حنان سعيدي
باحثة جامعية في صف الدكتوراه
وحدة قانون العقود والعقار– كلية الحقوق بوجدة
تقديم:
لا شك في أن المرأة كانت مهضومة الحقوق في بعض مراحل التاريخ، وهذا ما كان عند عرب الجاهلية مثلاً يوم كانت المرأة محرومة من الإرث، وكانت مهانة، معرضة للوأد والبيع والاسترقاق، وكذلك في بعض الشرائع القديمة، كالشريعة اليونانية والشريعة الرومانية في أول عهدها، كانت المرأة تحت الحجر الدائم مدى حياتها، أي كانت ممنوعة من التصرف في مالها وحقوقها من دون إذن زوجها أو وصيها([1]).
ولكن يشهد التاريخ بأن الشريعة الإسلامية أعطت للمرأة كافة حقوقها المدنية، فهي سواء أكانت متزوجة أم لم تكن تتمتع بحق التملك الكامل وبحق التصرف في أموالها كما تشاء وهي في ذلك كالرجل دون استثناء.
هذا وقد استطاعت التشريعات المدنية، وأخص بالذكر مدونة الأسرة ومدونة التجارة، أن تتدرج في إعطاء المرأة المغربية سواء أكانت متزوجة أو غير متزوجة حقوقها المدنية شيئاً فشيئاً.
إلا أن ظهير التحفيظ العقاري لا زال يحمل أحكام قانونية شبيهة بتلك الأحكام التي كانت تسنها الشرائع الغربية القديمة، وكان يطبقها عرب الجاهلية على المرأة، فهي أحكام لا تمت بصلة لديننا الإسلامي الحنيف ولا لقوانين بلادنا، والعلة في ذلك أن القانون الأساسي لنظام التحفيظ لم يلحقه التعديل منذ أن سنه مشرع الحماية الفرنسية أي منذ سنة 1913.
انطلاقاً مما سلف أتساؤل كيف تسبب عدم إخضاع ظهير التحفيظ للمراجعة والتعديل ما يقارب قرن من الزمن في ضياع حقوق فئة النساء المغربيات المتزوجات؟ أو بعبارة أخرى أكثر صراحة كيف تسببت شيخوخة ظهير التحفيظ في ضياع حقوق النساء المغربيات المتزوجات؟
سأجيب على هذا التساؤل من خلال دراسة مدى تسبب شيخوخة القانون الأساسي لنظام التحفيظ العقاري في ضياع حقوق المرأة المغربية المتزوجة وذلك سواء على مستوى إجراءات تحفيظ حقوقها العقارية (المبحث الأول) أو على مستوى إجراءات تقييدها على الرسوم العقارية (المبحث الثاني).
المبحث الأول: ظهير التحفيظ وحقوق المرأة المتزوجة على مستوى إجراءات التحفيظ
على هذا المستوى بداية أتساءل عن ما إذا كانت مقتضيات ظهير التحفيظ بعد بلوغه من العمر عتياً لا زالت تتلاءم والمقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة([2])؟
نص المشرع المغربي في الفصل 13 من ظهير التحفيظ على أن يتضمن التصريح الخاص بطلب الحفيظ النظام المالي للزوجية، وهذا يدل على أن نظام التحفيظ العقاري يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات مدونة الأسرة، وكما هو معلوم أن مشرع هذه المدونة استطاع بموجب المادة 49([3]) منها إنصاف المرأة في هذا الخصوص، حيث راعى المجهودات التي تكون بدلتها في تنمية أموال زوجها، وهذا يعني أن مشرع مدونة الأسرة اعترف بذلك الحق العرفي وهو “حق الكد والسعاية” مستفيداً في ذلك بما أقره الفقه الإسلام والقضاء المغربي.
كذلك نجد بأن مشرع ظهير التحفيظ حسن فعل حينما حدد على سبيل المثال في الفقرة الرابعة من الفصل 10 تلك الحقوق العينية الإسلامية التي يحق التقدم بطلب تحفيظها، إذ أن هذا التعداد اللاحصري سيمكن المرأة المغربية المتزوجة من التقدم بطلب تحفيظ حقها في الكد والسعاية، ففي رأي أن هذا الحق هو من الحقوق العينية الإسلامية بدليل أن أول من سنه هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا ما قضت به محكمة الاستئناف بآسفي بموجب قرار لها جاء فيه: “إن حق السعادة أو حق الكد، كما يسمى في بعض الأعراف يعتبر من الحقوق المعترف بها في الفقه الإسلامي منذ سيدنا عمر بن الخطاب في حكمه للبيبة بنت الأرقم ضد أخ زوجها بنصف ما ترك الزوج، لكونها كانت نساجة طرازة فساهمت بذلك في تكوين التركة…” ([4]).
ولكن أمام عدم نص مشروع ظهير التحفيظ صراحة في الفصل 10 على أن هذا الحق هو من الحقوق الإسلامية التي يحق التقدم بطلب تحفيظها، فهذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى رفض طلبات التحفيظ لحق الكد والسعاية الذي تتقدم به المرأة المغربية المتزوجة.
وللأسف أنه حتى مشروع قانون التحفيظ سنة 2007 لم يعالج ما تطرحه مقتضيات الفصل 10 من ظهير التحفيظ من إشكالات قانونية من شأنها أن تقف عقبة أمام إنصاف المرأة المغربية المتزوجة التي كدت وسعت في تنمية ثروة زوجها.
وفي هذا الإطار أتساءل هل سيساهم في ضمان الحقوق العقارية للمرأة المغربية المتزوجة تنصيص مشروع قانون التحفيظ لسنة 2007 في الفصل 13([5]) أن يتضمن التصريح الخاص بطلب التحفيظ الاتفاقات التي تتم بين الزوجين وفقاً لمقتضيات الفقرتين الأولى والثانية من المادة 49 من مدونة الأسرة؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل أود الإشارة إلى أن الحياة الزوجية في نظر معظم النساء المغربيات لا تنبني على وثائق وعقود وإثباتات كما تنص المادة 49 من مدونة الأسرة، بقدر ما تسودها الثقة، الأمر الذي يجعل المرأة المغربية تساهم بقسط وفير في إنماء ثروة زوجها دون أن تثبت ذلك وعند الطلاق قد يستحوذ الزوج على كل الثروة دون إعارة الاهتمام إلى مجهودها.
وهكذا أرى بأنه ليس من شأنه ضمان حماية حقوق المرأة المغربية تكريس مشروع قانون التحفيظ لسنة 2007 للمقتضيات الواردة في المادة 49 والخاصة بالاتفاقات المتعلقة بتدبير ما تم اكتسابه من أموال إذا لم تفعل هذه المقتضيات القانونية بتنظيم حملات لتوعية النساء المغربيات بأهمية الاتفاقيات التي تم بينهن وبين أزواجهن طبقاً لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة السالفة الذكر.
وبقراءة متأنية لنصوص ظهير التحفيظ العقاري 12 غشت 1913 المتعلقة بالباب الأول الخاص بإجراءات التحفيظ العقاري، لا نجد أي نص قانوني يفرض على المرأة المغربية المتزوجة أن تتقدم لتحفيظ حقوقها العقارية بطلب من زوجها أولاً ثم بطلب منها.
هذا وقد نص الفصل 56 من ظهير التحفيظ على أنه: “إذا حرر الرسم العقاري أو سجل بحق عيني في اسم امرأة متزوجة ليس لها حرية إدارة أمواله حسب قانوني الأحوال الشخصية الذي تخضع له، وجب التنصيص في الرسم على هذا الوضع وحين تسترجع هذه المرأة حرية إدارة أموالها يمكنها الحصول على تغيير في رسمها”.
وإن هذه المقتضيات القانونية تفيد بأن المرأة المغربية غير معنية بهذه المقتضيات أولاً لأن مدونة الأسرة المغربية تنص في مادتها 49 على أن الذمة المالية للزوجة مستقلة عن زوجها، وهذا يعني أن لها مطلق الحرية في التصرف في مالها دون رقابة زوجها ولا ولاية له على أموالها، وكذلك كان الوضع في إطار مدونة الأحوال الشخصية الملغاة([6]) وثانياً: لأن مدونة التجارة تنص في مادتها 17 على أنه: “يحق للمرأة المتزوجة أن تمارس التجارة دون أن يتوقف ذلك على إذن من زوجها”.
وطبعاً هذا شيئ جميل فهو يدل على رغبة المشرع المغربي في إقرار مبدأ المساواة وفي تطبيق أحكام الله عز وجل التي هي أول من أقرت هذا المبدأ.
غير أن التساؤل الذي يمكن أن نطرحه في هذا الإطار هو هل يمكن الجزم في أن المرأة المغربية المتزوجة، يحق لها أن تتقدم لتحفيظ أو تقييد ممتلكاتها بطلب منها أولاً وليس بطلب من زوجها أمام وجود تلك المقتضيات القانونية التي وردت في الفصل 79 من ظهير التحفيظ المدرج في القسم الثاني من هذا الظهير الخاص بإشهار الحقوق العينية العقارية المقامة على العقارات المحفظة وفي تسجيلها في السجلات العقارية؟.
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال دراسة مدى تسبب شيخوخة ظهير التحفيظ في ضياع حقوق المرأة المغربية المتزوجة على مستوى تقييد هذه الحقوق على الرسوم العقارية.
المبحث الثاني: ظهير التحفيظ وحقوق المرأة المتزوجة على مستوى إجراءات التقييد
على هذا المستوى كذلك نطرح الإشكالية القانونية الخاصة بحق المرأة المغربية في تقييد حقها في الكد والسعاية على العقار المحفظ الذي لم يكتسب مطلقها ملكيته بمفرده وإنما بسعيها وكدها وكفاحها إلى جانبه، فللأسف أن عدم نص ظهير التحفيظ صراحة على حق الكد والسعاية ضمن الحقوق العرفية الإسلامية في الفصل الثامن من ظهير 2 يونيو 1915 كحق الجلسة والزينة والهواء ساهم إلى حد بعيد في ضياع حق المرأة المغربية المتزوجة المكافحة مع زوجها، وهذا ما تبت لنا من خلال وقائع نازلة “تقدمت فيها سيدة كانت متزوجة من رجل لمدة ثلاثين أو أربعين سنة بطلب إلى السيد المحافظ لتسجيل تقييد احتياطي على عقار محفظ في ملك طليقها بهدف قيد حقها في الكد والسعاية على هذا العقار غير أن المحافظ رفض طلبها على أساس أن القانون لا يسمح بتسجيل هذا الحق، لذلك لجأت المرأة إلى الطعن في قرار المحافظ أمام المحكمة الإدارية بالرباط مطالبة بإلغائه لشطط في استعمال السلطة”([7]).
ولكن والله الحمد أن القضاء المغربي أنصف هذه المرأة، وهكذا علينا أن نقف وقفة إجلال وإكبار أمام هذا الموقف القضائي.
غير أنه إذا كان القضاء المغربي قد اعترف بحق الكد والسعاية فإنه اختلف اختلافاً بينا حول نطاق تطبيقه أي هل تستفيد منه حتى المرأة القاطنة بالمدينة أم أنه يقتصر على المرأة القاطنة بالبادية؟، فهناك اتجاه قضائي اعترف بهذا الحق للمرأة المغربية المتزوجة سواء كانت قاطنة بالمدينة أو بالقرية([8])، في حين أن هناك اتجاه آخر قضى بهذا الحق فقط لفائدة نساء البوادي([9])، وفي نظري أن سبب اختلاف القضاء حول نطاق تطبيق هذا الحق يرجع إلى عدم الاعتراف الصريح به من قبل مشرع ظهير التحفيظ العقاري.
وهكذا يتضح لنا بأن مرور ستة وتسعين سنة على تطبيق ظهير التحفيظ دون إخضاعه إلى مراجعة وتعديل، أدى إلى جعله غير مواكب للمستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة والتي من شأنها أن توفر الحماية اللازمة للمرأة المغربية المتزوجة.
أما فيما يخص الإشكالية الثانية الخاصة بمدى حرية المرأة المغربية المتزوجة في تقديم طلب تحفيظ حقوقها العقارية أو تقييدها، فيمكن القول بأنه إذا كانت مقتضيات الفصل 56 من ظهير التحفيظ تفيد بأن المرأة المغربية المتزوجة يحق لها أن تتقدم هي أولاً بطلب تحفيظ أو تقييد ممتلكاتها التي قد تكون ورثتها من أبيها أو من أي أحد من أقاربها أو التي تملكتها من عرب جبينها، فإنه للأسف المقتضيات التي جاءت في الفصل 79 ضربت عرض الحائط بهذه الإفادة.
وهكذا فقد جاء في هذا الفصل “تسجل حقول المرأة المتزوجة بطلب من زوجها وإلا فبطلب منها أو من أقاربها أو أصدقائها”.
في بداية تعليقي على ما جاء في هذا الفصل أتساءل هل كان هدف مشرع الحماية الفرنسية بسنه لهذا المقتضى القانوني هو أن يتم تطبيقه على المرأة المتزوجة المغربية أو المرأة المتزوجة الفرنسية؟.
إذا بحثنا في وضعية المرأة المغربية في تلك الآونة أي عند سن ظهير التحفيظ 12غشت 1913، حيث كانت المرأة المغربية تكاد تكون محرومة من قضاء حوائجها بمفردها وإنما برفقة أحد محارمها، سيفهم بأن المرأة المغربية هي المعنية بما جاء في الفصل 79 من ظهير التحفيظ، أما إذا تمعنا في العبارة الأخيرة التي وردت في الفصل 79 من ظهير التحفيظ المذكور وهي كالآتي: “وإلا فبطلب… أو أصدقائها”، سيفهم بأن المرأة المتزوجة الفرنسية هي المعنية بهذا النص القانوني. خاصة وأن المرأة المغربية كانت إلى وقت غير بعيد محرومة من حق التملك وكانت خاضعة في جميع تصرفاتها لإذن زوجها أو إذن القضاء. ولكنها اليوم أصبحت تملك الحقوق المدنية في معظم البلاد الغربية بما فيها دولة فرنسا([10]).
وفي رأيي أياً كانت المرأة المعنية بهذه المقتضيات القانونية عند سنها أي سواء كانت المرأة المغربية أو الفرنسية، فهذا النص ما دام لازال يحتفظ به مشرعنا المغربي ولم يلغيه على الإطلاق فهذا سيدل على أن المرأة المغربية هي المقصودة به.
وفي هذا الإطار يتساءل أحد الباحثين([11]) قائلاً: “فهل يحق للمحافظ رفض طلب التسجيل بحجة أن الطلب يجب أن يقدم من طرف الزوج؟
ويجيب على تساؤله بالقول: “نعتقد أن المحافظ إن فعل ذلك يكون قد خالف مقتضيات قانونية صريحة”([12]).
وفي لقاء لي مع السيد المحافظ العام صرح بأنه لم تسجل لدينا ولا حالة رفض من المحافظين لطلب تحفيظ أو طلب تقييد حق من الحقوق على الرسم العقاري مقدم من قبل الزوجة.
وفي رأيي إذا كانت مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ لا تطبق مطلقاً، فما الذي يمنع مشرعنا من إلغائه كما ألغى مجموعة من نصوص ظهير التحفيظ كالفصول 96 و 39و 46؟!.
ومن وجهة نظري أيضاً أنه حتى وإن كان مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ لا يتم تطبيقها على أرض الواقع، فإن مجرد تواجدها في القانون الأساسي لنظام التحفيظ العقاري فيه إهانة لكرامة المرأة المغربية، خاصة وأنه ليس كل أجنبي قد تتهيأ له فرصة الدخول إلى محافظتنا العقارية والتحقق مما إذا كانت مقتضيات الفصل معطلة من الجانب العملي، غير أن من السهولة بمكان أن يصل إليه هذا القانون أي ظهير التحفيظ 12 غشت 1913.
ولنفترض- وإن كان هذا الافتراض من المستحيل أن يتحقق- أن هذا الفصل القانوني ينص على عكس ما جاء في الفصل 79 من ظهير التحفيظ، بمعنى أنه لا يسمح للرجل المغربي المتزوج أن يسجل أو يحفظ حقوقه العقارية إلا بطلب من زوجته أولاً، وأن هذا المقتضى القانوني لا يتم تنفيذه على الإطلاق فأكيد أن مجرد وجوده سيثير غضب الرجل المغربي وسيشعره بأنه فيه إهانة خطيرة لكرامته ورجولته.
وإذا كان الزوج المغربي يرضى بتطبيق مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ على زوجته لأنه قد يكون طرفاً مستفيداً، فإنه استحالة مطلقة أن يرضى بتطبيقه على أخته أو أبنته.
ربما قد يستند البعض في تبرير ما جاء في الفصل 79 من ظهير التحفيظ إلى نقصان عقل المرأة، وهو تبرير سخيف حتى أن هناك من يجرؤ على إثبات ذلك بالاستدلال بالحديث النبوي الشريف “ناقصات عقل ودين”. وهذا استدلال خاطئ يحرف به حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطبق عن الهوى، والذي أعطى للمرأة مكانة رفيعة وقيمة عالية لم يمنحها إياها أحد من قبله ولا من بعده عليه أشرف الصلاة والسلام.
وهذا ما كرسه الفقه الإسلامي، فقد روي عن الإمام الأعظم أبا حنيفة أنه جوز للمرأة أن تكون قاضية في مسائل الأموال.
وربما قد يستند البعض الآخر في تبرير مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ إلى جهل المرأة المغربية أو ضعف مستواها التعليمي، لكن إذا كانت المرأة المغربية أو العربية بشكل عام اشتهرت بتأخرها عن التعليم فإن الرجل أيضاً كان متأخراً في هذا الميدان، وأهم أسباب هذا التأخر خضوع البلاد العربية لسلطان الاستعمار الأجنبي ما لا يقل عن خمسة قرون كان الرجل العربي خلالها محروماً من الحريات والحقوق جميعاً، أما اليوم وقد زالت هذه العلة، وأصبحت معظم الشعوب العربية مستقلة وأقبل الرجل والمرأة على التعليم، ولم تعد المرأة مختصة بمملكة البيت فحسب، بل إنها خرجت منها إلى ميدان العمل الخارجي، فهي تشارك أخاها الرجل في معظم نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهي تدفع الضرائب، وتشترك في تحمل معظم الواجبات العامة، وفي الواقع فإن للمرأة المغربية حقوقاً يجب أن تتمتع بها وأن تدافع عنها ولا تسمح بحرمانها منها ولو كان هذا الحرمان معنوي كما هو وضعها مع مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ فحرمانها من حق تحفيظ أو تقييد حقوقها العقارية لاسيما متى كانت متعلمة، مخالف لمبادئ الشريعة كما رأينا سلفاً، ومخالف أيضاً لمبادئ الديمقراطية التي لا تمنع هذا الحق حتى عن الرجل الجاهل، فلا يليق على كل حال أن تكون المرأة المغربية في منزلة المعتوهين والقاصرين والمحكوم عليهم وغيرهم من المحرومين من هذا الحق.
وهكذا إذا كانت مقتضيات الفصل 79 من ظ ت ع لم تسبب في ضياع الحقوق المادية للمرأة المغربية المتزوجة، باعتبارها معطلة من الناحية العملية، فإنها قد تسببت في ضياع حقوقها المعنوية، وما ضياع الحقوق أياً كانت طبيعته مادية أو معنوية إلا ضياع للكرامة وعنوان الاستعباد والذل.
وأشير إلى أنه عند إطلاعي على البعض من قوانين التحفيظ العربية المقارنة لم أجد مثيلاً لمقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ ففي مجلة الحقوق العينية التونسية نجد الفصل 393 ينص على ما يلي: “ترسيم حقوق المحجورين للصغر أو لغيره من الأسباب يتم بطلب من مقدميهم فإن لم يطلبوا ذلك قام به ممثل النيابة العمومية أو حاكم الناحية أو أقارب المحجورين أو أصدقاؤهم أو المحجورين أنفسهم”. ولم يتبع هذا الفصل بفصل نص على مقتضيات شبيهة بتلك التي وردت في الفصل 79 من ظهير التحفيظ، بل لم يأت بأي فصل يحمل على الأقل المقتضيات التي جاء بها مشرع التحفيظ اللبناني، ففي القرار 186 الخاص بالتحديد والتحرير الإجباري نجده ينص في مادته 21 على أنه: “يجري تسجيل الحقوق العائدة لفاقدي الأهلية بناء على طلب أوليائهم أو أوصيائهم أو من يقوم مقام هؤلاء…”.
وفي المادة الموالية أي المادة 22، فقد نص فيها على ما يلي: “إن تسجيل الحقوق العائدة إلى المرأة المتزوجة التي تقضي الأحوال الشخصية التابعة لها تلك المرأة بتحفظات خاصة بها، يجري بناء على طلب الشخص الذي يمثلها قانوناً بحسب أحكام أحوالها الشخصية…”.
وهكذا فحبذا لو نص مشرع ظهير التحفيظ 12 غشت 1913 في الفصل 79 على نفس هذه المقتضيات، فهو عندئذ سيكرس المقتضيات التي جاء بها في إطار الفصل 56 من نفس الظهير، وسيؤكد بأن المرأة المغربية المتزوجة ليست هي المعنية بكل هذه المقتضيات القانونية التي تقيد من حريتها في حفظ حقوقها العقارية وحمايتها.
انطلاقاً من هذا أتساءل، ألا يمكن أن تجعل مقتضيات الفصل 79 من ظهير التحفيظ المرأة المغربية أقل شأناً من نظيرتها العربية؟!
عموماً خير فعل مشروع قانون التحفيظ العقاري رقم 07/14 حينما ألغى نص الفصل 79، ففي رأيي إذا ما تم الإبقاء على هذا الفصل فلربما قد ينتهي الأمر إلى تطبيقه في يوم من الأيام من قبل أحد المحافظين العقارية، ومن يدري؟.
خاتمة:
في خاتمة هذه المقالة سأكتفي بتقديم اقتراحين، على أمل أن يأخذهما مشرعنا بعين الاعتبار وهما كالآتي:
- نص مشرع ظهير التحفيظ صراحة على حق المرأة المتزوجة في طلب تحفيظ أو تقييد حقها في الكد والسعاية.
- إلغاء الفصل 79 من ظهير التحفيظ لما يحمله من مقتضيات فيها إهانة لكرامة المرأة المغربية وكرامتها داخل المجتمع وحبذا لم يتم صياغة نص قانوني يخول لها صراحة حق التقدم بطلب تحفيظ أو تقييد حقوقها دونما حاجة إلى أخذ إذن من زوجها.
لائحة المراجع
أ- الكتب:
- صبحي محمصاني- في دروب العدالة- دار العلم للملايين- الطبعة الأولى- يناير- 1982.
ب-المداخلات:
- عبد اللطيف الودناسي- حجية الرسم العقاري وإشكالات عدم الحيين- ندوة الأنظمة العقارية في المغرب يومي 5و 6 أبريل 2006- مركز الدراسات المدنية العقارية- كلية الحقوق- مراكش- المطبعة الوطنية- مراكش- الطبعة الأولى- 2003.
- محمد الكشبور- مفهوم وطبيعة حق الكد والسعاية- الأنظمة العقارية في المغرب- أعمال الندوة الوطنية التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق- جامعة القاضي عياض- مراكش يومي 5و 6 أبريل 2002- المطبعة الوطنية- الطبعة الأولى 2003.
ج-المجلات:
- مجلة المعيار- العدد 39.
ح-القوانين:
- القانون الأساسي لنظام التحفيظ العقاري المغربي 12 غشت 1913.
- مجلة الحقوق العينية التونسية.
- قانون التحديد والتحرير الإجباري اللبناني رقم 186.
- مدونة الأسرة المغربية.
- مدونة التجارة المغربية.
[1] صبحي محمصاني في دروب العدالة- دار العلم للملايين –الطبعة الأولى – يناير- 1982- ص: 252.
[2] صادر بتاريخ 3 فبراير 2004 تحت رقم 03/70- منشورة بالجريدة الرسمية عدد 5184- بتاريخ 5 فبراير 200-ص418.
[3] تنص المادة 49 من مدونة الأسرة على أن: “لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها. يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر.
إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة”.
[4] قرار رقم 1253 صادر بتاريخ 4 نونبر 1985 ملف مدني عدد 885/85- أورده محمد الكشبور- مفهوم وطبيعة حق الكد والسعاية- الأنظمة العقاري في المغرب- أعمال الندوة الوطنية التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق- جامعة القاضي عياض- مراكش يومي 5 و 6 أبريل 2002- المطبعة الوطنية – الطبعة الأولى 2003-ص 36/37.
[5] إذا ورد فيه ما يلي: “يقدم طالب التحفيظ تصريحاً للمحافظ الذي يعطيه وصلاً به، ويكون موقعاً من طرفه أو من طرف مفوض من قبله بوكالة خاصة، ويضمن لزوماً ما يلي:
- الاسم الشخصي والعائلي… النظام المالي للزواج أو كل اتفاق ثم طبقاً لمقتضيات الفصل 49 من مدونة الأسرة..
- …
- …
- …
- …
- بيان الحقوق العينية العقارية المترتبة على الملك مع التنصيص على أصحاب هذه الحقوق بذكر أسمائهم الشخصية والعائلية .. والنظام المالي للزواج أو كل اتفاق تم طبقاً لمقتضيات الفصل 49 من مدونة الأسرة…”.
[6] راجع المادة 35 من هذه المدونة.
[7] محمد الكشبور- مرجع سابق-ص27.
[8] قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط تحت رقم 244 بتاريخ 04/04/2000- ملف عقاري عدد 1929/6323- مجلة المعيار عدد 39-ص71.
[9] نفس المرجع ص71.
[10] صبحي محمصاني- مرجع سابق- ص253.
[11] عبد اللطيف الودناسي- حجية الرسم العقاري وإشكالات عدم التحيين- ندوة الأنظمة العقارية في المغرب يومي 5 و6 أبريل 2006- مركز الدراسات المدنية والعقارية- كلية الحقوق- مراكش- المطبعة الوطنية- مراكش- الطبعة الأولى-2003-ص322.
[12] عبد اللطيف الودناسي- مرجع سابق-ص322.


