الصادر في 20 ابريل سنة 1883 في قضية DECASTARD أوردهما عبد المنعم جيره: مرجع سابق٬ ص: 297 .
[11] – بنجلون عصام: تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة في مواجهة الإدارة ٬ مرجع سابق٬ ص: 54 .
[12] – حكم مجلس الدولة المصري الصادر في أول دجنبر سنة 1955 ( س.10 ص 57 ) أورده سليمان محمد الطماوي: مرجع سابق ص: 985-986 .
[13] – حكم مجلس الدول الصادر في 1949/1/5 (س.3 ص : 236) أورده سليمان محمد الطماوي: مرجع سابق٬ ص: 987.
[14] – و ذلك من خلال قانون 80.539 الصادر بتاريخ 16 يوليوز 1980 ٬ التي أجازت مواده من 2 إلى 6 للقاضي الإداري متمثلا في مجلس الدولة٬ إمكانية فرض الغرامة التهديدية على الإدارة الممتنعة عن التنفيذ٬ و كذلك القانون رقم 125-95 الصادر بتاريخ 1995/2/8 المتميز بتدوين و جمع قواعد المسطرة الإدارية ٬ و كذلك دمج مقتضيات قانون 1995-198 في المادة 911 L في مدونة القضاء الإداري الصادر سنة 2001 ٬ لمزيد من الاطلاع ينظر٬ محمد صقلي حسيني: مرجع سابق٬ ص: 87 ٬ و كذا احمد الصايغ: الغرامة التهديدية كوسيلة لتنفيذ الأحكام القضائية الإدارية٬ منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية٬ العدد 55 الطبعة الأولى 2004 ٬ ص:44 .
– كما توجد بعض الأنظمة التي تمكن القاضي الإداري من توجيه أوامر للإدارة٬ و له كذلك أن يوجه إلى الخزينة العامة بدفع التعويضات المحكوم بها كما هو عليه الأمر في ألمانيا٬ و النمسا٬ و رومانيا٬ ينظر احمد الصايغ: إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب ٬ مرجع سابق٬ ص:124 .
[15] – نصت المادة 72 من الدستور المصري لسنة 1971 ” إن الامتناع عن تنفيذ الأحكام أو تعطيلها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون٬ و المحكوم له في هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة”.
[16] – أمر استعجالي عدد 108 ٬ ملف 95-83 أورده عبد الصمد زكاغ: إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية٬ مرجع سابق٬ ص:73 .
[17] – علي محمد حسن مظفر: الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في اليمن٬ رسالة ماجستير٬ معهد البحوث و الدراسات العربية٬ القاهرة٬ 2005 ٬ ص:194 .
[18] – حكم المحكمة الادارية بصنعاء رقم 58 لسنة 1434 ه٬ 2013 م الصادرة في القضية الادارية 81 لسنة 1432 ه٬ 2011 م بتاريخ 2011/6/21 م٬ غير منشور.
[19] – حكم محكمة جنوب غرب امانة العاصمة صنعاء ٬ رقم 80 لسنة 1434 الموافق 2013/4/13 ٬ غير منشور.
[20] – حكم محكمة استئناف أمانة العاصمة صنعاء رقم 203 لسنة 1434 الموافق 2013/4/13 ٬ غير منشور.
[21] – تنص المادة 488 من قانون المرافعات و التنفيذ المدني على انه ” إذ تعلق بالتنفيذ بحكم إداري صادر بإعادة موظف إلى عمله أو بصرف مرتبه فيعتبر الموظف معادا إلى العمل بدرجته و كافة حقوقه من تاريخ اعتبار الحكم سندا تنفيذيا و فيما يتعلق بصرف المرتب أو المعاش أو أي تعويض له عن حقوق سابقة للحكم قضى باستحقاقها اصدر قاضي التنفيذ أمرا بصرفها من الحسابات الخاصة في البنك لتلك الجهة المنفذ ضدها”.
[22] – عرفت المادة 246 من قانون المرافعات و التنفيذ المدني الأمر على عريضة بأنه” عبارة عن قرارات وقتية أو تحفظية تصدر في خصومة و في غياب من صدر الأمر ضده بمقتضى السلطة الولائية لرئيس المحكمة أو القاضي المختص لا تمس موضوع الحق و قد تتعلق ب هاو بتنفيذه و تتضمن إذنا أو تكليفا أو إجازة للإجراء أو تنظيمه”.
[23] – نجيب احمد عبد الله الجبلي: قانون التنفيذ الجبري في المسائل المدنية و التجارية٬ مرجع سابق٬ ص :49 .
[24] – أمر صادر عن محكمة غرب أمانة العاصمة الموجه ضد البنك اليمني للإنشاء و التعمير المحرر بتاريخ 2008/11/9 الموافق 1429/11/12 ٬ غير منشور.


