ذ. حكيم التوزاني ([·])

■■جاء الخطاب الملكي ليوم 9 مارس حاملاً بين طيات سطوره مراجعة دستورية عميقة لدستور 13 شتنبر 1996؛ “كاستجابة” لنبضات قلب الأمة المعبَّر عنها من خلال شبابها المتظاهر بمقتضى سلاح وعيه بأهمية المرحلة وحمولاتها التاريخية. هذا التعديل الذي حاول أن يتجاوز المقاربة الدستورانية للحياة السياسية التي طبعت 49 سنة من دسترة الملكية، ورأب الصدع الدستوري الذي نخر صلابة القواعد الضابطة للحراك السياسي لمدة 15 سنة ■■

في ظل الحياة الدستورية التي عاشتها المملكة المغربية على طول نصف قرن من الزمن، كان تعكس مختلف قوانينها الأساسية واقع موازين القوى المتسم بصراع المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية وأيلولته إلى غلبة التصور الملكي للحكم، على أساس أن العرش المغربي ليس بأريكة فارغة، بل ملكية حاضرة في جميع أرجاء الجسم السياسي المغربي.

تعتبر القواعد الدستورية في جوهر معطياتها بمثابة انعكاس منطقي للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع السياسي المزمع دسترة حراكه، وبما أن أوضاع هذا المجتمع لا يبرحه منطق التطور والتغير المستمرين، فإنه قد بات لزاماً على القواعد الدستورية المغربية مواكبة التطورات المختلفة التي ترافق المجتمع السياسي وذلك بإجراء التعديلات الضرورية عليه.

هذه التعديلات هي التي حاول أن يترجم مقتضياتها الخطاب الملكي ليوم 9 مارس المنصرم، كخطوة استباقية للتظاهرة المليونية التي كان يروج لها ليوم 30 مارس، كما حاول بمقتضاه أن يعكس موازين القوى لصالح الملكية بدعم شعبي للإصلاحات المرتقبة على عكس التغير العنفي الذي طال باقي الأنظمة العربية الأخرى. هذه التعديلات التي تمخضت عنها وثيقة دستورية حازت على مصداقية الشعب المغربي بنسبة تفوق 98.5%. إلا أن تمفصلات الوثيقة الدستورية تحمل بين طيات سطورها، إشكالات عميقة؛ تستوجب ضرورة سبر أغوارها، وفك شفرات مقتضياتها، لتحليل بعض معطياتها وإفراز بعض مخرجاتها، والتي تطرح في هذا الصدد، والتي تقتضي دراسة: ما مدى إمكانية رسم الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة لمعالم الانتقال الديمقراطي بمقتضى القطيعة مع الممارسات الأوتوقراطية، وتعويضها بالقواعد الديمقراطية؟؟

ولسبر أغوار مختلف تمفصلات الإشكالات السالفة الذكر، استوجب ضرورة تفكيكها إلى الأسئلة التالية:

  • ما هي العلاقة الجدلية بين الانتقال الديمقراطي والوثيقة الدستورية الجديدة؟
  • ما هي المرتكزات الإصلاحية التي جاءت بها الوثيقة الدستورية؟
  • ما هي الإكراهات التي تقف حائلاً أمام التطلعات الدستورية في مستواها الواقعي؟
  • ما هي ميكانيزمات تفعيل مقتضيات الإصلاحات الدستورية؟

ولفك مداميك مختلف هذه التساؤلات سنحاول تقسيم هذه الدراسة إلى أربع محاور أساسية، بحيث سيتم تحليل أهم بوادر القطع مع الممارسة التقليدانية كبداية لرسم معالم الدولة الديمقراطية في المحور الأول، فيما سيتم تحصيص المحور الثاني لمقتضيات دسترة الديمقراطية في إطار بناء صرح قوي لدستور الانتقال الديمقراطي، على أساس تخصيص المحور الثالث لرصد أهم آليات الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية وفق مدلول الوثيقة الدستورية الجديدة، ومن خلال ما سلف سينبثق المحور الرابع الذي سيحاول رصد أهم الضمانات التي يجب استثمارها في السبر قدماً بالانتقال الديمقراطي نحو التكيف الحداثي المنشود، دون غض النظر عن الإكراهات التي من شأنها إعاقة الإصلاحات الدستورية في أفق التطبيق المستقبلي لها.

المحور الأول

تراجع أطروحة التقليدانية كبداية لرسم معالم الدولة الديمقراطية

بالرغم من ولوج النظام السياسي المغربي للعهد الدستوري، إلا أنه لم يُحدث قطيعة مفصلية مع الموروث السياسي التاريخي والديني الذي ميّز نظام الحكم في مغرب ما قبل دستور 1962، إذ أن استعارة القواعد والمؤسسات العصرية لا يعني بالضرورة القطع مع إيواليات اشتغال النظام السلطاني، كما لا يبشر بميلاد نظام سياسي حديث. وإنما الأمر كان يتعلق إلى حدود سنة 2011 باستمرار الاشتغال بقواعد تقليدية داخل فضاءات حديثة مفرغة من الفكرة المؤسسة لها في أنساق ولادتها (2).

وعلى هذا الأساس اعتمدت الأطروحة التقليدانية لعقود خلت؛ على تأكيد “أولوية الشرعية الدينية واعتبار الملك أميراً للمؤمنين يستمد مهامه لا سلطه أو صلاحياته من الكتاب والسنة، وعدم اعتبار الدسترة إحداثاً لدولة أو قطيعة في النظام القانوني والسياسي للبلاد، والتعريف الملكي للدستور على أنه تجديد للبيعة وللعهد المقدس بين العرش والشعب وأنه مجرد إطار للنظام السياسي ولسير السلط … ووسيلة لخدمة السياسية الملكية يمكن تعديلها كلما دعت الضرورة لذلك لكي لا تتحول لعائق للسياسة الملكية” (3).

ولئن كان حدث الاستخلاف مميزاً للعقد الأول للألفية الثالثة، إلا أنه لم يحدث القطيعة مع الممارسات الفوق الدستورية، إذ تشابهت الإجابات الرسمية المقدمة للإشكالات التي ولجت أجندة النظام السياسي المغربي لما بعد الاستخلاف، هذا التشابه الذي يغترف من التقليدانية كإيديولوجية حاملة لجينات ترنسندنتالية تتجاوز خصوصيات الإشكال المطروح، ومن الفصل 19 كمصوّغ دستوري لحل أي إشكال بغض النظر عن نوعه أو سياق ولادته أو حتى رهاناته.

وعلى هذا الأساس حاول الملك باعتباره أميراً للمؤمنين وممثلاً أسمى للأمة، أن يتجاوز أزمة تدبير الحكومة لبعض الملفات الحرجة ذات الصيت الوطني والدولي في بعض الأحيان؛ إذ تدخل الملك/ الحكم لفض التوترات التي كانت قائمة بين التقدميين والمحافظين فيما يخص تمفصلات مدونة الأسرة، وذلك عن طريق تعيين لجنة ملكية استشارية لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية يوم 27 أبريل 2002. وبتفعيل مقتضيات الفصل 19 تم إحداث هيئات استشارية موازية للعمل الحكومي، قصد التحكم في مختلف القضايا الخلافية بمقتضى لجان استشارية تفتقد لطابعها التقريري نتيجة تبعيتها القانونية والمالية وكذا الإدارية “للملك”؛ من قبيل: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية المكون من لجنة غير حزبية، بحيث لا يمكن تسييس القضية في مستوياتها الدنيا، ولكن، يمكنها في مقابل ذلك أن تعزز شرعية ومشروعية الملك. وفي إطار ضمان حرية التعبير عن الأفكار والآراء أو بالأحرى السيطرة على منبع الدعاية ومصدر المسكّنات المجتمعية، تم إحداث الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري بمقتضى الفصل 19 من الدستور كما هو جلي في بيان الأسباب المدرج في الظهير المحدث لهذه الهيأة (4)….

مختلف هذه المنشأة بغض النظر عن مسمياتها -لجنة ملكية، مجلس استشاري، معهد، مجلس أعلى، هيأة عليا …- بالاطلاع على مهامها نجدها تخترق جميع المجالات؛ من الحقل السياسي إلى المجال الحقوقي، ومن المشاكل الاجتماعية إلى التنمية الاقتصادية … مما يعني بأن جل هذه المنشآت تعتبر في حد ذاتها وسيلة تدخل استراتيجي للمؤسسة الملكية بصيغتين:”

أولاً: كتثبيت قوي ومكثف لسموها على كل المؤسسات الأخرى، وبالتالي احتكارها الاستراتيجي للقرار السياسي.

ثانياً: كتأكيد دائم تستلزمه مقتضيات الحكم، على رعايتها وصونها للتوازنات الكبرى للعلاقة المعقدة بين حقل الدولة وحقل المجتمع، إضافة إلى ضرورة إغناء رصيدها الرمزي من خلال إنعاش دينامية الحياة السياسية المغربية الرتيبة والثقيلة الحركة” (5).

وعلى هذا الأساس تفضي مختلف هذه الهيآت إلى ترسيخ السمو الدستوري والواقعي للمؤسسة الملكية، في مقابل الكشف عن الكساح الحزبي والشلل المؤسساتي في أفق بلورة مبادرات جريئة، مما يوحي بأن المبادرات الملكية ما هي إلى سد للفراغ المؤسساتي في هذا المضمار. وهي مؤسسات مشرعنة للعمل الملكي، كما أنها منشآت حديثة بآليات قديمةً، أو على الأقل مولودات جديدة بألبسة تاريخية. هذا وتشترك مختلف هذه الهيآت في كونها ممنوحة، ذات طابع استشاري، معينة وغير منتخبة، وأن لهذه المنشآت ضمانات ملكية تستمد قوتها من “الممثل الأسمى للأمة”، مما يجعلها تطفو على سطح مختلف المؤسسات الدستورية التي لا ترقى إلى مستوى نفس التمثيلية.

هكذا، انتكست على مر العصور الدستورية للمملكة المغربية، إمكانية النقاش حول الحداثة القانونية للهندسة الدستورية. الشيء الذي يمكن إيعازه لجمود مقتضيات الوثيقة الدستورية الحاملة لجينات الأزمة المتشعبة بالقراءة الشخصانية للسلطة المفضية للتأويل التقليداني لتمفصلات فصولها. مما يدل على كون مختلف القرارات السياسية في المغرب قلما صُنعت، أو ربما لم تُصنع البتة في المؤسسات الدستورية (6).

في ظل هذه الوضعية، تنامى بالموازاة مع الممارسة السياسية دستور ضمني “متوافق” حول بنوده المستصاغة والمُهيمنة على مقتضيات الدستور الصريح. مما جعل المغرب يعيش مجازاً دستورياً: على اعتبار أن الوثيقة الدستورية لا تنقلنا إلى مرحلة تقييد السلطة، كما لا تكفل العمل بمبدأ تجزئة السلطة والمحاسبة على ممارستها، إذ أن النص المكتوب؛ حتى وإن سمي دستوراً، فهو لا يؤسس الحكم على المشروعية الوضعية (7).

وعلى إثر هذه الوضعية الشاذة تنامت المرتكزات الأساسية للدستورانية “Constitutionalisme” باعتبارها ذلك السياج النظري المؤطر للفكر الدستوري، إذ أنها تحيل على تلك الحمولة المعرفية والعقدية المُشكلة للعقل الباطني لفكرة الدستور، فهي إذن الثابت الذي لا يتغير داخلياً وهو العقال الإبيستمي لأي مراجعة دستورية مطروحة للنقاش السياسي (8).

هذا وتعد الدستورانية بمثابة مبدأ أو نظام في الحكم تُقيَّد بموجبه السلطة الحاكمة بقيود دستورية تحدُّ من احتمالات جنوحها إلى الاستبداد وتصون الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات. وقد يُقصَد بالدستورانية أيضاً التمسُّك بالمبادئ الدستورية أو الحكم وفقها (9).

وعلى هذا الأساس انبثقت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة قصد تقييد سلطة الحاكم لفائدة المحكومين، ومن هذا المنطلق تم نسف طيف الفصل 19 الذي خيّم على المخيال السياسي المغربي وأفرغ المنافسة السياسية من محتواها وأجهز على مرتكزات مبدأ فصل السلط لعقود خلت. إذ تم إصباغ محتوى هذا الفصل بالطابع الحقوقي؛ من خلال احتلاله صدارة الباب الثاني المندرج تحت عنوان “الحريات والحقوق الأساسية”، ليطفو بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في مختلف الميادين الحقوقية بمختلف تجلياتها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، سواء المنصوص عليها صراحة في الوثيقة الدستورية أو في القوانين العادية أو في المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المغرب، ولضمان هذه المساواة تم إحداث هيأة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز (10).

وبذل ذلك تم تقسيم ما كان يعرف بالفصل 19 إلى فصلين أساسيين، الفصل 41 والفصل 42. بحيث يلخص الأول منهما المسئوليات الدينية للملك باعتباره أميراً للمؤمنين وحامي الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشئون الدينية. مع رئاسته للمجلس العلمي الأعلى الذي يحتكر عملية الإفتاء. ومن خلال مقتضيات هذا الفصل يتبين جليا كون الملك قد تنازل عن تمثيليته السامية للأمة للبرلمان الذي يستمد نيابته من الأمة. هذه الأخيرة التي تمارس سيادتها مباشرة عن طريق الاستفتاء، أو بصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم (11).

الشيء الذي يوحي بكون الملك لم يعد ممثلاً أسمى للأمة وإنما لمؤسسات الدولة باعتباره رئيساً لها (12)، في حين تنحصر التمثيلية الأسمى للأمة للبرلمان، بعدما كان يستأثر بها الملك منذ التعديل الدستوري لسنة 1970؛ والتي تم إضافتها آنذاك كآلية مصوّغة للمشروعية الديمقراطية للمؤسسة الملكية، في مقابل إضعاف تمثيلية الأحزاب السياسية للمواطنين من خلال إشراك المنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية في نفس التمثيلية (13).

هذا، وقد أصبح الملك بمقتضى الفصل 42 رئيساً للدولة والممثل الأسمى لمؤسساتها، ورمز وحدة الأمة وضمان دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، كما يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية. والضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حقوقها الحقة.

الشيء الذي يخوّل لنا إمكانية استنباط مسئوليات الملك باعتباره رئيساً للدولة -مسئوليات وليست امتيازات- وتثار هذه المسئولية إذا ما تم المساس بوحدة الأمة والتلاعب بمؤسسات الدولة، أو اختراق البنود الدستورية، ونسف مبادئ الخيار الديمقراطي واضطهاد حقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، أو الإخلال بالتعهدات الدولية للمملكة. كما ينيط هذا الفصل بالملك مسئولية ضمان استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حقوقها الحقة. مما يعني التراكم التاريخي للمؤسسة الملكية إذا ما تم المس بالوحدة الترابية المغربية في حدودها الحقة -التي لا يعلم حقيقة حدودها إلا من يسبر أغوار الغموض المفاهيمي لمصطلح “الحقة”- (14)،

وبالرغم من مختلف إيجابيات الوثيقة الدستورية الجديدة، يبقى السؤال مطروحاً حول: ما مدى إمكانية بناء وترسيخ دستور الانتقال الديمقراطي وفوق الوثيقة الدستورية الجديدة؟؟

المحور الثاني

الوثيقة الدستورية الجديدة: دسترة الديمقراطية أم دمقرطة الدستور

تحيل معادلة الدستور/ الانتقال الديمقراطي إلى طبيعة العلاقة بين الإطار الدستوري وفضاء سياسي يقوم على فكرة المرور من نظام سياسي إلى آخر -بحيث تتوقف بمقتضاه القواعد الأوتوقراطية عن الاشتغال واستبدالها بأخرى متفاوض بشأنها بين مجموعة من الفاعلين، بحيث ترسم ملامح قواعد وإجراءات التنظيم السياسي الجديد، علاقة تنطلق من معرفة مدى قدرة السقف الدستوري على تأطير لحظة سياسية غير عادية حاملة لأزمة التنظيم السياسي القديم المنعوت بالانغلاق ومدى استشراف المكنات الدستورية لتدعيم البناء السياسي الجديد المتسم بالانفتاح (15).

وبالموازاة مع ذلك لم يعد الدستور في قلب التعريف الإجرائي والمسطري للديمقراطية، بل أيضاً واجهة مؤسساتية لمسلسل الدمقرطة من خلال علاقة القوة التي تحكم عملية الانتقال الدستوري وطبيعة الأجوبة والهندسة المؤسساتية التي يقدمها في مرحلتي الانتقال والتدعيم الديمقراطيين. من هنا يمكننا الجزم بكون الانتقال الديمقراطي والدستور ليسا زمنين سياسيين متميزين لمسلسلين متباينين. بل إن الوثيقة الدستورية داخل مسلسلات الانتقال الديمقراطي تُطرح كآلية للخروج من البنيات السياسية لنظام ما قبل الانتقال، وتسمح بمتابعة دينامية وإكراهات الدمقرطة وميلاد مؤسسات جديدة تروم المصالحة مع فكرة القانون والحقوق (16).

وتأسيساً على ذلك جاءت المراجعة المؤسسة لدستور مغرب العهد الجديد؛ محاولة بمقتضى فصولها القطع مع التدابير الفوقية لصياغة الوثيقة الدستورية بمنطق المنحة، ومن أجل دمقرطة الوثيقة الدستورية المتبناة مغربياً، تم إصباغها بميزة ثلاثية الأبعاد؛ الأولى متمثلة في منهجية الإعداد ذات المقاربة التشاركية: وفي إطار ترجمته لهذه الإصلاحات على أرض الواقع، عيّن العاهل الملكي لجنة استشارية لصياغة مشروع الدستور المعدل في أفق ثلاثة أشهر. على أساس حثّ مختلف مكونات اللجنة إلى الإصغاء والتشاور مع المنظمات الحزبية والنقابية، وكذا الفعاليات الشبابية، والجمعوية والفكرية والعلمية المؤهلة، قصد بلورة تصوراتها العامة للورش الدستوري الجديد.

وإذا كان خطاب 9 مارس يعدّ بمثابة إطار مرجعي لعمل اللجنة. بيد أن ذلك لا يعفيها من الاجتهاد الخلاق، لاقتراح منظومة دستورية متقدمة لمغرب الحاضر والمستقبل.

وعلى ضوء إناطة الفقه الدستوري عملية تعديل الوثيقة الدستورية إلى الجمعية التأسيسية المشتقة والتي تكون محددة في الغالب بمقتضى بنود نفس الدستور المراد تعديله. فقد حدد الدستور المغربي لسنة 1996 الجهة المخوّلة لها إمكانية تحريك مسطرة المراجعة إلى الملك ولمجلس النواب وكذا مجلس المستشارين، على أساس أن تعرض مشاريع ومقترحات المراجعة الدستورية بمقتضى ظهير على الشعب قصد الاستفتاء، هذا الأخير الذي سيكون بمثابة الفاصل بين إقرار المراجعة أو رفضها (17).

هذه المبادرة التي سيترجم مقتضياتها التعديلية اللجنة المعينة -والتي تتكون من رئيس وثمانية عشرة عضواً أغلبهم ذات خلفية قانونية ودراية دستورية “بعيداً” عن العمل السياسي أو بالأحرى عن التحزب السياسي- من طرف الملك على أساس تخويلها مقتضيات السلطة التأسيسية الفرعية (pouvoir constiuant dérivé).

إلا أن عملية المراجعة هاته تبقى مستندة بالضرورة على المرتكزات السبع السابق تحديدها في الخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011، إذ أن هناك حظراً موضوعياً يستعصي على عملية المراجعة والتعديل والذي يتمثل في كل من النظام الملكي والدين الإسلامي، هذا بالإضافة إلى ما ذكره الخطاب الملكي من إمارة للمؤمنين، والوحدة الترابية وكذا الخيار الديمقراطي (18).

ولعل من بين ما يؤاخذ على لجنة التعديل المقترحة هو أنها هيئة معينة غير منتخبة، وتقنية غير سياسية، بل وأن تركيبة اللجنة تنتمي إلى الرعيل الأول من الموجهة الدستورية التقليدانية التي صبغت فترة السبعينيات والثمانينات مما ينم على أن سقف تفكير اللجنة سيكون لا محالة دون مستوى الطموحات الإصلاحية الملكية، إذ كان الخوف من أن تفرز هذه اللجنة وثيقة دستورية محكمة الصياغة إلا أنها غير مستجيبة للمتطلبات الشعبية والسياسية على حد سواء. إلا أن هذا الطرح أصبح متجاوزاً، إذ أن اللجنة أوكلت رئاستها إلى السيد عبد اللطيف المنوني المعروف بدراسته الشهيرة المعنونة بـ “Le recours à l’article 19, une nouvelle lecture de la constitution” بدلاً من فقيه القانون الدستوري وأب أطروحة “التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي” الأستاذ محمد معتصم، بالإضافة إلى تطعيم اللجنة بالمنظور النسائي، والحضور اليساري لفقهاء دستوريين أغلبهم مغاربة ذو تطلعات إصلاحية تعكسها دراساتهم النظرية وممارساتهم السياسية. كما تطلب من اللجنة ضرورة التشاور والتحاور مع مختلف الفعاليات السياسية المغربية سواء الحزبية منها أو الجمعوية، كما أن تقنية اللجنة سيتفادى أي مزايدات سياسوية على الوثيقة الدستورية.

كما أن عملية التعيين التي تعكس المبادرة الملكية في التعديل الدستوري كما هو منصوص عليه في الفصل الثالث بعد المائة. تبقى ضرورية كاستجابة لضغط المرحلة ومدة إنجاز المشروع التعديلي الذي لا يتجاوز ثلاثة أشهر، كما أن مفهوم التعيين قد تم ضحده من خلال عمليات التشاور التي طالت مختلف الفعاليات السياسية، النقابية، الشبابية والجمعوية المغربية، إذ توصلت هذه اللجنة بـ 185 مذكرة؛ منها 33 مذكرة للأحزاب السياسية و5 مذكرات لمنظمات نقابية، ناهيك عن مراسلات حركة 20 فبراير. امتزجت مختلف هذه المذكرات بالمشاورات والنقاشات السرية بين لجنة الصياغة وباقي مكونات الطيف السياسي المغربي -تحت مراقبة لجنة المتابعة للمستشار الملكي “محمد معتصم”- مع استحضار خبرة وحنكة أعضاء اللجنة، لتخرج لنا وثيقة دستورية متوافق حول مقتضياتها.

أما البعد الثاني فيتجلى في الهندسة الشكلية للوثيقة الدستورية المتميزة بإعادة هيكلة بنودها وتوسيع رقعة فصولها … إذ أن الهندسة الدستورية الجيّدة تسترعي ضرورة اعتماد لغة قانونية دقيقة تستنبط من روح صياغتها الصراحة والوضوح؛ دون ركوب منطق العموميات التي من شأنها أن تثير إشكالات عميقة على مستوى التأويل الدستوري، مما قد يؤدي إلى نشوء اختلافات وخلافات تفضي دون شك إلى تنازع الاختصاصات بين مختلف المؤسسات الدستورية على مستوى الممارسة، مما قد يسهم في اختلال موازين القوى لصالح المؤول الدستوري، الشيء الذي سيفسح بمقتضاه لطغيان الدستور الضمني الذي يتأسس على معطى “شخصنة السلطة” على حساب المأسسة المستندة في سريانها على سيادة القانون في دولة الحق والقانون (19).

وأما من حيث المضمون البعد الثالث، فهو يؤسس لنموذج دستوري مغربي متميز، قائم على دعامتين متكاملتين:

وتتمثل الدعامة الأولى، في التشبث بالثوابت الراسخة للأمة المغربة، والتي تلخص في جوهر معطياتها ما يعرف بالحظر الموضوعي في صلب الوثيقة الدستورية والتي تبقى محصّنة من أي تعديل دستوري مرتقب؛ والمتمثلة أساساً في كل: من الدين الإسلامي للدولة، النظام الملكي، الاختيار الديمقراطي للأمة وكذا المكتسبات الحقوقية المتضمنة في الوثيقة الدستورية (20) -دون إغفال ثابت الوحدة الترابية في حدودها الحقة- (21).

وأما الدعامة الثانية، فتتجلى في تكريس مقومات وآليات الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، في أسسه القائمة على مبادئ سيادة الأمة، وسمو الدستور، كمصدر لجميع السلطات، وربط المسئولية بالمحاسبة، وذلك في إطار نسق دستوري فعال ومعقلن، جوهره فصل السلط، واستقلالها وتوازنها، وغايته المثلى حرية وكرامة المواطن (22).

فمن خلال هذه الوثيقة الدستورية وبمقتضى المنهجية المتبعة في صياغتها والدعائم المرصودة لعملها. يمكننا الجزم بكونها تؤسس لما أصبح يعرف “بالقانون الدستوري للانتقال الديمقراطي” (23)، والذي يتميز بثلاث خصوصيات أساسية. تتمثل الأولى في كون الوثيقة الدستورية تعبر عن توافق موسع بين أطراف التسوية الدستورية، في حين تلخص الخاصية الثانية في تجاوز الوثيقة الدستورية لمرجعية “فصل السلط” نحو دستور “صك الحقوق”، أما الخاصية الثالثة فتُجمل في الإيمان” “بقضائية سياسية” من خلال دسترة آلية القضاء الدستوري الموكول له وظيفة السهر على احترام القواعد الدستورية وحماية مؤسسات التوافق التأسيسي” (24).

إذ أن الوثيقة الدستورية المفرزة ليست إلا نتاج لتوافق موسّع بين أطراف التسوية الدستورية. بحيث تجاوزت تجارب الانتقال الديمقراطي ما يقدّمه الفقه الدستوري الكلاسيكي من آليات لوضع الدستور الديمقراطي والمتمثلة في طريقتي الجمعية التأسيسية وتقنية الاستفتاء، إذ أن التصور الذي حكم دساتير الانتقال، يروم إلى “مأسسة سلوك التسامح وفعل الحوار، عبر الإيمان بالمحددات الثلاثية للحداثة القانونية المرتبطة بعقلانية المبادئ والمساطر الدستورية وحضور تصور صريح أو ضمني لفكرة التعاقد والإيمان بمفهوم السيادة الشعبية (25)، لنكون أمام رؤية تسامحية للوثيقة الدستورية كنتيجة لتداول الأطراف حول آلياتها” (26).

هذا التعاقد التوافقي هو الذي أفرز لنا وثيقة دستورية تتميز بإدماج القانون الدولي في بنيتها الهندية بالموازاة مع القانون الوطني، وخلق آليات تقليص الهوة بين المتطلبات المركزية والمطالب الجهوية بدسترة مقتضيات الجهوية المتقدمة في أول فصل يتصدر الوثيقة مع تفصيل مقتضياتها في الباب التاسع. والبحث في إمكانية المزاوجة بين دستور صك الحقوق ودستور فصل السلط، وبين دستور الموازنة بين الحرية والمسئولية.

وإذا ما تم التسليم بكون الوثيقة الدستورية الجديدة للمملكة المغربية تؤسس لدستور الانتقال الديمقراطي، فإن المنطق يقتضي ضرورة التساؤل عن أهم إيواليات الدمقرطة؟

المحور الثالث

دائرة الانتقال المتبادل بين دستور صك الحقوق ودستور فصل السلط

حاولت الوثيقة الدستورية الجديدة ترسيخ الحقوق والحريات في صلب فصولها، لإعادة الاعتبار للفرد داخل المنظومة السياسية الرسمية بمختلف تجلياتها. هذه المنظومة التي جنّدت لها هيئات دستورية قابلة للسهر على حمايتها، من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يتولى -باعتباره مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة- “النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق المواطنات والمواطنين، أفراداً وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال” (27). وفي إطار الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات القائمة بين الإدارة والمرتفقين؛ تم رصد دسترة مؤسسة الوسيط للقيام بهذا العمل، ترسيخاً لسيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، والسهر على الرفع من قيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومختلف الهيآت التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية (28). وفي نفس الإطار تم رصد الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز ترسيخاً للمساواة بين المرأة والرجل في مختلف الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية (29). أما فيما يخص حقوق الجالية المغربية في الخارج فقد تمت صيانتها بمقتضى المهام الموكولة لمجلس الجالية المغربية بالخارج (30).

مختلف تمفصلات المنظومة الحقوقية السالفة الذكر عزّزت دون شك دستور الانتقال الديمقراطي بالتأسيس لمبدأ الفصل بين السلط (31). هذا الفصل الذي احتل حيزاً كبيراً من مساحة التنظير الدستوري كوسيلة تقنية للحد من السلطة بغية الحيلولة دون طغيانها واستبدادها؛ حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم العامة (32). إلا أن الممارسة السياسية العالمية خرقت مقتضيات هذا المبدأ، إذ أن الواقع السياسي للنظام البريطاني يعكس حقيقة خرق جوهر مبدأ الفصل بين السلط، بحيث أن الحكومة -بمعية وزيرها الأول- أصبحت هي القوة المسيطرة على الحياة السياسية، والمحركة للبرلمان بارتكازها على دعم الأغلبية الحزبية التي تنتمي إليها في مجلس العموم. هذا الأخير الذي لم يعد إلا مجرد مجلس لإقرار مشاريع القوانين المقدمة من طرف الحكومة والمصادقة على مقتضياتها. لتصبح الحكومة بذلك هي الهيئة المجسدة واقعياً للسلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء (33). أما فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية المبنية أصلاً على الفصل الجامد للسلط، فقد تعاظم فيها رئيس الجمهورية ليمثل بذلك مركز الثقل الرئيسي في النظام القائم، إذ أصبح يخطط ويرسم سياسة البلاد بحرية شبه تامة، كما يعتمد على أصدقائه وأعضاء حزبه في الكونغرس لتمرير مختلف مشاريع القوانين التي يوحي بها والاعتمادات المالية التي يطالب بها. وبنفس الكيفية طمست التعديلات الدستورية لمطلع العقد الأول من الألفية الثالثة النظام الشبه الرئاسي لفرنسا وتعويضها بالنظام الرئاسي …

في ظل هذا الشرخ القائم بين مبدأ الفصل بين السلطة والممارسة التطبيقية له، أعادت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة الاعتبار لهذا المبدأ من خلال التنصيص عليه في مقتضيات الفصل الأول من الوثيقة ذاتها، اعترافاً له بالأهمية التي أصبح يكتسيها في الهندسة الدستورية الجديدة. هذا الفصل الذي يكتسي طابعاً مرناً لمواءمته مع النظام البرلماني الذي ارتضاه المغرب لنفسه (34).

وتأسيساً على ذلك، فإن “النظام البرلماني” المغربي ينبني على الفصل المرن للسلط المحتكم إلى آليتي التوازن والتعاون بين السلط. إذ تتجلى الآلية الأولى في مساهمة البرمان في الوظيفة التنفيذية، من خلال انبثاق رئيس الحكومة وأغلبية أعضاء الحكومة من الأغلبية البرلمانية، كما أن الحكومة لا تنصب إلى بعد حصول برنامجها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم (35). هذا في إطار التعاون دائماً يمكن للبرلمان أن يفوّض عملية التشريع في مجال القانون للحكومة (36)، كما يعمل البرلمان على الموافقة على قانون المالية الذي يعطي للحكومة الضوء الأخضر في تنفيذ مقتضيات برنامجها الذي انتخبت من أجل تنفيذه (37)، وذلك في إطار التعاون على الحفاظ على توازن مالية الدولة (38)؛ من خلال مناقشة وتقييم السياسيات العمومية للحكومة بشكل سنوي، كما تعرض الحكومة بشكل سنوي قانون التصفية المتعلق بتنفيذ المالية والذي يتضمن قانون تصفية ميزانيات التجهيز التي انتهت مدة نفاذها (39).

وفي نفس الآلية التعاونية تساهم الحكومة في عملية التشريع من خلال التقدم بمشاريع قوانين (Projcts de Lois) إلى البرلمان فيما يخص مقتضيات المجال التنظيمي (40). كما يمكن للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل مقترح أو تعديل لا يدخل في مجال القانون (41)، وفي نفس الإطار دائماً تعمل الحكومة على حسن تنفيذ برنامجها المؤيد من طرف أغلبية أعضاء ممثلي الأمة.

أما فيما يخص آلية التوازن فتنقسم إلى توازن شكلي وآخر جوهري. فعلى المستوى الشكل يتجلى التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ثنائية تركيبتهما؛ إذ أن السلطة التنفيذية تدار برأسين: الأول يمثله رئيس الدولة/ الملك وهو غير منتخب (42) وغير مسئول قانونياً، والرأس الثاني تمثله الحكومة التي تكون مسئولة عن تنفيذ برنامجها أمم البرلمان. وفي مقابل الثنائية التنفيذية، نجد ثنائية على مستوى السلطة التشريعية، إذ أن هناك مجلساً للنواب ينتخب بالاقتراع العام المباشر من طرف الشعب المغربي (43)، ومجلس المستشارين الذي ينتخب بالاقتراع العام الغير المباشر على أساس التوزيع المدرج في صلب الفصل 63 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

وفي نفس الآلية وبالموازاة مع التوازن الشكلي، نجد التوازن على مستوى وسائل الضغط المتبادلة، بحيث يمكن للبرلمان أن يؤثر على الحكومة ويراقبها ويقيّم سياسياتها العمومية (44) من خلال: نزعة الثقة عنها أثناء تشكيل الحكومة ووضع برنامجها (45)، أو أثناء ممارسة الحكومة لمهامها وربطها لتصريح لها في السياسة العامة أو نص ما؛ بمنح الثقة من طرف مجلس النواب (46). هذا ويمكن لمجلس النواب أن يستعمل تقنية ملتمس الرقابة معبّراً بمقتضاها عن معارضته لمواصلة الحكومة لتحمل مسئولياتها (47). بالإضافة إلى هاتين الوسيلتين يلجأ البرلمان إلى مراقبة الحكومة والتأثير عليها من خلال الاستفهام والأسئلة (48) وتشكيل لجان تقصي الحقائق (49).

وفي مقابل التأثير الذي يمارسه البرلمان على الحكومة من منطق مسئوليتها أمامه. تتوفر الحكومة بدورها في النظام النيابي على سلاح ناجع للضغط على الجهاز التشريعي (50)، ويتعلق الأمر بحل البرلمان بعد استشارة كل من الملك ورئيس مجلس النواب ورئيس المحكمة الدستورية، على أساس تقديم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحاً يتضمن بصفة خاصة (51)، دوافع قرار الحل وأهدافه. ليتم انتخاب البرلمان الجديد أو المجلس الجديد في ظرف شهرين على الأكثر بعد تاريخ الحل (52).

وبمقتضى الدستور التوافقي المبني على المرتكزات السالفة الذكر وآليات دعامته، يمكننا رصد ما يعرف بالدستور البرنامجي (53)، الذي يروم تحقيق دولة الحق والقانون، المشرئبة إلى الرفاه الاقتصادي والاجتماعي (54)، والتنمية البشرية المستدامة والديمقراطية التشاركية، الشيء الذي اقتضى ضرورة تسخير هيآت دستورية مكلفة بهذه التنمية؛ والمتمثلة أساساً في كل من: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي في إطار دولة المواطنة.

وبالرغم من مختلف المكتسبات، إلا أن “المرور من نظام سياسي لآخر يبقى غير كافي لضمان التنمية الديمقراطية، في غياب القضاء الدستوري كآلية قادرة على ضمان إتمام مسلسل الدمقرطة، فالقضاء الدستوري يرصد حركة/ تطور/ دينامية مسلسل الانتقال عبر قراراته التي من خلالها يضبط عملية التحول عبر تحديد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين حدود السلطة وحقوق الأقليات البرلمانية” (55). ونتيجة هذه الأهمية أعادت لجنة صياغي الوثيقة الدستورية المغربية النظر في تركيبة المجلس الدستوري الذي أصبح يحمل اسم المحكمة الدستورية (56).

إذ على عكس دستور 1996 الذي لم يذكر شروط التعيين في المجلس الدستوري. جاءت الوثيقة الدستورية في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة بتركيبة بشرية مكونة للمحكمة الدستورية؛ عددها محصور في إثني عشر عضواً؛ ستة منهم يعينهم الملك من بينهم عضو مقترح من طرف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وثلاثة أعضاء منتخبين من طرف مجلس النواب، والثلاثة المتبقيين ينتخبون من قبل مجلس المستشارين. بحيث أن الرئيس يعين من طرف الملك من مجموع العدد الذي تتألف منه المحكمة الدستورية -على عكس الفصل 78 من دستور 1996 الذي يعين فيه الملك رئيس المجلس الدستوري من بين الستة الأعضاء الذين سبق أن عينهم-، إلا أن الوثيقة الدستورية حددت بعض الشروط التي يجب أن يتوفر عليها أعضاء المحكمة الدستورية، بحيث يجب أن يكونوا من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في المجال القانوني، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق 15 سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة (57).

ومن خلال هذه الشروط يمكن للمغرب أن يؤسس لمفهوم القضاء الدستوري، هذا الأخير الذي أدمج كمؤسسة من طرف الجغرافية الدستورية الجديدة في دساتير الانتقال الديمقراطي، قصد الانتقال من الديمقراطية بواسطة القانون إلى الديمقراطية بواسطة الدستور؛ بتحويل القضاء الدستوري إلى وجه رمزي للديمقراطيات الدستورية، موكولة له وظيفة ليس تعريف العلاقات بين المؤسسات ولكن، تحديد العلاقات بين المواطن والدولة، من خلال إرساء علاقة جديدة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني؛ عمادها فرض حقوق المحكومين على الدولة (58).

ومن خلال ما سلف يمكننا الجزم بأنه بعدما تم إقرار نتائج الاستفتاء من قبل المجلس الدستوري، قد اكتمل دون شك الرباعي المكون للهندسة الدستورية الجديدة في صياغة وإقرار الوثيقة الدستورية الجديدة للمغرب، هذا الرباعي الذي يلخص لنا: التقني/ اللجنة الاستشارية لصياغة الوثيقة الدستورية، السياسي/ الأحزاب السياسية، الحقوقي/ جمعيات المجتمع المدني والقانوني/ المجلس الدستوري.

إلا أن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو: هل يمكن لوثيقة دستورية مصبوغة بالطابع الديمقراطي أن تلد لنا واقعاً سياسي ديمقراطياً؟؟

المحور الرابع

الانتقال الديمقراطي بين الضمانات
الدستورية والإكراهات الواقعية

  • ضمانات دستور الانتقال الديمقراطي

تؤسس عملية الانتقال الديمقراطي لفترة انتقالية تمتد بين مرحلة تفويض دعائم نظام سياسي سابق وتأسيس نظام سياسي لاحق، ما يستوجب معه ضرورة توفير ضمانات عدم العودة للممارسات اللاديمقراطية. مما جعل الوثيقة الدستورية ترتكن إلى فلسفة قانونية تنبني على مجموعة من القيم السياسية التي جاءت من أجل تنظيم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين استناداً إلى نظرية المأسسة (l’institutionnalisation)، وذلك بالانتقال من شخصنة السلطة إلى دولة المؤسسات التي ترتكز أساساً على سيادة القانون وفصل السلط.

إذ حاولت الوثيقة الدستورية أن تكفل بعض الضمانات التي من شأنها أن تقطع مع الممارسات الماضوية. وذلك من خلال الجمع بين دفتيها كل من دستور صك الحقوق ودستور فصل السلط، والمزاوجة بين الحرية والمسئولية وفق المقتضيات الدستورية. لترصد بذلك ضمانات قانونية وأخرى حقوقية، وثالثة مؤسساتية ورابعة زمنية- الإسراع بسن القوانين التنظيمية قبل انتهاء آخر ولاية تشريعية للبرلمان الجديد، أي قبل انصرام السنوات الخمس المقبلة.

وبمقتضى هذه الضمانات تم القطع مع إيواليات التهميش والإقصاء للمكون الثقافي المغربي، إذ تم إنصاف الثقافة الأمازيغية بترسيم لغتها إلى جانب اللغة العربية وكفالة معهد يقوم بالرقي من حالها (59)، وذلك في ظل الفسيفساء الثقافية المكونة للشخصية المغربية.

وفي إطار الضمانات دائماً تم رصد سيادة القانون واعتباره بمثابة أسمى تعبير عن إرادة الأمة، مع العمل على ضرورة احترام دستورية القوانين (la Constitutionnalité des Lois)، وتراتبيتها (60): بمقتضى مراقبة هذه الدستورية من طرف المحكمة الدستورية (61) حماية للحقوق والحريات من تعسف المشرع العادي، ومراقبة شرعية الانتخابات والاستفتاءات والحرص على احترام توزيع الاختصاصات بين السلطات العامة.

وفي إطار تخليق الحياة العامة وعقلنة الممارسة السياسية تم تكريس الدور الفعال للأحزاب السياسية في تدعيم مرتكزات المواطنة (62)، ومن أجل موازنة العمل الحكومي تم دسترة حق المعارضة في النهوض بمهامها النيابية والسياسية؛ من خلال ضمان حرية الرأي والتعبير لمخلف مكوناتها، ورصد حيز زمني معقول من مساحة الإعلام العمومي لها، وإمكانية استفادتها من التمويل العمومي. الشيء الذي يخوّل لها إمكانية المساهمة الفعلية في عملية التشريع القانوني ومراقبة العمل الحكومي “بمختلف” الآليات المتاحة للبرلمان، بل والعمل على الرقي بالدبلوماسية البرلمانية وممارسة السلطة وفق مقتضيات التناوب الديمقراطي (63).

وبالإضافة إلى الضمانات الحقوقية التي لم تدع مجالاً إلا شملته لمجتمع مواطن، قادرة على العيش والتعايش مع مختلف الوضعيات السياسية دون المساس بأنويتها الرئيسة ما دامت مصانة بمقتضى مؤسسات كيفية بصيانات الحقوق الدستورية للفرد والجماعة على حد سواء -المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط، مجلس الجالية المغربية بالخارج، هيأة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز-. ترسخت ضمانة المشاركة في امتلاك السلطة من خلال الفصل بين المجال الديني الذي يستأثر به الملك والمجال السياسي المشترك بين رأسي السلطة التنفيذية. مع توسيع صلاحيات الحكومة ورئيسها المنتخب من الحزب الحائز على أغلبية الأصوات المفرزة من صناديق الاقتراع، وفي إطار تعزيز مقتضيات الفصل المرن للسلط، تم الرفع من اختصاصات البرلمان من 30 اختصاص إلى 60 اختصاص، مع تقوية مستويات مراقبته للحكومة. وبالموازاة مع ذلك تم لأول مرة في الحياة الدستورية المغربية الإقرار بالقضاء كسلطة مستقلة بضمانة الدستور والملك نفسه (64).

وبناءاً على ما سبق، فإنه مهما كانت دقة القواعد الكبرى “للملكية البرلمانية المغربية”، إلا أنها تبقى حبراً على ورق ما لم ترتبط بشكل وثيق مع مطالب التصدي للفساد، ونظام الامتيازات، الذي أحكم قبضته منذ أربعين سنة على المجالات السياسية والإدارية والاقتصادية والقضائية (65). الشيء الذي تنبهت له القوى الفاعلة في “صياغة” بنود الوثيقة الدستورية الجديدة من خلال إقرارها في صلب نفس الوثيقة هيأة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (66)، التي تهدف إلى “المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسيا محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة والمسئولية” (67).

إلا أن دسترة مبدأ الفصل بين السلط، وتدعيم مقتضياته، والحرص على التمثيلية الشعبية في مجلسي البرلمان وانبثاق الحكومة منهما. لا يعني تطبيق مقتضياته في إطار غياب آليات المحاسبة والمراقبة، الشيء الذي حاولت أن تتناوله الوثيقة الدستورية من خلال اختصاصات المحكمة الدستورية، وصلاحيات تدخل المجلس الأعلى للحسابات…

إلا أنه وبالرغم من مختلف المرتكزات المؤسسة لدولة الانتقال الديمقراطي، في إطار توزيع السلطات وفق مبدا الفصل المرن للسلط. فإن مواكبة الدولة العصرية يقتضي ضرورة الموازنة بين التخوفات المركزية والمتطلبات الجهوية في إطار تقاسم الصلاحيات وإعادة توزيع الثروات، مما أفضى بالوثيقة الدستورية إلى ابتكار مفهوم الجهوية المتقدمة التي تستند على مبدأ التفريع وما يكفل لها الدستور من اختصاصات ذاتية، وأخرى مشتركة ومع الدولة وثالثة منقولة لها من هذه الأخيرة (68).

من خلال ما سلف ذكره، تلخص لنا مختلف هذه الركائز مجموعة من القيود الدستورية المؤطرة للحياة السياسية المغربية، هذه القيود التي تلخص أساساً في الأصفاد العالمية التي لفّتها الوثيقة الدستورية على عاتق الدولة من خلال توسيعها لمجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والثقافية والبيئية؛ ترسيخاً لدولة الحق والقانون. أو بالأحرى دولة الحق بالقانون.

فيما يتمثل القيد الثاني الذي من شأنه أن يكبح جماح الشطط في استعمال السلط، في القيد القانوني المصان بمقتضى سلطة قضائية مستقلة، معززة في ذلك بتوسيع صلاحيات مجال عمل المجلس الدستوري، الذي يعتبر بمثابة صمام الأمان المحافظ على دستورية القوانين وسمو الوثيقة الدستورية على باقي الأشكال القانونية الأخرى.

هذا وتخول لنا إمكانية توسيع صلاحيات مجال القانون الخاص بالسلطة التشريعية والذي كان “محصوراً” لرهد من الزمن في الفصل 46 من دستور 1996. قيداً تشريعياً جد مهم بمقتضى ما ستمثله السلطة التشريعية كسلطة تمثيلية، تشريعية ورقابية في نفس الوقت.

وبعدما كانت السلطة التنفيذية تابعة للمؤسسة الملكية بمقتضى الفصل 24 من دستور 1996، سيتم تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، مع ضرورة تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسئولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي، هذه العملية التي ستعزز بدسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتوضيح اختصاصاته. مما سيخلق لنا قيداً تنفيذياً مفرزاً لسلطة تنفيذية برأسين الأول فعلي والثاني تحكيمي.

ومع تقوية إواليات المحاسبة والمراقبة في إطار تخليق الحياة العامة ستنشأ معها قيداً مراقباتياً يكشف الحساب الختامي للعمل الحكومي والتدقيق في معطياته التحصيلية.

بمقتضى الإيواليات السالفة التحليل يمكننا الجزم بأن البعد البراديغماتي لمفهوم الانتقال الديمقراطي يتجلى في كونه يحيل على جملة من التحولات المتمرحلة والمتعاقبة والقابلة للتحديد في الزمن تحديداً نسبياً والتي تسمح بالانتقال من النظام السلطوي الذي تتأسس فيه العلاقة بين الحكام والمحكومين على القوة بدل الإقناع -والذي يتم فيه تحديد أصحاب القرار عن طريق الاستقطاب والتعيين وليس عبر تنافس انتخابي بين مرشحين للمسئوليات العمومية- إلى النظام الديمقراطي الذي تشكّل فيه الانتخابات لحظة أساسية في تخويل الشعب مقاليد السياد عبر الاختيار الحر لحكامهم أو بالأحرى لممثليهم في الحكم وتدبير الأمور وفق تطلعاتهم المستقبلية (69).

وبالتالي فإن الديمقراطية بدون انتخابات لن تنتج لنا سوى مفاهيم مجردة وشعارات فارغة تستهدف الممارسة الديماغوجية والتضليل الفكري والسياسي، كما هو حاصل الآن في ظل الأزمة التي باتت تعرفها السياسة بشتى تلاوينها سواء بداخل الأنساق السياسية للدول أو على مستوى حقل العلاقات الدولية المعاصرة (70).

وإذا كانت المنافسة السياسية من الناحية المبدئية هي الترجمة المنطقية لتواجد الجسم الحزبي. فإن التعددية الحزبية تنتفي بانتفاء التنافس السياسي المحتكم لصناديق الاقتراع وما تفرزه من أصوات عبرت إليه بمقتضى قنوات المواطنة الممارسة بمقتضى آليات الاختيار الحر لنزاهة المنافسة وشفافية العملية الانتخابية. الشيء الذي حاولت أن تتداركه الوثيقة الدستورية الجديدة للمملكة المغربية من خلال ربط التمثيل الديمقراطي بنزاهة الانتخابات وشفافيتها، راصدة لها ضمانات حياد السلطات العمومية (71)، خاصة بعدما أصبح النظام الانتخابي يندرج ضمن مجال القانون المكفول للسلطة التشريعية (72)، بعدما كانت تتحكم فيه وزارة الداخلية التي كانت محسوبة على وزارات السيادة التي يستأثر بها المجال المحفوظ للملك.

إلا أن مختلف هذه الإصلاحات التي تحمل جيناته المستقبلية لجنة تقنية ذات أبعاد توافقية في مضمون الإصلاح، وبتأطير ملكي … يبقى رهيناً للتحديات المستقبلية للفترة الانتقالية القادمة.

إكراهات الإصلاح

إن سؤال الدستور ومسطرة تشكله وصياغة بنوده، هو سؤال في شرعية الحكم باعتبار الدستور هو ذلك العقد الاختياري الذي يجمع بين الأمة ومؤسسات الحكم المنبثقة عنها لخدمة مصالحها، وعلى هذا الأساس يمكن رصد ثلاث إكراهات أساسية يمكنها أن تحول دون الانتقال الديمقراطي المنشود بمقتضاها بناء الدولة الديمقراطية. تلخص هذه الإكراهات في: الإكراه المنهجي، الإكراه الموضوعي، والإكراه السياسي.

فعلى المستوى المنهجي، خصصت وزارة الداخلية 10 أيام للحملة الاستفتائية والتي تشمل كل من الصحف والإذاعات والتلفزات والملصقات والإنترنت، كما حصلت الأحزاب السياسية -سواء الممثلة منها في البرلمان والغير الممثلة فيه- وكذا النقابات دون إغفال مختلف مكونات المجتمع المدني على حصص متوازية في الإعلام العمومي للإدلاء برأيها وترزيج خطابها، 40 ألف مكتب تصويت توجد في جميع أنحاء التراب الوطني، يشرف عليها 320 ألف شخص، كما توجد 1503 مكاتب تجميع مركزي يؤطرها 12000 موظف، وفي نفس الإطار تم توفير 20 مليون ظرف (73). هذا وقد وضعت وزارة الخارجية والتعاون 520 صندوقاً للتصويت رهن إشارة الجالية المغربية في الخارج، هذه الصناديق التي وزعت على مختلف السفارات والقنصليات المغربية، وفيما يخص تزامن تاريخ الاستفتاء بعودة الجالية إلى أرض الوطن؛ تم وضع مكاتب للتصويت في أهم الموانئ -ساب في فرنسا، ألميريا والجزيرة الخضراء في إسبانيا- تيسييراً لعملية الاستفتاء وإشراكاً لمختلف المواطنين في هذا الحدث التاريخي الهام (74).

مما يحيل على كون منهجية إعداد الوثيقة الدستورية تحيل على انطباع قاب قوسين أو أدنى من القطيعة مع الممارسات الماضوية، إلا أن الحملة المواكبة للترويج للمقتضيات الدستورية الجديدة أكدت بالملموس انتصار الاستمرارية وتجديد الممارسات التقليدانية من خلال استغلال المساجد للترويج للتصويت بنعم للوثيقة الدستورية، واستغلال الزوايا لتلعب دورها التاريخي في الترويج للإدارة الملكية، كما أكدت التجربة الدستورية الأخيرة دور الفلاح في حماية العرش الملكي من خلال تصويتهم بنعم وبنسبة كبيرة دون إطلاعهم على المقتضيات الجديدة للوثيقة الدستورية المصوّت عليها …

على المستوى الموضوعي: يمكننا الجزم بكون الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011 هي مجمع المتناقضات ومرتع المتضادات، بحيث أنها تقر ببرلمانية الدولة (75)، في حين تخول للملك باعتباره رئيساً للدولة صلاحيات جمة، إذ أنه هو الممثل الأسمى للدولة (76)؛ وباعتباره كذلك يعد فوق المؤسسات الدستورية كلها، وظهائره فوق كل القوانين الصادرة عن هذه المؤسسات. كما يرأس المجلس الدستوري الذي تناقش فيه أهم النقاط الاستراتيجية للدولة.

وفي إطار تقوية صلاحيات رئيس الدولة، خول له الدستور إمكانية الاستئثار بالحقل الديني والمؤسسات المهيكلة له (77)، وكذا حل البرلمان بشروط معينة (78)، وإعفاء أحد أعضاء الحكومة (79)، كما أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ورئيس المجلس الأعلى للأمن، وله الكلمة الفصل في المجال الدبلوماسي، ويرأس المجلس الأعلى للقضاء، ويمارس حق العفو، ويحتكر جميع السلطات في ما يعرف بفترة الديكتاتورية المؤقتة المحدثة بمقتضى حالة الاستثناء، ونصف أعضاء المحكمة الدستورية من تعينه بما فيهم رئيسها، وله الحق بتقديم مبادرة التعديل الدستوري …

في مقابل ذلك تم توسيع صلاحيات مجال القانون؛ ليحظى بذلك البرلمان بما يقارب 60 اختصاصاً، في حين أنه عجز عن استيفاء الاختصاصات الثلاثون التي كانت مرصودة له في الدستور السابق، كما أنه يفقد للآليات اللوجستيكية والبشرية للنهوض بمختلف هذه الاختصاصات، مما قد يفتح المجال أكثر للحكومة قصد تقمص دور المشرع الدستوري للمرحلة القادمة. ولكن، يبقى السؤال المطروح هو هل سيكون لنا حزب يحوز أغلبية الأصوات المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع في ظل الجغرافية الحزبية التي تتعدى تضاريسها 34 حزب؟؟ إذ أن الدستور يتحدث عن تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب (80)، ولم يتحدث عن التحالف مما يتطلب ضرورة خلق اندماجات وليس تحالفات.

وفي إطار الاختلالات الجوهرية دائماً، ضمت الوثيقة الدستورية الجديدة منشآت سبق وأن أسست بطرق غير ديمقراطية وبسند تقليداني. مما ولد إشكالية دسترة مؤسسات جاءت نتيجة لإعمال الفصل 19 من الدستور المغربي من طرف الذي كان ممثلاً أسمى للأمة، كمؤسسة الوسيط (81): المحدثة بمقتضى الظهير الشريف رقم .1.11.25 والمجلس الوطني لحقوق الإنسان باعتباره هيئة جديدة للدفاع عن حقوق الإنسان عوض المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (82)…

وعلى ضوء ما سبق يبقى التحدي المستقبلي لمرحلة مغرب الانتقال الديمقراطي يتمظهر بجلاء في الإكراه السياسي، إذ تطرح إشكالية: كيفية المراهنة على العمل الحزبي للقيام بدوره الكامل في تأطير وتوعية المواطن، في نطاق تعددية حقيقية تعكس بشكل أو بآخر الوضوح الإيديولوجي ونوعية البرامج السياسية المقدمة في المعترك الانتخابي القادم.

إذ أن الممارسة الحزبية التي من المفترض أن تطعم مشروع التعديل الدستوري، راكمت رزنامة لا بأس بها من الاختلال الموضوعي والذاتي على حد سواء، إذ أصبح الكل لا يماري في الخلل الحزبي بقدر ما يثار النقاش في عمق هذا الخلل. إلى أن أصبحت عملية تولي مهمة سياسية في المجتمع المغربي، ليس من الضروري أن تكون أهلاً لها، بقدر ما يجب أن تكون أهلاً للشخص الذي سيكون قناة وصولك إلى تلك المهمة (83). إذ يستشهد الأستاذ “عبد الرحيم العطري” في كتابه “صناعة النخبة بالمغرب” بالباحثة “أمينة المسعودي” للتأكيد على أن تقرير مصير الاستوزار مرتبط بشروط ذاتية أهمها “الأصل النبيل” و”المال” والرضا المخزني. “فرضى المخزن وحده يجعل من الحزب بين عشية وضحاهاً قوة كبرى” (84)، عن طريق ضبط المجال السياسي وتحديد خرائطه وهياكله المحتملة بواسطة عمليات التقطيع الانتخابي. فإذا كانت الأحزاب السياسية هي المادة الخام المستخرج منها الممثل الشرعي للأمة والمنفذ لمتطلباتها اليومية. فكيف يمكن أن تتطلع إلى مستوى العمل المنوط بها وهي معطوبة الشكل والمضمون بمقتضى تحولها إلى دكاكين موسمية تتاجر بوسائل ديماغوجية لإقناع ما تبقى من مواطن “دغمائي” يسهل غبنه، محتكمة للعلاقات العشائرية لتكون بمثابة الورقة الحاسمة في المعترك الانتخابي الذي يسوده فن الخطابة وإتقان لغة الرفض والضرب فوق الطاولة وإعلان التذمر المستمر من المسار الذي يتخذه الحزب (85).

هذا الحزب الذي لا يعرف من التوجه الإيديولوجي إلا الاسم، والذي لا يطفو إلا لفهم معالم معادلة انتخابية “مطبوخة” ذات نتيجة معروفة توصل إلى مؤسسات تمثيلية معطوبة لا حول لها ولا قوة، تساهم في تأزيم وضعيتها طريقة انتخابها، إذ أن “إشكال الانتخابات في المغرب لا يكمن في البحث عن “النموذج” الجديد للاقتراع، ولكن، في مدى قدرة الاقتراع على التحول إلى سلطة مبنية على منطق المشاركة السياسية التي تعني تحديد صناديق الاقتراع لتركيبة البرلمان وتشكيلة الحكومة، إن الابتعاد عن هذه الخطاطة يقابله الاستمرار في القبول بـ “العبث الدستوري” الذي يحيل إلى وجود بناء مؤسساتي فارغ وقواعد مكتوبة غير محددة وشكلانية قانونية غير حائزة على معطى الإكراه، في مقابل وجود قواعد إتفاقية تجعل من الانتخاب مستوى محدوداً للمنافسة بين الأحزاب ولكنه غير محدد أمام أولوية قاعدة التعيين” (86).

هكذا، “لا يجادل أحد في أزمة الأحزاب السياسية وإنما الجدل حول عمق هذه الأزمة وطبيعتها وتحديد العوامل المتسببة فيها، وحول الخلاف بين رؤية تشدّد على “بنيوية” الأزمة وأخرى تأكد ظرفيتها” (87). إلا أن الأكيد أن لهذه الأزمة تجليات كبرى. الشيء الذي يمكن إجماله في ثلاث مستويات رئيسية، إذ على المستوى الوظيفي الذي اختلت فيه كل مقومات التأطير بكل تجلياته، “المجالي”، “التنظيمي”، “الإيديولوجي” والتمثيل. أو على مستوى البنية التي تثير إشكالية طبيعة نمط الحزب السياسي شكل زاوية سياسية، أو ثكنة سياسية أو مقاولة سياسية حسب المقاربة السوسيوتاريخية، والخلط بين التعددية “السياسية” والتعددية “الحزبية” حسب المقاربة السوسيوسياسية، أو باعتباره “ناديا” سياسياً حسب المقاربة السوسيوثقافية (88)، أو على مستوى إدارة الاختلاف الداخلي للأحزاب السياسية..

كما لا تقف أزمة النخب عند هذا الحد، بل تتعداه إلى غير ذلك. إذ أننا نتوفر على نخبة مغلقة لا تعترف بالدوران العمودي لهذه الفئة؛ مرتكزة على المخزن والمال والنسب والمقدس كطرق للوصول إلى القمة (89). وفي ظل هذه الأزمة البنيوية للأحزاب السياسية وفي علاقتها بالإصلاحات الدستورية تطرح في الموازاة مع مختلف الاختلالات المؤسساتية إشكالات مرتبطة بالمواطن المغربي ومدى إمكانية تحمله لمسئولياته الدستورية وكيفية موازنته بين الحرية والمسئولية، وما مدى انعكاس تطلعاته على التنمية الجهوية التي تعتبر في نفس الوقت إحدى مكونات التنمية الوطنية والرقي السياسي، كما يتعدى السؤال إلى النخبة الجهوية وكيفية تكونها ومدى قوتها في بصم مستقبل المغرب السياسي!!!.

إن أي دستور مهما بلغ من الكمال، فإنه ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لقيام مؤسسات ديمقراطية، تتطلب إصلاحات وتأهيلاً سياسياً ينهض بهما كل الفاعلين لتحقيق طموحنا الجماعي، ألا وهو النهوض بالتنمية وتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين (90).

مما يعني أن توافق الفاعلين السياسيين يبقى أساسياً في تحريك عجلة الانتقال الديمقراطي، إلا أن الحسابات السياسوية لحداث التغيير تجعل هذا التوافق قاصراً على الإحاطة الكلية بعملية الإنتاج الدستوري، بحيث تم تجاوز سؤال الشرعية الذي يلامس ثلاث مستويات أساسية؛ إذ يتمثل الأول في شرعية الميلاد أي سؤال من يضع الدستور، وشرعية الإجراءات التي تحيل على صيغة اتخاذ القرار وطبيعة النقاشات الدائرة حول الاختيارات الدستورية وأخيراً شرعية المصادقة التي تستحضر مكون الأمة في شرعنة البناء الدستوري (91). ليبقى السؤال المستقبلي لمغرب دستور الانتقال الديمقراطي مثلث الأضلاع: يروم ملامسة كيفية إنزال بنود الوثيقة الدستورية، كيفية بناء الثقة بين النخبة الصاعدة والمواطنين وكيفية تفعيل مؤسسات القطع مع الممارسات الماضوية في ظل تحكم رجال الفساد لمرحلة ما قبل دستور 2011 في مرحلة ما بعد دستور 2011.

وبحكم أن المغرب لا يتوق إلى ديمقراطية هجينة Hybride، ولا تحولاً أو انتقالاً مفروضاً أو مقلداً، ولا حداثة مستوردة، ولا مشروعاً مجتمعياً شعارياً ضبابي المكونات والأهداف … وإنما يشرئب إلى ديمقراطية أصلية وأصيلة مستنبتة من تربته المحلية، مستثمراً في ذلك مختلف التجارب الدولية المتصدرة الترتيب الديمقراطي. بمنطق “الحسن الثاني” الذي سبق وأن أكد رفضه لمنطق الدولة “المستوردة” أو “المصدرة”، وإن تجربة سبق وأن دونت اسمها في سجل التاريخ لجديرة بأن تكون موضوعاً للتفكير، كما أنها تأبى أن تعتبر بسذاجة مثالاً ودرساً للآخرين، فإنه من الضروري إعادة بناء الهيكل السياسية المغربي وفق الهندسة الدستورية الجديدة، في أفق ترسيخ مرتكزات الدمقرطة التي تتطلب وضوح الرؤية فيما يخص الفاعلين السياسيين؛ مما يستوجب إلزامية تقليص عدد الأحزاب السياسية ووقف نزيف التفريخ الحزبي، من خلال الرفع من العتبة الانتخابية للحصول على تكتلات حزبية تترجم المشهد الحزبي في انتظار التأسيس لاندماجات حزبية حقيقية؛ إذ أن الوثيقة الدستورية لم تتحدث عن التحالفات الحزبية وإنما عن الحزب الأغلبي. هذا الأخير الذي يتطلب ضرورة عقلنة برامجه السياسية تكييفاً لها مع المتطلبات المجتمعية. إذ أن هذه البرامج هي من ستحتكم إليها صناديق الاقتراع. هذه الأخيرة التي تقتضي ضرورة إعادة النظر في طريقة ممارستها، حتى تمكن المشهد السياسي من إمكانية ولوج الحزب الحاصل على الأغلبية الانتخابية بمرونة إلى سدة الحكم لتطبيق البرنامج المنتخب من أجله.

إلا أن مختلف هذه النقاط وغيرها تتطلب ضرورة استحضارها للثقافة السياسية المغربية والطبيعية السوسيولوجية للمكون المجتمعي، وكذا الموروث التاريخي والتراكم السياسي للنظام الملكي في بيئته المغربية.

هوامش

  1. محمد ظريف، النسق السياسي المغربي المعاصر- مقاربة سوسيوسياسية، إفريقيا الشرق، 1991، ص31.
  2. محمد أتركين، السلطة والشرعية في دار الإسلام- دراسة لآليات وقواعد القانون العام الإسلامي-، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، ص87.
  3. محمد معتصم، النظام السياسي الدستوري المغربي، مؤسسة إيزيس للنشر، الجار البيضاء، الطبعة الأولى، مارس 1992، ص80.
  4. الظهير الشريف رقم: 212-02-1، بتاريخ 22 جمادى الأخيرة، الموافق لـ 31 غشت 2002. والمنشور في الجريدة الرسمية، عدد 5036، 02 شتنبر 2002.
  5. فريد لمريني، “ديوان المظالم: الفلسفة السياسية للمنشآت الملكية والاستنجاد بالتاريخ”، وجهة نظر، العدد 31، شتاء 2007، ص54.
  6. محمد عابد الجابري، المغرب المعاصر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1988، ص127.
  7. حسن طارق، “الانتقال الديمقراطي في المغرب- أية علاقة للمسألة الدستورية؟”، مجلة أبحاث، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء، العدد 56، السنة 21، خريف وشتاء 2004/ 2005، ص10.
  8. عبد العالي العبدوني، “الدستورانية الإسلامية في منظور الإمام الخميني- مقاربة مبدئية”.

http://angelawing.ahlamontada.net/t2258-topic

  1. http://encyc.reefnet.gov.sy
  2. الفصل 19 من الباب الثاني من دستور المغرب لسنة 2011.
  3. الفصل 2 من الباب الأول من دستور المغرب لسنة 2011.
  4. الفصل 42 من دستور المغرب لسنة 2001: “الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للملكة …”
  5. راجع الفصل الثالث من الدستور المغربي لسنة 1970.
  6. الفصل الرابع من الباب الأول من دستور المغرب لسنة 2011.
  7. محمد أتركين، الدستور والدستورانية- من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007، ص ص 146، 147.
  8. محمد أتركين، “التغيير الدستوري وسيناريو الانتقال الديمقراطي بالمغرب محددات التوافق التأسيسي- الفاعلون وسؤال التمثيل- القواعد المكتوبة لتدبير دولة الانتقال-“،

http://atarguine.blogspot.com/2007/09/blog-post_01.html

  1. راجع في هذا الصدد: الفصل الثالث بعد المائة. الفصل رابع بعد المائة، الفصل الخامس بعد المائة من دستور المغرب لسنة 1996.
  2. في هذا الصدد يمكن الاستشهاد بتجارب مقارنة تحدد مقومات الحظر الموضوعي في إطاره الدستوري؛ إذ أكدت المادة 89 من الدستور الفرنسي بأن: “الشكل الجمهوري للحكومة لا يمكن أن يكون موضوع أي مراجعة”، وفي نفس الموضوع أكدت المادة 290 من دستور البرتغال 2 أبريل لسنة 1976 بأن “قوانين المراجعة الدستورية مطالبة باحترام الشكل الجمهوري للحكومة” …
  3. عثمان الزياني، “رهانات الإصلاح الدستوري في المغرب: مقاربة على ضوء الخطاب الملكي المؤرخ في 9 مارس 2011″، مجلة الحقوق المغربية، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، شركة دار الآفاق للنشر والتوزيع بالدار البيضاء، سلسلة “أعداد خاصة”، العدد 2، طبعة 2011، ص16.
  4. الفصل 175 من دستور المغرب لسنة 2011.
  5. الفصل الأول من الدستور المغربي لسنة 2011.
  6. محمد السادس، نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة مساء الجمعة 17 يونيو 2011.
  7. راجع في هذا الصدد: محمد أتركين، الدستور والدستورانية …، مرجع سابق، ص162-183.
  8. محمد أتركين، الدستور والدستورانية ..، مرجع سابق، ص163.
  9. الفصل الثاني من دستور المغرب لسنة 2011.
  10. محمد أتركين، الدستور والدستورانية …، مرجع سابق، ص164.
  11. الفصل 161 من دستور المغرب لسنة 2011.
  12. الفصل 162 من دستور المغرب لسنة 2011.
  13. الفصل 19 والفصل 164 من دستور المغرب لسنة 2011.
  14. الفصل 163 من دستور المغرب لسنة 2011.
  15. الفصل الأول من الدستور المغربي لسنة 2011.
  16. محمد عرب صاصيلا، الموجز في القانون الدستوري، الطبعة الأولى 1981، ص125.
  17. محمد عرب صاصيلا، الموجز في القانون الدستوري، نفس المرجع، ص ص.130، 131.
  18. الفصل الأول من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  19. الفصل 88 من دستور المغرب لسنة 2011.
  20. الفصل 70 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  21. الفصل 75 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  22. الفصل 77 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  23. الفصل 76 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  24. الفصل 72 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  25. الفصل 79 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  26. الفصل 43 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  27. الفصل 62 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  28. الفصل 70 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  29. الفصل 88 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  30. الفصل 103 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  31. الفصل 105 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  32. الفصل 100 والفصل 106 من دستور الملكة المغربية لسنة 2011.
  33. الفصل 67 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  34. المختار مطيع، القانون العام: مفاهيم ومؤسسات، دار القلم للطبع والنشر التوزيع، الرباط، الطبعة الأولى 2007، ص 135.
  35. الفصل 104 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  36. الفصل 97 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  37. محمد أتركين، الدستور والدستورانية … مرجع سابق، ص168.
  38. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي سيحدث بمقتضى الفصل 151 من الباب الحادي عشر من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  39. محمد أتركين، الدستور والدستورانية … مرجع سابق، ص181.
  40. الفصل 129 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  41. الفصل 130 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  42. محمد أتركين، الدستور والدستورانية … مرجع سابق، ص 182.
  43. الفصل الخامس من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  44. الفصل السادس من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  45. الفصل 129 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  46. الفصل السابع من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  47. الفصل العاشر من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  48. الفصل 107 من الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية لسنة 2011.
  49. إبراهيم ياسين، “التغيير الدستوري من أجل ملكية برلمانية: منطلقات ومبادئ”، مجلة أمل، العدد 37-36، السنة التاسعة عشر، 2011، ص14.
  50. الفصل 36 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  51. الفصل 167 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  52. الفصل 140 من الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية لسنة 2011.
  53. محمد الهاشمي، “الانتخابات التشريعية 2007: تجديد السلطوية بقواعد ديمقراطية”، مجلة وجهات نظر، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء، عدد مزدوج 33-34، صيف وخريف 2007، ص ص 13-14.
  54. عبد النبي بورزيكي، “في الحاجة إلى فلسفة انتخابية جديدة …”، مجلة وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء، عدد مزدوج 33-34، صيف وخريف 2007، ص36.
  55. الفصل 11 من الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية لسنة 2011.
  56. الفصل 71 من الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية لسنة 2011.
  57. جريدة أخبار اليوم، السبت- الأحد 25-26 يونيو 2011، ص28.
  58. مجلة “عدالة جوست”، العدد 13-21، يونيو/ يوليوز 2011، ص37.
  59. الفصل الأول من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  60. الفصل 42 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  61. الفصل 41 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  62. الفصل 51 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  63. الفصل 47 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  64. الفصل 47 من الوثيقة الدستورية المغربية لسنة 2011.
  65. الجريدة الرسمية، العدد 5926، 12 ربيع الأول 1432، الموافق لـ 17 مارس 2011.
  66. الجريدة الرسمية، العدد 5922، 3 مارس 2011.
  67. نور الدين الزاهي، من الشفرة الدينية إلى الشفرة الحزبية، في كتاب المثقفون المغاربة وتفجيرات 16 ماي، منشورات الزمن، العدد 40، سنة 2003، ص18.
  68. عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب- المخزن والمال والنسب والمقدس طرق الوصول إلى القمة، منشورات دفاتر وجهة نظر، العدد التاسع، الرباط، الطبعة الأولى، 2006، ص74.
  69. عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق، ص96.
  70. محمد أتركين، “النظام السياسي المغربي بعد حدث الاستخلاف- وهم “الانتقال الديمقراطي” ووضع “خيبة الأمل””، وجهة نظر، عدد 30، خريف 2006، ص18.
  71. ممد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية من سياق المواجهة إلى سياق التوافق: 1934-1999، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي.
  72. راجع: محمد ضريف، القانون الدستوري- مدخل لدراسة النظرية العامة والأنظمة السياسية، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الدار البيضاء، 1998.
  73. راجع: عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق.
  74. محمد السادس- ملك المملكة المغربية-، الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة مساء الجمعة 17 يونيو 2011.
  75. محمد أتركين، الدستور والدستورانية …. مرجع سابق، ص12.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading