مصطفى الطالبي
باحث في سلك الدكتوراه بكلية الحقوق – وجدة –
مقدمة:
إذا كانت المرحلة الإدارية تشكل مرحلة تمهيدية في مسطرة نزع الملكية، فإن المرحلة القضائية، هي المرحلة التكميلية لهذه المسطرة، وتبقى السلطة القضائية هي الجهة الحامية للملكية الخاصة، من جميع الاعتداءات التي يمكن أن تطالها حتى ولو صدر هذا الاعتداء، من السلطة العامة نفسها، أو أحد مؤسساتها. فالمشرع خول للسلطة القضائية وحدها إمكانية مراقبة الإجراءات الإدارية المفروضة على نازع الملكية([404])، وبالنظر لما تطرحه مسطرة نزع الملكية من مشاكل على أرض الواقع، وحتى أقف على مكامن الخلل المرتبطة بهذه المسطرة، وأيضًا للكشف عن الدور الذي يلعبه القضاء في حماية الملكية الخاصة ومدى مراقبته لمشروعية مسطرة نزع الملكية، فقد ارتأيت التعرض إلى المرحلة القضائية لمسطرة نزع الملكية (المطلب الأول)، تم للمشاكل العملية التي تطرحها مسطرة نزع الملكية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: المرحلة القضائية لمسطرة نزع الملكية.
إن القضاء كان ولا يزال يشكل الضمانة الحقيقية لحماية حق الملكية، غير أن المرحلة القضائية بخصوص مسطرة نزع الملكية، تبتدئ بإيداع مقالين من طرف الإدارة نازعة الملكية (إدارة الأملاك المخزنية)، الأول يرمي إلى استصدار أمر بالحيازة، والثاني يهدف إلى الحكم بنقل الملكية وتحديد التعويض، وبخصوص القرار الصادر بقبول هذين المقالين، فإن المشرع قد نص على عدم إمكانية الطعن فيه، إلا فيما يتعلق بالتعويض بخصوص الحكم الصادر بنقل الملكية([405]) وبالنظر لما لهذين المقالين من أهمية، وحتى أقف عند الإشكالات التي تطرحها كل واحدة منهما ينبغي الوقوف عند دعوى نقل الحيازة (الفقرة الأولى) تم عند دعوى نقل الملكية وتحديد التعويض النهائي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: دعوى نقل الحيازة.
بالنظر لما يستغرقه الحكم القضائي المتعلق بنزع الملكية من وقت، وحتى تتمكن الجهة نازعة الملكية القيام ببعض الأعمال التحضيرية للأشغال، فإن المشرع قد سمح لها بأن تتقدم بمقال يرمي إلى نقل حيازة العقار موضوع نزعة الملكية([406])، مقابل إيداع تعويض احتياطي([407])، وهو ما يفسر إسناد المشرع إصدار الإذن بالحيازة إلى القضاء الاستعجالي، غير أنه إذا كان المشرع قد استهدف من خلال تنصيصه على هذا المقتضى التسريع من تمكين الإدارة من وضع يدها على العقارات موضوع نزع الملكية، فإن هذا لا يعني كون الإدارة أصبحت مالكة العقار، وما يفسر هذا اطرح هو أن الإذن بالحيازة، لا يسمح بتقييده، سوى تقييدًا احتياطيًا فقط، وذلك بالرسم العقاري بالنسبة للعقارات المحفظة، أو بسجل التعرضات، بالنسبة للعقارات التي توجد في طور التحفيظ، أو بسجل خاص بالمحكمة لدى كتابة ضبط المحكمة الإدارية في حالة العقارات غير المحفظة([408])، غير أن هذا الأمر لا يخول للإدارة حيازة العقارات إلا بعد أداء أو إيداع التعويض المنصوص عليه في الفصل 19 من قانون 81-7، فإلى أي حد يتم احترام هذا المقتضى؟
إن الأمر الاستعجالي القاضي بالحيازة صار من الناحية العملية شكليا، وذلك لأن الإدارة في غالب الأحيان تضع يدها على العقار موضوع نزع الملكية، قبل صدور هذا الأمر، فهي تتملص من إتباع الإجراءات المسطرية والشكليات القانونية الشيء الذي يوقعها لا محالة في الاعتداء المادي.([409])
وما يؤكد هذا الطرح هو وجود قضايا بالجملة، أمام المحاكم، تطالب برفع الاعتداء وطرد المحتل من عقاراتهم.
غير أن الاجتهاد القضائي، لا يستجيب لهؤلاء الملاكين في طرحهم هذا بشكل شبه مطلق، وذلك بداعي المنفعة العامة، واستنادًا للقاعدة الفقهية المشهورة، التي تقضي بأنه “لا يستساغ هدم منشأة عامة أو الطرد معًا حتى ولو أقيمت عن طريق الغصب “un ouvrage mal planté ne se détruit pas.
وهذا ما أقره، القضاء في مجموعة من الأحكام([410])، حيث ظل يعترف بأن قيام الإدارة بمنشأة عامة فوق ملك خاص يحاد على قانون نزع الملكية يشكل اعتداءًا ماديًا يستوجب التعويض، غير أن سلطة القضاء الإداري في موازنة المصالح العامة والخاصة، وبمراعاة صرف أموال عامة على إنشاء المرفق العمومي، وعدم تعطيل انتفاع خدمات جمهور الناس به، يستوجب ترجيح كفة المصالح العام، وعدم الاستجابة لطلب الطرد. وهو ما يؤكد على أن مالك العقار لم يعد بإمكانه، أن يطلب طرد الإدارة من عقاره، حتى ولو حازته بدون حق أو سند، وذلك بداعي المنفعة العامة ولا يبقى أمام المالك سوى الحق في التعويض.
فالواقع أن هذا الموقف جد منتقد فما الفائدة من تنصيص المشرع على إيداع مقال استعجالي يرمي إلى الإذن بحيازة العقار، إذا كان مرسوم إعلان المنفعة يكفي حسب هذا الموقف للسماح للإدارة بالحيازة؟ وما دام الأمر يشكل اعتداء مادي بصريح الحكم القضائي السالف الذكر، أفلا ينبغي التصدي له؟ فمن وجهة نظري كان على المشرع أن يتدخل ويقر بهذه الممارسة، وبالتالي يسمح بالحيازة مباشرة بعد صدور مرسوم إعلان المنفعة العامة، على الأقل يجنب وقوع القضاء في موقع الانتقاد والحرج.
الفقرة الثانية: دعوى نقل الملكية وتحديد التعويض النهائي.
إذا لم تتوصل إدارة الأملاك المخزنية بعد صدور مقرر التخلي من اقتناء العقار موضوع نزع الملكية عن طريق الاتفاق بالمراضاة([411])، فإنه لا يبقى أمامها سوى سلوك الطريق القضائي، الذي يخول لها نزع ملكية العقارات من أجل المنفعة العامة بالطريق المشروعة. وذلك بواسطة حكم قضائي تصدره المحكمة في هذا الشأن.([412]) ورفع دعوى نقل الملكية، قبل انصرام أجل السنتين المواليتين لنشر مقرر التخلي، وإلا وجب التصريح برفض الطلب المتعلق بدعوى نقل الملكية([413]).
حيث نصت الفقرة الثانية من الفصل 17 من قانون 81-7، بأنه إذا لم يودع نازع الملكية خلال هذا الأجل، المقال المنصوص عليه في المقطع الأول من الفصل18، فإنه لا يمكن الحكم بنزع الملكية إلا بموجب إعلان جديد للمنفعة العامة. ويتعلق الأمر هنا بقاعدة آمرة، أوجدها الفصل17، تتصل بالنظام العام، ويجب على قاضي نزع الملكية أن يثيره من تلقاء نفسه حتى ولو لم يطلب منه ذلك ذوو المصلحة، وعليه فإن إعادة استصدار مقرر للمنفعة العامة من جديد في حالة عدم احترام مقتضيات الفصل 17 وما ينتج عن ذلك من إجراءات إدارية وقضائية معقدة وطويلة تشكل عقابًا للجهة نازعة الملكية على تهاونها.([414])
والواقع العملي يثبت أن الإدارة غالبًا لا تلجأ إلى رفع دعوى نقل الملكية في إطار قانون 81-7 إلا بعد حصول الاعتداء المادي من قبلها على الملكية العقارية الخاصة وذلك محاولة منها لإضفاء الشرعية على أعمال الغصب، وأيضًا تهربًا منها من أداء التعويض الذي غالبًا ما يكون ضخمًا في إطار التعويض عن الإعتداء المادي وهذا ما أكده حكم المحكمة الإدارية بمراكش، حينما قضى بأن رفع دعوى نقل ملكية عقار والتعويض عنه بعدما سبق الحكم بتعويض مالكيه، بسبب الاعتداء المادي تعويضًا كاملًا في إطار القواعد العامة، نقل للجهة المغتصبة، حق التصرف في العقار المذكور، وأن رفع دعوى نقل الملكية في إطار قواعد قانون 81-7 بعد ذلك يشكل محاولة لإضفاء الشرعية، على أعمال الغصب وتملصًا من تنفيذ مقتضيات الحكم السابق مما يقضي برفض الطلب.([415])
وهذا ما يؤكد على أن لجوء الإدارة إلى احتلال عقار الغير قبل أن تتخذ الإجراءات القانونية بنزع الملكية والاحتلال المؤقت، لا يزيد الأمر إلا تعقيدًا، ويضخم من قيمة التعويض، هذا الأخير الذي تقضي به المحكمة في منطوق الحكم الخاص بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، فشق من هذا الحكم يتعلق بنقل الملكية والشق الثاني يتعلق بتحديد التعويض النهائي الواجب دفعه إلى المعنيين بالأمر، وهذا ما أكده قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى حينما قضى بأن الدعوى التي يقدمها نازع الملكية في إطار ظهير6 مايو1982 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، تتكون من شطرين، شطر يتعلق بنقل الملكية وشطر يتعلق بالتعويض، وحيث يستنتج من مقال المدعية المستأنفة أنها طلبت بالإضافة إلى تحديد التعويض نقل ملكية العقار المتنازع بشأنه، وبإغفالها للبث في شقي الدعوى بالرغم من أن نازعة الملكية قد استوفت الشروط المنصوص عليها قانونًا، فإنها تكون قد أسست حكمها على غير أساس، وبالتالي تعرض حكمها للطعن.([416])
وبخصوص هذه التعويضات فيجب ألا تقل عن تلك التعويضات المقترحة من جانب لجنة التقييم([417])، وتبقى للمحكمة السلطة التقديرية في تحديد قيمة العقار موضوع نزع الملكية ومن تم قيمة التعويض النهائي، وهذا ما قضت به المحكمة الإدارية بوجدة إذ اعتبرت أن “للمحكمة السلطة التقديرية في تحديد قيمة العقار موضوع نزع الملكية، وذلك استنادًا لموقعه ومزاياه، وباقي المعطيات الأخرى المعتمدة في تحديد التعويض”([418]) هذا الأخير الذي يبقى يعكس القيمة الحقيقة لهذا العقار في تاريخ تقديم الدعوى.
والتساؤل الذي يثار حول ما هي الفترة التي يستحق عنها المتضرر التعويض نتيجة الحرمان من الاستغلال لعقاره؟.
فقد أجابت المحكمة الإدارية بالرباط عن هذا التساؤل حينما اعتبرت أن التعويض عن الحرمان من الاستغلال لا يكون مستحقًا إلا بخصوص الفترة الفاصلة بين بداية الاحتلال وتاريخ إقامة المنشأة العامة([419])، ويلاحظ أن المحكمة استبعدت الفترة اللاحقة على تشييد المنشأة، وتكون بذلك قد حملت المسؤولية للجهة المالكة باعتبارها مهملة في لجوئها إلى القضاء مما يفسر أن المحكمة قد طبقت القاعدة الأصولية التي تقضي بعدم جواز تعويض الأضرار الناجمة عن خطأ المضرور، وهكذا فإن تحديد التعويض، من قبل القضاء، يظل ضمانة أساسية لحقوق المنزوع ملكيتهم، غير أن تأثر القضاء في بعض الأحيان بجو المضاربات العقارية، يجعله يقترح مبلغ يؤدي إلى إرهاق ميزانية الدولة([420]). مع العلم أن المبلغ الذي يتم تقديره من قبل لجنة التقييم، في بداية المشروع لا يأخذ به القاضي بشكل مطلق.
كما يثبت الواقع العملي كون الإدارة نازعة الملكية في غالب الأحيان لا تتوفر على اعتمادات مالية كافية لسداد التعويضات، المحكوم بها قضائيًا([421]), وحتى إذا كانت تتوفر على هذه المبالغ، فإن نظام المحاسبة العمومية، لا يستجيب للآجال المنصوص عليها في قانون 81-7 إذا أن الفصل 31، يفرض على الإدارة نازعة الملكية، إيداع مبلغ التعويضات داخل أجل شهر بعد صدور الحكم الناقل للملكية، والخزينة العامة تفرض لأداء أي دين عمومي الإدلاء بالوثائق المؤيدة التي تعتمد عليها الإدارة، والحال أن هذه الأخيرة لا يمكنها أن تتوفر على الحكم المصادر بنقل الملكية داخل أجل الشهر([422])، وينبغي الإشارة في الأخير، أن الاعتداء المادي التي تقوم به الإدارات العمومية على أرض الخواص، غالبًا ما ينسب من قبل المواطن العادي لمديرية الأملاك المخزنية، والحال أن مثل هذا العمل يجب أن ينسب للدولة في شخص الوزير الأول([423]).
وفي الأخير فإنه ينبغي الإشارة إلى أن لجوء مديرية الأملاك المخزنية لاقتناء العقارات عن طريق التراضي، يشكل نسبة أكبر في مقابل الاقتناء عن طريق التراضي يشكل نسبة أكبر في مقابل الاقتناء عن طريق نزع الملكية، وما يؤكد هذا الطرح هو أن إحصائيات 2006([424]) تبين على أن اقتناء مديرية الأملاك المخزنية للعقارات بالتراضي تشكل نسبة 81% في مقابل 19% عن طريق نزع الملكية.
وهذا ما يدل على أن مديرية الأملاك المخزنية وعت بحقيقة تعقيدات إجراءات هذه المسطرة، والبطء الذي يرافقها وأيضًا لما تطرحه من إشكالات في الواقع العملي وهذا ما سأحاول الكشف عنه من خلال المطلب الموالي.
المطلب الثاني: المشاكل العملية التي تطرحها مسطرة نزع الملكية.
إن مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، هي عملية تلجأ إليها الإدارة لإجبار الخواص على التخلي عن عقاراتهم لصالح الإدارة وذلك بغية انجاز مشاريع ذات نفع عام مقابل أداء تعويض مسبق للمنزوع ملكيتهم([425]). هذا وإن كانت مسطرة اقتناء العقارات بالتراضي، لا تطرح مشاكل عملية لأنها مبنية على أساس رضا الطرفين، وقبول مالك العقار بالثمن المقترح، فإن مسطرة نزع الملكية تبقى محل انتقادات واسعة، سواء من حيث البطء المسطري المحبط بها أو من حيث التعقيدات التي تتسم بها إجراءاتها خاصة وإن إغفال أي ثغرة من ثغرات هذه المسطرة أو إهمال لأي إجراء جوهري فيها فإنه يؤدي بالإدارة إلى الوقوع في اعتداء مادي على ملكية الغير([426])، ما دامت مسطرة نزع الملكية هي عبارة عن إجراءات قانونية، وإن هذه الإجراءات ترتبط بتطبيقها على أرض الواقع بالعنصر البشري، فإن المشاكل التي تطرحها لا يمكن أن تخرج عن عنصرين، الأول مرتبط بالنص القانوني ذاته (الفقرة الأولى) والثاني متعلق بالعنصر البشري (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: المشاكل العملية لمسطرة نزع الملكية المتعلقة بالنص التشريعي.
نقصد بالمشاكل القانونية، تلك الناتجة إما عن فراغ تشريعي، أو عدم ملائمة بعض النصوص وكل ما يتصل بالقانون المنظم لمسطرة نزع الملكية والمحدد لقواعدها المشروعة من تعويض وتقييم واتفاق إلى غير ذلك ويمكن تقسيم المشاكل المرتبطة بالنص القانوني إلى العيوب القانونية المرتبطة بالإجراءات المسطرية (أولًا) ثم إلى العيوب القانونية المؤثرة على عنصر التعويض (ثانيًا).
أولًا: العيوب القانونية المرتبطة بالإجراءات المسطرية.
بالإضافة لما يطرحه مشكل التكييف القانوني لإعلان المنفعة العامة وأثار مقرر التخلي، فهناك مشاكل أخري تتعلق أساس بالاتفاق بالتراضي وبإعادة بيع العقارات المنزوعة ملكيتها، وبخصوص الاتفاق بالتراضي فإن المشرع قد ترك للجهة نازعة الملكية السلطة التقديرية الكاملة، فيما يخص اختيار اللجوء إلى إبرام الاتفاق بالتراضي لنقل ملكية العقار موضوع نزع الملكية أو الاستغناء عن هذا لإجراء.([427])
فمسألة إبرام الاتفاق بالمراضاة أثناء المسطرة الإدارية لنزع الملكية من عدمه لا يؤثر على مسطرة نزع الملكية، ولا يمكن التمسك بها للطعن في هذه المسطرة ومن الناحية العملية فإن إدارة الأملاك المخزنية قد تخلت عن هذا الإجراء بصفة نهائية وذلك منذ صدور قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية ولم يسجل أنها قد أبرمت اتفاق بالتراضي ولو لمرة واحدة بعد صدور القانون المشار إليه أعلاه([428]) وسبب لجوء الإدارة التلقائي للقضاء في مجال نزع الملكية دون محاولة الاتفاق بالتراضي يعود لكون سلطة القاضي في مجال نزع الملكية جد مقيدة وخاضعة لقواعد صارمة([429])، وهو ما يجعل الأمر أحيانًا يصب في مصلحة الإدارة حتى أن المتتبع لميادين تدخل القضاء في مسطرة نزع الملكية يستغرب إلى درجة أنه يجد نفسه يتساءل هل هو فعلًا بصدد مرحلة قضائية أم أن الأمر يتعلق بمرحلة إدارية ليس إلا، وذلك بالنظر للتعاون الموجود من قبل القضاء مع الإدارة([430]).
هذا من جانب، أما من جانب آخر فقد ترغب الإدارة في تفويت عقارات سبق أن نزعتها من ملاكيها، إما لأنها لم تعد بحاجة إليها أو لأي سبب أخر، ففي هذه الحالة فإن نازع الملكية لا يمكنه تفويت هذه العقارات، إلا بعد مرور خمس سنوات وإلا فيجب عليه الالتجاء إلى السمسرة العمومية، وقد حاول المشرع في هذه الحالة إيجاد بعض الامتيازات لفائدة الملاكين السابقين بمنحهم حق استرداد عقاراتهم وذلك بثمنها الأصلي([431]), لكن بشرط أن يدفع الملاك الثمن في ظرف 20 يومًا الموالية لإعلان الإدارة عن تفويتها للعقار([432]).
وإذا كان المشرع قد ظن بهذا الإجراء أنه قد منح الملاكين السابقين امتيازًا، فإنه من وجهة نظري هو حيف بالنسبة لهم لأن المدة الممنوحة لهم لاسترداد عقاراتهم تبقى مقيدة جدًا وقد لا تسعفهم في توفير المبلغ المطلوب داخل هذا الأجل، وبذلك يكون المشرع ما منحه لهم باليد اليمنى قيده باليد اليسرى.
ثانيًا: العيوب القانونية المؤثرة على عنصر التعويض.
يعتبر التعويض مسألة جوهرية في مجال نزع الملكية والعنصر الوحيد الذي يبقى لمالك العقار المنزوع ملكيته، الحق في المطالبة والمنازعة فيه وبالتالي فإن أي تعويض غير عادل يفقد مغزاه الاصطلاحي والقانوني وبالرجوع إلى القواعد المعتمدة في تحديد التعويض، نجد الحد الأقصى يقضي بأنه إذا ارتفعت قيمة العقار بعد نشر مقرر التخلي سواء بسبب المضاربة أو نتيجة عوامل اقتصادية فلا يمكن أن يؤدي إلى استفادة المنزوع ملكيته من ذلك الارتفاع، أما إذا حصل وانخفضت القيمة، بعد نشر مقرر التخلي فإن نازع الملكية يستفيد من هذا الانخفاض وهو ما يجعل نازع الملكية في وضعية مريحة في جميع الأحوال، وتبقى مسألة اعتماد قاعدة الحد الأقصى مضرة بالنسبة للمنزوع ملكيتهم، خصوصًا إذا كان الارتفاع في أسعار العقارات ناتج عن ارتفاع عام([433]). ففي هذه الحالة فإن مالك العقار المتضرر، لا يستطيع اقتناء حتى عقار من نفس مساحة ووضعية العقار موضوع نزع الملكية.
الفقرة الثانية: المشاكل العملية لمسطرة نزع الملكية الناتجة عن تطبيق النص القانوني.
ما دامت نزع الملكية هي عبارة عن إجراءات وقواعد قانونية، فإن الجهات المعنية بتطبيق هذه لإجراءات هي أساس المشاكل الناتجة عن هذه المسطرة ويتعلق الأمر بالإدارة نازعة الملكية، بالنظر لأنها هي أول من يثر هذه المسطرة، وبالتالي فأي تقصير منها في احترام إجراءات هذه المسطرة يؤدي إلى خلق مشاكل على أرض الواقع (أولًا) وثاني عامل هو المواطن باعتباره مالك العقار موضوع نزع الملكية والقضاء باعتباره الساهر على مراقبة حسن تطبيق إجراءات هذه المسطرة (ثانيًا).
أولًا: مظاهر عدم احترام الإدارة للقواعد المشروعة لمسطرة نزع الملكية
إذا كانت المنفعة العامة هي الدافع الأساسي للجوء لمسطرة نزع الملكية فإن المشرع قد جعل الإعلان عن هذه المنفعة العامة يتم بمرسوم، وأن أي تغيير لموضوع هذه المنفعة، يجب أن يتم بناء على مقرر إداري ويعدل التخصيص الأول. ([434])
إلا أن الواقع العملي، أظهر كثيرًا من الخروقات، حيث عمدت الإدارات في الكثير من المرات إلى تغيير، موضوع المنفعة العامة دون إتباع الإجراءات المنصوص عليها قانونًا([435])، وهكذا فقد تنزع ملكية عقارات من أجل بناء دور السكن الاقتصادي، فإذا بها تتحول إلى مناطق صناعية أو تجارية.
وهي تصرفات من شأنها أن تجعل الإدارة تفقد المصداقية أمام المواطنين، كما أن الإدارة أضحت تضع يدها على عقارات الخواص، قبل استصدار حكم يقضي لها بحيازة ونقل ملكية العقارات، وهذا ما نبه له جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في أحد خطاباته ([436])، وإن مثل هذه الأعمال تشكل اعتداءًا ماديًا على الملكية العقارية الخاصة، وهذا ما أكده القضاء في مجموعة من المحطات([437])، حينما قضى بأن احتلال الإدارة لملك الغير، قبل أن تتخذ الإجراءات القانونية المتعلقة بنزع الملكية أو الاحتلال المؤقت عمل يكتسب صفة اعتداء مادي. إن مثل هذه الأعمال وغيرها، تشكل مساسًا خطيرًا بحقوق المواطنين، ينبغي على الإدارة التراجع عن مثل هذا السلوك الذي يسيء إليها، لكن تبقى المراقبة ملقاة أساسًا على دور القضاء وكذا وعي المواطن في القضاء على مثل هذه التصرفات.
ثانيًا: أثر عالم الأمية ودور القضاء في تنامي المشاكل العملية لمسطرة نزع الملكية
إن ظاهرة الأمية ساهمت وبشكل كبير في بروز مشاكل عديدة، فتخوف المواطن وتردده عن مقاضاة الإدارة لا يساهم سوى في مزيد من المشاكل العملية المرتبطة بمسطرة نزع الملكية، فهو يضع في ذهنه مجموعة من العراقيل التي تجعله لا يعرض قضاياه على القضاء للدفاع عن حقوقه، وتتمثل أساسًا في تخفوه من طول المسطرة وارتفاع كلفة التقاضي أضف إلى ذلك عدم ثقته في القضاء.
هذا الأخير الذي أثبت من خلال الواقع العملي أنه يتعامل مع الإدارة بشيء من الليونة، فامتناع القاضي عن طرد الإدارة وأمرها بهدم ما بنته على عقارات الخواص في حالة الاعتداء، يعتبر استقالة للقاضي عن مهمته الأساسية والمتمثلة في حماية حقوق وحريات الأفراد([438]). فالقاضي حينما يزكي أمر الاعتداء المادي، ويكتفي بتحديد التعويض ونقل ملكية العقارات إلى الإدارة فإنه يتحول إلى قاضي نزع الملكية، هذا ما أكده حكم المحكمة الإدارية بوجدة([439])، حينما قضى بأنه ما دامت المحكمة قد حددت التعويض عن قيمة الأرض في إطار دعوى الاعتداء المادي، وأن دعوى نزع الملكية جاءت لاحقة فإنه يتم نقل الملكية مقابل دفع التعويض، إن مثل هذا الحكم، يقرر بموت الملكية الخاصة، موتًا عنيفًا، أو على الأقل يحكم عليها بقتل ترحمي BIEN FAISANTE EUTHANASIE حسب تعبير فويصو f.fouyssou.([440])
إن على القاضي التخلص من هذا القيد، وبالتالي التعامل مع الإدارة بأكثر جرأة، لأن مثل هذا التعامل سيؤدي إلى الرجوع بنظرية الاعتداء المادي إلى أصولها تم استرجاع القاضي لمكانته كحامي للملكية العقارية الخاصة، من أي اعتداء بصرف النظر عن الجهة المرتكبة له، كما أنه سيؤدي إلى الدفع بالإدارة إلى التراجع عن تكرار مثل هذه الاعتداءات. ويبقى أملنا معلق على القضاء في العمل على تبني موقف صارم ومنسجم في قضايا الاعتداء المادي وبالتالي طرد الإدارة من العقارات التي احتلها بدون حق أو سند.
خاتمة:
إن عملية الاقتناءات تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للدولة وذلك باعتبارها وسيلة فعالة أثبتت نجاعتها، وفعاليتها في تحقيق أهداف الدولة، وتمكينها من إنجاز العديد من البنيات التحتية، والمرافق العمومية بالإضافة إلى مساهمتها في حل العديد من المشاكل سواء تلك المرتبطة بأزمة السكن أو السياحة.
وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا لا يعني أن عملية الاقتناءات هذه تخلو من المشاكل، سواء تلك المرتبطة بالاقتناءات عن طريق نزع الملكية أو التي تتم عن طريق التراضي، ولو أن هذه الأخيرة تبقى مشاكلها أقل حدة.
وإلى حين تدخل المشرع، ووضعه لمقتضيات خاصة ومتوازنة تنظم مسطرة الاقتناء بالمراضاة، التي من شأنها أن تعيد ثقة الملاكين الخواص في التعامل مع الإدارة وفي نفس الوقت تعفي الإدارة من اللجوء إلى مسطرة نزع الملكية. فإنني أقترح:
– تحديد أثمنة مناسبة لتوفير فرص التعاقد بالتراضي.
– التعجيل بتعديل قانون نزع الملكية في اتجاه:
– تقليص الآجال وتحديد أجل الاستصدار المرسوم النهائي لنزع الملكية للإسراع بالمسطرة.
– وضع معايير موضوعية لتحديد التعويض انطلاقًا من المعطيات المرتبطة بالعقار، تلتزم به كل من المحكمة والخبراء ولجنة التقييم.
– تجنب وضع اليد على العقارات قبل انجاز الاقتناء بالتراضي والحصول على الإذن في الحيازة لتفادي إرهاق كاهل الدولة بأداء تعويضات إضافية زيادة على قيمة الأراضي.
[404] محمد الكشبور “نزع الملكية من أجل المنفعة العامة” الأسس القانونية والجوانب الإدارية والقضائية، مطبعة نجاح الجديدة الدار البيضاء، ط الأولى1989 مرجع سابق ص117.
[405] الفصل 32 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت.
[406] محمد الكشبور “نزع الملكية من أجل المنفعة العامة” مرجع سابق ص 132
[407] يتم الإيداع لدى صندوق الإيداع والتدبير (الفصلان 30-31) من قانون 81-7 وذلك في الأحوال التالية:
– إذا لم يعرف ذووا الحقوق بأنفسهم.
– إذا لم يدل ذووا الحقوق بما يثبت ملكيتهم للعقار المنزوع أو كانت هذه الوثائق غير كافية.
غير أنه إذا كان هوية المنزوع ملكيتهم معروفة ففي هذه الحالة ينبغي على إدارة نازعة الملكية دفع هذه التعويضات لفائدتهم.
وهذا ما قضى به حكم المحكمة الإدارية بوجدة:
حيث اعتبر أن معرفة هوية المنزوعة ملكيتهم بشكل دقيق، يفرض على نازعه الملكية دفع التعويضات المستحقة لهم لا إيداعها بصندوق الإيداع والتدبير.
[408] الفصل 25 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت.
[409] أستاذنا عبد الحميد اربيعي، حماية حقوق الإنسان بالمغرب بين النص القانوني والاجتهاد القضائي الإداري، الجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية “مواضيع الساعة” عدد 55 سنة 2007 ص134.
[410] حكم صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة، عدد 146-2001 ملف رقم 113-2000، بتاريخ 28-11-2001 (غير منشور) وقد تم تأييد هذا الحكم من طرف المجلس الأعلى في:
– قرار عدد 556 ملف رقم 840-4-2002 المؤرخ في 20-10-2004 (غير منشور) وفي نفس الاتجاه صدر:
– حكم عن المحكمة الإدارية بفاس عدد87-96 ملف رقم 16-94 ت، بتاريخ 27-03-96(غير منشور).
– حكم المحكمة الإدارية بوجدة، عدد 262، ملف رقم 145-05 ش ن صادر بتاريخ 21-11-2006 (غير منشور).
– حكم عدد 298 ملف رقم 221-5 ش ن صادر بتاريخ 2-12-2006 (غير منشور).
– حكم عدد 222 ملف رقم 35-2005 ش ن صادر بتاريخ 26-09-2006 (غير منشور)
[411] حسب مقتضيات الفصل 42 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
[412] -نص الفصل 2 من قانون 81-7، على أنه “يتم نزع الملكية لأجل المنفعة العامة بحكم قضائي”.
[413] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 29 ملف رقم: 281/6/04، صادر بتاريخ 10-1-2004 المجلة المغربية للمنازعات القانونية، مرجع سابق ص: 237-238.
[414] محمد الكشبور، مرجع سابق ص144
[415] حكم المحكمة الإدارية بمراكش رقم 20 ملف عدد 104 981ت بتاريخ 24-2-1999(غير منشور).
[416] قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد 546 ملف رقم 693-4-32004 بتاريخ 29-9-2004 (غير منشور).
[417] محمد الكبشو “نزع الملكية” من أجل المنفعة العامة” مرجع سابق ص148
[418] حكم المحكمة الإدارية بوجدة، رقم 186، ملف عدد 2004/322 صادر بتاريخ 11-07-2006 (غير منشور).
[419] حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1608 ملف رقم 03/133/ ش.ت صادر بتاريخ 24-11-2005 المجلة المغربية للمنازعات القانونية مرجع سابق ص 239-241.
[420]-layachi messoudi “les instruments juridique de régulation du marché foncier “,remald n9 octobre-décembre 1994 page 58
[421]– ali moussaid op.cit.P151
[422] سعيد مرابط مرجع سابق ص57
[423] العربي مياد “اقتناء الدولة (للملك الخاص) بالتراضي للأملاك العقارية” مرجع سابق ص 11-12.
[424]– voir rapport d،activité de la direction des domaines 2006 pl8.
[425] للاطلاع أكثر، حول تعريف مسطرة نزع الملكية، راجع البشير باجي، مرجع سابق ص24 وما بعدها.
[426] سعيد مرابط مرجع سابق ص58.
[427] الفصل 42 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
[428] القاسمي المخترا “نزع الملكية من أجل المصلحة العامة في ظل القانون المغربي “بحث لنيل دبلوم السلك العادي للدراسة الوطنية للإدارة السنة الدراسية 1993-1994 ص38.
[429]ali moussaid op cit p 113
[430] الوافي سعيد، دراسة لقانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة “بحث لنيل دبلوم السلك العادي المدرسة الوطنية للإدارة العمومية السنة الدراسة 1991-1992 ص55
[431] ينص الفصل 5 من مرسوم رقم 382.82.2 الصادر بتاريخ 16 أبريل 1983 بتطبيق القانون رقم 81-7 على أنه “يراد بالثمن الأصلي في الفصل 40 من القانون رقم 81-7 الأنف الذكر، مبلغ التعويض عن نزع الملكية الممنوح للمالك”
[432] الفصل 40 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع لملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت.
[433] الوافي سعيد، مرجع سابق ص57
[434] الصف 39 من قانون 81-7 المتعلق بمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت.
[435] الوافي سعيد مرجع سابق ص60
[436] -“….فذات يوم تأتي وزارة وتشرع في بناء مصلحة فوق أرض أحد الخواص، وزارة التعليم مثلًا شيدت مدرسة، أو الشبيبة والرياضة شيدت ملعبًا…إن هذه الوزارات أولًا لم تخبر المعني بالأمر ولم تتذاكر معه ولم تتصل…، إني لا أقول بأن الإدارة أو الحكومة أو الدولة تفعل ذلك بنية تعسفية ولكن يؤخذ عليها عدم احترام القانون….”
– من خطاب جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني بتاريخ 8 ماي 1990 بمناسبة إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أو رده البشير باجي مرجع سابق ص7.
[437]– قرار صادر عن المحكمة الإدارية بفاس، عدد87، 96 ملف رقم 16-94 ت بتاريخ 27-3-96 (غير منشور).
– قرار صادر عن المحكمة الإدارية بمكناس عدد 16-98-21 ض ملف رقم 10-97-12 ش بتاريخ 17-9-98 (غير منشور).
– قرار صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة عدد 319، ملف رقم 105-2002 ش ت بتاريخ 2005/12/13 (غير منشور).
– قرار صادر عن المحكمة الإدارية وبوجدة عدد 88 ملف رقم 2005/91 ش ت بتاريخ 2006/04/18 (غير منشور)
[438] سعيد مرابط مرجع سابق ص65
[439] قرار صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة، عدد268 ملف رقم 2005/138 بتاريخ 18-01-2005 (غير منشور)
[440] cité par ali moussaid op.cit P 205





