” في الحاجة إلى منهاج محلي “
الحبيب الدائم ربى
الجديدة
ضمن المساعي الرامية إلى إصلاح منظومتنا التربوية، التي حاولت أن تطاول مختلف أوجه المنهاج التعليمي وآليات تفعيله ليواكب المستجدات الاجتماعية والسياسية الوطنية والدولية، فإن الالتفات إلى الشأن المحلي ظل شبه مغيب تقريبا من مقرراتنا الدراسية، رغم أن التنصيص عليه كان من بين المطالب الملحة التي أتى بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ وها قد مر عقد من الزمن على تنفيذ مقتضيات “الميثاق الوطني ” بكل الاختلالات والتعثرات التي يرتهن إليها أي فعل تطبيقي، والتي تم تشخيصها في التقرير الشامل للمجلس الأعلى للتعليم، وما تلا ذلك من مشاريع أتى بها “المخطط الاستعجالي” لتدارك ما فات. من دون أن يلوح في الأفق المنظور أن ثمة ما يؤشر على وجود تفكير حقيقي في جعل المعرفة بالشأن المحلي جزءا من مكونات المعرفة المدرسية؛ علما بأن انفتاح المدرسة على محيطها، وهو شعار ما انفككنا نردده، لن تعبد له الطرق إلا بتطبيع “الممارسة الصفية ” مع “ثقافة القرب “. هذا في وقت بدأ فيه طوفان العولمة يتهدد كل أشكال التمايز الثقافي والخصوصيات النوعية للأمم والشعوب والحضارات.
صحيح أنه ليس من الهين حدوث هذا التطبيع بين يوم وليلة، لاعتبارات عديدة، منها الإرث التاريخي الثقيل الذي ظل يرجح كفة ” الثقافة العالمة ” على كفة ” الثقافة الشعبية “، من جهة، وغياب توثيق مدون لهذه الثقافة الأخيرة من جهة أخرى. من هذا المنطلق تأتي هذه المساهمة لتسليط الضوء على بعض تجليات الثقافة الشعبية في منطقة دكالة، وعسى أن تلفت نظر المهتمين والمربين إلى تراث زاخر بالدلالات والرموز.
يجب التنبيه، في البدء، إلى أننا حين نستعيد صفحات الماضي القريب، بما هي إحدى اللحظات العذبة المحنون إليها، فإننا نفعل ذلك بمنأى عن أي نزعة ماضوية تنتصر للتقليد بدل الحداثة. فمن المعلوم بالضرورة، أن الامتياز التاريخي الذي نحياه مقارنة بتاريخ أسلافنا، يفرض علينا أن نكون في موقع متقدم ضمن سلسلة النهوض الحضارية؛ ومعناه أننا مطالبون لا باعتماد الأساليب العتيقة التي بنى عليها الأسلاف أنماط عيشهم، وإنما استلهام روح ما حفلت به حياتهم من دفء وامتلاء.
فما من شك في كون السقي والمكننة قد جلبا للفلاح المغربي عامة، والفلاح الدكالي تخصيصا، منافع جمة ووفرا عليه كثيرا من الوقت والجهد، لكنهما، في المقابل، سلباه حياة البساطة والفرح الممتد على مدار الوقت؛ مما جعله شبيها
بفاوست -في مسرحية غوته -الذي باع روحه للشيطان مقابل وهم الشباب، فإذا به يربح العالم لبعض الوقت ويخسر نفسه إلى الأبد. فإلى عهد قريب كانت دورة الفصول لدى الفلاح التقليدي، أو المزارع على الأدق، بمنطقة دكالة، كغيرها من مناطق المغرب، تكتسي طابعا له نكهته المخصوصة؛ حيث الكد والألفة الغامرة؛ حيث لا شيء يفصل بين الحلم والواقع عدا غلالة من نغم وأغنيات. منها يبتدئ العام الفلاحي وبها ينتهي ليبدأ من جديد. فما أن تلوح في الأفق الغربي بروق ومضانة حتى تلعلع الزغاريد إيذانا ب “نؤة” راعدة، تدعى “نكاسة لكيع”، كناية على السيول الكاسحة لما تبقى من قش الحقول والبيادر. خاصة وأن المثل يقول “إيلا تكلم الرعد في السمايم بع الزرع واشر البهايم”. هاهنا يفتح للسعي باب وللفرح باب وللأمل أبواب. يتفقد الفلاح وسائله البسيطة كبحار ينوي خوض غمار اليم بسفينة من قصب وأغنية. فالمحاريث الخشبية ينبغي أن ترمم والسكك تحتاج إلى أن تلقم -تكمم -وحبال الدوم عليها أن تفتل وتمتن؛ لأن وقت “حلان الزريعة ” أدرك. وما أن تمطر وتروى الأرض حتى يستقبل الناس أول يوم للحرث كما يستقبلون عيدا. وقد كان عيدا حقيقيا. تزين فيه نواصي البهائم وذيولها وقعدات المحاريث بالحناء وسنابل الصوف البيضاء. يخرج الفلاح إلى الحقل بزوج (صغيرة، أو حولاء من جمل وحمار أو فرس وثور أو من بهيمتين كبيرتين حسب تسمية مختلف الجهات) يخرج ليعلم، والتعلام معناه افتتاح طقوس الحرث برسم “مطيرة” وتحديد مجالات البذر -وكما يحيل التعلام إلى التعليم والتحديد تحيل المطيرة إلى المطر، وكأننا أمام درس في الحياة قوامه الأرض والمطر، ووسائل إيضاحه عدة متناغمة من معينات محلية شحيحة. ولعل أول عبارة يمهد بها ” المعلم” درسه هي: ” بسم الله، نسعاوا الله، باسم الله، اخرج علم، باسم الله، واللي كال شيء في سبيل الله ” منتظرا زوجته القادمة بــ “خبزة المحراث ” الفوارة ليكسرها فوق “عود أبطون” ويوزع ” شدوقها” على الأطفال وكل الحاضرين لهذا المشهد الراسخ الذي يتماهى فيه العمل بالاحتفال، والعرق بالمتعة. بيد أن الحرث ليس سوى سطر من سطور “الرحلة ” الحولية، فبعدها يأتي التمشيط والتعشيب والتحياح ثم الحصاد والدراس والتغياس مع ما يصاحب هذه المراحل من مرددات وأغان وأعمال. فقبل ظهور آلات التمشيط الحديثة ومبيدات الأعشاب الطفيلية وسموم التخلص من طيور الوروار -الزاوش -كانت الأمور تمشي وفقا لتكنولوجيات بدائية لكنها إيكولوجية وخلاقة، كالتمشيط بأكوام أشجار السدر، وتنقية الأعشاب والحشائش عبر الأيدي والتحياح بمقاليع الدوم والصراخ المنغم وخشخشة الصفائح والجواليق ونصب الفزاعات في الحقول بعناية لافتة. وكما يتخذ العمل طابع الضنى فإنه يكون بمثابة نزهة يومية، ففي الزناقي -الزنايك -المتخللة للفدان يحلو احتساء الشاي وتأمل قطعان النعاج باركة في أمان أو ترعى العشب بنهم.
وإذا كان الحرث حدثا مفصليا في حياة الفلاح التقليدي، فإن الحصاد كان لا يقل عنه مفصلية، فما أن يخرج الزرع جذائله وتلون الشمس السنابل بلون الذهب حتى يكون ذلك إيذانا بموسم جديد يتم التهيؤ له بشحذ المناجل ونقشها ونجر الصباعيات من القصب وتوفير التبندات والترازات اتقاء للسفا وحرارة الشمس…. فإن كان الفلاح من البسطاء اكتفى بذويه كي يجمع غلة الحصاد، أما إذا كان ملاكا متوسطا أو كبيرا فإن ذلك يلزمه البحث عن ” رباعة الحصادة” من أقرب سوق. يفاوض “مقدمها” في الظهرية والعشوية والترديدة وكل التفاصيل المرتبطة بالأكل والإقامة وسواهما. ويتخذ العمل في “الخرجة” شكلا استعراضيا جليلا، حيث مقدم المجموعة، الأكثر خبرة ومكانة، يغدو “سلطانا” يليه الوزير وباقي الرعية، وفي المؤخرة شخص يسمى ” المعيزة”، إذ توزع الأدوار في خرجة الحصاد بصراعة لا تقبل الجدل. مهمة السلطان هو أن “يعلم” ويسربب، أي أن يقطع الحقل إلى أشطر يتولى الوزير حصدها مع بقية الرباعة. ولئن كان للسلطان شرف حصد ” حطيط” من الزرع فإن الوزير قد يحظى هو أيضا بشرف هو من شرف السلطان. وكلما ابتعدت مرتبة الشخص من السلطان صار عبء الحصاد عليه أكثر وأثقل، لهذا يكون نصيب المعيزة من الكد مضاعفا وعليه تقع مسؤولية حصد السرابيب التي يرميها كل واحد على الآخر لتسقط في حصة المعيزة…. أما الأقل خبرة وتجربة في الجماعة فيتولى مهام ” التذراع” و”التمطاط” بجمع الزرع المحصود في أذرع و”مطات” لها هندسة معلومة وحجم معلوم. الأهازيج والأدعية لا تفتر والوقت يقاس بالظلال وحركات الشمس. واللهم صل عليك يا رسول الله.
يمتد العمل لأسابيع أو شهور حسب الصابة والرزق. وبينما تتخفف الحقول من حملها تتكدس شباك “النكالة” في البيادر ضمن “نوادر” بانتظار الدراس…. كل شيء يكون متسلسلا وسلسا. آنئذ تسمر البهائم “محرومة اللحم ” وتستلف من الجيران والأقارب حين لا تتوفر بالقدر الكافي، ليدور الروا في “الكاعة” ببهاء. وكما في خرجة الحصاد تكون للحيوانات مراتب وأدوار… فـــ”الزعواط” هو الأقوى وهو الذي يدور من اليمين إلى اليسار دورة كاملة، جهة الخارج، فيما تبقى “التأكيدة” تدور في مكانها كالخذروف وبينهما لكلى بهيمة مدار لا تبرحه. يتناوب الفلاح وأبناؤه وأقاربه على “التدويرة” وهناك دوما أشخاص يحبسون “الروا” كي لا يجنح عن الدرسة … يقلبون ” الدرسة ” بالمذاري، مثنى وثلاث، ورباع، حسب الشعير والبر والحنطة. ويغنون أهازيج راحت تتلاشى، منها ” أهريس أمولاي إدريس، طابت ما خابت، ميات غرارة جابت من غير العشور والخماس……” وتأتي التعشيرة. عشر دورات تعدد بأسمائها قبل التسياب، بركة الله اثنين سيدنا الحسن والحسين، ثلاثة، أربعة، خمس صلوات، ستة، سبعة، ثمانية نتمناوا الله، تسعة نسعاوا الله، عشرة أصحاب النبي.
تؤخذ البهائم للراحة والورد، يتناول “الدارسون” طعام “العكبية” قبل أن يعودوا لتصفية الدرسة وفكها، المذراة ترفع الزرع والتبن نحو الريح، وشطابة السدر أو حنبازة تعزل الزرع عن التبن في تناغم بديع……. وبين الحين والحين يهجس المذري “الصلاة على النبي “. سيما حين تكون “الدرسة ” من بر وآلة التذرية لوحا من خشب …. يمتد الوقت ساعات، يمتزج فيها العرق بالتراب …. لتظهر في الأخير البركة صافية فوقها طوبة تراب ومنجل … تترك لتفيض في سر، إلى حين … وفي غبش المساء تكال الحصيلة بــ “العبرة”… تسع عبرات للفلاح وواحدة لزكاة العشور. أما “النكاسة” و” الكرمومة” فللنسوة المساعدات كما تترك “كصة الفدان ” حين الحصاد للشبان الذكور تبعا لوعد لا يخيب. وتؤخذ الصابة أخيرا إلى الخزين.
للنوم في الكاعة صيفا، …. تحت نجوم الله اللألاءة، مذاق الطبيعة في طورها البدئي …. ليل الأصياف حار وعذب. معه يحلو الشدو والطرب. يا ليل ويا عين على الطريقة المغربية الشعبية، حتى الهزيع الأخير. ومع الفجر تستيقظ الجموع كما لم تسهر قط…. تمضي الأيام صعبة عذبة…… فبعد الدراس تسوى النوادر على شكل قباب تحك كما منحوتات تشحذها أزاميل مدربة…. تغلف بالطوب أو بالوحل الممزوج بالتبن في محفل كرنفالي مميز…. تتوجه وجبة تليق بعرس أو عيد…. الكد لا ينتهي هنا ولا الفرح…. فالزراعات المازوزية تنتظر العمل…. كالذرة والبحائر والفول والجلبان وغيرها…… لكل مهمة مواويلـها وأصولها…… وأخيرا تأتي المواسم والأعراس كتتويج لهذه الاحتفاليات المتسلسلة في روزنامة التقويم الفلاحي الدائرية …. يربو الخير في سنوات النماء ويتكاثر النسل …. وحتى حينما تبخل السماء فالأمل معقود على ناصية غيمة أو رعدة تهزم في الأفق الغربي إيذانا بعام فلاحي جديد وافر العطاء.


