لعواد زكرياء

طالب باحث بسلك الدكتوراه

بكلية العلوم الاقتصادية والقانونية بسلا

إطار بوزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء

تقديم:

   تعتبر المنازعة الجبائية هي تلك الحالة القانونية الناشئة عن وجود خلاف بين الملزم أو المدين من جهة وإدارة الضرائب أو التحصيل من جهة ثانية، بمناسبة قيام هذه الأخيرة يتجدد وعاء الضريبة وتصفيتها وتحصيلها ومن خصوصيات هذه المنازعة أنها منازعة على مراحل بمعنى أنها لا ترفع ابتداء إلى القضاء بل لا بد لها أن تمر من مرحلة الطعن الإداري أو الطعن أمام اللجان الإدارية الضريبية حسب الحالة، قبل اللجوء في المرحلة الأخيرة إلى القضاء[1].

  على اعتبار أن هذه الآلية التي أوجدها المشرع سواء على مستوى المدونة العامة للضرائب، وقانون الجبايات المحلية رقم 47.06 على مستوى الوعاء أو فيما يخص مدونة تحصيل كان الهدف الأساسي منها تمكين الإدارة من فرض رقابتها على أعمالها و تصفية المنازعات في مهدها وتحقيق العبء على القضاء إضافة إلى اعتبارها ضمانة ملزمة في توفير الوقت و الجهد عليه، وإذا ما قدم الخاضع للضريبة مطابقة أمام الإدارة سواء كانت إدارة الضرائب أو الأجهزة المكلفة بالتحصيل فهو بذلك يجب أن يتقيد بمجموعة من الشروط والأجالات حتى تقبل هذه المطالبة من طرف الإدارة المختصة من حيث الشكل أولا قبل الغوص في موضوعها و من المعلوم أن الملزم غير مقيد برد الإدارة سواء الإيجابي أو السلبي على مطالبته بل يمكنه قبل ذلك أن يرفع دعواه أمام الجهة القضائية المختصة وقيام الإدارة الضريبية، بحكم وظيفتها القانونية، بربط و تحصيل الضرائب من الطبيعي أن يثير العديد من الخلافات و المنازعات بين الخاضعين للضريبة والإدارة، بالرغم من أن هذه الأخيرة يفترض فيها أن تمارس مهامها وفقا للقوانين، وهذه الخلافات وضع لها المشرع عدة مراحل من أجل حلها. وبالتالي يبدو أن المنازعة الجبائية بصفة عامة يمكن أن تقطع أشواطا كثيرة ويستغرق حكما وقتا طويلا، لذا فإنه قد يكون من المفيد للطرفين (الإدارة والخاضع للضريبة) حسم الخلاف القائم بينهما في مراحله الأولى من هنا تظهر أهمية المطالبة كأحد أشكال التسوية البديلة للمنازعات الضريبية أمام القضاء[2].

  وسنعمل في هذا البحث وقبل التطرق لأثار التظلم الإداري في المبحث الثاني منه، سنخصص المبحث الأول لإظهار أوجه التشابه والاختلاف بين كل من المطالبة في مرحلة التأسيس والمطالبة في مرحلة التحصيل لغاية مهمة وهي أن المدونة العامة للضرائب تشهد تعديلات دورية سنوية بموجب كل قانون مالية سنوي بينما المدونة العامة للتحصيل بقيت ثابتة لم يطرأ عليها أي تعديل، وبذلك يكون التصميم على النحو الاتي:

المبحث الأول: التظلم الإداري بين التأسيس والتحصيل

المبحث الثاني: آثار التظلم الإداري في ميدان تحصيل الديون العمومية أو تعامل القضاء الإداري مع المطالبة الإدارية في ميدان تحصيل الديون العمومية

المبحث الأول: المطالبة الإدارية بين مرحلتي التأسيس والتحصيل

أقر المشرع المغربي على غرار باقي التشريعات في معرض بحثه عن بإقرار نوع من التوازن في العلاقة بين الإدارة الجبائية والملزم بهدف تسوية العلاقات الناجمة عن تضارب مصالح الطرفين مسطرة أو آلية المطالبة[3] ومن المعلوم أن المشرع من خلال مدونة التحصيل جعل الباب السابع منه للمطالبات التي تنظمها وفق الفصول 117 إلى الفصل 121 و بالأخص تكون ممارسة الطعن الإداري وفق هذه المدونة طبقا للمادتين (120-121) إذا تعلقت المنازعة بمسطرة تحصيل الديون العمومية ولم يحل تنظيم الأمر الى المدونة العامة للضرائب لأنه في ذلك تمييزا بين نوعين من المنازعات الجبائية حسب المراحل التي تنصب عليها، وسند التمييز هذا يعود إلى طبيعة العملية الضريبية التي تبدأ من مرحلة الوعاء (الأساس الضريبي) تم التصفية (احتسابها) تم التحصيل (استخلاصها) وتنقسم هذه المراحل الثلاث على جهتين إداريتين اثنتين تختص كل جهة في عمليات جبائية محددة و يرتكز هذا التقسيم على مبدأ هام في تنفيذ ميزانية الدولة وهو الفصل بين سلطتين هما: الأمر بالعرف أو بالأشخاص من جهة والمحاسب من جهة أخرى[4] وبالتالي يسقط ذلك على موضوع المطالبة ما بين التأسيس (المطلب الأول) والتحصيل (المطلب الثاني)، وما يلاحظ من تفاوت بين كل منهما هنا جوهر هذا المبحث الأول

المطلب الأول: المطالبات النزاعية بمناسبة تحديد وعاء الضرائب

إن الالتزام بتقديم التظلم الضريبي بصفة عامة و التظلم بمناسبة تحديد الوعاء بصفة خاصة، يجد مصدره في نصوص التشريع الضريبي فلا يجوز للمكلف اللجوء مباشرة الى القضاء وإنما يجب أن يتقدم ابتداء بالتظلم أمام الإدارة الضريبية وهذا الالتزام له طابع إجرائي و بالتالي يعتبر التظلم الإداري la réclamation fiscal مرحلة المنازعة الضريبية[5]و تستمد المطالبة الإدارية في مجال التأسيس أساسها القانوني من مقتضيات المادة 235 من المدونة العامة للضرائب و المادة 161 من القانون 47.08 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية وتنصب هذه المطالبات بالأساس على إصلاح الأخطاء التي قد ترتكبها الإدارة الضريبية أثناء مباشرتها لإجراءات فرض الضريبة وعلى المطالبة بالانتفاع بحق يرتبه نص تشريعي أو تنظيمي، وكذلك على إعادة النظر في الضريبة غير مطابقة لنص قانوني أسمى أو كان واردا في معاهدة ثنائية لتفادي الازدواج الضريبي وسنتناول هذه المطالبات في هذا المطلب من خلال تخصيصه (الفرع الأول) للتعريف بالمطالبات النزاعية المقدمة بمناسبة تحديد وعاء الضرائب و كذا الإجراءات الشكلية التي يجب إتباعها لتقديم المطالبة النزاعية أمام الإدارة الضريبية المختصة (الفرع الثاني).  

الفرع الأول: تحديد مدلول المطالبة الإدارية في تحديد الوعاء الضريبي

بخصوص تحديد مفهوم المطالبة قد اختلف الفقه في إيجاد تعريف هو حد لما يسمى بالمطالبة، فالبعض يعرفها أنها شكلية أو الطلب المقدم من طرف الملزم، أو الممول للضريبة العامة، أو الخاضع للضريبة الى الإدارة من أجل مراجعة أو تخفيض أو إلغاء الفرض الضريبي، أو إصلاح الأخطاء المادية التي يمكن أن ترتكب خلالها، و البعض الأخر يجعلها تسمى بالتظلم[6].

و انطلاقا من هذا التعريف سنعمل على الإحاطة بهذا الموضوع من خلال بيان حالات اللجوء الى المطالبة الإدارية بمناسبة تحديد وعاء الضريبة و ذلك من خلال فقرتين أساسيتين، الفقرة الأولى، مطالبة الملزم الرامية الى إصلاح أخطاء الإدارة الجبائية، اما الفقرة الثانية نخصصها  لمطالبة الملزم بالانتفاع بحق.

الفقرة الأولى: مطالبة الملزم الرامية إلى الإطلاع على أخطاء الإدارة الجبائية

يتعلق الأمر بمطالبة الملزم بتصحيح الأخطاء المرتكبة من طرف الإدارة الضريبية كأن تكون نفس الضريبة قد فرضت عليه أكثر من مرة واحدة، أو فرضت عليه خطأ فيطلب إسقاطها.[7]

فعندما يتعلق الأمر بضريبة غير مشروعة تكون هناك مطالبات يهدف من ورائها أصحابها إلى الاستفادة من حق ظاهر قانونا ومن صور هذه الحالة أن تفرض الضريبة على الأرباح العقارية على شخص يعتبر معفيا منها أو تفرض الضريبة على الأرباح العقارية على شخص يعتبر معفيا منها أو تفرض الضريبة على القيمة المضافة على نشاط غير خاضع للضريبة أو كذلك فرض الضريبة بناء على معلومات وفرتها مسطرة الإطلاع دون التأكد من صحتها…

وهذا من النوع من الطلبات غالبا ما يقدمه ملزمون عارفون بحقوقهم قادرون على إثبات خطأ الإدارة ويدلون بما يثبت ذلك، لتبقى المسألة الأساسية في هذا النوع من النزاعات هو مدى فعالية جهاز الإدارة للبث في شكاية الخاضع للضريبة واتخاذ القرار المناسب بالسرعة المناسبة[8].

وغالبا ما تتخذ المنازعة الضريبية في هذا الإطار أشكالا مختلفة سواء تعلق الأمر بطلبات التحقيق وطلبات الإعفاء أو طلبات للرد التي تقدم من طرف الملزم أو طلبات الرد المقدمة من طرف الغير.[9]

الفقرة الثانية: مطالبة الملزم بالانتفاع بحق

ففي هذه الحالة يستهدف الملزم من تقديم شكايته لدى الإدارة الجبائية، الانتفاع بحق أو إعفاء ضريبي يقرره القانون وكما هو معلوم، فإن المشرع الضريبي على جل دول العالم، ينص على إعفاءات ضريبية لأسباب مختلفة تتنوع تبعا للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بكل دولة[10].

  لكن الإشكال المطروح بهذا الصدد هو أن المكلفين في غالب الأحيان يطالبون الحصول على امتياز أو حق نصت عليه الإدارة الضريبية في منشور أو دورية والسؤال المطروح هنا هو ما إذا كانت هذه الدوريات والمنشورات التي تصدرها إدارة الضرائب تشكر قانونا بمفهومه العادي يخول للمكلف الاستفادة من مقتضياته.

إن اللجوء إلى الدوريات الضريبية يعتبر أحد أوجه ممارسة الإدارة لسلطاتها التقديرية، وبالتالي فهي تدخل في صميم العمل الداخلي للإدارة.[11]

  لكن هذا التوجه بصفة عامة فيه خلل لأن ليس كل الدوريات والمنشورات هي من صميم العمل الإدارة، ولكن نعتبر هذا التوجه بصفة عامة في خلل، لأن ليس كل الدوريات والمنشورات هي من صميم عمل الإدارة ولكن نعتبر في هذا الإطار طابع قانوني في حالة ما إذا جسدت نصا قانونيا ما في شكل دورية أو منشور في هذه الحالة نكون أمام حق الملزم من الانتفاع بحق جاءت به هذه الدورية أو المنشور تطبيقا لقانون ما.

الفرع الثاني: الإجراءات الشكلية لتقديم المطالبة

  تخضع المطالبة الإدارية في مجال التأسيس إلى ضرورة احترام مجموعة من الإجراءات والضوابط عند ممارستها، وإن كانت هذه المطالبة تثير حقا مخولا للملزم الذي يتنازع في مجموع أو بعض مبلغ الواجبات الضريبية المفروضة عليه، أو تلك الرامية إلى الانتفاع بحق ينص عليه القانون، ففي جميع الحالات أحاط المشرع أمر المطالبة النزاعية بمجموعة من الإجراءات الشكلية التي يتعين الشكاية لها(الفقرة الأولى)أو فيما يتعلق بأجل تقديم المطالبة الذي عرف تحديا مهما جاءت به مدونة الضرائب لسنة 2018(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: شكل المطالبة والجهة المخولة لها تقديم الشكلية

  في إطار قراءة نصوص المدونة العامة للضرائب التي تنظم مجال تقديم المطالبة لا نجدها تنص على شكلية محددة في تقديم المطالبة أو الشروط الواجب احترامها من لدن الملزم عند تقديمها.

   لكن بالرجوع إلى الدورية التفسيرية الصادرة عن المديرية العامة للضرائب نجدها نصت بأن التظلم يجب أن يكون مكتوبا وموقعا من طرف الملزم أو أي شخص مفوض من قبله لهذا الغرض. وأنه يمكن من تحديد هوية المتظلم وكذا نوعية الضرائب موضوع المنازعة، كما ألزمت سرد الوسائل التي يستند إليها الملزم وتدعيمها بالإثباتات الضرورية[12].

الفقرة الثانية: شكل المطالبة والجهة المخول لها تسلمها.

   والملاحظ أن جل النصوص القانونية لمختلف الضرائب تلزم توجيه المطالبة وهو ما يعني أن الغاية التي قصدها المشرع أن تكون كتابة، مع العلم أن كتابة هذه المطالبات في الأصل تكون كتابة، مع العلم أن كتابة هذه المطالبات في الأصل لا تتم عن طريق الملزمين شخصيا، بل الأفضل من ذلك أن بعض الجهات التي تمتهن الكتابة العمومية وتتخذ للمطالبات نماذج موحدة رغم اختلاف الموضوع والأسباب الداعية إلى النزاع بيت الإدارة الضريبية والملزم وهو ما يجعل الإدارة الضريبية في حيرة من أمرها لاستخلاص العناصر الخلافية الأمر الذي يدعو إدارة الضرائب وفي إطار تواصلها مع الملزم أن تساعده على توضيح خلافه ولو شخصيا[13].

  وفيما يخص الجهة المختصة بالنظر في تلك المطالبات التي تتعلق بأساس الضريبة واحتسابها فيعود الأمر بصفة عامة إلى مديرية الضرائب، أو الجهة الإقليمية، أو اللجنة المكلفة بذلك، ويتم إيداعها لدى المصالح الإدارية، إما من طرف الملزم نفسه أ من ينوب عنه[14].

  يعتبر تقديم المطالبة داخل الآجال القانونية من الشروط الجوهرية التي يجب أخذها بعين الاعتبار من طرف الخاضعين للضريبة لضمان دراسة شكايتكم من طرف الإدارة وتتأتى أممية الآجال من كونها تصور رغبة المشرع في استتباب الأمن والسلامة القانونية بالنسبة للإدارة التي ينبغي أن تكون متأكدة من أن قراراتها ستكون غير قابلة للطعن بعد حين.[15]

  والملاحظ أن مواعيد الطعن الإداري كانت غير موحدة على مستوى المنظومة الجبائية وبالتالي كان للتعدد النوعي في الآجال آثار سلبية على الخاضعين للضريبة، وكان يساهم في تعقيد الإجراءات وعدم الإلمام الجيد بهذه المواعيد يؤدي إلى ضياع حقوق الخاضعين للضريبة، وفي هذا الصدد عمد المشرع الفرنسي إلى توحيد آجال التظلم بالنسبة لجميع الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة[16].

  وفي هذا الإطار حدد المشرع المغربي آجالا واضحة لتقديم التظلم وكذا آجالا كجواب الإدارة عليه دون إغفاله لاحتساب آجال الطعن القضائي وكل ذلك من خلال المادتين 235 و243.

   ففي ظل المدونة السابقة لسنة 2015 كان على الملزم في حالة عدم قبول القرار الصادر عن الإدارة أو في حالة عدم جوابها داخل اجل 6 أشهر الموالية لتاريخ مطالبته، أن يعمل على الطعن القضائي وفق ماهو منصوص عليه في المادة 243.

   أما التعديل الجوهري الذي جاءت به المدونة العامة للضرائب بهذا الخصوص هو التقليص من مدة الممنوحة لجواب الإدارة و التي انتقلت من 6 أشهر ل 3 أشهر فقط. دون المساس بمدة الاجالات التي تخص تقديم المطالبة و التي يجب أن تقدم خلال الستة أشهر سواء تعلق الأمر بالمطالبة في حالة أداء الضريبة بصورة تلقائية، أو فيما يتعلق بالمطالبة المقدمة على اثر فرض ضريبة عن طريق جداول أو قوائم الإيرادات أو أوامر بالاستخلاص

المطلب الثاني: شرط التظلم الإداري.

إن المنازعة القضائية في التحصيل هي منازعة في المسطرة المتبعة لتحصيل الضريبة والطعن في صحة الإجراءات الشكلية لهذه  المتابعة،  إلا أن إقامة الدعوى أمام القضاء تقتضي سلوك مسطرة  التظلم الإداري، وهي مرحلة سابقة على المرحلة القضائية.

فما المقصود بالتظلم الإداري في ميدان تحصيل الديون العمومية؟(الفرع الأول) وماهي شروطه (الفرع الثاني).

  الفرع الأول: مفهوم الظلم الإداري.

   تجدر الإشارة إلى أن الملزم بالضريبة، في ظل ظهير 21 غشت 1935 لم يكن ملزما بسلوك مسطرة التظلم الإداري المسبق، بل كانت كل المنازعات المثارة والمتعلقة بإجراءات التحصيل ترفع مباشرة إلى الجهة القضائية المختصة، عكس ما ما هو معمول به في التشريع الفرنسي،[17] وأغلب التشريعات المغاربية[18]، حيث لا تختلف منازعات الوعاء عن المنازعات المتعلقة بالتحصيل في هذا الجانب.

وقد كان ذلك من أهم العيوب والانتقادات الموجهة إلى هذا القانون في تنظيمه لمسطرة المنازعات،[19] عكس المنازعة في وعاء الضريبة وتصفيتها،التي تعتبر المرحلة  ما قبل القضائية، أي التظلم الإداري إلزامية يترتب عن عدم سلوكها من طرف الملزم المدعي،  رفض الدعوى القضائية التي يقيمها، لكونه لم يستنفذ المرحلة التمهيدية[20].

لكن ورغم عدم وجود ما يلزم الملزم/المدين بضرورة تقديم التظلم الإداري قبل المنازعة القضائية، كقاعدة عامة، فقد نص المشرع، في إطار الظهير السابق، على إلزامية الطعن الإداري في المنازعات المتعلقة بالتحصيل في مناسبتين استثنائيتين هما:

الفقرة الأولى: أثناء مطالبة الغير بالأشياء المحجوزة

    وفي هذا الإطار ينص الفصل 34 من ظهير 21 غشت 1935على أنه: ” إذا أجريت مطالبة باسترداد المنقولات والأثاث المحجوز، أو طولب بفصل أشياء منها، غير ممكن حجزها، لا يسوغ، رفع المعارضة لدى المحاكم، إلا بعد مضي شهر على عرضها لمدير المالية – بصور بيان من طرف المطالب بالاسترداد.

ومن اللازم أن يكون البيان المذكور مصحوبا بالأوراق والبيانات المبنية عليها المطالبة بالاسترداد”

إن قراءة هذا النص يؤدي إلى تسجيل الملاحظات التالية:

– إن طلبات الاسترداد توجه إلى الخازن العام للمملكة الذي يبت فيها بتفويض من وزير المالية.

– إن هذا الفصل، لا يتحدث عن طلبات استرداد العقارات المثارة من طرف الغير رغم أهميتها بالنظر إلى المنقولات.

– لم يتم التنصيص صراحة على أن تقديم الغير طلب استرداد المنقولات والأثاث المحجوز، يوقف عمليات الأداء إلى حين البت في الطلب عكس المشرع الفرنسي، حيث تنص المادة 283 من مجموعة المساطر الجبائية على أن طلبات الاسترداد توقف إجراءات المتابعة[21]، وهو نفس المنحى الذي سلكه المشرع التونسي[22].

   وبالرجوع إلى القواعد العامة المتعلقة بالحجز المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية،خاصة الفصل 468[23] يتبين أن الخزينة العامة للمملكة لها سلطة واسعة في تقدير قيمة البيانات المقدمة من طرف المعترض، وما إذا كانت كافية لوقف إجراءات التنفيذ والمتابعة أم لا.

   إلا أنه بالرجوع إلى القواعد الخاصة المنصوص عليها في إطار ظهير 21 غشت 1935،  وخاصة الفصلين 33 و35 منه، يمكن الجزم استنادا إلى هذه المعطيات، أن مطالبة الغير بالمنقولات والأثاث المحجوز لا توقف الأداء في القانون الضريبي المغربي.

الفقرة الثانية: أثناء مطالبة المدين بوقف أداء الضريبة

   ويقصد بطلب وقف الأداء،  الطلبات الموجهة إلى الخازن العام  والتي يرغب المكلف من ورائها وقف إجراءات تنفيذ  السند التنفيذي الذي أصدرته الإدارة الضريبية، إما لوجود منازعة في أصلها أو أساسها.

  ويلاحظ أنه بالرغم من أن الأصل في الدين الضريبي هو الأداء الفوري، وهي نفس القاعدة التي نصت عليها جل التشريعات[24]، ومع ذلك فإن المشرع المغربي أقر إمكانية طلب إيقاف الأداء وهو حق استثنائي متوقف على تقديم ضمانات تعادل مبلغ الدين الضريبي.[25]

  ولقد كان عدم إلزامية الطعن الإداري في غير الحالتين أعلاه، من أهم العيوب الموجهة لنظام المنازعات في ميدان تحصيل الضرائب، لذلك، كان طبيعيا أن يراعي المشرع هذا الجانب في  المدونة الجديدة، ويأخذ بعين الاعتبار المزايا التي تحققها مسطرة التظلم الإداري والمتمثلة أساسا في :

* توفير فرص أخرى أمام المدين لتسوية المنازعة قبل الوصول إلى المرحلة القضائية.

* تجنب المصاريف التي تتطلبها المنازعة أمام القضاء.

* تمكين الإدارة المكلفة بالتحصيل من استدراك الأخطاء والإغفالات التي قد تكون ارتكبتها.

* تسوية نسبة مهمة من المنازعات على المستوى الإداري والتي لا حاجة لطرحها أمام القضاء.

* طرح المنازعة أمام جهة تتوفر، أكثر من غيرها، على جميع المعطيات الواقعية والبيانات اللازمة، وعلى أصل الملف الخاص بالمشتكي[26].

  وقد نصت المدونة الجديدة على إلزامية التظلم الإداري في المادة 120 من مدونة التحصيل والتي ورد فيها مايلي:

” ترفع المطالبات المتعلقة بإجراءات التحصيل الجبري، تحت طائلة عدم القبول، إلى رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المحاسب المكلف بالتحصيل المعني أو إلى من يمثله، داخل أجل ستين يوما الموالية لتاريخ تبليغ الإجراء مدعمة بالمستندات التي تثبت تكوين الضمانات، طبقا لما هو منصوص عليه في المادة 118 أعلاه.

عند عدم رد الإدارة، داخل أجل ستين يوما الموالية لتاريخ توصلها بالمطالبة، كما في الحالة التي يكون القرار فيها في غير صالح المدين، يمكن لهذا الأخير رفع دعوى أما المحكمة المختصة.”

الفرع الثاني: شروط تقديم الطعن الإداري  

  يتبين من المادة 120 أعلاه، أنه لصحة المطالبة الإدارية، يتطلب توفر شرطين لازمين، سواء كان المدين مدينا أصليا أم مدينا بالتضامن، ينبغي توفرهما في الشكايات أو الطعون المقدمة بشأن الطعن في إجراءات  التحصيل الجبري هما: شرط احترام الآجل (الفقرة الأولى) وشرط تقديم الضمانات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : شرط احترام الآجال.

ينبغي أن يوجه الطعن الإداري إلى رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المحاسب المكلف بالتحصيل أو من يمثله، داخل أجل ستين يوما الموالية لتاريخ تبليغ الإجراء موضوع الطعن، وتظهر أهمية احتراز القابض وحرصه على مباشر مسطرة التبليغ على وجهها القانوني المحدد، كما أسلفنا، كما تظهر أهمية ضبط تاريخ تبليغ أي إجراء من إجراءات التحصيل، لأن فائدته تظهر في أنه يشكل بداية لاحتساب تاريخ توجيه الطعن ضده بحيث أن المدين ملزم بإثبات أن الطعن قدم داخل أجل الستين يوما المذكور.[27]

ويعتبر أجل تقديم المطالبة الإدارية أمام المحاسب المكلف بالتحصيل أو من يمثله، على غرار باقي المنازعات الإدارية الأخرى، من النظام العام، وينتج عن عدم احترام الأجل في الطعن الإداري، سقوط الحق في رفع النزاع أمام القضاء.

وكما أن للمدين أجلا، يتعين احترامه، فإن للإدارة كذلك، مهما كان نوع النزاع، أجلا للرد وهو ستون (60) يوما الموالية لتاريخ تبليغ التظلم،أو لتاريخ التوصل بالمذكرة، وأن انصرام هذا الأجل هو الذي يفتح في وجه المتظلم إمكانية إقامة الدعوى داخل أجل ثلاثين (30) يوما الموالية لتاريخ تبليغ قرار الإدارة أو انصرام أجل الرد.[28]

أما أثناء مباشرة الحجز على أموال في حوزة المدين بضرائب لفائدة الخزينة، والحالة أن هذه الأموال مملوكة للغير، فإن ذلك يترتب عنه قيام هذا الغير للمطالبة بإخراج أمواله من الحجز، أو باسترداد الأموال التي لا تقبل الحجز قانونا، إذ يجب على المطالب أن يوجه مذكرة إلى رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المحاسب المكلف بالتحصيل، أو من يمثله، مدعمة بجميع الحجج اللازمة، وذلك بالبريد المضمون مع إشعار بالتوصل، وعند عدم رد الإدارة داخل أجل ستين يوما، ابتداء من تاريخ التوصل بالمذكرة المشار إليها أعلاه، يمكن آنذاك رفع  القضية أمام المحكمة المختصة.

ويجب أن ترفع الدعوى أمام القضاء، تحت طائلة عدم القبول، داخل أجل ثلاثين 30 يوما الموالية لتاريخ تبليغ قرار الإدارة أو انقضاء أجل الرد الممنوح لها، في إطار[29]إما:

  1. دعوى الاستحقاق الفرعية.
  2. دعوى رفع اليد عما لا يجوز قانونا.
  3. دعوى الحكم ببطلان مسطرة التحصيل.

  وإذا كان لابد من إعداد المذكرة التمهيدية في طلبات استرداد أموال الغير، أو رفع الحجز عن تلك التي لا تقبل الحجز، والكتابة بالبريد المضمون مع الإشعار بالتسلم وانتظار أجل ستون 60 يوما لجواب الإدارة أو عدم جوابها، فهل يملك المحاسب المكلف بالتحصيل الاستمرار في عمليات التنفيذ بعد الحجز، رغم التعرض عليه بالمذكرة التمهيدية؟

  القانون الفرنسي يرتب إيقاف التنفيذ بقوة القانون لمجرد تقديم التظلم التمهيدي،الهادف إلى رفع الحجز عن الأموال المطالب بها،[30]بينما المادة 121، من مدونة تحصيل الديون العمومية، اكتفت بالإشارة إلى إمكانية إيقاف تنفيذ بيع المحجوز المطالب به،و لم تحدد الجهة التي يعود إليها أمر هذا الإيقاف، ولم تقل إنه مقابل تقديم ضمانات يجب دفعها،كما هو الشأن بالنسبة للمبدأ العام الذي أقرته المادة 117 من المدونة[31]، ونتيجة لذلك فإن ما تضمنته المادة 121 إنما يتعلق بإيقاف بيع الأشياء المحجوزة، مع استمرار الحجز عليها، وأن صلاحية الترخيص بالإيقاف تملكها الجهة التي تولت إيقاع الحجز،أي القابض المكلف بالتحصيل، إلى حين البت النهائي في المطالبة أو الفصل، من طرف الإدارة المتظلم لديها[32].

    أما دعوى استحقاق العقار، ورفع الحجز عنه، فتخضع لقواعد المسطرة المدنية، بحكم الإحالة عليها بنص المادة 67 من مدونة التحصيل[33].

   غير أن سلوك مسطرة التظلم الإداري قبل اللجوء إلى القضاء المستعجل لرفع الحجز مثلا، لا يعتبر لازما لتعارضه مع حالة الاستعجال التي يفرضها هذا الإجراء والتي لا تتحمل بطبيعتها الانتظار وتقتضي عرض النزاع على القضاء بأقصى سرعة ممكنة، وبالتالي فإن احترام مسطرة التظلم الإداري الأولى يسري على الدعاوى الموضوعية دون الاستعجالية، وهذا ما أكده القرار رقم 156 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 13 مارس 2003 في الملف 2180-4-2-2002[34]

   أما بالنسبة للتظلمات الإدارية المتعلقة بأساس الضريبة والموجهة إلى مديرية الضرائب، فالملاحظ أن التعدد النوعي في الآجال له آثار سلبية على الملزمين ومن شأنه أن يؤدي إلى ضياع حقوق الملزمين بخلاف المشرع الفرنسي الذي عمد إلى توحيد آجال الطعن بالنسبة لجميع الضرائب وبالتالي فلابد من تدخل المشرع المغربي للنص على مواعيد ثابة وموحدة على غرار المشرع الفرنسي[35].

   أما الإدارة فتتمتع بأجل أقصاه ستة أشهر للرد على طعون الملزمين وسكوت الإدارة الضريبية من غير تقديم جواب صريح بعد مرور هذه المدة يعتبر بمثابة رفض لطلبات الطاعن مما يفتح أمامه إمكانية اللجوء إلى القضاء خلال أجل شهر من يوم تبليغ المقرر الإداري الصريح أو الضمني، وذلك خلافا للتشريع الفرنسي الذي ينص في المادة 1938 من المجموعة العامة للضرائب على أنه يمكن تمديد أجل ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر إضافية مع ضرورة تبليغ المكلف بذلك، وفي حالة الرفض الكلي أو الجزئي للشكاية فإن قرار الإدارة يجب أن يكون مدعما بأسباب.

  وإذا كان الهدف من التظلم الإداري هو حل كثير من النزاعات وديا وفي أقصر الآجال، خاصة وأن نسبة 97% من النزعات تعرف حلا لها في هذه المرحلة[36]. إلا أنه على الرغم من ذلك لا تصح المبالغة في هذا الضمان فهو لا يشكل ضمانة حياد اتجاه الملزم والذي لا يشعر بالاطمئنان على حقوقه إذا ترك أمر البت فيها عند الاعتداء عليها إلى حكم خصم له في نفس الوقت إضافة إلى أن المكلف ملزم بتقديم ضمانة لتبرير موقفه وهي مهمة ليست باليسيرة لتعقد الإجراءات وضعف الثقافة الجبائية للمكلف، في مقابل خصم يتوفر على الوسائل القانونية والمادية لتنفيذ ادعاءاته، كما أن التظلم الإداري لا يؤجل أداء الضرائب التي يجب استخلاصها في أجالها القانوني، وهو ما من شأنه أن يخلق متاعب للملزم الذي يجب عليه أن يتحرر من دينه قبل أن يتعرض للزيادات عن التأخير التي تزيد من إثقال كاهله[37].

الفقرة الثانية: ضرورة تقديم الضمانات

  ولصحة التظلم الإداري، يجب أن يكون مدعما بالمستندات التي تثبت تكوين الضمانات المقدمة طبقا للمادتين 117و 118. ويعتبر هذا الشرط تكريسا للمبدأ العام الذي تتمسك به الخزينة العامة أمام القضاء والذي يفيد بأن الأداء شرط أساسي لقبول المنازعة، وهو دفع لطالما رفض القضاء الالتفات إليه، كما سنبين ذلك.

  والواقع أنه مادام المدين لا ينازع في موضوع الدين أو في شرعيته، وطالما أن منازعته منصبة فقط على إجراء من إجراءات تحصيله، فلم يعد هناك مبرر لعدم الوفاء بهذا الدين. على أنه قد يحدث أن تؤثر المنازعة في إجراء من هذه الإجراءات على موضوع الدين نفسه، كأن يلغيه مثلا، فالمدين في هذه الحالة لا يحتاج إلا إلى تكوين ضمانات في انتظار البت في المنازعة، وهنا تكمن أهمية هذا الشرط حيث يظهر كضمانة فعلية لصالح المدين[38] والخزينة معا.

المبحث الثاني: الآثار القانونية المترتبة عن تقديم التظلم الإداري.

    إن المشرع من خلال مدونة التحصيل لم يورد أي جزاء على مخالفة أي من الشرطين الواجب توفرهما في المطالبة الإدارية المقدمة إلى الإدارة المختصة، وهو ما يبعث على التساؤل حول جدية المشرع في وضعه لهذه الشروط، وحول ما إذا كانت العبرة بمبدأ تقديم الطعن الإداري فقط أم بمضمون هذا الطعن؟ لذلك يبقى الأمر متروكا للسلطة التقديرية للإدارة التي عليها أن تتصرف بأكثر إيجابية مع المدينين فتستدعيهم لاستكمال شروط وبيانات شكايتهم، كما أنه على الإدارة التعامل بنوع من المرونة بحيث لا ترفض الشكايات والمطالبات الواردة عليها إلا إذا تبين لها استحالة الوقوف على نية المدين المتظلم وملتمساته،إضافة إلى أنه لا مانع من قبول الشكايات والتظلمات حتى ولو قدمت خارج الأجل القانوني.

  إلا أن الأثر القانوني العام، المترتب عن عدم تقديم الطعن الإداري الأولي،هو الذي نص عليه المشرع في الفقرة الأولى من المادة 120 من المدونة التي تقول: ” ترفع المطالبات المتعلقة بإجراءات التحصيل، تحت طائلة عدم القبول”، من هنا يظهر أن الأثر القانوني المترتب عن عدم تقديم المطالبة الإدارية هو عدم قبول المنازعة أثناء عرضها أمام أنظار القضاء المختص.

   وفي هذا الإطار، نجد أن المحاكم الإدارية،في مجموعة من الأحكام،  قضت بعدم  قبول دعوى المدعي إذا سارع إلى مقاضاة الإدارة المدعى عليها دون سلوك المسطرة الإدارية المنصوص عليها في المادة 120 من مدونة تحصيل الديون العمومية،باعتبار أن قواعدها من النظام العام ومتصلة بقواعد آمرة[39]، كما يترتب عن سلوك الطاعن لمسطرة التظلم الإداري الأولي نتيجتان، إما إيجاد تسوية  نهائية للمنازعة على المستوى الإداري، وإما اللجوء إلى القضاء.

   يعتبر تقديم التظلم الإداري بصفة عامة من بين أهم الضمانات التي منحها المشرع سواء للمواطنين أو الإدارة، فإسقاط ذلك على ميدان تحصيل الديون العمومية تستمد أثار التظلم بالأساس في تكريس مبدأ الحوار بين الإدارة والمدين، كما يعتبر مناسبة تعمل من خلالها الإدارة بدراسة متأنية ومستفيضة للقرارات التي سبقت وان اتخذتها، ويمكن أن تخلص عند دراستها لمضمون هذه المطالبة سواء لتزكية موقف المدين إذا اعتبرت مطالبته أنها تستند على أسس معقولة، أوالي رفضها إذا ما تبين لها العكس. كما يمكن للإدارة في هذا الإطار وحرصا منها على فض النزاع المثار في مهده، أن تعمل حتى على مراسلة المدين لتوضيح ما ظهر لها انه غير جلي في تظلمه.[40]

   إلا أن الأثر القانوني المنصوص عليه في إطار مدونة تحصيل الديون العمومية والمترتب عن عدم تقديم الطعن الإداري الأولي، فان المشرع نص صراحة على هذا الأثر، وذلك من خلال مقتضيات المادة 120 من المدونة، على انه «ترفع المطالبات المتعلقة بإجراء التحصيل الجبري تحت طائلة عدم القبول. «، وهنا يظهر أن الأثر المستهدف من خلال هذه المادة هو عدم قبول المنازعة أثناء عرضها أمام أنظار القضاء المختص.

    وبهذا الخصوص نجد أن المحاكم الإدارية ومعها محكمة النقض ومن خلال مجموعة من الأحكام، قضت بعدم قبول دعوى المدعي «سارع إلى مقاضاة الإدارة المدعى عليها دونما سلوك المسطرة الإدارية المنصوص عليها في المادة 120 من مدونة تحصيل الديون العمومية باعتبار قواعدها من النظام العام والمتصلة بقواعد أمرة «. [41]

   ودائما ومع الآثار القانونية للتظلم الإداري وبالإضافة للمقتضيات الصريحة للمادة 120 سالفة الذكر، نجدد آثرا آخر للمسطرة الإدارية ألا وهو قطع التقادم ومصدر ذلك قراءتنا لمضمون المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، حيث وان كان التقادم ينقطع بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري، فيمكن إلى جانب ذلك أن ينقطع التقادم كذلك بإحدى الإجراءات المنصوص عليها في الفصلين 381 و382 من الظهير الشريف بمثابة قانون الالتزامات والعقود.[42]

حيث ينص الفصل 381 على أن «التقادم ينقطع بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية «، ومن المعلوم انه من التعاريف التي يمكن أن يعرف بها التظلم الإداري انه مطالبات غير قضائية الموجهة إلى القابض المكلف بالتحصيل والتي يرغب المكلف من ورائها إلى تأجيل أو تقسيط الأداء أو وقف السند التنفيذي الذي أصدرته الإدارة. [43] وهذا كذلك ما جاء به قرار لمحكمة النقض فاعتبار التظلم الإداري كإحدى حالات انقطاع التقادم، ” فانه على فرض صحة المطالبة المقدمة من طرف المطلوبين إلى الجهة المؤسسة لهذه الضريبة بتاريخ 24/01/2006 كإجراء قاطع للتقادم. تكون هذه المطالبة مقدمة بعد إجراءات تحصيل الضرائب أعلاه في 30/04/2003.” [44]

  وننطلق مما سبق لمعالجة هذا المبحث من خلال مطلبين أساسين، نخصص المطلب الأول لمناقشة التقادم الضريبي في ميدان تحصيل الديون العمومية، أما المطلب الثاني فسنعنونه بالطعن القضائي على إثر التظلم الإداري.

المطلب الأول: تقادم الدين الضريبي.

   يعرف التقادم فقها بأنه سبب لانقضاء الحقوق المتعلقة بالذمة المالية و لا سيما الالتزامات إذا توانى صاحبها عن ممارستها أو أهمل المطالبة بها خلال مدة معينة، يحددها القانون لان الأساس الذي ترتكز عليه فكرة التقادم هو توفير الاستقرار في المجتمع و إشاعة الاطمئنان و الثقة بين أفراده.[45]

وبالتالي فان مسالة تقادم الديون العمومية، قد تكون من المسائل التي لا ترغب الأجهزة الإدارية في حدوثها، لأنه نظرا لقواعد العدالة وتوفير الاستقرار في المجتمع وإشاعة الثقة بين أفراده من جهة وبين هؤلاء الأفراد والأجهزة المكلفة بالتحصيل من جهة ثانية، يعمد المشرع لتحديد مدة معينة يتحتم على الأجهزة الإدارية فرض الدين العمومي واستيفائه تحت طائلة سقوط هذا الحق بالتقادم.[46] وبهذا سنحاول التطرق في هذا المطلب وبتفصيل لطبيعة التقادم واجله (الفرع الأول)، ثم في الأخير طريقة احتساب اجله وكيفية انقطاعه وصور وقفه (الفرع الثاني).

الفرع الأول: طبيعة واجل احتساب التقادم.

تتجلى أهمية تحديد طبيعة الأجل في معرفة الآثار المترتبة عليه، فآثار أجل التقادم يختلف عن آثار أجل السقوط، لدى سوف نتطرق في البداية لطبيعة أجل التقادم، قبل تحديد مدة التقادم في تحصيل الديون الضريبية.

الفقرة الأولى: طبيعة تقادم الدين الضريبي

يميز الفقه بين أجل التقادم وأجل السقوط نظرا لاختلاف الآثار المترتبة على كل منهما، لأن أجل السقوط أجل حتمي يجب ممارسة الحق قبل انقضاءه، على عكس أجل التقادم الذي يعرف القطع والتوقف[47]

فأجل السقوط “La Forclusion” أجل نهائي يفرضه القانون لممارسة الحق خلاله تحث طائلة سقوط الحق، وتتجلى خصائصه، في أنه من النظام العام، لا يمكن التنازل عنه، ويمكن إثارته تلقائيا من طرف القاضي، ولا يخضع لقطع أو وقف المدة.

في حين أن التقادم الضريبي أجل تقادم وليس أجل سقوط، حيث تعتريه أسباب القطع والتوقف، وقد نص المشرع بصريح العبارة على مصطلح تقادم، كما نص على أسباب قطع الأجل في المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية،2 وذلك سيرا على هذى المشرع الفرنسي الذي يعتبره أجل تقادم حسب الفصول 169.L إلى 189.L من كتاب المساطر الجبائية، وهو نفس ما سار عليه المشرع المصري.

وهذا ما أكده القضاء الإداري، حيث جاء في حيثيات حكم للمحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 13/09/2000، ما يلي” حيث أن الأمد الرباعي المنصوص عليه في المادة أعلاه، مقرر لحماية الأوضاع المستقرة، وكجزاء لإهمال الدائن بالمطالبة بحقوقه داخل الأجل المحدد، ويعتبر أمد تقادم وليس بسقوط وبالتالي تسري عليه قواعد وقف وقطع الميعاد”.

   وعلى العموم فإن الآجال في المادة الضريبية بصفة عامة هي آجال تقادم، وليست آجال سقوط، حفاظا على الأموال العامة من الضياع، مادام أن أجل التقادم يمكن تمديده بوقفه أو قطعه، خلافا لأجل السقوط الذي يعتبر أجلا حتميا يجب أن يتم العمل قبل انقضاءه، وإلا كان باطلا.

  كما أن التقادم الضريبي ليس من النظام العام، فرغم عدم النص صراحة على ذلك في مدونة تحصيل الديون العمومية، فقد أحالت المدونة على قانون الالتزامات و العقود الذي نص في الفصل 372 على أن “التقادم لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لابد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به، و ليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه” و من هنا يمكن أن نستنبط أن التقادم في تحصيل الديون الضريبية ليس من النظام العام، و بالتالي يجب أن يتمسك به المدين بالضريبة.

الفقرة الثانية: أجل تقادم الدين الضريبي

  يأخذ المغرب وفرنسا بالتقادم الرباعي Prescription quadriennale، فبعد مرور أربع سنوات من إهمال الإدارة القيام بأي إجراء للتحصيل، لا يمكنها مطالبة المدين بالأداء، حيث يتحرر من الدين الضريبي.[49]

  فحسب المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، فإن إجراءات تحصيل الضرائب والرسوم والحقوق الجمركية وحقوق التسجيل والتمبر، تتقادم بمرور أربع سنوات من تاريخ الشروع في تحصيلها.

   أما في فرنسا فالتقادم الرباعي يجد أساسه في المادة 274.L من كتاب المساطر الجبائية، التي تنص على أن محاسبي الخزينة الذين لم يقوموا بأي متابعة ضد المدين خلال أربع سنوات متتالية، تسقط جميع حقوقهم، ولا يمكنهم القيام بأي إجراء ضد المدين، Article l274 “Le délai de prescription de l’action en recouvrement prévu au premier alinéa est augmenté de deux années pour les redevables établis dans un Etat non membre de l’Union Européenne

  هذا الأجل خاص بالمادة الضريبية، أما باقي ديون الإدارة المستحقة على الأفراد، فتستفيد من حيث المبدأ من أجل التقادم العام،[50] الذي يمكن أن يصل إلى ثلاثين سنة حسب القانون المدني الفرنسي، وخاصة المادة 2262 منه.

  ونلاحظ أن أجل أربع سنوات يبدوا قصيرا نسبيا، مع العلم أن الأجل العام لتقادم الالتزامات في المغرب هي 15 سنة، حيث نصت المادة 387 من قانون الالتزامات والعقود على أن ” كل الدعاوي الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمسة عشر سنة فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة”، فهدا الأجل وإن كان أجلا طويلا، ويتعلق بقواعد القانون الخاص بالأساس، فكان من الأحرى تطبيقه في المجال الضريبي للحفاظ على الدين الضريبي من الضياع.

  علما أن المشرع الفرنسي تدخل بمقتضى المادة 187.L من كتاب المساطر الضريبية لإعطاء الإدارة أجلا إضافيا لمدة سنتان، تبتدئ من نهاية مدة التقادم العادية، عندما تكتشف غشا ضريبيا.[51] كما يمكن تمديد أجل التقادم لمدة سنتان بالنسبة لمدينين الدين يقيمون في دولة ليست عضو في الإتحاد الأوروبي، طبقا للفقرة الثانية من المادة 274.L من كتاب المساطر الجبائية. [52]

  وإذا كان المغرب وفرنسا يأخذان بالتقادم الرباعي، فإن المشرع المصري يأخذ بالتقادم الخماسي، حيث تم تعديل مدة التقادم من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وقد أفصحت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون عن علة هذا التعديل الطارئ على مدة التقادم، على أنه جاء مراعاة لضغط العمل مما يهدد حقوق الخزينة العامة بالضياع إذا كانت المدة أقل من خمس سنوات.

  كما أنه إذا حصلت مصلحة الضرائب على حكم بثبوت الدين الضريبي، فإن مدة التقادم تصل إلى 15 سنة طبقا للمادة 385 من القانون المدني المصري، فحسب هذه المادة إذا صدر حكم بوجود الدين، وحاز قوة الأمر المقضي به، تصبح مدة التقادم الجديدة 15 سنة، ما مفاده أن الحكم النهائي القاضي بثبوت الدين يحدث تغييرا في مدة التقادم، لما له من حجية تزيد من حصانة الدين، وتمده بسبب جديد للبقاء، فلا يتقادم إلا بانقضاء 15 سنة.[53]

الفرع الثاني: احتساب أجل التقادم

  يعتبر أجل التقادم أجلا كاملا لا يدخل في حسابه اليوم الأول، و لا يكتمل إلا بانقضاء اليوم الأخير منه، وإذا صادف اليوم الأخير يوم عطلة امتد الأجل إلى اليوم الموالي لانتهاء العطلة، وذلك حسب الفقرة الأخيرة من المادة 17 من مدونة تحصيل الديون العمومية، التي اعتبرت أن الآجال المنصوص عليها في هذه المدونة تعتبر آجالا كاملة، كما نصت المادة 386 من قانون الالتزامات والعقود على أن “التقادم يحسب بالأيام الكاملة لا بالساعات، ولا يحسب اليوم الذي يبدأ التقادم منه في الزمن اللازم لتمامه، و يتم التقادم بانتهاء اليوم الأخير من الأجل”.[54]

   ولاحتساب أجل التقادم لابد من تحديد تاريخ سريان الأجل (الفقرة الأولى)، مع الأخذ بعين الاعتبار أسباب قطع ووقف الأجل (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: بداية سريان الأجل

  يبدأ سريان أجل التقادم من تاريخ الشروع في تحصيل الضرائب حسب المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، والشروع في استخلاص الضرائب يبدأ من نشر الجداول الضريبية في الجريدة الرسمية. [55]

  ونلاحظ أن استحقاق الضريبة في المغرب، يكون بعد مرور شهرين من تاريخ الشروع في التحصيل، وهذا ما نصت عليه المادة 13 من مدونة تحصيل الديون العمومية، حيث جاء فيها “تستحق الضرائب والرسوم المدرجة في الجداول عند انصرام الشهر الثاني الموالي لشهر الشروع في تحصيلها”.

  ومن هنا نستنتج أن سريان أجل تقادم تحصيل الدين الضريبي يبدأ قبل استحقاق الضريبة بمدة شهرين، في حين أن سريان التقادم كمبدأ عام يبدأ من تاريخ استحقاق الدين، إذ أن الدائن لا يكون باستطاعته المطالبة بالدين قبل استحقاقه، وهذا ما نص عليه قانون الالتزامات والعقود في المادة 380، حيث جاء فيها ” لا يسري التقادم بالنسبة للحقوق إلا من يوم اكتسابها”.

  هذا مع العلم أن الديون العمومية الأخرى غير الضرائب والرسوم، كالأوامر بالمداخيل المتعلقة بالديون العمومية غير الجبائية، فإن سريان أجل تقادمها يبدأ منذ تاريخ استحقاقها، أي عند انصرام أجل ثلاثين يوما من تاريخ إصدارها،[56] حسب المادة 16 من مدونة تحصيل الديون العمومية التي جاء فيها “تستحق الديون العمومية غير التي تمت الإشارة إليها في المواد 13و14و15 أعلاه، عند انصرام أجل ثلاثين يوما من تاريخ إصدارها”.

   وقد كان على المشرع أن يستعيض عن كلمة الشروع في التحصيل بكلمة تاريخ الاستحقاق كمنطق لاحتساب أجل التقادم.[57]

الفقرة الثانية: امتداد الأجل

  قد يعترض أجل التقادم مجموعة من الأسباب التي تؤدي إلى امتداده، إما بقطع الأجل، وذلك بإنهاء المدة السابقة لحدوت سبب القطع وبداية احتساب مدة جديدة انطلاقا من انتهاء سبب القطع، أو وقف الأجل وذلك باحتساب المدة السابقة عن حدوت سبب الوقف مع المدة اللاحقة لانتهاء السبب.

أولا: قطع أجل ال تقادمL’interruption de la prescription 

  ينتج عن قطع أجل التقادم استبدال مدة التقادم السابقة بمدة جديدة للتقادم،[58] وقد تطرق المشرع لأسباب قطع التقادم في الفقرة الأخيرة من المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، و قد جاء فيها”… ينقطع التقادم بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري يتم بمسعى من المحاسب المكلف بالتحصيل، أو بإحدى الإجراءات المنصوص عليها في الفصلين 381 و 382 من الظهير الشريف بمثابة قانون الالتزامات و العقود”، و يمكن إرجاع أسباب القطع المنصوص عليها في هذه المادة إلى أسباب تعود إلى المحاسب المكلف بالتحصيل، و أسباب تعود للمدين. [59]

1ـ أسباب تعود للمحاسب المكلف بالتحصيل

  يجب على المحاسب لكي يتفادى تقادم الديون الضريبية أن يقوم بإجراء من الإجراءات القاطعة للتقادم وهي مختلفة، منها الإنذار بإجراءات التحصيل، الحجز البيعي، الأمر بالأداء، الحجز التحفظي، الإشعار للغير الحائز، إلى غير ذلك، وتستهدف هذه الإجراءات حماية حقوق الخزينة.[60]

  غير أن بعض الفقه يرى انه لا يمكن اعتبار الحجز إجراءا قاطعا للتقادم إلا إذا كان حجزا تنفيذيا، ولا يعتبر الحجز التحفظي إجراءا قاطعا للتقادم ما دام لا يكون مسبوقا بالإنذار، وإنما هو إجراء احترازي يتخذه القابض في أي وقت من أجل ضمان تحصيل الديون الضريبية، غير أن تبليغ الحجز التحفظي إلى المدين وعلمه به، يمكن اعتباره إجراء قاطعا للتقادم، ويمكن الاحتجاج به أثناء إثارة التقادم أمام القضاء.[61]

  كما أحالت مدونة تحصيل الديون العمومية على المادة 381 من قانون الالتزامات والعقود، والتي نصت بدورها على أسباب قطع التقادم الراجعة للدائن، وقد جاء فيها “ينقطع التقادم:

1ـ بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت، من شأنها أن تجعل المدين في حالة مطل لتنفيذ التزامه، ولو رفعت أمام قاض غير مختص، أو قضى ببطلانها لعيب في الشكل؛

2ـ بطلب قبول الدين في تفليسة المدين؛

3ـ بكل إجراء تحفظي، أو تنفيذي يباشر على أموال المدين، أو بكل طلب يقدم للحصول على الإذن في مباشرة هذه الإجراءات”.[62]

وعلى ضوء ما تقدم تعتبر أي مطالبة يقوم بها المحاسب سواء كانت مطالبة قضائية أو غير قضائية إجراء قاطعا للتقادم.

  فالمطالبة القضائية يقصد بها الدعوى التي يرفعها المحاسب المكلف بالتحصيل ضد المدينين لاستخلاص دين عمومي، و من بينها دعوى بيع السفن، دعوى حجز و بيع العقار، دعوى بيع الأصول التجارية، دعوى المطالبة بتطبيق الإكراه البدني.

   أما المطالبة غير القضائية فيقصد بها تلك المطالبة الموجهة من الدائن إلى المدين شرط أن يكون لها تاريخ ثابت

    كما يعتبر التصريح بالدين الضريبي في إطار مساطر صعوبات المقاولة، إجراء قاطع للتقادم، و كذلك دعوى رفع السقوط عن الدين الضريبي.[63]

   ولا يعتد بإجراءات تحصيل الديون الضريبية في قطع التقادم إذا لم تتم وفق الشروط القانونية المنصوص عليها في مدونة تحصيل الديون العمومية،[64] لكن أغلب الإشكاليات التي يطرحها قطع التقادم هي تبليغ الإنذار، نظرا لامتناع بعض المدينين عن التوصل بالإنذار، وغيابهم المستمر عن مكان فرض الضريبة، وكذلك إنكار التبليغ رغم التوصل.   

   فالإنذار يجب أن يستجمع جميع شروطه، وأن يتم تبليغه للمدين وفق الشروط القانونية، للأخذ به في قطع التقادم، حسب المواد من 40 إلى 43 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

   وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي، حيث جاء في حيثيات حكم للمحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 29/01/2013 أنه “وحيث دأب الاجتهاد القضائي على ضرورة إثبات تبليغ الملزم بشكل فعلي وقانوني وتوصله بالإنذار القانوني ليعتد به في قطع التقادم”.[65]

   و يعتبر شرط توصل المدين بالإنذار محل إجماع المحاكم الإدارية، و هذا ما أكده حكم للمحكمة الإدارية بمكناس، بتاريخ 30/05/2013 إذ جاء فيه “…حيث استقر الاجتهاد القضائي في العديد من قراراته و أحكامه على أن الإنذار الذي يقطع التقادم هو الذي يتوصل به المعني بالأمر بصفة قانونية، و أن الإنذارات المعبأة في القوائم الجماعية و التي تتم الإشارة فيها إلى تبليغ المعني بالأمر، لا يمكن الالتفات إليها لكونها من صنع الإدارة المكلفة بالتحصيل، و أن مجرد توجيه الإنذار لا يقطع التقادم بل لا بد من توصل المدين به…”.[66]

  كما لا يعتد بتعليق الإنذار القانوني إذا لم تثبت الإدارة تعذر تسليمه للمعني بالأمر، وهذا  ما أكده حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 03/11/2009، حيت جاء فيه “…إدلاء الخزينة بما يفيد تعليق الإنذار القانوني، دون إثبات تعذر تسليمه للمعني بالأمر، لا يفيد قطعها للتقادم المنصوص عليه بالفصل 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية…”.[67]

   وقد أكدت الغرفة الإدارية ذلك في العديد من القرارات، نذكر منها قرار عدد 516، بتاريخ 30/05/2013، والذي جاء فيه “…حيث ما دام القابض لم يدل بما يثبت تبليغه للإنذارات للملزم بشكل فعلي -قبل انصرام أمد التقادم-وأنه لا يعتد بتعليق الإنذار في آخر موطن للملزم كإجراء صحيح تطبيقا للمادة 43 من مدونة تحصيل الديون العمومية، إلا إذا تعذر تبليغه فعليا بالطرق العادية، وإدلاء الإدارة المكلفة بالتحصيل بما يثبت ذلك…”.[68]

  مما يجعلنا نتساءل عن حجية بعض الإجراءات في إثبات تبليغ الإنذار، كالتقييد الواردة على سجلات الجداول الضريبية.

  لكن رغم حجية التقييد في الجداول الضريبية التي لا يطعن فيها إلا بالزور، حسب المادة 36 من مدونة تحصيل الديون العمومية، فإنه لا يقوم مقام تبليغ الإنذارات القانونية، ولا يعد إجراء قاطع للتقادم.

  وهذا ما أكده القضاء الإداري باستمرار، وكرسته الغرفة الإدارية في العديد من القرارات، نذكر منها قرار رقم 369، بتاريخ 05/04/2002، حيث جاء فيه “…إن كان ما أثبت بمستخرج الجداول من بيانات ينهض حجة على أن محصل المالية وجه التنبيه بدون صائر، فإنه لا ينهض حجة على الملزم، أمام إنكاره المستمر توصله بالإعلام الضريبي والإنذار بالأداء…”.[69]

  وقد أكدت القرارات الحديثة للغرفة الإدارية هذا المقتضى، ففي قرار لها بتاريخ 31/01/2013، أكدت فيه أنه “من الشروط اللازمة في الإنذار لكي يقطع التقادم ويكون المدين في حالة مطل لتنفيذ المطلوب في الإنذار، ثبوت التوصل به بصفة قانونية، أما صور مستخرجات الجداول المحتج بها فلا تشكل دليلا قانونيا على التوصل بالإنذارات المزعومة، إذ لا يعرف منها بتاتا من هو الشخص الذي قام بالتبليغ ولا مكان التبليغ ولا الطرف الذي تسلم التبليغ…”. [70]

  كما لا يمكن للخزينة العامة الاحتجاج بالعلم اليقيني للمدين كبديل عن التبليغ، وهذا ما أكدته الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، حيث جاء في أحد قراراتها بتاريخ 13/01/2011 أن “…انصرام أجل أربع سنوات على تاريخ الشروع في تحصيل الضرائب، دون ثبوت القيام بأي إجراء قاطع للتقادم، يجعل المطالبة بالتحصيل لاغية لتقادمها، ولا مجال لمواجهة الملزم الضريبي بالعلم اليقيني بوجود الديون الضريبية بحكم مهنته”.[71]

2ـ أسباب قطع التقادم العائدة للمدين

  طبقا للمادة 382 من قانون الالتزامات والعقود فالإقرار الصادر عن المدين يعتبر قاطعا للتقادم، سواء كان هذا الإقرار صريحا أو ضمنيا.

   ويتجلى الإقرار الصريح في كل تعبير يصدر عن المدين يفيد اعترافه بالدين الضريبي، فقد يكون في صورة اتفاق بين المدين و الإدارة الضريبية، و قد يوجه المدين طلبا إلى القابض من أجل تسهيلات في الأداء.[72]

  أما الإقرار الضمني فهو كل إجراء يقوم به المدين، ويستخلص منه اعترافه بالدين الضريبي، كأن يدفع قسطا من الدين، أو يدفع فوائده، أو يقدم ضمانات للمحاسب لأداء الدين الضريبي، كتقديم رهن أو كفالة أو طلب مهلة للوفاء.

  لكن الأداء الجزئي الذي تم بعد انقضاء أجل التقادم لا يعتد به في قطع التقادم، وهذا ما أكده حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 22/01/2013، حيث جاء فيه “… كما أن الأداء الجزئي لضرائب متقادمة لا يعتد به كإجراء قاطع للتقادم”.[73]

  وبتحقق أحد هذه الأسباب يتم قطع التقادم، بإزالة المدة السابقة وبداية احتساب مدة جديدة ابتداء من زوال السبب، وهذا ما نص عليه الفصل 383 من قانون الالتزامات والعقود.

    ومن هنا نلاحظ اتساع نطاق الإجراءات المؤدية إلى قطع التقادم، مما يشكل حماية للديون الضريبية من السقوط بالتقادم.[74]

ثانيا: وقف التقادم La suspension de la prescription 

  يؤدي الوقف إلى إيقاف سريان مدة التقادم طيلة سبب الوقف، على أن تستأنف السريان بعد اختفاء سبب الوقف، مع إضافة الوقت السابق.[75]

  وقد نص المشرع الفرنسي على وقف التقادم في الحالة التي يتقدم فيها المدين بطلب وقف الأداء، طبقا للمادة 277.L من كتاب المساطر الجبائية، التي تنص بصريح العبارة على أن استحقاق الدين وسريان تقادم إجراءات التحصيل يتوقف إلى غاية اتخاذ القرار النهائي في المطالبة، سواء من طرف الإدارة، أو من طرف المحكمة المختصة.[76]

   في حين لم يتعرض المشرع المغربي في مدونة تحصيل الديون العمومية لوقف التقادم، مع ذلك فإن التقادم في التحصيل يمكن أن تعتريه أسباب الوقف، كما هو الشأن في الحالات التي يستحيل على المحاسب المكلف بالتحصيل المطالبة بحقوق الخزينة خلال الأجل المقرر للتقادم، استنادا للفقرة الأخيرة من الفصل 380 من قانون الالتزامات و العقود، و هي الحالات التي يرجع فيها المانع من ممارسة هذا الحق إلى ظروف مادية اضطرارية مترتبة عن القوة القاهرة، كحدوث فيضانات، أو نشوب حريق، أو حدوث اضطرابات أو نشوب حرب مفاجئة، أو غير ذلك من الأسباب التي تحول دون قيام المحاسب بتحصيل ديون الدولة.

   على أن تقدير جدية هذه الأسباب متروك للسلطة التقديرية القاضي، فله أن يقبل بها وله أن يستبعدها كسبب موقف للتقادم.

  هكذا نكون قد تطرقنا للأثر القانوني الأول للتظلم الإداري في ميدان تحصيل الديون العمومية، المتمثل في مسالة التقادم على اعتبار أن من قواطعه هو تقديم المطالبة بين يدي المحاسب المكلف بالتحصيل، لكن يبقى الأثر الأساسي هو اللجوء للقضاء في حالة عدم تقبل المدين لرد الإدارة أو كذا في حالة سكوتها عن تظلمه.

المطلب الثاني: الطعن القضائي على إثر التظلم الإداري.

    قد عمات مدونة تحصيل الديون العمومية على بيان أثر التظلم الإداري على مرحلة الطعن القضائي في كل من المادتين 120 و121، حيث نجد المادة 120 صريحة في ذلك إذ حصرت حالتين فقط في حالة توفرهما يمكن للمدين معهما أن يلجا للقضاء، وهما كل من حالة عدم رد الإدارة داخل اجل 60 يوما أو عندما يكون القرار المتخذ في غير صالح المدين. فالحالة الأولى يعتبر عدم رد الإدارة على التظلم داخل اجل 60 يوما بمثابة رفض ضمني لتظلمه وهو ما يفتح أمامه باب اللجوء إلى القضاء في نفس الموضوع.[77]

   أما الحالة الثانية والمتمثلة في إذا ما كان القرار المتخذ في غير صالح المدين، وهي الصورة التي لا تعمل الإدارة على الاستجابة سواء بكيفية جزئية أو كلية لطلبات المدين. وهو ما يحتاج معه أن يتبين المدين وهو يقدم تظلمه أن يظهره بصورة جلية ومحددة بالشكل الذي تجعل الإدارة تستوعبها وتتبين منها. [78] غير أن هذه الاستجابة من لدن الإدارة كيفما كان فحواها يجب أن تعلل ذلك القرار وأن تخضعه لمقتضيات القانون 01.03 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها. [79]

   وبالتالي يعمل المدين في حالة توفر إحدى هذين الحالتين السابقتين، أن يلجا للجهة القضائية المختصة كطرف مدعي في مواجهة الإدارة المدعى عليها، وبالتالي نرى ضرورة أن نناقش في طيات هذا المطلب، شروط خاصة بالمسطرة القضائية (الفرع الأول) أما (الفرع الثاني) نجعله لدراسة الشروط الخاصة بأطراف الدعوى.

الفرع الأول: الشروط الخاصة بالمسطرة القضائية.

  لقد بين القانون المحدث للمحاكم الإدارية الذي يحيل على قانون المسطرة، فيما يتعلق بشروط الدعوى الضريبية والبيانات الضرورية المتطلبة في مقال الدعوى، في كون المسطرة القضائية في الطعون الضريبية تنفرد بمميزات وإجراءات مسطرية خاصة فهي، مسطرة كتابية (الفقرة الأولى)،   و تواجهية تفتيشية ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: المنازعة في التحصيل مسطرة كتابية

   ترفع القضايا أمام المحكمة الإدارية بمقال مكتوب[80]، نظرا لكون مبدأ كتابة المرافعات يعتبر من أهم القواعد التي يسير عليها القضاء خاصة أمام المحاكم الإدارية، بل وحتى قبل أن يعدل الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية بالفصل الثاني الخاص بالإجراءات المتبعة أمام المحاكم الإدارية، والذي كان ينص على مبدأ شفوية المرافعات،  فقد كانت الدعاوى تسير وفق مبدأ المسطرة الكتابية[81]، التي تم النص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 45  من قانون المسطرة المدنية المشار إليه، ضمن القضايا التي تكون فيها الدولة والمؤسسات العمومية و الجماعات المحلية طرفا في الدعوى، والسبب في ذلك هو أن إدارات الدولة، مثلا، ومنها الخزينة العامة، باعتبارها هيئة منظمة تحكم عملها الأوراق والمذكرات والمراسلات، حينما تكون طرفا في الدعوى، بحيث يمثل شرط الكتابة ضمانة أساسية للمتقاضين إذ ستمكن هذه المسطرة هيئة المحكمة من دراسة ملف القضية المعروضة على أنظارها، بشكل جدي وبتعمق، كما ستمكن الطرف المدعي، أي المدين الملزم بالضريبة، من طرح وجهة نظره بكل تفصيل بحيث أن الأوراق والمستندات الكتابية تعتبر الوسيلة الوحيدة للإثبات.

  إلا أن هذا لا يمنع من أي يقدم الخصوم في الجلسة بعض الملاحظات الشفوية ويقوم المحامون بإبراز بعض النقاط القانونية، ولكن هذه المرافعات الشفوية ثانوية الأهمية فهي توضح ما سبق إبداؤه بالكتابة، وليس من حق أطراف الدعوى أن يصروا أمام المحكمة على طلب المرافعة الشفوية وإنما لرئيس المحكمة أن يطلب منهم ما يراه لازما من إيضاحات، وقد ترتب على ذلك ضمان عدم المفاجآت.[82]

الفقرة الثانية: المنازعة في التحصيل مسطرة تواجهية تفتيشية.

 تتجسد المسطرة التواجهية أو الحضورية في تبادل المذكرات والتعقيب عليها بين أطراف الدعوى، في مختلف أطوار ومراحل سريان الدعوى أمام المحكمة إلى أن يقفل الملف بصدور أمر بالتخلي وتحديد الجلسة التي سيتم فيها إصدار الحكم.    لذلك نجد أن الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم في الدعاوى المتعلقة بالتحصيل، تشير في حيثياتها إلى التزامها بهذه المسطرة، أي المسطرة التواجهية، ومن ذلك مثلا حكم عدد: 309 الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 24 أبريل 2002   في الملف رقم 166/02-11 جاء فيه:

“وبناء على المقال ألاستعجالي الذي تقدمت به المدعية بواسطة نائبها…………. وأجاب قابض طنجة ادرادب بأن الحجز قد تم لتحصيل ديون عمومية وأن المنازعة في إجراءات التحصيل هي منازعة موضوعية … والتمس التصريح بعدم قبول الطلب شكلا وبرفضه موضوعا…”

وأجاب البنك الشعبي بواسطة نائبه بأنه قام بالإجراءات لفائدة القابض بناء على القانون والتمس الإشهاد له بذلك………. وبعد تبادل المذكرات مؤكدة ما سبق أدرجت القضية بجلسة ……”

 كما نجد كذلك في الحكم رقم 100، الصادر بتاريخ 25 فبراير 2003 عن المحكمة الإدارية بفاس، في الملف عدد 403/01 غ:” وبناء على المقال من أجل إخراج محجوز من الحجز……. وبناء على المذكرة الجوابية لقابض فاس الأطلس نيابة عن الخازن العام………. وبناء على المذكرة الجوابية للمدير الجهوي للضرائب………. وبناء على المذكرة الجوابية لدفاع المدعية المؤرخة في……….”

ويتأسس الطابع التواجهي في مسطرة التقاضي، في الطعون المتعلقة  بالتحصيل، في الاطلاع على مختلف الوثائق والمستندات التي يتكون منها  ملف الدعوى، مادام أن القانون يسمح للمتقاضين بالاطلاع، لدى كتابة ضبط المحكمة المختصة،على مستندات الدعوى حتى يتمكنوا من إعداد المذكرات الجوابية والتعقيبية الضرورية، بحيث يجوز للخزينة العامة، مدعية أو مدعى عليها، كما للملزم/المدين بالضريبة،مدعيا أو مدعى عليه، نفس الحق في الاطلاع على كافة المستندات والأوراق المودعة في ملف المنازعة دون مواجهتها بقاعدة الالتزام بالسر المهني  وتعتبر المسطرة التواجهية إحدى الضمانات الأساسية للملزم المدين بالضريبة الذي يوجد في وضعية غير متكافئة مع الإدارة المكلفة بالتحصيل التي تتمتع، بقوة ا

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading