العلم والسياسة بوصفهما حرفة

أصدرت المنظمة العربية للترجمة في تموز/ يوليو 2011 ترجمة كتاب:

Wissenschaft als Beruf 1917/1919, Politik als Beruf 1919.

لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) وترجمه من الألمانية د. جورج كتورة.

العربية والترجمة تنشر جزءًا من:

نص محاضرة السياسة بوصفها حرفة

هناك طريقتان يمكن بهما جعل السياسة حرفة. إما أن يعيش المرء «لأجل» السياسة، أو أن يعيش «من» السياسة. والتعارض هذا لا يعني إقصاءً بحال من الأحوال. ففي العادة غالباً ما يُفعل الأمرانِ معاً، فكرياً على الأقل، ولكن في أغلب الأحيان مادياً أيضاً. ومن يحيا من «أجل» السياسة فهو يجعل منها، بالمعنى الأعمق للكلمة، «هدف حياته»، فهو إما يلتذ بالسلطة التي يمارسها بمجرد امتلاكه لها، أو لأنها تؤمن له توازنه الداخلي أو تعبر عن قيمة شخصية حيث يعي أنه قد جعل نفسه في خدمة قضية تعطي حياته معنى. وبهذا المعنى العميق، فإن كل إنسان جدي يعيش من أجل قضية، فهو يعيش منها أيضاً. والفرق يتعلق بجانب أكثر دقة بحيثية الموضوع الذي نعالج، أي إنه يتعلق بالجانب الاقتصادي. إن من يعتبر السياسة وظيفة يعتاش منها هو الذي يسعى إلى إن يجعل منها مصدر دخل دائم له. أما من يحيا من «أجل» السياسة فهو من لا تنطبق عليه هذه الحالة. وحتى يمكن لأحدهم بهذا المعنى الاقتصادي أن يعيش من «أجل» السياسة لابدّ أن تتوفر له في ظل سلطة النظام المؤسس على الملكية الخاصة بعض الشروط، الشديدة الرداءة إذا أردتم. إن على السياسي، في ظل الشروط الطبيعية أو السوية – أن يكون مستقلاً اقتصادياً عن الموارد التي بإمكان السياسة أن توفرها له. هذا يعني ببساطة أن عليه أن يكون صاحب ثروة طائلة، أو أن يكون في وضع معيشي خاص كفيل أن يدر عليه ما يكفي من مرتبات وإيرادات. هذا ما يحصل في لظروف الطبيعية على الأقل. ذلك أن أتباع ومناصري القائد العسكري لا يسألون عن شروط الاقتصاد الطبيعي، كما لا يسأل عن ذلك أيضاً أتباع البطل الثوري ومناصريه في الشارع. في هاتين الحالتين يعتاش كلاهما من الغزو والنهب والمصادرات وفرض الغرامات العسكرية وترويج مدفوعات لا قيمة لها بالإكراه – فمن حيث الجوهر، فإن هذه الأمور جميعها واحدة. إلا أنها وبالضرورة ظواهر تحصل كل يوم، ففي الحياة الاقتصادية اليومية وحدها الثروة الشخصية هي التي تؤمن هذه المهمة. لكن هذا وحده لا يكفي، فعلى السياسي أن يكون فوق ذلك كله «متفرغاً/ حراً» من الناحية الاقتصادية، أي بمعنى أن لا يكون تحصيل موارده ملزماً له، لينصرف شخصياً بشكل دائم ليضع قوة عمله وفكره بشكل كلي أو جزئي في خدمة تحصيل هذه الموارد. وبهذا المعنى يعتبر متفرغاً وحراً أكثر من فرد آخر، أي صاحب الدخل، أي إنه ذلك الشخص الذي يحصل على دخل كامل دون بذل أي عمل، إن على غرار الأسياد الإقطاعيين في الماضي، أو كبار الملاكين العقاريين وأصحاب الوجاهة في العصر الحاضر، أو الذي يحصل ثروته من إيرادات عقارية – ففي العصور القديمة وفي القرون الوسطى كانت الموارد تحصل أيضاً من مداخيل العبيد والرقيق – أو كانت تحصل من السندات، أو ما شابه من مصادر. فلا العامل ولا المقاول الحديث – وهذا ما يجب التنبه إليه بقوة هنا – ولا المقاول الكبير الحديث بشكل خاص جاهزون بهذا المعنى، أي متفرغون أحرار. ذلك أن المقاول بالذات مرتبط بمنشأته فهو ليس حراً متفرغاً، ولا المقاول الصناعي أو الزراعي كذلك، مع الأخذ بالاعتبار الطابع الموسمي في الزراعة. كما يصعب على السياسي في أغلب الأحيان أن يجعل أحداً يحل مكانه، وإن بشكل مؤقت. حتى الطبيب كذلك لا يُعتبر من هذه الزاوية حراً متفرغاً، ويزداد ذلك بقدر ما يكون الطبيب بارعاً ودائم الانشغال. يصبح الأمر أكثر سهولة، ولأسباب تقنية مهنية محض في حالة المحامي الذي يؤدي لهذا السبب بوصفه السياسي المحترف، الدور الكبير الذي لا يضاهى، بل غالباً ما كان هذا الدور طاغياً ومسيطراً. لا نريد المتابعة في هذا الحكم انطلاقاً من هذه القضايا الفردية، بل سنعمد إلى استخلاص نتائج واضحة مما قدمنا.

أن تكون قيادة دولةٍ ما أو حزبٍ ما بيد أناس يعيشون (بالمعنى الاقتصادي للكلمة) كلياً من أجل السياسة، وليس من السياسة، فذلك يعني بالضرورة أن الطبقات السياسية المسيطرة هي تجنيد له طابعه البلوتوقراطي ([*]) . ولا نعني بذلك الإشارة إلى العكس. إذ لا نزعم أن القيادة البلوتوقراطية لا تستفيد من وضعها المهمين ومن استغلال سيطرتها السياسية أيضاً من أجل مصالحها الاقتصادية الخاصة. لن نتحدث عن ذلك، فهو تحصيل حاصل، إذ لا وجود لشريحة لم تقم بهذا العمل بشكل من الأشكال. إن ذلك يعني فقط أن الذين يحترفون السياسة ليسوا مجبرين مباشرة على البحث عن مكافأة لقاء أدائهم الإنجاز السياسي، في حين أن من لا وسيلة عنده ملزم بأخذ هذا الجانب بعين الاعتبار. ومن جهة ثانية لا يعني ذلك أننا نريد الإيحاء بأنه لا هم للساسة الذين لا ثروة لهم أثناء ممارستهم النشاط السياسي إلا جعل الاهتمام الاقتصادي الخاص وحده ، أو جله، نصب أعينهم، أو أنهم لا يفكرون، أو لا يفكرون أولاً، «بالقضية» التي هي قضيتهم. لا خطأ يفوق هذا الخطأ. ونحن نعلم بالتجربة أن الرجل الميسور يعيش قلق «تأمين» وجوده الاقتصادي – سواء كان واعياً لذلك أم لم يكن – ، ما يجعل ذلك نقطة مفصلية في توجيه حياته. نجد المثالية السياسية التي لا تعرف أي اعتبار ولا أي مبدأ، إن لم يكن حصرياً فمبدئياً، عند الأشخاص الذين يظلون بسبب عوزهم على هامش الشرائح الاجتماعية صاحبة المصلحة في الحفاظ على النظام الاقتصادي في مجتمع معين، وهذا ما يمكن أن نلاحظه في المراحل الاستثنائية، أي في المراحل الثورية. كان ما نريد قوله هو الآتي: إن التجنيد غير البلوتوقراطي للطاقم السياسي، سواء تعلق الأمر بالقادة أو بالمناصرين لهم، هو تجنيد يرتبط بالشرط البديهي، وهو أن على المؤسسة السياسية أن تؤمن لهم موارد منتظمة ومضمونة. يمكن أن تدار السياسة «شرفياً» أي إذا صح القول من جانب «مستلقين»، أي من جانب أناس ميسورين من أصحاب دخل لا يعملون. أو أن القيادة السياسية ستكون مفتوحة أمام من لا ثروة عندهم، أو أن على القيادة السياسية أن تؤمن لهم المكافآت. إن محترف السياسة الذي يعيش من السياسة يمكن أ، يكون مجرد «منتفعٍ» (صاحب وظيفة تدر له الربح)، أو مجرد موظف مأجور، فهو، بعبارات أخرى، يحصل مداخليه إما بشكل إكراميات أو بدل أتعاب([1]) لقاء تأدية خدمات معينة – فالبرطيل والرشوة ليسا إلا فرعاً شكلياً لا شرعياً ولا قاعدة تنظمه ضمن هذه الفئة من الدخل – أو قد يتمثل ذلك بأجر محدد يدفع عينياً أو بمرتب مالي، أو الاثنين معاً. يمكن لرجل السياسة أن يتسم بصفة «المقاول» على طريقة – زعيم المرتزقة أو ضامن الوظائف أو البائع لها في الماضي([2])، أو على طريقة «الرئيس» (Boss) الأميركي([3])، الذي يعتبر نفقاته بمثابة توظيف لرساميل يحولها إلى مصدر دخل له من خلال استغلاله تأثيره السياسي. أو قد يحصل ببساطة على أجرٍ ثابت شأن المحرر أو سكرتير الحزب أو الوزير أو الموظف السياسي الحديث. في الماضي شكل الإقطاع ومنح الأراضي والمناصب المدِرَّة على اختلافها التعويضات النموذجية التي كان الأمراء أو الغزاة المنتصرون أو قادة الأحزاب المنتصرون يمنحونها إلى أنصارهم، والتي أخذت مع تطور شكل الاقتصاد المالي شكل المنح والإكراميات؛ أما في أيامنا فقد صارت المناصب من كل نوع، في الأحزاب والصحف والاتحادات وفي صناديق الضمان الاجتماعي والبلديات أو في إدارة الدولة هي ما يغدقه زعماء الأحزاب على مناصريهم جراء التزامهم بالأمانة والولاء في الخدمة. إن كل الصراعات بين الأحزاب ليست صراعات من أجل تحقيق غايات موضوعية، بل هي أيضاً وغالباً، صراعات لإحكام الرقابة على توزيع المناصب. إن كل المعارك بين أصحاب النزعات المركزية والإقليمية في ألمانيا تدور، بشكل خاص أيضاً، حول أي من القوى يجب أن تُحكم الرقابة على توزيع الوظائف، أهي القوى الموجودة في برلين، أو ميونيخ، أو كارلسروهي أو درسدن؟ إن الأحزاب تتأثر أكثر بالمس بحقها في المناصب أكثر من تأثرها بمعارضة أهدافها العينية. في فرنسا كانت حركة الانتخابات البلدية([4])، التي تستند أساساً إلى تبادل القوى الحزبية السياسية تعتبر بمثابة انقلاب يثير ضجة تفوق ما يثيره التعديل في البرنامج الحكومي، الذي لم يكن يكتسب إلا دلالة لفظية خالصة. أما بعض الأحزاب، ولاسيما في أميركا، فقد أصبحت منذ اختفاء التناقضات القديمة حول تعديل الدستور مجرد أحزاب لا همَّ لها إلا اصطياد الوظائف، وهي أحزاب تعمد إلى تغيير برامجها تبعاً لما تريد اكتسابه من أصوات. وفي إسبانيا، على الأقل، حتى السنوات الأخيرة، ظل الحزبان الكبيران يتعاقبان على السلطة بموجب اتفاق مسبق على التناوب تحت غطاء «انتخابات» معدة سلفاً في الدوائر العليا([5])، ما كان يسمح لأنصار هذين التنظيمين الاستفادة، كلٌ بدوره، من المناصب المتاحة. أما في المناطق المستعمرة إسبانياً، فإن الأمر يتعلق سواء بما يسمى بالانتخابات، أو ما يسمى «بالثورات» حصراً بمعلف الدولة التي يأمل المنتصرون أن يجدوا فيه زاداً لهم([6]). وتوزع الأحزاب في سويسرا سلمياً المناصب في ما بينها تبعاً لمبدأ التوزيع النسبي([7]1). وفي ألمانيا تقترح كذلك بعض مشاريع الدساتير التي تعتبر «ثورية» ومنها، مثلاً، أولا مشروع دستور وُضِع في منطقة «بادن» تعميم النظام السويسري في توزيع الحقائب الوزارية([8]1)، معتبرة الدولة ومناصبها الإدارية مجرد مؤسسات تهدف إلى تأمين المداخيل، بل إن حزب الوسط بلغ به الحماس حداً جعله يقترح في نقاط برنامجه في بادن توزيع الوظائف نسبياً على الطوائف، حتى دون أخذ الكفاءة أو الإنجاز بعين الاعتبار([9]1). ثم إن هذه النزعة ازدادت في كل الأحزاب، وذلك بعد زيادة عدد الوظائف نتيجة النزعة البيروقراطية العامة وازدياد الرغبة فيها باعتبارها شكلاً مميزاً من أجل إيجاد مورد آمن، الأمر الذي يجعل الأحزاب تبدو بنظر مؤيديها وسيلةً تكونُ الغايةُ منها تأمين نفسها أيضاً.

نشهد اليوم مقابل هذا الاتجاه تطور الوظيفة العامة الحديثة التي تفرض وجود أصناف من العمال المتخصصين من أصحاب الخبرة العالية الذين يتأهلون لذلك بعد سنوات طويلة من التخصص، ويحملهم على الاندماج شرف وجاهةٍ شديد السمو، فبغياب هذا الشعور عند الموظفين فإننا سنكون فريسة فساد مخيف وسيكون قدرنا الوقوع تحت سيطرة الحمقى السفلة، إلى جانب ذلك سيكون الأداء التقني في جهاز الدولة مهددًا، ولاسيما وأن الأهمية الاقتصادية لهذا الجهاز قد ازدادت وهي تزداد باستمرار بالترافق مع عملية التنشئة الاجتماعية. حتى في الولايات المتحدة التي لم تكن تعرف نظام الوظيفة الدائمة، وحيث كانت ممارسة الإدارة غير المختصة عبر سياسيين محتالين تتيح استبدال آلاف العمال، بمن فيهم سعاة البريد أيضاً، وذلك بحسب ما تقتضيه نتائج الانتخابات الرئاسية: إن هذا النظام في تجنيد الموظفين قد اختُرق منذ وقت طويل من خلال «إصلاح الخدمة المدنية»([10]). وقد شكّلت الضرورات الإدارية التقنية الصرف التي لا مجال للاستغناء عنها سبباً لهذا التطور. في أوروبا نشهد تطورًا مطردًا في مجال الوظيفة العامة المنظمة على أساس تقسيم العمل، وهو تطور يرقى إلى ما قبل خمسمئة سنة. بدأ ذلك في المدن وفي المقاطعات الإيطالية، وفي الملكيات التي شكّلت الدول النورماندية الغازية. واتخذ الأمراء خطوات حاسمة في مجال الإدارة المالية. وفي ما يخص سياسة الإصلاح الإداري التي اعتمدها القيصر ماكس (Max) نرى مدى الصعوبات التي اعترضت الموظفين في ظل ضغوطات العوز الشديد والسيطرة التركية في هذا المجال([11])، ما يصعب إقصاء حاكم عن الإدارة المالية، علماً أن هذا المجال هو الأقل توافقاً مع نزعة الأمير غير المؤهل الذي لم يكن في ذلك الوقت إلا فارساً([12]).إلا أن تطور التقنيات الحربية استوجب وجود الضابط المختص، كما إن تهذيب الإجراءات القانونية استوجب بدوره وجود قضاة متمرسين. في هذه المجالات الثلاثة سطع نجم الموظفين المهنيين بشكل نهائي في الدول المتطورة إبان القرن السادس عشر. في هذه الأثناء، وبموازاة تصاعد سلطة الأمير المطلقة إزاء طبقات الحرفيين وأصحاب المكانة، أبدى الأمير تنازلاً مطرداً لصالح الموظفين الذين أسهموا بالتأكيد في انتصاره في معركته على أصحاب الحرف والمراتب. وفي الوقت الذي شهدنا فيه صعود طبقة الموظفين المختصين، كنا نشهد أيضاً – وإن بدرجة أدنى من الإدراك – تطور فئة «القادة السياسيين». كان للأمراء، منذ قديم الزمان وفي كل مكان من العالم، مستشاروهم الذين يتمتعون عندهم فعلاً بحظوة كبيرة. في الشرق أوصلت ضرورة إعفاء السلطان، قدر الإمكان، من مسؤوليته الشخصية من أجل إنجاح حكمه إلى خلق صورة «الصدر الأعظم» النمطية([13]). وفي الغرب أصبحت الدبلوماسية، وقبل أي شيء آخر، بسبب التأثير الذي تركه هَوَسُ قراءة تقارير سفراء دولة البندقية في الأوساط الدبلوماسية المختصة([14]) زمن كارل الخامس (Karl V) – وهو عصر مكيافيلي (Macchiavelli) أيضاً – فناً قائماً بذاته. هذا وقد اعتبر مريدو هذا الفن، وجلّهم من معتنقي المذهب الإنساني، أنفسهم بمثابة شريحة من المتمرسين المتخصصين، تماماً كما هو شأن رجال الدولة الصينيين أصحاب المذهب الإنساني في مرحلة انقسام الصين إلى دويلات عديدة([15]). أما الحاجة إلى إدارة شكلية موحدة تتولى السياسة كلياً، بما في ذلك السياسة الداخلية، من خلال رجل دولة قائد، فهي حاجة تولدت نهائياً بشكل ملزم من خلال التطور الدستوري. لم نُعدم بالطبع، وباستمرار، وجود شخصيات شغلت منصب مستشار – أو بشكل أصح – منصب المرشد للأمراء. علماً أن تنظيم السلطات قد سلك أول الأمر، حتى في الدول الأكثر تطوراً، طرقاً أخرى عدا التي أشرنا إليها. فقد شهدنا بالفعل أول الأمر تشكل سلطات إدارية عليا ذات صفة مجلسية. هذا من الناحية النظرية، أما عملياً فكان ذلك نادراً ما يحصل، فالوقائع تشير إلى أن هذه الهيئات كانت تنعقد برئاسة الأمير شخصياً وهو الذي كان يحسم في القرارات. بواسطة هذا النظام الجماعي المجلسي الذي أدى إلى اعتماد عرض الآراء والآراء المضادة، والتصويت المعلل إن من جانب الأكثرية أو الأقلية، ناهيك بقيام العاهل، إلى جانب الهيئات العيا الرسمية، باستدعاء من يثق بهم شخصياً – أعضاء الحكومة – وبواسطتهم يتخذ قراراته استجابة منه لقرارات مجلس الدولة أو الهيئات الأخرى المشابهة – لا أهمية هنا للتمسية التي تعطى لسلطات الدولة – إن ذلك كله قد قاد الأمير الذي كان ينزلق أكثر فأكثر إلى وضعية الخبير غير المختص، إلى الاعتقاد بإمكانية التخلص من الأهمية المتنامية التي اكتسبها الموظفون من أهل الاختصاص، وهو بذلك قد أمن لنفسه إبقاء الإدارة العليا في يده، إذ إن الصراع الخفي القائم بين فئة الموظفين وسلطة الأمير الشخصية، صراعٌ نجده في كل مكان. لم تتغير الأمور إلا مع ظهور البرلمانات والطموحات السياسية التي أبداها قادة الأحزاب البرلمانية. صحيح أن شروط هذا التطور الجديد اختلفت من بلدٍ إلى آخر، إلا أنها أدت مع ذلك إلى النتيجة نفسها ظاهرياً، مع فروقات أكيدة بالطبع، فحيث نجحت الأسر الحاكمة في الاحتفاظ بالسلطة الفعلية – كما هو الحال في ألمانيا تحديداً – كانت مصالح الأمير متوافقة مع مصالح الموظفين وضد البرلمان وطموحاته بالوصول إلى السلطة. وبالفعل فقد وجد الموظفون مصلحة في الإمكانية التي توفرت لبعضهم بتولي مناصب قيادية، مثل المناصب الوزارية، الأمر الذي يعتبر في الوقت نفسه ارتقاء في الوطيفة. أما العاهل، فكان يرى بدوره مصلحة في تسمية الوزراء على هواه، ومن صفوف الموظفين المنقادين له أيضاً. هكذا وجدت كل من الجهتين مصلحة مشتركة لها في وحدة الإدارة السياسية ما يمكن من مواجهة البرلمان دون انقسام داخلي. لقد وجدنا إذاً مصلحة في استبدال النظام الجماعي المجلسي برئيس حكومة يعبر عن وحدة آراء الوزراء. أضيف إلى ذلك حاجة العاهل، وحتى يبقى شكلياً بمنأى عن صراع الأحزاب وعن انتقاداتها، إلى شخصية تكون مسؤولة وقادرة على تأمين التغطية له، ما يعني إيجاد شخص يخاطب البرلمان ويقف بوجه مشاريعه ويقوم بالتفاوض مع الأحزاب. إن جميع هذه المصالح كان لها هنا تأثير مشتركٌ، وقد ذهبت في اتجاه وحيد هو إيصال قيادة موحدة برئاسة وزير – موظف، بل إن تطور سلطة البرلمان قد أدى دوراً أقوى في اتجاه التوحيد، حيث كان لهذه السلطة – كما في إنجلترا – الغلبة على العاهل. إننا نعاين في هذه الحالة تطور نظام «الحكومة» مع وجود قائد برلماني وحيد على رأسها، «إنه الزعيم» على رأس السلطة([16])، وهو اللجنة التي تمارس بالفعل وحدها السلطة السياسية المقررة مع تجاهل القوانين. نعني بالسلطة، سلطة الحزب الذي يتمتع كل مرة بأغلبية المجلس البرلماني الموجود. لم يعد بإمكان هذه الهيئات الجماعية المجلسية الرسمية، بوصفها كذلك أداة السلطة الفعلية المسيطرة إذ انتقلت هذه السلطة إلى الأحزاب، أن تكون ممثلة فعلياً للحكومة. إذ إن الحزب الحاكم حتى يكون قادراً على بسط سلطته في الداخل وحتى يكون بوسعه أداء دور سياسي كبير في الخارج، يحتاج قبل أي شيء آخر إلى أداة موثوقة قادرة مكوّنة حصراً من قادة الحزب الفعليين. والأداة هذه هي «الحكومة». ولكن إزاء الرأي العام، وقبل ذلك أيضاً إزاء الرأي العام البرلماني، لا نجد إلا رئيساً واحداً مسؤولاً عن كل القرارات، إنه رئيس الحكومة. هذا النظام الإنجليزي الذي اتخذ شكل الوزارة البرلمانية قد أُخذ به في أنحاء أخرى من القارة. أما في أميركا، والديمقراطيات التي تأثرت بها بعد ذلك، فإنها قد تبنت نظاماً مختلفاً بشكل كلي، وهو نظام يقوم على جعل رئيس الحزب الذي يفوز بانتخابٍ يشارك فيه الشعب مباشرة([17])، على رأس جهاز الموظفين الذين يقوم هو بتسميتهم ولا يطلب موافقة البرلمان إلا في ما يخص الموازنة والتشريع.


[*] بلوتوقراطية: من بلوتوس = ثروة ،قراطوس = سلطة حكم: سلطة الثروة ،نظام سياسي تمسك فيه السلطة طبقة الأغنياء أصحاب الثروات ،حكم المال

[1]) بدل أتعاب، تعني منذ القرون الوسطى المدفوعات التي يجب أن تسدد جراء تأمين المناصب الوظيفية.

[2]) في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان نظام «تجارة الوظفية»، مثل بيع الوظائف بين الأشخاص أو شراء الوظائف أمراً مماسساً تنظمه الدولة للاتجار بالوظائف، وكان منتشراً في أرجاء واسعة من أوروبا.

[3]) حول صورة رب العمل (Boss) أو الرئيس ووظيفته، انظر التفاصيل التي يقدمها فيبر حول هذا الموضوع لاحقاً في هذا الكتاب.

[4]) إبان عملية الإصلاح الإداري التي تولتها الثورة الفرنسية قسًمت فرنسا إلى عدد كبير من الأقسام. وكانت الحكومة المركزية تعين على رأس كل قسم مقدماً يُختار حسب ولائه السياسي. وعلى هؤلاء المقدمين العمل لا على حفظ القوانين وحسب، بل عليهم أيضاً مراقبة العلاقات المحلية ومطابقتها مع سياسة الحكم الرسمية والعمل بذلك. ولذلك كان المقدمون يخضعون لتقلبات السلطة المركزية بشكل واسع جدًا. هكذا تم مثلاً في أيلول/ سبتمبر 1870 التخلص من كل المقدمين الذين عينوا في عهد نابليون الثالث. ربما كانت إشارة فيبر هنا تستهدف حركة «تغيير المقدمين» في الجمهورية الثالثة. إذ إنه بعد انتخابات العام 1898 استٌبدل أكثر من ثلث المقدمين. وقد كانت الصحافة الإقليمية تعلق مطولاً على إمكانية تغيير المقدمين وما يستتبع ذلك من نتائج على الأقسام.

[5]) الإشارة التي يوردها فيبر هنا تشير إلى ما جرى بإعادة السلطة إلى آل بوربون في إسبانيا بين زعيم المحافظين الليبراليين أنطونيو كانوفاس دي كاستيلو (Antonio Cànovas de Castillo) (1828 – 1897) وبين الليبرالي دون بركسيدس ماتيو ساغاستا (Pràxedes Matco Sagasta) (1827 – 1903) من اتفاق على نظام «التحول السلمي» حيث يتم التداول دورياً بين حكومة من المحافظين وحكومة من الليبراليين وقد كانت هذا النظام ممكناً، حيث إن التاج كان يسمى باستمرار حكومة أقليات تسعى عبر انتخابات جديدة إلى خلق أكثرية برلمانية. وهذا ما كان يُتوصل إليه من خلال تزوير أصوات المنتخبين أو أيضاً من خلال توجيه السلوك الانتخابي بواسطة زعماء الأحزاب المحليين الذين يتولون بأنفسهم رعاية العمل الوظيفي على صعيد محلي.

[6]) لا يقصد بذلك على الأرجح الممالك التي كانت بعد العام 1919 لا تزال تحت سلطة الدولة الإسبانية المستعمرة، بل الدول في وسط وفي جنوب أميركا، وفي الكاريبي خاصة كولومبيا، وفنزويلا، وكوبا. هنا حدثت في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عدة ثورات، والتي إن لم تثمر في استعادة العلاقات الديمقراطية، فهي قد نجحت بالفعل بتغيير الزمر القيادية التي اعتبرت جميعها الدولة بالدرجة الأولى أداة لتحصيل ثروات شخصية.

[7]) حول نهاية القرن التاسع عشر تحول حزب الأكثرية في أحد كانتونات سويسرا إلى اعتماد مبدأ «النسبية غير الإلزامية» إذ أتاحت هذه الأكثرية للمعارضة الحصول على مناصب داخل السلطة التنفيذية، وبذلك شاركت هذه المعارضة في الحكومة.

[8]) المقصود بهذه الإشارة عضو مجلس بلدية كارلس، روهى (Karlsruhe) الاشتراكي الديمقراضي إدوارد ديتز (Eduard Dietz) (1866 – 1940) الذي تقدم في نهاية العام 1918 بمشروع دستور يكون فيه تقسيم وزارات الدولة بالشكل الآتي: «كل الأحزاب أو مجموعات النواب التي تضم وحدها أو مجتمعة 7/1 من مقاعد النواب، تسمي وزيرًا لكل 7/1 من الأعضاء». مشروع دستور جديد لمنطقة بادن. من عضو مجلس البلدية الدكتور ديتز، انظر: Entwurf einer neuen badischen Verfassung. Von Stadtrat Dr. Dietz in Karlsruhe. Sonderabdruck aus dem Karlsruher «Volksfreund» (Karlsruhe: Geck, 1919),& 60.S.78..

[9]) لا نعلم إذا ما كان حزب الوسط في منطقة بادن وكردة فعل على مشروع دستور إدوارد ديتز (الحاشية السابقة) قد اقترح توزيع وظائف الدولة بشكل نسبي طائفي. في كل الأحوال، تضمنت الخطوط الأساسية لسياسة حز ب الوسط الجديد المطالبة بمراعاة المساواة بين مختلفة المنتمين إلى عقائد مختلفة وفي كل مجالات الحياة العامة. انظر: :  Rudolf Morsey, Die deutsche Zentrumspartei 1917 – 1923 (Düsseldorf: Droste, 1966), S. 128 ff..

[10]) مع إصلاح «نظام الخدمة المدنية» (أو مرسوم بندلتو (Pendleton Act)) لعام 1833 بدأ التحول من نظام الغنيمة المعمول به (انظر أعلاه هامش رقم 5، من هذا الفصل). إلى نظام الاستحقاق (merit system) حيث وضعت أسس قيام نظام وظيفي في الولايات المتحدة، حيث تم شغل عدة مراكز في الوظيفة العامة بموجب امتحان المؤهلات، وبعد ذلك يتولى المرشحون الناجحون وضعية الموظف المدني. في البداية اقتصر نظام الاستحقاق على ما نسبته واحد من عشرة من الموظفين في الوظائف الاتحادية.

[11]) الإشارة إلى التوسع العسكري الذي حققته الدولة العثمانية التي تجاوزت قرابة نهاية القرن الخامس عشر البلقان إلى أجزاء من هنغاريا وإلى أجزاء من النمسا وإن بشكل مؤقت. كان ينظر إلى هذا التوسع باعتباره خطرًا يطال أوروبا بأكملها.

[12]) يشير ماكس فيبر هنا إلى القيصر ماكسيميليان، وما أوجد في ما ورث من أسرة هابسبورغ من بلاد من سلطة مالية جماعية، إلا أن فعالية هذه السلطة كان تضعف باستمرار من خلال تدخلات القيصر بالذات.

[13]) أُدخلت وظيفة الوزير في البلدان الإسلامية من قبل الخلفاء أواسط القرن الثامن. كان الوزراء على رأس الإدارة، وكان عليهم المثول أمام الرأي العام بوصفهم ممثلي الخليفة. في الدولة العثمانية ظهر ومنذ القرن الرابع عشر منصب الصدر الأعظم الذي يختار الوزراء الآخرين من بين موظفي البلاط. وحده الصدر الأعظم كان يُسمح له باستخدام خاتم السلطان، وكان الصدر الأعظم هذا يمثل السلطان في كافة فروع الإدارة بوصفه السلطة الوحيدة بين فترة وأخرى.

[14]) الإشارة هنا هي إلى عدة أخبار وتقارير كان يحملها دبلوماسيو البندقية حين عودتهم إلى الوطن. وكانت مجمل هذه التقارير تؤرشَف أول الأمر، ثم تُنشر لاحقاً بوصفها مجموعات مصادر عامة. كان الهدف منها عامة، تثقيف الطبقة السياسية العليا في البندقية، انظر: Willy Andreas, Staatskunst und Diplomatie der Venezianer im Spiegel ihrer Gesandtenberichte (Leipzig: Köhler & Amelang, 1943)..

[15]) الإشارة هنا من فيبر إلى الفترة الممتدة بين 770 و221 قبل الميلاد، خاصة إلى الفترة التي شهدت صراع الدول بين 475 و221 قبل الميلاد. من الأمثلة الجيدة على دلالة الثقافة الأدبية في كفاءة الموظف يشار إلى تشانغ يانغ (390 – 338 ق.م.) الذي كان وزيراً ومستشاراً للأمير هسياو فون شين الذي قام بإصلاح الإدارة.

[16]) أثناء التطبيق التدريجي للنظام البرلماني برز في القرن التاسع عشر منصب «زعيم مجلس العموم» (Leader of the House of Commons) وكان هذا المنصب عادة من نصيب الوزير الأول – طالما أنه عضو في مجلس العموم – تولى زعيم مجلس العموم تنسيق البرنامج التشريعي، وبهذه الصفة مارس تأثيراً واسعاً في سير الاستشارات البرلمانية.

[17]) صحيح أن رئيس الولايات المتحدة كان منتخباً من هيئة انتخابية (Electoral College)، إلا أن المندوبين عادة يظلون في تصويتهم على ارتباط بإرادة الناخبين كما تتجلى في الانتخابات العامة التي تجرى قبل ذلك.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading