“دراسة فقهية مقارنة بما عليه العمل في النظام السعودي”
د/محمد سعيد محمد آل ظفران
الاستاذ المساعد بكلية الشريعة وأصول الدين،
جامعة الملك خالد بالمملكة العربية السعودية،
قسم الأنظمة
مقدمة البحث
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله البر الجواد. الذي جلت نعمه عن الإحصاء بالأعداد. خالق اللطف والإرشاد. الهادي إلى سبيل الرشاد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار. الكريم الغفار * وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وحبيبه وخليله. المصطفى بتعميم دعوته ورسالته. صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين وآل كل وسائر الصالحين. وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن السلطة التقديرية لجهة الإدارة استثناء على مبدأ المشروعية الإدارية، بمعنى أنها ضرورة عملية ونظامية. أي أن السلطة التقديرية للإدارة ينظر إليها كضرورة لازمة لتكملة وتنظيم الفراغ الموجود في دائرة النظام القانوني. إذ من المستحيل على المنظم التوقع المسبق لوضع الحلول لكل الأمور في الحياة المتغيرة ،وعلى ذلك تساعد السلطة التقديرية للإدارة على تفسير هذه النواحي وتكملتها بما تقتضه الحياة في المجتمع آخذة في الاعتبار الظروف الخاصة بكل حالة على حدة.
وإعمالا لمبدأ المشروعية أوجبت الشريعة الإسلامية على جهة الإدارة وهي بصدد استعمال سلطتها التقديرية أن تكون تصرفاتها موافقة مع نصوصها التشريعية ،بحيث لا يكون في قراراتها المتخذة ذريعة إلى مفسدة ممنوعة شرعاً .فرجل الإدارة قبل أن يُقدم على أي تصرف إداري يجب عليه أن ينظر وأن يتأكد أن ذلك التصرف لا يخالف الكتاب أو السنة المطهرة أو أمراً مجمعاً عليه ،ولا يخل بمقصد من مقاصد الشرع، أو يخالف الأنظمة الصادرة بالاستناد إليها ،حتى لا تتعرض تلك التصرفات للبطلان.
وتظهر أهمية هذه السلطة التقديرية للإدارة في أوقات الأزمات والكوارث والأوبئة وأعقاب الحروب، وغيرها من صور الظروف الاستثنائية ،التي لو لم تمارس جهة الإدارة سلطتها التقديرية بما يحقق المصلحة العامة لأختل بنيان الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن نجدة الأمة كلما ألمت بها ملمة واجب عيني على كل قادر عليه ،حتى وإن أصابه ضرر في ماله الخاص فإن الضرر الذي يصيب الأمة في قوام حياتها أعظم وأشد .ويدخل هذا الالتزام في إطار ما يعرف بـ (المسؤولية المجتمعية) وهي ضرورية للمصلحة العامة، وفي ضوئها تتحقق الوحدة وتماسك الجماعة وينعم المجتمع بسلامٍ أشمل وأعمق
والمسؤولية تفرض التعاون والالتزام والتضامن والاحترام والحب والديمقراطية في المعاملة والمشاركة الجادّة التي هي صلة الرحم بين الأفراد في المجتمع الواحد… ثم إن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية شعور نبيل معه نتجاوز الشكليات إلى قدسية الواجب.
أهمية هذا البحث:
من المُشاهد في واقعنا المعاصر أن الأوبئة- ومنها وباء كورونا- بات يأكل الأخضر واليابس ،وجاء على كثير من المقدرات الاقتصادية للأفراد والدول على السواء ،وضعفت بسببه الكثير من وجوه الدخل القومي ، وقعد كثير من الناس عن العمل والانتاج، وأصيبت الكثير من الأسواق بالركود ، وزادت نسبة البطالة ؛مما كان سبباً مباشراً في التزام كثير من الدول بتوجيه جزء من ماليتها لتعويض المنتجين والتجار والعمال عما أصابهم من ضرر.
إلا أن هذه البنود بالنسبة لمالية الدولة بنود طارئة تستدعي ممارسة الدولة لسلطتها التقديرية ودعوة المؤسسات المالية ورجال الأعمال إلى تحمل جزء من التبعات المالية لدرء مخاطر هذه الأوبئة ،سواء تم ذلك بتقديم العون العيني أو النقدي ،أو فرض ضرائب جديدة ،أو رفع أسعار الضرائب الموجودة بالفعل ،أو تقييد بعض الأنشطة الاقتصادية ،أو إلزام التجار بسلوك اقتصادي معين ،أو حظر استيراد سلعاً بعينها ،أو غير ذلك من الوسائل المسعفة في مثل هذه الظروف العصيبة .
وهذا الالتزام يجد أساسه في كثير من الأوامر الشرعية بإيتاء المال على حبه ،أو المسارعة بإخراج زكاة أموالهم ،أو تعجيل إخراجها قبل حلولها ،أو بذل المعونة ،أو الوقف الخيري ،أو نحو ذلك.
والفقه المستنبط من هذه النصوص يتسع ليشمل جميع الهيئات والمؤسسات وذوي اليسار ،وغيرهم كلٌ على قدر طاقته ، ويوصف هذا الجهد بـ “الأمر بالمعروف في حق الآدميين” كما دلت على ذلك عبارة الإمام الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية “([1]).وسيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل.
المنهج المتبع في البحث:
سلكت في هذا البحث المنهج الوصفي(التحليلي، والاستدلالي) حيث أقوم بتوصيف الأساس الشرعي والقانوني أو النظامي للسلطة التقديرية لجهة الإدارة ،وما يرتبط بها من مطالبة المؤسسات المالية ورجال الأعمال بدور فعال للمجتمع خلال الأوبئة والجوائح والكوارث، مع تحليل فقهي لهذه المسألة،ثم بعد ذلك المنهج الاستقرائي للنصوص واستنباط الأحكام منها.
حدود الدراسة :ستكون الدراسة في إطار ما عليه العمل في القضاء الإداري السعودي المقارن بالقضاء الإداري المصري ،مقارنة بما عليه العمل في الفقه الإسلامي لمعرفة وجوه السلطة التقديرية لجهة الإدارة في درء مخاطر الأزمات والكوارث والأوبئة من الناحية المالية سواء ما يتعلق بالإنفاق العام أو الإيرادات العامة وما يترتب على ذلك من قرارات تتعلق بإدارة الأزمات ومدى خضوعها لرقابة القضاء الإداري.
خطة البحث:
يتكون هذا البحث من مقدمة ومباحث ثلاثة وخاتمة :
المبحث الأول: وجوه السلطة التقديرية للإدارة وأثرها في معالجة القضايا المستجدة دراسة مقارنة،وفيه مطالب ستة:
· المطلب الأول : الدلالة الاصطلاحية لمبدأ المشروعية وعلاقته بمسألة البحث.
· المطلب الثاني : دلالة السلطة التقديرية المالية في مجال الإدارة ، وعلاقتها بالمسألة موضوع البحث.
· المطلب الثالث: الأساس الفقهي والقانوني للسلطة التقديرية وأثره في المسألة موضوع البحث.
· المطلب الرابع: منشأ السلطة التقديرية وأهميتها للمسألة موضوع البحث.
· المطلب الخامس: شروط وضوابط السلطة التقديرية في درء مخاطر الأزمات في الفقه والنظام
· المطلب السادس: رقابة القضاء على السلطة التقديرية وأثرها في المسألة محل البحث.
المبحث الثاني: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية وعلاقتها بالمسألة موضوع البحث،وفيه مطالب ثلاثة:
· المطلب الأول: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور وضعي.
· المطلب الثاني: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور الفقه الإسلامي :
· المطلب الثالث: رقابة القضاء على السلطة التقديرية وأثرها في المسألة محل البحث
المبحث الثالث: صور القرارات الإدارية المرتبطة بتمويل الأزمات والكوارث والأوبئة وفيه ستة مطالب:
· المطلب الأول: القرارات الاقتصادية المتعلقة بضبط حركة الأسواق
· المطلب الثاني: قرار فرض ضرائب خاصة على الموسرين لصالح المضرورين
· المطلب الثالث: قرار توجيه جزء من سهم الغارمين في فريضة الزكاة لصالح المضرورين
· المطلب الرابع: قرار نهي الأغنياء عن الادخار ليتسع الأمر على الفقراء
· المطلب الخامس: قرار تمويل الأزمات والكوارث من فضول الأموال مع المحافظة على الأصول الانتاجية
· المطلب السادس: قرار الغوث وطلب المعونة لدرء مخاطر الجائحة أو النائبة
المبحث الأول: وجوه السلطة التقديرية للإدارة وأثرها في معالجة القضايا المستجدة دراسة مقارنة
وفيه مطالب ستة:
· المطلب الأول : الدلالة الاصطلاحية لمبدأ المشروعية وعلاقته بمسألة البحث.
· المطلب الثاني : دلالة السلطة التقديرية المالية في مجال الإدارة ، وعلاقتها بالمسألة موضوع البحث.
· المطلب الثالث: الأساس الفقهي والقانوني للسلطة التقديرية وأثره في المسألة موضوع البحث.
· المطلب الرابع:منشأ السلطة التقديرية وأهميتها للمسألة موضوع البحث.
· المطلب الخامس:شروط وضوابط السلطة التقديرية في درء مخاطر الأزمات في الفقه والنظام
· المطلب السادس: رقابة القضاء على السلطة التقديرية وأثرها في المسألة محل البحث.
المطلب الأول: الدلالة الاصطلاحية لمبدأ المشروعية وعلاقته بمسألة البحث
مبدأ الشرعية في الإسلام أكثر وضوحاً من أي نظام آخر؛ لأن قواعد الشرعية في الإسلام من صنع الله تعالى خالق العباد؛لذا فإنها تعرف ب:” التزام كل من الحاكم والمحكوم بالمصدرين الأساسين في الشريعة الإسلامية ،وهما القرآن الكريم والسنة النبوية ،وكذلك القوانين التي تصدر بناء على إرادة الأمة فيما لم يرد فيه نص ،والمقيدة فيه بروح الإسلام ومبادئه العليا”([2])
ومن منظور قانوني: يقصد بمبدأ المشروعية :خضوع جميع السلطات والأفراد ،أي الحاكم والمحكوم لقواعد النظام وأحكامه ،أي توافق التصرفات التي تصدر عن سلطة الدولة ومواطنيها مع قواعد موضوعة من قبل .أي مع قواعد النظام النافذ، ويقصد بالنظام كافة أنواع القواعد النظامية النافذة في الدولة ،يعني أن تمتثل جميع الهيئات والأشخاص في الدولة لأحكام النظام بمعناه الواسع.
وانطلاقا من ذلك فإن تطبيق مبدأ المشروعية على نشاط الإدارة في تصرفاتها على نحو يتفق مع النظام نصاً وروحاً ،أي على الإدارة أن لا تأتي من الأعمال ،سواء المادية أو النظامية ،إلا ما يكون تنفيذاً أو تطبيقاً لأحكام النظام ،وأن حق القضاء الإداري الاء القرارات الإدارية المخالفة لمبدأ المشروعية([3]).
الشرعية والمشروعية:
المشروعية تعني احترام قواعد النظام القائمة فعلاً في المجتمع ،فهي في حقيقة الأمر مشروعية وضعية.
أما الشرعية فهي فكرة مثالية تحمل معنى العدالة ،وما يجب أن يكون عليه النظام ،فمفهومهما أوسع من مجرد احترام قواعد النظام ،ويقتضي هذا المفهوم قواعد أخرى يستطيع عقل الإنسان المستقيم أن يكتشفها ،ويجب أن يكون المثل الأعلى الذي يتوخاه المنظم في الدولة ويعمل على تحقيقه إذا اراد الارتفاع بمستوى ما يصدر عن أنظمة([4]).
ويرى الشيخ (حمود الفائز ):”أن الرقابة القضائية لأعمال الإدارة رقابة شرعية ومشروعية .والشرعية تعني العدالة وما يجب أن يكون عليه القانون ،في المثل الأعلى الذي يجب أن يتوخاه النظام ويعمل على تحقيقه ..وأما اصطلاح المشروعية فتعني محاولة موافقة الشرع ،أي احترام قواعد القانون القائمة فعلا في المجتمع …” ثم يقول :” ومن ثم فإذا أصدر قراراً خلافًا لحكم شرعي تعين ألغازه أو عدم اعتباره لكونه قراراً معدوماً وفق مصطلح النظم الوضعية ،وكذلك إذا أصدر قراراً خلافاً لحكم توجيه لحكم توجيه الأنظمة المرعية .وكلمة المرعية هنا تعني الأنظمة المعتبرة شرعاً ،والصادرة على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية –فإنه يكون متعين الإلغاء إذا شابه عيب من عيوب القرار الإداري المنصوص عليها في الفقرة (ب) من البند الأول من المادة الثامنة من ديوان المظالم” ([5]).
المطلب الثاني: دلالة السلطة التقديرية في مجال الإدارة وعلاقتها بالمسألة موضوع البحث
السلطة في اللغة تطلق ويراد بها الحجة والبرهان ،قال الله تعالى 🙂 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(([6])،وقوله تعالى :” وسلطان مبين” أي حجة بينة([7]).
وتأتي السلطة بمعنى القوة والقهر والغلبة وقدرة الملك ،كما في قوله تعالى:)وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي(([8]).
ومنه اشتقت كلمة السلطان ،وإنما سمي السلطان سلطاناً ؛لأنه حجة الله في أرضه.
وقال الليث : السلطان قدرة الملك وقدرة من جعل ذلك له وإن لم يكن ملكاً.
وقال الفراء :السلطان عند العرب الحجة” ([9]).
وفي الحديث:” السُّلْطَانُ ظِلُّ الله فِي الأَرْضِ فَمَنْ أَكْرَمَهُ أكرمه الله ومن أهانه أهانَهُ الله”([10]) ، وسمي بذلك لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل حر الشمس وقد يكنى بالظل عن الكنف والناحية([11]) وقيد ذلك بكونه عادلا وإلا فهو في ظل النفس والهوى”([12]).
وتحمل الدلالة الاصطلاحية للسلطة على هذا المعنى اللغوي .
أما التقدير :فيطلق في اللغة ويراد به التعظيم ،قال تعالى 🙂وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ(([13])،أي ما عظموه حق تعظيمه. من قولك فلان عظيم القدر([14]).
والمعنى الأظهر للتقدير هو التدبير ،قال ابن الأثير :” قدرت الأمر أقدره وأقدره إذا نظرت فيه ودبرته. ومنه حديث عائشة –رضي الله عنها- «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن» أي انظروه وأفكروا فيه ([15]).
وعلى هذا فإن أنسب المعاني لدلالة الكلمة (السلطة التقديرية) في اللغة هو: القوة القهرية في تدبير أمر ما.
الدلالة الاصطلاحية للسلطة التقديرية :
السلطة التقديرية في النظام الإداري تعني إعطاء سلطة الإدارة حق التمتع بقدر من حرية التصرف عند ممارسة اختصاصها ،بحيث يترك للإدارة تقدير اتخاذ القرار أو الامتناع عن اتخاذه ،أو اختيار الوقت على نحو تراه مناسبا للتصرف أو السبب المناسب له .
هذا الوصف من منظور الفقه الإسلامي معتبر من وجوه كثيرة ،سواء من حيث دلالة المسمى أو من حيث الآثار المترتبة عليه .
ويرتبط هذا الوصف بما تحفل به الشريعة الإسلامية من مرونة في رسم سياسة الأمور المتغيرة بتغير الزمان والمكان ، أو أحكام الظروف الاستثنائية والسلطة الممنوحة لولي الأمر في معالجة الأمور المستجدة ،حتى قال الخليفة الراشد (عمر بن عبد العزيز- t):” تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور”([16]).
وبموجب هذه القاعدة يكون لولاة الأمر في محيط السلطة التشريعية سلطة واسعة في إدارة الأزمات واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة آثارها ،فمن خلالها يستطيع ولاة الأمر في الأمة أن يسنوا من القوانين والنظم ما يحقق مصالحها ، ويستجيب لداعي حاجاتها العارضة ومطالبها المتجددة ، مما لا نجد له دليلاً خاصاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع ، ولا نظيراً سبق لبعض هذه الأدلة الحكم فيه حتى يمكن أن نربطه به ونقيسه عليه.
تعريف السلطة التقديرية من منظور قانوني:
عَّرف الدكتور سليمان الطماوي –رحمه الله تعالى- السلطة التقديرية بأنها نوع من الحرية تتمتع بها الإدارة لتقدير خطورة بعض الحالات الواقعية التي تحدث ،ولاختيار وقت تدخلها ولتقدير أصلح الوسائل لمواجهة هذه الحالة ([17]).
وعرفها بعضهم بأنها هي:” الحق الممنوح للإدارة في ممارسة نشاطها العادي، في الظروف الطبيعية ،وأن تتخذ عند وجودها أمام ظروف معينة وحالات معروفة القرارات التي تراها ملاءمة([18]).
وعرفها بعض العلماء المعاصرين بأنها:” حيزٌ تركه النص أو الدليل الشرعي للملائمة بين تطبيق النص أو الدليل وبين الواقع “([19]).
وبالجملة فإن السلطة التقديرية لولي الأمر هي تلك الحالة التي لم يرد بشأنها نص من كتاب أو سنة يحددها ،مما يقتضيه تنظيم مرافق الدولة وتدبير شؤونها ،ورعاية الصالح العام ،أو كل ما يجلب مصلحة أو يدرأ مفسدة على مقتضى من روح الشريعة الإسلامية ،ومقاصدها العامة ([20]).
والإدارة في هذا المجال وإن كانت حرة ،لكنها محاطة دائما بفكرة المصلحة العامة التي تشرف على جميع أعمالها وتهيمن على كل تصرفاتها. وفي نطاق فكرة المصلحة العامة قد يلزمها المشرع بمراعاة هدف محدد ومعين من أهداف المصلحة العامة، فالحدود الخارجية للسلطة التقديرية هي فكرة المصلحة العامة وعناصرها الداخلية هي أهمية الوقائع ،ووقت التدخل ووسيلة مواجهة الحالة.
وفي إطار المسألة موضوع البحث :
فإن جهة الإدارة على جميع مستوياتها تجد نفسها أمام وقائع مستجدة تستوعب مالية الدولة في إطار الالتزامات الأساسية المنصوص عليها في الظروف العادية ،وتتخطاها إلى الظروف الاستثنائية التي لم تكن تتوقعها مما يرهق ميزانيها وتستوجب عليها توفير التمويل اللازم لدرء مخاطر الأزمات والأوبئة والكوارث ،الي تعرف في إطار علم المالية العامة بالنفقات غير العادية وغير الدورية ،وهي نفقات استثنائية لا تتكرر بانتظام في ميزانية الدولة ،فتحدث في فترات متباعدة وعرضية ،تكون الدولة معها مضطرة إلى خلق إيرادات غير عادية لتغطية نفقاتها الاستثنائية وغير العادية. بالإضافة إلى النفقات العامة المخصصة لمواجهة وباء طارئ أو زلازل أو حروب أو غيرها من الأزمات الطارئة.
وإذا دققنا النظر في الإيرادات العامة في الإسلام وجدناها تتنوع في عددها ، وتتعدد في مصادرها ، فمنها ما ثبت بالكتاب أو السنة ، ومنها ما ثبت بإجماع الصحابة ، ومنها ما ثبت باجتهاد المفكرين المسلمين في مختلف العصور ، وتتدرج هذه الإيرادات في الأهمية تبعا لمصدر ثبوتها ، فلا نلجأ لمجموعة منها إلاَّ بعد استنفاد سابقتها ، ومن الطبيعي أن نجد أهم الإيرادات المالية في النظام المالي الإسلامي ثابتة بالكتاب الكريم الذي هو دستور النظام الإسلامي ، ومن الطبيعي أيضا أن نجد تعضيدا لذلك من السنة المطهرة التي جاءت شارحة ومفسرة لما ورد في القرآن الكريم ، وكذلك فإن بعض الموارد ثبت بالسنة فقط([21]).
وصور هذه السلطة في مجال المال العام كثيرة ،وعلى الأخص السياسة العمرية التي انتهجها الفاروق عمر بن الخطاب – t- بشأن الخراج التي اشتملت على كثير من الأحكام المتعلقة بالمصلحة، ومن أهمها :
أولاً : المحافظة على حقوق من جاء بعدُ من المسلمين ، ولذلك قال عمر – t- فيما رواه البخاري عن زيد بن أسلم مولى عمر:” «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَيَّانًا([22]) لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ -r- خَيْبَرَ وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا»([23]) . فقد راعى الفاروق عمر –t- في ذلك مصلحة من يأتي بعده من المسلمين([24]).
ثانيًا : في تشريع الخراج وأخذ الضريبة عليه وبقاء الأرض في يد أصحابها الصلاح للمسلمين وغيرهم ؛ لما يترتب على ذلك من عمارة أهلها وأربابها الذين هم أقدر عليها من الغانمين لوفرة خبرتهم وعملهم بها ، ولذلك قال عمر –t- : “يكونوا عمار الأرض، فهم أعلم بها وأقوى عليها ولو قسمت الأرض لاستأثر كل مجاهد بنصيبه ولم يبق ما يصرف على عمارة الأرض ، وربما انشغل المجاهدون بعمارة الأرض، ولم يتفرغوا للجهاد المطلوب منهم ([25]).
ثالثاً : في تشريع الخراج القوة للمسلمين على عدوهم ، ولذلك لما طلب الزبير بن العوام (رضى الله عنه) من عمرو بن العاص(رضى الله عنه) قسمة الأرض ورفض عمرو حتى يكتب إلى عمر وأجابه بقوله : دعها حتى يغزو منها حبلُ الحُبْلَةُ.([26]) فقال أبو عبيد :أراه أراد أن تكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا ،حتى يرثه قرن عن قرن فتكون قوة على عدوهم ([27]).
رابعاً: في تشريع الخراج تحقيق الوئام والوفاق بين المسلمين ، ولذلك قال علي – t- : لَوْلَا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَمْتُ السَّوَادَ بَيْنَكُمْ“([28]).
والواقع العملي للأمة الإسلامية يؤكد حقيقة أهم، وهى أن الإسلام يؤكد على رفض ما نسميه اليوم بفساد القطاع العام ، مما يعطينا سنداً قوياً على أهمية الملكية الخاصة في تحقيق متطلبات التنمية الاقتصادية في ظل الضوابط الإسلامية ، فالإمام على بن أبى طالب (رضى الله عنه) كان قد وافق الخليفة عمر بن الخطاب على عدم قسمة الأراضي المفتوحة في الشام والعراق ومصر ، وجعل ملكية رقبتها للدولة وإقرار أهلها عليها لزراعتها وعمارتها ، ومع ذلك فإن موقف سيدنا علي(رضى الله عنه) تغير في زمن خلافته وذلك لتغير الظروف “([29]).
ومن يتتبع النصوص والمواقف الإسلامية يجد أن حصيلة الخراج كان ينفق منها على المستوى المحلي كما ينفق منها على المستوى الإسلامي كله ، ولا أدل على ذلك من قول عمر :” والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وليأتين الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه”([30])
وقوله لعمرو بن العاص(رضى الله عنه) حاكم مصر :”وفر الخراج وخذه من حقه ، ثم عف عنه بعد جمعه فإذا حصل إليك وجمعته أخرجت عطاء المسلمين ، وما يحتاج إليه مما لابد منه ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فأحمله إلي”([31]).
والرأي الذي بني عليها القرار الإداري بشأن وقف الأراضي المفتوحة ، ذهب إلى أن الإمام – باعتباره نائب المسلمين- مخير بين قسمتها على الغانمين كالمنقول وبين وقفها للمسلمين ويضرب عليها الخراج يؤخذ ممن هي بيده ، حتى ولو أسلم أهلها أو انتقلت إلى مسلم ، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية.
وحجتهم في ذلك ما رواه أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة(رضى الله عنه) قال: قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -r- خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا»([32]).
وقد روى البخاري عن عمر(رضى الله عنه) :” لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَيَّانًا([33]) لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ -r- خَيْبَرَ وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» ([34]).
وفي تقديري أن الرأي الذي فيه التخيير للإمام بين التقسيم للأرض وبين ضرب الخراج عليها ووقفها بحسب ما تقضي به المصلحة ، هو أعدل الآراء وأوسطها، لما فيه من الجمع بين الأدلة ما أمكن ، وهو أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر ، لاسيما وقد وقع منه – r- الأمران معا في أرض خيبر ، ومن ثم فإن النفس تطمئن إلى ترجيحه والعمل بموجبه . والله أعلم .
وبالنظر فيما تقدم نجد أن عناصر القرار الإداري قد تحققت ،والتي تتمثل في :
1- أسباب القرار الإداري وهي الواقعة السابقة على حدوثه والتي تدفع إليه (الحصول على مورد مالي متمثلاً فالأراضي المفتوحة)
2- موضوع القرار: وهو الأثر المباشر والحال للقرار،وهو ما يعرف بعنصر السبب. (تقسيمها على الغانمين أو وقفها على عموم المسلمين).
3- الغرض الذي هو النتيجة النهائية التي يؤدي إليها موضوع القرار الإداري.(فعل ما فيه المصلحة )
4- إعلان الإدارة :وهو الذي يفصح عن موضوع القرار الإداري بناء على أسبابه لتحقيق أغراضه.(الموافقة على وقف الأراضي المفتوحة وعدم تقسيمها).
ويلاحظ أن موضوع السلطة التقديرية قد ظهر في موضوع القرار(عنصر السبب)في القرار الإداري ،وهو الحالة الواقعية التي بررت اتخاذ هذا القرار ،والتي تنصرف إلى مجال تقدير صحة الوقائع المبررة لاتخاذ القرار ،كما تنصرف إلى مجال التكييف النظامي لهذه الوقائع وإعطائها الوصف القانوني المناسب للواقعة التي تبرر اتخاذ القرار ويترك القانون أو اللائحة للإدارة حرية تقدير ملاءمة هذا الموضوع لتحقيق المصلحة العامة ([35]).
المطلب الثالث: الأساس الفقهي والقانوني للسلطة التقديرية وأثره في المسألة موضوع البحث
تؤسس السلطة التقديرية للإدارة على أساس مبدأ الفصل بين الإدارة والقضاء ،ومعنى ذلك أنه عندما يطلب القاضي أن يتدخل في المنازعة الإدارية فإنه لا يناقش العمل الإداري موضوع الدعوى إلا من حيث مخالفته أو مطابقته للأنظمة ،وما يترتب على ذلك من آثار دون أن تمتد ولايته إلى الملائمات الإدارية([36]).
ومن منظور فقهي : تؤسس السلطة التقديرية للإدارة المالية على عدد من المسوغات الشرعية أهمها:
أولاً: القواعد الفقهية المقررة في مجال تصرفات ولي الأمر ،مثل قاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة “. وهذه القاعدة نص عليها الإمام الشافعي وقال: ” منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم “. قال السيوطي:قلت: وأصل ذلك: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه ،عن البراء بن عازب قال: قال عمر رضي الله عنه ” إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته فإن استغنيت استعففت “([37]).
ومن تطبيقات هذه القاعدة على المسألة موضوع البحث:
1- أنه لا يجوز للإمام أن يقدم في مال بيت المال غير الأحوج على الأحوج([38]). وهذا معتبر في توزيع ما هو متاح من الموارد على البدء بأكثر الناس ضررا من آثار الأزمة أو الكارثة أو الوباء.
2- وظيفة الإمام القسمة. والقسمة لا بد أن تكون بالعدل.ومن العدل: تقدم الأحوج والتسوية بين متساوي الحاجات فإذا قسم بينهما، ودفعه إليهما علمنا أن الله ملكهما قبل الدفع. وأن القسمة إنما هي معينة لما كان مبهما، كما هو بين الشريكين، فإذا لم يكن إمام وبدر أحدهما واستأثر به، كان كما لو استأثر بعض الشركاء بالماء المشترك، ليس له ذلك([39]).
3- ومنها: ما وقع بعد السبعمائة ببلاد الصعيد أن عبدًا انتهى الملك فيه لبيت المال فاشترى نفسه من وكيل بيت المال، فأفتى جلال الدين الدشناوي([40]) بالصحة ” فرفعت الواقعة إلى القاضي شمس الدين الأصبهاني([41]) فقال: لا يصح ; لأنه عقد عتاقة، وليس لوكيل بيت المال أن يعتق عبد بيت المال.
قال ابن السبكي في التوشيح: والصواب ما أفتى به الدشناوي، فإن هذا العتق إنما وقع بعوض، فلا تضييع فيه على بيت المال([42]).
وبمقتضى هذه القاعدة فإن تصرف كل من ولي أمراً من أمور المسلمين يجب أن يكون مبنياًّ على المصلحة العامة ،وإلا كان التصرف غير صحيح ولا ينفذ شرعاً،سواء كان مصدر القرار الإمام أو الأمير أو الوالي أو القاضي أو الموظف.
ثانياً: الضمان الاجتماعي التزام أصيل على عاتق ولي الأمر أو من ينيبه حماية للمجتمع من أن يتصدع أو ينهار ، وهو ضمان شامل لكل من يعيش في المجتمع سواءً أكان مسلماً أو غير مسلم ، وهذا نابع من عدل الإسلام ، ورسالته الإنسانية العامة التي تتسع لتشمل كل من يقيم في دار المسلمين.
فقد روى أبو عبيد كتاب عمر بن عبد العزيز(رضى الله عنه) إلى عدى بن أرطأة ([43])- وفيه: أما بعد فإن الله – U- إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتياً وخسراناً مبيناً ، فضع الجزية على من أطاق حملها ، وخل بينهم وبين عمارة الأرض ، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم ، وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه ، وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق ، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ، ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه”([44]) .
ثالثا: أن تفويض ولي الأمر في اتخاذ ما يراه مناسباً من قرارات إدارية سلطة معتبرة شرعاً، ظهرت في كثير من مجالات القرارات الإدارية المالية الرشيدة التي تلجأ الإدارة إليها لدرء مخاطر الظروف الاستثنائية ،منها:
1- فعل ما فيه خير ومصلحة الأمة من جمع وتوزيع المال ،وتقرير رقابة الأمة على ما يصدره من قرارات تتعلق بالإدارة المالية ،واجب شرعي وهو ما قرره الفاروق عمر (رضى الله عنه) في أول خطبة له بعد بيعته ، جاء فيها:” ولكم عليَّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم عليَّ ألا أجتبي شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلاَّ من وجهه ، ولكم عليَّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلاَّ في حقه ، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى ، ..وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال،وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلاَّ بثلاث: أن يؤخذ من حق ، ويُعطى في حق ويُمنع من باطل” ([45]) .
2- ضبط دخل وخرج بيت المال بما يراه محققاً للمصلحة العامة ،ومشروعية الاستقراض عليه متى كان له ما يبرره ، وفي هذا يقول الزيلعي الفقيه الحنفي :” وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتا يخصه ولا يخلط بعضه ببعض لأن لكل نوع حكما يختص به فإن لم يكن في بعضها شيء، فللإمام أن يستقرض عليه من النوع الآخر ويصرفه إلى أهل ذلك ثم إذا حصل من ذلك النوع شيء رده في المستقرض منه إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو من خمس الغنيمة على أهل الخراج وهم فقراء فإنه لا يرد فيه شيئا لأنهم مستحقون للصدقات بالفقر وكذا في غيره إذا صرفه إلى المستحق ويجب على الإمام أن يتقي الله تعالى ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة فإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبًا”([46]).
3- تقسيم المتاح من الموارد في الأزمات ،مع كون الإمام هو القدوة ،ولعل ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب(رضى الله عنه) في عام الرمادة (20هـ) ،وذلك بقوله (رضى الله عنه) “لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن ادخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسمونهم نصف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا – المطر- فعلت فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم”([47]).
4- مشاورة واختيار أهل الدين والأمانة في تصريف الإدارة المالية .وسيأتي بيانه .
5- ترتيب مصادر تمويل الأزمات والكوارث والأوبئة ، بالإنفاق عليها من بيت المال ،فإذا خلا بيت المال من المال ،تعين فرض تحمل تبعاتها على الموسرين ،وفي هذا نقل الإمام الماوردى عن الإمام الشافعي “أن النوائب يتعين فرضها على المسلمين إذا حدثت“([48])، فإذا حلت بالبلاد نائبة عجزت الموارد المالية المتاحة عن مجابهتها، فإنها ستجد مصدراً تمويلياً غير تضخمي ،في صورة فرض تبعة النوائب الخارجة عن إرادتها على الرعية، فضلاً عن الاقتراض منهم. وترتيباً على هذه الأقوال- وغيرها كثير -يجوز للإمام توظيف أموال القادرين بالقدر المناسب دون إرهاق الرعية أو تضييقاً عليهم بشرط خلو بيت المال – الخزانة العامة – من الإيرادات الموسمية ،إذ من الخطأ أن ينتظر الإمام أو رئيس الدولة مورداً موسمياً حدد المشرع مصرفه، بحيث لا يمكن أن يحيد عنه، وهو ما دلت عليه عبارات الفقهاء:
6- يقول الإمام الغزالي في المستصفى: ” أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج؛ لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور “([49]).
7- ويقول محمد بن الحسن الشيباني:” وعلى هذا لو أراد الإمام أن يجهز جيشا فإن كان في بيت المال سعة فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال ولا يأخذ من الناس شيئا، وإن لم يكن في بيت المال سعة كان له أن يتحكم على الناس بما يتقوى به الذين يخرجون إلى الجهاد. لأنه نصب ناظرا لهم، وتمام النظر في ذلك” ([50]).
هذا الترتيب في تمويل الأزمات يضمن تحقيق أكبر قدر من درء مخاطرها،وتجنب ما يثقل كاهل الدولة، بالاقتراض أو فرض ضرائب جديدة ،وهي مسألة متفق عليها في علم الإدارة المالية الرشيدة.
المطلب الرابع: منشأ السلطة التقديرية وأهميتها للمسألة موضوع البحث
منشأ هذه السلطة في النظام الإداري الإسلامي هو أن الأصل الأول والمصدر العام للإسلام ، وهو كتاب الله تعالى لم يتعرض فيه لتفصيل الجزئيات، بل نُص فيه على الأسس الثابتة والقواعد الكلية التي يبنى عليها تنظيم الشئون العامة للدولة. وهذه الأسس والقواعد قلما تختلف فيها أمة عن أمة أو زمان عن زمان.
أما التفصيلات التي تختلف فيها الأمم باختلاف أحوالها وأزمانها ، فقد سكت عنها لتكون كل أمة في سعة من أن تراعي فيها مصالحها الخاصة وما تقتضيه حالتها([51]).
فالقرآن الكريم لم ينص في الشئون العامة على تفصيل الجزئيات وما كان هذا لنقص فيه أو قصور وإنما لحكمة بالغة حتى يتيسر لكل أمة أن تفصل نظمها على وفق حالها وما تقتضيه مصالحها على ألا تتجاوز في تفصيلها حدود الدعائم التي ثبتها ، فهذا الذي يظن أنه نقص هو غاية الكمال في نظام التقنين الذي يتقبل مصالح الناس كافة ولا يحول دون أي صلاح.
وعن هذا الوضع يقول الشيخ محمود شلتوت ( رحمه الله تعالى )- “وهو تفصيل ما لا يتغير وإجمال ما يتغير ، وهو أحد الضرورات التي تقضي بها ، ويتطلبها خلود الشريعة ودوامها” ويضيف رحمه الله: “فليس من المعقول أن تعرض شريعة جاءت على أساس من الخلود والبقاء والعموم ، لتفصيل أحكام الجزئيات التي تقع في حاضرها ومستقبلها ، فإنها مع كثرتها الناشئة عن كثرة التعامل وألوانه متجددة بتجدد الزمن وصورة الحياة ، فلا مناص إذن من هذا الإجمال والاكتفاء بالقواعد العامة([52]) .
ومن منظور قانوني:
فإن خضوع الإدارة للنظام يعني احترام الإدارة للقواعد النظامية المستمدة من مصادرها المختلفة ،وهذا يكفل على أحسن وجه العدالة والمساواة بالنسبة للمحكومين ويضمن أن تمار الإدارة سلطاتها في حدود القواعد التي تنظم نشاطها وتحدد اختصاصاتها ،وهذا المر وإن كان هدفا يحقق طموح الأفراد في المحافظة على حقوقهم وحرياتهم ،إلا أنه لا يؤمن متطلبات تحقيق الصالح العام لأسباب كثيرة ،منها([53]):
1. استحالة أن يتصدى المنظم لتنظيم النشاط الإداري بشكل تفصيلي بكل تفصيلاته ودقائقه ،ويضع له القواعد القانونية ،وبخاصة مع التطور السريع في كل مجالات الحياة .
2. أن التحديد يتعارض مع متطلبات الصالح العام التي تستدعي أن تتمتع الإدارة بمرونة واسعة في نشاطها الذي تمارسه تحت مختلف الظروف وفي مواجهة مختلف المناسبات والوقائع.
“وعليه فإنه إذا كان من الممكن ومن الضروري في مجالات محددة أن يقيد المنظم نشاط الإدارة بقواعد آمرة تقييداً كاملاً ،إلا أنه من مقتضيات الصالح العام أن يترك للإدارة في الغالبية من الحلات قسطا من حرية التصرف يتيح لها أن تختارالوسيلة المناسبة لمواجهة الظروف والوقائع ،وأن يتيح لها في مجالات أخرى فرصة الاختيار بالنسبة لوقت إقدامها على التصرف “([54]).
ومؤدى ما تقدم أن السلطة التنفيذية عندما تقوم بنشاط تجد نفسها أمام أمرين :
الأول: أن يحدد لها القانون أو النظام سلفاً الطريق الذي يجب إتباعه بأن ينص على الشروط الواجب توافرها حتى تستطيع إصدار القرار الإداري ،وفي هذه الحالة لا يكون للإدارة حرية تقدير ملاءمة القرار الإداري ،أي القاعدة هنا ليست اختيارية .
الثاني: أن يترك المنظم للإدارة إصدار القرار ويسكت المنظم عن وصف الطريق الواجب على الإدارة إتباعه سلفاً .فالمنظم لم ينصب نفسه قاضي ملاءمة القرار ،بل جعل الإدارة قاضي الملاءمة،ولاتخضع في هذا الشأن لرقابة القاضي ؛لأن القاضي يراقب ملاءمة القرار في حالة الاختصاص المقيد، إنما يحل محل المنظم للتأكد من الإدارة قد سايرت المنظم في تقديره لملاءمة القرار ،أما بالنسبة للقرار الصادر بناء على ما للسلطة التنفيذية من سلطة تقديرية ،فإن المنظم نفسه قد جعل الإدارة هي قاضي ملاءمة ،إذ لا محل لتدخل القاضي([55]).
وهذا خلاصة ما استقر الحال عليه في محكمة القضاء الإداري المصري ،كما هو الشأن في قرارها الصادر بتاريخ (20/2/1952م) وتفسيرها للسلطة التقديرية بأنه”.. ليس للمحكمة أية رقابة على المناسبات التي تحمل الإدارة على تقدير الملاءمة أو عدم الملاءمة في إصدار قرارها أو على الاعتبارات التي تراعيها في ذلك إلا إذا قام الدليل المقنع على أن هذه المناسبات والاعتبارات تنطوي في ذاتها على إساءة استعمال السلطة ..ذلك أن الإدارة في تقدير ظروف الأمر الإداري وملاءمة إصداره تحتاج بطبيعة وظيفتها إلى قسط كبير من حرية تقدير مناسبة العمل وملابساته ووزن مختلف السبل التي تصح أن تسلكها لتتخير منها أفضلها فيما تجريه من تصرفات([56]).
لقد اعتبرت المحكمة أن السلطة التقديرية للإدارة هي ذلك القسط الكبير من حرية تقدير مناسبات العمل وملابساته .
أهمية السلطة التقديرية في المسألة موضوع البحث:
تظهر أهمية السلطة التقديرية في المسألة موضع البحث( درء مخاطر الأزمات والكوارث والأوبئة ) في أمور كثيرة منها:
1. أنه يصعب على المنظم أن يضع مقدماً قواعد تتلاءم مع الاختلاف المستمر لمظاهر الحياة الاجتماعية ،الأمر الذي يستدعي حتما ترك الإرادة حرة في تلك الملاءمة ؛لأنها أكثر إدراكاً وقدرة على ذلك باستعمالها لوسائل تكفل حسن سير المرافق العامة واضطرادها دونما عقبات تشريعية سابقة ومعدة سلفاً.
2. أن فكرة السلطة التقديرية تساعد على إدخال فكرة العدالة والمساواة عند تطبيق القاعدة القانونية ،ذلك لأن القانون عندما يضع قاعدة قانونية ،إنما يفرض مبادئ عامة لحل مجموعة من الموضوعات متقاربة ،ولكنها ليست متماثلة ،وذلك تبعاً لاختلاف الظروف من حالة إلى أخرى ،فبناء على ما للإدارة من سلطة تقديرية تستطيع أن تراعي ظروف كل حالة وتقدير هذه الظروف والاعتبارات الخاصة بكل حالة عند إصدار القرار الإداري يؤدي إلى تحقيق العدالة الأمر الذي يتعذر تحقيقه عند وضع قاعدة عامة ومجردة([57]) .
وتفسير ذلك من منظور فقهي واضح وجلي ،فإنه قد يحدث أن يستجد أمر دينوي لم يرد النص عليه بعينه ،يتعين الفصل فيه وقطع مادة التنازع حتى لايقال إن الشريعة قاصرة عن القيام بمتطلبات الحياة ومتابعة التغيرات والتطورات ،لو لم يضع ولاة الأمر من التشريعات المناسبة في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء ومبادئه الكلية لوقع الناس في الحرج ،وربما تعدى الأمر إلى الهرج والمرج.
وهذا ما فطن إليه إمام الحرمين (الإمام الجويني ) في كتابه (غياث الأمم) ،فيقرر :” وإن قدرت آفةُ وأزم وقحط وجدب، عارضه تقدير رخاء في الأسعار تزيد معه أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات، فالوجه استحثاث الخلق بالموعظة الحسنة، على أداء ما افترض الله عليهم، في السنة، فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر، ..” ([58])
ويقول في موضع آخر:” ولو لم يتدارك الإمام ما استرم من سور الممالك، لأشفى الخلائق على ورطات المهالك، ولخيفت خصلة لو تمت لكان أهون فائت فيها أموال الأغنياء، وقد يتعداها إلى إراقة الدماء، وهتك الستور، وعظائم الأمور ([59]).
ويرتبط هذا الإجراء الإداري بما توجبه النصوص الشرعية من سرعة الإغاثة وعلو الهمة في النجدة والاستنقاذ والاقالة من العثرات .
وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[([60]).
قال القرطبي :”لما حكم الله -عز وجل- لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة، وذلك أن ثقيفًا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة شكوا العسرة- يعنى بنى المغيرة- وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية” وإن كان ذو عسرة”([61]).
ومنه ما رواه الإمام أحمد في مسنده عَن أَبِي هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وسلم) 🙁 مَنْ أَقَالَ عَثْرَةً أَقَالَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )([62]).
المطلب الخامس: شروط وضوابط السلطة التقديرية في درء مخاطر الأزمات في الفقه والنظام
لا تستطيع الإدارة ممارسة السلطة التقديرية في درء مخاطر الأزمات إلا في إطار شروط وضوابط معينة،أهمها([63]):
1- صدور القرار عن الجهة الإدارية المختصة .
2- الهدف من القرار تحقيق النفع العام ؛لذا قضت المحكمة الإدارية العليا المصرية “أن السلطة التقديرية للإدارة تجد حدها الطبيعي في الرقابة على عدم إساءة استعمالها والانحراف بها، وأن الهدف الذي يسعى إليه رجل الإدارة ينبغي أن يكون على الدوام تحقيق المصلحة العامة “([64]).
3- تحقق السبب الذي من أجله صدر القرار الإداري ،والمقصود به الحالة الواقعية أو النظامية التي تسبق صدور القرار الإداري وتدفع الإدارة إلى إصداره.
4- ملاءمة القرار الإداري للأسباب التي دعت للقيام به([65]).
وقد صدرت عن ديوان المظالم الكثير من الأحكام ،ففي حكم له :”مناط مشروعية السلطة التقديرية للإدارة في هذا الشأن أن يكون مبعثا تحقيق مصلحة عامة مردها إلى مقتضيات العمل وظروفه أو غيرها من اعتبارات المصلحة العامة ،وإلا كان تقديرها غير قائم على أساس سليم وما ينطوي عليه من خطأ في جانبها”([66]).
وفي حكم آخر جاء فيه:” متى قدرت الإدارة ذلك بتغليب مصلحة المرفق الفنية على مصلحتها المالية ،كان لها أن تستبعد هذا العطاء ،ولا يعتبر تصرفها في هذا الشأن إساءة لاستعمال السلطة أو انحرافا في أدائها ، وذلك أن الإدارة لا تكون متجنية ولا متعمدة إقصاء صاحب العطاء الأقل عن العملية لغير سبب مشروع..” ([67]).
ومن منظور الفقه الإسلامي:
فإن عمل الإدارة في مجال السلطة التقديرية منضبط بميزان الشريعة الإسلامية ،بحيث لايطلق يد ولي الأمر يفعل ما يشاء تجاه القضايا المستجدة ،بل يوجب عليه بناء القرار الإداري لمعالجة الأزمات محل البحث على أساس من مشاورة أهل الخبرة ، والثقة والدين والأمانة ،ويظهر ذلك من قول القاضي أبي يوسف –في نصيحته لأمير المؤمنين هارون الرشيد “فأمرت رجلاً من أهل الخير والصلاح ،يوثق بدينه وأمانته، فتوجهه في ذلك حتى ينظر فيه ويسأل عنه أهل الخبرة والبصيرة به ،ومن يوثق بدينه وأمانته من أهل ذلك البلد. ويشاور فيه أهل غير ذلك البلد ممن له بصيرة ومعرفة، ولا يجر لنفسه منفعة ،ولا يدفع عنها مضرة، فإذا اجتمعوا على أن في ذلك صلاحاً وزيادة في الخراج ،أمرت بحفر تلك الأنهار، وجعلت النفقة من بين المال”([68]).
وفي شأن قضية الغلاء الفاحش وما يوجبه من قرار التسعير ،فإن ولي الأمر لا ينفرد بالقرار الإداري المتمثل في جبرا لمحتكر على البيع بثمن المثل ، بل يتعين عليه مشاورة أهل الاختصاص ،قال ابن حبيب([69]): “ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم كيف يشترون، وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم، وللعامة سداد حتى يرضوا به قال: ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا، وعلى هذا أجازه من أجازه، ووجه ذلك أن بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس”.([70])
وقد تكون الشدة والقوة في القرار الإداري أسلوباً مناسبا إذا كانت الفئات والجماعات المارقة على النظم والقوانين من المحتكرين وغيرهم لا تنزجر إلا بذلك، وخاصة في ظل الظروف الاستثنائية ، ذكر ابن إياس في تاريخه: “وقع الغلاء بمصر في زمن الحاكم بأمر الله في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، فاجتمع الناس تحت قصر الزمرد واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر في أحوال الناس ، فقال لهم الحاكم “إذا كان الغد أتوجه إلى جامع راشدة وأعود من مصر ، فإن وجدت في طريقي مكاناً خالياً من الغلة ضربت عنق صاحب ذلك المكان ، ثم أنه توجه إلى جامع راشدة وتأخر هناك إلى ما بعد العصر ، فما بقى أحد من أهل مصر والقاهرة إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها في الطريق الذى يمر عليه الحاكم ، فلما رجع من جامع راشدة وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات وشبعت أعين الناس ، فقرر مع أصحاب الغلال أن لا يدخر في بيته شيئاً من الغلال ، وقرر معهم أسعار كل صنف من الغلال بثمن لا يزيد ولا ينقص ، ووقع الرخاء في مصر وسائر أعمالها ، وذلك من شدة رعب الناس من الحاكم ومن سطوته“([71]).
المبحث الثاني: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية وعلاقتها بالمسألة موضوع البحث
وفيه مطالب ثلاثة:
المطلب الأول:السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور وضعي.
المطلب الثاني:السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور الفقه الإسلامي :
المطلب الثالث:رقابة القضاء على السلطة التقديرية وأثرها في المسألة محل البحث
المطلب الأول: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور وضعي
إذا كان على الإدارة واجب احترام القواعد القانونية عند قيامها بوظائفها ،فإن هذه القواعد عادة ما تتناسب مع الظروف العادية فحسب .فإذا طرأت ظروف استثنائية كحالة حرب أو فتنة أو كارثة أو وباء وجدت الإدارة نفسها مضطرة في سبيل القيام بواجباتها –في حفظ النظام العام وتسيير المرافق العامة – إلى مخالفة بعض القواعد والخروج على مقتضى مبدأ المشروعية كما هو معروف في الظروف العادية ،ولا تثريب عليها في ذلك من حيث المبدأ ،إذا أن القاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” التي أكدتها الشريعة الإسلامية تعد من القواعد المنطقية التي تمليها الأمور ([72]).
ويكاد يجمع فقهاء القانون الإداري الفرنسي على أن نظرية الظروف الاستثنائية هي نظرية من خلق مجلس الدولة الفرنسي ،التي قام بإنشائها من أجل سد العجز في القوانين ،لكي تتمكن الإدارة من مواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
فقد لاحظ مجلس الدولة الفرنسي أن النصوص القانونية التي وضعها المشرع لا يمكن تطبيقها إلا من خلال إتباع شروط وإجراءات معينة ،وأن تلك الشروط والإجراءات قد تستغرق مدة زمنية في بعض الحالات ،إذ أن ذلك سيحول دون التصرف السريع الذي تقتضيه مواجهة الظروف الصعبة .ها بالإضافة إلى أن تلك القوانين مهما كانت دقيقة ،فإنه ليس بإمكانها أن تلم بكل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة ؛لذلك اعتبر القاضي الإداري أن الإجراءات الاستثنائية التي قامت بها الإدارة خلال تلك الظروف تعد مشروعة حتى ولو خالفت القواعد القائمة ،ومن هنا نشأت نظرية الظروف الاستثنائية ([73])..
وتعرف الظروف الاستثنائية بتعريفات متعددة ،منها تعريف الأستاذ (ريفو) بأنها “الأوضاع الفعلية التي تؤدي إلى نتيجتين :وقف العمل بالقواعد العادية تجاه الإدارة ،وذلك بتطبيق مشروعية خاصة تجاه هذه القواعد، ويقوم القاضي بتحديد مقتضيات هذه المشروعية الخاصة “([74]).
أما الأستاذ(Delaubadere ) فقد اعتبر نظيرة الظروف الاستثنائية تعد بناءً قانونياً وضعه مجلس الدولة الفرنسي والذي بمقتضاه فإن بعض أعمال الإدارة التي تعتبر غير شرعية في الظروف العادية يمكن أن تصبح أعمالاً شرعية في بعض الظروف ؛نظراً لأنها ضرورية لحماية النظام وسير المرافق العامة”([75]).
وعلى هذا تلجأ الإدارة إلى الى الظروف الاستثنائية إذا واجهتها ظروف استثنائية غير متوقعة ،بحيث لا تتمكن معها من التقيد بمبدأ المشروعية من ناحية ،وعدم وجود تنظيم يخولها سلطات كافية لمواجهة تلك الظروف من ناحية أخرى ،ففي هذه الحالة للإدارة أن تتحرر مؤقتاً من تلك القواعد العادية .
ويمثل للظروف الاستثنائية بالحروب والكوارث والفتن والأوبئة وغيرها مما يحدث فجأة ويهدد بالخطر سلامة الدولة ونظامها .
وقد لجأت المحكمة الإدارية العليا في مصر إلى أساس مجلس الدولة الفرنسي في حكمها الصادر في (23 ديسمبر سنة 1961م ،حيث قضت بشرعية القرار الإداري الصادر بالاستيلاء على عقار ،استناداً إلى أن قرار الاستيلاء في الظروف التي صدر فيها ،كان ضرورياً لإعمال قاعدة سر المرافق العامة .
وقد ورد في تدقيق حكم لديوان المظالم ما نصه:” وبذلك يكون قرارها في هذا الصدد قائماً على سببه مستنداً إلى نصوص صريحة تخوله مرتكزاً على المصلحة العامة التي تقوم عليها الإدارة ومستجيباً لمقتضياتها”([76]).
وبما أن هذه النظرية تتضمن مخاطر جسيمة تهدد حريات الأفراد خاصة لعدم وجود معيار قاطع لما هو ظرف استثنائي ،لذلك فقد عمل مجلس الدولة الفرنسي على الموازنة بين هذه السلطة الأخيرة للإدارة والحقوق القابلة للأفراد بغية تأمينهم من إسراف الإدارة في ممارسة تلك السلطات ؛لذلك حصر المجلس المذكور النظرية في قيود ضيقة وهي:
1. أن تكون الظروف الاستثنائية مقصورة على هذه الظروف فحسب وبالقدر الضروري لمواجهتها.
2. أن تخضع الإدارة لدى ممارستها للسلطات المشار إليها أعلاه .
3. أن تلتزم الإدارة بتعويض الشخص المضرور من أي إجراء تتخذه الإدارة عند ممارسة سلطاتها في الظروف الاستثنائية .
ويأخذ القضاء المصري بنظرية الظروف الاستثنائية بشروط أربعة هي:
1. أن يكون هناك خطر يهدد النظام العام ويستدعي تدخل الإدارة لمواجهة الأساليب الجديدة.
2. ألا تتكون الوسائل المتاحة وفقاً للقواعد القانونية العادية الموضوعة سلفاً قادرة على مواجهة الظروف غير العادية .
3. أن يكون هدف الإدارة من إتباع الأساليب وتطبيق القواعد الجديدة هو تحقيق الصالح العام .
4. ألا تسرف الإدارة في التضحية بحقوق الأفراد وحرياتهم إلا بقد ما تلزمه الظروف الاستثنائية ([77]).
المطلب الثاني: السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية من منظور الفقه الإسلامي
ما من شك أن مسألة الكوارث والأوبئة والمخمصة – الجوع والقحط- وعموم الأزمات من الظروف الاستثنائية التي سنت لها الشريعة الإسلامية أحكاماً خاصة ،تناولها القرآن الكريم في أكثر من موضع منها:
(أ) قوله تعالى:) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([78]).
(ب) قوله تعالى:)فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([79]).
(ج) قوله تعالى:)إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([80]).
وجه الاستدلال: أن الله تعالى استثنى حالة الضرورة والمستثنى يكون حكمه أبدا على خلاف حكم المستثنى منه لا محالة فيحل المستثنى ولم يفصل بين أن تكون الضرورة بسبب المخمصة أو الإكراه فتناول النص بإطلاقه النوعين جميعا ([81]).
والمخمصة: الجوع وخلاء البطن من الطعام. والخمص ضمور البطن. والجنف الميل، والإثم الحرام،وهو بمعنى” غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ “.
قال القرطبي:” الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم، أو بجوع في مخمصة. والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والجوع إلى ذلك، وهو الصحيح. قال مجاهد: يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه. وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة، إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا، كالتمر المعلق وحريسة ([82]) الجبل، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى”([83]).
في السنن عن أبي هريرة (رضى الله عنه) قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ — rفِي سَفَرٍ إِذْ رَأَيْنَا إِبِلًا مَصْرُورَةً ([84]) بعضاه الشجر فثبنا إليهما فَنَادَانَا رَسُولُ اللَّهِ -r- فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْإِبِلَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ قُوَّتُهُمْ وَيُمْنُهُمْ ([85]) بَعْدَ اللَّهِ أَيَسُرُّكُمْ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى مَزَاوِدِكُمْ فَوَجَدْتُمْ مَا فِيهَا قَدْ ذَهَبَ بِهِ أَتَرَوْنَ ذَلِكَ عَدْلًا) قَالُوا لَا، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ كَذَلِكَ). قُلْنَا: أَفَرَأَيْتَ إِنِ احْتَجْنَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ فَقَالَ: (كُلْ وَلَا تَحْمِلْ وَاشْرَبْ وَلَا تَحْمِلْ) ([86]).
وعن عبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ – رَجُلًا مِنْ بَنِي غُبَرَ – قَالَ: أَصَابَنَا عَامُ مَخْمَصَةٍ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهَا، فَأَخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ وَأَكَلْتُهُ، وَجَعَلْتُهُ فِي كِسَائِي، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -r-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ «مَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا، أَوْ سَاغِبًا، وَلَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا» ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -r-، فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ”([87]).
وفي حكم هذه المسألة قال أبو عمر بن عبد البر :” وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم، وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية. وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير، فحينئذ يتعين عليه الفرض. فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية. والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء” ([88]).
إلا أن الفقهاء اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة ([89]).
ومن فقه المسألة:
1- حالة المخمصة أو المجاعة حالة استثنائية يشرع فيها من الأحكام مالا يشرع في غيرها، وتنطبق عليها قاعدة (الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات) بشروطها المعتبرة شرعاً.
2- تفسر الضرورة بأنها بلوغ المضطر حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك إذا قاربه، وهذا يبيح تناول الحرام “([90]).
3- الاضطرار لا يبطل حق الغير ([91]): ومؤدى هذه القاعدة أن الاضطرار إذا كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وفي بعضها يقتضي الترخيص في فعله مع بقاء حرمته كالنطق بكلمة الكفر. إلا أنه على كل حال لا يبطل حق الآخرين وإلا كان من قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز([92]).
4- يتفرع عن القاعدة السابقة لو أن شخصًا جاع جوعًا شديدا وأصبح عرضة للتلف أي للموت فله الحق ، بأن يأخذ من طعام الغير ما يدفع به جوعه بدون إذن صاحب المال إلا أنه يجب عليه من الجهة الأخرى أن يضمن قيمة المال المتلف، إذا كان من القيميات ومثله إذا كان من المثليات، ولا يكون الاضطرار على استهلاك ذلك المال سببا للتخلص من دفع قيمته، والحاصل أن الاضطرار وإن أباح للمضطر تناول وإتلاف مال الغير دون أن يترتب عليه عقاب لا يكون سببا للخلاص من الضمان. ([93])
5- الاضطرار هنا الإجبار على فعل الممنوع، والاضطرار على قسمين: أحدهما ينشأ عن سبب داخلي، يقال: له (سماوي) كالجوع مثلا.أما القسم الثاني هو الاضطرار الناشئ عن سبب خارجي ويقال له (اضطراري غير سماوي) وهو نوعان الإكراه الملجئ والإكراه غير الملجئ ([94]).
6- تختلف القدرة على تحمل الضرر باختلاف الأحوال،فلا وجه للتقدير بالرأي، وأحوال الناس مختلفة فمنهم من يحتمل الضرب الشديد ومنهم من يموت بالأدنى منه فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلى به فإن غلب على ظنه أن تلف النفس أو العضو يحصل بذلك وسعه وإلا فلا([95]).
7- إذا امتنع المضطرمن الأكل وصبر حتى أتلف أثم؛ لأنها في هذه الحالة مباحة على ما قلنا وإهلاك النفس أو العضو بالامتناع عن المباح حرام فيأثم إلا أنه إذا لم يعلم الإباحة في هذه الحالة لا يأثم([96]).
8- ومن مسائل هذه القاعدة :أنه إذا أضطر لأكل طعام غيره، فبعد زوال الاضطرار عليه قيمة ما أكل إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً.
9- الناس مسلطون على أموالهم ،وليس لأحد أن يأخذها ولا شيئاً منها بغير طيب أنفسهم ،إلا في المواضع التي تلزمهم” ([97]) كحالة الضرورة ونحوها. فالمضطر أو الجائع الذي وصل إلى حال يخشى معه الهلاك حينئذ يحل له أكل الحرام ،أو الزائد عن حاجة الغير للضرورة ([98]).
10- نفي القطع والأدب في المخمصة. قال ابن قدامة في المغني: “قال الإمام أحمد: لا قطع في المجاعة. يعني أن المحتاج إذا سرق ما يأكله، فلا قطع عليه؛ لأنه كالمضطر. وروي عن الفاروق عمر(رضى الله عنه) ، أنه قال: لا قطع في عام سنة. وقال: سألت أحمد عنه، فقلت: تقول به؟ قال: إي لعمري، لا أقطعه إذا حملته الحاجة، والناس في شدة ومجاعة. وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه، أو لا يجد ما يشتري به، فإن له شبهة في أخذ ما يأكله، أو ما يشتري به ما يأكله. وقد روي عن عمر، (رضى الله عنه) أن غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني، فأمر عمر بقطعهم، ثم قال لحاطب:” إني أراك تجيعهم”. فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم. فأما الواجد لما يأكله، أو الواجد لما يشتري به وما يشتريه، فعليه القطع، وإن كان بالثمن الغالي” ([99]).
11- للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته؛ لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه، فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك- كما كان في أول الإسلام-، أو كما هو الآن في بعض البلدان، فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة([100]).
12- من فقه إمام الحرمين :” أنه لو فسدت المكاسب كلها، وطبق طبق الأرض الحرام في المطاعم والملابس وما تحويه الأيدي – وليس حكم زماننا ببعيد من هذا – فلو اتفق ما وصفناه، فلا سبيل إلى حمل الخلق – والحالة هذه على الانكفاف عن الأقوات، والتعري عن البزة. وأقرب مسالك تمتد إليها بصيرة الفطن في ذلك تلقي الأمر من إباحة الميتات عند المخمصة والضرورات، وقد قال الفقهاء: لا تحل الميتة إلا لمضطر، يخاف على مهجته وحشاشته، لو لم يسد جوعته” ([101]).
13- حكم الأنام إذا عمهم الحرام يختلف عن حكم المضطر في تعاطي الميتة: ،وعلله إمام الحرمين (الجويني) بقوله:” فإن الناس لو ارتقبوا فيما يطعمون أن ينتهوا إلى حالة الضرورة، وفي الانتهاء إليها سقوط القوى، وانتكاث المرر([102])، وانتقاض البنية، سيما إذا تكرر اعتياد المصير إلى هذه الغاية، ففي ذلك انقطاع المحترفين عن حرفهم وصناعاتهم، وفيه الإفضاء إلى ارتفاع الزرع والحراثة، وطرائق الاكتساب، وإصلاح المعايش التي بها قوام الخلق قاطبة وقصاراه هلاك الناس أجمعين ومنهم ذو النجدة والبأس، وحفظة الثغور من جنود المسلمين، وإذا وهوا ووهنوا، وضعفوا واستكانوا، استجرأ الكفار، وتخللوا ديار الإسلام، وانقطع السلك وتبتر النظام([103]).
14- الحاجة في حق العامة تنزل منزلة الضرورة في حق الآحاد.: يقول إمام الحرمين:”الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة، في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته، ولم يتعاط الميتة، لهلك. ولو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك، ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد”([104]).
15- إذا أطبق ناحية من الأرض فلا يكون حكمهم حكم الحرام إذا أطبق على ألأرض كلها، يقول إمام الحرمين:” إن تمكن أهلها من الانتقال إلى مواضع، يقتدرون فيها على تحصيل الحلال، تعين ذلك. فإن تعذر ذلك عليهم، وهم جم غفير، وعدد كبير ولو اقتصروا على سد الرمق، وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات، لانقطعوا عن مطالبهم، فالقول فيهم كالقول في الناس كافة، فليأخذوا أقدار حاجتهم” ([105]).
المطلب الثالث: رقابة القضاء على السلطة التقديرية وأثرها في المسألة محل البحث
تتمتع الإدارة بصلاحيات واسعة في ظل الظروف الاستثنائية تسمح بتوسع قواعد المشروعية بما يتلاءم مع ما تمليه هذه الظروف فإنها تخضع للرقابة القضائية نظراً لما تنطوي عليه الإجراءات والتدابير التي تتخذها من مخاطر جسيمة على حقوق الأفراد وحرياتهم .
ويحرص القضاء الإداري على إخضاع نشاط الإدارة في ظل هذه الظروف لرقابته القضائية ؛للتأكد من القيود والضوابط التي تشكل الحد الأدنى لمبدأ المشروعية([106]).
ويلاحظ أن الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للإدارة لا تنصب على السلطة ذاتها ،وإلا ترتب على ذلك نقل حرية التقدير من الإدارة إلى القاضي ،وإنما تتناول تعيين حدودها وظروف استعمالها. فالقضاء لا يتعرض لتقدير الإدارة في ذاته ،ولكن للظروف التي احاطت به، فإذا ما تبين له أن تلك الظروف لا يمكن معها إجراء تقدير سليم تكون الإدارة قد خرجت عن التزام قانوني([107]).
والرقابة القضائية على السلطة التقديرية للإدارة رقابة مشروعية على الأصل ،بمعنى أن الرقابة القضائية هي رقابة قانونية يسلطها القضاء للتعرف على مدى مشروعية العمل الإداري ،فيقف نشاطه عند حد التحقق من مشروعيتها أو عدمها ،دون تجاوزها إلى وزن مناسبات القرار ،وغير ذلك مما يدخل في نطاق الملاءمة والسلطة التقديرية التي تملكها الإدارة.وتبعاً لذلك لا يجوز للقضاء التدخل في عمل الإدارة بأن يحل محلها في إصدار أي قرار أو يأمرها بأداء عمل معين أو الامتناع منه ،ولا أن يكرهها على شيء من ذلك([108]).
لذا يتعين على الإدارة أن تمارس صلاحيتها الاستثنائية في فترة الظروف الاستثنائية فقط؛ لهذا قرر مجلس الدولة الفرنسي عدم مشروعية قرار أحد المحافظين بمنع بييع مواد غذائية ،دون تحديد لمدة المنع.
ويتعين أن تنطوي المصلحة العامة التي تمت التضحية بمبدأ المشروعية من أجلها على درجة في حياة الأمة ،كالأمن والدفاع الوطني وحماية النظام العام ،أو ضمان سير المرافق العامة ([109]).
وعليه فللإفراد الحق في طلب الغاء القرارات الإدارية غير المشروعة في الحالات التي لايتوفر شروط نظرية الظروف الاستثنائية ،وذلك نحت رقابة القضاء الإداري.
المبحث الثالث: صور القرارات الإدارية المرتبطة بتمويل الأزمات والكوارث والأوبئة
تتمثل القرارات الإدارية التي يمكن أن تصدرها جهة الإدارة من الناحية المالية والاقتصادية فيما يلي:
1. النظر في الالتزامات المالية المفروضة على المواطنين من ضرائب وغيرها سواء بإلغاء الضريبة على الفئات أو القطاعات المضرورة أو تخفيض مقدار الضريبة الواجبة عليهم .
2. فرض ضرائب جديدة على ذوي القدرة أو الأثرياء من المواطنين على وجه المشاركة في تخفيف الأعباء المالية الملقاة على عاتق الدولة ،وهو ما يعرف في المالية العامة الإسلامية بـ( التوظيف).
3. تقديم المعونة النقدية والمادية للمضرورين ،سواء من خزانة الدولة أو مخاطبة القادرين بها ،وتنظيم جمعها وتوزيعها ،على قدم المساواة بين المضرورين ،أو حسب الحاجة .
4. خفض الانفاق العام على القطاعات غير الضرورية ،وتوجيه هذا الجزء من النفقات إلى المشروعات الأكثر نفعا للمضرورين .
5. تقييد الاستيراد بحيث يكون قاصراً على استيراد ما هو ضروري أو ما كان مرتبطاً بمعالجة آثار الأزمات والكوارث والأوبئة .
6. الاقتراض على بيت المال بما يكفي لتمويل الأزمات والأوبئة .
7. تأجيل سداد القروض التي حلت أجالها ،سواء كانت هذه القروض في ذمة الدولة أو في ذمة المضرورين.
ويلاحظ أن القرارات الإدارية التي كانت متعلقة بدرء مخاطر الأزمات والكوارث والأوبئة كانت تنبع من مبدأ المساواة بين المضرورين دون تفرقة بين فئة وغيرها أو طائفة وغيرها ، فقد عاون الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الفقراء والمحتاجين من أهل الذمة الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي وجرى على ذلك ولاة الأمور من المسلمين، فلا تكليف ماليا على غير المسلم منهم فوق قدرته إذا ثبت فقره وحاجته، كما أنه يعان ماديا حتى تحفظ حياته.
المطلب االأول:القرارات الاقتصادية المتعلقة بضبط حركة الأسواق
القرارات الاقتصادية التي تلجأ إليها الإدارة لضبط نشاط السوق وقت الأزمات أو الكوارث أو الأوبئة كثيرة ،منها:
أولاً: قرار التسعير بما يحقق العدل بين المنتجين والمستهلكين:
إذا تضمن التسعير العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز، بل واجب.
ومثَّل له شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:” وأما الثاني- أي التسعير الظالم فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به” ([110]).
وصفة التسعير العدل كما ذكر ابن حبيب من المالكية :”ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم كيف يشترون، وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم، وللعامة سداد حتى يرضوا به قال: ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا، وعلى هذا أجازه من أجازه، ووجه ذلك أن بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس([111]).
ثانياً: قرار التسعير الظالم :
إذا تضمن التسعير ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم: فهو حرام، ودليله ما روى أنس (رضى الله عنه) قال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ»([112]).
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله. فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق “([113]).
ثالثاً: قرار إكراه الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه:
ومن ذلك قوله:”لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره([114]).
رابعاً:قرار حصر بيع السلع الضرورية لأناس بعينهم :
حرية التعامل بين المنتجين تقضي بأن لهم الحرية في الدخول إلى السوق والخروج منه، ولهم حرية التنقل وليس لأي طرف من أطراف التعامل في السوق التأثير على عمل هذا السوق؛ لأن ذلك من الظلم، وقد عدد ابن تيمية صور الظلم التي تنطوي على مصادمة لأصل الحرية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:”وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لاتباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلوا باع غيرهم ذلك منع، إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من الفساد، فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلمًا للمشترين منهم، والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته:إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل([115])“
خامساً: قرار منع الإغراق :
يعرف الإغراق في المجال الاقتصادي بأنه: بيع السلعة المستوردة في السوق المحلي بأقل من ثمنها السائد فيه بقصد الإضرار بالمنتجين المحليين
وعليه فإنه يمكن استخدام التسعير العادل كأداة لزيادة عرض السلع الضرورية، ويأتي هذا تطبيقاً لمقاصد الشرع، ويتصور ذلك في حالة رفع سعر السلعة الموجودة في السوق من قبل ولى الأمر.
والدليل على ذلك ما رواه سعيد بن المسيب من أن عمر بن الخطاب(رضى الله عنه) مر بحاطب بن أبى بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق – وكان يبيع بأقل من السعر السائد – وبين يديه غرراتان فسأل عن سعرها. فسعر له مٌديّن لكل درهم. فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. ([116])
وفي قول عمر لحاطب “إما أن ترفع السعر” فيه دليل على أثر التسعير في زيادة عرض السلع الضرورية، والدافع وراء التسعير بالزيادة لبعض السلع لاسيما الضرورية منها – كالزبيب وما في حكمه – التي يحتاج إليها الناس تمثل رغبة التجار في السعر المناسب الذي يحقق لهم الربح الكافي، مما يدفعهم إلى التأني في الدخول ببضائعهم المجلوبة إلى تلكم السوق التي يتوفر فيها ذلك السعر المناسب.
ويدل على ذلك قول عمر لحاطب “وهم يعتبرون بسعرك” أي أن أصحاب القوافل التجارية القادمة من الطائف ينظرون إلى سعر حاطب، وهو السعر السائد في السوق – آنذاك – سوق المدينة المنورة – ولا شك أن مثل هذا السعر يحقق طموحات التجار في الربح العالي، مما يدفعهم إلى عرض سلعهم في السوق المحلية.
والنظر التحليلي لهذا الأثر يفيد أن السعر السائد في السوق المحلية إذا لم يحقق الربح المناسب والمعقول لطائفة التجار فإنهم سوف يعرضون عنه راحلين إلى أسواق بديلة.
والذي يفهم من هذا أن الفاروق عمر(رضى الله عنه) عرف أن السلطة يجب عليها أن تلعب دوراً نشطاً لتنظيم التجارة الخارجية، وذلك دون تضحية لا مسوغ لها بالحرية الفردية، وإن وجد ثمة قيد فردى فهذا قيد شرعي أخلاقي؛ لمنع النشاط الداخلي للسوق من التأثير على تنظيم حركة التجارة الخارجية ،أو بتعبير آخر عرف عمر -رضي الله عنه- رأى المصلحة أولاً في المنع؛ لظنه أنه أرخص السعر لضرر هؤلاء الجالبين ،أو للتغرير بهم ،فلما علم الحقيقة وأن هذا لا يبيع ما له رخيصاً من أجل ضرر غيره رجع إليهن وقال له: “إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع” ([117]).
وهذا شيء عظيم لا غنى للمعاملات عنهن فيجب على ولى الأمر ألا يتركهم يتحكمون في الناس بأسعارهم.
المطلب الثاني:قرار فرض ضرائب خاصة على الموسرين لصالح المضرورين
قرر الفقهاء مسئولية الدولة تجاه الكوارث العامة ، وأوجبوا عليها إسعاف المنكوبين لا بالخيام والدقيق فحسب ، بل بتمكينهم من الحياة الكريمة التي يحياها سائر الناس ، ولما كانت خزينة الدولة تعجز في الغالب عن القيام بهذا الواجب الاجتماعي تجاه المنكوبين فإنها تستطيع أن تفرض ضرائب خاصة لهذه النكبات تستوفيها من الأغنياء ، كل على حسب ثروته.
وفى هذا يقول إمام الحرمين: ” فإن قدرت آفة وازم وقحط وجدب عارضه تقدير رخاء في الأسعار تزيد معه أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات ، فالوجه استحثاث الخلق بالموعظة الحسنة على أداء ما افترض الله عليهم في السنة ، فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم ، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله ، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر”([118])
ومن التطبيقات العملية لهذا المبدأ ما فعله سيدنا عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) في عام الرمادة سنة 18هـ ، حيث تدخل (رضى الله عنه) في توزيع المتاح من الغذاء بين جموع المسلمين على نحو يضمن الحد الأدنى من الاستهلاك لكل مواطن بغض النظر عن ملكية هذا الفائض ، أو مدى المساهمة في الحصول عليه ، وافترض للأطفال ولكثير من الفئات الضعيفة من المجتمع حصصاً غذائية يتولى تمويها بيت المال ، وكل من لديه فائض عن الحد الأدنى للمعيشة.
وتعليقاً على هذا يقول الإمام العادل:
” إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض ، فإذا عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف”([119]) ، كما أفصح عن نواياه في اتخاذ موقف أكثر حسماً وتشدداً ، فهو لن يكتفى بمجرد أخذ ما يفيض عن الحد الأدنى للمعيشة ، وإنما يسوى – إذا اقتضى الأمر – بين الغنى والفقير فيما دون هذا الحد الأدنى وذلك بقوله (رضى الله عنه) “لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن ادخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسمونهم نصف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا – المطر- فعلت فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم”([120]).
هكذا يتضح لنا من خلال التطبيقات العملية لمواقف الخليفة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) إن سد الحاجات فرض على بيت المال وإلا انتقل وجوب الإنفاق عليهم إلى الموسرين،كل على قدر طاقته.
المطلب الثالث: قرار توجيه جزء من سهم الغارمين في فريضة الزكاة لصالح المضرورين
لا يترك الإسلام المصاب تحت رحمة تبرعات قد تصل إليه من الخيرين من الناس ، وإن كان لا يمنع ذلك ، بل يرغب فيه ، تنمية لعواطف الخير ومشاعر الرحمة بين الناس ، فالإسلام يرغب المسلمين في معاونة الغارمين ، قضاءً لحق الأخوة ، وأداءً لواجب التعاون وابتغاء مثوبة الله. فعن أبى سعيد الخدري (رضى الله عنه) قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»([121]) .
ولقد عد العلماء أصحاب الكوارث من الغارمين([122]) فقد نزلت بهم جائحة اجتاحت أموالهم ، واضطرتهم الحاجة إلى الاستدانة لأنفسهم وأهليهم وقال مجاهد: ثَلَاثَةٌ مِنَ الْغَارِمِينَ: رَجُلٌ ذَهَبَ السَّيْلُ بِمَالِهِ، وَرَجُلٌ أَصَابَهُ حَرِيقٌ فَذَهَبَ بِمَالِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ عِيَالٌ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ فَهُوَ يُدَانُ وَيُنْفَقُ عَلَى عِيَالِهِ “([123]).
وفى حديث قبيصة بن المخارق أباح النبي – r- لمن أصابته جائحة اجتاحت ماله أن يسأل ولى الأمر حقه من الزكاة حتى يصيب قواماً من عيش”.([124])
فمن روعة الإسلام أن يمد بالمال والمعونة أصحاب الكوارث والجوائح ويأخذ بيدهم لينهضوا .. وقوام عيش كل إنسان بحسب مركزه المالي والاجتماعي ، فقوام عيش من احترق بيته أن يبنى له بيتاً ملائماً يسعه وعائلته ويؤثث بما يليق بحاله ، وقوام عيش التاجر الذى أصيب في تجارته ، مثلاً أن يدور دولاب تجارته ، وإن لم يعد كما كان سعة وثروة ، وهكذا كل إنسان بحسبه.
المطلب الرابع: قرار نهي الأغنياء عن الادخار ليتسع الأمر على الفقراء
نهى رسول الله – r- القادرين من المسلمين – وهم قلة وقتئذٍ- عن الادخار ليتسع الأمر على فقراء المسلمين وهم عامة الناس ، كما جاء في حديث السيدة عائشة(رضي الله عنها):تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللهِ r)) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r)): «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r)): «وَمَا ذَاكَ؟»”قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا»([125]) ، أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قامت المدينة أيام التشريق .والدافة القافلة السائلة.
والسبب في ذلك أنه كان في الناس ضيق وشدة في أمور المعاش ، وكان الأثرياء قلة ، فلو ضحوا وادخروا ، فإنما يدخرون لأنفسهم ، ولا ينال فقراء المسلمين ما ادخر الأغنياء من لحوم الأضاحي شيئاً ، وبذلك تكون الهوة بين الأغنياء والفقراء واسعة ولها مفعولها السيء في قلوب العامة (الفقراء). فلما وسع الله على المسلمين – من فضله – وزال هذا السبب أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالادخار ؛ لأن الأحوال قد استقرت ، والفقراء أغناهم الله من فضله.
المطلب الخامس: قرار تمويل الأزمات والكوارث من فضول الأموال مع المحافظة على الأصول الانتاجية
من أشد الأزمات التي عايشها رسول الله – r- هو وصحبه الكرام y- أجمعين ساعة العسرة التي جاء ذكرها بصدد حديث القرآن عن غزوة تبوك كما في قوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ))([126])
والعسرة: صعوبة الأمر ، قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظّهر – الخيل – وعسرة الزاد وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة -الشحم – المنتنة ، وكان النفر يخرجون ما معهم -إلا التمرات – بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُرعة من ماء ، كذلك حتى تأتى على آخرهم ، فلا يبقى على التمرة إلا النواة ، فمضوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) على صدقهم ويقينهم – y.([127])
وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: مَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا،([128]) فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ([129])، فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ»([130]).
والحديث واضح الدلالة في أن الأزمة التي مرت بالرسول – r- وصحبه هي في جانب منها أزمة اقتصادية عظيمة الأثر ، وقد راعى فيها الرسول الكريم آخذاً برأي الصحابي الجليل عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) أهمية المحافظة على الأصول اللازمة – الخيل – لتحقيق الهدف المنشود ، وأهمية تمويل الأزمات المصاحبة للغزوات أو اللاحقة من فضول الأموال مهما كانت أهميتها وضآلتها ، إلا أنها أنسب الأدوات المالية الملائمة لتمويل الأزمة ، وقد ضرب الصحابة أعظم المثل في ذلك.
مما تقدم يتضح لنا أن الأولين من الصالحين قد ضربوا أعظم المثل في درء مخاطر الأزمات والنوائب ، وما نامت أعينهم إلا بعد أن أطمأنت قلوبهم على حسن معاش رعيتهم ،وفي هذا يروي ابن كثير عن نبي الله يوسف- عليه السلام – في شأن معالجة تبعات السنوات السبع العجاف أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار”([131]).
وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب، وأتى الخصب” ([132]).
ثم قال في بيان صنيع الفاروق عمر (رضى الله عنه) عام الرمادة :”وألزم نفسه أن لا يأكل سمناً ولاسمينًا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبس له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبس له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت، وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر، t، وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف. واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة، وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم”([133]).
وأخيراً أنه لما أخذ ملك مصر المظفر ” قطز ” يعد لحرب التتار وإجلائهم عن دمشق وما احتلوه من مدن سوريا ، وجد بيت المال خاويا فاتجه إلى العز بن عبد السلام (رحمه الله) كبير فقهاء عصره وقاضي قضاه الشافعية يستفتيه في ” ضرائب ” يفرضها على الناس لحماية الدولة وتجهيز الجيش ، فأفتاه بجواز ذلك 0وكانت الفتوى تدل على مقدار اتساع الأفق الإسلامي ، وقد فرض الملك ” المظفر قطز ” بعد هذه الفتوى ” ضريبة ” دفاع مقدارها دينار على كل رجل وامرأة، وأخذ أجور الأوقاف الخيرية قبل ميقاتها بشهر، وعجل الزكاة سنة، وأخذ من التركات ثلثها” ([134]) وبذلك تكون مصر قد انقذت العالم من شر التتار بدمها ومالها، فكانت حقًا كنانه الله في أرضه من أرادها بسوء قسم الله ظهره.
المطلب السادس: قرار الغوث وطلب المعونة لدرء مخاطر الجائحة أو النائبة
والأصل فيه ما ورد في قصة حفر خليج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) فقد روى ابن عبد الحكم([135])، وغيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة ([136])، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر:
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي؛ فياغوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عبد الله عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضًا، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس ([137]) وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، “فقدموا عليه”
فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم، أن أحفر خليجًا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو، فأخبر “بذلك” من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: هذا أمر لا يعتدل، ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلًا.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك حين رآه، وقال: والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر؛ فنرى بأن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له: هذا لا يعتدل، ولا نجد إليه سبيلًا.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى فرغ، وجرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسُمي خليج أمير المؤمنين” ([138]).
ومدينة القلزم هي مدينة السويس التي تقع على البحر الأحمر([139]).
وقال الشافعي: بلغني أن رجلاً من العرب قال لعمر(رضى الله عنه) حين ترحل الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة. أي: واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم. وروي أن عمر(رضى الله عنه) عس المدينة ذات ليلة في عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم يجد سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق، فهم لا يتحدثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة: أن يا غوثاه لأمة محمد. وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر: أن يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمة، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. ([140]).
وهذه النصوص قاطعة بأن إغاثة الملهوف واجب شرعي على الفور قد استطاعة المكلف ،وأنه لامانع شرعاً من أن يقع طلب الغوث من ولي الأمر ؛إذا لو لم يفعل لذهبت دولته ،وربما تواطئ أعداء الدولة على أمنها واستقرارها وهذا مشاهد ومرأي ،حفظ الله بلادنا وسائر البلاد من كل سوء ومكروه.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات
قسمت بحث هذا إلى تمهيد وثلاثة مباحث،وخاتمة ،انتهيت منها إلى عدد من النتائج أهمها:
1. يقصد بمبدأ المشروعية :خضوع جميع السلطات والأفراد ،أي الحاكم والمحكوم لقواعد النظام وأحكامه ،أي توافق التصرفات التي تصدر عن سلطة الدولة ومواطنيها مع قواعد موضوعة من قبل .أي مع قواعد النظام النافذ، ويقصد بالنظام كافة أنواع القواعد النظامية النافذة في الدولة ،يعني أن تمتثل جميع الهيئات والأشخاص في الدولة لأحكام النظام بمعناه الواسع.
2. السلطة التقديرية لجهة الإدارة استثناء على مبدأ المشروعية الإدارية، بمعنى أنها ضرورة عملية ونظامية .أي أن السلطة التقديرية للإدارة ينظر إليها كضرورة لازمة لتكملة وتنظيم الفراغ الموجود في دائرة النظام القانوني. إذ من المستحيل على المنظم التوقع المسبق لوضع الحلول لكل الأمور في الحياة المتغيرة ،وعلى ذلك تساعد السلطة التقديرية للإدارة على تفسير هذه النواحي وتكملتها بما تقتضه الحياة في المجتمع آخذة في الاعتبار الظروف الخاصة بكل حالة على حدة.
3. إعمالا لمبدأ المشروعية أوجبت الشريعة الإسلامية على جهة الإدارة وهي بصدد استعمال سلطتها التقديرية أن تكون تصرفاتها موافقة مع نصوصها التشريعية ،بحيث لا يكون في قراراتها المتخذة ذريعة إلى مفسدة ممنوعة شرعاً .فرجل الإدارة قبل أن يُقدم على أي تصرف إداري يجب عليه أن ينظر وأن يتأكد أن ذلك التصرف لا يخالف الكتاب أو السنة المطهرة أو أمراً مجمعاً عليه ،ولا يخل بمقصد من مقاصد الشرع ،أو يخالف الأنظمة الصادرة بالاستناد إليها ،حتى لا تتعرض تلك التصرفات للبطلان .
4. إذا كان على الإدارة واجب احترام القواعد القانونية عند قيامها بوظائفها ،فإن هذه القواعد عادة ما تتناسب مع الظروف العادية فحسب .فإذا طرأت ظروف استثنائية كحالة حرب أو فتنة أو كارثة أو وباء وجدت الإدارة نفسها مضطرة في سبيل القيام بواجباتها –في حفظ النظام العام وتسيير المرافق العامة – إلى مخالفة بعض القواعد والخروج على مقتضى مبدأ المشروعية كما هو معروف في الظروف العادية ،ولا تثريب عليها في ذلك من حيث المبدأ ،إذا أن القاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” التي أكدتها الشريعة الإسلامية تعد من القواعد المنطقية التي تمليها الأمور.
1. تتحدد مسئولية الدولة في هذا الصدد إما بفرض ضرائب خاصة على الموسرين لصالح المضرورين ، أو توجيه جزء من سهم الغارمين في فريضة الزكاة لصالح المضرورين أو نهى الأغنياء عن الادخار بقصد التوسعة على الفقراء.
2. وجوب توقي الحذر من الإصابة بهذه الأمراض وغيرها ،والالتزام بما تضعه الدولة من محاذير ،وتصحيح السلوك السلبي لكثير من المواطنين ؛حماية للذات وللبلاد والعباد من شررها.
3. أرشد الإسلام إلى ضرورة اقتسام أعباء المجاعة أو النائبة أو الكارثة أو الوباء ونحو ذلك ،وجعله فريضة على القادرين عليه ،وفي شأن هذا وردت الكثير من النصوص الشرعية –قرآنا وسنة وفقهاً- بنيت عليها الكثير من الأحكام الشرعية.
4. اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين، وأفراد المستقلين بأنفسهم من المؤمنين أن يأمروا بوجوه المعروف، ويسعوا في إغاثة كل ملهوف، ويشمروا في إنقاذ المشرفين على المهالك والحتوف. غياث الأمم في التياث الظلم (ص: 330)
5. مشروعية الغوث وطلب المعونة لتدارك مخاطر الجائحة أو النائبة ،ولعل ما فعله الفاروق عمر بن الخطاب(رضى الله عنه) وطلبه من عمرو بن العاص واليه بمصر ، بسبب ما أصاب الناس بالمدينة من جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة (18هـ) خير دليل على هذا الواجب ،وما أطيب إجابة عمرو بن العاص(رضى الله عنه) ومسارعته بنجدة أهل المدينة ،قائلاً: لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي”.
6. قرر الفقهاء مسئولية الدولة تجاه الكوارث العامة ، وأوجبوا عليها إسعاف المنكوبين لا بالخيام والدقيق فحسب ، بل بتمكينهم من الحياة الكريمة التي يحياها سائر الناس ، ولما كانت خزينة الدولة تعجز في الغالب عن القيام بهذا الواجب الاجتماعي تجاه المنكوبين فإنها تستطيع أن تفرض ضرائب خاصة لهذه النكبات تستوفيها من الأغنياء ، كل على حسب ثروته.
7. المسؤولية المجتمعية للمؤسسات “هي الالتزام المستمر من قبل مؤسسات الأعمال، بالتصرف أخلاقياً، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية، للقوى العاملة وعائلاتهم، إضافة إلى المجتمع المحلي، والمجتمع ككل”.
8. توفير التمويل اللازم لدرء مخاطر الأزمات والجوائح والكوراث هو التزام على عاتق الدولة من خلال ما يعرف بالمالية العامة المتدخلة لمعالجة الاثار الضارة المترتبة على هذه الأزمات ،لكن إذا عجزت مالية الدولة عن ذلك انتقل هذا الواجب إلى الموسرين ،كلٌ على قدر استطاعته.
9. تكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة للمواطنين جميعاً”. كما نصت على ذلك المادة (17 ) من الدستور المصري الصادر في عام 1971م
10. اصطلح الفقهاء على تغطية نفقات الكوارث والأوبئة وغيرها عند خلو بيت المال (الخزانة العامة)من المال إنما يكون على الأغنياء أو ما يعرف بأهل اليسار والاقتدار، وتسمى هذه المساهمة المالية بـ” التوظيف “، وإذا كان فرض ضرائب جديدة ” التوظيف ، على الأفراد سيلحق الضرر بهم فإن عدم فرضها سيلحق الضرر بالدولة كلها ، لذا وجب على رئيس الدولة أن يضحى بالمصلحة الفردية في سبيل تحقيق المصلحة الجماعية .
11. أهم الأحكام الفقهية المخرجة على الدور المجتمعي للمؤسسات المالية ورجال الأعمال في القيام بدور فعال للمجتمع خلال الأوبئة والجوائح والكوارث:
(أ) مشروعية فرض ضرائب خاصة على الموسرين لصالح المضرورين.
(ب) توجيه جزء من سهم الغارمين في فريضة الزكاة لصالح المضرورين .
(ج) نهي الأغنياء عن الادخار ليتسع الأمر على الفقراء .
(د) تمويل الأزمات والكوارث يكون من فضول الأموال مع المحافظة على الأصول الانتاجية.
12. الأولون من الصالحين قد ضربوا أعظم المثل في درء مخاطر الأزمات والنوائب ، وما نامت أعينهم إلا بعد أن أطمأنت قلوبهم على حسن معاش رعيتهم.
13. المشاركة المجتمعية من المؤسسات المالية أو من رجال الأعمال في مثل هذه الظروف ليست على إطلاقها ،بل هي إجراء مؤقت في الفكر المالي الإسلامي يواجه ظروفاً غير عادية ، كما إنه ليس محدداً بمبلغ معين ، وإنما هو محدد بالمقدار الذي يكفي لدفع الخلل وتغطية النفقات المراد تمويلها ،أي أن مقدار المشاركة المجتمعية (التوظيف) تحدده المصلحة وحاجة الجماعات الإسلامية ، فيقدره الإمام بالمقدار الذي يسد الضرورة التي دعت إليه ، والضرورة تقدر بقدرها ، فإذا ما تم تغطية النفقات الضرورية ، تعين على رئيس الدولة الامتناع عن هذا الإجراء.
14. من فقه هذه المسألة: أنه فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، إن لم تقم الزكوات بهم ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.
وفي الختام: يوصي البحث بتعميم مخرجات هذا البحث على كافة الجهات المعنية بالموضوع ،وزيادة وجوه التوعية بمنهج الشريعة الإسلامية في التعامل مع الأزمات والجوائح والكوارث والأوبئة ،لتكون الأمة بأكملها على بصيرة بهذا المنهج المتكامل ،وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أهم المصادر والمراجع:
– المصادر والمراجع الشرعية:
1. القرآن الكريم.
2. ابن آدم ،أبو زكريا يحيى بن آدم بن سليمان، الخراج ،( بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر الطبعة :الأولى،1399هـ/1979م).
3. ابن الفرضي، عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، تاريخ علماء الأندلس ، ( القاهرة ، مكتبة الخانجي،1408 الطبعة الثانية ، هـ – 1988 م).
4. ابن حجر ،أحمد بن علي،فتح الباري ،(بيروت، دار المعرفة ،الطبعة :الأولى،1379 هـ)
5. ابن رشد،أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد ،مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)، (بيروت، دار الجيل، الطبعة الأولى، 1414 هـ – 1993م).
6. ابن سعد ،أبو عبد الله محمد بن سعد،الطبقات الكبرى ، المحقق: إحسان عباس،(بيروت، دار صادر ،الطبعة: الأولى، 1968 م).
7. ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله ،التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد،( المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب ،1387 هـ).
8. ابن عبد الحكم ،عبد الرحمن بن عبد الله ،فتوح مصر والمغرب(القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية،الطبعة الأولى 1415 هـ ).
9. ابن فرحون المالكي، إبراهيم بن علي بن محمد،تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ،(القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية،الطبعة: الأولى، 1406هـ – 1986م).
10. ابن قاضي شهبة، أبو بكر بن أحمد بن محمد، طبقات الشافعية،(بيروت،عالم الكتب ،الطبعة :الأولى،،1407هـ).
11. ابن قدامة ،أبو محمد موفق الدين عبد الله ،الشرح الكبير على المقنع ت التركي، ( القاهرة ،دارهجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان،الطبعة :الأولى، 1415 هـ – 1995 م).
12. ابن قدامة ،أبو محمد موفق الدين عبد الله ،المغني ،(القاهرة، مكتبة القاهرة، الطبعة :الأولى 1388هـ – 1968م )
13. ابن ماجه،سنن ابن ماجه ، المحقق: شعيب الأرناؤوط – وآخرون، ( بيروت، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، ،1430 هـ – 2009 م).
14. ابن منظور الأنصاري ،محمد بن مكرم بن على، لسان العرب(بيروت، دار صادر ،الطبعة: الثالثة – 1414 هـ).
15. أبو إبراهيم المزني، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، مختصر المزني ، ( بيروت، دار المعرفة ،الطبعة:الأولى،1410هـ/1990م ).
16. أبو الحارث الغزي ،محمد صدقي بن أحمد بن محمد ، موسوعة القواعد الفقهية ، (بيروت ، مؤسسة الرسالة،الطبعة الأولى ،1424 هـ – 2003 م).
17. أبو بكر الرازي،زين الدين أبو عبد الله محمد،مختار الصحاح ، ( بيروت، المكتبة العصرية ،الطبعة الخامسة ،1420هـ / 1999م).
18. أبو حامد الغزالي،محمد بن محمد، المستصفي ، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي،(بيروت، دار الكتب العلمية ،الطبعة :الأولى، 1413هـ – 1993م) .
19. أبو عبدالله البخاري الجعفي صحيح البخاري: ،المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر،(القاهرة، دار طوق النجاة ،الطبعة: الأولى، 1422هـ).
20. أبو عُبيد القاسم بن سلاّم ،الأموال ، المحقق: خليل محمد هراس. (بيروت دار الفكر،ط:بدون ، بدون تاريخ).
21. أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب ،الخراج ، تحقيق : طه عبد الرءوف سعد ،( مصر، المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الأولى ،بدون تاريخ).
22. الإمام أحمد بن حنبل ، أبو عبد الله أحمد بن محمد ،مسند الإمام أحمد بن حنبل،المحقق: أحمد محمد شاكر،(القاهرة، دار الحديث ،الطبعة: الأولى، 1416 هـ – 1995 م).
23. الإمام الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف،غياث الأمم في التياث الظلم المحقق: عبد العظيم الديب ،ط2( المنصورة ، مكتبة إمام الحرمين ،1401هـ ).
24. الإمام النووي ،شرح النووي على مسلم (بيروت، دار إحياء التراث العربي،الطبعة: الثانية، 1392هـ).
25. الإمام مسلم، صحيح مسلم ،المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي ،(بيروت،دار إحياء التراث العربي ،بدون تاريخ).
26. الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف ، المنتقى شرح الموطأ ،( القاهرة ، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى،1332 هـ )
27. الحموي، أحمد بن محمد مكي، غمز العيون والبصائر في شرح الأشباه والنظائر (بيروت ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1405هـ – 1985م).
28. الزيلعي ،عثمان بن علي بن محجن،تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ،( بولاق – مصر، المطبعة الكبرى الأميرية،الطبعة :الأولى،1313 هـ).
29. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد ،نيل الأوطار ، ( القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية ،الطبعة :الأولى، 1398هـ1978م).
30. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله ،البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (بيروت،دار المعرفة ،ب،ت)
31. الشيباني،محمد بن الحسن، شرح السير الكبير، (القاهرة، الشركة الشرقية للإعلانات، بدون طبعة، 1971م)
32. الطبري،تفسير الطبري، المحقق: أحمد محمد شاكر، الطبعة: الأولى،(بيروت، مؤسسة الرسالة 1420 هـ – 2000 م).
33. الطبري،محمد بن جرير بن يزيد ،تاريخ الرسل والملوك،(بيروت، دار التراث ،الطبعة: الثانية – 1387 هـ).
34. الطماوي ،سليمان عمر وأصول السياسة والإدارة الحديثة ، (القاهرة ، دار الفكر العربي ،الطبعة الأولى، 1969 م) .
35. الفيروز آبادي،مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب،القاموس المحيط، (بيروت، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثامنة، 1426 هـ – 2005 م).
36. القرافي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس ،أنوار البروق في أنواء الفروق (بيروت، عالم الكتب،الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ).
37. القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر،تفسير القرطبي تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش،( القاهرة ، دار الكتب المصرية ،الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م).
38. الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد ،الحاوي الكبير( دار الكتب العلمية، بيروت ،الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1999 م).
39. المطيعي،محمد نجيب ،المجموع شرح المهذب ،(بيروت،دار الفكر،بدون تاريخ).
40. النووي، يحيى بن شرف ،روضة الطالبين وعمدة المفتين: النووي ،تحقيق: زهير الشاويش،(بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م).
41. إمام الحرمين(الجويني) ،عبد الملك بن عبد الله بن يوسف غياث الأمم في التياث الظلم: المحقق: عبد العظيم الديب ،(القاهرة، مكتبة إمام الحرمين،الطبعة: الثانية، 1401هـ).
42. تاج الدين السبكي،تاج الدين عبد الوهاب طبقات الشافعية الكبرى ،(القاهرة، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية،1413هـ).
43. جلال الدين السيوطي،عبد الرحمن بن أبي بكر،الأشباه والنظائر،(بيروت،دار الكتب العلمية، الطبعة:الأولى، 1411هـ – 1990م م).
44. خلاف ، الشيخ عبد الوهاب، السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والمالية،ط:1، (القاهرة ، دار الأنصار 1973م).
45. شلتوت ، الشيخ محمود ،الإسلام شريعة وعقيدة ، (القاهرة،الطبعة :الأولى ،1،1379هـ/1959م)
46. شمس الدين الذهبي تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام المحقق: عمر عبد السلام التدمري،الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت،الطبعة: الثانية، 1413 هـ – 1993 م.
47. شيخ الإسلام ابن تيمية ،الحسبة في الإسلام، أو وظيفة الحكومة الإسلامية ( بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة :الأولى ،بدون تاريخ).
48. عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي ،حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه ،الطبعة : الأولى 1387 هـ – 1967 م).
49. محمد علي،عبد الجليل محمد ،مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي(القاهرة،دار الكتب،الطبعة الأولى ،1994م).
50. مرتضى، الزَّبيدي تاج العروس من جواهر القاموس: ،المحقق: مجموعة من المحققين ،الناشر: دار الهداية.
51. منلا خسرو،درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، (بيروت، دار الجيل،الطبعة الأولى، 1411هـ – 1991م).
52. وصفي،كمال وصفي،مصنفة النظم الإسلامية(القاهرة ،معهد الدارسات الإسلامية ،الطبعة الأولى ،1394هـ).
53. يوسف ،يوسف إبراهيم، النفقات العامة في الإسلام ،دراسة مقارنة ، (قطر، الدوحة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع 1408هـ/1988م).
– المصادر والمراجع النظامية والقانونية:
1. الجرف ، محمد طعيمة ، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون ،ط:3( القاهرة ،دار النهضة العربية 1975م ) .
2. الجهني، عيد مسعود، القضاء الإداري وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية، (السعودية،1404هـ1984م)
3. الحلو،ماجد راغب،القضاء الإداري(الاسكندرية ،دار المطبوعات الجامعية ،1985م).
4. الدغيثر،عبد العزيز بن سعد(د)، السلطة التقديرية للإدارة المفهوم والتوصيف والآثار ،دراسة تأصيلية مقارنة ،(السعودية ، 2006م).
5. الدغيثر،فهد، رقابة القضاء على قرارات الإدارة ،ولاية الإلغاء أمام ديوان المظالم ، ،(القاهرة ،دار النهضة العربية ،بدون تاريخ).
6. الطماوي، سليمان محمد، التعسف في استعمال السلطة (القاهرة ،مطبعة جامعة عين شمس،1999م).
7. الطماوي،سليمان محمد ، النظرية العامة للقرارات الإدارية ،دراسة مقارنة(القاهرة ،مطبعة جامعة عين شمس 1991م).
8. الظاهر،خالد خليل (د) القضاء الإداري ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية،دراسة مقارنة ،(الرياض،مكتبة القانون والاقتصاد،الطبعة الأولى،1430هـ،2009م).
9. الفائز،الشيخ حمود الفائز ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية ودوره في الرقابة القضائية (ندوة الرقابة المالية والإدارية المنعقد في معهد الإدارة العامة ،الرياض،من 7-10 ربيع الآخر 1405هـ).
10. القرار رقم (1/86 لعام 1400هـ ) من أحكام ديوان المظالم.
11. القرار رقم (32 /86 ) القضية رقم (576/1ق) لعام 1400ه ،من أحكام ديوان المظالم.
12. القرار رقم (6 للعام 1398 هـ) جلسة (7/3/1389هـ) القضية رقم (415) ق، لعام 1397هـ).
13. أوهاب،نذير ،السلطة التقديرية للإدارة ،دراسة مقارنة ،(جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ،1412هـ).
14. بدران ،مراد ،الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية (الاسكندرية ،دار المطبوعات الجامعية ،2008م).
15. جمال الدين ،سامي ،الرقابة على أعمال الإدارة ،ط:1(القاهرة ،دار النهضة العربية ،1992م ).
16. جمال الدين ،سامي، ،القضاء الإداري،الرقابة على أعمال ل السيادة ،(الإسكندرية ،منشأة المعارف،2003م)
17. حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية ،القضية رقم 426 السنة 18 ،بتاريخ 20/6/1976م ،مجموعة أحكامها في عشر سنوات
18. حمد،حمد عمر ،السلطة التقديرية للإدارة ومدى رقابة القضاء عليها ،( أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ،الرياض ،1423هـ2003م).
19. داير،عبد الفتاح ساير، نظرية أعمال السيادة( دراسة مقارنة) (رسالة دكتوراه ،جامعة القاهرة ،1975م ).
20. فهمي،مصطفى أبو زيد، القانون الإداري، ( القاهرة،دار النهضة العربية ،الطبعة :الثالثة،1999م).
([1]) انظر: أبو الحسن الماوردي: الأحكام السلطانية ، (ص: 357)؛الإمام النووي،روضة الطالبين وعمدة المفتين،(10/ 218) .
([2]) محمد علي،عبد الجليل محمد ،مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي(402)؛الظاهر، خالد خليل ،القضاء الإداري ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية،دراسة مقارنة(ص:17).
([3]) الجرف ،محمد طعيمة،مبدأ المشروعية خضوع الدولة للقانون ،(ص:5).
([4])الحلو،ماجد راغب،القضاء الإداري،(ص:15).
([5]) الفائز،الشيخ حمود الفائز ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية ودوره في الرقابة القضائية (ص:93-94).
([7]) القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر،تفسير القرطبي ،ج9،ص 93.
([8]) سورة إبراهيم ،من الآية (22) وانظر: الفيروز آبادي ،القاموس المحيط ،باب الطاء،فصل السين ،(ص:671)
([9]) ابن منظور، لسان العرب ،(7/ 321) ،باب الطاء ،فصل السين .
([10]) (ضعيف) انظر حديث رقم: 3350 في ضعيف الجامع الصغير للألباني
([11]) المناوي، فيض القدير،(4/ 142) رقم :7093.
([12]) المرجع السابق؛ ابن منظور ، لسان العرب ،(11/ 419) ،مادة (ظل).
([13]) سورة الزمر من الآية(76).
([14]) القرطبي ،تفسير القرطبي (15/ 277).
([15]) ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث والأثر،(4/ 23).
([16])ابن رشد :مسائل أبي الوليد ابن رشد ،(1/680) ؛ ابن فرحون المالكي،تبصرة الحكام ،(1/219 ؛القرافي، الفروق (4/46).
([17]) الطماوي، سليمان محمد، التعسف في استعمال السلطة ، (ص:36)
([18]) الظاهر،خالد خليل ،القضاء الإداري ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية،دراسة مقارنة ،(ص:48).
([19]) وصفي،كمال وصفي،مصنفة النظم الإسلامية ،معهد الدارسات الإسلامية ،طبعة أولى ،1394ه.
([20]) البديني ،الحق ومدى سلطات الإدارة في تنفيذه ، (ص:105).
([21])-يوسف ،يوسف إبراهيم، النفقات العامة في الإسلام ،دراسة مقارنة ، (ص:60 ،وما بعدها)
([22] )- قوله: (بيانا) فقراء معدمين لا شيء لهم متساوين في الفقر. (خزانة لهم) كالخزانة يقتسمون ما فيها كل وقت. انظر: ابن حجر ،فتح الباري ،(7/ 490).
([23] )- صحيح البخاري ،كتاب الجهاد ،باب غزوة خيبر، (5/ 138) رقم(4235).
([24] )- الشوكاني نيل الأوطار ،( 9/251)
([25])-أبو يوسف، الخراج ، ( ص:154)
([26]) – حَبَلُ الحَبَلة: نِتَاج النِّتاج وولد الجَنين. انظر: أبو بكر الرازي،مختار الصحاح ،(ص:66).
([27]) – أبو عُبيد القاسم بن سلاّم ،الأموال ، (ص:73،رقم:117).
([28])- أبو زكريا يحيى بن آدم (ص:46-47،رقم:117)
(24)- يوسف ، النفقات العامة في الإسلام ،دراسة مقارنة ،(ص:60 ،وما بعدها).
([30])-أبو يوسف، الخراج ،(ص:34 ).
( [31])- الطماوي ،سليمان عمر وأصول السياسة والإدارة الحديثة،(ص:182).
([32])-أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب الخراج والإمارة والفيء ، باب ما جاء في حكم أرض خيبر ، رقم الحديث (3010) 3/159
([33] )- قوله: (بيانا) فقراء معدمين لا شيء لهم متساوين في الفقر. (خزانة لهم) كالخزانة يقتسمون ما فيها كل وقت. انظر: ابن حجر ،فتح الباري ، (7/ 490).
([35]) جمال الدين ،سامي،القضاء الإداري،(ص:105).
([36]) الدغيثر،السلطة التقديرية للإدارة (ص:16)
([37])جلال الدين السيوطي،الأشباه والنظائر،(ص:121) .
([39])السيوطي،الأشباه والنظائر،( ص:121) .
([40])أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكندي :الشيخ جلال الدين الدشناوي، ولد سنة خمس عشرة وستمائة، سمع من الحافظ عبد العظيم وأبي الحسن ابن الجميزي، وتفقه بقوص على الشيخ مجد الدين القشيري، وبالقاهرة على الشيخ عز الدين بن عبد السلام ،وقرأ الأصول على الشيخ شمس الدين الأصفهاني. وكان إماما فقيها ورعا .توفي في شهر رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة بقوص ودشنا بَلْدَة من صَعِيد مصر الْأَدْنَى.انظر في ترجمته:ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية،(2/ 130)؛تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (8/ 20).
([41])محمود بن عبد الرحمن شمس الدين الأصبهاني.ولد بأصبهان في شعبان سنة 674 أربع وسبعين وستمائة ،وأخذ عن علماء بلاده كوالده وجمال الدين بن أبى الرجاء .قال الأسنوي: كان بارعا في العقليات صحيح الاعتقاد محبا لأهل الصلاح طارحا للتكلف مجموعا على العلم .مات في ذي القعدة سنة (794 هـ).انظر: الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، (2/ 299).
([43]) – عدي بن أرطاة عدي بن أرطاة القزاري ، أبو واثلة : أمير ، من أهل دمشق. كان من العقلاء الشجعان . ولاه عمر بن عبد العزيز على البصرة سنة 99 ه ، فاستمر إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن المهلب بواسط ، في فتنة أبيه ( يزيد ) بالعراق. انظر: خير الدين الزركلي ،الأعلام للزركلي ،( 7 /497)
([44]) أبو عبيد ،الأموال ، (ص:56 رقم 119).
([45]) القاضي أبو يوسف ،الخراج ، (ص: 131).
([46]) الزيلعي ،تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ،(3/ 283).
([47])ابن سعد ،ابن سعد الطبقات الكبرى ، (3/316).
([48]) الماوردي،الأحكام السلطانية ،( ص215 ).
([49])أبو حامد الغزالي،المستصفي ،(ص:178).
([50]) الشيباني،محمد بن الحسن، شرح السير الكبير، (ص: 139).
([51])خلاف ، الشيخ عبد الوهاب، السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والمالية،(ص: 24).
([52]) شلتوت ، الشيخ محمود ،الإسلام شريعة وعقيدة (القاهرة،1،1379هـ/1959م.(ص:417).
([53]) الظاهر، القضاء الإداري ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية،دراسة مقارنة، (ص:49).
([55]) الدعوى رقم(33) السنة الرابعة ،قضائية ،بجلسة (20/2/1952م) انظر: أوهاب،نذير ،السلطة التقديرية للإدارة ،دراسة مقارنة ،جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ،1412ه (ص:24)
([56]) الدغيثر،عبد العزيز بن سعد(د)، السلطة التقديرية للإدارة المفهوم والتوصيف والآثار ،دراسة تأصيلية مقارنة ،،(ص8) وانظر: داير،عبد الفتاح ساير، نظرية أعمال السيادة( دراسة مقارنة) ،(ص:78)؛ الجهني، عيد مسعود، القضاء الإداري وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية ،(ص31)؛ حمد،حمد عمر ،السلطة التقديرية للإدارة ومدى رقابة القضاء عليها ، (ص:65).
([57]) الدغيثر، السلطة التقديرية للإدارة المفهوم والتوصيف والآثار ،دراسة تأصيلية مقارنة ،(ص11)
([58]) الجويني ،غياث الأمم في التياث الظلم، (ص: 233).
([59]) المرجع السابق (ص: 270).
([61]) القرطبي: تفسير القرطبي،(3/ 371.
([62]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ،ج2،ص 252،رقم:4825، وابن حبان في صحيحه،(11/ 405،رقم:5030) قال الشيخ الأرناؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين.
([63]) انظر:فهمي،مصطفى أبو زيد، القانون الإداري،ط:3( القاهرة،دار النهضة العربية ،1999م)(ص:302)؛ خليل الظاهر،القضاء الإداري .،(ص:59)
([64]) حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية ،القضية رقم 426 السنة 18 ،بتاريخ 20/6/1976م ،مجموعة أحكامها في عشر سنوات (ص:213) مشار إليه بـ خليل الظاهر،القضاء الإداري .،(ص:59)
([65]) خليل الظاهر،القضاء الإداري .،(ص:60)
([66]) القرار رقم (32 /86 ) القضية رقم (576/1ق) لعام 1400ه ،من أحكام ديوان المظالم .
([67]) القرار رقم (1/86 لعام 1400هـ ) من أحكام ديوان المظالم . بواسطة كتاب رقابة القضاء على قرارات الإدارة ،ولاية الإلغاء أمام ديوان المظالم ،د/فهد الدغيثر، (ص:245).
( [68] ) القاضي أبو يوسف ،الخراج، (ص:123)
([69]) انظر: الباجي، المنتقى شرح الموطأ ، (5/ 17).
([70])عبد المَلِك بن حَبيب بن سُلَيْمان بن هارون بن جاهمة ،كانَ: بإلْبِيرة، وسكَن قُرطُبة، ورَحل فسمعَ منْ عبد المَلِك بن المَاجَشُون، ومُطَرّف بن عبد الله.من مؤلفاته :الوَاضحة. لم يؤلَّف مِثْلُها؛ والجوامع؛ كتاب: فَضْل الصحابة رضي الله عنهم؛ وكِتاب: غريب الحدِيث؛ وكتاب: تَفْسير الموطأ، مات سَنَة ثمانٍ وثلاثين ومائتين.انظر:ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس ، (1/ 315).
([71]) ابن إياس المصري ،بدائع الزهور في وقائع الدهور ،( 1/350 ) .
([72]) الحلو، ماجد راغب، القضاء الإداري،(منشأة المعارف الاسكندرية ،2000م)،(ص:47)
([73]) بدران ،مراد ،الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية ،(ص:21)
([76]) القرار رقم (6 للعام 1398 هـ) جلسة (7/3/1389هـ) القضية رقم (415) ق، لعام 1397هـ).
([77]) الجرف ، طعيمة ، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون ،(ص:175)،؛ جمال الدين ،سامي ،الرقابة على أعمال الإدارة ، (ص:160-162)
([78]) سورة البقرة ، الآية (173)
([79]) سورة المائدة، من الآية (3).
([80]) سورة النحل ،الآية (115).
([81]) الزيلعي ، تبيين الحقائق (5/185).
([82]) الحريسة: الشاة تسرق ليلاً. وفى الحديث (لا قطع في حريسة الجبل) أي ليس فيما حرس بالجبل قطع، لأنه ليس بحرز.
([84]) مصرورة: مربوطة الضروع، وكان عادة العرب أنهم إذا أرسلوا الحيوانات إلى المراعي ربطوا ضروعها.
([86])سنن ابن ماجه،كتاب التجارات، باب النهي أن يصيب منها شيئا إلا بإذن صاحبها (3/ 401) رقم(2303).قال المحقق: حسن لغيره.
([87])سنن ابن ماجه،كتاب التجارات، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه؟ (3/397)رقم(2298) .إسناده صحيح. وصححه الحافظ ابن حجر في “الإصابة” (3/ 615).
([88])التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (14/ 210).
([90]) الحموي، أحمد بن محمد مكي، غمز العيون والبصائر في شرح الأشباه والنظائر ،(1/277).
([91])منلا خسرو،درر الحكام في شرح مجلة الأحكام،(1/ 42).
([92])أبو الحارث الغزي ، موسوعة القواعد الفقهية ، (1/ 2/ 208).
([93])درر الحكام في شرح مجلة الأحكام (1/ 43).
([94])الزيلعي ، تبيين الحقائق (5/185)؛منلا خسرو،درر الحكام في شرح مجلة الأحكام (1/ 42)
([95])الزيلعي ، تبيين الحقائق (5/185).
([96])الزيلعي ، تبيين الحقائق (5/185).
([97])أبو إبراهيم المزني، مختصر المزني ، (8/91).
([98]) انظر: الزيلعي ، تبيين الحقائق (5/185)؛الشيخ الدردير، والشرح الكبير، (2/115)؛الخطيب الشربيني، مغنى المحتاج (4/306 )؛ ابن قدامة ،والمغنى (8/308 ) الحموي، غمز العيون والبصائر في شرح الأشباه والنظائر ،(1/277).
([99]) ابن قدامة ،المغني ،(9/ 136)؛ الشرح الكبير على المقنع ،(26/ 554).
([100]) القرطبي ،تفسير القرطبي ((2/ 227).
([101]) الإمام الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم ،(ص: 477).
([103]) الإمام الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم ،(ص: 478).
([104]) الإمام الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم ،(ص: 478).
([105]) الإمام الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم ،(ص: 487).
([106]) الظاهر ، القضاء الإداري ،ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية، دراسة مقارنة ،(ص: 66).
([107]) الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية ،دراسة مقارنة ،(ص:70)
([108]) سامي جمال ،القضاء الإداري،الرقابة على أعمال ل السيادة ،(ص:305)
([110]) شيخ الإسلام ابن تيمية ،الحسبة في الإسلام، أو وظيفة الحكومة الإسلامية ،(ص: 22).
([111]) الباجي، المنتقى شرح الموطأ (5/ 19).
([112])رواه أبو داود في سننه ،في أبواب التجارات ،باب التسعير ، (3/ 272) رقم(3451)،وصححه الألباني ،ورواه الترمذي في سننه ،كتاب البيوع ،باب ما جاء في التسعير (2/596)رقم(1314) وقال :هذا حديث حسن صحيح”.
([113]) شيخ الإسلام ابن تيمية ،الحسبة في الإسلام، (ص: 22).
([114]) قال الإمام النووي: أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام اضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس ” المطيعي،محمد نجيب ،المجموع شرح المهذب ،( 13/ 48)
([115]) شيخ الإسلام ابن تيمية ،الحسبة في الإسلام، (ص: 22).
([116]) السنن الكبرى للبيهقي ت التركي (11/ 412) رقم(1257)؛ ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام، (ص: 32)
مختصر المزني (8/ 191).
([117])السنن الكبرى للبيهقي ت التركي (11/ 412) رقم(1257)؛ ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام، (ص: 32)؛ مختصر المزني (8/ 191)؛ الماوردي، الحاوي الكبير ،(5/ 407).
([118]) غياث الأمم ( ص :106 )، ونحوه في (ص: 171)
([119]) الطبري،تاريخ الطبري،( 3/ 583)؛ ابن كثير،البداية والنهاية ،(9/ 696).
([120]) ابن سعد،الطبقات الكبرى (3/316).
([121]) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، (3/ 1191) رقم:1566).
([122]) الغارم: المستدين في غير سرف.
([123])مصنف ابن أبي شيبة (2/ 424) رقم:10660،تفسير الطبري، (14/338 ).
([124]) أخرجه مسلم في صحيحه ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -r- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ” يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ – أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ – وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ – أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ – فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا”. كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة (2/ 722) رقم:1044).
([125]) أخرجه مسلم في صحيحه ،كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، (3/1561،رقم:1971).وقوله( من أجل الدافة التي دفت) قال أهل اللغة :الدافة قوم يسيرون جميعا سيرًا خفيفاً. ودافة الأعراب من يرد منهم المصر .والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة”. الإمام النووي ،شرح النووي على مسلم : ، ( 13/193).
([127]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ، (8/ 279).
([128]) الناضح: البعير يستقى عليه ثم استعمل في كل بعير وإن لم يعمل الماء.مختار الصحاح ، (ص: 312).
([129]) النطع: بساط من الأديم.انظر:الزبيدي، تاج العروس (22/ 261)
([130]) صحيح مسلم ،كتاب الإيمان باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة (1/ 56) رقم:27.
[131])) ابن كثير،البداية والنهاية ،(1/ 501) .
[132]))ابن كثير، البداية والنهاية ، (1/ 501) .
[133])) المصدر السابق (10/ 69).
([134])انظر : للشيخ محمد أبو زهرة ( ابن تيمية ) (ص: 137 ) نقلاً عن تاريخ بن إياس.
([135])-انظر: جلال الدين السيوطي ،حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ، (1/ 156)؛ا بن عبد الحكم ،فتوح مصر والمغرب ،(ص: 190).
([136])-قال صاحب اللسان: “عام الرمادة معروف، سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيرًا.
وقيل: هي أعوام جدب تتابعت على الناس في أيام عمر بن الخطاب، وفي حديث عمر، أنه أخر الصدقة عام الرمادة، وكانت سنة جدب وقحط، فلم يأخذها منهم تخفيفًا عنهم”.
([137])- جاء في فتوح مصر: “ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرًا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرًا بما عليه من الطعام، أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير، فيأكلوا لحمه، ويأتدموا شحمه، ويحتذروا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف وغيره، فوسع الله عليه بذلك على الناس. فلما رأى عمر ذلك حمد الله وكتب … “.
([138])- السيوطي،حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (1/ 157) ثم لم يزل يُحمل فيه الطعام، حتى حُمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز (رضى الله عنه) ،منذ ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.انظر: ابن عبد الحكم، فتوح مصر، (ص: 163-164).
([139])-القلزم بلدة من بلاد مصر تقع على الخليج المعروف باسمها على البحر الأحمر وهي ميناء مصر على هذا البحر وكانت تدعى قديما (القلزم) ولهذا كان البحر الأحمر يدعى بهذا الاسم. وباسمها سميت القناة التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر والتي تم شقها سنة 1869م .تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير (1/ 198).
([140])-البداية والنهاية :ابن كثير (10/ 69).


