طلبات إيقاف التنفيذ بين قضاء الموضوع
والقضاء الإداري الاستعجالي : المنازعات الجبائية كنموذج
د. محمد العلوي
أستاذ زائر بكلية الحقوق بسلا
منتدب قضائي من الدرجة الأولى بوزارة العدل
لقد اتسمت المعاملات الاقتصادية والمبادلات التجارية بحركية مفرطة بحكم الخضوع لسلطان العولمة والإذعان لمقتضياتها الشمولية والسريعة، الأمر الذي خلق في كثير من الأحيان ضحايا وخسائر قد تتكبدها الأطراف الضعيفة في المعادلة الاقتصادية والقانونية، والتي غالبا ما تكون الدولة طرفا قويا فيها كالمعاملات التجارية بشتى صورها وما ينجم عنها من ضرائب وديون عمومية لفائدة الدولة، إما بناء على خطأ أو سوء فهم في مرحلة تأسيس وربط تلك الضرائب والديون التي في حكمها وإما نتيجة لخرق القواعد الإجرائية المسطرية أثناء تحصيلها، ومن هنا تنبع الأهمية البالغة للقضاء المستعجل وخاصة الإداري منه للحد من جموح سلطان الإدارة الضريبية، بإصدار أحكام وأوامر مؤقتة من أجل إيقاف التنفيذ بناء على الصعوبات الوقتية إلى حين التصدي للجوهر من قبل قضاء الموضوع بإصدار أحكام وقرارات حائزة على قوة الشيء المقضي به، فالقضاء الاستعجالي يمكن الخصوم من استصدار قرارات مؤقتة وسريعة توفق وتوازي بين مبدأ التروي والتأمل وعمق النظر، الذي تتأسس عليه قواعد إصدار الأحكام وحسن سير العدالة، وبين ضرورة الاستعجال ومنطقه الذي لا يسمح بالانتظار وطول التأمل، نظرا لما يحدثه ذلك من أسرار بليغة بمراكز أطراف الدعوى الاستعجالية وحقوقهم يصعب تداركها بعد التنفيذ ،كمداهمة المقاولات والشركات بالحجز على آلياتها وبيعها بالمزاد العلني، وما ينجم عن ذلك من شل حركة نشاطها الاقتصادي وتشريد عمالها أو تهديد مديرها الملزم في حريته الشخصية بإخضاعه للإكراه البدني مقابل أداء ضرائب وديون لم يحسم فيها قضاء الموضوع، وتفاديا لذلك فان القضاء الاستعجالي يصدر أحكاما وأوامرا استعجالية تقضي بإيقاف التنفيذ مؤقتا إلى حين الحسم في موضوع النزاع. وبهذا يتم تحقيق التوازن بين أطراف المعادلة القضائية وفقا للمبدأ الأصولي إذا اجتمع ضرران فيجب ارتكاب أخفهما ودرأ المفسدة أولى من جلب المصلحة.
فإذا كان القاضي الاستعجالي يتمتع بسلطات تقريرية واسعة وفق قواعد القانون الخاص أمام المحاكم العادية والتجارية، فهل بإمكانه أن يمارس تلك السلطات أمام القضاء الإداري؟ خاصة وأن احد أطراف المنازعة الإدارية شخص عام قوي وعنيد، في حين أن الطرف الثاني ضعيف ومحدود الإمكانيات، الأمر الذي يحتم على القاضي الإداري مراعاة خصوصية الدعوى الإدارية وتحقيق توازنها في اتساق وانسجام مع قواعد العدل والإنصاف.
إن القضاء الإداري يتسم بالطابع الرقابي على أعمال الإدارة، تجسيدا لمبدأ سيادة القانون وحماية الشرعية والمشروعية وترسيخ دولة الحق والقانون.
ويما أن المقصد العام للإدارة العمومية هو العمل على تحقيق تلك المبادئ وإشباع الحاجيات العامة للمواطنين فإن اعتماد المسطرة الاستعجالية ،لا يتم إلا في حالات نادرة الأمر الذي حدا بالتشريعات المقارنة وخاصة مصر وفرنسا إلى تقليص اختصاصات القضاء الاستعجالي في المحاكم الإدارية وحصرها في نطاق ضيق للغاية، وسيرا على هذا المنوال واحتذاء بهذا النموذج فقد تحاشى المشرع المغربي في مشروع قانون 90-41 الإشارة إلى اختصاص القضاء الاستعجالي، لكن لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب المغربي أبت إلا أن تضيف المادة 19 من القانون المذكور، والتي تنص على أن رئيس المحكمة الإدارية أو من ينوب عنه يختص بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية وبهذا يكون القضاء الإداري المغربي قد أحرز قصب السبق في التنصيص على اختصاصات القضاء الاستعجالي، وتميز عن غيره بهذه الخاصية .
فما هي طلبات إيقاف التنفيذ ؟ وماهي شروط اختصاص البت فيها أمام قضاء الموضوع وأمام القضاء الاستعجالي وخاصة في مجال إيقاف تحصيل الديون الضريبية ؟ وما هو الفرق بين طلبات إيقاف الأداء وإيقاف التنفيذ؟ وكيف تعامل القضاء الإداري الاستعجالي المغربي مع هذه الطلبات ؟تلك هي أهم التساؤلات التي سنحاول ملامستها من خلال مبحثين اثنين:
المبحث الأول: صعوبات التنفيذ أمام قضاء الموضوع.
ويتضمن مطلبين اثنين:
المطلب الأول: ماهية صعوبة التنفيذ وشروطه.
المطلب الثاني : إيقاف التنفيذ بين سلطات محكمة الدرجة الأولى والرئيس الأول لمحكمة الدرجة الثانية في القضاء العادي والإداري.
المبحث الثاني: صعوبات إيقاف تنفيذ تحصيل الديون الضريبية في القضاء الإداري الاستعجالي ونطاق اختصاصه.
ويتألف هذا المبحث من مطلبين اثنين ؛
المطلب الأول : إيقاف التنفيذ وشروطه أمام القضاء الإداري الاستعجالي؛
المطلب الثاني: نطاق اختصاص القضاء الشامل وقضاء الإلغاء للبت في طلبات إيقاف تنفيذ تحصيل الديون العمومية؛
المبحث الأول
صعوبات التنفيذ أمام قضاء الموضوع.
المطلب الأول: ماهية صعوبة التنفيذ وشروطه
لم يعرف المشرع المغربي صعوبات التنفيذ كما لم بضع معيارا دقيقا يمكن الاستناد إليه لتمييز تلك المنازعات عن سائر المنازعات الأخرى، فموقفه في هذا الشأن كموقف المشرع المغربي والفرنسي ،ويتضح من خلال استقراء نصوص المسطرة المدنية أن المشرع المغربي استعمل مصطلح «الصعوبات المتعلقة بالتنفيذ »أو «الصعوبة» في عدة فصول من قانون المسطرة المدنية كالفصل 148 و 175و 230 و242، لكن أهم المواد التي تعالج الصعوبة إجمالا هي الفصول 26 و149 و436، ولقد اختلف الفقه في تحديد مقتضيات الفصل 436 وعلاقته بالفصل 149، لأن هذا الفصل الأخير أورد الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ في سياق تحديد بعص اختصاصات قاضي المستعجلات، ومن خلال محاولة ربط مقتضيات هذين الفصلين معا بمقتضيات الفصل 26 الذي يستمد أهميته القصوى من إسناده اختصاص النظر في الصعوبات المتعلقة بتأويل أو تنفيذ الحكم إلى المحكمة التي أصدرته كمحكمة موضوع، فتنصيص الفصلين 26 و 149على البت في الصعوبات المتعلقة بالتنفيذ، يعني أن الصعوبات هي منازعات قانونية مثل إشكالات التنفيذ وقد تكون واقعية أو قانونية.
وبما أن المشرع المغربي لم يورد تعريفا لصعوبات التنفيذ، فإن الفقه والقضاء قد حاول أن يصدا هذا الفراغ ذلك ما نحاول ملامسته خلال الفرعين التالين:
الفرع الأول: ماهية صعوبة التنفيذ
ولعل من أهم التعاريف الواردة في الموضوع ما يلي:
- صعوبات التنفيذ هي الوسيلة القانونية التي بواسطتها يلجأ ذو مصلحة إلى القضاء ليعرض عليه وجهة نظره حول جواز أو عدم جواز التنفيذ ،أو حول صحة أو بطلان إجراء من إجراءاته أو حول إيقافه أو الاستمرار فيه [1].
- الصعوبة الواقعية أو القانونية التي تعترض تنفيذ الحكم من طرف المدين أو الدائن بمناسبة البدء في تنفيذ الأحكام والسندات المشمولة بالصيغة التنفيذية مستوفية لسائر الإجراءات التي يتطلبها القانون قبل البدء في التنفيذ، وتكون غايتها إذا كانت وقتية إما وقف التنفيذ أو الاستمرار فيه وإذا كانت موضوعية تعرض على المحكمة للفصل فيها.
إذن فالصعوبة هي الإجراءات التي يمكن إثارتها عندما يقدم مأمور الإجراءات بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ من طرف الدائن أو أشخاص آخرين أو الشخص المحكوم عليه بسبب من الأسباب القانونية أو الواقعية والتي تتعلق إما بالجوهر أو بالشكل، ولا يكون امتناعه ناشئا عن منازعة مادية منعته من الدعاء كما هو مطلوب منه عمله أو أدائه “فقد يحصل الدائن على سند تنفيذي ولكنه غير واجب التنفيذ بسبب عارض أو مانع قانوني يمنع من التنفيذ أو يدعي بأن الأموال المراد التنفيذ عليها هي حق للغير يمنع التنفيذ عليها، لأنها ليست من أمواله أو يدعي عدم صحة الإجراءات التي يوجبها القانون قبل الشروع في التنفيذ، وقد عمل المشرع المغربي على تحقيق التوازن بين الدائن طالب التنفيذ والمدين المنفذ عليه أو الغير اللذان يطالبان بإيقافه، حيث أقر المشرع بصعوبات التنفيذ وألزم العون المكلف بالتنفيذ بتحرير محضر بشأنها سواء أثيرت من قبل الأطراف أو تلك التي واجهته سواء قبل البدء في التنفيذ أو قبل تمامه ولو كانت واقعية أو قانونية بحيث يرفع العون محضر تلك الصعوبات إلى رئيس المحكمة لينظر فيها؛ وقد يثير عون التنفيذ من تلقاء نفسه صعوبات قانونية اعترضته ومنعته من التنفيذ والقيام بما هو مطلوب منه احتراما لنص الفصل 436 من ق م م، وفي هذه الحالة عليه أن يحرر محضرا يضمنه تلك الوقائع والموانع التي اعترضته ويرفعه إلى رئيس المحكمة من أجل أن يرفع عنه ما ينجم عن ذلك من مسؤوليات[2].
التميز بين إيقاف التنفيذ وصعوبته
- إيقاف التنفيذ
ويعرفه الفقه بأنه تجريح في الحكم وخاصة في الشق المتعلق بالتنفيذ المعجل، ويخضع طلب إيقاف التنفيذ تبعا لهذا الوصف لقواعد الفصل 147 من ق.م.م.، حيث يتم تقديم هذا الطلب بمقتضى مقال مستقل عن الدعوى الأصلية لدى محكمة الموضوع، وذلك من أجل منح مهلة انتظار للمنفذ عليه للانتفاع بما يخوله له القانون من استعمال طرق الطعن .
وقد قرر المجلس الأعلى بأن مفهوم طلب إيقاف التنفيذ هو وجوب الامتناع عن القيام بأي إجراء من إجراءات التنفيذ إذا لم يتم تنفيذ الحكم بعد ،أما إذا شرع في تنفيذه، فإنه يعني وجوب إرجاع الأمور إلى الحالة التي كانت قبل التنفيذ أو الشروع فيه، والملاحظ أن إيقاف التنفيذ يرتبط أجله بمآل الدعوى الأصلية، حيث في سوء ما يصدر في هذه الدعوى يتقرر: إما متابعة إجراءات التنفيذ إذا لم يتمكن المنفذ عليه من تغيير مشتملات الحكم محل الدعوى الأصلية. أو الاستنكاف عن التنفيذ نهائيا إذا تمكن المنفذ عليه من استصدار حكم يبطل مفعول الحكم موضوع التنفيذ [3].
- صعوبة التنفيذ
فصعوبة التنفيذ الوقتية تعتبر طلبا من أجل الحيلولة دون إتمام التنفيذ، فهذه الصعوبة هي التي تسلم مبدئيا بصحة الحكم المطلوب تنفيذه مع احترام حجيته، وتؤسس على أسباب خارجة عن نطاق ما فصل فيه، وبهذا فإن الصعوبة الوقتية تختلف عن إيقاف التنفيذ، بحيث يمكن أن يمتد آثار الصعوبة إلى إيقاف التنفيذ المؤقت للأحكام المعجلة قانونا عكس ما هو عليه الشأن بالنسبة لآثار طلب إيقاف التنفيذ الذي ينحصر في الأحكام المشمولة بالتنفيذ المعجل قضاء هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن دعوى الصعوبة الوقتية لها استقلال ذاتي عن دعوى الموضوع، بحيث يمكن للمتضرر أن يلتجئ إلى القضاء المستعجل قصد إيقاف التنفيذ ولو لم يكن له دعوى أمام محكمة الموضوع. وتأسيسا على ما سبق، فان صعوبة التنفيذ المؤقتة ينعقد اختصاص البت فيها إلى القضاء الاستعجالي في حين ينعقد اختصاص البت في طلبات إيقاف التنفيذ إلى محكمة الموضوع [4].
وتأسيسا على ما سبق، ومن خلال استقرائنا لنصوص قانون المسطرة المدنية يتضح لنا أن إشكاليات إيقاف التنفيذ تنقسم إلى نوعين اثنين:
النوع الأول، ويتعلق بالصعوبة الموضوعية وقد نص عليها الفصل 26 من ق.م.م. ويتعلق الأمر بالصعوبات المثارة من أجل تأويل أو تنفيذ الأحكام والقرارات، كما نص القانون المذكور على أحقية ادعاء الغير المحجوز عليه بأن الحجز المأمور به ينصب على عقار من أملاكه، ولذا فبإمكانه إبطال هذا الحجز قبل البت في دعوى استحقاق الملك المحجوز وذلك من أجل إيقاف إجراءات الحجز.
النوع الثاني، ويتعلق بالصعوبة الوقتية والتي يعرفها اتجاه فقهي بأنها «النزعات التي يثيرها الأطراف أو الغير قبل التنفيذ أو التي يثيرها الغير أو عون التنفيذ أثناء التنفيذ وتتعلق بإجراءاتها أو بوقائع حدثت بعد صدور الحكم بحيث لو ظهرت قبل صدوره لأثرت في التنفيذ ونتج عنها إيقافه أو تأجيله[5]».
فمن خلال هذا التعريف، نستشف أن صعوبة التنفيذ الوقتية وثيقة الصلة بالدعوى فقد تكون سابقة لها فيكشف عنها الحكم أو قد تكون ناشئة بمقتضى الحكم نفسه ولذا فإن الأمر لا يخلو من حالتين اثنين:
- أن يكون الحكم القضائي كاشفا لصعوبة التنفيذ؛
- أن يكون هذا الحكم منشئا لصعوبة التنفيذ.
وقد استقر العمل القضائي على أن الأسباب السابقة لصدور الحكم لا تشكل صعوبة جدية لإيقاف التنفيذ، ولذا فعلى القضاء الاستعجالي أن يقضي برفص الصعوبة التي ترفع إليه إذا ظهر له من خلال تفحص وثائق ومستندات الملف أن أسبابها تندرج ضمن الدفوع والتي سبق للمحكمة أن أجابت عنها خلال سريان الدعوى وذلك وفقا لما قضى به بعص الاجتهاد القضائي والذي جاء في الأمر الصادر عنه “صعوبة تنفيذ حكم ،لا يمكن رفعها من المحكوم ضده ،إلا إذا كان سببها حاصلا بعد صدوره، أما إذا كان حاصلا قبل صدوره، فإنه يكون قد اندرج ضمن الدفوع في الدعوى وأصبح في غير استطاعة هذا المحكوم عليه التحدي به على من صدر له الحكم سواء كان قد دفع به فعلا في الدعوى أم لم يدفع به[6].
وقد أحسن القضاء المصري صنعا عندما تصدي لتعريف صعوبات التنفيذ بمقتضى الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية وذلك بتاريخ 18/04/2013 والذي نص على أن «المقصود بالمنازعات الموضوعية في التنفيذ هي تلك التي يطلب فيها الحكم بإجراء يحسم النزاع في أصل الحق، في حين أن المنازعة الوقتية تتمثل في إجراء وقتي لا يمس أصل الحق والعبرة في ذلك بآخر طلبات الخصوم أمام محكمة الدرجة الأولى».
ويرى الأستاذ أحمد أبو الوفاء، أن التنفيذ الجبري هو الذي تجريه السلطة العامة بناء على طلب دائن بيده سند مستوفي لشروط خاصة بقصد استيفاء الحق الثابت في السند من المدين، وقهرا عنه ،تكون منازعات التنفيذ هي تلك المنازعات التي تدور حول الشروط الواجب توافرها باتخاذ إجراءات التنفيذ[7].
فصعوبات التنفيذ هي المنازعات التي تعترض تنفيذ الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، وقد تكون صعوبات مادية أو قانونية لاحقة بعد صدور الحكم، وهي إما وقتية تهدف إلى تأجيل التنفيذ مؤقتا لغاية تصحيح إجراء من إجراءاته أو موضوعية تهدف إلى إيقاف التنفيذ مؤقتا لغاية صدور حكم حاسم في موضوع التنفيذ.
إن الصعوبات المبنية على وقائع سابقة عن صدور الحكم موضوع التنفيذ تكون غير مرتكزة على أساس مقبول، لأن المحكمة قد أجابت عنها بكيفية صريحة أو ضمنية، وتم استنفاذها تبعا لذلك، ولذا فإن الصعوبة في مثل هذه الحالات ما هي في حقيقة الأمر إلا مطية من أجل طرح النزاع من جديد أمام المحكمة بغية تضليل العدالة والنيل من حجية الأحكام القضائية التي حازت على حجية الشيء المقضي به.
وقد اختلف الرأي في الفقه المصري حول طبيعة هذه المنازعات فاعتقد البعض أنها نتيجة لما اتسمت به خصومة التنفيذ من قصور لا يسمح بالمواجهة الكافية بين الخصوم، وهكذا اعتبرها هذا الفريق وسيلة لتدعيم مركز المنفذ عليه في مواجهة المنفذ له الذي يعتمد قوة وحجية السند التنفيذي. غير أن جانبا من الفقه لاحظ بحق أن هذه الفكرة، وإن كانت تصدق على المنازعات المثارة من طرف المنفذ عليه لكنها غير كافية إذ لا يمكنها تغطية المنازعات المثارة من قبل المنفذ لصالحه أو الغير، واستنادا إلى الرأي المتقدم يرى هذا الجانب من الفقه أن منازعات التنفيذ تعتبر دفوعا متعلقة بالدعوى التنفيذية ومثارة بسببها، وواضح أن هذا الرأي يذهب إلى محاولة ربط منازعات التنفيذ بالخصومة التنفيذية ككل. ويعتبر أن الأولى ما هي إلا دفوع تثار في خصومة التنفيذ.
ويؤخذ على هذا الرأي أنه وإن كان تصوره ينطبق على الصعوبات المثارة من طرف المنفذ ضده ،إلا أنه لا يصدق على تلك التي ترفع من طرف المنفذ لصالحه، والرأي الراجح في نظر بعض الفقه هو الذي يذهب إلى اعتبار منازعات التنفيذ دعاوى عادية يترتب على الحكم في مسألة من مسائلها تقرير مصير التنفيذ بجوازه أو منعه بصحته أو بطلانه، بوقفه أو الاستمرار فيه[8].
وتنقسم منازعات التنفيذ حسب موضوعها إلى منازعات مؤقتة يطلب فيها من المحكمة اتخاذ إجراء مؤقتا حتى يفصل في موضوع المنازعة لاحقا بحكم بات، وأخرى موضوعية يطلب فيها من المحكمة الحكم في أصل الحق، وتنقسم حسب أشخاصها إلى منازعات مرفوعة من طرف المنفذ له، ومنازعات من قبل المنفذ عليه وثالثة من طرف الغير، وكل منهما قد تكون قبل تمام التنفيذ أو بعد تمامه فكل منازعة في التنفيذ لها وجهان: وجه وقتي ووجه موضوعي، فإذا أراد المدعي من منازعته مجرد الحكم له بإجراء وقتي، فإن المنازعة تكون وقتية في التنفيذ، أما إذا اتضح أنها انصبت على أصل الحق، فإنها تكتسي صبغة موضوعية، والعبرة في هذا التحديد هو رغبة المدعي الحقيقية، بصرف النظر عن الألفاظ التي استعملها في التعبير عن طلباته، وقد تنصب المنازعات بنوعيها على شروط السند التنفيذي، أو على الحق الذي يتضمنه ذلك السند، أو على مقدمات التنفيذ أو على الشروط والأركان اللازم توافرها لصحة طرق التنفيذ الذي اختاره الدائن[9].
أما منازعات إيقاف التنفيذ في المجال الجبائي، فإنها تختلف عن نظيرتها في المادة المدنية، ومادام الأمر كذلك فما هو الفرق بين إيقاف الأداء وإيقاف التنفيذ في مجال تحصيل الديون العمومية؟ ذلك ما نحاول الإجابة عليه من خلال الفرع الموالي:
الفرع الثاني : الفرق بين إيقاف الأداء وإيقاف التنفيذ في مجال تحصيل الديون العمومية
إن الأمر يقتضي التمييز بين أمرين اثنين: وقف الأداء ثم وقف التنفيذ.
- وقف الأداء
تنص المادة 36 من ق 90-41 على أنه «تقدم الطعون المنصوص عليها في هذا الباب) أي الباب الخامس المتعلق بالضرائب وتحصيل الديون المستحقة للخزينة والتي في حكمها( ويبت فيها وفق الإجراءات المقررة في النصوص المتعلقة بالضرائب والرسوم والديون المعينة».
يتضح من خلال استقراء هذه المادة أنها قد أحالت بشكل صريح على النصوص الخاصة المتعلقة بالضرائب، أي أحالت على مدونة تحصيل الديون العمومية 97-15 وخاصة المادتين 119 و 118 منها، فهاتين المادتين تقرران مشروعية وقف أداء الدين الضريبي لكن وفق شروط خاصة:
- تقديم طلب إيقاف الأداء لدى مصلحة الوعاء الضريبي وفق الأنظمة الجاري بها العمل في هذا الشأن طبقا للفقرة الثانية من المادة 117.
أما إذا كانت المنازعة تنصب على إجراءات التحصيل الجبري، فيجب على الملزم أن يقدمها إلى رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المحاسب المكلف بالتحصيل، أو من يمثله وأن يقدم مطالبته داخل أجل ستين يوما “60 يوما” تحت طائلة عدم القبول، وهذا ما يميز مسطرة وقف الأداء عن مسطرة منح تسهيلات في الوفاء بالدين الضريبي.
- تقديم الملزم المطالب بتأجيل الأداء لضمانة كفيلة بتأمين استخلاص الدين الضريبي من المحاسب المكلف بالتحصيل الجبري، طبقا للمقتضيات المنصوص عليه في المادة 118 من ق .97- 15.
- أن ينصب طلب وقف الأداء على الجزء المتنازع فيه، أما الجزء الباقي من مبلغ الضريبة الذي لا يشكل موضوعا للمنازعة فلا يقبل تأجيله.
وهكذا، فقد نصت مدونة تحصيل الديون العمومية على مشروعية وقف الأداء؛ لكن وفق الشروط المذكورة في المادتين 117 و 118 كما أشارت إلى ذلك بشكل صريح في المادة 119 والتي نصت على ما يلي: «يمكن لأي مدين يكون محل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري أن يتعرض عليه إذا تعلقت مطالبته بما يلي:
- قانونية الإجراء المتخذ من حيث الشكل.
- عدم اعتبار أداء الملزم لأقساط من مبلغ الضريبة الملزم بها سبق له دفعها.
لكن إذا حصلت منازعة بين المحاسب المكلف بالتحصيل والملزم حول صحة الطعن الإداري، وعدم كفاية الضمانة المقدمة بين يديه لتأمين الدين، ففي هذه الحالة، فإنه يمكن للملزم أن يرفع أمره إلى القضاء الإداري الاستعجالي للبت في هذه المنازعة وفق الشروط الخاصة بالاستعجال [10].
وتعتبر مسطرة وقف الأداء إجراء استثنائيا من القاعدة العامة «أدي ثم اشك» أي أنه بصرف النظر عن أي مطالبة، أو دعوى ينبغي على المدينين أن يؤدوا ما بذمتهم من ضرائب ورسوم وديون أخرى طبقا للقوانين الجاري بها العمل.
وتأسيسا على ما سبق، نستشف أن مسطرة وقف الأداء هي مسطرة إدارية بمقتضاها يمكن لكل شخص مطالب بدين ضريبي أن يلتجئ للمحاسب المكلف بتحصيله من أجل أن يوقف إجراءات المتابعة إلى حين البت في شكايته المتعلقة بموضوع الدين أو صدور حكم في الدعوى المقامة المتعلقة بنفس الدين؛ وذلك وفق الشروط الخاصة السالفة الذكر، ووفقا لهذه الضوابط والشروط؛ فإنها تختلف عن مسطرة وقف التنفيذ والتي تعتبر مسطرة قضائية.
- وقف التنفيذ
هي مسطرة قضائية؛ فهي الحكم الذي بموجبه يوقف القاضي الإداري إجراءات التحصيل الجبري مؤقتا إلى حين البت في موضوع الضريبة من قبل قضاء الموضوع أو من قبل اللجان الضريبية[11]، لكن هذه المسطرة مقيدة بتوفر شروطها العامة والخاصة والتي سنتعرض لها في المطلب والمبحث المواليين:
المطلب الثاني: إيقاف التنفيذ بين سلطات محكمة الدرجة الأولى والرئيس الأول لمحكمة الدرجة الثانية في القضاء العادي والإداري
الفرع الأول: إيقاف التنفيذ أمام سلطات محكمة الدرجة الأولى
صعوبة التنفيذ الموضوعية هي التي توغل في أصل الحق الذي يتضمنه السند التنفيذي أو في الشروط والأركان الواجب توفرها فيه، أو في صحة إجراءات تنفيذه، كدعوى إيقاف التنفيذ أو بطلان إجراءاته ،فكل ذلك يخرج عن الإطار الوقتي المرسوم لقاضي المستعجلات[12].
وينعقد فيه الاختصاص لكل من رئيس المحكمة الابتدائية ورئيس المحكمة الإدارية بصفتهما هذه طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 147 من ق.م.م. والتي تنص على« أنه يمكن تقديم طلبات إيقاف التنفيذ المعجل بمقال مستقل عن الدعوى الأصلية أمام المحكمة التي تنظر في التعرض أو الاستئناف»، لكن اختصاص البت في طلبات إيقاف التنفيذ من قبل كل من الرئيسين المذكورين والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف مشروط بتحقيق الشروط الآتية:
- توفر الشروط العامة
- الاستعجال.
- رجحان الحق المراد حمايته وذلك بجدية الوسائل المثارة من طرف طالب إيقاف التنفيذ.
- الشروط الخاصة
- أن يكون الحكم موضوع طلب إيقاف التنفيذ مشمولا بالنفاذ المعجل قضاء لا قانونا ،أما إذا كان الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل قانونا، فلا يجوز لأي جهة كانت أن تأمر بإيقاف تنفيذه لأنه لا يخضع لمقتضيات الفصل 147 من ق.م.م .أي الفقرة الثالثة منه.
- أن يكون الحكم موضوع طلب إيقاف التنفيذ موضوع طعن بالتعرض والاستئناف.
ويختلف طلب إيقاف تنفيذ الحكم عن الطلب الرامي إلى التصريح بوجود صعوبة تعترض تنفيذه من حيث الشروط المرتبطة بصيغة كل واحد منهما فالطلب الأول يعتبر تابعا ومرتبطا بالطعن في الحكم بالتعرض أو الاستئناف وفق الشروط السالفة، فطلب إيقاف التنفيذ يعتبر دعوى فرعية لا تتحقق إلا بوجود أصلها وهو الطعن بالتعرض أو الاستئناف أمام محكمة الموضوع، بخلاف طلب إثارة الصعوبة فهي دعوى مستقلة بوجودها شريطة تحقق شروطها ،إذ يجوز أن يكون الحكم المستشكل في تنفيذه نهائيا ،كما يجوز أن يكون موضوع طعن رغم كونه مشمولا بالنفاذ المعجل بقوة القانون أو بأمر المحكمة .
فوفقا للشروط القانونية المحددة سلفا، فإنه ينعقد الاختصاص للبت في طلبات إيقاف التنفيذ لكل من رئيس المحكمة الابتدائية في طلب إيقاف تنفيذ الحكم الغيابي المتعرض عليه، كما يختص الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أيضا بالبت في طلبات إيقاف التنفيذ للأحكام المستأنفة أمام محكمته والقرارات الغيابية المتعرض عليها، كما يختص رئيس المحكمة الإدارية بالبت في طلبات إيقاف تنفيذ الأحكام الإدارية المطعون فيها بالتعرض وكذا القرارات الإدارية المطعون فيها بالإلغاء[13].
وإضافة إلى ما سبق يختص رؤساء المحاكم المشار إليهم أعلاه بالبت في الصعوبات الموضوعية من أجل إيقاف تنفيذ الأحكام أو القرارات الصادرة عنها بسبب صعوبة موضوعية تتعلق بتأويلها أو تفسيرها طبقا للفصل 482 من ق.م.م.، إذا ادعى طالب إيقاف التنفيذ بأن الحجز انصب على عقار من أملاكه ولا علاقة له بموضوع الملف التنفيذي فإنه يمكنه إبطال هذا الحجز ورفع دعوى الاستحقاق الفرعي قبل إرساء المزايدة النهائية، وبالتالي إيقاف مسطرة التنفيذ ،إذا اقتنع قضاء الموضوع بجدية الأسباب المثارة أمامه وبصحة الوثائق المدلى بها[14].
فالصعوبة الموضوعية المثارة أثناء التنفيذ ومن أجل إيقافه هي التي ترفع إلى قضاء الموضوع للحكم في موضوع المنازعة بصفة نهائية فيها طبقا للقانون وخاصة الفصل 26 و147 و 468و 48من ق.م.م .
فهذه الصعوبات الموضوعية المثارة أثناء التنفيذ قد تؤدي إلى وقف التنفيذ إلى حين الحسم نهائيا في أصل الحق.
وتجدر الإشارة إلى أن كل من الصعوبة الموضوعية والمؤقتة لا تتم إلا في إطار التنفيذ الجبري، سواء كان التنفيذ مباشرا على الأشخاص أو على الأموال أو تم عن طريق الحجز على المال لأن المنطق القانوني لا يستسيغ تقديم هذه الصعوبات في التنفيذ الرضائي، لكن المشرع المغربي ،أشار إلى حالات على سبيل المثال تؤدي إلى وقف التنفيذ بنص القانون وهي :
- التعرض على الحكم الغيابي المشمول بالتنفيذ المعجل طبقا للفصل 132 من ق.م.م..
- الطعن بالاستئناف وأجله يوقف التنفيذ طبقا للفصل 134 من ق.م.م. ما عدا إذا أمر بالتنفيذ المعجل طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 147 من ق.م.م.
- رفع دعوى استحقاق ملكية المنقولات المحجوزة داخل الأجل القانوني يمنع قانونا إتمام عملية التنفيذ وفقا للفصل 468 من ق.م.م .
- إعطاء مهلة للمدين من طرف المحكمة يوقف التنفيذ إلى حين انتهاء الأجل المنصوص عليه في الفصل 243 من ق.ل.ع.
- للمحكمة عند إشهار الإفلاس وتولي الوكيل أو السنديك أمور التفلسة وقف جميع الدعاوى المتعلقة بأعمال التنفيذ طبقا للفقرة الأخيرة من يوم صدوره من إجراء التنفيذ على المنقولات العقارية إلا ضد وكيل الدائن[15].
إن ولاية القاضي الاستعجالي ولاية ضيقة مقارنة مع ولاية نظيره في القضاء العادي، فرئيس المحكمة الابتدائية هو صاحب الولاية المطلقة بصفة عامة فهو يختص بالبت في الطلبات المستعجلة، كالأمر بالوضع تحت الحراسة القضائية أو أي إجراء آخر وبوضع حد لتلك الحراسة أو الإجراءات التحفظية الأخرى كما يختص أيضا بالبت في الصعوبات الواقعية والقانونية المتعلقة بتنفيذ الأحكام وقرارات المحكمين والسندات القابلة للتنفيذ بشرط ألا تكون تلك الأحكام موضوع استئناف سواء أثيرت هذه الصعوبات قبل الشروع في إجراءات التنفيذ أو بعد فتح ملف التنفيذ وهو نفس الموقف الذي تبنته محكمة الاستئناف بالرباط، بقولها “بأن مقتضيات الفصل 149 من ق.م.م. لا تتعلق فقط بالصعوبات التي تثار قبل بدء التنفيذ، وإنما بجميع الصعوبات التي تثار قبل فتح ملف التنفيذ أو بعد فتحه”[16].
الفرع الثاني : إيقاف التنفيذ أمام سلطات محكمة الدرجة الثانية
فإذا كان المشرع قد عمل على توسيع اختصاصات رئيس المحكمة الابتدائية في نطاق القضاء الموضوعي والاستعجالي فإنه على خلاف ذلك عمد إلى تضيق اختصاصات الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف سواء في المجالين المذكورين معا، حيث قيد اختصاصه بشرط كون النزاع معروضا أمام قضاء الموضوع الاستئنافي طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 149 من ق.م.م. “إذا كان النزاع معروضا على محكمة الاستئناف مارس هذه المهام رئيسها الأول” ويفهم من هذه الفقرة أن اختصاص الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف مشروط بكون النزاع معروض على محكمته ولذا فإن اختصاصه لا يتحقق إلا منذ لحظة تسجيل الملف بكتابة ضبط محكمته عن طريق استئناف الأحكام والقرارات الابتدائية، أو التعرض على القرارات الباتة في الاستئنافات، وكذا عن طريق طلب إعادة النظر أو التعرض الغير خارج على الخصومة أو من تاريخ توصل محكمة الاستئناف بالملف المحال عليها من محكمة أخرى، لأن هذه الطعون جميعا تبقي النزاع في الجوهر معروضا على محكمة الاستئناف وينتهي اختصاص الرئيس الأول بالبت في المادة الاستعجالية بمجرد صدور قرار المحكمة في الموضوع[17].
فانطلاقا من الفقرة الثالثة من المادة 149 من ق.م.م.، نجد أن المشرع المغربي رسم حدودا ضيقة لاختصاص الرئيس الأول سواء في المادة الاستعجالية أو في قضاء الموضوع قصد التضيق من نطاق اختصاصه بالبت في الصعوبات المتعلقة بالتنفيذ في الحدود التي تثار قبل الشروع في التنفيذ، أما الصعوبات التي تثار بعد الشروع في التنفيذ، فقد اسند المشرع اختصاص البت فيها إلى رئيس المحكمة الابتدائية بصريح الفصل 436 من ق.م.م. وهو نص خاص محكم في دلالته على معناه؛ حيث لم ترد بشأنه أي إشارة إلى إسناد هذه المهمة إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف وفي نفس السياق أكد اتجاه فقهي على أن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف لا يختص أيضا بالبت في طلبات وقف تنفيذ الحكم المستأنف أو القرار الاستئنافي المتعرض عليه ولو حاول رافعه أن يصبه في قالب المنازعة في التنفيذ، ذلك أن مقتضيات الفصل 147 من ق.م.م. أسندت الاختصاص بالبت في طلبات وقف تنفيذ الأحكام إلى محاكم الموضوع ودلت عبارات هذه المقتضيات على معناه بشكل صريح لا يدع مجال للتأويل، حيث تم التأكيد على أن البت في تلك الطلبات يجب أن يتم في غرفة المشورة، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الاختصاص لا ينعقد للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بصفته قاضيا للمستعجلات وقد سار الاجتهاد القضائي على هذا النحو ولعل خير مثال على ذلك القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير والذي أكدت فيه على أن [18] “طلبات وقف التنفيذ المعجل إلى أن يقع البت في الجوهر أو لمدة معينة أو تعليق متابعة التنفيذ كليا أو جزئيا خارجة في جميع الأحوال عن الاختصاص المخول للرئيس الأول بصفته قاضي المستعجلات” [19].
المبحث الثاني
صعوبات إيقاف تنفيذ تحصيل الديون الضريبية
في القضاء الإداري الاستعجالي ونطاق اختصاصه
بعد انهيار جدار برلين ودخول العلاقات الدولية في نظام القطبية الأحادية أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وما أفرزه من تطور اقتصادي هائل، وما صاحبه من محاولات توسيع دائرة الحقوق والحريات ،فقد ازدادت أهمية القضاء الإداري بصفة عامة وفرعه الاستعجالي بصفة خاصة، وذلك استيعابا لطفرات التقدم الاقتصادي والصناعي واتساع نطاق المعاملات، وتخلي الدولة عن تسيير قطاعات حيوية هامة لفائدة الخواص، فإن كل تلك العوامل استوجبت تقوية ودعم القضاء الإداري الاستعجالي، وذلك من أجل تمكين المرتفقين من استصدار قرارات مؤقتة وسريعة، توفق بين مطلب التروي وسرعة البت في القضايا الاستعجالية، وفق منهجية تضمن حسن سير العدالة، خاصة وأن طبيعة هذه القضايا لا تسمح بالتأخير، لحصول أسرار محققة بمصالح أطراف الدعوى.
فإذا كان القضاء الاستعجالي يتمتع بسلطات واسعة في المحاكم العادية والتجارية فهل يتمتع القضاء الإداري الاستعجالي بنفس الصلاحيات والسلطات ؟ خاصة وأن أحد أطراف الدعوى الإدارية شخص عام، في حين أن طرفها الثاني شخص ضعيف، مما يفرض على القاضي الإداري مراعاة هذه الخصوصية والعمل تبعا لذلك على تحقيق توازن المعادلة القضائية بين طرفيها، وذلك ببسط رقابته على أعمال الإدارة تحقيقا لمبدأ الشرعية والمشروعية، وترسيخ دولة الحق والقانون؛ واعتبارا لمقاصد الإدارة والمتمثلة في حماية المصلحة العامة وخدمة المواطنين فإن الالتجاء إلى القضاء المستعجل لا يكون إلا في حالات نادرة تتحقق عند تدخل الإدارة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي عمل على تقليص سلطات القاضي الإداري الاستعجالي مقارنة مع نفوذ وسلطة نظيره العادي، مما حذا بالمشرع المغربي في قانون 90-41 إلى تقليص سلطته وعدم تخصصه بفصول كفيلة بإبراز مكانته وأهميته البالغة، فاقتصر على إيراد أحكامه في المادة 19 والتي تنص على أنه «يختص رئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية»، حيث لم تضف هذه المادة إلا من طرف لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، لينفرد القضاء الإداري المغربي بهذه الخاصية .
ونظرا لسعة هذا الموضوع؛ فإنني سأكتفي بالتطرق إلى سلطة القضاء الإداري الاستعجالي في إيقاف التنفيذ وخاصة في المنازعات الجبائية.
فما هي شروط اختصاص القضاء الإداري الاستعجالي للبت في طلبات إيقاف التنفيذ ؟
وما هو نطاق اختصاص القضاء الشامل وقضاء الإلغاء للبت في طلبات إيقاف التنفيذ ؟
وما هي الآثار القانونية لذلك ؟
تلك هي أهم التساؤلات التي سوف نلامسها من خلال مطلبين اثنين:
المطلب الأول : إيقاف التنفيذ وشروطه أمام القضاء الإداري الاستعجالي
لقد سبقت الإشارة إلى طبيعة اختصاص القضاء الإداري الاستعجالي الذي يختص بالبت في نوع من القضايا تتسم بوجود خطر حال وداهم ووشيك الوقوع يهدد حقوق الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين أو مركز من مراكزهم القانونية، بحيث لا يمكن تدارك الأخطار المحتمل وقوعها إلا بمقتضى طلبات إيقاف التنفيذ،إذا توفرت شروطها العامة والخاصة.
الفرع الأول: الشروط العامة لإيقاف التنفيذ
الشروط العامة ويقصد بها توفر أطراف الدعوى الاستعجالية المتعلقة بإيقاف تنفيذ استخلاص الدين الضريبي على الشروط العامة لقبول الدعوى والمنصوص عليها في المادة الأولى من ق.م.م. وتثبت الصفة والمصلحة في الدعوى الاستعجالية لكل ملزم بالدين الضريبي أو من في حكمه، كما تثبت لكل من مدير الضرائب إذا انصبت المنازعة على ربط الضريبة وتأسيسها أو الرسوم التي في حكمها، وتثبت أيضا للخازن العام إذا انصبت المنازعة على تحصيل الضريبة وذلك وفقا للفصل 515 من ق.م.م. فالمنازعة في الوعاء الضريبي يمثلها مدير الضرائب بالرباط، أما طلبات إيقاف تنفيذ أوامر التحصيل فتقدم ضد الخازن العام بالرباط.
ولذا فكل دعوى استعجالية تتعلق بالمطالبة بإيقاف تنفيذ أوامر التحصيل، يجب أن ترفع في مواجهة شخص الخازن العام كمدعى عليه تحت طائلة عدم القبول ولو رفعت في مواجهة القابض، غير أنه من الناحية العملية يلاحظ أن مثل هذه الطلبات وإن كانت ترفع في مواجهة القابض أو الخازن الجهوي فقط دون الخازن العام، فإن جواب القابض يعنون لفائدة الخزينة العامة بواسطة القابض المالي وقد دأبت المحاكم الإدارية على اعتبار مثل هاته الطلبات مقامة على ذي صفة خاصة[20] وأن الأمر يتعلق فقط بالمطالبة بإجراءات وقتية وأن المعني بها على وجه الخصوص هم القباض المكلفون بالتحصيل طبقا للمادة الثالثة من مدونة تحصيل الديون العمومية رقم 97-15[21].
وهذا ما ذهب إليه أمر رئيس المحكمة الإدارية بفاس، والذي قضى بعدم قبول الطلب لعدم إدخال الخازن العام في الدعوى طبقا للفصل 515 من ق.م.م، وكان الطلب قد أقيم في مواجهة مدير الضرائب بالرباط ويتعلق بالمطالبة بإيقاف إجراءات الحجز المنصبة على الأصل التجاري لسقوط حق القابض في استخلاص الضريبة بسبب التقادم المنصوص عليه في الفصل 123 من ق 97-15.
ولكن ما حكم دعوى إيقاف التنفيذ المرفوعة في مواجهة الخازن العام للمملكة مع العلم أن علة رفعها ترجع إلى انتفاء الواقعة المنشئة للضريبة في حق الطالب أو إلى خرق مسطرة فرص الضريبة أو تصحيح وعائها والتي لا ينعى فيها على القابض المالي أي خرق لمسطرة تحصيل الدين الضريبي هل تكون صحيحة على سوء مقتضيات وحرفية الفصل 515 من ق.م.م ؟
لقد ذهبت أوامر رؤساء المحاكم الإدارية إلى القول بعدم قبول طلب إيقاف تنفيذ الدين العمومي متى كان مؤسسا على منازعة في تأسيس الضريبة، دون مسطرة استخلاصها، ولم يتم إدخال إدارة الضرائب فيه للدفاع عن مركزها القانوني إزاء السبب المذكور، لذلك يمكن القول أن الطلبات المتعلقة بإيقاف تنفيذ الدين الضريبي التي ينعي فيها الطالب على القابض المالي خرق مسطرة إجراءات التحصيل الجبري للدين الضريبي أو العمومي، يجب أن ترفع ضد الخزينة العامة في شخص الخازن العام على مقتضى الفصل 515 من ق.م.م.
أما إذا أسست تلك المطالبة على المنازعة في فرض الضريبة أو الرسوم التي في حكمها، فيجب علاوة على إدخال الخازن العام كطرف مدعى عليه، أن يتم إدخال المدير العام للضرائب، لأن المنطق القانوني المسطري لا يستسيغ تقدير جدية السبب المذكور في غياب الجهة الإدارية الواسعة له والمتحكمة فيه[22].
الفرع الثاني: الشروط الخاصة بالاستعجال
ينص الفصل 149 من ق.م.م. على أنه «يختص رئيس المحكمة الابتدائية وحده بالبت بصفته قاضيا للمستعجلات كلما توفر عنصر الاستعجال» وينص الفصل 152كذلك من ق.م.م. على أنه« لا تبت الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية ولا تمس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر».
انطلاقا من هذين النصين يتضح لنا بأن انعقاد اختصاص قاضي الأمور المستعجلة يتوقف على شرطين إثنين:
أولا: عنصر الاستعجال
فالاستعجال خاصية مرنة تقفز عن التحديد، ولذلك فإنها مسألة واقعية تخرج عن نطاق رقابة محكمة النقض وتخضع لسلطة التقديرية لقاضي المستعجلات[23].
ويعتبر الاستعجال شرطا أساسيا ولازما لانعقاد اختصاص قاضي الأمور المستعجلة[24]، ولذلك فقد اشترطته جل التشريعات المقارنة واعتمدته في قوانينها الإجرائية لكنها اختلفت في تحديد مفهومه ،ولذلك فهناك اتجاه تشريعي جعل من الاستعجال شرطا وحيدا لاختصاص قاضي الأمور المستعجلة ،كالتشريع المصري والعراقي والجزائري واللبناني والفرنسي، وهناك اتجاه تشريعي آخر جعل من الاستعجال مجرد شرط من الشروط التي يتعين توافرها لقبول اختصاص قاضي الأمور المستعجلة، ويمثل هذا الاتجاه القانون المغربي، الذي حدد اختصاص القضاء الاستعجالي في مواضيع معينة ووفق شروط محددة، يجب توفر عنصر الاستعجال في كل حالة منها، لانعقاد اختصاص القضاء الاستعجالي.
فما هو مفهوم الاستعجال ؟ وهل يخضع تقديره لسلطة محكمة النقض؟
لقد سبقت الإشارة إلى أن الاستعجال خاصية مرنة تتصف بالديمومة والتغيير المستمر حسب طبيعة كل حالة على حذة، ولذلك فإن ذاتية الاستعجال تقفز عن التحديد والضبط، مما يحتم على القاضي الاستعجالي أن يستنتجه من ظروف كل نازلة على حذة وإيجاد الحل المناسب لكل مسطرة استعجالية.
وانطلاقا من الطبيعة القانونية المعقدة للاستعجال، فإن جل التشريعات المقارنة لم تستطع تعريفه، مما حذا بالفقه إلى محاولة ذلك[25].
فقد عرفه الدكتور عبد الباسط جميعي بأنه هو «الخطر المحدق بالحقوق والمصالح التي يراد المحافظة عليها وهو يتوافر كلما وجدت حالة يترتب فيها عن فوات الوقت حصول ضرر يتعذر تداركه وأصلاحه »[26].
فهذا التعريف وإن كان يقدم العناصر الأساسية للاستعجال على مستوى المضمون، فإنه يتسم بنوع من الإطناب يتعارض والدقة اللغوية المطلوبة في رص وبناء التعاريف من حيث الشكل، ولهذا فإنه يمكن تقديم تعريف آخر له وهو «الخطر الحال والمحدق الذي يترتب عن تحققه إسرار بمراكز وحقوق أطراف الدعوى يتعذر تداركها حال ومستقبلا بعد التنفيذ».
وانطلاقا من هذا التعريف، فإن الاستعجال يقوم على عنصرين اثنين:
- وجود حقوق أو مصالح مهددة بخطر وشيك الوقوع
فإذا كانت حقوق أو مصالح الطرف المدعي في الدعوى الاستعجالية مهددة، وفي وضعية يحتمل معها أن تتعرض لخطر عاجل وحال يهددها، إذا لم تتخذ الإجراءات الاحترازية المطلوبة، وذلك بضرورة تدخل القاضي الاستعجالي لمنع حصول الضرر وحماية مراكز الأطراف وحقوقهم المعرضة للضياع والمخاطر.
ولعل من أبرز الأمثلة الجلية في تحقق خطر حال ووشيك الوقوع هو إجراء الحجز الذي يباشره المحاسب المكلف بتحصيل الضرائب على آليات وأجهزة مقاولة صناعية طبقا للفصل 39 من مدونة تحصيل الديون العمومية، الأمر الذي يهدد مصالح المقاولة ويصل نشاطها الصناعي ويشرد عمالها، مع العلم بأن هذه المقاولة تطعن في مشروعية فرض الضريبة لسبب وجيه، إما استنادا للتقادم الرباعي المنصوص عليه في المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية وإما لحصولها عن الإعفاء الجزئي أو الكلي، ففي كل هذه الحالات ومثيلاتها، يحق للمقاولة الملزمة المدينة المداهمة بمخاطر الحجز وتبعاته أن تتقدم« إلى رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات بإيقاف المتابعات الجارية بشأنها إلى حين البت في الموضوع، فالأساس القانوني لطلب إيقاف المتابعات هو الفصل 19 من قانون 90-41 وليس هو الفصل 24 من نفس القانون الذي طبقته المحكمة الإدارية خطأ[27].
فعنصر الاستعجال في هذا المثال حال ووشيك الوقوع تتمثل أسراره في المخاطر ومخلفات الحجز على آليات المقاولة وبيعه، فإن ذلك يؤدي إلى تسريح عمالها وضياع حقوقهم، مما بصعب تدارك هذه الأخطار حال ومستقبلا، ومن هنا تنبع أهمية اللجوء إلى القاضي الاستعجالي لدرء المخاطر المحدقة بهذه المقاولة وذلك بإيقاف إجراءات الحجز مؤقتا إلى حين البت في شرعية الضريبة التي تنازع فيها المقاولة بصفتها ملزمة.
- احتمال حصول خطر يتعذر تداركه وإصلاحه
أي إن الضرر المحتمل وقوعه يستحيل تلافيه وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، وخاصة في حالة المس بحرية الفرد التي تعتبر حقا دستوريا ممتازا كما هو الشأن في اعتقال شخص وتطبيق مسطرة الإكراه البدني في حقه دون احترام للإجراءات المسطرية وتدرجها كما هو الشأن بالنسبة للقرار الذي أصدره وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بصفرو والذي يقضي بإيداع المسمى أحمد المراسي في السجن حسب القرار الصادر عن الغرفة الإدارية[28] من أجل ضرائب مجموع مبالغها 15 644 655 درهما فتقدم الملزم السيد أحمد المراسي بمقال استعجالي أمام رئيس المحكمة الإدارية بفاس بصفته قاضيا للمستعجلات في الملف 2000/17 بتاريخ 18/04/2000 فأصدر حكما قضى بإيقاف إجراءات الاستخلاص بما فيها مسطرة الإكراه البدني مؤقتا إلى حين البت في الموضوع، وقد تم استئناف هذا الأمر الاستعجالي أمام الغرفة الإدارية، فأصدرت القرار المذكور والذي قضى بتأييد الأمر المستأنف، وبالتالي فإن الطلبات الرامية إلى إيقاف إجراءات التحصيل على وجه الاستعجال ينظر فيها رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات، ولذا فإن صدور قرار عن وكيل الملك بإيداع طالب الإيقاف في السجن لا ينزع عن رئيس المحكمة الإدارية هذا الاختصاص طالما أن النزاع لا ينصب على القرار الصادر عن النيابة العامة وإنما يرتبط بإيقاف إجراءات التحصيل.
وقد دفع خازن صفرو بعدم اختصاص القضاء الاستعجالي الإداري فكان جواب ذلك أن اختصاص قاضي المستعجلات الإداري مستمد من الفصل 8 من ق. 90-41 المتعلق بالمنازعات الناتجة عن تحصيل الديون العمومية، ولكن في حقيقة الأمر، فإن اختصاصه مستمد من المادة 19 من ق. 90-41 خاصة وأن القاضي الإداري الاستعجالي لا يناقص القرار الصادر عن وكيل الملك والقاضي بالإيداع في السجن لأن ذلك موكول لاختصاصه طبقا للفصلين 646 و 638 من ق.م.ج.
ولكن الطلب الاستعجالي منصب على المنازعة في مسطرة الإكراه البدني، لأن الإدارة خرقت مقتضيات المادة 36 من ق. 97-15 والتي توجب توجيه الإنذار قبل تطبيق مسطرة الإكراه البدني.
فقابض صفرو وإن ادعى أنه قام بتوجيه إنذار قبل تطبيق مسطرة الإكراه البدني على الملزم أحمد المراسي، لكنه لم يثبت ذلك بشهادة التسليم والتسلم، الشيء الذي يجعل المنازعة في تطبيق مسطرة الإكراه البدني قائمة لخرق الإدارة الجبائية لمسطرة الإنذار الواجب تطبيقها قبل تطبيق الإكراه البدني ،مما يمنح الاختصاص للقضاء الاستعجالي فإيداع الملزم في السجن في هذا المثال قد يؤدي إلى مخاطر عديدة بصعب تقدير حجمها ولعل من أبرزها الاعتداء على حقه في الحرية وما ينجم عن ذلك من أضرار اجتماعية ونفسية واقتصادية يستحيل تداركها في المستقبل وأصلاح النتائج المترتبة عنها.
ثانيا: عدم المساس بالجوهر
فالقضاء الاستعجالي كما سبقت الإشارة إلى ذلك هو مسطرة مختصرة تمكن الأطراف بفعل الاستعجال واستنادا عليه من الحصول على أحكام وأوامر استعجالية في دائرة المنازعات الجبائية التي لا تمس بأصل الحقوق ولا تؤثر في جوهرها، وإنما تسهل مأمورية قضاء الموضوع، باتخاذ الأوامر والقرارات القضائية التي تهدف إلى صيانة وضمان الحماية القضائية لحقوق الأطراف ومراكزهم القانونية بشكل مؤقت واستعجالي ولذلك فإنه لا بد من دقة التمييز بين أصل الحق وجوهره وبين أشكال النزاعات الجبائية التي ليس للبت فيها مساس به، خاصة وأن الصعوبة الوقتية في التنفيذ هي تلك التي تهدف إلى اتخاذ إجراء وقتي يقضي بوجودها، وإيقاف تنفيذ السند التنفيذي مؤقتا إلى غاية النظر في أصل النزاع وجوهره.
فالشرط الثاني لانعقاد اختصاص القضاء الاستعجالي للبت في صعوبة التنفيذ، هو عدم المساس بالجوهر، لكن هذا الشرط لا يمنع القاضي الاستعجالي من تلمس ظاهر الوثائق والمستندات بشكل لا يمس بالجوهر ويفي بغرض الوقوف على جدية إشكالية صعوبة التنفيذ المعروضة عليه، لكن يجب استحضار الفرق الدقيق بين مساس الصعوبة المثارة بجوهر الحق وبين تأسيس هذه الصعوبة على أسباب موضوعية؛ ذلك أن الصعوبة الوقتية في التنفيذ قد تتأسس على وسائل وأسباب موضوعية دون أن يمس ذلك بجوهر الحق[29]، كأن يثير الملزم بالضريبة صعوبة تنفيذها وأدائها ،إما بسبب حصوله على حكم قضائي غير نهائي فقضى لصالحه بالإعفاء، وإما بسبب أسبقية تقادم هذه الضريبة وإما بسبب أسبقية أدائها، فهذه الأسباب كلها موضوعية، ومع ذلك فإن إثارتها أمام القاضي الاستعجالي لا تمس بأصل الحق، كما أنه ليس من شأن إثارتها المساس بحجية الحكم المستشكل في تنفيذه .
فتبعا لكل هذه الأسباب الموضوعية يمكن للقاضي الاستعجالي أن يقضي بوجود الصعوبة إذ توفرت شروطها وبالتالي يصدر أمرا بإيقاف إجراءات التنفيذ إلى حين البت في أصل الدعوى وجوهرها أمام قضاء الموضوع .
فعدم المساس بالجوهر، يمنع على القاضي الاستعجالي البت في أصل الحق ذاته أي كل ما يتعلق به وجودا وعدما، فيدخل في ذلك كل ما يمس صحته أو يؤثر في كيانه أو يغير فيه وفي الآثار القانونية التي رتبها القانون أو التي قصدها أطراف العقد «فأصل الحق هو صميم النزاع الموضوعي، يتحسس القاضي الاستعجالي ظاهره، ولا يمس بحق أي من الخصوم، بل يتخذ إجراء وقتيا لحماية صاحب الحق الأرجح إلى غاية أن يفصل فيه قاضي الموضوع[30]».
فإذا رفع المدعي دعوى إلى قاضي المستعجلات تتضمن طلبات موضوعية، فإنه يبت فيها بعدم الاختصاص، لأنه لا يختص إلا بالبت في الإجراءات الوقتية التي لا تمس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر طبقا للفصل 152 من ق.م.م.، لكن الواقع العملي في كثير من الأحيان يدفع قاضي الأمور المستعجلة إلى الغوص في جوهر الحق للتأكد من عنصر الجدية ورجحان الحق، ولفهم طبيعة النزاع واستيعابه فقط لا من أجل إصدار حكم في الجوهر، وإنما من أجل التأكد من توافر عنصري الاستعجال وعدم المساس بالجوهر فإذا اتضح له بأن المنازعات القائمة بين الطرفين منازعة موضوعية ،وظهر له بأن أصل الحق ليس واضحا ولا جديرا بالحماية المؤقتة، أو تبين له عند البحث في دفوع أطراف النزاع وحججهم، أنه لا يستطيع أن يبت في موضوع الدعوى دون مساس بالجوهر ،كأن تقتضي طبيعة النزاع تفسير وتأويل بنود العقد موضوع الدعوى، ففي مثل هذه الحالات ونحوها يصرح القاضي الاستعجالي بعدم الاختصاص، لأن البت في هذه الطلبات يمس بجوهر الحق وموضوع الدعوى[31].
وقد استقر العمل القضائي على أن الاعتداد بالأسباب المعتمدة لإثارة الصعوبة في التنفيذ، يجب أن تكون قد حصلت بعد صدور الحكم المستشكل في تنفيذه، أما إذا كانت قبل صدوره، فإنها تندرج ضمن الطلبات العارضة والدفوع التي لا يمكن لطالب الصعوبة الاحتجاج بها على من صدر الحكم لفائدته، وهكذا فقد أصدر الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط أمرا استعجاليا[32] جاء في تعليله ما يلي:
«حيث بنت الطالبة إثارتها للصعوبة في التنفيذ على كون ظهير 24/05/1955 لا ينطبق على المحل المؤجر لها، وعلى أنها أدت واجب كراء بعض الشهور الواردة في الإنذار الموجه إليها».
«وحيث، أن ما أثير أو ما أمكنت إثارته من دفوع أثناء جريان الدعوى، لا يمكن أن يعتمد كأسباب لإثارة الصعوبة في التنفيذ، كما أن الصعوبة الجدية المبررة لإيقاف إجراءات التنفيذ، هي التي تظهر بعد صدور الحكم المستشكل في تنفيذه ،لا تلك التي كانت قائمة قبل صدوره».
«وحيث أن طلب الصعوبة لا يتسم بالجدية، مما يتعين معه التصريح برفضه»؛ فإذا كان شرط الاستعجال يخضع للسلطة التقديرية للقاضي الاستعجالي ولا يخضع لرقابة محكمة النقص، فإن شرط المساس بالجوهر خلاف ذلك، لأن حسن تطبيق القانون من قبل القاضي الاستعجالي مسالة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقص، لذلك فقد اعتبر كل من الفقه والقضاء بأن خرق الفصل 152 من ق.م.م يعتبر سببا من أسباب النقض المنصوص عليها في المادة 359 من ق.م.م.، كما رتبت محكمة النقض على شرط عدم المساس بالجوهر قاعدة أساسية تتمثل في كون الأوامر التي يصدرها قاضي الأمور المستعجلة دون المس بجوهر النزاع وأصل الحق لا يمكن أن تكون موضوعا للطعن بإعادة النظر، كما أن القرارات الصادرة على إثر استئناف هذه الأوامر تكون كذلك غير قابلة للطعن بإعادة النظر[33].
ولعل من أبرز أمثلة ذلك القرار الصادر عن الغرفة الإدارية[34] والتي قررت فيه أن قاضي المستعجلات ليس ممنوعا من مناقشة ظاهر ما هو معروض عليه، للتأكد من جدية طلب إيقاف التنفيذ، واستخلاصه من ظاهر معطيات النزاع بما يثبت الجدية ولا يشكل مساسا بجوهر النزاع، وتعود وقائع هذا القرار إلى أن رئيس المحكمة الإدارية بفاس أصدر بتاريخ 14/06/2000 في الملف الإداري رقم 99-52 قضى بإيقاف إجراءات تنفيذ التنبيه المؤرخ في 11/04/2000 الحامل لرقم الفصل 36 في جدول المكلفين “قباضة غفساي” عن سنة 1999، وذلك إلى حين صدور الحكم في الملف المفتوح أمام نفض المحكمة الإدارية تحت عدد 2000/158.
وقد تم تأييد هذا الأمر من طرف الغرفة الإدارية .
المطلب الثاني: نطاق اختصاص القضاء الشامل وقضاء الإلغاء للبت في طلبات إيقاف التنفيذ
فالقضاء الاستعجالي، مسطرة مختصرة تمكن الأطراف في حالة الاستعجال من استصدار أمر أو قرار قضائي في نوع من القضايا لا تسمح طبيعتها بالتأخير درء لأسرار بصعب تداركها بعد التنفيذ؛ ولذا فإنه يحق لأطراف الدعوى الاستعجالية اللجوء إلى القضاء الإداري الاستعجالي للحصول على أمر أو حكم في نوع من القضايا لا تسمح طبيعتها بالتأخير، نظرا لما يترتب على ذلك من إلحاق أضرار فادحة ووشيكة الوقوع بالمراكز القانونية لأطراف الدعوى، بحيث بصعب تداركها في المستقبل، كقيام المحاسب المكلف بالتحصيل بالحجز على ممتلكات شركة أو مقاولة، مما يؤدي إلى شل نشاطها وتشريد عمالها ،مع العلم أن هذه المقاولة تنازع في شرعية فرض تلك الضريبة المفروضة عليها بسبب غير مشروع، ومن هنا تنبع أهمية المساطر الاستعجالية التي تم وضعها من أجل حماية حقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات الخاصة التي قد تتضرر من تصرفات الإدارة والتي تتمتع بامتيازات عديدة بمناسبة قيامها بتسيير المرفق العام، وهكذا فقد أحالت المادة 7 من قانون 90-41 على قواعد المسطرة المدنية والتي تطبق في القضايا الإدارية، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ولذلك فإنه يحق للمرتفقين والمتقاضين اللجوء إلى القضاء الإداري الاستعجالي لحماية حقوقهم من عسف الإدارة، وذلك كلما توفرت شروط الاستعجال المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وخاصة من الفصل 147 إلى الفصل 154، فالفقرة الثالثة من الفصل 147 تمكن الأطراف من تقديم طلب من أجل إيقاف التنفيذ إذا توفرت شروطه العامة والخاصة ونفس الشيء بالنسبة للمادة 148 من ق.م.م.، كما أن المادة 468 و482 تشير إلى إمكانية تقديم دعوى بطلاق الحجر أو تقديم دعوى الاستحقاق الفرعية وفق شروطها.
فالفصل 149 ينص على أنه «يختص رئيس المحكمة الابتدائية وحده بالبت بصفته قاضيا للمستعجلات كلما توفر عنصر الاستعجال في الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ أو أي إجراء مستعجل في أي مادة لم يرد بشأنها نص خاص، ولا يضر بحقوق الأطراف»، وهو نفس الأمر الذي قررته المادة 19 من قانون 90-41 والذي تنص على أنه يختص رئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية، كما يشير الفصل 24 من قانون 90-41 على أنه «للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه، إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة».
كما نص القانون المذكور في فصله 36 و 33 على اختصاص القضاء الإداري الاستعجالي للبت في المنازعات الجبائية وخاصة طلبات إيقاف التنفيذ.
ومن خلال استقرائنا للنصوص القانونية المشار إليها سابقا في قانون المسطرة المدنية وقانون المحاكم الإدارية، يتبين لنا بوضوح أن المشرع المغربي عازم على حماية الشرعية، وذلك بضمان حقوق وحرية الأفراد الطبيعيين والاعتباريين فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين الإدارة، وذلك ما نحاول تلمسه والوقوف عليه من خلال اختصاص القضاء الإداري الاستعجالي وخاصة في طلبات إيقاف التنفيذ في المنازعات الجبائية.
إذا كان المشرع المغربي قد أسند اختصاص تأسيس الضريبة والرسوم التي في حكمها إلى إدارة الضرائب، وأناط بالخزينة العامة أمر تحصليهما ومكنها من سلطات واسعة وامتيازات عديدة تتمثل في الاستخلاص المباشر والفوري، فإنه تحقيقا لمبدأ الشرعية خول للملزم مسطرة التقاضي كلما حادت الإدارة الجبائية عن منطق القانون وأخلت بالإجراءات المسطرية المعمول بها وفق مدونة تحصيل الديون العمومية 1997/15 حيث يمكن للملزم أن يلجأ إلى قاضي المستعجلات بالمحكمة الإدارية، فيطلب منه بصفة استعجالية إصدار أمر بإيقاف تنفيذ أوامر التحصيل لعدة أسباب؛ منها أنه ينازع في صفته كملزم أو لأنه يتمتع بشروط الإعفاء أو التقادم أو الأداء المسبق للضريبة وفي مقابل طلبات الملزم يدفع المحاسب بقاعدة “أدي ثم اشكي” المستمدة من المادة 117 من ق 97-15 والتي تنص على أنه “بصرف النظر عن أي مطالبة أو دعوى يجب على المدينين أن يؤدوا ما بذمتهم من ضرائب ورسوم وديون أخرى طبقا للشروط المحددة في هذا القانون”، كما تدفع الإدارة الجبائية بمضمون المادة 124 من ق. 97-15 التي تمنع كل السلطات العمومية والإدارية من إيقاف أو تأجيل الضرائب المعنية والأداءات المماثلة والوجبات أيا كان نوعها، لكن الاجتهاد القضائي المغربي فسر هذا الفصل بأن المنع محصور في السلطات العمومية والإدارية، وبأن القضاء غير مخاطب بهذا المنع، مما يعني أن لهذا الأخير صلاحيات النظر في طلبات وقف تنفيذ مسطرة الاستخلاص الضريبي في إطار القواعد العامة للاستعجال، ولذا فمن حق الملزم عندما يداهم بمسطرة التحصيل الجبري المتمثلة في الإنذار القانوني أو الحجز أو البيع أو الإكراه البدني أن يرفع دعوى استعجالية من أجل إيقاف التنفيذ الجبري إلى حين البت في الموضوع.
تعتبر طلبات إيقاف تنفيذ أوامر التحصيل والديون العمومية طلبات وإجراءات وقتية يكتنفها الطابع الاستعجالي، باعتبار أن الملزم بها يكون مداهما بالتنفيذ على ممتلكاته وجسده أحيانا عن طريق الإكراه البدني، لذلك فالقضاء الاستعجالي هو المختص بالبت في هذه الطلبات، متى استجمعت شروطها القانونية بما يتوفر عليه من سرعة في البت وتقصير في المواعيد ويسر في الإجراءات، مما يضمن الحماية القانونية والقضائية في هذا الشأن، ولذا فإن قاضي المستعجلات الإداري برهن على سلطته في حماية الشرعية والمشروعية من خلال إصداره لعدة أوامر وقرارات تصب في حماية الحقوق والحريات في مواجهة الإدارة ولعل “أبرزها”.
فما هي مشروعية وقف تنفيذ الدين الضريبي، في القضاء الشامل وقضاء الإلغاء ؟ “الفرع الأول”.
وكيف تعامل القضاء الإداري المغربي مع إيقاف تنفيذ أوامر التحصيل الدين الضريبي؟ “الفرع الثاني”.
وإلى أي حد يلزم الملزم بسلوك مسطرة التظلم الإداري؟
تلك هي أهم التساؤلات التي سنحاول الوقوف عندها في الفرعين المواليين:
الفرع الأول : مشروعية إيقاف تنفيذ تحصيل الدين الضريبي في القضاء الشامل وقضاء الإلغاء
- القضاء الشامل
من خلال استقرائنا لنصوص من قانون 90-41 يتضح لنا بأن هناك نصين اثنين يمكن الاستناد عليهما في تحديد مشروعية وقف تنفيذ الدين الضريبي وهما:
- المادة 19 من ق 90-41 والتي تنص على أنه «يختص رئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه عنه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية».
فانطلاقا من المادة 7 من القانون المذكور والتي أحالت على تطبيق قواعد المسطرة المدنية، نجد أن هذا الفصل يفسره ويتممه قانون المسطرة المدنية وخاصة الفصول 155-153-152-149-147.
فإذا كان قضاء الموضوع يختص بالبت في المنازعات الجبائية طبقا للباب الخامس من ق. 90-41 وخاصة المواد 30و 31، فإن القضاء الإداري الاستعجالي يكون مختصا بالبت في هذه المنازعات الجبائية الوقتية متى توفرت شروطها وأركانها.
- تنص المادة 24 من ق 90-41 على أنه «للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة».
ولقد صنف المشرع دعوى إيقاف التنفيذ الديني الضريبي في إطار دعوى الإلغاء الاستثنائية، حيث قصد من ذلك التضييق من هامشها وفق شروط خاصة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولذا فإن وقف تنفيذ الضريبة في إطار المادة 24 من القانون المذكور يكتسي طابعا استثنائيا يترجمه القضاء بالتشدد ودقة التحري في مدى توفر الشروط الموضوعية لمنحه.
ونشير أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى صححت الخلل الذي سقطت فيه بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية والتي اعتبرت أن المادة 24 من ق. 90-41 هي المادة المؤسسة لمشروعية إيقاف التنفيذ في إطار الدعوى الإدارية الاستعجالية. ولعل من أبرز هذه القرارات، القرار الصادر عن الغرفة الإدارية[35] بتاريخ 18/12/1999 والذي جاء فيه «حيث إنه من الواضح أن الأمر يتعلق بنزاع في مادة الضرائب، وأن مثل هذه النزاعات تنظر فيها المحكمة الإدارية كمحكمة قضاء شامل، لا كقضاء إلغاء ،وتبعا لذلك فإن المعني بأمر الضريبة المذكورة…. يمكن أن يطلب من رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات، إيقاف إجراءات المتابعة إلى حين البت في موضوعها، كما أصدرت الغرفة الإدارية قرارا بتاريخ 18/4/199 جاء فيه: «الملزم الذي يطعن في مشروعية الضريبة أو يتمسك بكونه معفى منها، أو بتقادمها يمكنه أن يطلب من رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات إيقاف المتابعات الجارية بشأنها إلى حين البت في الموضوع.
فالأساس القانوني لطلب إيقاف المتابعات هو الفصل 19 من قانون 90-41 وليس الفصل 24 من نفس القانون الذي طبقته المحكمة الإدارية خطأ».
وبناء على ما سبق، فإن مسطرة إيقاف تنفيذ الدين الضريبي ،لا تتقيد إلا بالشروط والقواعد العامة للاستعجال المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وخاصة الفصل 149 منها.
والذي يحدد الشروط في أمرين اثنين: توفر حالة الاستعجال، وجدية الطلب المرفوع لقاضي المستعجلات، فالمنازعة الجدية يمكن استجلاؤها من خلال ظاهر أوراق الملف، وقد حدد الاجتهاد القضائي أوجه الجدية فيما يلي:
- توقف الملزم عن مزاولة النشاط الذي فرضت من أجله الضريبة.
- توفر الملزم على شروط الإعفاء الكلي أو الجزئي من الضريبة.
- إثارة التقادم الضريبي سواء ما تعلق منه بالوعاء أو التحصيل.
- حصول طالب إيقاف التنفيذ على حكم قضائي لصالحه قضى بإلغاء الضريبة ولكن لم يصبح الحكم نهائيا، بسبب استئنافه من قبل الإدارة الجبائية.
- مطالبة الملزم بأداء ضرائب لا يزال النزاع في شأنها معروضا على اللجان الضريبية[36].
وهكذا فقد استقر الاجتهاد القضائي، على إعفاء طالب إيقاف التنفيذ من سلوك مسطرة التظلم الإداري؛”عندما ينازع في صفته كملزم وتتوفر شروط الاستعجال” ولذا فإن مسطرة إيقاف التنفيذ لا تتقيد بالشروط المنصوص عليها في المواد 117 و 118 من مدونة تحصيل الديون العمومية رقم 97-15 والمتمثلة في صحة الطعن الإداري المقدم لدى مصلحة الوعاء والتحصيل وكفاية الضمانة المقدمة لتأمين استخلاص الدين الضريبي وضرورة وجود المنازعة كليا أو جزئيا في مبلغ الدين، وهذا ما استقر عليه العمل القضائي لدى المحاكم الإدارية وإنما تتقيد حصريا بالشروط المنصوص عليها في المادة 149 من ق.م.م. والمعتبرة بمثابة القواعد العامة للاستعجال كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
- سلطات قاضي الاستعجال في مجال دعوى الإلغاء
لقد منح المشرع للإدارة سلطات واسعة واختصاصات عديدة، ولعل أبرزها التنفيذ المباشر والفوري لقراراتها، وذلك ضمانا لمبدأ استمرارية المرافق العامة، لهذا فإن الطعن بالإلغاء في قراراتها لا يؤدي إلى إيقاف التنفيذ، لكن مقابل هذه القاعدة العامة، فقد أقر المشرع مبدأ استثنائيا يتمثل في إمكانية إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية المطعون فيها بالإلغاء إذا التمس الطاعن ذلك صراحة واستجمعت هذه المسطرة شروطها القانونية والمتمثلة أساسا في شرطين، حالة الاستعجال وعدم المساس بالجوهر كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
فما هي الشروط العامة والخاصة المتعلقة بإيقاف تنفيذ القرارات الإدارية المطعون فيها بالإلغاء؟ الشروط العامة: ويمكن إجمالها في شرطين اثنين:
- حالة الاستعجال:
وهي الخطر الحال والمحدق بمصالح الأطراف بشكل جدي وبصعب تدارك أسراره مستقبلا[37]، فإذا ظهر للقاضي من خلال تفحصه لوثائق الملف بأن القرار الإداري سيسبب أضرارا بصعب تدارك نتائجها، وأن مآله الإلغاء من قبل محكمة الموضوع، فإن القاضي الاستعجالي في هذه الحالة يصدر أمرا وقتيا بإيقاف تنفيذ القرار الإداري إلى حين البت في موضوع الطعن بالإلغاء، أما إذا ظهر للقاضي أن الوسائل المثارة من أجل إيقاف تنفيذ القرار الإداري المطعون فيه بالإلغاء ،لا تتسم بالجدية ولا تتوفر فيها حالة الاستعجال، فإن القاضي الاستعجالي يصدر أمرا برفض الطلب .
- عدم المساس بالجوهر:
وبمقتضى هذا الشرط يمنع على القضاء الاستعجالي الغوص في أصل الحق موضوع الدعوى أو في الحقوق والالتزامات المتعلقة بها، فأصل الحق هو كل ما يتعلق به وجودا وعدما ويؤثر في ذاتيته، أو في الآثار القانونية المترتبة عليه وفقا للمادتين 149 و 152 من ق.م.م.
فتأسيسا على هذا الشرط يمنع على القاضي الاستعجالي الغوص في جوهر الحق والاكتفاء بتلمس ظاهر الوثائق أثناء بته في الطلبات الوقتية، لكن من الناحية العملية، فإن القاضي الاستعجالي يواجه صعوبات بالغة في إثباته لإساءة استعمال السلطة، لأن إثبات ذلك يقتضي الغوص في تقدير عمل الإدارة والدوافع غير الظاهرة التي أدت إلى إصدار القرار المطعون فيه، فالقاضي الاستعجالي أثناء محاولته إثبات عيب القرار المطعون فيه بالإلغاء يخوص في أوراق الدعوى ومستنداتها إلى أقصى حد ممكن لأن ظاهر الوثائق لا بضعفه في تلمس حالة الاستعجال والجدية والتحقق من عيب الانحراف في استعمال السلطة.
أما بالنسبة لإثبات عيب مخالفة القانون أو الخطأ في تأويله، فإن القاضي يمكنه تبينه والوقوف على نوعه من خلال فحص ظاهر القرار المطعون فيه، أما إذا تعلق القرار المطعون فيه- بالإلغاء- بالاعتداء على الحقوق المكتسبة، أو على الخطأ في المناسبة من حيث الوقائع أو القانون أو عدم قيام القرار على أسباب مشروعة، ففي كل هذه الحالات، فإن القاضي الاستعجالي لا يقوى على تبيان هذه العيوب، إذا اكتفى بتفحص ظاهر الوثائق والمستندات، الأمر الذي يدفعه إلى الغوص في الجوهر وهذا غير جائز قانونا، ومن هنا تنبع صعوبة تحقق شرطي الاستعجال وعدم المساس بالجوهر لإيقاف تنفيذ القرار المطعون فيه بالإلغاء[38].
وصفوة القول، إنه يمكن تقسيم عيوب القرار الإداري إلى نوعين اثنين:
النوع الأول: وهو إثبات عيب الاختصاص والشكل في القرار المطعون فيه بالإلغاء، وفي هذه الحالة يتمكن القاضي الاستعجالي من تلامسها من خلال ظاهر الوثائق دون حاجة الغوص في الجوهر.
والنوع الثاني:
وهي العيوب التي تنصب على محتوى القرار الإداري ومضمونه وهي عيوب مخالفة القانون من حيث اعتدائه على الحقوق المكتسبة، وكذا في مخالفة القانون بسبب الخطأ في التأويل من حيث الوقائع أو القانون، ومن حيث عدم قيام القرار على أسبابه أو عيب الانحراف في استعمال السلطة، ففي هذه الحالات فإن القاضي الاستعجالي لا يمكنه أن يتحقق من هذه العيوب من خلال تفحصه لظاهر الوثائق والمستندات، الأمر الذي يدفعه إلى الغوص في الجوهر وهذا أمر ممنوع عليه قانونا[39].
الشروط الخاصة بإيقاف تنفيذ القرارات الإدارية المطعون فيها بالإلغاء
ويمكن تحديدها في شرطين اثنين:
- الطلب الصريح من الطاعن بالإلغاء من أجل إيقاف تنفيذ القرار المطعون فيه بالإلغاء، بحيث يرفعه إلى قاضي المستعجلات؛
- أن تكون دعوى الإلغاء معروضة أمام قضاء الإلغاء؛ أي أمام نفس المحكمة الإدارية التي ستنظر في الدعوى الاستعجالية، مما يعني أن هذه الدعوى الأخيرة متفرعة من دعوى الإلغاء وغير مستقلة عنها، فوجودها القانوني وعدمها مؤسس على وجود أصلها وذلك طبقا للمادة 24 من ق 90-41 والتي تنص على أنه «للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه، إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة».
فكل طلب استعجالي يرمي إلى إيقاف تنفيذ قرار إداري غير مطعون فيه بالإلغاء يكون مسيره عدم قبول الطلب.
الفرع الثاني: نماذج من الاجتهاد القضائي في تطبيق الفصل 19 من قانون 90-41
يشكل هذا الفصل ضمانة حقيقية لحماية المشروعية، وخاصة بالنسبة لحقوق الملزم الذي قد يداهم في كثير من الأحيان بوسائل التنفيذ الجبري، التي تهدده في ذمته المالية ،أو حريته الشخصية عن طريق الإكراه البدني، مع العلم أنه قد ينازع في صفته كملزم لسبب مشروع ينفي عنه هذه الصفة، ومن هنا تنبع أهمية المسطرة الاستعجالية لتفادي الأسرار المحتملة التي يصعب تداركها بعد التنفيذ، ونظرا لسعة هذا المحور فإنني سأقتصر على تحليل بعض النماذج القضائية التي أمرت بإيقاف إجراءات التحصيل مؤقتا، إلى حين البت في الموضوع وفقا للمادة 19 من ق. 90-41 وهي كتالي:
وترجع وقائع الملف إلى الأمر الاستعجالي التي رفعته شركة التنظيف الصناعي «سينات» بتاريخ 2002/08/13 إلى قاضي المستعجلات بالمحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بمقتضى مقال عرضت فيه أنها فوجئت بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يوقع حجز ما للمدنين لدى الغير على حسابها البنكي ،المفتوح لدى الشركة العامة المغربية للأبناك، بواسطة إشعار إلى الأغيار الحائزين استنادا إلى مقتضيات الفصول 100 و 104 من قانون 97-15، المتعلق بتحصيل الديون العمومية، ولعل من أهم الدفوع التي دفعت بها المدعية، هي أن المستحقات المفروضة من جرائها مسطرة الإسعار للغير الحائز، تعود إلى سنة 1978، وتعتبر متقادمة حيث الفصل 76 من القانون المنظم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المعدل بقانون 84-7،.كما أنها لم تحترم الإجراءات القانونية المنصوص عليها في المادة 29 من ق. 97-15.
وقد دفع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعدة دفوع ومنها عدم احترام مسطرة التظلم الإداري من قبل المدعى عليها، وبعد المداولة ودراسة الملف أصدرت الغرفة الإدارية القرار المذكور مؤسسة قرراها على الأسباب التالية:
- يختص قاضي الأمور المستعجلة بالنظر في طلب رفع حجز ما للمدين لدى الغير باعتباره طلبا يكتسب طابع الاستعجال ولا يتعلق بالمنازعة في الموضوع.
- سلوك مسطرة التظلم الإداري قبل الالتجاء إلى القضاء المستعجل لرفع الحجز يعتبر غير لزم لتعارضه مع حالة الاستعجال التي يفرضها هذا الإجراء والتي لا تحتمل بطبيعتها الانتظار، وتقتضي عرض النزاع على القضاء بأقصى سرعة ممكنة، وبالتالي فإن احترام هذه المسطرة يسري على الدعاوى الموضوعية دون الاستعجالية.
وهكذا فقد أصدرت الغرفة الإدارية قراراها المذكور والقاضي برفع الإسعار للغير الحائز[40].
لا شيء في القانون يمنع قاضي المستعجلات الإداري من حماية المراكز القانونية للأطراف، إذا كانت واضحة وذلك بالتدخل لإرجاع الأمور إلى نصابها متى تحقق عنصر الاستعجال وكان من شأن هذا التدخل الحد من الخطر الذي يهدد الحق المراد حمايته.
ولذا فما دام الإشعار للغير الحائز الذي يباشره القابض قد انصب على حساب بنكي لا يخص الملزم بصفة شخصية، وإنما انصب على ودائع زبنائه حسب الظاهر من الشهادة البنكية المدلى بها في الملف، فإن تدخل قاضي المستعجلات الإداري من أجل الحد من مفعول الإجراء المذكور، له ما يبرره لدرء الخطر الذي يهدد الحق المراد حمايته المتمثل في ودائع الزبناء الذين لا علاقة لهم بالدين الضريبي الذي بوشر ذلك الإجراء بسببه[41] والذي كرس القاعدة الآتية:
- طلب إيقاف إجراءات التحصيل طلب استعجالي بطبيعته يهدف إلى وقف المتابعات التي تهدد المركز المالي لطلب المدين في انتظار البت في دعوى الموضوع المتعلقة بالطعن، إما في الوعاء الضريبي، أو في إجراءات التحصيل، مما يجعله إجراء وقتيا لا مساس له بالجوهر، ولو بني على أسباب موضوعية تبرر تقديمه لأن القاضي في هذه الحالة لا يناقش تلك الأسباب، وإنما يتلمس فقط ظاهر المستندات المدلى بها للوقوف على مدى جدية المنازعة المتعلقة بالحق المراد حمايته[42].
- قاعدة وجوب أداء الضريبة رغم كل تظلم أو طعن قضائي ليست قاعدة مطلقة بل يمكن لكل من ينازع في أساس الضريبة أو في مشروعيتها أو يدعي إعفاؤه منها طلب إيقاف دون كفالة[43].
- قرار قضائي كرس قاعدة مفادها: إيقاف إجراءات التحصيل الجبري هو طلب استعجالي بطبيعته ،يهدف إلى وقف المتابعات التي تهدد المركز المالي للطالب المدين، في انتظار البت في دعوى الموضوع المتعلقة بالطعن، إما في الوعاء الضريبي، أو في إجراءات التحصيل، مما يجعله إجراء وقتيا لا مساس له بالجوهر، ولو بني على أسباب موضوعية تبرر تقديمه، لأن قاضي المستعجلات في هذه الحالة لا يناقش تلك الأسباب، وإنما يتلمس فقط ظاهر المستندات المدلى بها، للوقوف على مدى جدية المنازعة ذات العلاقة بالحق المراد حمايته[44].
- القرار الذي نص على أن طلب تأجيل التنفيذ الجبري هو طلب استعجالي بطبيعته، لا شيء في القانون ينفي صفة الاستعجال عن الإجراءات الوقتية التي تتم بمناسبة تنفيذ استخلاص الضرائب[45].
- الضمانة التي يفرضها القانون للحصول على إيقاف إجراءات المتابعة لا تكون إلزامية، إلا في حالة المنازعة في قيمة الضريبة أو في جزء منها، أما المنازعة في مشروعية الضريبة بصورة جدية فلا يتطلب في الملزم إيداع ضمانة طلب تأجيل التنفيذ الجبري هو طلب استعجالي بطبيعته ،لا شي في القانون ينفي صفة الاستعجال عن الإجراءات الوقتية التي تطلب بمناسبة تنفيذ استخلاص الضرائب[46].
- الضمانة التي يفرضها القانون للحصول على إيقاف إجراءات المتابعة ،لا تكون إلزامية إلا في حالة المنازعة في قيمة الضريبة،أو في جزء منها ،أما المنازعة في مشروعية الضريبة بصورة جدية، فلا يتطلب من الملزم إيداع ضمانة.
- قرار الصادر عن الغرفة الإدارية وقد كرس القاعدة الآتية:
- مجرد توجيه الإنذارات للملزم دون ثبوت تبليغها إليه بشكل فعلي لا يقطع أجل تقادم إجراءات التحصيل.
- انصرام أربع سنوات على تاريخ الشروع في التحصيل دون ثبوت القيام بأي إجراء قاطع للتقادم، يجعل المطالبة بالتحصيل لغية لتقادمها[47].
- مجرد تقديم دعوى المنازعة في الضريبة لا يبرر وحده طلب إيقاف تنفيذ أدائها، إذ لابد من توفر عنصري الاستعجال والجدية[48].
- إذا كانت المنازعة جدية وشاملة لمبلغ الضريبة ولا تقتصر على جزء منه، فيبقى إيقاف التنفيذ خاضعا للقواعد العامة التي تخول القضاء سلطة إيقاف تنفيذ الأداء إما بكفالة وإما بدونها حسب ظروف كل نازلة.
كان قاضي المستعجلات على صواب عندما اعتبر أن تقديم الكفالة ليس شرطا لزما لقبول طلب إيقاف التنفيذ، الذي أسس على أن المطالب بالأداء لم يسبق أن مارس النشاط التجاري الذي فرضت من أجله الضريبة، ولا حصل على أي ترخيص بذلك وكان ظاهر الوثائق يضفي على هذا الدعاء صفة الجدية[49].
خاتمة
إن منطق العدل وروح التشريع يقتضيان ويفرضان على القضاء العمل على تحقيق مقاصد العدل والإنصاف، وتجسيد مبدأ الشرعية وسيادة القانون، خاصة في العلاقة الثنائية التي تربط الإدارة الجبائية بالمواطن الملزم ،إذ غالبا ما تتمتع هذه الإدارة بسلطات واسعة وامتيازات عديدة تجاه المواطنين، الشيء الذي يخل بمبدأ توازن العلاقة بين طرفي المعادلة القضائية، ويفرغها من جوهرها الحقيقي والذي هو العدل والمساواة بين طرفيها، خاصة وأن إيقاف تحصيل الدين الضريبي قد يكون مطلبا عادل ومنصفا بالنسبة للأشخاص الطبعيين والاعتبارين، متى تمكن القاضي الإداري من إثبات براءة ذمتهم اتجاه الإدارة الجبائية لأن الديون الضريبية المطالبين بأدائها تفتقد للمشروعية ويعوزها السند القانوني إما لسبق الأداء وإما لتوفرهم على شروط الإعفاء الجزئي أو الكلي وإما لمرور أمد التقادم على تحصيل تلك الديون أو لأي سبب مشروع استقر عليه الاجتهاد القضائي، ولذا فعلى القضاء الإداري أن يستلهم روح النصوص التشريعية ومقاصدها النبيلة التي تسع في مقدمة أولوياتها، تحقيق العدل والإنصاف والمساواة ورفع الحيف والظلم بمنهجية قضائية عادلة ومتوازنة أساسها درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وإذا اجتمع ضرران فيجب ارتكاب أخفهما، وذلك بمراعاته للمصلحة العامة وتحريها أثناء البت في طلبات إيقاف تحصيل الديون العمومية، لاعتبارها مصدرا أساسيا للإنفاق العام ووسيلة فعالة لإشباع الحاجيات العامة للمواطنين وضمان استمرارية المرفق العام.
وتأسيسا على ما سبق، فقد عمل القضاء الإداري المغربي على تكريس الضمانات التي منحها المشرع للملزم، عن طريق إيقاف تنفيذ أوامر التحصيل كلما شابها خرق مسطري أو عيب من عيوب الإجراءات المسطرية؛ فإذا كان الملزم مثلا ينازع في سفته كملزم أو قامت الإدارة الجبائية بخرق مسطرة فرض وتصحيح الضريبة المتنازع بشأنها، فإنه بإمكانه أن يوقف تنفيذ إجراءات تحصيل الديون العمومية مؤقتا ،عن طريق القضاء الاستعجالي إلى حين البت في الملف من قبل قضاء الموضوع بحكم نهائي، دون أن يلزم الملزم بمسطرة المطالبة المنصوص عليها في المادة 120 من مدونة تحصيل الديون العمومية رقم 97-15 لتعارض هذه المسطرة مع مفهوم وطبيعة حالة الاستعجال، وهكذا فقد سار الاجتهاد القضائي المغربي في اتجاه إعفاء المدعي من سلوك مسطرة المطالبة الإدارية في حالة اتصاف منازعة الملزم بالجدية وتوفر شروط الاستعجال وقد تم تحديد ذلك من قبل الاجتهاد القضائي كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
وصفوة القول، أن طلبات إيقاف تنفيذ تحصيل الديون العمومية تعتبر بحق من المواضيع الخصبة التي لازالت في حاجة ماسة إلى مزيد من البحث واستفراغ الجهد الفكري والفقهي بغية الوصول إلى تأصيل تشريعي وقضائي متوازن ناجع يحسم الإشكاليات القانونية المتناسلة التي تفرزها مسطرة التنفيذ في مجال تحصيل للديون العمومية.
[1] إدريس العلوي العبدلاوي ،القضاء الاستعجالي: القانون القضائي الخص، ط 1، السنة 1985، ص .400.
[2] الطيب برادة ،التنفيذ الجبري في التشريع المغربي 1988، ص 411-412.
[3] د. محمد بونبات، «وجهة نظر حول إيقاف التنفيذ المأمور به خلافا للقانون والحجية الوقتية للأحكام المدنية»، مجلة الملحق القضائي، العدد العاشر، أكتوبر 1988، ص .98.
[4] الطيب برادة، التنفيذ الجبري في التشريع المغربي 1988، ص 412.
[5] د. محمد بونبات، «وجهة نظر حول إيقاف التنفيذ المأمور به خلافا للقانون والحجية الوقتية للأحكام المدنية»، مجلة الملحق القضائي، العدد العاشر ،أكتوبر 1988، ص .94 و95.
[6] د.محمد بونبات، «وجهة نظر حول إيقاف التنفيذ المأمور به خلافا للقانون والحجية الوقتية للأحكام المدنية مجلة الملحق القضائي، العدد العاشر ،أكتوبر 1988، ص 94 و95 .
[7] د.خميس السيد إسماعيل ،موسوعة القضاء المستعجل وقضاء التنفيذ وشكالته، المجلد الأول، ط 1990-1991،
ص.303.
[8] د.خميس السيد اسماعيل ،موسوعة القضاء المستعجل وقضاء التنفيذ وشكالته، المجلد الأول، ط 1990-1991،
ص 306.
[9] المستشار عبد الحميد المنشاوي، شكاليات التنفيذ، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، بدون سنة، ص18 وما بعدها.
[10] ذ.محمد شكيري، «تأجيل الوفاء بالدين الضريبي بالمغرب بين إرادة المشرع واجتهاد القضاء»، دفاتر المجلس الأعلى، العدد الثامن، السنة 2005، ص 295.
[11] ذ. حسن العفوي، «المنازعات الضريبية أمام القضاء بين التأسيس والتحصيل»، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث ،ماي 2008، ص .93.
[12] ذ.مصطفى التراب، المختصر العملي في القضاء والقانون، ط 1، السنة 2008، ص .44.
[13] ذ. محمد منقار بنيس، القضاء الاستعجالي، ط.الثانية، مطبعة الأمنية، الرباط، ص .96.
[14] ذ. الطيب برادة ،التنفيذ الجبري في التشريع المغربي، السنة 1988، ص 243.
[15] ذ. الطيب برادة ،التنفيذ الجبري في التشريع المغربي، مرجع سابق، ص 243.
[16] القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، بتاريخ 14/05/1992 في الملف الاستعجالي عدد 1950/92، مجلة الشعاع، عدد 8، دجنبر 1992، ص 109.
[17] ذ. محمد منقار بنيس، القضاء الاستعجالي، ط. الثانية، مطبعة الأمنية، الرباط، ص .88.
[18] ذ. محمد بنيس، القضاء الاستعجالي، ص91.
[19] القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 15/11/1978 في الملف الاستعجالي عدد 1975- 1978، المنشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 129، السنة1979، ص .222.
[20] ذ.محمد القصري،«إيقاف تنفيذ الدين العمومي أمام القضاء الاستعجالي»، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث، ماي 2008، ص38 بتصرف».
[21] ذ.محمد القصري، «إيقاف تنفيذ الدين العمومي أمام القضاء الاستعجالي»، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث، ماي 2008، ص 38.
[22] ذ.محمد القصري، «إيقاف تنفيذ الدين العمومي أمام القضاء الاستعجالي»، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث ،ماي 2008، ص.و 39.
[23] عبد اللطيف هداية الله، القضاء المستعجل في القانون المغربي، ط 1، السنة 1998، ص 95 وفي هذا الصدد، نشير إلى أن المنشور الصادر عن وزير العدل المغربي بتاريخ 02/03/1966 تحت عدد 283 قد تم تعديله بمقتضى الباب الأول من القسم الرابع من ق.م.م. بمقتضى الفصول من 148 إلى 165 من قانون المسطرة المدنية.
[24] إن صفة قاضي المستعجلات مخولة بمقتضى القانون لكل من رئيس المحكمة الابتدائية “المادة 149 من ق.م.م”. ورئيس المحكمة الإدارية “المادة 19من قانون 90-41 ” ورئيس المحكمة التجارية “المادة 21 من القانون رقم 95-53 المحدث للمحاكم التجارية” والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف العادية والإدارية والتجارية، وبالنسبة لاختصاص رؤساء محاكم الدرجة الثانية، فإنه مشروط ومعلق بكون النزاع معروضا أمام هذه المحاكم.
[25] أنظر: د. عبد اللطيف هداية الله ،القضاء المستعجل في القانون المغربي، ط 1، السنة 1998 من الصفحة 75 إلى
ص. 79.
[26] ذ. عبد الباسط جميعي ،مبادئ المرافعات، ط 1، السنة 11973، ص 128.
[27] قرار عدد 193 بتاريخ 18 فبراير 1999، ملف رقم 193/98 ، ذ. منتصر الداودي ر.غ، ذ.عبد الطيف بركاش م.ع ،.النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 8، ص 32.
[28] قرار عدد 141 بتاريخ 09/11/2000 موضوع الملف الإداري عدد835/4/1/2000 قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، مجلة دفاتر المجلس الأعلى، العدد 9، السنة 2005، ص 218.
[29] ذ .إدريس العلوي العبدلاوي، الوسيط في شرح المسطرة المدنية، ج.1، ط1، السنة 1998، ص .600.
[30] قرار عدد 141 بتاريخ 09/11/2000 موضوع الملف الإداري عدد 835/4/1/2000، قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، مجلة دفاتر المجلس الأعلى، العدد 9، السنة 2005، ص 218.
[31] د.حسن عكوش، المستعجل في الفقه والقضاء، الجزء الأول، ص 28.
[32] ذ.مصطفى التراب، المختصر العملي في القضاء والقانون، ط 1، السنة 2008، ص 46.
[33] ذ. محمد منقار بنيس، القضاء الاستعجالي، ط.الثانية، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 59.
[34] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية تحت عدد 107بتاريخ 26/10/2000 في الملف الإداري عدد 1407/04/01/2000، قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، دفاتر المجلس الأعلى، العدد 9، السنة 2000، ص 212.
[35] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض تحت عدد 193/18 فبراير 1999موضوع الملف رقم 913/58، النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 8، ص 32.
[36] ذ.حسن العفوي، «المنازعات الضريبية أمام القضاء بين التأسيس والتحصيل»، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث ماي 2008، ص97. وذ.محمد شكيري، «تأجيل الوفاء بالدين الضريبي بين إرادة المشرع واجتهاد القضاء»، دفاتر المجلس الأعلى، العدد 8، السنة 2005، ص 300 وما بعدها.
[37] ذ.عبد العزيز توفيق، شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، ج.1 دون عدد للطبعة، ص 326.
[38] ذ. محمد الأعرج، «النظر في الطلبات المستعجلة والفصل فيها»، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ص 34.
[39] ذ. محمد الأعرج، «النظر في الطلبات المستعجلة والفصل فيها»، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ص 36.
[40] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية تحت عدد 156 بتاريخ 13/03/2003 موضوع الملف الإداري عدد 2180/4/2/2002 قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى سابقا، مجلة دفاتر المجلس الأعلى، العدد التاسع، السنة 2005، ص 240.
[41] القرار الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 30/4/2007 تحت عدد 231، موضوع الملف عدد 3/07/2، المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية، السنة 2010 منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية بوزارة العدل، ص 123.
[42] قرار الغرفة الإدارية عدد193 والمؤرخ في 01/03/2006 في الملف الإداري عدد 1593/4/2/2003/2 المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية السنة 2010، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية بوزارة العدل، ص 112.
[43] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية عدد 1150 بتاريخ 10/07/1997 موضوع الملف الإداري رقم 483/5/1/1997 المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية السنة 2010، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية بوزارة العدل ،ص 117.
[44] قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 21 بتاريخ 18/12/2006 موضوع الملف الإداري عدد 41/06/2002 المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية، السنة 2010، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية بوزارة العدل ،ص 112.
[45] القرار الذي أصدرته الغرفة الإدارية تحت عدد 83/28/01/99في الملف عدد 712/98، النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 13، ص 20.
[46] القرار الصادر عن غ إ تحت عدد 63/28/01/1999 ملف عدد 712/98، النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 8، ص 31.
[47] قرار غ .إ. عدد 581 بتاريخ 21/7/2004، ملف إداري رقم 3/3/4/1/20022، المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية، السنة 2010، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية بوزارة العدل، ص 120.
[48] قرار غ .إ. بالمجلس الأعلى عدد167/11/02/1999 ملف رقم 1011.98، النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 8، ص 32.
[49] قرار غ .إ. عدد 191/96 ملف عدد 04/07/97، النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 2، ص 28.





