الأستاذ: نابي عبد القادر
استاذ مساعد قسم ب
كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة الدكتور مولاي الطاهر بسعيدة
aek.nabi@yahoo.fr
ملخص:
تبقى فعالية المحكمة الجنائية الدولية الدائمة مرهونة بسياسات الدول وطريقة تعاطيها مع أحكام وقواعد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية من جهة ووجود إرادة صادقة وحقيقة من المجتمع الدولي ومن واضعي النظام الأساسي من جهة أخرى لمكافحة جميع أعمال العنف والجريمة الدولية بما فيها جريمة العدوان، وإلا سيكون مآل هذه المحكمة الفشل والزوال، كما يجب توعية جميع الدول بضرورة الابتعاد عن الافكار الكلاسيكية الرامية إلى تمسكها بفكرة السيادة المطلقة والتي اصبحت تحول دون تطبيق النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية تطبيقا فاعلا على أرض الواقع.
Résumé:
Restent efficaces internationale permanente des politiques Cour pénale hypothéqués d’Etat et de la façon traiter avec les dispositions et le statut des règles de la Cour pénale internationale d’une part et l’existence de la volonté de l’honnête et le fait de la communauté internationale et les auteurs de la loi sur l’autre pour lutter contre tous les actes de violence et la criminalité internationale, y compris le crime d’agression, et Cependant, cet argent sera l’échec cour et disparaître, comme il se doit informer tous les États de la nécessité de s’éloigner des idées classiques visant à l’adhésion à l’idée de souveraineté absolue, qui est devenu obstacle à l’application de la loi de la requête à la Cour pénale internationale active sur le terrain.
مقدمة:
لقد اتفق المؤرخون وعلى امتداد فترة طويلة من الزمن على أن أهم خطرين كانا يهددان حياة الانسان ووجوده في المجتمعات القديمة هما انتشار الوباء وقيام الحروب، واذا امكن للتقدم العلمي في مجال الطب الانساني الحديث أن يسيطر على انتشار معظم أنواع الاوبئة ويقضي عليها، إلا انه فشل حتى الآن في التغلب على أسباب العدوان وتبرير قيام الحروب.
وفي سبيل القضاء على أسباب العدوان وتجنيب البشرية نتائجه الوخيمة والقاسية، توالت الجهود الدولية منها والوطنية لاحتواء التصرفات الخطيرة والتي من شأنها الاخلال بالسلم والأمن الدوليين، ومن المؤسف أن العدوان اصبح تصرفا تلجأ اليه الدول لأتفه الأسباب.
ومن بين أهم الجهود الرامية إلى حلحلة ظاهرة العدوان نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ انشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، كجهاز قضائي يهف اساسا إلى معاقبة جميع الجرائم الدولية ومرتكبيها وخاصة جريمة العدوان.
ومن المسلم به أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية حتى في حالة التوصل إلى تعريف متفق عليه للعدوان لن يكون مطلقا ليشمل جميع جرائم العدوان التي ارتكبت أو سترتكب، وذلك اسوة بما هو معمول به في النظم القضائية الوطنية وإنما هناك قيود وضوابط تحد من اختصاص المحكمة من جهة، إضافة إلى وجود سلطات ووظائف يؤديها مجلس الامن في حالة وقوع العدوان ويتعين على المحكمة احترامها ومراعاتها من جهة أخرى.
والجدير بالذكر أن الموضوع يثير اشكالية مضمونها:
متى ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان ومحاكمة مرتكبيها؟ وعليه سوف تتم الإجابة على هذه الاشكالية وفق خطة دراسة قسمتها إلى ثلاث محاور هي:
المحور الأول: تقييد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمبدأ الاختصاص التكميلي
المحور الثاني: النطاق الزماني لاختصاص المحكمة
المحور الثالث: الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص.
المحور الأول: تقييد نطاق اختصاص المحكمة بمبدأ الاختصاص التكميلي
تبنى النظام الاساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية مبدأ الاختصاص التكميلي أي؛ أن الاختصاص بنظر الجرائم الدولية المعاقب عليها انما ينعقد اولا للقضاء الوطني فإذا لم يباشر هذا القضاء اختصاصه بسبب عدم الرغبة في اجراء هذه المحاكمة أو عدم القدرة عليها يصبح اختصاص المحكمة الجنائية الدولية منعقدا لمحاكمة المتهمين1.
وقد تم التأكيد على هذا المبدأ في الفقرة (10) من ديباجة النظام الاساسي والتي جاء فيها :[أن الدول الاطراف في النظام…. وإذ تؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشاة بموجب هذا النظام الاساسي ستكون مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية].
وكذلك نص المادة الاولى من هذا النظام والتي اكدت على انه: [… تكون المحكمة مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية ….]
والغرض من تبني هذا المبدأ هو تأكيد مسألة السيادة الوطنية للدول على ما يقع في اقليمها أو يرتكب من رعاياها من جرائم تم تعريفها في قانون المحكمة 2.
فقد حظي هذا المبدأ بتأييد غالبية الدول المشاركة في مؤتمر روما، حيث يرى الكثيرون انه لولا تبني هذا المبدأ لما كانت غالبية الدول المشاركة في مؤتمر روما لتوافق على اتفاقية انشاء المحكمة الجنائية الدولية.
وبالتالي فان الأخذ ذا المبدأ يعني انه عند ارتكاب جريمة العدوان متى تم الاتفاق على تعريفها ودخولها حيز النفاذ أو أي من الجرائم الدولية الأخرى المنصوص عليها في ميثاق روما فان المحكمة لا تتمتع باختصاص تلقائي للنظر بهذه الجريمة ومحاكمة مرتكبيها، وإنما تحتفظ النظم القضائية الوطنية باختصاصه الأصيل في هذا الصدد، ففي مثل هذه الحالة يتعين على الدولة التي اجرت أو كانت تجري التحقيق أو المقاضاة أن تبلغ المحكمة بما قامت أو تقوم به مع رعاياها أو مع غيرهم في حدود ولايتها القضائية فيما يتعلق بالأفعال المجرمة وللمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن يطلب من هذه الدولة أن تبلغه بصفة دورية بالتقدم المحرز في التحقيق الذي تجريه، وبأية مقاضاة تالية لذلك، كما يجب على الدولة أن ترد على ذلك دون تأخير3.
فإذا قامت السلطات الوطنية بواجبها هذا على الوجه الاكمل فان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا ينعقد في مثل هذه الحالة، اما اذا فشلت السلطات الوطنية أو تقاعست عن القيام بالالتزام فان اختصاص المحكمة ينعقد عندها، وهو ما اشارت اليه المادة (18) من النظام الاساسي والتي بينت أن الاختصاص ينعقد للمحكمة الجنائية الدولية بنظر احدى الجرائم المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي اذا تبين لها أن السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على الاضطلاع بإجراءات التحقيق، والاتهام أو اذا قررت الدولة صاحبة الاختصاص عدم مقاضاة الشخص المعني وكان قرارها هذا ناتجا عن عدم رغبة الدولة أو عدم قدرا حقا على المقاضاة4.
وفي مؤتمر روما أثار مصطلحي –غير راغبة- و–غير قادرة – جدلا واسعا بين ممثلي الوفود المشاركة بسبب التخوف من تضييق اختصاص المحكمة بتبني مصطلحات يغلب عليها المعيار الشخصي لا الموضوعي5، وهو ما حاول النظام الاساسي تجنبه من خلال الاشارة إلى بعض المعايير الاسترشادية والتي يمكن أن يستخلص منها اذا كانت الدولة غير راغبة أو غير قادرة فعلا على الاضطلاع بمهام التحقيق والمحاكمة وهو ما عالجته المادة (18) في فقرتيها الثانية والثالثة.
وتجدر الاشارة إلى بعض صور التحايل الذي قد يستهدف سلب اختصاص المحكمة التكميلي، وهو أن القضاء الوطني مته في محاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جريمة العدوان، وان تتم الاجراءات بصورة سليمة وعادلة وان تصدر العقوبة الرادعة والمناسبة بحقهم وبعد ذلك بفترة وجيزة تتخذ السلطات الوطنية قرارا بالعفو عن المسؤولين عن ارتكاب جريمة العدوان، اضافة إلى تطرق النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لهذه الحالة خلافا لما كان عليه الامر في محاكم نورمبرغ ورواندا.
المحور الثاني: النطاق الزماني لاختصاص المحكمة
أكد النظام الاساسي أن اختصاص المحكمة لا يشمل جميع الجرائم التي ارتكبت فيما مضى وقبل سريان معاهدة انشاء المحكمة وانما هو اختصاص مستقبلي بمعنى انه يسري فقط على الجرائم التي سترتكب بعد دخول هذا الميثاق حيز النفاذ، وقد تم تأكيد هذا المبدأ في المادتين (11) و(24) من النظام الاساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية علما أن المادة (11) كانت قد ميزت بالنسبة لبدا اختصاص المحكمة الزماني بين حالتين:
الحالة الاولى: وهي تتعلق بالدول الاطراف في النظام الاساسي والتي يسري اختصاص المحكمة في مواجهتها بمجرد دخول النظام الاساسي حيز النفاذ، وبالتالي فان هذه الدول الاطراف تعد مسئولة امام المحكمة الجنائية الدولية عن الجرائم التي ترتكبها بعد بدا نفاذ هذا النظام، علما انه بالنسبة لجريمة العدوان فان اختصاص المحكمة الزماني في مواجهة الدول الاطراف لن يسري إلا بعد سنة من ايداع وثيقة الموافقة على تعريف العدوان والذي سيعرض للبحث في المؤتمر الاستعراضي للدول الاطراف والذي سيعقد بعد سبع سنوات من تاريخ دخول النظام الاساسي حيز النفاذ، واما اذا كانت الدولة الطرف لم توافق على تعريف العدوان فان اختصاص المحكمة بنظر هذه الجريمة لن يسري في مواجهتها.
الحالة الثانية: وهي تتعلق بالدول التي تنضم بعد بدء سريان المعاهدة وفي مثل هذه الحالة فان اختصاص المحكمة سوف يسري في مواجهتها في اليوم الاول من الشهر الذي يلي ستين يوما من ايداع تلك الدولة لوثيقة التصديق6، مع الاشارة هنا إلى أن تلك الدولة اذا كانت قد انضمت بعد اعتماد تعريف العدوان فان بدء اختصاص المحكمة في مواجهتها سوف يسري من ذلك التاريخ ايضا.
وتذهب العديد من الآراء إلى أن تبني النظام الاساسي لمبدأ الاختصاص المستقبلي انما هو تطبيق للقاعدة العامة النافذة في جميع الانظمة القانونية الرئيسية في العالم، والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي، ذلك أن هذه القوانين تسري عادة بأثر فوري ومباشر ولا ترتد على الماضي لتطبق على الجرائم التي وقعت قبل نفاذها7.
وهو ما يعد ايضا نتيجة طبيعية ولازمة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات؛ لأنه اذا سلمنا بإمكان سريان نص التجريم على الماضي فان معنى ذلك انكار مبدأ شرعية الجرائم حيث يطبق نص التجريم على فعل كان غير مجرم وقت ارتكابه أو يعاقب على الفعل بعقوبة اشد مما كان مقررا له وقت ارتكابه وفيه اهدار لمبدأ الشرعية8.
كما أن النظام الاساسي بتبنيه لهذه القاعدة انما يساهم ايضا في تشجيع الدول على الانضمام والتصديق على معاهدة انشاء المحكمة، دون خوف من العودة إلى الماضي ومسائلة الدولة عن جرائم كانت قد ارتكبتها في ما مضى.
وجدير بالذكر هنا أن واضعي ميثاق روما قد فضلوا الخيار الواقعي على حساب أعمال المبدأ القانوني؛ لأنه لو لم يقيد اختصاص المحكمة من حيث الزمان فمن المؤكد انه لن يكون هناك أي امكانية لخروج هذه المحكمة إلى حيز الوجود، ولو وجدت فكان من المؤكد انها كانت ستغرق بالمئات بل بآلاف الدعاوى والاتهامات المتبادلة عن جرائم وقعت أو افعال ارتكبت في السنوات الماضية. وبالتالي فان الخيار الواقعي كان يستلزم تقييد اختصاص المحكمة فقط بالنسبة للجرائم التي سترتكب بعد دخول ميثاقها حيز النفاذ.
المحور الثالث: الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص
لقد اثارت الشروط جدلا واسعا فإضافة إلى ما سبق ذكره فان المحكمة الجنائية الدولية ليس لها أن تمارس اختصاصها إلا اذا تحققت الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص التي اختلفت حولها وجهات النظر وتناقضت منذ بداية التفكير بإنشاء هذه المحكمة، وذلك من اجل حسم ما اذا كانت المحكمة ستتمتع باختصاص عالمي شامل، ام انها ستواكب مبدأ الاقليمية في الاختصاص الجنائي، وما اذا كانت الدول الاطراف ستخضع تلقائيا لاختصاص المحكمة ام الامر يحتاج ايضا لقبول لاحق واجراءات أخرى.
كما سبق القول فان كل تلك المسائل كانت محلا للنقاش والجدل منذ بداية الجهود الدولية لإنشاء المحكمة فأثناء مناقشة لجنة القانون الدولي اشار المقرر الخاص للجنة إلى أن الفريق العامل معه والمعني بإنشاء المحكمة يعتقد انه ينبغي أن لا يكون لأي محكمة دولية ولاية قضائية الزامية بمعنى ولاية قضائية عامة، تكون أي دولة طرف في النظام الاساسي لها ملزمة بقبولها تلقائيا، بحكم أنها طرفا في النظام ودون موافقة لاحقة، وذلك من منطلق الحفاظ على سيادا وتماشيا مع مبدأ الاقليمية في الاختصاص الجنائي9، وفي مشروعها بشأن النظام الاساسي للمحكمة المقدم إلى الجمعية العامة عام 1993م، عرضت اللجنة ثلاثة بدائل في خصوص قبول اختصاص المحكمة بصدد الجرائم المنصوص عليها في النظام الأساسي10.
وأثناء انعقاد مؤتمر روما تجدد النقاش حول تلك المسائل فأثناء اجتماعات اللجنة التاسعة والعشرين، طلب رئيس الجلسة من الدول المشاركة ابداء ملاحظاتها وتعليقاتها حول البدائل والخيارات التي تضمنها مشروع النظام الاساسي بشان قبول الاختصاص، وحالات الاختصاص التلقائي واختيار التقيد أو اختيار أو قبول الدولة وموافقتها على جريمة أو اكثر من الجرائم. وكذلك تحديد مسالة حسم الدول للاختصاص إلى أن استقر الامر على نص المادة (12) من النظام الاساسي، والتي تحدد القواعد والشروط المسبقة لممارسة المحكمة اختصاصها على النحو التالي:
- الدولة التي تصبح طرفا في هذا النظام الاساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار اليها في المادة (05).
- في حالة الفقرة (ا) أو الفقرة (ج) من المادة (13) يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها اذا كانت واحدة أو اكثر من الدول التالية طرفا في هذا النظام الاساسي أو قبلت باختصاص المحكمة وفقا للفقرة (3).
- اذا كان قبول دولة غير طرف في النظام الاساسي لازما بموجب الفقرة (02) جاز لتلك الدولة بموجب اعلان يودع لدى مسجل المحكمة أن تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث، وتتعاون الدولة القابلة مع المحكمة دون تأخير أو استثناء وفقا للباب (09).
وبتطبيق هذه القواعد على الافتراضات المتعلقة بجريمة العدوان يمكن القول بان المحكمة تختص بالنظر بهذه الجريمة في الحالات التالية اذا تحقق وجود الاختصاص التكميلي والنطاق الزماني:
- اذا كانت الدولتين المعتدية والمعتدى عليها اطرافا في النظام الاساسي.
- اذا كانت الدولة المعتدى عليها طرفا في النظام الاساسي حتى ولو لم تكن الدولة المعتدية طرفا في النظام الاساسي (ما دامت المحكمة تتمتع بالصلاحية والاختصاص اذا كانت احدى الدول الاطراف هي الدولة التي وقع في اقليمها السلوك قيد البحث وهو هنا فعل العدوان).
- اذا كانت الدولة المعتدية طرفا في النظام الاساسي حتى ولو لم تكن الدولة المعتدى عليها طرفا في هذا النظام (ما دامت المحكمة تتمتع بالصلاحية والاختصاص وما دامت احدى الدول الاطراف هي الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة احد رعاياها).
- حتى ولو لم تكن أي من الدول المعنية (المعتدية والمعتدى عليها) أطرافا في النظام الاساسي وذلك في حالة قبول احدهما لاختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان وذلك بموجب اعلان يودع لدى مسجل المحكمة.
- المحكمة الجنائية الدولية تتمتع ايضا بصلاحية النظر بجريمة العدوان حتى لو كانت الدول المعنية (المعتدية والمعتدى عليها) ليست اطرافا في النظام الاساسي ولم يقبل أي منهم لاختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان وذلك اذا احال مجلس الامن متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة حالة إلى المدعي العام يشير فيها إلى ارتكاب الجريمة11، علما أن هذه الحالة تعد استثناء على قاعدة الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية ازاء السلطات الوطنية يحد من تطبيقها لأنه في مثل هذه الحالة تلتزم المحكمة بمباشرة اختصاصها مباشرة على أي واقعة تحال اليها من مجلس الامن ولا تترك الامر في ذلك للسلطات الوطنية12.
تجب الاشارة إلى انه ينبغي أن لا يفهم من عرض الحالات السابقة أن المحكمة تتمتع باختصاص عام وشامل بنظر جميع جرائم العدوان؛ لان اختصاص المحكمة يكون في اطار مبدأ الاختصاص التكميلي.
وفي حقيقة الامر فإننا لو عدنا لاستقراء النصوص السابقة وتحديد الحالات التي يكون للمحكمة فيها أن تمارس اختصاصها على الدول غير الاطراف فإننا نجد أن هناك ثلاث حالات:
الحالة الاولى: تتعلق بقبول الدولة غير الطرف وموافقتها على ممارسة المحكمة هذا الاختصاص وهو ما اشارت اليه المادة (02) في فقرا (04) من النظام الاساسي وايضا المادة (13) في فقرا (03) من هذا النظام، ولا تثير هذه الحالة أي تعارض مع مبدأ الرضائية ما دام أن الدولة قبلت الاختصاص بإرادتها.
الحالة الثانية: وتتعلق بإحالة صادرة من مجلس الامن عندما يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق وهي الحالة التي اشارت اليها المادة (13) في فقرا (ب) وقد وافق المندوب الامريكي صراحة على هذه الحالة وقبل بها في كلمته اثناء مناقشات مؤتمر روما كاستثناء على مد اختصاص المحكمة في مواجهة الدول غير الاطراف.
الحالة الثالثة: تتعلق في حال الدولة المعتدية التي ليست طرفا في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد ارتكبت جريمة العدوان في مواجهة دولة طرف أو في مواجهة دولة قبلت اختصاص المحكمة للنظر بهذه الجريمة. وعند تحليل هذه الحالة نجد انها تتعلق بدولة ارتكبت جريمة العدوان أو أي جريمة دولية أخرى منصوص عليها في النظام الاساسي، ثم رفضت أن تبادر هي بمحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب هذه الجريمة، وهي تريد ايضا أن تسلب المحكمة هذه الصلاحية لتقودنا إلى حالة انكار العدالة، فلا تريد أن تتولى هذه المحاكمة القانونية، ولن تقبل أن تمنح هذا الاختصاص لجهة قضائية دولية أخرى.
وأود التأكيد إلى انه لا ينبغي النظر إلى هذه القضية فقط من زاوية اهدار مبدأ الرضائية بالنسبة للدولة المعتدية، ففي مواجهة التجاوزات أن هناك حقوقا أخرى ستهدر أن سمح للجناة الافلات من العقاب، واعني بذلك حق الدولة المعتدى عليها وبالأخص حقها في الامن والسلام والسيادة والسلامة الاقليمية.
الخاتمة:
أن الدافع الحقيقي لارتكاب جريمة العدوان هو سعي الدول لتحقيق ما تعتقد انه مصلحة لها مع ادراكها لوجود ثغرات أو تناقضات وظروف دولية قد تمكنها من الافلات من العقاب، وتحقيق ما تصبوا اليه من نتائج، وبالتالي فانه ليس صحيحا نسبة أعمال العنف والعدوان إلى دولة معينة أو شعوب محددة أو اتباع ديانة بذاتها، فالعدوان وسائر أعمال العنف الأخرى لا يرتبط بعقيدة أو بجماعة معينة بقدر ارتباطه بالسعي لتحقيق المصالح السياسية المختلفة.
ذلك أن المصلحة هي الدافع الحقيقي وراء أي عمل تقوم به الدول أيا كان هذا العمل وأيا كان هذا الشكل الذي يقدم في اطاره، وهي الهدف الذي تتجه نحوه سياسات جميع الدول دون استثناء، وهي محور الارتكاز والقوة الرئيسية المحركة للسياسة الخارجية لأية دولة، وهي ايضا القانون الاساسي الذي ينبغي أن نستعمله ونطبقه لفهم ظاهرة العدوان وكل انماط التعامل الدولي الأخرى بعيدا عن التجاذبات السياسية الدولية والمصالح السياسية الضيقة.
وتبقى فعالية المحكمة الجنائية الدولية الدائمة مرهونة بسياسات الدول وطريقة تعاطيها مع أحكام وقواعد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية من جهة، ووجود إرادة صادقة وحقيقة من المجتمع الدولي ومن واضعي النظام الاساسي من جهة أخرى، لمكافحة جميع أعمال العنف والجريمة الدولية بما فيها جريمة العدوان، وإلا سيكون مـآل هذه المحكمة الفشل والزوال.
وكإجابة عن الاشكال الذي طرحه هذا الموضوع، ينعقد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان اذا تم احترام الاختصاص التكميلي أي اذا اعطي القضاء الوطني فرصة محاكمة من قام بفعل يشكل جريمة العدوان في منظور النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اضافة إلى احترام النطاق الزماني لاختصاص المحكمة بمعنى أن تتم المحاكمة عن الجرائم الواقعة بعد نفاذ النظام الاساسي في حق الدول دون الجرائم الواقعة قبل نفاذة بمعنى أن تتم المسائلة القانونية للدول بأثر فوري وليس بأثر رجعي، وفي الاخير يجب تحقق الشروط المسبقة لممارسة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
الهوامش:
- عبد الفتاح محمد سراج، مبدأ التكامل في القضاء الجنائي الدولي، القاهرة: منشورات دار النهضة، 2001، ص04.
- احمد ابو الوفا، الملامح الاساسية للنظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وعلاقته بالقوانين والتشريعات الوطنية، مؤتمر المحكمة الجنائية الدولية والتشريعات الوطنية، القاهرة، ديسمبر 2001، ص25.
- وائل أحمد علام، مركز الفرد في النظام القانوني للمسؤولية الدولية، القاهرة: دار النهضة العربية،2001، ص115.
- انظر الفقرة الاولى من المادة (18) من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- عادل الماجد، المحكمة الجنائية الدولية والسيادة الوطنية، القاهرة: مركز الدراسات الاستراتيجية، الاهرام،2001، ص83.
- انظر الفقرة الثانية من المادة (126) من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- ابو الخير احمد عطية، المحكمة الجنائية الدولية، القاهرة: دار النهضة العربية، 1999،ص 39.
- فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، النظرية العامة للجريمة الدولية، الاسكندرية: منشورات المكتبة القانونية، دار المطبوعات الجامعية،2001،ص187.
- ابراهيم العناني، النظام الدولي الامني، (بدون طبعة)، (بدون دار نشر)،القاهرة،1997،ص 298.
- ابراهيم العناني، المرجع الأعلى، ص ص 299 – 300.
- انظر الفقرة (ب) من المادة (13) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- عادل ماجد، مرجع سابق، ص 25.


