محمد محمد عمران
وكيل أول الوزارة – مصلحة الضرائب سابقاً
والمستشار بمكتب الأستاذ/ مصطفى شوقي
يعتبر الصلح في جرائم الطلب بمثابة نزول من الهيئة الاجتماعية عن دفعها في الدعوى الجنائية مقابل الجعل (المبلغ) الذي قام عليه الصلح ويحدث أثره بقوة القانون مما يقتضي من النيابة العامة إصدار أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو يكون للمحكمة إذا ما تم الصلح في أثناء نظر الدعوى أن تحكم بانقضاء الدعوى الجنائية.
أما إذا تراضى إلى ما بعد الفصل في الدعوى فإنه يترتب عليه وجوب وقف تنفيذ العقوبة الجنائية المقضي بها.
الأساس القانوني للصلح:
مصدر الصلح وأساسه القانوني في الجرائم الضريبية هو المادة 138 من القانون 91 لسنة 2005 (قانون الضريبة على الدخل) فبينت في الفقرة الأولى منها صاحب السلطة في الصلح والوقت والمرحلة التي يعتد فيها بهذا الصلح فنصت على أنه (للوزير أو من ينيبه التصالح في الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة في أي حالة عليها الدعوى قبل صدور حكم بات فيها وذلك مقابل أداء…) وبينت حالات التصالح في البنود (أ) و (ب) و (ج) و (د) من نفس المادة وبينت في الفقرة الأخيرة من ذات المادة الآثار المترتبة على التصالح.
ويخفف التصالح العبء على الموارد المالية للدولة التي كانت تتفق على المتابعات القضائية والمحاكمات وتنفيذ الأحكام ويؤدي إلى سرعة الفصل في القضايا الجنائية وتدعيم فكرة الردع فيما يصدر من أحكام وتقليل عدد من يحكم عليهم بعقوبات سالبة للحرية الضغط على المؤسسات العقابية. ولا يقلل من هذه المزايا ما يمكن أن يوجه إلى هذا النظام من انتقادات فالقول بأنه يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون أو لا يكفل للناس احترام القانون أو الإفلات من العقاب مما يضعف القيمة الرادعة للعقاب كل هذه انتقادات تكون في مجملها غير حاسمة ولا تحول دون الأخذ به.
ويكفي للرد على تلك الانتقادات القول بأن الصلح ينطوي على تأكيد لمبدأ المساواة أمام القانون ويدعمه كما أن في تقريره كفالة لاحترام القانون إذ أنه عبارة عن تسوية ودية تتم بين المتهم والمجني عليه بعيداً عن ساحة المحاكم وقد يجد المجني عليه في الصلح الوسيلة لاقتضاء حقوقه من الجاني.
التمييز بين التصالح وغيره من الأنظمة:
قد يتشابه نظام التصالح مع أنظمة أخرى في بعض النواحي: كالتنازل والعفو.
- التصالح والتنازل: التنازل هو التخلي أو الترك. وهو نظام مقرر في القانون المدني، ويرد على الحقوق الخاصة، أما في القانون الجنائي فلا يرد التنازل على الدعوى الجنائية.
ويختلف التصالح عن التنازل فيما يلي:
أ. يكون التصالح بموافقة المتهم، في حين التنازل هو إجراء يصدر من جانب واحد، ويترتب آثاره بقوة القانون بمجرد صدوره، بغض النظر عن إرادة المتهم، وإن كان يلزم أن يكون باتا غير معلق على شرط.
ب. يميز بين التصالح والتنازل من حيث المقابل: فلا يشترط في التنازل أن يكون بمقابل، في حين أن المقابل هو عنصر أساسي في التصالح وهو ما نراه في قانون الضريبة على الدخل الجديد.
2. التصالح والعفو: العفو هو تنازل المجتمع عن حقه في معاقبة الجاني، وقد يكون عفوا شاملا يجرد التصرفات من صفتها الإجرامية، وقد يكون عفوا يقتصر أثره على إسقاط العقوبة المحكوم بها كلها أو بعضها، أو إبدالها بعقوبة أخف منها مقررة قانوناً.
ويختلف التصالح عن العفو فيما يلي: أن العفو هو إجراء يصدر من جانب واحد، ولا يتوقف على إرادة المتهم أو أية جهة أخرى. أما الصلح فلا ينشر إلا بموافقة المتهم والطرف المتصالح معه.
نطاق تطبيق التصالح:
تعمل مصلحة الضرائب على تيسير إجراءات سداد الممول للضريبة المستحقة علية , وتبسيط قواعد
المعاملة الضريبية، أحكاما وإجراءات. ويعتبر هذا التيسير وكذلك التبسيط، عاملين مهمين في إنهاء المنازعات الضريبية، وضمان حقوق كل من الممول والخزانة العامة، في إطار قانوني واضح، وميسر بعيداً عن الإجراءات الطويلة والمعقدة، وتجنب الإسراف في منح مصلحة الضرائب السلطات التقديرية التي ترهب الممولين ولا تفيد في الحد من التهرب الضريبي.
ويعد من أهم صور التبسيط إعادة النظر في نظام العقوبات الضريبية بما يحقق التوازن بين المخالفات الضريبية والعقوبة المقررة عليها.
ومن ناحية أخرى، حاول القانون غرس الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب، والعمل على تقريب وجهات النظر فيما بينهم، والحد من المنازعات التي تهدر الجهد، وتؤخر حقوق الخزانة العامة. وقد رأى المشرع في تقرير نظام التصالح في المنازعات القضائية التي تزيد على عشرة آلاف جنيه في مقابل نسبة مئوية من قيمة الضريبة المستحقة على الوعاء المتنازع عليه، تتراوح ما بين 10% إلى 40% إحدى الوسائل التي تساهم في تحقيق هذا الهدف.
وقد اتجه المشرع إلى تخصيص المشرع التصالح للجرائم الضريبية وحدد الجرائم التي يجوز فيها التصالح، وهي الواردة في المواد 132 حتى 136 من قانون الضريبة على الدخل، وهو التي ذكرتها البنود أرقام (أ) و (ب) و (ج) و (د) من المادة 138 من القانون.
ويلاحظ أنه على الرغم من تحديد المشرع الضريبي للجرائم التي يجوز فيها التصالح، فإنه:
1. قد شمل بالتصالح جميع الجرائم الواردة في القانون الجديد، أي أنه ساوى بين الجرائم التي تقع بمخالفة الالتزامات الضريبية، وجريمة التهرب الضريبي.
2. ميز بين نوعي الجرائم من حيث التعويض الذي يلزم المخالف بدفعه للإدارة الضريبية، فجعل هذا التعويض أزيد بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في المادتين 133 و 134 من القانون.
شروط التصالح:
بينت المادة 138 شروط التصالح في الجرائم الضريبية وهي تخلص فيما يلي:
1. أن تكون مما تقبل الصلح قانوناً.
2. أن يتم الصلح مع من حدده قانونا.
3. أن يتم أداء مقابل التصالح المحدد قانونا.
4. موافقة الجهات القضائية المختصة على الصلح.
5. أن يتم الصلح في الميعاد المقرر.
وفيما يلي بيان لهذه الشروط بالتفصيل.
أولاً: الجرائم التي يجوز الصلح فيها:
أورد المشرع بيانا بنصوص الجرائم التي يجوز فيها الصلح في المادة 138 من قانون الضريبة على الدخل الجديد، وهي الجنح المنصوص عليها في المواد من 132 حتى 136 منه:
- جرائم المحاسبين المقيدين في جدول المحاسبين والمرجعين (م 132).
- جرائم التهرب الضريبي ( م 133).
- جرائم الشريك في الجريدة (م 134).
- جرائم الامتناع (م 135/ 1).
- عدم تقديم الممول البيانات المطلوبة خلال المدة المحددة في القانون (م 96/ 1).
- عدم إمساك الممول الدفاتر والسجلات التي تستلزمها طبيعة نشاطه (م 78/ 1351/ 2).
- عدم تقدير إقرار موقع من محاسب مقيد بجدول المحاسبين والمراجعين (م 83/ 3 و 135/ 3) إذا تجاوز رقم الأعمال مليوني جنيه سنوياً.
- قيام الممول بإدراج مبالغ أقل في الإقرار الضريبي (م 136).
وإذا قيل بأن الصلح يسري على الجرائم التي نص القانون على جواز الصلح فيها دون غيرها، قلنا بأن الصلح يسري على جميع الجرائم الواردة في قانون الضريبة على الدخل الجديد، إذ أن النصوص التي تضمنها نص المادة 138 قد شملت كل الجرائم، فنصوص المواد 132 و 133 و 134 و 135 و 136 هي جميعها نصوص التجريم، وليس هناك نص تجريمي آخر أفلت من سريان الصلح عليه. وبناء على ذلك يجب على النيابة العامة أو المحكمة – بحسب الأحوال – التحقق من أن الجريمة موضوع الصلح من الجرائم التي يجوز فيها الصلح، بحيث يعتد بالتصالح متى كان جائزا، وبالنسبة لهذه الجرائم وحدها، فلا ينسحب إلى غيرها من الوقائع السابقة أو اللاحقة عليها.
وعلى العكس، إذا كانت الجريمة محل الصلح من الجرائم التي لا يجوز الصلح فيها، فإن للنيابة العامة أو المحكمة الجنائية رفض قبول التصالح. ولا يكون لهذا التصالح ثمة أثر بالنسب للنيابة العامة أو المحكمة، ولا يمنع من السير في الدعوى الجنائية.
وتكييف الواقعة، وبيان ما إذا كانت تشكل جريمة من الجرائم التي يجوز فيها التصالح من عدمه هو من اختصاص محكمة الموضوع: فإذا رفعت الدعوى عن جريمة لا يجوز التصالح فيها، ولكن ثبت أثناء المحاكمة أن الوقائع المنسوبة إلى المتهم تشكل جريمة تجيز هذا التصالح، يقضي القاضي بالتصالح ويرتب آثاره. أما إذا كانت الجريمة لا يجوز فيها التصالح وتم التصالح فيها، فلا يقبل ذلك التصالح.
وإذا اتهم شخص بارتكاب عدة جرائم، يجوز التصالح في بعضها، ولا يجوز التصالح في البعض الأخر، فإنه يعتد بالتصالح في الجرائم التي تقبل التصالح وحدها, ويمتنع السير في الدعوى الجنائية عنها.
ثانياً: أن يتم الصلح مع من حدده القانون:
لا يجوز الصلح إلا مع الشخص الذي خوله القانون الحق في التصالح. وقد بين المشرع في المادة 138 من القانون من الشخص الذي له هذا الحق بالنسبة للجرائم الضريبية، وهو وزير المالية أو من ينيبه”، وبناء على ذلك:
1. قد يباشر التصالح وزير المالية نفسه. ويكون ذلك في الحالة التي يستأثر فيها الوزير بهذه السلطة، دون غيره. وبالتالي لا يعتد بالتصالح الذي يجريه غيره، لأنه لم يعقد مع الشخص الذي حدده القانون.
2. وقد ينيب الوزير شخص آخر في إجراء التصالح. كان يفوض رئيس مصلحة الضرائب – مثلا – في هذه السلطة. وفي تلك الحالة يكون التصالح الذي يجريه النائب صحيحاً.
ثالثاً: أداء المقابل المحدد قانوناً:
هذا المقابل مالي بلا شك ويحدد حسب ما هو منصوص عليه في قانون الضريبة العامة على الدخل: وبالحساب يكون هذا المقابل على النحو التالي:
- بالنسبة للجرائم المنسوبة للمحاسبين المقيدين بجدول المحاسبين والمراجعين في المادة 132 من القانون يكون المقابل هو خمسة آلاف جنيه.
- بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في المادتين 133 و 134 من القانون يكون مقابل التصالح هو المبالغ المستحقة على المتهم + تعويض يعادل مثل هذه المبالغ.
- بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في المادة 135 من القانون، يكون مقابل التصالح في هذه الجرائم هو المبالغ المستحقة على المتهم + تعويض مقداره ألفا جنيه.
- بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في المادة 136 من القانون، يكون مقابل التصالح هو المبالغ المستحقة على المتهم + تعويض يعادل نصف مبلغ الغرامة المقررة قانوناً.
رابعاً: موافقة النيابة العامة أو المحكمة على التصالح:
لم يرد هذا الشرط صراحة في نصوص القانون، ولكن القواعد العامة لا تمنع من إعماله. وتتحدد سلطة النيابة العامة. أو المحكمة فيما إذا كانت الجريمة يجوز التصالح فيها أم لا: فإذا كانت الجريمة مما يجوز التصالح فيها، فتقتصر سلطة النيابة العامة أو المحكمة على التحقق من وجود التصالح، وإعماله وتقرير آثاره.
أما إذا كانت الجريمة لا يجوز التصالح فيها، فلن يعمل التصالح آثاره. ويحدث ذلك بالنسبة في حالتين:
الأولى: الجرائم التي ترتبط بالجريمة الضريبية، وتكون الأولى من الجرائم التي لا يجوز التصالح فيها.
الثانية: الوقائع التي يقرر لها القانون عقوبة أشد من العقوبات المقررة للجريمة الضريبية، فتغير من الوصف القانوني للجريمة، وتخرجها بالتالي من عداد الجرائم التي لا تقبل التصالح.
خامساً: أن يتم التصالح في الميعاد المقرر قانوناً:
ينصرف هذا الشطر إلى مواعيد الصلح بالنسبة لسير الدعوى الجنائية. وقد حدد المشرع هذا الميعاد في الفقرة الأولى من المادة 138 من القانون، حيث اشترط فيها أن يتم التصالح “قبل صدور حكم بات” في الدعوى. ويجوز التصالح في أي حالة تكون عليها الدعوى، بشرط أن يتم هذا التصالح قبل صدور الحكم البات.
ومن المقرر أن الحكم البات هو ذلك الحكم الذي استنفذ طرق الطعن العادية وغير العادية، أي الذي طعن فيه بطريق المعارضة والاستئناف والنقض.
ولكن هل يقبل التصالح الذي يعتد به الحكم البات؟
طبقاً لمفهوم نص المادة 138 من القانون لا يقبل التصالح الذي يتم بعد صدور حكم بات في الدعوى الجنائية، وإن كان يمكن للمحكوم عليه تقديم إشكال في تنفيذ الحكم الصادر عليه بالإدانة، ويتعين على النيابة العامة – في هذه الحالة – إعمال نص الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون العقوبات. ويجب – طبقاً لتعليمات النائب العام – المبادرة إلى إرسال ملفات المحكوم فيها إلى المكتب الفني للنائب العام – عن طريق المحامي العام للنيابة الكلية المختصة – للنظر في أمر وقف تنفيذ العقوبة المقضي بها([1]).
إجراءات التصالح:
متى توافرت الشروط التي يتطلب التصالح قانوناً: صاحب الحق في إبرامه، والجريمة التي يجوز التصالح فيها، وفي الوقت والميعاد الذي حددها القانون، فإن النيابة العامة أو المحكمة تقوم بفحص هذا التصالح([2]) ، من حيث شروطه، وتقوم بإعمال أثره. ولم يحدد المشروع شكلاً خاصاً لطلب التصالح.
وعلى الرغم من عرض المخالف التصالح – وسداد المقابل الذي حدده القانون – وإنهاء النزاع مع مصلحة الضرائب، فإن لهذه الأخيرة السلطة التقديرية إزاء هذا التصالح: فلها أن تقبل الأخذ به وقد ترى أن الالتجاء إلى إجراءات الدعوى الجنائية أفضل لخزانة الدولة.
وإذا تعدد المتهمون- الممول مثلا والشركاء معه في الجريمة – وأبدى كل منهم رغبته في طلب التصالح، فإن التصالح يشملهم جميعاً.
الآثار المترتبة على التصالح:
إذا توافرت شروط التصالح، وقبلته مصلحة الضرائب، فإن القانون رتب عليه مجموعة من الآثار بينها المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 138 من القانون في قولها “ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية والآثار المترتبة عليها، وتأمر النيابة العامة بوقف التنفيذ إذا تم التصالح أثناء تنفيذها”.
ويبين من ذلك أن الآثار المترتبة على التصالح تخلص فيما يلي:
أولاً: قصر أثر التصالح على الدعوى الجنائية:
في حالة التصالح تنقضي الدعوى الجنائية، وذلك بعد أداء المقابل الذي حدده النص.
1. بين الكتاب الدوري رقم 7 لسنة 2005 الصادر من النائب العام كيفية تطبيق نص المادة 138 من القانون، حيث حدد قيمة هذا المقابل على النحو التالي:
أ. المبالغ المستحقة على المخالف في الجرائم المنصوص عليها في المادة 135 من هذا القانون، بالإضافة إلى تعويض مقداره ألفا جنيه.
ب. المبالغ المستحقة على المخالف، بالإضافة إلى تعويض يعادل نصف مبلغ الغرامة المقررة في المادة 135 من هذا القانون.
ج. المبالغ المستحقة على المخالف في الجرائم المنصوص عليها في المادتين 133 و 134، بالإضافة إلى تعويض يعاد مثل هذا المبلغ.
د. تعويض يعادل نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها في المادة 132 من هذا القانون.
2. من حيث المرحلة الإجرائية التي يعتد فيها بالتصالح: حدد المشرع مدى سريان التصالح من حيث المرحلة التي تم خلالها:
هـ. إذا تم التصالح قبل رفع الدعوى الجنائية، امتنع رفعها، ويتعين على النيابة العامة أن تصدر أمرا بالحفظ أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى على حسب الأحوال.([3])
أ. وإذا تبين أن الدعوى الجنائية – على الرغم من التصالح – قد رفعت إلى المحكمة، فيفرق في هذا الشأن بين أمرين:
الأول: إذا كان المتهم لم يكن قد أعلن بورقة التكليف بالحضور، فيتم العدول – من قبل النيابة العامة – عن الإحالة، وتصدر هذه الأخير قرارا في القضية بحفظ الدعوى قطعيا أو التقرير فيها بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية – بحسب الأحوال – لانقضاء الدعوى الجنائي بالتصالح.
الثاني: إذا أعلن المتهم بورقة التكليف بالحضور، يكون للمتهم الدفع – أمام المحكمة – بسبق التصالح في الدعوى الجنائية، فتقضي المحكمة متى تبينت وجود التصالح مستوفياً لشروطه – بانقضاء هذه الدعوى بالتصالح([4]) .
ب. وإذا تم التصالح بعد رفع الدعوى الجنائية وقبل صدور الحكم البات فيها، تحكم المحكمة بانقضاء الدعوى بالتصالح([5]) .
ج. ويترتب على انقضاء الدعوى الجنائية: الإفراج فورا عن المتهم إذا كان محبوسا احتياطيا، وتسقط عنه الالتزامات والتعهدات الملقاة عليه من جراء الاتهام، ويرد إليه ما تم ضبطه مما يجوز التعامل فيه.
3. من حيث الواقعة أو الوقائع محل التصالح: يؤدي التصالح إلى عدم جواز رفع الدعوى الجنائية مرة أخرى ضد نفس المتهم وعن نفس الوقائع التي قامت عليها الجريمة المتصالح فيها([6]) .
وفي الواقع، فإن التصالح الذي يتم بين مصلحة الضرائب والمخالف قبل بدء السير في إجراءات الدعوى الجنائية ينهي النزاع القائم في شأن الواقعة موضوع هذه الدعوى، ولكن لا يؤدي إلى إنهاء كل نزاع بين المصلحة والممول: فإذا تبين أن الممول وقد تصالح مع المصلحة بشأن نشاط معين تهرب من أداء الضريبة المستحقة عليه بشأنه، وتبين أنه كان يمارس نشاطا من نوع آخر أو من طبيعة أخرى ولم يؤد عنه الضريبة، فإن ذلك لا يمنع من رفع الدعوى الجنائية عن النشاط المخفي، أو إجراء تصالح آخر عنه.
4. أثر التصالح من حيث الآثار المترتبة على الحكم الجنائي: يترتب على انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح محو كافة الآثار المترتبة على الحكم الجنائي، فلا يعتبر سابقة في العود، كما لا يقيد في صحيفة الحالة الجنائية للممول أو غيره من أطراف التصالح.
إذا تم التصالح بعد صدور الحكم البات، فيترتب على ذلك أن تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها والإفراج فورا عن المتهم المحبوس تنفيذا لهذا الحكم، وذلك بعد التحقق من تمام التصالح وفقا للقواعد المقررة قانوناً([7]) .
ولكن يثور التساؤل الآتي:
ما هي حدود وقف تنفيذ العقوبة؟ وهل يقتصر الوقف على العقوبات الأصلية وحدها أم يمتد أثره إلى العقوبات التبعية والتكميلية، وكذلك المصادرة إذا كان قد حكم بها؟
في الواقع أن عبارات المادة 138 جاءت مطلقة، فلم تقصر وقف التنفيذ على نوع معين من العقوبات، ولم تميز بين عقوبة أصلية وأخرى تبعية أو تكميلية، وبناء على ذلك، يترتب على التصالح وقف تنفيذ أية عقوبة، طالما مقررة للجريمة محل التصالح، وطالما كانت طبيعتها تحتمل الإيقاف.
ولكن بالنسبة إلى عقوبة المصادرة، يميز بين المصادرة الجوازية، وهذه يمكن أن يشملها وقف التنفيذ، والمصادرة الوجوبية التي تكون واجبة التنفيذ.
ثانياً: لا تأثير للتصالح على الدعوى المدنية:
هذا هو ما يحمله تفسير نص المادة 138 من القانون فللتصالح حجيته بالنسبة للدعوى الجنائية، فيترتب على ذلك انقضائها، إلا أنه ليس له نفس الأثر بالنسبة للدعوى المدنية، سواء كانت منظورة مع الدعوى الجنائية بطريق التبعية أم منظورة أمام القضاء المدني، وللجهة الضريبية الحق في المطالبة بحقوقها الناشئة عن الجريمة.
علة ذلك، أن الدعوى المدنية الناشئة عن الجريمة لا تتأثر بأسباب الانقضاء التي تطرأ على الدعوى الجنائية. ويتعلق هذا الحكم بالدعوى المدنية التي ترفع بطريقة مستقلة عن الدعوى الجنائية، أما الدعوى المدنية التي ترفع بالتبعية للدعوى الجنائية فيحكمها الاستثناء الذي قررته المادة 259 في فقرتها الثانية من قانون الإجراءات الجنائية التي نصت على أنه “… وإذا انقضت الدعوى بعد رفعها لسبب من الأسباب الخاصة بها فلا تأثير لذلك في سير الدعوى المدنية المرفوعة معها”. أما إذا كانت الدعوى المدنية لم ترفع بعد، فإن انقضاء الدعوى الجنائية يحول دون تطبيق قاعدة التبعية، ولا يكون للإدارة الضريبية سوى اللجوء إلى الطريق المدني.
لكن ألا يمكن القول بأنه لا مجال للحديث عن الدعوى المدنية، طالما أن التصالح لا يتم إلا بعد سداد المبالغ المنصوص عليها في المادة 138 من القانون، لا سيما وأن المبالغ التي يتعين على المتهم سدادها لإتمام التصالح تجمع بين المبالغ المستحقة على المخالف، سواء كانت مبلغ الضريبة المتهرب من أدائها أم مبالغ أخرى، بالإضافة إلى قيمة التعويض المنصوص عليها.
هذا القول يتوقف على بيان طبيعة التصالح، وهل هو عقد مدني يسري على أحكام العقود المدنية، أم هو عمل ذو طبيعة عقدية وعقابية في ذات الوقت، وذلك بأن يؤدي المخالف مبلغ الضريبة المستحقة عليه بالإضافة للتعويض المقرر بهدف الابتعاد عن العقوبات الواردة في شأن الجرائم الضريبية. ولا شك أن مبلغ التعويض عوضاً عما فات للإدارة الضريبية عما فاتها من كسب وما لحقها من خسارة.
المراجع:
- د. أحمد يحيى محمد، الأمر الجنائي.
- د. حسن الجندي، القانون الجنائي الضريبي.
- د. حسن الجندي، شرح قانون العقوبات، القسم العام.
- د. رءوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجنائية.
- د. رمضان صديق محسن، شرح قانون الضريبة على الدخل.
- د. مجدي الخولي، جريمة التهرب الضريبي.
***
[1]() تنص هذه الفقرة على أنه “إذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي أثاره الجنائية”.
[2]() كان العمل – في ظل القانون رقم 157 لسنة 1981 – يجري على تشكيل لجنة لإنهاء التصالح مع الممول، تقوم بدراسة أوراق الملف وتقرير لجنة الفحص، ومناقشة الممول – بعد استدعائه لتقديم دفاعه – ويعد مشروعا بالتصالح، يعرض بعد ذلك على وزير المالية لاعتماده، وتخطر به النيابة العامة لإصدار أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية، أو يعرض على المحكمة.
[3]() وفي هذه الحالة ترسل القضية إلى نيابة مكافحة التهرب من الضرائب – عن طريق النيابة الكلية – مشفوعة بمذكرة باقتراح حفظها قطعيا أو التقرير فيها بألا وجه لإقامة الدعوى – بحسب الأحوال – لانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح (الكتاب الدوري للنائب العام رقم 7 لسنة 2005).
[4]() وتكون المحكمة قد أخطأت في تطبيق القانون إذا قضت بتوقيع العقوبة وأمرت بوقف تنفيذها على الرغم من تمام التصالح قبل صدور الحكم (نقض 16/ 12/ 1963 مج أحكام النقض س 14 ق 169 ص 927).
[5]() ويكون ذلك إما بناء على طلب عضو النيابة العامة الماثل في الجلسة. وإما بطلب من المتهم بناء على الدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.
[6]() لا تسري أثار التصالح إلا بالنسبة للجريمة موضوع التصالح وحدها ودون غيرها من الجرائم الأخرى، سواء كانت سابقة أم لاحقة عليها.
[7]() يرى بعض الباحثين ضرورة التفرقة بين الممول الذي يتصالح مع مصلحة الضرائب قبل صدور الحكم النهائي والممول الذي يتصالح بعد صدور هذا الحكم، بزيادة المقابل بالنسبة لهذا الأخير عنه بالنسبة للأول.


