الأستاذ محمد القدوري
محام بهيئة المحامين بالرباط
لا يخفى أن الفقه الإسلامي يعتبر مصدرا من مصادر القانون، ليس فقط على الصعيد الوطني بل على الصعيد العالمي، وهذه مسألة لا يجادل فيها أحد، ولا تحتاج إلى دليل، كما تؤكد ذلك الدراسات القانونية في جميع الأنظمة؟ وهدف هذه الدراسة ليس هو تأكيد الحقيقة السابقة أو البرهان عليها، وإنما هو إبراز تلك الحقيقة وتجسيدها في أمثلة واقعية.
إن المتعمن لنصوص القانون المغربي يلمس فيها بشكل واضح آثار وبصمات الفقه الإسلامي في عديد من المجالات، سواء تعلق الأمر بالنظرية العامة للالتزام، أو بقوانين المسطرة، أو بقوانين الموضوع على مختلف فروعها، غير أن الذي ينبغي أن لا يغيب عن الذهن هو أن وجود آثار الفقه الإسلامي في نصوص القانون الوضعي لا يقتضي بالضرورة حصول تطابق بين العبارات والمصطلحات المستعملة، وإنما العبرة بالاتحاد أو الاتفاق في فلسفة التأصيل والتشريع، والهدف من تنظيم الأمور، كما يتجلى من خلال الفقرات الآتية:
الفقرة الأولى: على مستوى النظرية العامة للالتزام:
إن معالجة الفقه الإسلامي في أغلبها تعتمد على دراسة كل باب ومسألة على حدة، وليس انطلاقا من نظرية عامة للفقه كما هو الشأن في القانون الوضعي، ولكن ذلك لا يعني أن الفقه الإسلامي لا يقوم على نظرية عامة، بل إن توجهات الفقه الإسلامي وأهدافه واضحة، كما أن العلوم المساعدة له، وفي مقدمتها علم أصول الفقه، وعلم البلاغة، وعلوم اللغة العربية تعتبر بمثابة جزء من النظرية العامة للفقه الإسلامي، ولهذا نجد العديد من القواعد المقررة في النظرية العامة للالتزام قائمة وواضحة في الفقه الإسلامي.
فمن المعروف في النظرية العامة للقانون المدني أن للعقود أركانا لا تقوم إلا بها وأنه لابد في كل عقد من أركان هي: الأهلية، التراضي، المحل، السبب والشكلية (في العقود الشكلية) والتسليم (في العقود العينية)، وأنه يترتب عن فقدان ركن من أركان العقد بطلانه، وأن العقد متى تقرر بطلانه انعدم آثاره سواء بالنسبة لأطرافه أو بالنسبة للغير، غير أن الفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود يقرر أنه “إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته، وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر، جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الآخر”، ومن أمثلة ذلك اعتبار البيع الذي وقع الاتفاق فيه على إسقاط الثمن هبة، واعتبار تصرف الموصي في الشيء الموصى به رجوعا عن الوصية، واعتبار الورقة التجارية التي اختلت شكلياتها المتطلبة فيها سندا عاديا، وهذا التعامل مع العقود السالفة هو ما يعبر عنه في النظرية العامة للقانون المدني بنظرية تحول التصرف.
ونظرية تحول التصرف هذه معروفة في الفقه الإسلامي، ومن أبرز صورها:
- اعتبار التحبيس الصادر من المحبس أثناء مرضه مع إيصائه بتنفيذه وصية يخرج من ثلث مال المحبس إذا مات قبل حيازة الحبس، وذلك استثناء من قاعدة عدم نفاذ الحبس الذي يختل فيه شرط الحوز.
- اعتبار التحبيس الذي يصدر من مريض لصالح وارث وغير وارث وعاقبهم وصية إن حمله الثلث، أو في حدود الثلث، وهي القضية المشهورة عند الفقهاء بمسألة ولد الأعيان ([1]).
- اعتبار الصدقة أو الهبة التي تصدر من المريض ويختل فيها شرط الحوز وصية تنفذ في ثلث مال المتصدق أو الواهب، مثلما تقرر في الحبس ([2]).
إضافة إلى ما ذكر فإن كثيرا من المبادئ العامة للقانون المدني تجد أساسها في الفقه الإسلامي، مثل:
– قاعدة أن على من يروم إقامة دعوى على غيره من أجل تنفيذ التزام أن ينفذ ما التزم به من جهته، المنصوص عليها في الفصل 234 من قانون الالتزامات والعقود، إذ أن هذه القاعدة مقررة عند الفقهاء، ويمكن الوقوف على تطبيقات لها لدى شراح لامية الزقاق لدى قوله، في البيتين 159 و160:
وفي دفع باقي الحق قبل تحاكم بعيب إذا يخفى وكان مطولا
وإلا فلا، أولا، خلاف.
– قاعدة أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، الواردة في الحديث الشريف، فإنها مقررة في الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود.
– قاعدة أن الذمة إذا عمرت بيقين فإنها لا تبرأ إلا بيقين، المعروفة في الفقه الإسلامي وقواعده الكلية، فإنها مقررة في الفصل 400 من قانون الالتزامات والعقود.
– قاعدة أن المبدأ هو حرية الإثبات، إلا ما ورد بشأنه نص خاص، كإثبات الزنا، فإنها مقررة في الفصل 401 من نفس القانون.
– اشتراط الشكلية في بعض العقود مثل شرط معاينة الحوز في التبرعات، وشرط التسليم العيني في بعض المعاملات كالرهن، فإنها مقررة في الفقه الإسلامي بشكل واضح.
الفقرة الثانية: على مستوى قانون المسطرة المدنية:
وافقت كثير من نصوص قانون المسطرة المدنية ما جاء في الفقه الإسلامي، ومن ذلك:
أ-يقرر الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية أنه لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والمصلحة والأهلية لمباشرة حقوقه، فإن هذه القاعدة مقررة في الفقه الإسلامي بشكل أدق.
وفقهاء الفقه الوضعي لا يكادون يميزون في هذا الصدد بين المدعى وبين المدعى عليه، بل إن ما يقررونه بشأن شروط صحة التقاضي واحد بالنسبة لطرفي الدعوى، المدعي والمدعى عليه، في حين يعالج الفقه الإسلامي الموضوع بدقة، وفي أحكام الدعوى من المحجور أو عليه شيء مما يتصل بالموضوع.
والمحجور هو القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني، أو من به قصور عقلي رغم بلوغه سن الرشد، مثل السفيه والمجنون، ويمكن أن يضاف إليهما القاصر قضائيا، المحكوم بمنعه من التصرف في أمواله لسبب له صلة بقدراته العقلية أو لارتكابه جريمة تبرر ذلك، أو لصدور حكم نهائي عليه في جناية.
هذا، وقد كان سن الرشد في القانون المغربي محددا في 21 سنة، غير أن التعديل الذي أدخل على الفصل 137 من قانون مدونة الأحوال الشخصية بموجب الظهير الشريف رقم 1/92/91 الصادر في 9 حجة 1412 (11 يونيه 1992) جعله 20 سنة شمسية كاملة، ثم إنه بموجب التعديل المدخل على الفصل المذكور بالقانون 02/63 المأمور بتنفيذه بالظهير الشريف رقم 1/03/81الصادر في 20 محرم 1424، (24 مارس 03) أصبح سن الرشد القانوني 18 سنة شمسية، وبهذا تساوى سن الرشد المدني مع سن الرشد الجنائي المحدد في المادة 458 من قانون المسطرة الجنائية الجديد، ويلاحظ هنا أن المدونة قيدت السنة بأنها “شمسية” وذلك لأن الإطلاق، بالنسبة للمدونة يقتضي أن المراد هو السنة القمرية، ومن الإطلاقات التي تعتبر فيها السنة قمرية ما نص عليه الفصل 84 من مدونة الأحوال الشخصية من أن “أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنة” فقد تواتر القضاء بشأن هذه المسألة على أن المدة تحسب بالأشهر القمرية، وعلى أن الشهر القمري 29 يوما، مع الإشارة إلى أن مدونة الأحوال الشخصية المذكورة ألغيت بمدونة الأسرة، الصادرة بالقانون 70.03 المأمور بتنفيذه بالظهير الشريف رقم 1/04/22 الصادر في 04/02/03.
ومن المفيد الإشارة بهذه المناسبة إلى أن الفقه المحرر في مسالة الأهلية أن العلة في اشتراط الأهلية في حق المدعي إنما هي الحفاظ على مصالحه وأمواله، ولذلك تصح الدعوى من الصغير في كل ما لا شأن له بالمال مثل دعوى الزوجة القاصرة على زوجها بالطلاق أو بالدخول، ودعوى الصغير على وليه ولو تعلقت بطلب نفقته لانتفاء سبب المنع؛ وهو ما سار عليه اجتهاد المجلس الأعلى ([3]) ومن هذا الباب ما تنص عليه المادة 19 من مدونة الأسرة من أن أهلية النكاح تكمل في الفتى والفتاة بتمام الثامنة عشرة.
وهذه القاعدة التي تخفى على بعض المشتغلين بالقانون وتغفلها مؤلفات المسطرة، مسلمة في الفقه الإسلامي.
والملاحظ في ضوء نصوص القانون المغربي، أن ما تضمنته فصول المسطرة الجنائية ومدونة الأسرة أقرب إلى الفقه مما تضمنته فصول المسطرة المدنية مع أن هذه هي النص العام وكان حريا بها أن تكون أحسن معالجة للموضوع.
وفي سياق ما ذكر أعلاه قضى المجلس الأعلى في ظل قانون المسطرة المدنية القديم، بأنه يجوز توجيه الدعوى من القاصر إذا كان النزاع لا يتعلق بالتصرفات المالية ([4])، كما قضى في ظل قانون المسطرة المدنية الحالي، بأن للقاصر أهلية إقامة الدعوى على وليه بالنفقة، لأنها من باب جلب المنفعة التي له حق اكتسابها بدون مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم ([5]).
ب – تقرر نصوص المسطرة المدنية أن الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم تكون قابلة للطعن، وهذه مسألة نجد لها أثرا في الفقه الإسلامي، وإن مع اختلاف في أنواع طرق الطعن ومسطرة سلوكها، وربما وجدنا أصلا لذلك في الآيات 108/107/106 من سورة المائدة، في قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِين َ(106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)”
ج – يقرر الفصلان 381 و382 من قانون المسطرة المدنية نوعا خاصا من طرق الطعن ضد الأحكام التي تصدر خرقا للقانون، يمارسها بحسب الأحوال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى أو وزير العدل، مع اختلاف في أثر الطعن المقدم من الوكيل العام عن أثر الطعن المقدم من وزير العدل، وهذه القاعدة معروفة في الفقه الإسلامي وهي منصوص عليها في البيت 172 من لامية الزقاق الذي جاء فيه:
وأحكام ذي جور ترد كجاهل ولم يستشر، أو لا، وصحح تأملا.
وعدل فلا، وانقض خلاف قواعد ونص وإجماع وقيس قد أنجـــــلا.
د – يقرر قانون المسطرة المدنية أن أغلب آجال الطعون كاملة لا يحسب فيها اليوم الأول واليوم الأخير، كما ينص عليه الفصل 512 من قانون المسطرة المدنية، وهذه القاعدة معروفة في الفقه الإسلامي لدرجة أن أحد الفقهاء نظمها بقوله:
واليوم يلغى في: اليمين والكرا وفي الإقامة على ما اشتهرا
وأجل عقيقة وعهدة وفي خيار البيع ثم العدة.
هـ- يقرر قانون المسطرة المدنية أن البيع بالمزاد العلني ينفسخ بزيادة السدس على مارست عليه المزايدة كما ينص عليه الفصل 479 منه؛ وهذه القاعدة مقررة في الفقه الإسلامي مع اختلاف في الأجل الذي يمكن أن تقع فيه الزيادة الذي حدده القانون الوضعي في 10 أيام وحصره الفقهاء في ثلاثة أيام ([6]).
و – تقرر نصوص المسطرة وجوب تحرير محضر بالجلسة، وهذه القاعدة مقارنة ومعروفة في الفقه الإسلامي بشكل أكثر تأصيلا ([7]).
ر – تقرر قواعد المسطرة المدنية أن الاختصاص المكاني يكون لموطن المدعى عليه، وأن الاختصاص في الدعوى العقارية يكون لمحكمة موطن العقار، كما يؤخذ من الفصلين 27 و28 من قانون المسطرة المدنية، وهذه القاعدة مستمدة من الفقه الإسلامي وهي المنصوص عليها عند ابن عاصم رحمه الله في تحفته، في البيتين 8 و 9 من “فصل في معرفة أركان القضاء” بقوله:
والحكم في المشهور حيث المدعى عليه، في الأصول والمال معا
وحيث يلفيه بما في الذمة يطلبه، وحيث أصل تما
وخالفت نصوص المسطرة المدنية بعض الأحكام المقررة في الفقه الإسلامي، ومن ذلك ما تقرره المسطرة من سرية المداولة، ذلك أن الفقه الإسلامي يوجب على القاضي مشاورة أهل العلماء، ويبدو من نصوصهم أن القاضي لا يلتزم بسر المداولة ([8]).
ز – ينظم قانون المسطرة وضع الأختام، وفي هذا الصدد نجد الفقه الإسلامي أحسن تنظيما وأكثر اعتناء بالموضوع، وأحرص على مصلحة الأطراف، بأن اشترط في الختم:
– أن لا يلحق ضررا بالمكان،
– أن لا يتم الختم إلا بعد إخراج كل ما له روح، حتى لا يتعرض للهلاك ([9]).
ح – اتفق فقهاء المسطرة المدنية أن الأصل في الأحكام أنها معلنة للحقوق كاشفة لها، وليست منشئة لها، وهذه القاعدة مسلمة بعينها منذ قرون لدى فقهاء الشريعة، ويكفي بيانا لذلك مراجعة كتب الفقه والنوازل، وعلى سبيل المثال شراح حدود ابن عرفة لتعريفه للعطية بأنها “تمليك متمول بغير عوض إنشاء”، فقد جاء في شرح الرصاع للتعريف المذكور ما نصه “إنشاء : أخرج به الحكم باستحقاق وارث، لأنه تمليك متمول بغير عوض؟ فإن قلت: كيف صح إخراجه بقوله إنشاء؟ قلت: الذي فهمت منه أن التمليك في العطية فيها إنشاء، بخلاف الحكم بالاستحقاق المذكور، فإنه تقرير لما ثبت إرثه، والعطية أنشأت التمليك، لا أنها قررته، فإن قلت: إذا فهمنا كلامه رضي الله عنه على ما ذكرته، يعرض لنا ما ذكره القرافي وغيره في الحكم حيث فرق بين الثبوت والحكم على الصحيح، فذكر أن الحكم بالتمليك فيه إنشاء من الحاكم، وذكر أن الحكم قد يكون خبرا كقول القاضي: حكمت بالأمس بكذا، إذا اشهد به، وقد يكون إنشاء، كقوله: اشهد بأني حكمت وألزمت فلانا كذا …، وإذا صح ذلك فكيف أخرج لفظ “إنشاء” صورة الحكم المذكور؟ قلت: وظهر في الجواب أن الأنشاء موجود فيهما، لكن الإنشاء في العطية وقع التمليك به، والإنشاء في الحكم المذكور تقرير لمتعلق الحكم.. ([10]).
الفقرة الثالثة: على مستوى القانون المد ني:
أثر الفقه الإسلامي واضح في القانون المدني، غير أن هذا القانون لم يوافق ما هو مقرر في الفقه في كل أبوابه، بل وافقه في بعض الأحكام وخالفه في البعض الآخر، أو إن شئنا قلنا: اتبع بعض أحكام الفقه الإسلامي وخالف بعضا منها.
فمن الأحكام التي اتبعها:
أ – ينص الفصل 238 من قانون الالتزامات والعقود على أن الوفاء يجب أن يقع للدائن أو ممثله، وهذه القاعدة مقررة في الفقه الإسلامي بشكل أوضح لدرجة أنه يقرر أن دفع غرماء المدين دينه لورثته لا يبرئ الذمة باعتبار حقوق الورثة متأخرة عن بعض الحقوق الأخرى كما هو مقرر في هذا الشأن، وهو ما فصله الشيخ خليل بقوله “يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين كالمرهون …، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، ثم تقضى ديونه، ثم وصاياه من ثلث الباقي، ثم الباقي لوارثه،
ب – ينص قانون الالتزامات والعقود في الفصل 533 وما يليه، على أن البائع ضامن للمبيع، وهذه القاعدة نظمها الفقه الإسلامي تنظيما أدق كما يعلم من الرجوع إلى شراح لا مية الزقاق في الأبيات 113 إلى 116،
ج – يقرر الفصل 537 من قانون الالتزامات والعقود أنه إذا وجهت على المشتري دعوى بسبب الشيء المبيع وجب عليه أن يعلم البائع بدعوى الاستحقاق بمجرد ما يقدم المدعي الحجة على دعواه، والا فقد حق الرجوع عليه، وهذه القاعدة مقررة في الفقه الإسلامي بكيفية أحسن، إن الفقه يخبر المدعى عليه بين أن يخاصم وبين أن يرجع على البائع ([11]).
ومن الأحكام التي خالفها مسألة الاسترعاء، التي قرر بشأنها في الفصل 422 من قانون الالتزامات والعقود أنه لا عبرة ببينات السر والاسترعاء.
الفقرة الرابعة: على مستوى نصوص خاصة أخرى:
أ – أجرة العون، بعد عقود من دخول المسطرة المدنية حيز التنفيذ، وبعد أن كشفت التجربة عن أن مشكلة تبليغ الاستدعاءات والأحكام صارت عرقلة أمام حسم كثير من القضايا، وأمام تنفيذ العديد من الأحكام، سن المشرع قانونا للأعوان القضائيين، الذين أصبحوا يشكلون فئة من المهنيين تقوم بتبليغ وتنفيذ الأحكام مقابل أجر محدد؛ وهذه القاعدة قررها الفقه الإسلامي ونظمها تنظيما دقيقا، كما يعلم من شروح تحفة ابن عاصم لدلى قوله رحمه الله في البيت 36من تحفته الله: وأجرة العون على طالب حق، ومن سواه إم ألد تستحق،
ب – الإكراه البدني، نظم القانون الوضعي الإكراه البدني، ونص عليه في قانون المسطرة الجنائية وفي نصوص خاصة أخرى، وحدد مدته بالنظر إلى مقدار الدين، مع الإشارة إلى أنه بعد أن منعت معاهدة نيويورك بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي تمنع في فصلها 11سجن الإنسان نتيجة عدم قدرته على سداد ديونه، تردد القضاء المغربي منذ مصادقة المغرب على المعاهدة المذكورة في تطبيق الإكراه البدني بشأن الديون الناشئة عن التزامات تعاقدية، إلى أن استقر قضاؤه على التقيد بالقاعدة المذكورة وقرر المجلس الأعلى في ضوء ذلك بعدم جواز تطبيق الإكراه البدني في حق مكتر لم يتمكن من أداء واجبات الكراء وعلل ذلك بأن الكراء دين مدني تعاقدي مشمول بما ينص عليه الفصل 11 من معاهدة نيويورك وقد أصدرت وزارة العدل منشورا في الموضوع يكرس ما سبق ([12]).
والملاحظ أن الفقه الإسلامي جاء بتنظيم أدق وأعدل بالنسبة للأكراه البدني، فمنع سجن المعسر، واشترط لإرغام المدين على الأداء عن طريق سجنه أن يكون موسرا ([13]).
ج – حرية الإثبات في المواد التجارية: يكفي الرجوع هنا إلى آية الإثبات للوقوف على حكمة التشريع الإلهي ودقته، ولنتأمل قول الله تعالى في الآية 282 من سورة البقرة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّق اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَم لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)”.
خاتمة:
يبدو جليا للمتأمل المنصف أن فقهاء الشريعة بذلوا جهودا ملحوظة يعز نظيرها، واستطاعوا بلورة عديد من الأمور وتأصيلها، بحيث لو اقتفينا أثرهم في الجد ودقة الفهم والتمحيص والتحليل لتمكنا من بناء نظرية عالمية في القانون عموما.
وإن كانت أحكام الفقه وقواعده لا تطبق الآن إلا نادرا وفي الأمور التي لم يصدر بشأنها قانون وضعي، فإن ذلك لا يعني أن الفقه الإسلامي صار فقها مهجورا، بل إنه ما يزال رافدا من أهم روافد القانون، كما أنه ما يزال أهم أصل من أصول كثير من النصوص وبمثابة الأعمال التحضيرية لها.
وإلى هذا وذلك فإنه يكفي الفقه الإسلامي أن يكون أداة لشحذ أذهان الباحثين والدارسين، وسجلا شاهدا بما كان عليه علماء السلف.
ومن هذا صار تدريس هذا الفقه ودراسته وفهمه أمرا لازما، شريطة أن يناط ذلك بمن تؤنس منهم القدرة على تفهيمه وتبسيطه وبيان أسسه وأصوله.
والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
[(**)](**) محاضرة ألقيت يوم 21/10/05 بمؤسسة مولاي سليمان بوجدة، بدعوة من مؤسسها الأستاذ السيد محمد علال سيناصر.
[1] انظر محمد جمعة عبد الله، الكواكب الذرية في فقه المالكية، الجزء الثالث، ص 325، المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الخامسة، 1990/1410.
[2] انظر الشيخ علي التسولي، البهجة في شرح التحفة، الجزء الثاني، ص 381، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1418/1998.
[3] قرار رقم 39 صادر بتاريخ 26/9/79 ملف اجتماعي 73741، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 26، ص 131.
[4] قرار رقم 50 صادر بتاريخ14/1/1942 ، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 23، ص43.
[5] قرار عدد 39 صادر بتاريخ 26/9/76 في الملف عدد 73741 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 20 ص 131.
[6] انظر سيدي أحمد الرهوني التطواني، حادي الرفاق إلى فهم لامية الزقاق، التنبيه 10 عقب شرح قول الناظم “وناء كمن القيروان …” وانظر موسوعة قواعد الفقه والتوثيق المستخرجة من حادي الرفاق، إعداد محمد القدوري، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، ص 186 ، 04/1424، وانظر التعليق بالهامش 1.
[7] انظر موسوعة قواعد الفقه والتوثيق، مرجع سابق، الصفحة144 ، هامش 4.
[8] انطر موسوعة قواعد الفقه والتوثيق، مرجع سابق، ص 421 وما يليها، انظر الهامش 1 أسفل الصحيفة 421.
[9] راجع شرح لامية الزقاق لدى قوله، رحمه الله، في البيت 59: بطبع أو التسمير إن لم يعب إذا، تغيب ولتخرج ذوي الروح مسجلا.
[10] أنظر: شرح الرصاع على حدود ابن عرفة، الطبعة الأولى، المطبعة التونسية، 1350هـ، ص 418 و419.
[11] انظر موسوعة قواعد الفقه والتوثيق، مرجع سابق، ص 323 وما يليها، انظر الهامش 1 أسفل الصفحة 323.
[12] قرار المجلس الأعلى عدد 3515 صادر بتاريخ 29 شتنبر 2000 في اللف المدني عدد 99/3/1/2051، منشور بمجلة القصر، العدد الأول، ص 116.
[13] أنظر شراح اللامية لدى قوله في البيت 160: وإلا فلا، أولا، خلاف.





