د. عبد العالي بنلياس

أستاذ القانون العام بكلية الشريعة بفاس

يشكل مبدأ المشروعية وسيادة القانون أحد المقومات الأساسية للدولة الديمقراطية، إذ أضحى من المعايير الرئيسية لقياس مدى احترام وخضوع الدولة بمختلف مؤسساتها وأجهزتها الإدارية لسلطة القانون .

ويقصد بمبدأ المشروعية في معناه العام سيادة حكم القانون ([1]) الذي لا يعني سوى خضوع وانصياع الحكام والمحكومين على السواء لمقتضى وحكم القانون، وأن القانون يوجد على مسافة واحدة إزاء الأفراد والإدارة على قدم المساواة، وهو ما عبر عنه منتسكيو بجملة بليغة “أن القانون يجب أن يكون كالموت الذي لا يستثني أحد”

إلا أن جوهر المشروعية يكمن حقيقة في سيادة حكم القانون بين الفرد والسلطة أو بمفهوم أعم بين القوة والقانون، إذ أن العلاقات القانونية بين السلطات العامة بعضها ببعض ، وكذلك بين الأفراد ذاتهم، هي علاقة ذات أطراف متساوية ، ولكن الأمر مختلف بالنسبة للعلاقة بين الفرد والدولة، إذ لا تكون بين طرفين متساويين، بل تكون الدولة فيها على قدر أعلى من الفرد، وذلك بموجب السلطة العامة التي منحت لها والأجهزة المختلفة المزودة بها لضمان أمن المجتمع وسلامته ([2])

وزاء امتيازات السلطة العامة والاستثنائية التي تتمتع بها الإدارة في مواجهة الأفراد، وما يمكن أن تقوم به من تصرفات وأعمال قد تمس حقوقهم وحرياتهم ومراكزهم القانونية، فإن مبدأ المشروعية وسيادة حكم القانون يوفر آليات قانونية وقضائية تمكن من مراقبة أعمال وتصرفات وقرارات الإدارة من كل تعسف أو تجاوز قد يؤدي إلى إهدار حقوق الأفراد وحرياتهم . ويتولى هذه الوظيفة في الدول التي تأخذ بازدواجية القضاء، القضاء الإداري الذي يمثل الركيزة الأساسية في حماية المشروعية وضمان احترام الحقوق والحريات من جور وتعسف الإدارة، بحيث يقوم بإلغاء وإبطال القرارات الإدارية الغير المشروعة والحكم بالتعويض عن الأضرار التي تسببها للأفراد.

وحينما نؤكد على أن مبدأ المشروعية هو خضوع الإدارة في كل ما تأتيه من تصرفات وأعمال قانونية أو مادية لحكم القانون، فإن القانون المقصود هنا ليس بمعناه الضيق – أي القانون الصادر عن السلطة التشريعية – بل القانون بمعناه الواسع، أي كل قاعدة قانونية عامة ومجردة، سواء كان مصدرها السلطة التشريعية أو مصدرها السلطة التنفيذية، سواء كانت مكتوبة أو عرفية، ومهما كانت درجتها القانونية، فكل قاعدة قانونية واردة ومستقرة في المنظومة القانونية للدولة هي ملزمة للإدارة، دون إغفال الدور المتزايد للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي أصبحت تزاحم التشريع الوطني وتتفوق عليه من حيث أولوية التطبيق.

ولكي تسود سلطة القانون ويتحقق احترام مبدأ المشروعية لابد من توافر ثلاث شروط أساسية تضمن تقيد الإدارة وهي تباشر أعمالها وتتخذ قراراتها بمقتضيات وأحكام القانون.

وهذه الشروط هي:

  1. مبدأ الفصل بين السلطات .
  2. وجود دستور.
  3. خضوع الإدارة لرقابة القضاء.

إن تقييد الإدارة في كل ما تأتيه من تصرفات وأعمال قانونية ومادية بحكم القانون، لا يعني أن جميع تصرفاتها وقراراتها كيفما كانت طبيعتها يجب أن تستند إلى قاعدة قانونية توجبها، وأن تمتنع عن القيام بأي عمل لا يستند على أساس قانوني صريح وواضح، بل على العكس من ذلك إن الإدارة بما لها من مسؤولية في الحفاظ على استقرار المجتمع وأمنه وسلامته، وما تضطلع به من مهام في تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين، تتمتع بالسلطة التقديرية وهامش من الحرية في اتخاذ ما يناسب من القرارات والإجراءات، وهذه السلطة التقديرية تخرج من دائرة مراقبة القضاء، وتشكل استثناء عن مبدأ المشروعية إلى جوار أعمال السيادة وحالة الظروف الاستثنائية.

إن مختلف الإشكالات السالفة المرتبطة بمبدأ المشروعية وسيادة القانون سوف نتعرض لها بنوع من التفصيل والتأصيل وفق المنهجية التالية:

المبحث الأول : التأصيل الفقهي والقانوني لمبدأ المشروعية.

المبحث الثاني : مصادر مبدأ المشروعية.

المبحث الثالث : شروط مبدأ المشروعية.

المبحث الرابع : الاستثناءات التي ترد على مبدأ المشروعية.

المبحث الأول : التأصيل القانوني لمبدأ المشروعية:

يعتبر مبدأ المشروعية أحد المبادئ المتفرعة عن مبدأ سيادة القانون الذي يعني خضوع جميع الأفراد في علاقاتهم القانونية فيما بينهم أو في علاقاتهم مع الإدارة لأحكام القانون، في حين أن مبدأ المشروعية يعني أن تكون جميع تصرفات الإدارة في حدود القانون ([3])، فلا يجوز أن تتخذ إجراء أو قرارا إداريا أو عملا ماديا إلا بمقتضى القانون ([4])، فمبدأ المشروعية ومبدأ سيادة القانون وجهان لعملة واحدة، فسيادة القانون تعني أن القاعدة القانونية تأتي فوق إرادة الأفراد جميعا حكام ومحكومين، وتلزمهم جميعا باحترام أحكامها، فإذا أخل أحدهم بمقتضاه غدا تصرفه غير قانوني وغير مشروع

ومدى احترام الدولة بمختلف أجهزتها الإدارية لمبدأ المشروعية وسيادة القانون هو المعيار الذي يجعل الدولة إما دولة استبدادية أو دولة بوليسية أو دولة قانونية.

فالدولة الاستبدادية هي التي لا تخضع فيها السلطة الحاكمة للقوانين ، وإنما يستعمل الحاكم أو المسؤول ما تمليه عليه مشيئته وإرادته، إذ أن إرادته هي القانون الواجب التنفيذ. أما الدولة البوليسية فهي بصورة عامة تخضع للقانون، بيد أن القائمين على الحكم فيها تكون لهم سلطة تقديرية واسعة أثناء مباشرتهم لسلطتهم، متصورين أن ذلك يحقق خدمة الأفراد والمصلحة العامة ([5])، في حين أن الدولة القانونية تعني الخضوع للقانون، أي أن جميع السلطات العامة في الدولة تخضع لحكم القانون عند مباشرتها للاختصاصات المخولة لها، بالأخص الإدارة على اعتبار أنها إحدى تلك السلطات العامة، يتعين كغيرها من السلطات أن تحترم مجموعة القواعد القانونية الأساسية المقررة في الدولة ([6]).

وقد أورد حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 4 يناير 1992 في القضية رقم 22 سنة 8 قضائية دستورية أن “الدولة القانونية هي الدولة التي تتقيد في جميع مظاهر نشاطها وأيا كانت سلطتها بقواعد قانونية تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطا لأعمالها، وتصرفاتها في أشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لا تعد امتيازا شخصيا لأحد ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها ([7]).

لذا نجد مجموعة من الدول تنص في قوانينها الأساسية ودساتيرها على علو وسمو مبدأ القانون، فالدستور المغربي لفاتح يوليو 2011 ينص في فصله السادس، أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”. وهو نفس المنحى سار عليه الدستور المصري الصادر سنة 1971 الذي أفرد بابا مستقلا لسيادة القانون وهو الباب الرابع الذي جاء في مادته 64 ” إن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة “، وحافظت الجمعية التأسيسية على نفس المقتضى في المادة 74 عند وضعها لدستور 2012 المنبثق عن ثورة 25 يناير في دولة مصر. كما نص الفصل الثاني من الميثاق الوطني الأردني الصادر سنة 1990 على أن الدولة الديمقراطية هي التي تلتزم بمبدأ سيادة القانون وتستمد شرعيتها وفعاليتها من إرادة الشعب الحرة، وتلتزم بتوفير الضمانات القانونية والقضائية والإدارية لحماية حقوق الإنسان وكرامته وحريته الأساسية.

فمبدأ المشروعية لم يعد مبدأ قانونيا عاما يستشفه القاضي من ثنايا النصوص القانونية، بل أضحى مبدأ قانونيا مكرسا في مختلف النصوص والأنظمة القانونية للدولة الحديثة، ضدا على الامتيازات التي كانت تتمتع بها فئة من الناس كانت تجعلها خارج المساءلة القانونية كالأمراء والنبلاء ورجال البلاط والحاشية وكبار المسئولين.

فمبدأ المشروعية يعني سيطرة القانون وإعلان علوه وسموه، وانتهاء فكرة عدم خضوع السلطة للقانون، ذلك أن خضوع السلطة للقانون وفرض احترام القاعدة القانونية على من أصدر تلك القاعدة طالما لم يلحقها تعديل هو جوهرة فكرة المشروعية ([8])

واذا كان لا أحد اليوم يجادل في أن جوهر مبدأ المشروعية هو خضوع الإدارة في مختلف أعمالها وقراراتها وتصرفاتها القانونية والمادية لحكم القانون، فإن الفقه القانوني اختلف بشأن تفسير هذا الخضوع للقانون إلى ثلاث آراء :

الرأي الأول : ومؤداه أنه لا يجوز للإدارة أن تأتي عملا قانونيا أو ماديا مخالفا للقانون، وهذا يعني أن تصرفات الإدارة تكون مشروعة طالما أنها لم تخالف القانون ([9]).

الرأي الثاني : ومؤداه أن المراد بخضوع الإدارة للقانون هو ضرورة استنادها في كل تصرفاتها وأعمالها القانونية والمادية إلى أساس من القانون، فلا يكفي أن يكون عمل الإدارة أو تصرفها غير مخالف للقانون وإنما يجب أن يكون مستندا ومبنيا على قاعدة قانونية قائمة تجيزه حتى يكون مشروعا ([10])

الرأي الثالث : ومؤداه أن أعمال الإدارة وتصرفاتها القانونية والمادية لا تكون مشروعة، إلا إذا كانتا مجرد تنفيذ أو تطبيق لقاعد ة تشريعية عامة قائمة قبل مباشرة التصرف ([11])

فإذا كان الرأي الأول يعطي حرية واسعة للإدارة في التصرف والتحرك واتخاذ ما تراه مناسبا من قرارات، على حساب حق الفرد في التصدي لسلطة الإدارة التي قد تأتي أعمالا غير مشروعة، فإن الرأي الثاني على عكش الأول يوسع من دائرة المشروعية ومن حقوق الأفراد في التصدي لقرارات الإدارة التي لا تكون قائمة على قاعدة قانونية تبيحها على حساب حرية الإدارة في التحرك والتصرف . أما الرأي الثالث فهو يقيد من حرية الإدارة في التصرف لدرجة تفقد معها ليس فقط القدرة على التجديد والابتكار، وإنما أيضا الاستقلال في مباشرة تصرفاتها، بحيث تصبح والحال هكذا مجرد أداة وظيفتها فقط تنفيذ القانون أو وضعه موضع التنفيذ ([12]) .

ومهما كان الاختلاف والتباين في النقاش الفقهي والقانوني حول مدى المشروعية التي يجب أن تحكم تصرفات الإدارة ومدى الضمانات التي يجب أن يتمتع بها الفرد لحماية حقوقه وحرياته، فإن إقرار هذا المبدأ والاعتراف بوجوده هو من المرتكزات الأساسية لدولة القانون وأحد أوجه إخضاع الإدارة للشرعية القانونية.

المبحث الثاني : شروط مبدأ المشروعية:

من الضمانات الأساسية اللازمة لقيام مبدأ المشروعية وسيادة القانون أن تتوفر الدولة على دستور يحدد الإطار القانوني لممارسة السلطة السياسية والتنصيص على مختلف الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات، وأن يكون هناك فصل بين السلط، وأن تخضع أعمال وتصرفات الإدارة لرقابة القضاء، فإذا انتفى عنصر من هذه العناصر من المنظومة القانونية للدولة ضاع مبدأ المشروعية وسلطة القانون، وهو ما نصت عليه المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صدر إبان الثورة الفرنسية : “إن كل مجتمع لا تقرر فيه ضمانات لحقوق الأفراد ولا يسود فيه مبدأ الفصل بين السلطات هو مجتمع ليس له دستور”.

المطلب الأول : ضرورة وجود دستور :

يعتبر الدستور أسمى قانون في الدولة ومنه تنبثق باقي المؤسسات الدستورية وعلى أساسه تمارس السلطة السياسية، “فهو مجموعة من القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة وترسم قواعد الحكم وتضع الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد وتنظيم سلطاتها العامة مع بيان اختصاصات هذه السلطات ” ([13]) .

فالدستور هو الذي يحدد مختلف السلطات القائمة في الدولة ويبين اختصاصاتها وحدود تدخلها وكيفية ومسطرة تكوينها، وكذا مختلف الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات .

والتأكيد على ضرورة توفر الدولة على دستور كضمانة لتوفر الشروط اللازمة لقيام المشروعية، نابع من القيمة القانونية الذي يحتلها في المنظومة القانونية للدولة بحيث أن أي تطاول لاختصاص سلطة على اختصاصات سلطة أخرى يعتبر عملا غير مشروع يعرضه للإلغاء من طرف القضاء الدستوري، كما أن التشريعات التي تسنها السلطة التشريعية والذي قد تحد من حقوق الأفراد وتمس حرياتهم تعتبر كذلك غير مشروعة.

فهذا السمو الذي يتمتع به الدستور على باقي القواعد القانونية الأخرى سواء الصادرة عن السلطة التشريعية في شكل قوانين أو الصادرة عن السلطة التنفيذية في شكل مراسيم أو لوائح، يلزم هذه السلطة باحترام قواعده وأحكامه والا كانت التصرفات الصادرة عنها والمخالفة لأحكام الدستور وقواعده باطلة، أي لا لتتضمن أية قيمة قانونية “([14]) .

المطلب الثاني : مبدأ الفصل بين السلط:

يشكل مبدأ الفصل بين السلط شرطا جوهريا لقيام مبدأ المشروعية وركيزة أساسية من ركائز الحرية وسلاحا فعالا لمنع الاستبداد والتعسف والانفراد بالسلطة، وأحد المبادئ الذي تقوم عليه الأنظمة الديمقراطية.

وقد ارتبط هذا المبدأ باسم المفكر الفرنسي مونتسكيو الذي عاش في القرن الثامن عشر 1684-1755 وهو من أشهر فلاسفة التنوير وأحد واضعي الأسس السياسية العامة للمجتمعات الديمقراطية.

ويرى مونتسكيو أن تركيز السلطات العامة  في هيئة واحدة أوفي يد فرد واحد من شأنه أن يؤدي حتما إلى الاستبداد وضياع الحريات الفردية حتى لو كانت تلك الهيئة هي مجلس نيابي شعبي، فلابد أن ينتج عن تركيز السلطات في مثل هذا المجلس شيوع الحكم المطلق وإهدار الحريات، ويبني مونتسكيو هذا الرأي على ملاحظة الحقيقة الواقعية التي أبرزها التاريخ، وهي أنه في كل مرة تجتمع السلطة أو السلطات في قبضة فرد أو هيئة واحدة، كانت النتيجة دائما واحدة وهي سيادة الدكتاتورية والاستبداد ، وفي النهاية اختفاء حريات الأفراد ([15])، لذا يرى أن السلطة يجب أن توقف السلطة.

إن الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات يعني أن يكون هناك فصل وظيفي وفصل عضوي للسلطات في الدولة.

فالفصل الوظيفي يعني التمييز بين الوظائف الثلاث في الدولة أي الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية والوظيفة القضائية.

والفصل العضوي يعني إسناد كل من الوظائف الثلاث في الدولة إلى جهة أو هيئة مستقلة تختص بها، فالوظيفة التشريعية تتولاها السلطة التشريعية، والوظيفة التنفيذية تتولاها السلطات التنفيذية، والوظيفة القضائية تتولاها السلطة القضائية.

وهذا الفصل للسلط على مستوي الوظيفي والعضوي هو الذي يحول دون اعتداء سلطة على أخرى، وهو الذي يجعل كل سلطة تقوم بوظائفها في حدود الاختصاصات الموكولة لها.

والمقصود هنا ليس إقامة سياج مادي يفصل فصلا مطلقا بين سلطات الحكم، بل المعنى أن يكون هناك بين السلطات الثلاث تعاونا يحقق لكل منها رقابة على الآخر في نطاق اختصاصها، ويكون نظم الحكم قائما على أساس أن “السلطة تحد السلطة “([16])

وعلى الرغم من تباين موقف الفقهاء حول أن مبدأ الفصل بين السلط لا يعتبر شرطا أساسيا لقيام الدولة القانونية، لأن خضوع الدولة للقانون، كما يقول الأستاذ ثروت بدوي يتم بمجرد احترام الهيئات الحاكمة لقواعد اختصاصاتها وعدم خروجها على حدود سلطاتها، الذي يمكن أن يحدث دون الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات ([17]) فإن أغلب الدول تنص في دساتيرها على مبدأ الفصل بين السلطات ([18]) كأحد الآليات السياسية للحكم الرشيد وأحد الضمانات الجوهرية لاحترام الحاكم للقانون ([19]). كما هو الشأن بالنسبة للدستور المغربي الذي نص في الفقرة الأولى من الفصل الأول على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة . كما أن الدستور المصري لسنة 2012 قد نص على هذا المبدأ في مادته السادسة على أن النظام السياسي للجمهورية العربية المصرية يقوم على…الفصل بين السلط والتوازن بينها، وعلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحرياته.

ويعتبر القضاء في هذا المجال مسئولا مباشرا على حماية الحقوق والحريات وصيانة المقدسات والمكتسبات، لأنه الحارس الأمين للمشروعية، الحريص على عدم المساس بها، كيفما كان الشكل أو المصدر، تطبيقا لمبدأ سيادة القانون الذي هو قوام الضمانات الكفيلة بتوفير الأمن والاستقرار والأساس الرفيع للمساواة أمام القانون الذي يطمئن به المواطن إلى أن ماله وكرامته في حرز من غولاء الظلم والتسلط ([20])

المطلب الثالث : خضوع الإدارة لرقابة القضاء :

استقر الفقه القانوني على أن مبدأ المشروعية يظل عديم القيمة من الناحية العملية، ما لم يقترن بجزاء فعال يكفل امتثال السلطات العامة لمضمونه وتقيدها بحدوده، وعلى تعدد الجزاءات والضمانات التي تكفل أو تساعد على احترامه.

فقد استقرت النظم القانونية المختلفة على أن الضمان الحقيقي الفعال لهذا المبدأ هو في مبدأ آخر مكمل له مؤداه التسليم لسلطة خاصة مستقلة عن السلطة السياسية في الدولة بمهمة التحقق من احترام السلطات العامة في الدولة لمبدأ المشروعية بعناصره المختلفة ([21]) لأنه ما هي أهمية وجود ضوابط وقيود دستورية أو قانونية على نشاط وسلطات الهيئات الإدارية إن لم تخضع هذه الهيئات التنفيذية لجهة القض لاء تراقب احترامها لهذه الضوابط والقيود ([22]).

لذلك نجد مجموعة من الدول تنص في تشريعاتها على إعطاء المتضرر من قرارات وأعمال الإدارة مجموعة من الإمكانيات لدفع الحيف الذي لحقه، بحيث يمكن له أن يلجأ إلى مسطرة التظلم الإداري، أو أن يسلك مسطرة الطعن القضائي، حيث يتوفر القضاء على وسيلتين رئيسيتين لرفع هذا الحيف تتمثلان أساسا في إلغاء القرارات الإدارية المتسمة بالحيف الإداري، وثانيا ما يسمى بالقضاء الإداري الشامل أي مطالبة الإدارة بالتعويض لصالح المتضرر ماديا أو معنويا من جراء عمل إداري ([23]). وقد حرص الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 من خلال الفصل 118 على كفالة حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، وجعل كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، قابلا للطعن فيه أمام القضاء الإداري، ونفس المنحى ذهب اليه المشرع الدستوري المصري حينما نص في المادة 75 على أن حق التقاضي مضمون ومكفول للناس كافة، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

كما أن الإدارة تملك من جهتها حق سحب القرارات غير المشروعة مع ما ينتج عن هذا السحب من آثار قانونية يكون من نتائجه إعدام القرار غير المشروع من تاريخ إصداره .

وتبقى الرقابة القضائية على أعمال الإدارة هي أكثر أنواع الرقابة أهمية وفعالية لارتباطها بمصالح الأفراد وحقوقهم، نظرا لما يتمتع به القضاء من استقلال وضمانات قانونية واتصافه بالحياد والموضوعية وتوليه مهمة تحقيق العدالة بواسطة ما يصدره من أحكام تحوز قوة الشيء المقضي به ([24]).

والتكييف القانوني الذي يقوم به القاضي الإداري للقضايا المعروضة عليه للبث من عدم مشروعية أو مشروعية عمل الإدارة، يأخذ بعين الاعتبار مختلف القواعد القانونية القائمة في الدولة سواء كانت مكتوبة أو عرفية أو ذات طبيعة دستورية أو قانونية أو تنظيمية، وكذا القواعد القانونية الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف الدولة والمنشورة بالجريدة الرسمية . فكل هذه القواعد القانونية جميعها تشكل مصادر المشروعية


المبحث الثالث : مصادر المشروعية:

إن القواعد القانونية التي تعتمد عليها الإدارة وهي تباشر أعمالها وتصرفاتها القانونية والمادية، هي مختلف القواعد القانونية السارية المفعول في الدولة، سواء كانت هذه القواعد مكتوبة أو غير مكتوبة، ويتصدر هذه القواعد الدستور باعتباره يأتي على قمة القوانين في الدولة، ثم القانون الصادر عن المؤسسة التشريعية، ثم اللوائح بمختلف أنواعها الصادرة عن السلطة التنفيذية، فكل هذه المنظومة القانونية هي التي يلجأ إليها القاضي لمراقبة أعمال الإدارة .

المطلب الأول : المصادر المكتوبة:

المصادر المكتوبة للمشروعية هي مجموعة القواعد القانونية الملزمة الصادرة عن السلطات الموكل لها اختصاص إصدار القانون بمعناه الواسع وتتضمن على التوالي: الدستور، المعاهدات الدولية، والقوانين العادية، واللوائح.

  1. الدستور : يعتبر الدستور مصدرا هاما من مصادر المشروعية، فهو يلزم جميع السلطات العامة في الدولة، كما أن للسلطة التشريعية وهي تقوم بعملية الإنتاج التشريعي أن تحتكم إلى مقتضياته وأحكامه وأن لا تتعارض ما تصدره من قوانين ما ينص عليه الدستور.

وقد تكرس سمو القواعد الدستورية عن باقي القواعد القانونية الأخرى بعد أن كان مجلس الدولة الفرنسية يرفض مراقبة مشروعية أعمال الإدارة بالاعتماد على الدستور، على اعتبار أن القانون يحجب الدستور، إلا أنه تم هجر هذه النظرية، وأصبح القاضي الإداري يقوم بمراقبة مدى احترام الإدارة للقواعد الدستورية نظرا للمكانة التي تحتلها في البنية القانونية للدولة.

وقد اعتبرت محكمة القضاء الإدارية المصرية في حكمها الصادر سنة 1956 أن الإجماع اتفق على أن الدولة إذا كان لها دستور مكتوب وجب عليها الالتزام به في تشريعها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات إدارية، ويتعين اعتبار الدستور فيما يشمل عليه من نصوص وفيما ينطوي عليه من مبادئ هو القانون الأعلى الذي يسمو على جميع القوانين، والدولة في ذلك إنما تلتزم أصلا من أصول الحكم الديمقراطي وهو الخضوع لمبدأ سيادة القانون.

والزام الإدارة في أن تأخذ في الاعتبار المبادئ والقواعد القانونية الواردة في الدستور راجع إلى أن مجموعة من الحقوق والحريات العامة والخاصة كحق الرأي وحرية التعبير والمساواة … وحق الملكية الخاصة … وكذا مختلف التنظيمات الإدارية واختصاصات السلطات الوطنية العامة والمحلية كالجماعات الترابية – الجهات العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية – نجدها في صلب الوثيقة الدستورية.

ولابد من الإشارة كذلك أن تقيد الإدارة بالدستور لا يقتصر على المعنى الشكلي للدستور، بل يمتد إلى مختلف القواعد القانونية ذات الطبيعة الدستورية أي الدستور بمعناه الموضوعي، أو ما يسمى بالكتلة الدستورية.

  1. المعاهدات الدولية : تعتبر المعاهدات من الأعمال القانونية الدولية التي تنشأ بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي، التي ترتب حقوقا والتزامات وآثارا قانونية بين الأطراف المتعاهدة .

وقد حددت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 القواعد القانونية المنظمة لكيفية إبرام المعاهدات ونفاذها وآثارها وتطبيقها وتغييرها وانهاءها.

ومتى أبرمت هذه الاتفاقيات بطريقة صحيحة واستنفذت الإجراءات والمراحل القانونية الواردة في معاهدة فيينا، تصبح أحكام هذه الاتفاقية ملزمة للدول الأطراف فيها.

ويطرح التساؤل في هذا الشأن، في حالة ما إذا وقع تعارض بين مقتضيات اتفاقية دولية مع التشريع الوطني، هل يتم الاحتكام في ذلك إلى الاتفاقية الدولية أم إلى التشريع الوطني ؟ وهل القاضي في هذه الحالة يكون ملزما بتطبيق القانون الداخلي فيما يعرض عليه من منازعات أم يحتكم للقواعد القانونية الواردة في الاتفاقية الدولية.

متى استوفت المعاهدة الدولية الشروط والإجراءات الشكلية الواردة في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، تصبح أحكام هذه المعاهدة ملزمة لأطراف المتعاهدة، مع ما يترتب عن ذلك من نتائج قانونية على مستوى التشريعات الوطنية للدول الأطراف فيها، وعلى مدى تقيد القضاء بأحكام المعاهدة الدولية.

وقد حاولت دساتير عدد من الدول معالجة الإشكالات القانونية الناجمة عن آثار المعاهدات الدولية على التشريع الوطني.

فالدستور المصري لسنة 2012 ينص في المادة 145 على أن رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلسي النواب والشورى، وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها وفقا للأوضاع المقررة . ونصت المادة 6 من دستور الولايات المتحدة الأمريكية على أن الدستور وجميع المعاهدات التي أبرمتها أو تبرمها الولايات المتحدة الأمريكية تعد القانون الأعلى للدولة ([25]).

وتنص المادة 136 من الدستور الجزائري لسنة 1996 على أن المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليه في الدستور تسمو على القانون .

أما دستور الجمهورية الفرنسية لسنة 1958 فإن المادة 55 تعتبر أن الاتفاقيات الدولية التي تمت المصادقة عليها أو الموافقة عليها، والمنشورة طبقا للإجراءات القانونية الجاري بها العمل، لها سلطة أعلى من سلطة القوانين الداخلية ولكن شرط تنفيذها من قبل الطرف الآخر، غير أنه طبقا للمادة 54 من الدستور الفرنسي فإنه تمنع المصادقة أو الموافقة على الاتفاقية الدولية إذا صرح المجلس الدستوري مخالفتها للدستور، وهذا يعني أن الاتفاقية الدولية بعد المصادقة عليها لها الأولوية على القانون الداخلي ،ولكنها تبقى أدنى من الدستور أي خاضعة له ([26])

أما بالنسبة للمشرع الدستوري المغربي فقد جاء بعدد من المقتضيات التي تشير إلى سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية، ولكن ضمن ضوابط دستورية وقانونية محددة يغلب عليها الغموض والإبهام تجعل تلك المقتضيات تخضع لأكثر من قراءة وتأويل، فقد تفسر في اتجاه سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية وقد تفسر في اتجاه سمو هذه الأخيرة عليها.

وقد نصت الفقرة ما قبل الأخيرة من ديباجة الدستور على جعل أحكام الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه هذه المصادقة.

كما نصت المادة 19 من الباب الثاني من الدستور والذي خصص للحريات والحقوق الأساسية، على أن يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضيات أخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

ج القوانين العادية : القوانين العادية هي القوانين التي تصدر من طرف السلطة التشريعية ضمن المجال المحدد لها بمقتضى الدستور، وتأتي في المرتبة التالية بعد الدستور من حيث تدرج القواعد القانونية، ولذلك يجب أن تكون مقتضياتها وأحكامها مطابقة للدستور، والا عدت غير مشروعة يعرضها للإلغاء من طرف القضاء الدستوري الذي يتولى مراقبة دستورية القوانين.

ويتولى وضع القانون في النظام الدستوري المغربي البرلمان المكون من مجلسين، مجلس النواب ومجلس المستشارين، ضمن الحدود المرسومة له في الفصل 71 من الدستور وباقي المواد الأخرى . ونجد أغلب مصادر المشروعية الإدارية تصدر من طرف السلطة التشريعية، لأن الدستور يضع الخطوط العامة لمختلف الموضوعات ويحيل في تنظيمها إلى المؤسسة التشريعية، كما هو الشأن مثلا للحريات والحقوق الأساسية الواردة في الباب الثاني من الدستور فهي تنظم بمقتضى قانون، كالإجراءات التي يمكن أن تمس حرية الفرد الواردة في الفصل 23، أو حق الملكية أو حق الإضراب أو التكاليف العمومية أو القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب أو المتعلق بمجلس المستشارين… وغيرها من المجالات التي يحيل فيها الدستور إلى المؤسسة التشريعية لتتولى أمر تنظيمها.

واذا كان المجلس الدستوري هو الذي يتولى مهمة التثبت من دستورية القوانين، فإن القضاء الإداري يتولى مسؤولية مراقبة القرارات والأعمال التي تتخذها الإدارة استنادا إلى القانون، بحيث إذا تصرفت الإدارة على خلاف ما يقضي به القانون وتجاوزت الحدود التي رسمها لها، تكون تصرفاتها قد خرجت عن مقتضيات المشروعية، مما يجعلها معرضة للإلغاء من طرف القضاء الإداري في إطار دعوى الإلغاء، أو تعويض المتضرر منها في إطار دعوى القضاء الشامل أو هما معا.

إضافة إلى أن السلطة التنفيذية ملزمة باحترام القانون في كل ما تصدره من مراسيم في إطار السلطة التنظيمية المخولة لها، لأن هذه المراسيم تعتبر هي كذلك مصدرا للمشروعية.

د اللوائح أو المراسيم التنظيمية : إلى جانب القانون الذي يصدر من طرف السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في المجال التشريعي، فإن السلطة التنفيذية تمتلك بدورها وضع قواعد عامة ومجردة وملزمة بمقتضى المادة 72 من الدستور المغربي الذي تنص “يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون ” وكما تنص الفقرة الأولى من الفصل 90، على أنه يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء.

واللوائح والمراسيم التي تصدر عن السلطة التنفيذية هي المجموعة القواعد القانونية العامة والمجردة التي تصدر عن جهة الإدارة، فهي تتشابه مع التشريع من الناحية الموضوعية، حيث أنها تتضمن مثله قواعد تخاطب الأفراد بصفاتهم ووظائفهم لا بأسمائهم وذاوتهم، إلا أنها تختلف عنه، من الناحية العضوية ، حيث أن هذه اللائحة تصدر عن الإدارة العامة، في حين أن التشريع يصدر عن البرلمان ([27]).

“واللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية قد يقصد بها تنفيذ التشريع العادي أي القوانين الصادرة عن السلطة التنفيذية، وتسمى في هذه الحالة باللوائح التنفيذية، وقد يكون القصد منه تنظيم المصالح والمرافق العامة فيطلق عليها “اللوائح التنظيمية ” وأخيرا قد يقصد منها حفظ الأمن العام والمصلحة العامة والسكينة العامة، فتسمى في هذه الحالة “بلوائح الضبط “([28])

وتعتبر هذه اللوائح أو المراسيم التنظيمية الثلاث جزءا من المنظومة القانونية للدولة ومصدرا من مصادر المشروعية، فتكون الإدارة مقيدة في مختلف تصرفاتها ليس فقط بالنصوص التشريعية الصادرة عن البرلمان ولكن كذلك بالنصوص التنظيمية التي تصدرها ما دامت هذه النصوص تكتسي طابع العمومية والتجريد.

وتكون السلطة التنفيذية عندما تصدر اللوائح والمراسيم التنظيمية مقيدة بالتدرج القانوني القائم في الدولة، سواء التدرج الموضوعي أو العضوي، فلا يجوز للسلطة التنفيذية عند إصدارها للوائح التنفيذية تنفيذا للقوانين أن تضيف جديدا للقانون أو تعدل منه أو تحد من نطاق تطبيقه، وإنما كل ما تملكه هو أن تحدد كيفية تنفيذ القواعد الواردة في القانون ([29])، وأي خروج عن مقتضى النص القانوني المراد تنفيذه يعتبر عملا غير مشروع يعرضه للطعن بالإلغاء.

نفس الشيء بالنسبة للوائح المستقلة واللوائح الضبطية، فرغم أنه لا يرتبط وجودها بوجود قانون قائم، فإن الجهة المختصة بإصدار هذا النوع من القواعد القانونية ذات الطبيعة التنظيمية يجب أن لا تتعارض مع قواعد الدستور وفلسفته وروحه ومع المبادئ العامة للقانون ومع القانون بمعناه الضيق.

وينتج عن ذلك أن اللائحة إذا خالفت القانون أو التشريع العادي، فهي تصبح غير مشروعة ويحكم القاضي بإلغائها، حيث استعان مجلس الدولة الفرنسي في هذا الشأن بالمبادئ العامة للقانون لإلغاء اللوائح المستقلة غير المشروعة المخالفة لهذه المبادئ ([30]).

وتأتي القرارات الإدارية الفردية في مرتبة أقل من القرارات التنظيمية، وبالتالي فإن القرارات الفردية يجب أن تستند على القواعد القانونية التي تتضمنها القرارات التنظيمية أو اللائحة، والا غدت قراراتها غير مشروعة، تعرضها للإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة.

ولابد قبل أن نغلق هذا الباب المتعلق بالمراسيم والقرارات التنظيمية أن نتعرض للطبيعة القانونية للمنشورات التي تصدر عن السلطة التنفيذية ولآثارها القانونية بالنسبة للأفراد.

فالمنشورات والأوامر المصلحية هي عبارة عن الأوامر والتعليمات التي تصدر من رئيس المصلحة إلى مرؤوسيه تفسيرا للقوانين والتشريعات القائمة وكيفية تنفيذها. فهذه الأوامر موجهة أصلا إلى الموظفين وهم ملزمون باحترامها، وإطاعة ما فيها من أوامر على أنها التفسير الصحيح للقوانين واللوائح بناء على واجب طاعة المرؤوس لرئيسه ([31])، إلا أن هذه التعليمات لا ترتب أي أثر بالنسبة للأفراد ولا تتضمن بالنسبة إليهم أي تغيير في الأوضاع القانونية لأن التزاماتهم محددة في القوانين والأنظمة مباشرة كما يفسرها القضاء ([32]).

وقد اعتبر مكسيم أزولاي في تعليقه على قرار المجلس الأعلى رقم 75 مكرر 4 أن نشاط الإدارة قد يتخذ مظاهر مختلفة  وأن مقرراتها ليست دائما من شأنها أن تنشئ آثارا قانونية، وأنه لا يسوغ للمدعي أن يتناول بالطعن عن طريق دعوى الإبطال بسبب الشطط في استعمال السلطة طوائف متنوعة من الأعمال الإدارية كالرسائل التي توجهها الإدارة التي تمثل مجرد تذكير بأحكام القانون أو مجرد تذكير لمقررات سابقة ولتذكر أيضا بالمناشير والتعليمات ذات صبغة داخلية ([33])

وهذه المنشورات والتعليمات لا يمكن أن تحل محل اللائحة ولا أن تقوم مقامها ولا أن تلزم الأفراد، ولا يمكن أن تعتمد كأساس للطعن فيما تصدره الإدارة من قرارات مادامت لا تؤثر في المراكز القانونية للأفراد ولا تضر بمصالحهم

أما إذا كانت هذه المنشورات والأوامر تؤثر في الأوضاع القانونية للأفراد، فإنها تصبح منشورات ذات طبيعة تنظيمية يحق للإدارة أن تعتمدها كأساس لإصدار قرارات إدارية تنفيذا لها، شريطة أن لا تخالف النصوص التشريعية والتنظيمية القائمة، وتخرج بالتالي من دائرة المنشورات العادية التي لا تخضع لرقابة القضاء الإداري، عكس المنشورات ذات الطبيعة التنظيمية التي يقبل القضاء الطعن فيها بالإلغاء وهو ما استقر عليه القضاء الإداري المصري بقوله “إنه إذا استغلت الإدارة سلطتها لتصدر تعليمات متضمنة لأحكام جديدة لا سند لها في التشريع، فإن تلك التعليمات تصبح قرارات إدارية، وبالتالي يجوز طلب إلغاؤها، والقول الفصل في التفرقة بين النوعين يكون للقضاء” ([34])

إلى جانب المصادر المكتوبة للمشروعية التي تتكون من الدستور والمعاهدات والقانون والمراسيم والقرارات التنظيمية، فإن الإدارة تتقيد كذلك بقواعد قانونية غير مكتوبة وبالمبادئ العامة للقانون .


المطلب الثاني : المصادر غير المكتوبة:

إن المنظومة القانونية القائمة في الدولة لا تتكون فقط من القواعد القانونية المكتوبة التي يتم وضعها طبقا للإجراءات والشكليات المحددة لذلك، بل توجد إلى جانب المصادر المكتوبة للمشروعية مصادر غير مكتوبة تعتمد عليها الإدارة لبناء قراراتها الإدارية، ويحتكم إليها القاضي الإداري لإصدار قراراته وأحكامه وهي العرف الإداري والمبادئ العامة للقانون والاجتهاد القضائي.

  1. العرف : العرف الإداري هو ما جرت السلطة الإدارية على اتباعه من قواعد في مباشرة وظيفتها بصدد حالة معينة بالذات دون أن يكون لهذه القواعد سند من النصوص التشريعية ([35]).

ويأتي العرف في إطار تدرج القواعد القانونية بعد الدستور والتشريع العادي والمراسيم أو القرارات التنظيمية، ولاعتماد القاعدة القانونية العرفية كمصدر من مصادر المشروعية لابد أن تتوفر على ركنين الركن المادي والركن المعنوي .

فالركن المادي هو اضطراد السلطة الإدارية في الدولة على إتباع نهج معين في مزاولة نشاط إداري معين، ويشترط في هذا الاضطراد حتى تتولد القاعدة العرفية، أن يكون ثابتا ومستقرا جرى العمل به مدة كافية من الزمن، وأن يكون عاما يتبع في جميع الحالات المماثلة.

والركن المعنوي هو اعتقاد السلطات الإدارية بإلزامية القاعدة العرفية التي تولدت عن هذه الممارسة وبضرورة احترامها”

ويشترط في العرف الإداري حتى يكون صحيحا مشروعا ألا يخالف القانون أو اللوائح أي القواعد التنظيمية الصادرة من الإدارة ([36])، وهو ما أكدت عليه محكمة العدل العليا في الأردن أنه “لا عبرة للعرف الإداري إذا كان مخالفا للنص القانون وأنه لا يجوز أن يحتج بالعرف الإداري لتعارض العرف مع النص الصريح في القانون …([37])

ونفس المنحى ذهبت إليه المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة المصري بأن “اضطراد العمل على مخالفة القانون – بفرض حدوثه – لا يسبغ الشرعية على هذه المخالفة … بل تظل رغم ذلك انحرافا ينبغي تقويمه، كما أن المسلم به أن العرف – وان جاز أن يعدل أو يغير من القواعد القانونية المفسرة أو المكملة لإرادة الطرفين- فإنه لا يجوز أن يخالف نصا آمرا، والنصوص الإدارية جميعها قواعد آمرة لا يستساغ أن ينشأ العرف على خلافها”([38]).

وعلى الرغم من اعتبار العرف الإداري مصدرا من مصادر المشروعية الذي يلجأ إليه القضاء الإداري للفصل في المنازعات التي تعرض عليه، فإن دوره وأهميته في المنظومة القانونية القائمة في الدولة في تراجع وتقلص مستمرين نظرا لمحاولة السلطة التشريعية باستمرار إصدار قوانين تخص تنظيم مختلف مناحي الحياة العامة في الدولة ونقل ما جرت عليه العادة في عمل الإدارة من صنف العرف إلى القاعدة القانونية المكتوبة، كما أن السلطة التنفيذية لما تتوفر عليه من اختصاصات في مجال التشريع، تتولى سد الفراغات القانونية بالسرعة المطلوبة من خلال امتلاكها لحق إصدار المراسيم والقرارات التنظيمية التي تروم تنظيم مختلف نشاطات الإدارة في جزئياتها وتفاصيلها.

  1. المبادئ العامة للقانون : المبادئ العامة كمصدر لمبدأ المشروعية الإدارية، هي مجموعة القواعد غير المكتوبة في نصوص قانونية التي يقررها أو يكتشفها أو يستنبطها القضاء ويعلنها في أحكامه ويفرض على الإدارة احترامها بحيث تعتبر مخالفتها لها مخالفة لمبدأ المشروعية ([39])

ويرجع الفضل إلى إقرار المبادئ العامة للقانون كجزء من المنظومة القانونية للدولة إلى مجلس الدولة الفرنسي الذي اعتمدها كأساس في مجموعة من الأحكام القضائية التي أصدرها، وقد اعتبر مفوض الحكومة le tourneur أنه إلى جانب القوانين المكتوبة توجد مبادئ كبرى يعتبر الاعتراف بها كقواعد قانونية أمرا ضروريا لتكملة صرح التنظيم القانوني الذي تعيش في ظله الأمة، بما لها من تنظيمات سياسية واقتصادية، ومخالفة هذه المبادئ الكبرى لها ذات النتائج التي ترتبها مخالفة القانون المكتوب، أي إلغاء القرار الإداري الصادر على خلافها، والتزام السلطة التي أصدرته بالتعويض عن قرارها الخاطئ ([40]) .

ومن أهم المبادئ العامة للقانون التي تلزم السلطات الإدارية، ويحتكم إليها القضاء الإداري في بناء أحكامه وقراراته، مبدأ المساواة أمام القانون، مبدأ احترام حقوق الدفاع ، مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية، مبدأ تناسب العقوبة التأديبية مع المخالفة في القرارات التأديبية.

المبحث الرابع : القيود التي ترد على مبدأ المشروعية:

إذا كان القضاء الإداري يبسط رقابته على أعمال وتصرفات الإدارة حماية لحقوق الأفراد وصونا لحرياتهم من تعسف وتجاوز السلطات الإدارية، لحمل هذه الأخيرة على احترام مبدأ المشروعية فيما يصدر عنها من أعمال وتصرفات وقرارات . فإن هناك طائفة من الأعمال والقرارات التي تباشرها السلطة التنفيذية تنفلت من رقابة قاضي المشروعية وتحد من سلطته.

ويتعلق الأمر بالأعمال التي تصدر عن الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة، وهو ما يطلق عليها أعمال السيادة . وكذا القرارات التي تتخذها الإدارة لمواجهة الظروف الطارئة والاستثنائية التي تتحرر فيها الإدارة من التقيد بالنصوص التشريعية ويطلق عليها حالة الضرورة والاستثناء. كما أن المشرع يمنح للإدارة مرونة أوسع في مجالات محددة تعطيها إمكانية التحرك والاختيار والمفاضلة بين مجموعة من الحلول التي تقدرها خدمة للمصلحة العامة، ويطلق عليها السلطة التقديرية.

المطلب الأول : أعمال السيادة :

على الرغم من أن القضاء الإداري هو صاحب الولاية العامة للنظر في كافة أنواع المنازعات الإدارية، وتخضع لسلطته القضائية كل ما يصدر عن الإدارة من تصرفات وقرارات إدارية، فإنه مع ذلك يفقد هذه السلطة وينتفي له هذا الاختصاص المطلق عندما يتعلق الأمر بأعمال السيادة .

والحكمة من استبعاد أعمال السيادة من ولاية القضاء هي أنها قد تتصل بسيادة الدولة في الداخل والخارج، ولا تقبل بطبيعتها أن تكون محلا للتقاضي لما يحيط بها من اعتبارات سياسية تبرر تخويل السلطة التنفيذية سلطة تقديرية أوسع مدى وأبعد نطاقا تحقيقا لمصالح الوطن وسلامته، دون تخويل القضاء سلطة التعقيب على ما تتخذه من إجراءات ([41])

وقد عرفت محكمة القضاء الإداري في مصر عمل السيادة بأنه العمل الذي يتصل بالسيادة العليا للدولة والإجراءات التي تتخذها الحكومة بما لها من سلطان الحكم، للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل والخارج ([42])

وقد مرت نظرية أعمال السيادة بتطورات عديدة كان أهمها ما حدث في مجال المعيار المحدد لها، إذ اعتنق مجلس الدولة الفرنسي معيار الباعث السياسي في البداية، ثم معيار طبيعة العمل وذلك بالتفريق بين الأعمال الحكومية للسلطة التنفيذية وأعمالها الإدارية، واستقر في النهاية على معيار القائمة القضائية.

ويقوم معيار الباعث السياسي على أن أعمال السيادة تتمثل في الأعمال التي تصدر على السلطة التنفيذية، ويدفعها إلى إصدارها باعث سياسي، وبالتالي لا يخضع للرقابة القضائية . أما إذا كان الباعث على إصدارها غير سياسي، فإن العمل يعتبر إداريا ويخضع لرقابة القضاء ([43])

أما معيار طبيعة العمل فيقوم على أن أعمال السيادة هي الأعمال التي تصدر على السلطة التنفيذية، في إطار ممارستها للسلطة الحكومية، فهذه الأعمال تخرج من دائرة رقابة القضاء الإداري، عكس الأعمال التي تصدر عن السلطة التنفيذية في ممارستها لوظيفتها الإدارية، فهي تخضع لرقابة قاضي المشروعية.

وأمام الصعوبات التي اعترضت القاضي الإداري عند احتكامه إلى المعيارين السابقين كأساس لتحديد ولايته القضائية، على ما تأتيه السلطة التنفيذية من أعمال وتصرفات، اتجه القضاء الإداري إلى ابتداع معيار القائمة القضائية الذي يحصر طائفة الأعمال السيادية التي يرفض القاضي الإداري النظر فيها، وتتحصن ضد أي طعن قضائي.

ولا تتضمن قائمة أعمال السيادة الآن حسب مجلس الدولة الفرنسي سوى مجموعتين من التدابير، الأعمال المتعلقة بعلاقة الحكومة بالبرلمان، وتلك التي تتصل مباشرة بعلاقة فرنسا بالدول الخارجية والمنظمات الدولية ([44]).

وبالتالي أصبحت كل قرارات السلطة التنفيذية في إطار مشاركتها في الوظيفة التشريعية، وقرارات رئيس الجمهورية المتعلقة بالعلاقة بين السلطات الدستورية، ومجموع القرارات المرتبطة بعلاقة فرنسا الدولية، وكذا الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يرفض القاضي الإداري النظر في كل الأعمال المتعلقة بعقدها وتوقيعها والتصديق عليها وتفسيرها ودخولها حيز التنفيذ ([45]).

ومع ذلك تجد نظرية أعمال السيادة في هذا الصدد قيدا مزدوجا:

ففي المقام الأول يقبل القاضي النظر في التدابير التي يعتقدها قابلة للانفصال عن العلاقات الدبلوماسية أو الاتفاقيات الدولية، أي التدابير التي يمكن أن يقدرها استقلالا عن مصدرها أو مناسبتها الدولية.

هكذا أصبحت بصفة خاصة مراسيم تسليهـا المجرمين منذ 1937 قرارات إدارية قابلة للطعن فيها لتجاوز السلطة، ويراقب القاضي الإداري كذلك منذ 1977 التكييف القانوني للوقائع التي كانت سببا لها. كذلك قرار مجلس الدولة عدم اعتبار طلبات تسليم المجرمين الموجهة من الحكومات الفرنسية إلى حكومة أجنبية من أعمال السيادة .

ومن ناحية أخرى، تعد المعاهدات الدولية منذ 1946 ، وتطبيقا للدستور مصدرا للشرعية الوطنية، ولكون طلب الطاعن إلغاء قرار إداري مخالف لها مقبولا كما لو كان مخالفا للقانون، ويجب أن تكون المعاهدة أو الاتفاقية قد أدخلت فعلا في نطاق القانون الداخلي، بأن يكون قد تم التصديق على هذا القانون ونشره على الوجه السليم، وأن يكون الطرف الآخر الموقع على الاتفاقية قد طبقها ([46]).

إن معيار القائمة القضائية الذي اعتنقه الفقه وأخذ به القضاء الإداري، ترك لهذا الأخير مهمة تحديد وتقدير الأعمال والقرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية التي تعد من أعمال السيادة، وتلك التي تعد أعمالا إدارية، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية العليا في مصر حكمها الصادر بتاريخ 10 دجنبر 1966 : ” أن القضاء الذي ترك له المشرع سلطة تقرير الوصف القانوني للعمل المطروح عليه، وما إذا كان يعد عملا إداريا عاديا يختص بنظره، أو عملا من أعمال السيادة يمتنع عليه النظر فيه، وأن ما يعتبر في بعض الظروف عملا إداريا عاديا، قد يرقى في ظروف أخرى إلى مرتبة أعمال السيادة لارتباطه في ظل الظروف الجديدة بسياسة الدولة العليا أو بأحوالها الاجتماعية والاقتصادية المتطورة “.

المطلب الثاني : السلطة التقديرية:

تكون السلطة التي تتمتع بها الإدارة للقيام بأنشطتها وأعمالها وتصرفاتها، إما سلطة مقيدة وأما سلطة تقديرية.

فالسلطة المقيدة للإدارة تتحقق عندما يرسم المشرع للإدارة المسلك الذي يجب أن تتبعه، والنهج الذي عليها أن تسير فيه، إذا تحققت شروط معينة أو ظروف وحالات حددها القانون، في هذه الحالة تكون الإدارة مجرد آلة تنفيذية لأوامر القاعدة القانونية.

فترقية الموظفين على أساس الأقدمية، وتراخيص البناء، وتراخيص فتح الصيدليات التي تسلهما الإدارة المحلية، وغيرها من الحالات، تكون فيها الإدارة مجبرة على ترقية الموظف إلى الدرجة الأعلى متى تحقق شرط الأقدمية المطلوب قانونا. ومنح رخصة البناء متى توفرت في الطالب الشروط التي يتطلبها القانون، واستوفى جميع الآراء والأذون والتأشيرات المقررة في النصوص التشريعية والتنظيمية.

ومنح رخصة فتح الصيدلية متى توافر ملف طالب الرخصة على كافة الوثائق التي تثبت استيفاءه لكافة الوثائق والإجراءات، وكذا شرط التقيد بالمسافة المحددة بين الصيدلية المطلوب الترخيص لها وأقرب صيدلية.

ففي هذه الحالات تكون السلطة الإدارية مقيدة بما تنص عليه القواعد القانونية، وملزمة بما تتضمنه من أحكام ومقتضيات، وبالتالي تنعدم لها حرية الاختيار.

أما السلطة التقديرية فهي حسب تعبير الفقيه الفرنسي ميشو تتحقق في كل مرة تستطيع فيها السلطة الإدارية أن تعمل بحرية ودون أن يكون هناك مسلكا محددا تفرضه بطريقة مسبقة إحدى القواعد القانونية ([47])

وعرف الدكتور يحيى الجمل أنها تعني منح الإدارة حرية أكثر في الاختيار عند القيام بمهامها وممارسة اختصاصاتها ، وتعني مرونة أكثر في الحركة، وتعني أيضا قدرا محدودا من الرقابة القضائية على بعض عناصر القرار الإداري أو التصرف الإداري ([48])

وذهبت محكمة القضاء الإداري في مصر عند تحديدها لمفهوم السلطة المقيدة والهدف من تقرير السلطة التقديرية للإدارة بقولها : ” أن مبدأ المشروعية يقوم على وجود قواعد تلتزم جهة الإدارة باحترامها ومراعاتها في نشاطها وتصرفاتها، وهذه القواعد تملي على الإدارة قيودا لصالح الناس . ومع ذلك فإن حماية حرية الأفراد والناس ينبغي أن لا ينسينا حاجة الإدارة إلى قسط من الحرية تكفل لها حسن إدارة المرافق العامة . واذا كان من الضروري الحيلولة دون استبداد الإدارة مع الأفراد فلابد أيضا أن تحرر الإدارة من طابع الآلية والجمود وأن نجنبها ما استطعنا طريق روتينها الإداري العقيم، وعلينا أن لا نغل أيدي عمالها ونميت فيهم ملكة الخلق وروح الإبداع والابتكار. وذلك ما دفع القضاء والفكر بل والشارع في فرنسا ومصر وغيرها من الأمم التي بلغت شأنا يذكر في مجالات القانون الإداري ونظمه، إلى الأخذ بضرورة تقرير بعض الامتيازات من شأنها خلق موازنة عادلة بين القيود التي فرضها مبدأ المشروعية على حرية الإدارة حماية لحريات الأفراد من جهة، وبين ضرورة تخليص الإدارة من طابعها الروتيني الآلي ضمانا لحسن سير الإدارة وسلامة تشغيل دواليبها من جهة أخرى، فجاءت المناشدة المنشودة بمنح جهات الإدارة قسطا متفاوتا من الحرية في صورة امتيازات متنوعة، وفي مقدمتها السلطة التقديرية، تحررها من مجرد تنفيذ القوانين ولوائحها مراعاة لحسن مقتضيات العمل وما تتطلبه الحياة الإدارية من ضرورات . فالسلطة التقديرية إذن لازمة لحسن سير الإدارة لزوم السلطة المحدودة لحماية الأفراد وحرياتهم ([49])

إلا أن السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة ليست سلطة مطلقة لا حدود لها، ولا تتعرض تلقائيا كافة الطعون الموجهة ضد القرارات التي تتخذها الإدارة في نطاق سلطتها التقديرية للرفض، بل يظل القضاء الإداري يبسط رقابته على هذه القرارات في نطاق مراقبة الملائمة وليس في نطاق مراقبة المشروعية.

واعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط على أن القرارات الإدارية الصادرة في إطار الاختصاص التقديري للإدارة لا تخضع لرقابة القضاء الإداري، إلا إذا كان الأمر يتعلق بوقائع مادية غير موجودة أو عند وجود غلط في القانون أو انحراف في استعمال السلطة أو خطأ بين في التقدير ([50])

وذهبت المحكمة الإدارية بمكناس أنه إذا كانت الإدارة المعنية تتمتع بسلطة تقديرية لمنح الترخيص في متابعة الدراسة فإن ممارسة هذه السلطة لابد أن تؤسس علي، معطيات واقعية وموضوعية تستهدف الموازنة بين متطلبات المرفق العمومي والحق في متابعة الدراسة الذي يعتبر حقا دستوريا ([51])

وتتمتع الإدارة في مجال تأديب الموظف وترقيته بالاختيار بسلطة تقديرية في توقيع الجزاء من عدمه على الموظف المخل بواجباته الوظيفية، وفي حرية اختيار درجة العقوبة التي توقعها عليه، فإنه مع ذلك واجه القضاء الإداري التعسف البين للإدارة في استعمالها للسلطة التقديرية، وغلوها في العقوبات التي تصدرها في حق الموظفين، حيث اعتبرت في هذا الشأن المحكمة الإدارية بمراكش، أنه ذا كانت الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في اتخاذ العقوبات التأديبية المناسبة في حق الموظف حسب خطورة الأفعال المنسوبة إليه، فإنه تخضع لمراقبة القضاء الإداري في كل غلو أو خطأ في التقدير بين العقوبة المتخذة والمخالفة المرتكبة من طرف الموظف ([52])

وتصدت المحاكم الإدارية لقرارات السلطة الإدارية التي تدخل في نطاق سلطتها التقديرية عندما تتحرف هذه السلطة في استعمال هذا الحق الذي منحه لها المشرع، حيث قضى المجلس الأعلى في أحد قراراته على أنه إذا كانت الإدارة تتوفر فعلا على السلطة التقديرية لنقل موظفيها من مركز إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى مادام هذا النقل يندرج في إطار المصلحة العامة، وحسن تسيير المرفق العام لحسايه، فإن ذلك مقيد بعدم الانحراف في استعمال السلطة ([53])

وأكدت المحكمة الإدارية بمكناس أن السلطة التقديرية للإدارة مقيدة بالضرورة بعدم الانحراف في استعمال السلطة ([54]) وأشارت المحكمة الإدارية بوجدة بدورها أن القاضي الإداري يراقب انحراف الإدارة في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها ([55]).

المطلب الثالث : نظرية الظروف الاستثنائية:

إن نظرية الظروف الاستثنائية تشكل مبدأ آخر يرد على مبدأ المشروعية، ويضعف إلى حد كبير سلطات القاضي الإداري في بسط رقابته على أعمال وقرارات وتصرفات الإدارة في الظروف غير العادية، وذلك أنه في ظل الظروف الاستثنائية تحل محل الشرعية العادية شرعية استثنائية توسع اختصاصات الإدارة ([56]).

فإذا حدثت ظروف قهرية تهدد الدولة كلها أو جزءا منها بالاضطراب وتعرض سلامتها للخطر، فمن المنطقي بل من الضروري أن تتسع سلطات الإدارة عن النطاق القانوني العادي، حتى تستطيع مواجهة هذه الظروف القهرية بما يتناسب معها من الإجراءات غير المادية . ففي مواجهة وإزاء ظروف غير عادية واستثنائية لابد أن تعمل السلطة التنفيذية بوسائل أيضا غير عادية واستثنائية، والا تعرض الأمن والنظام وسلامة المجتمع للخطر والانهيار، فسلامة الدولة فوق القانون، لأن بدون الدولة لا وجود لأي قانون ([57]).

وقد حاول القضاء الإداري الفرنسي تحديد الشروط التي يجب توافرها مجتمعة، حتى تكون أمام حالة الظروف الاستثنائية، وهذه الشروط هي:

  • قيام حالة واقعية غير عادية وغير مألوفة تخرج عن نطاق ما يمكن توقعه، كالخطر الجسيم المفاجئ الذي يهدد النظام العام والأمن، فلا يجوز للإدارة أن تدع بوجود ظرف استثنائي غير مؤكد حدوثه، إذ في مثل هذه الحالة تكون أعمالها المستندة إلى وجود هذا الظرف غير مشروعة.
  • أن يكون تطبيق القانون العادي إزاءها غير متفق ونية المشرع، لأن في تطبيقه تهديد جسيم للأمن وسير المرافق العامة، إذ يكون عمل الضرورة الصادر من الإدارة هو الوسيلة الوحيدة لدفع الخطر.
  • أن يكون العمل لازما حقا فلا يزيد على ما تقضي به الضرورة … بمعنى التزام الإدارة بأن تستخدم من الوسائل والإجراءات ما يتناسب فقط مع القدر اللازم لمواجهة الظرف الاستثنائي … وبالمقابل إذا تمادت الإدارة في استخدام سلطتها بما يزيد عن القدر اللازم لمواجهة الظرف الاستثنائي والتغلب عليه، فإن أعمالها ستكون غير مشروعة في هذه الحالة.
  • أن تكون المصلحة التي ضحى من أجلها بمبدأ المشروعية مصلحة هامة وحيوية ومثلها كالدفاع عن الوطن، وإعادة النظام، واستمرار المرافق العامة على المستوى القومي أو المحلي ([58])
  • وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بتاريخ 10 يناير 1959 بأنه متى كان الأصل أنه لا يجوز للقرار الإداري أن يعطل تنفيذ حكم قضائي، والا كان مخالفا للقانون، إلا أنه إذا كان ما يترتب على تنفيذه فورا إخلالا خطيرا بالصالح العام يتعذر تداركه كحدوث فتنة أو تعطيل سير مرفق عمومي، فيرجح عندئذ الصالح العام على الصالح الفردي الخاص، ولكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها وأن يعوض صاحب الشأن إن كان لذلك وجه ([59]) .

فالإدارة رغم أن المشرع والقضاء مكنها من سلطات واسعة واستثنائية لمواجهة الظروف الاستثنائية، فإنها قد تسأل عن الأضرار التي تصيب الأفراد بسبب الإجراءات والتدابير التي تتخذها خلال تلك الظروف .

فالقضاء الإداري الفرنسي يرى أن أساس مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تصيب الأفراد يكمن في نظرية المخاطر أو تحمل التبعية وضرورة مساواة المواطنين أمام الأعباء العامة، في حين أن مجلس الدولة المصري يرى ضرورة إقامة هذه المسؤولية على أساس الخطأ الذي يسبب ضررا للغير وقيام علاقة سببية بين الخطأ والضرر. وتجدر الإشارة هنا أن مجلس الدولة الفرنسي يفرق في هذا الخصوص بين الخطأ المعتبر في الظروف العادية، والخطأ المعتبر في الظروف الاستثنائية، إذ تقول المحكمة الإدارية العليا بيانا لذلك أنه “يتعين التفرقة في مسؤولية الدولة بين ما يصدر من السلطة العامة من تدابير وتصرفات، وهي تعمل في ظروف عادية، تتاح لها فيها الفرصة كاملة للفحص والتبصر والرولة، وبين ما تضطر إلى اتخاذه من قرارات وإجراءات عاجلة تمليها عليها ظروف طارئة ملحة غير عادية، لا تمهل للتدبر ولا تتحمل التردد كالحرب والفتنة والوباء والكوارث، ففي الحالة الأولى تقوم مسؤوليتها متى وقع ثمة خطأ من جانبها ترتب عليه ضرر للغير وقامت بين الخطأ والضرر رابطة سببية، وتتراوح هذه المسؤولية تبعا لجسامة الخطأ والضرر، أما في الحالة الثانية، فالأمر جد مختلف إذ يوزن الخطأ بميزان مغاير وتقدر المسؤولية على هذا الأساس، فما يعد خطأ في الأوقات العادية قد يكون إجراء مباحا في أحوال الضرورة الاستثنائية، وتتدرج المسؤولية على هذا الأساس، فلا تقوم كاملة إلا إذا ارتكبت الإدارة خطأ استثنائيا جسيما يرقى إلى درجة التعسف المتعمد المصطحب بسوء القصد ([60]).


[1] سليمان الطماوي “النظرية العامة للقرارات الإدارية ” دار الفكر العربي، ط 4، 1976 .

[2] رمضان محمد بطيخ “مبدأ المشروعية وعناصر موازنته ” أشغال الندوة التي نظمتها المنظمة العربية للتنمية الإدارية 2005، الشبكة العنكبوتية.

[3] مليكة الصروخ، القانون الإداري دراسة مقارنة ط 1 – 1992، مطبعة النجاح، ص 372.

[4] د. ثروت بدوي، “النظم السياسية ” دار النهضة العربية، ص 175

[5] محمد صالح أمين : مفهوم الدولة القانونية وسيادة مبدأ المشروعية، جريدة الزمان 13،4، 2007

[6] د. محمد كامل ليلى : الرقابة على أعمال الإدارة – الرقابة القضائية 1985، ص 16 .

[7] أحمد فقي، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات ” دار الشروق ط 1 – 1999 ص21

[8] Barthli et Luez : traite elementaire de droit constitutionnel, 1993, P 192 .193

[9] د. سعيد عبد المنعم الحكيم “الرقابة على أعمال الإدارة في الشريعة الإسلامية والنظم المعاصرة ” دار الفكر العربي ط 1- 1976، ص 15.

[10] د . سعيد عبد المنعم، نفس المرجع ، ص 16 .

[11]   د. سعيد عبد المنعم، مرجع سابق، ص 16

[12] د . رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق، ص 5

[13] عبد الكريم علوان : ” النظم السياسية والقانون الدستوري ” دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ص1 – 2001، ص 255.

[14] د . نزيه رعد : القانون الدستوري العام، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان 2008، ص110

[15] محمد رفعت عبد الوهاب “مبادئ النظم السياسية ” منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2002 ص 199 .

[16] سليمان الطماوي : النظرية العامة للقرارات الإدارية مرجع سابق، ص 13

[17] د. ثروت بدوي، “النظم السياسية ” دار النهضة العربية للنشر 1975، ص 182 .

[18] تنص المادة 50 من الدستور الكويتي على أن : يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور.

ومقدمة الدستور اللبناني : “إن النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”

[19] حسين عثمان “النظم السياسية والقانون الدستوري ” الدار الجامعية 1991، ص 178.

[20] د. عز الدين السقاط : “مسؤولية القضاء في ضمان سيادة القانون وحسن تطبيقه / مجلة القضاء والقانون، عدد 148

[21] محمد ماهر أبو العينين : ضوابط مشروعية القرارات الإدارية وفقا للمنهج القضائي الكتاب دار أبو المجد للطباعة 2007، ص 5 .

[22] محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 18.

[23] سعيد نكاوي : القانون الإداري والقضاء الإداري، دار النشر المعرفة ط 1-2009، ص 157 .

[24] د. عبد الغني بسيوني عبد الله : القضاء الإداري، ص 18 .

[25] فالولايات المتحدة ترفض التوقيع حتى الآن على عدد من الاتفاقيات الدولية، كالاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الطفل . واتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية كيوطو المتعلقة بالبيئة.

[26] حسيني بوديار “الوجيز في القانون الدستوري ” دار العلوم 2003 ص 100 .

[27] حسين عثمان محمد عثمان “أصول القانون الإداري ” منشورات الحلبي الحقوقية 2008، ص 196 .

[28] د. نبيل إبراهيم سعد ود. محمد حسن قاسم : “المدخل إلى القانون ” منشورات الحلبي الحقوقية 2005، ص 251 -151 .

[29] حسن كبيرة : المدخل إلى القانون، منشأة العارف 1993، ص 240 .

[30] محمد رفعت عبد الوهاب ، مرجع سابق، ص 27 .

[31] محمد ماهر أبو العيفين “دعوى الإلغاء وفقا لأحكام وفتاوى مجلس الدولة من بداية القرن 21، الكتاب دار أبو المجد للطباعة والنشر 2002 ص 45.

[32] نواف كنعان . “القضاء الإداري ” دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ط   2002-1، ص20

[33] قرارات المجلس الأعلى الغرفة الإدارية مرجع سابق ص 101 .

[34] حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية في الطعن رقم 16/289 بتاريخ 24-2-1974, مجموعة أحكامها في عشر سنوات .

[35] محمود حافظ ” القضاء الإداري”، ص 36 .

[36] محمد رفعت عبد الوهاب : القضاء الإداري، مرجع سابق، ص 35.

[37] مجلة نقابة المحامين سنة 1982 ص 805 عن نواف كنعان القانون الإداري ص 62 .

[38] حكم المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 1965 .

[39] نواف كنعان، مرجع سابق، ص 30.

[40] C E 1951, Societe des concerts du conservatoires, Droit Social 1951, p 368.

[41] نواف كنعان، مرجع سابق، ص 61 .

[42] د. طعيمة الجرف، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون، دار النهضة العربية، ص 108 .

[43] عبد الغني بسيوني عبد الله، القانون الإداري، الدار الجامعية، بيروت 1993، ص 139 .

[44] أحكام أمر المبادئ في القضاء الإداري الفرنسي، وهو كتاب تم نشره باشتراك مع البعثة الفرنسية للتعاون والأبحاث، قسم الترجمة، 1991، ص 32.

[45] نفس المرجع ص37

[46] أحكام امر البادئ في القضاء الإداري الفرنسي ص 35، 36

[47] Michout: Etude sur le pouvoir discretionnaire, RGDA 1914.

[48] الدكتور يحيى الجمل، القضاء الإداري . 1990، ص 42 .

[49] حكم محكمة القضاء الإداري المصري في القضية 317 بتاريخ 1969/02/25, مجموعة أحكامها في عشر سنوات، ص 1217

[50] حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 530 بتاريخ 1966/06/30، داودة عبد الفتاح ومن معه ضد قيدوم كلية الحقوق بالرباط السويسي . أحمد بوعشيق، الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية . المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية، العدد 16/2004 ص262

[51] حكم المحكمة الإدارية بمكناس . عدد 200116 3غ بتاريخ 1/03/2001. نفس المرجع، ص 268

[52] حكم المحكمة الإدارية بمراكش . عدد 44 بتاريخ 24/04/2006 زينب بنعمار ضد وزير العدل، نفس المرجع، ص 295.

[53] أنظر قرار المجلس الأعلى بتاريخ 18 مارس 1993 في قضية هاشم القصري ضد المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية . عدد 1994/9 .

[54] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، عدد 23، 2000 , 3 غ، بتاريخ 2/03/2000 إدريس العلوي ضد وزير الداخلية، مرجع سابق، ص 49.

[55] حكم المحكمة الإدارية بوجدة، عدد 2000/268 ورداني ميلود ضد رئيس المجلس القروي لجماعة ولاد ستوت، نفس المرجع، ص 71 .

[56] حسين عثمان محمد عثمان، مرجع سابق، س 65.

[57] محمد رفعت عبد الوهاب الكتاب الأول، مرجع سابق، ص 210

[58] نواف كنعان، مرجع سابق، ص 57 .

[59] مجموعة المحكمة الإدارية العليا، السنة الرابعة، حكم 32 ص 532، عن فهد عبد الكريم أبو الغنى : القضاء الإداري بين النظرية والتطبيق، دار الثقافة والنشر والتوزيع 2005، ص 86 .

[60] د. رمضان محمد بطيح، مبدأ المشروعية وعناصر موازنته، مرجع سابق، ص 22.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading