فاطمة الزهراء حاتم
باحثة بسلك الدكتوراه قانون إداري وعلوم إدارية.
مقدمة
يجد نظام الإكراه البدني أصله في القانون الروماني القديم حيث كان المدين في التصور القديم يلتزم بالدين في جسمه لا في ماله، كما أن المدين في ظل ذلك العهد كانت له سلطة مطلقة بحيث يسمح له بهدر كرامة مدينه واستنزاف دمه وملاحقته بكافة الوسائل سواء بحبسه أو التشهير به أمام جموع الناس، بل كان للدائن الحق في امتلاك شخص مدينه وبيعه في الأسواق وأكثر من هذا التشريع الرماني يجيز للدائن قتل مدينه وتمزيقه أشلاء بمقدار الدين.
وقد عمل الفقه الإسلامي على الموازنة بين حقوق الدائن وحقوق المدين في نفس الوقت حيث أكد أنه لا يجوز حبس المدين المعسر الذي لا مال له لأداء دينه وإنما ينظر إلى حين يسره لقوله تعالى ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون)[1].
وإذا كان التنفيذ بالإكراه البدني على مر الزمان عرف تطبيقات متفاوتة تتأرجح بين التشديد والليونة وبين المد والجزر تبعا للتطورات الإقتصادية والإجتماعية والقانونية وتصاعد الأصوات الحقوقية التي كانت تعرفها المجتمعات الإنسانية من حين لأخر حتى صار متجسدا في صورته الحالية المتمثلة في عدم جواز تطبيقه في مجال الديون الناجمة عن العلاقات التعاقدية ونافذ المفعول في الديون العمومية، وإذا كانت بعض التشريعات كالفرنسي والمصري ضيقت كثيرا من تطبيقات الإكراه البدني إلى حد إلغائه في الديون المدنية والتجارية فإن المشرع المغربي رغم مصادقته على ميثاق الأمم المتحدة للحقوق المدنية والسياسة لسنة 1966 فإن ذلك لم يؤدي إلى إلغاء النصوص المنظمة للإكراه البدني أو تجميد تطبيقها.
وقد ظل التنفيذ بالإكراه البدني متأرجح بين التشديد والتخفيف وبين التوسع والإنحصار، تبعا للتطورات الإقتصادية والإجتماعية والقانونية والنداءات الحقوقية إلى أن صار غير جائز التطبيق في حالات، ونافذ المفعول في أخرى بنص خاص، ولقد أحسن المشرع المغربي صنعا عندما احترم مبدأ قدسية حرية الإنسان وعطل تطبيق هذا النظام في بعض الحالات حفاظا على مصالح الأسرة، ولقد نص المشرع على مجموعة من الشروط الشكلية والإجراءات التي تسبق مباشرة مرحلة التحصيل الجبري وعلى رأس هذه الشروط التبليغ بحيث يجب أن يكون الملزم على علم مسبق بما ستتخذه إدارة التحصيل في حقه، وإلى جانب هذه الشروط هناك إجراءات تسبق مسطرة الإكراه البدني وتتمثل هذه الأخيرة في الإنذار والحجز ثم البيع وتعتبر هذه الإجراءات ضمانة للملزم تفاديا لأي شطط أو تعسف من جانب الإدارة متجاوزا بذلك النقص الذي انتاب ظهير 21 غشت 1935 المتعلق بمتابعة ديون الدولة، والذي كان يخول للمحاسب المكلف اللجوء مباشرة إلى الإكراه البدني بعد الإنذار دون الإجراءات الأخرى . ومن خلال هذا التقديم يمكن أن نطرح التساؤل التالي ماهي طبيعة الإكراه البدني في ظل التشريع المغربي؟ وما هي خصائصه باعتباره إجراء استثنائي لتحصيل الديون العمومية؟ وعليه فقد قسمت هذا البحث إلى مبحثين.
المبحث الأول: خصوصية نظام الإكراه البدني في ميدان تحصيل الديون العمومية
المبحث الثاني: طبيعة الإكراه البدني وخصائصه في التشريع المغربي
المبحث الأول: خصوصية نظام الإكراه البدني في ميدان تحصيل الديون العمومية
ما من شك في أن الإلمام بمضمون لفظ ما إلماما تأصيليا، إنما يكون بالرجوع إلى اشتقاقه اللغوي وإلى استعمالاته المختلفة، ومن ثم يكون من الأنسب تناول فكرة الإكراه من حيث أصله اللغوي ومحاولة تعريف مصطلح الإكراه البدني للوقوف على طبيعته القانونية في التشريع المغربي إذ هناك بعض التشريعات جعلت من طبيعة الإكراه البدني طبيعة مزدوجة حسب السلطة التي أمرت به، فإذا صدر عن جهة الحكم فهو يعتبر جزاءا جنائيا يتضمن معنى العقوبة، وإذا أمرت به سلطة التنفيذ أي النيابة العامة اعتبر وسيلة تنفيذ وليس جزاءا إلا أن هذا الرأي يعاب عليه في أن الإكراه البدني مجرد وسيلة للتنفيذ لا غير مهما اختلفت الجهة التي أمرت به أو النص الذي نظم أحكامه، رغم أن تنفيذه سيودع الشخص في السجن ويسلبه حريته إلا أنه لا يعد عقوبة، إذ كشفت جل الدراسات المنصبة حول موضوع الإكراه البدني أنه وسيلة تنفيذ وليس عقوبة، كما أجازت الشرائع السماوية بما فيها الشريعة الإسلامية اللجوء إلى الإكراه البدني بحبس المدين إرغاما له على الوفاء بالدين، كما يعتبر الإكراه البدني وسيلة لإجبار المدين على تنفيذ التزامه المتمثل في أداء مبلغ من المال، إلا أنه عرف كمؤسسة مشروعة لدى التشريعات القديمة، على عكس بعض التشريعات الحديثة التي عملت على إلغائه وهذا يجعلنا نتساءل عن طبيعة الإكراه البدني في التشريع المغربي هل يعتبر عقوبة قررها المشرع كجزاء لعدم الوفاء المدين بديونه ؟ أم مجرد وسيلة للضغط والتأثير عليه للأداء ؟ وعليه وبناءا على ما سبق قسمت هذا المبحث إلى مطلبين.
المطلب الأول : ماهية الإكراه البدني كإجراء استثنائي لتحصيل الديون العمومية
المطلب الثاني: التعريف القانوني للإكراه البدني في التشريع المغربي
المطلب الأول : ماهية الإكراه البدني كإجراء استثنائي لتحصيل الديون العمومية
الإكراه البدني هو جديد قانون 97/15 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية وذلك من خلال ترتيبه ضمن درجات التحصيل الجبري حيث أن المشرع المغربي جعله كأخر إجراء وذلك بعد سلوك الإنذار الحجز ثم البيع على عكس النظام السابق وهو ظهير 21 غشت 1935 الذي كان يجعله في المراتب الأولى بعد الإنذار بحيث جاءت مدونة تحصيل الديون العمومية مواكبة لما عرفه المغرب في مجال حقوق الإنسان من تطور، حيث حاول المشرع أن يوازي بين المحافظة على حقوق الخزينة، وبين حماية حقوق الملزمين. وللوقوف على هذا الإجراء الذي أجاز المشرع استعماله لإستيفاء الديون العمومية لا بد من الوقوف على مفهومه .
أولا :مفهوم الإكراه البدني
من خلال هذه الفقرة سنستعرض النصوص القانونية المنظمة للإكراه البدني في ميدان تحصيل الديون العمومية وكذلك تعاريف الفقه والقضاء حول هذا المفهوم .
- المدلول اللغوي
إن كلمة ” الإكراه ” مشتقة من فعل كره (يكره كرها و كرها وكراهية ومكرهة) الشيء ضد أحبه فهو كاره، والشيء (مكروه) ويقال كذلك (كره يكره كراهية وكراهة) الأمر أو المنظر: قبيح فهو كريه ويقال أكره فلانا على الأمر: حمله عليه قهرا، و إكراه الرجل : حمله على أمر يكرهه، و تكره و تكاره الشيء لم يرضه[2].
والإكراه كما يقول الإمام أبو زهرة يتلاقى في أصل الإشتقاق مع الكراهة، وهو في الشريعة حمل الشخص على فعل أو قول لا يريده مباشرة، وبذلك يتبين أن الإكراه والرضاء لا يمكن أن يتلاقيا[3]، ومن الطبيعي ألا يسيرا في خط متواز وأن يكونا متعاكسين ومتضادين لأن الإكراه يناقض الرضاء.
ومن الواضح أن الإكراه ينطوي على ما يدفع الغير إلى فعل أمر لا يرغب فيه[4]، ولا يريد مباشرته، بحيث يكون الشخص المكره على فعل ذلك الأمر غير راغب فيه، ولا تواق إليه باعتبار هذا الأمر مكروها من طرفه، والإكراه يتضمن ما يشعر المدين بالتهديد الذي قد يناله إما في ماله وإما في جسمه[5] إن لم يحترم تعهداته، ويبادر إلى الوفاء بدينه، ولذلك اعتبر إكراه المدين وسيلة فعالة لتأمين جزاء الإخلال بالإلتزام، فإذا توانى عن تنفيذ الجزاء اختيارا أجبر على ذلك[6]، وأكره إكراها يرمي إلى حمله على تنفيذ حكم القانون بعدما تخلى عن تنفيذه رضائيا[7].
والإكراه كمفهوم عام كما يعرفه الأستاذ عبد الكريم شهبون بأنه ” ضغط مادي أو أدبي يقع على الشخص فيولد لديه رهبة أو خوفا تحمله على التعاقد، فهو يصيب الإدارة في أحد عناصرها و هو عنصر الحرية والإختيار”[8].
ب : المدلول الإصطلاحي
ويقسم زمرة من الفقهاء الإكراه البدني من الناحية الإصطلاحية إلى نوعين رئيسيين :
- الإكراه الملجئ: وهو إكراه شامل يندرج في إطاره العام التهديد لوضع حد لنفس المكره بإزهاق روحه أو ضرب مبرح يخشى منه قتل النفس ويسمى هذا النوع بالإكراه الكلي التام .
- الإكراه الغير الملجئ : وهو إكراه لا تصل فيه درجة الرهبة والخوف إلى الحد الذي يشمله مجال التهديد في النوع الأول من الإكراه (الإكراه الملجئ ).
كما هو الشأن بالنسبة للحبس أو القيد وغيره من التهديدات الأقل درجة وجسامة، ويصطلح على تسميته أيضا الإكراه الغير التام أو الإكراه الناقص[9].
وتتفق المذاهب الفقهية والقوانين الوضعية في تقسيم الإكراه من حيث شرعيته وطبيعته وأثاره إلى إكراه مشروع وأخر غير مشروع، فالأول تنصرف ماهيته وينحو مقصوده إلى تحقيق غرض مشروع، كإجبار المدين على تبرئة ذمته المالية اتجاه دائنه فهو مشروع من حيث غرضه وغايته أما الثاني وهو الإكراه الغير المشروع وتكون في ظله التصرفات باطلة وعديمة الحجية، وهكذا فقد قسم الشافعية الإكراه البدني إلى إكراه بحق وأخر بغير حق.
فالنوع الأول تنصرف ماهيته وينحو مقصوده إلى تحقيق غرض مشروع كإجبار المدين على تبرئة ذمته المالية اتجاه دائنه فهو إكراه مشروع غرضه سليمة غايته أما النوع الثاني فهو إكراه غير مشروع وتكون في ظله التصرفات باطلة وعديمة الحجية، وعند الحنفية فإن إكراه الشخص على إقامة ما هو مستحق عليه لا يوجب الضمان على المكره، والإكراه بنوعيه عند الحنفية لا ينافي الإختيار لأن الأخير لو سقط لا تعطل الإكراه، إذ الإكراه فيما لا اختيار فيه لا يتصور ولكن يكون دائما مع الإكراه[10]،والإكراه متى كان مشروعا يمكن كمبدأ عام أن يمس الذمة المالية للفرد بغية إجباره على تنفيذ حق عيني أو مالي لفائدة ما له الحق في ذلك[11]، كما يمكن أن يمس في حالات استثنائية وبشروط خاصة الشخص المدين وذاته كطريقة قانونية لإرغامه على أداء وتنفيذ مبلغ مالي لأحد الأغيار وهذا ما يعرف اصطلاحا بنظام الإكراه البدني فما هو تعريفه القانوني ؟
المطلب الثاني : التعريف القانوني للإكراه البدني في التشريع المغربي
على غرار أغلب القواعد والمواضيع القانونية المسطرة مقتضياتها بالترسانة التشريعية المغربية، فإن المشرع المغربي لم يعطي تعريف قانوني قائم بذاته واضح في معالمه وضوابطه لماهية الإكراه البدني في مجال تحصيل الديون العمومية، وإنما اكتفى بالإشارة إلى شروطه في قانون المسطرة الجنائية الجديدة وفي المواد 76 إلى 83 من مدونة تحصيل الديون العمومية وهذا راجع لمجموعة من الإعتبارات الموضوعية والتقنية على رأسها صعوبة إقرار تصور تعريف شامل وموحد لمفهوم الإكراه يكون قادر على الإحاطة الشاملة بماهية هذا المفهوم ومستعدا لإستيعاب المستجدات التي قد تطرأ في هذا المجال، ولسد ثغرات هذا الواقع التشريعي تدخل التنظيم الفقهي والعمل القضائي المغربي بكل ثقله لمحاولة الإحاطة ولو بشكل تقريبي بمفهوم الإكراه البدني .
ومن خلال دراستنا لهذا الموضوع نجد عدة تعاريف في هذا الشأن وإن اختلفت في الصياغة والأسلوب إلا أنها كلها تصب في اتجاه متشابه تفيد معنى الضغط والترهيب لفائدة الدائن قد تدفع مدينه إلى الإسراع بالوفاء وفي هذا الإتجاه عرفه بعض الفقه بأنه ” إجراء تهديدي يستهدف الضغط على المدين القادر على الوفاء عن طريق حسبه لإجباره على تنفيذ التزامه “[12].
واعتبره البعض الأخر بأنه ” وسيلة لجبر المدين المحكوم عليه بأداء دين على الوفاء بهذا الدين عن طريق إيداعه بالسجن لمدة يحددها الحكم القضائي عليه بالأداء”[13].
وقصد به البعض الأخر[14] بأنه ” حبس المحكوم عليه مدة معينة يحددها الحكم الصادر به طبقا لمقتضيات القانون المنظم لهذا الإجراء لإجبار المدين على أداء ما بذمته أي ما التزم به قانونا وقضاءا “.
ونظر إليه البعض الأخر بأنه ” وسيلة تنفيذية بواسطتها يلاحق الدائن شخص المدين لإستخلاص ما هو مستحق له عليه “[15]، وكيفه جانب أخر بأنه ” ليس عقوبة ولكنه وسيلة تنفيذ سند لإستخلاص الضرائب”[16].
وقدم الأستاذ يوسف بنباصر تعريفا مستفيضا حيث عرفه بأنه ” ألية قانونية وتقنية تشريعية للتنفيذ الجبري تسلط بناءا على طلب صريح من الدائن المستفيد من الحكم أو من يقوم مقامه – على المدين الغير المعسر- الذاتي دون الإعتباري المتماطل أو الممتنع عن تنفيذ مقتضيات الحكم الصادر بأداء دين محدد في مقداره سواء كان مصدره مديونية خاصة أو عامة ومع مراعاة الإستثناءات المقررة بنص صريح في القانون فتنصرف إلى شخصه وتمسه في ذاته بغية إرغامه على تبرئة ذمته المالية اتجاه الدائن المستفيد من الحكم بعد استنفاذ جميع طرق التنفيذ العادية في حقه التي ظلت دون جدوى وعجزت عن تحقيق مرادها وكذا بعد سبقية إنذاره بصفة قانونية نظامية “[17].
وقدم الأستاذ المعروفي تعريفا مبسطا وعمليا لمفهوم الإكراه البدني واعتبره أنه :” وسيلة لجبر المدين المحكوم عليه بأداء دين على الوفاء بهذا الدين عن طريق إيداعه بالسجن لمدة يحددها الحكم القضائي عليه بالأداء…”.
كما عرفه الأستاذ حسن الرميلي بأنه “هو نظام يقصد به حبس المحكوم عليه مدة معينة يحددها الحكم الصادر به طبقا لمقتضيات القانون المنظم لهذا الإجراء القهري لإجباره على أداء ما التزم به أو ألزم به قضاءا “.
والإكراه البدني بشكل عام هو حبس المدين حتى يضطر إلى الوفاء بدينه، ويعتبر من بقايا العهود القديمة حيث كان المدين يلتزم في شخصه لا في ماله، ويحق لدائنه أن يحبسه إذا لم يفي بالتزامه.
وأخيرا إن الإكراه البدني هو وسيلة جبرية لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بأداء مبلغ مالي بمقتضى سند تنفيذي[18]، ويمكن اللجوء إليه بعد استنفاد إجراءات التنفيذ على أموال المدين من حجز وبيع وذلك بإيداعه في السجن مدة معينة تتناسب مع مقدار الدين .
المبحث الثاني : طبيعة الإكراه البدني وخصائصه في التشريع المغربي
مما لا شك فيه أن الوفاء بالإلتزام واحترام منطوق الأحكام لإستخلاص الحقوق التي قضت بها لا يأتي إلا بسن نظام للمتابعة يتسم بالإجبار كوسيلة للضغط والتنفيذ من هنا يدخل نظام الإكراه البدني باعتباره وسيلة لإجبار المدين على الوفاء بالدين الذي في ذمته ففائدته تتجلى فيما يشكله من ضغط قوي على المدين و تهديد حقيقي على شخصه و حريته، فهو كنظام يحوي فعالية ونجاعة في الحفاظ على استقرار المعاملات التعاقدية وكآلية قادرة على التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية الصادرة بالأداء. وعليه وبناءا على ما سبق قسمت هذا المبحث إلى مطلبين.
المطلب الأول: طبيعة الإكراه البدني في التشريع المغربي
المطلب الثاني : خصائص الإكراه البدني
المطلب الأول: طبيعة الإكراه البدني في التشريع المغربي
إن المشرع المغربي رغم مصادقته على ميثاق الأمم المتحدة للحقوق المدنية والسياسة لسنة 1966 فإن ذلك لم يؤدي إلى إلغاء النصوص المنظمة للإكراه البدني أو تجميد تطبيقها على الأقل من الناحية العملية لمبدأ لا زال نظريا عندنا وهو سمو الإتفاقيات الدولية على القانون الداخلي[19].
وقد انتقل مبدأ الإكراه البدني إلى جل التشريعات الحديثة إذ نصت عليه كوسيلة لإجبار المدين على الوفاء بديونه، وهكذا ففي المغرب نص عليه قانون المسطرة الجنائية[20] وبمقتضى ظهير رقم 1.60.305 الصادر بتاريخ 20/20/1961، تم تطبيق نظام الإكراه البدني في القضايا المدنية، وبعده مباشرة تم تعديل ظهير 21 غشت 1935 بمقتضى ظهير 06/06/1961 حيث تم فرض نظام الإكراه البدني على الملزمين بأداء الضرائب وغيرها من ديون الدولة.
ومن هنا فإن المشرع المغربي يبرر إبقاءه لإجراء الإكراه البدني بأنه لا يطبق على اعتباره عقوبة زجرية يقصد منها إيلام الخاضع للضريبة، بل كوسيلة ضغط الغاية منها دفعه إلى إظهار أمواله وتبرئة ذمته مما عليه من ديون ضريبية، ويعزز موقفه بأن المكره بدنيا يملك إمكانية وقف اعتقاله فور أدائه لما عليه من ديون.
أما الفقه فلا يجد في الإكراه البدني عقوبة بقدر ما هو وسيلة من وسائل الضغط ولا يعتبره نوعا من أنواع العقوبات بمفهوم الردع والزجر بالمعنى الوارد في القانون الجنائي، بل يستعمل للتأثير على المدين لإظهار أمواله التي يكون قد أخفاها وحثه على الوفاء بما في ذمته من دين إزاء الخزينة وإن كان يصطبغ بصبغة العقوبة السالبة للحرية إلى أنه من حيث الأثار المترتبة عنه لا يعتبر عقوبة ومن هنا يختلف عن العقوبات الحبسية الناتجة عن الجنايات والجنح.
وبالرجوع إلى مفهوم العقوبة فإنها تعرف كما يلي :” العقوبة هي الجزاء الذي يوقعه القضاء بإسم المجتمع على كل شخص ارتكب فعلا مخالفا للقانون، والغاية الأساسية من العقوبة هي إيلام الجاني في بدنه أو حريته أو ماله، أولا بقصد إصلاحه وإعادة إدماجه في المجتمع، ثانيا من أجل إنصاف المجتمع بهدف حماية حريته أو ماله أو حقوقه، وإذا كان الضرر الذي لحق المجتمع بالغا والسلوك الذي أقدم عليه الجاني شنيعا، فإن الأمر يصل إلى حد تخليص المجتمع وتطهيره من هذا العنصر الضار نهائيا بتطبيق عقوبة الإعدام. من جهة أخرى تهدف العقوبة إلى الإنتقاص من شخصية المحكوم عليه بحيث يفتقد تلك المكانة من التقدير والإحترام التي كان يتمتع بها قبل الحكم.
و بالرجوع إلى الفصول 16و17و18و36 من القانون الجنائي[21] في إطار تصنيفها للعقوبات نجد هناك عقوبات أصلية وأخرى إضافية، وكلا المفهومين لا يسريان على الإكراه البدني، كما لا يمكن اعتبارهما إجراءا وقائيا الهدف منه حماية المجتمع من خطر الملزم.
إلا أنه يمكن القول أن لهما ما يشتبهان فيه وما يختلفان فيه، فتتحقق الحالة الأولى من حيث:
- الشرعية: يشترك الإكراه البدني والعقوبة في كونهما صادران عن القانون، فالقاضي يبرر لجوءه إلى الحكم بالحبس في حق كل مكره بدنيا والمتهم المحكوم عليه بعقوبة حبسية نافذة من خلال ما نص عليه المشرع في القانون الجنائي في الفصول 16 و17 و18 و36 بالنسبة للعقوبة الحبسية النافذة في حق الجاني المتهم بارتكابه الأفعال المعاقب عليها طبقا للقانون من جنايات وجنح، ومن المواد 76 إلى 83 من مدونة تحصيل الديون العمومية بالنسبة للملزم المكره بدنيا نتيجة عدم وفائه بالديون المترتبة عليه اتجاه الخزينة العامة
- المس بحرية الشخص: إن الأجواء التي يعيشها الملزم في متوله أمام الشرطة القضائية عند إلقاء القبض عليه في حالة ما طبق في حقه الإكراه البدني وتقديمه للمحكمة هي شبيهة بالعقوبة إذ كلاهما يفضيان إلى سلب الحرية بما يترتب عن ذلك من حرمان مؤقت عن ممارسة حقوقه.
- شخصية العقوبة والإكراه البدني: بحيث لا يصيبان إلا الشخص المعني بالأمر، كما لا يسأل الشخص عن فعله فقط دون أن يسأل عن فعل غيره، فإن العقاب لا يقع إلا على الشخص الذي تمت إدانته ولا يكره بدنيا إلا الشخص المدين والملزم بسداد الدين للخزينة العامة.
-أما الحالة الثانية والتي تختلف فيها العقوبة والإكراه البدني فهي تكمن في:
-1الأثار: إن أثار الإكراه البدني ليست هي الأثار التي تسببها العقوبة ذلك أن الأول بعد قضاء المدة المحكوم بها على المكره بدنيا حسب الدين فإن هذا الأخير لا يسقط من ذمته، بل يبقى متابعا به إلى أن يؤديه، إلا أن هناك حالات يعفيه القانون كحالة العسر.
أما بالنسبة للعقوبة فإنها لا تطبق على المتهم إلا مرة واحدة أي أنه إذا قضى مدة الحبس أو السجن على فعل ارتكبه، فإنه لا يتابع فيما بعد على نفس الفعل بعقوبة أخرى إذ تكون العقوبة هي الجزاء على ما ارتكبه.
وأثار العقوبة لا تقف هنا بل تتعدى ذلك، بحيث ينجم عنها الوضعية الشخصية للجاني التي تسجل بالسجل العدلي نتيجة الإدانات الجنائية أو الجنحية، وبالتالي لا يمكن للجاني المطبقة عليه العقوبة أن تعاد له حقوقه التي حرم منها إلا بموجب رد الإعتبار[22] الذي يمحو ما سجل عليه من عقوبات والتي قد تكون له عواقب في المستقبل، أما الإكراه فلا أثر له على السجل العدلي للمكره بدنيا ولا يسجل ببطائق السوابق وبالتالي فهو غير ملزم بسلوك مسطرة رد الإعتبار لمعاودة كسب الحقوق التي حرم منها.
2-مفعول العفو: يشمل الحبس العقوبات سواء كانت جسدية أو مالية بل إنه لا يشمل إلا الجريمة أو العقوبة التي صدر من أجلها لشخص معين يرد إسمه في الأمر الصادر بالعفو، ويصدر هذا العفو لفائدة نوع من الجرائم أو لفائدة أشخاص معنيين بأوصافهم كالعسكريين مثلا أو المنتمين إلى هيئة أو جماعة معينة في حين يخرج الإكراه البندي عن العقوبات التي يشملها العفو.
3-الخضوع لقاعدة الإدماج: ينص على ضم العقوبات الفصلين 120و 121 من القانون الجنائي، فالفصل 120 في فقرته الأخيرة ينص على أنه ” غير أن العقوبات المحكوم بها إذا كانت من نوع واحد جاز للقاضي بقرار معلل أن يأمر بضمها كلها أو بعضها بشرط ألا تتجاوز الحد الأقصى المقرر في القانون للجريمة الأشد”.
أما الفصل 121 جاء فيه ” تضم العقوبات المالية سواء كانت أصلية أو مضافة إلى عقوبة سالبة للحرية، إلا إذا قرر الحكم خلاف ذلك بعبارة صريحة”.
وبما أن الإكراه البدني ليس بعقوبة أصلية أو إضافية، فإنه لا يجوز في حالة تعدد الأحكام الصادرة بالإكراه أن تطبق في شأنها قاعدة الضم، وهذا ما نبه إليه المنشور الصادر عن وزير العدل[23] حيث جاء فيه “…لقد أثارت انتباهي مديرية السجون إلى المشاكل التي تعترض بعض رؤساء المؤسسات حين تنفيذ الإكراهات البدنية، وهي مشاكل ناجمة عن عدم تفهم بعض النيابات لقاعدة عدم التوفيق في الإدماج بالنسبة للإكراهات البدنية وفق المنصوص عليه بكيفية صريحة في الفصل 687 من قانون المسطرة الجنائية.
فمن خلال هذا المنشور يتبين أن الإكراه البدني كان يضم شأنه شأن العقوبة تطبق عليه القواعد المنصوص عليها في الفصل 121 من ق.ج إلا أنه بعد إبلاغ النيابات بمضمون المنشور أصبح لا يضم.
ولا شك أن هذه الفوارق بين العقوبة والإكراه بينت طبيعة الإكراه البدني كوسيلة جبرية لتحصيل ديون الدولة، وما يبين هذا الفرق بشكل واضح هو صدور عدة مناشير وزارية نذكر منها المنشور الموجع إلى الوكلاء العاميين للملك الذي جاء فيه ما يلي “… فالمطلوب منكم تذكير نوابكم بالصبغة الخاصة التي يتصف بها الإكراه البدني الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعتبر كعقوبة ثانية زائدة أو كعقوبة مقابلة…”
والمنشور رقم 4 الذي تضمن “… ولا يفوتني أن أذكركم بأن الإكراه البدني يفترض أولا وجود حكم بالإدانة فهو ليس في الواقع عقوبة بالمعنى الصحيح بل وسيلة تنفيذ مرتبطة بقوة القانون…”[24]
وبذلك يعتبر الإكراه البدني وسيلة ردعية يلتجئ إليها المحاسب المكلف بتحصيل الديون العموميةولكنه لا يقوم مقام الأداء بمعنى أنه من سبقت متابعته بمسطرة الإكراه البدني يمكن دائما متابعته بالإجراءات الأخرى، كالحجز والبيع.
وتأكيد لتقنية التعطيل المؤقت لمفعول الإكراه البدني ومؤدى هذه التقنية أن المدين في مسطرة الديون العمومية والخصوصية على حد سواء يمكن أن يتجنب مفعوله أو يوقف سريانه بأداء قسط من المديونية مشفوعة بالتزام صادر عنه بأداء الباقي في تاريخ محدد، وإلى ذلك تنص الفقرة 2 من المادة 81 لقانون 97/15 بشأن مدونة تحصيل الديون العمومية :”…ويفرج عن المدين المعتقل بأمر من وكيل الملك، بعد إثبات انقضاء الديون أو بطلب من المحاسب المكلف بالتحصيل بعد أداء قسط يعادل على الأقل نصف المبالغ الواجبة وتعهد الدين كتابة بدفع الباقي داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر مع تقديم الضمانات المنصوص عليها في المادة 118 أدناه[25] .
وفي نفس السياق تنص المادة 645 من قانون المسطرة الجنائية على أنه “…يمكن للمحكوم عليهم بمسطرة الإكراه البدني أن يتجنبوا مفعوله أو يوقفوا سريانه، إما بأداء مبلغ من المال كاف لإنقضاء الدين من أصل وفوائد وصوائر وإما برضى الدائن الذي سعى إلى إعتقالهم أو بأداء قسط من الدين مع الإلتزام بأداء الباقي في تاريخ محدد…”.
غير أنه في حالة احتمال العدول عن الوفاء بالإلتزام الذي أدى إلى إيقاف الإكراه البدني يمكن إعادة الإكراه من جديد وإكراه المدين مرة ثانية من أجل سداد مبلغ الدين الذي لا زال مترتبا بذمته وفي ذلك تنص المادة 82 من مدونة تحصيل الديون العمومية على أنه : “… يمكن إكراه المدين من جديد من أجل المبالغ الواجبة المتبقية، إذ لم يف بتعهداته التي أدت إلى إيقاف مفعول الإكراه البدني…” وتنص المادة 646 من قانون المسطرة الجنائية في نفس الشأن، على أنه : “…إذ لم ينفذ المدين الإلتزامات التي أدت إلى إيقاف الإكراه البدني أمكن إكراهه من جديد فيما يخص المبالغ الباقية في ذمته…”.
وعلى ضوء التطورات الحاصلة في ميدان الفقه والقضاء بشأن الإكراه البدني يمكن القول، أنه لا يعد من أنواع العقاب المسلطة على المذنب لردعه وزجره، بل يعتبر وسيلة تأثير على إرادة الملزم لدفعه إلى تنفيذ ما التزم به تجاه دائنيه، وفي هذا المعنى قررت المحكمة المدنية بليون ” أن الإكراه البدني يجب ألا يعتبر عقابا لكن وسيلة تنفيذ “[26]، كما يعتبر إجراءا استثنائيا راميا إلى إكراه المدين على تنفيذ تعهداته.
المطلب الثاني : خصائص الإكراه البدني
لقد كرست المدونة الطابع الإستثنائي للإكراه البدني كوسيلة لتحصيل الديون العمومية من خلال مادتها 76 مما يفيد أنه لا يتم اللجوء إلى هذا الإجراء إلا بعد سلوك بالضرورة جميع وسائل التحصيل الجبري الأخرى من إنذار وحجز وبيع، والإكراه البدني يأتي في المراتب الأخيرة، ويعتبر الإكراه البدني وسيلة استثنائية تختلف عن طرق التنفيذ العادية، فهي وسيلة للإجبار على التنفيذ وليست تنفيذا، و كذلك يعتبر هذا الأخير من ضمن الوسائل التهديدية لتنفيذ الأحكام وغيرها من السندات التنفيذية، ويتم ذلك عبر الزج بالمدين في السجن لفرض انصياعه لأحكام القانون.
و إذا كانت بعض التشريعات، كالفرنسي والمصري، ضيقت كثيرا من تطبيقات الإكراه البدني إلى حد إلغاءه في الديون المدنية والتجارية، فإن المشرع المغربي رغم مصادقته على ميثاق الأمم المتحدة بشأن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لسنة 1966[27]، فإن ذلك لم يؤد إلى إلغاء النصوص المنظمة للإكراه البدني أو تجميد تطبيقها على الأقل من الناحية العملية، تكريسا لمبدأ لا زال نظريا عندنا و هو سمو الإتفاقيات الدولية على القانون الداخلي[28].
عموما فإن المشرع المغربي لم يعرف الإكراه البدني، وإنما اكتفى بالإشارة إلى شروطه في مواد قانون المسطرة الجنائية[29]، وفي المادة 30 مكرر من ظهير غشت 1935 الملغى[30]، وبمقتضى ظهير رقم 1.60.305 الصادر بتاريخ 1961/2/20 تم تطبيق الإكراه البدني في القضايا المدنية، وبعده مباشرة تم تعديل ظهير رقم 21 غشت 1935 بمقتضى ظهير 1961/3/6 ،حيث تم فرض نظام الإكراه البدني على الملزمين بأداء الضرائب وغيرها من الديون العمومية.
و قد عرف بعض الفقه الإكراه البدني بأنه:” عبارة عن حبس المحكوم عليه حبسا بسيطا لأنه لم يسدد ما عليه من ديون ” كما عرفه البعض الأخر بكونه “نظاما يقصد به حبس المحكوم عيه مدة معينة يحددها الحكم الصادر به طبقا لمقتضيات القانون المنظم هذا الإجراء القهري،لإجباره على أداء ما التزم به أو ألزم به قضاء.
لهذا يعتبر الإكراه البدني إجراءا تهديديا يستهدف الضغط على المدين القادر على الوفاء، عن طريق حبسه لإجباره على تنفيذ التزامه إنطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نستنتج ما يتمتع به الإكراه البدني من خصائص:
-أنه وسيلة تنفيذ مصدرها القانون (لا عقوبة إلا بنص)، مع الإشارة إلى أن الحبس في الدين من الناحية القانونية ليس عقوبة جزائية، وإنما هو طريقة من طرق التنفيذ لقهر المدين على الوفاء بدينه.
-الإكراه البدني لا يبرئ المدين من ديونه[31]، فلا يقوم مقام الأداء، أي أن المدين المطبق في حقه الإكراه البدني لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعفيه هذا الإجراء من التحلل عن أداء ما تخلد بذمته من ديون وذلك طبقا للمادة 83 من مدونة تحصيل الديون العمومية[32] التي اعتبرت حبس المدين لا يسقط الدين، إذن فالأكراه البدني لا يمكن أن يحل كبديل، ولا تعتبر سببا لإعفاء المدين بسداد الدين لصالح الخزينة وهو ما لا يستوعبه بعض المدينين إذ يعتقدون أن قضاء مدة الحبس يعوض الدين وأن إكراههم بدنيا سبب كافي لإعفائهم من الدين وعدم مطالبتهم به مستقبلا، إلا أنهم يفاجئون بمتابعة جديدة عن طريق إشعارهم من جديد إذا لم يوفو بما هم ملزمين به، والإعفاء الذي سيستفيدون منه هو عدم إكراههم مرة ثانية على نفس الدين.
– الإكراه البدني يعتبر وسيلة استثنائية لتحصيل الديون العمومية وقد جاء قانون 97/15 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية واضح في هذا الباب حيث نصت المادة 76 منه على أنه لا يتم اللجوء إلى الإكراه البدني إلا في حالة إذ لم تؤدي طرق التنفيذ على أموال المدين إلى نتيجة عكس ما كان عليه الأمر في النظام السابق للتحصيل وهو ظهير 21 غشت 1935، التي يمكن استعمالها بعد توجيه الإنذار إلى المدين، وذلك بعد توجيه طلب إلى وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية المختصة الذي يأمر بالإعتقال، ولا يراقب هذا الأخير سوى مدى صحة تبليغ الإنذار.
رغم أن عمليا لم يكن يتم تفعيل هذه المسطرة إلا نادرا، مما يعكس الطابع الإستثنائي لهذا الإجراء إذ أن طلبات الإكراه البدني التي تصل إلى مرحلة سجن المدين لم تتعدى بالنسبة للضرائب %66،0 وفي الغرامات % 0،55 وفي تصريح لوزير الإقتصاد والمالية أمام اللجنة المالية والقطاعات الإنتاجية بمجلس المستشارين أكد أن حالات تطبيق الإكراه البدني لإاستخلاص ديون الدولة برمتها بما فيها الضرائب لا تمثل إلا نسبة %03،0[33]. كما أن تعليمات الخزينة العامة حاولت تفادي عدم الإنتظام اللامنطقي لإجراءات التحصيل في المادة 30 من ظهير 21 غشت 1935 الملغى، والذي كان يضع الإكراه البدني في المرتبة الثانية بعد الإنذار القانوني و قبل الحجز و البيع، حيث كانت المذكرات الصادرة عنها تحث القابض على تجنب ممارسة الإكراه البدني، إلا في حالة فشل الوسائل العادية من حجز وبيع[34].
لقد أحسن المشرع صنعا عندما عدل هرم تراتبية وسائل التنفيذ الجبري وذلك بجعل الإكراه البدني كأخر درجة على عكس ما كان عليه في النظام السابق، إذ لا يعقل أن يزج بالمدين في السجن في حين أن له ممتلكات كافية لسد ديونه،وهو ما نلتمسه من خلال المادة 76 من مدونة تحصيل الديون العمومية[35] التي جعلت اللجوء إلى مسطرة الإكراه البدني له طابع خاص أي بعد استنفاذ جميع طرق التحصيل .
خاتمة :
يعتبر الإكراه البدني وسيلة من وسائل التنفيذ الجبري التي أجازها المشرع المغربي وكغيره من التشريعات الأخرى من أجل اقتضاء الحقوق المحكوم بها من طرف المحاكم.
و من المعلوم أن هذه مسطرة كانت من الوسائل الناجعة بالنسبة للإدارة في تحصيل الديون العمومية، خصوصا وأنه يمكن لها في ظل النظام السابق استعمال هذه الوسيلة بعد توجيه الإنذار إلى المدين وذلك بتوجيه طلب إلى وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية المختصة الذي يأمر بالاعتقال ولا يراقب هذا الأخير سوى مدى صحة تبليغ الإنذار.
غير أن هذه الوسيلة رغم فعاليتها في حمل المدين على الوفاء بدينه فإنها كانت لا تراعي وضعية بعض المدينين كما كانت تتميز بالإجحاف في حقهم في ظل النظام السابق.
لكن في إطار إرساء دولة الحق والقانون وتكريس إحترام مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية واستجابة للتطورات الاجتماعية،الاقتصادية،السياسية التي عرفها المغرب ،فقد أتت مدونة التحصيل بمقتضيات جديدة تهم مسطرة الإكراه البدني والتي تتميز بطابعها الاستثنائي أتت حامية لحقوق المدين بشكل أفضل وذلك من خلال الأشخاص الذين يطبق في حقهم الإكراه البدني فقد راعت وضعية فئة منهم عكس النظام السابق وهو ظهير 21 غشت 1935.
قائمة المراجع المعتمدة
– الكتب
– عبد الحميد محمود البعلي:دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وموازنة بالقانون الوضعي وفقهه،مكتبة وهبة الطبعة الأولى1989 .
– عبد الحميد البعلي: عن المبسوط الجزء 24 ص 83 و39 التلويح وشرح التوضيح، الجزء الثاني.
-محمد أبوزهرة :الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي،دار الثقافة العربية للطباعة والنشر سنة 1974.
– محمد السماحي:مسطرة المنازعة في الضريبة، مطبعة الصومعة، الطبعة الأولى1997 .
– فؤاد إفرام البستاني: منجد الطلاب، طبعة رابعة 1956 ،ص 640، و المنجد في اللغة والإعلام دار المشرق بيروت، الطبعة 1994 .
– وجدي راغب :النظرية العامة للتنفيذ القضائي في قانون المرافعات المدنية والتجارية سنة 1947.
– يوسف نجم جبران :طرق الاحتياط والتنفيذ، منشورات عويدات 1980.
المجلات
– حسن الرميلي :” الإكراه البدني على ضوء التشريع المغربي والمقارن ” – نشر البديع مراكش – الطبعة الأولى 1997.
-محمد الهيني :” خصوصية نظام الإكراه البدني في مدونة تحصيل الديون العمومية (قانون 97-15) “، مجلة المحاكم المغربية العدد 88 ماي – يونيو.
– محمد لمزوغي : ” التنفيذ الجبري عن طريق الإكراه البدني من خلال مستجدات مدونة تحصيل الديون العمومية ” -المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية- عدد سنة 2003 .
– محمد المعروفي : ” الإكراه البدني في الديون العمومية “، مجلة المحامي عدد 34 يناير 1999 .
– يوسف بنباصر :” الدليل العملي والقضائي في مسطرة الإكراه البدني، في ضوء أخر المستجدات التشريعية ” سلسلة بنباصر للدراسات القانونية والأبحاث القضائية، العدد الرابع ،طبعة 2005/2006.
المراجع باللغة الفرنسية
-ROBERT HERTOZ: le juge fiscal Economica .1988.
-ROLAND Torrel : contentieux fiscal. Les clés du contentieux fiscal par la jurisprudence 1966.
[1] – سورة البقرة، الأية 280.
[2] – فؤاد إفرام البستاني :” منجد الطلاب” ، الطبعة الرابعة 1956 ،ص 640، و المنجد في اللغة والإعلام دار المشرق بيروت، طبعة 1994 ص 682.
[3] – محمد أبوزهرة : “الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي”، دار الثقافة العربية للطباعة والنشر سنة 1974،ص 528 .
[4] -ESSARKASSI Abdelmadjid: la contrainte par corps en matière civil memoire pour l ‘obtention diplôme d‘études supérieurs en droit privé 1985. P 4.
[5] – محمد أبو زهرة :” الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي” ، نفس المرجع، ص 529 .
[6] – وجدي راغب : “النظرية العامة للتنفيذ القضائي في قانون المرافعات المدنية والتجارية” سنة 1947، ص 14.
[7] -يوسف نجم جبران : “طرق الاحتياط والتنفيذ”، منشورات عويدات 1980، ص 7.
[8]– الشافي : “شرح قانون الإلتزامات المغربي الكتاب الأول ،الإلتزامات بوجه عام” ،الجزء الأول ، صادر الإلتزامات، ص 230.
[9] – عبد الحميد محمود البعلي :” دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وموازنة بالقانون الوضعي وفقهه”، مكتبة وهبة الطبعة الأولى 1989، ص 247.
[10] – عبد الحميد البعلي : عن المبسوط الجزء 24 ص 83 و 39 التلويح وشرح التوضيح، الجزء الثاني، ص 197.
[11] – وقد جاء في مذكرة إيضاحية للقانون المدني أن “… الإكراه لا يكون إلا إذا كان القصد منه الوصول إلى غرض غير مشروع ، فإن الإكراه لا يتحقق فإكراه الشخص على أداء الحق الذي عليه يكون إكراها معتبرا، ولا يؤثر في التصرف الذي يؤدى به الحق، ويكون الإكراه هنا إكراها بحق أو جبرا شرعيا…”.
[12]– محمد لمزوغي : ” التنفيذ الجبري عن طريق الإكراه البدني من خلال مستجدات مدونة تحصيل الديون العمومية ” -المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية- عدد سنة 2003 ص 70.
[13]– محمد المعروفي : ” الإكراه البدني في الديون العمومية “، مجلة المحامي عدد 34 يناير 1999 ،ص 46.
[14] – حسن الرميلي :” الإكراه البدني على ضوء التشريع المغربي والمقارن ” – نشر البديع مراكش – الطبعة الأولى 1997، ص 15.
[15] -ROBERT HERTOZ: le juge fiscal Economica .1988, P 109.
[16] -ROLAND Torrel : contentieux fiscal. Les clés du contentieux fiscal par la jurisprudence 1966 , p: 267.
[17]– يوسف بنباصر :” الدليل العملي والقضائي في مسطرة الإكراه البدني، في ضوء أخر المستجدات التشريعية ” ،سلسلة بنباصر للدراسات القانونية والأبحاث القضائية، العدد الرابع ،طبعة 2005/2006، ص 34.
[18] – يمكن تعريف السند التنفيذي بأنه سند الإلزام المتضمن التأكيد الكافي القضائي مبدئيا للحق الموضوعي المرغوب في استيفائه عن طريق التحصيل الجبري لكنه قد يكون قابل أو غير قابل للتنفيذ بحسب ما إذا كان حائزا للقوة التنفيذية أو غير حائز لها أي أن السند التنفيذي في التشريع المغربي وعاء للقوة التنفيذية قد يكون محتويا عليها أو خاليا منها، واحتواؤه عليها قد يرجع إلى لحظة استهلاله كما في الحكم الإلزام المشمول بالتنفيذ المعجل أو الصادر ابتدائيا وانتهائيا معها، وبعبارة أخرى إذا لم يكن وجود الحق الموضوعي في الواقع كافيا إنجاز التنفيذ الجبري فوجود سند قانوني يثبته لا يكفي أيضا ، ما لم يكن ذلك السند تنفيذيا أولا ، أو قابل للتنفيذ ثانيا، فكون السند تنفيذيا لا يعني حتما أنه سند قابل للتنفيذ وإنما يعني أنه مرشح ليقبل التنفيذ عند اكتسابه القوة التنفيذية، أي أنه مهيأ لإحتواء شروط قابلية التنفيذ وعليه يكفي لكي يكون الحكم قضائي سندا تنفيذيا أن يتضمن قضاء الإلزام ، ولكي يكون حكم الإلزام نفسه قابلا للتنفيذ فلا بد أن يكون ابتدائيا وانتهائيا.
[19]– محمد الهيني :” خصوصية نظام الإكراه البدني في مدونة تحصيل الديون العمومية (قانون 97-15) “، مجلة المحاكم المغربية العدد 88 ماي – يونيو، ص 66 .
[20] – تنص المادة 635 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها الثانية على ما يلي :” يتم الإكراه البدني بإيداع المدين في السجن…”.
[21] – ظهير شريف رقم 1.59.413 الصادر بتاريخ 28 جمادى الثانية 1382 ( 26 نونبر 19662) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، جريدة رسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 ( 5 يونيو 1963).
[22] – يعاد الإعتبار طبقا للمواد 687 إلى 703 من قاون المسطرة الجنائية إما بموجب القانون أو بموجب مقرر قضائي تصدره الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف .
[23] – منشور صادر عن وزير العدل 471 بتاريخ 5 فيراير 1969.
[24] – منشور صادر عن وزير العدل رقم 4 بتاريخ 25 أبريل 1975.
[25] – أنظر المادة 118 من مدونة تحصيل الديون العمومية.
[26] -« la contrainte par corps ne doit pas être considérée comme une peine, mais comme une voie d exécution ».
Livre des procédures fiscal. Code général des impôts commentaires par Jean Lamarque. Quatrième édition 1989, P.404.
[27] – تنص المادة 11 من ميثاق الأمم المتحدة لحماية الحقوق المدنية والساسية المؤرخ في 16/12/1966 والمصادق عليه في المغرب في 08 /11/ 1970 على عدم جواز سجن الإنسان بسبب عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي.
[28] – محمد السماحي: “مسطرة المنازعة في الضريبة”، مطبعة الصومعة، الطبعة الأولى،1997، ص 150.
[29] – من الفصل 635 إلى 647 من قانون المسطرة الجنائية.
[30] ينص الفصل 30 من ظهير 21 غشت 1935 على انه “…لا يمكن إلقاء القبض على الشخص الواجب إكراهه بدنيا و الزج به في
السجن،إلا على إثر طلب اعتقال يعينه إسميا و يوقعه القابض ،و تؤشر عليه السلطة المحلية و يوجهه وزير المالية أو ممثله إلى وكيل الملك
لدى المحكمة الابتدائية…”
[31] – الفصل 635 من قانون المسطرة الجنائية .
[32] – تنص المادة 83 من مدونة تحصيل الديون العمومية على ما يلي:” لا يسقط الدين بحبس المدين. إلا أنه لا يمكن اعتقاله من جديد من أجل نفس الدين باستثناء الحالة المنصوص عليها في المادة السابقة”.
[33] -صرح وزير المالية أمام اللجنة المالية و القطاعات الإنتاجية بمجلس المستشارين بالبرلمان ،أن تطبيق الإكراه البدني لإستخلاص ديون الدولة لا يمثل إلا نسبة 3% و ذلك أثناء مناقشة مشروع قانون 15،97 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية .
[34] – مذكرة مصلحية عدد 63 صادرة بتاريخ 01/08/1988،أشار إليها عبد العزيز التونسي ،”دور الإكراه البدني في تحصيل الديون العمومية وديون الدولة الأخرى”في المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية .REMALD،عدد 97/19،ص 92.
[35] – تنص المادة 76 من مدونة تحصيل الديون العمومية على ما يلي :”إذا لم تؤد طرق التنفيذ على أموال المدين إلى نتيجة، يمكن أن يتابع التحصيل الجبري للضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى بواسطة الإكراه البدني.
يتم اللجوء إلى الإكراه البدني مع مراعاة أحكام المادتين 77 و78 أدناه، ضد :
– المدينين الذين يثبت عسرهم وفق الشروط المحددة في المادة 57 أعلاه ؛
– المدينين المشار إليهم في المادة 84 أدناه”.


