تعليق علي حكم المحكمة الإدارية بالرباط

عدد 192 صادر بتاريخ 7 فبراير 2006

محمد الاعرج

أستاذ القانون العام

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

بفاس

قضت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم لها ما يلي:

” غياب النص التنظيمي ووجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق، يعطي للقضاء الإداري استنادا إلي دوره الإنشائي إمكانية خلق ضوابط كفيلة بتأمين ممارسته بشكل يضمن الحفاظ على سير المرافق العمومية بانتظام واضطراب .

ثبوت عدم التزام الج المضربة بالضوابط المقررة لممارسة هذا الحق بشكل أدى إلي عرقلة سير المرفق العام ولجوء الإدارة إلي تطبيق مقتضيات المرسوم رقم 1216-99-2 الصادر في 10 ماي 2000 باعتبار أن الأجر يؤدى مقابل العمل … قرار الاقتطاع من الراتب قرار مشروع “.

يثير حكم المحكمة الإدارية بالرباط إشكالية قانونية تتعلق بالتوفيق بين استمرارية سير المرافق العامة بنظام وانتظام كمبدأ من المبادئ العامة لنظام المرافق العامة وحرص العاملين بمرافق الدولة بممارسة حق الإضراب كحق أصيل منصوص عليه دستوريا.

انطلاقا من هذه الإشكالية، ننطلق من تساؤلات جوهرية كما يلي:

فهل حق الإضراب كحق أصيل منصوص عليه دستوريا لا يقتضي طلبا من قبل المعني اي المضرب ولا يلزم بنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن بالنسبة لبعض الحقوق السياسية ؟ ام أن مبدأ استمرارية سير المرفق العام بنظام وانتظام يستوجب التقيد بضوابط قانونية لعدم عرقلة سير هذه المرافق ولكي تتمكن الإدارة من ترتيب أوضاعها القانونية ؟.

ثم في ظل الفراغ التشريعي ينظم هذا الحق المنصوص عليه دستوريا، هل يحق للقاضي الإداري التدخل ووضع ضوابط قانونية لممارسة هذ ا الحق وما هي حدود سلطات القاضي الإداري في مثل هذه المنازعات ؟

للتعليق على هذا الحكم والإجابة على الإشكالية لابد من استعراض وقائعه وحيثياته ومنطوقه.

الوقائع:

بناء على المقال المقدم من طرف الطاعن يعرض فيه أنه توصل بتاريخ 30 نونبر 2004 بقرار إداري صادر عن مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بتطوان يشعره بالاقتطاع من الأجرة بسبب ما أسماه بالتغيب عن المبرر عن العمل، وأن القرار المذكور كان قد سبقه استفسار بتاريخ 20 أكتوبر 2004 حول أسباب التغيب عن العمل يوم 13 أكتوبر 2004 صباحا، وهو الاستفسار الذي أجاب عنه الطاعن في حينه من خلال رسالة جوابية مؤرخة في 15 أكتوبر 2004، وأن القرار المطلوب إلغاءه مؤسسا على مقتضيات المرسم رقم 1216-99-2 الصادر بتاريخ 10 ماي 2000 في شأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، وأن تغيب الطاعن لا يقع ضمن ما نص عليه المرسوم المذكور، وأن تغيب الطاعن يوم 13/10/2004 كان مبررا ومشروعا خلافا لما جاء في هذا الاستفسار لأن تأسيسه على المرسوم رقم 1216-99-2 واعتبار تغيب الطاعن تغيبا غير مبرر ينطوي على عيب جوهري يبرز إلغاءه، ذلك أن المرسوم المذكور يحدد من خلال مادته الأولى أسباب الغياب المبررة للاقتطاع في: الغياب بدون ترخيص من لدن الرؤساء والغياب بدون عذر مقبول وواضح مدى الفرق بين الغياب الغير المشروع والغياب بدون عذر مقبول، وأن القرار تشمن سببا غير موجود في المرسوم رقم 1216-99-2 وهو الغياب غير المشروع فإنه يبقى قرارا معيبا وبالتالي فهذا السبب لوحده يكفي للقول بإلغائه، ومن جهة ثانية فإن جواب الطاعن عن الاستفسار الموجه له من طرف المدعى عليه تضمن تنصيص الدستور من خلال الفصل 14 على الحق في الإضراب، وباعتبار المبدأ القانوني الذي ينص على أنه لا يمكن لنص قانوني أدنى أن يخالف نصا قانونيا أعلى منه مرتبة لاسيما إذا كان ذلك القانون هو أسمى قانون في البلاد وأن القرار المطعون فيه قد جعل كيفية ممارسة الحق في الإضراب تحدد من خلال نص تنظيمي دقيق وأنه بالرجوع إلى مشروع هذا القانون التنظيمي الموجود حاليا قيد المناقشة – على سبيل الاستئناس – أكد في مادته الرابعة على عدم جواز معاقبة أي شخص بسبب مشاركته في إضراب مشروع، وأن الدستور قد جعل ممارسة حق الإضراب مشروعا من حيث المبدأ مقيدا من حيث الممارسة.

2- حيثيات الحكم:

استند القاضي الإداري على مجموعة من الأسانيد القانونية لتأسيس حكمه، وردت كالآتي : “حيث يهدف الطلب إلي الحكم بإلغاء قرار الاقتطاع من أجرة الطاعن بسبب تغيبه المبرر عن العمل باعتبار ممارسته لحق مكفول دستوريا وهو الحق في الاضطراب .

وحيث تمسك الوكيل القضائي بقانونية الاقتطاع من الأجر استنادا إلي الفصل الأول من المرسوم رقم 1216- 99-2   الصادر بتاريخ 10 ماي 2000 الذي يخضع رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بدون ترخيص او مبرر مقبول للاقتطاع باستثناء التعويضات العائلية وأيضا بناء على مقتضيات 11 و 41 من المرسوم الملكي عدد 66-330 الصادر بتاريخ 21 /4/ 1967 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية الذي يجعل أداء الأجرة معلقا على ضرورة تنفيذ العمل.

وحيث تبعا لهذه المعطيات تكون النقطة النزاعية مثار المناقشة في نازلة الحال هي تحديد ما اذا كان تغيب الموظف عن العمل بسبب مشاركته في الإضراب يعتبر مبررا أم انه غير مبرر ويعطي للإدارة إمكانية تطبيق مقتضيات الفصل الأول من مرسوم 10 ماي 2000 بخصوص إخضاع الراتب للاقتطاع .

وحيث أن إضراب الموظفين هو امتناعهم عن تأدية أعمال وظائفهم بصفة مؤقتة، تعبيرا عن عدم الرضى من امر معين، وهو من الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور الذي نص في فصله 14 على ” أن حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق “.

لكن، حيث انه أمام عدم إصدار الجهات المختصة للنص التنظيمي المشار اليه، فإن القاضي الإداري بما له من دور في خلق قواعد قانونية عندما يخلو المجال من التشريع، يكون ملزما بوضع ضوابط ومعايير من شأنها أن تضمن لهذا الحق البقاء والحماية من جهة ومن جهة أخرى عدم التعسف في استعماله لحسن سير المرفق العام بانتظام واضطراد، وهذا المبدأ تم تأصيله من طرف مجلس الدولة الفرنسي من خلال قرار دوهين عندما أعطى الاختصاص للقاضي الإداري في خلق الموازنة بين مبدا استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الحرية.

وحيث أن حق الإضراب كحق أصيل لا يقتضي طلبا من قبل صاحب الشأن ولا يلزم لنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن بالنسبة لبعض الحقوق السياسية الأخرى، إلا انه لاعتبارات النظام العام وحسن سير المرفق فإن ممارسته تستوجب التقيد بنظام الإخطار La declaration، اي أن على الجهة الراغبة في خوض إضراب ما لأسباب مهنية أن تخطر الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة وان يتم الإعلان المسبق عن الإضراب لتوضيح أسبابه ومدته يتم تبليغه للجهات المعينة داخل اجل كافي ومعقول.

وحيث يؤخذ من تصريحات الأطراف بجلسة البحث ان الإضراب موضوع الاقتطاع خاصته فئة اساتذة التعليم الإعدادي الذين لم يسبق لهم ان كانوا معلمين عددهم 22866 أستاذا وأستاذة بعد فشل النقابات الخمس ذات التمثيلية في الوصول إلي اتفاق بخصوص الملف المطلبي لهذه الفئة وقد تم أخبار وزير الداخلية ووزير التربية الوطنية وكذا ولاية الرباط بخصوص هذه الفئة لإضراب يوم 13 اكتوبر.

وحيث انه اذا كانت ممارسة حق الإضراب رهينة بضرورة أخطار الإدارة المعنية لترتيب أوضاعها الإدارية والقانونية وعدم عرقلة سير المرفق، فإنه لم يقم دليل من أوراق الملف على ثبوت أخطار السلطات الإدارية المذكورة رغم تكليف الأطراف بذلك أثناء جلسة البحث، وبالتالي فإن إضراب فئة عريضة من الأساتذة ( 22866 استاذ) مرة واحدة دون أخطار الجهات الإدارية المعنية بشكل أدى إلي توقيف العمل بمرفق هام ألا وهو مرفق التعليم وما له من انعكاسات سلبية على المجتمع، لمن شأنه المساس بشكل كبير بهذا المرفق ويجعل بالتالي الغياب عن العمل لأجل ممارسة الإضراب خارج الضوابط المشار اليها غير مبرر وبذلك يكون تفعيل الإدارة لمقتضيات مرسوم 10 ماي 2000 قد تم في اطار المشروعية، كما ان تمسك الطاعن بكون مشروع القانون التنظيمي ينص على عدم جواز معاقبة الموظف على مشاركته في الإضراب يبقى غير ذي محل طالما أن مقتضيات المادة الأولى من المشروع لا تخاطب فئة الموظفين بل تهم فقط الأشخاص الذاتيين والمعنويين الخاضعين لأحكام قانون الشغل فضلا على ان عدم جواز المعاقبة الذي اقرته المادة 4 منه إنما يتعلق بالإضراب المشروع وهوما لا ينطبق على نازلة الحال وفق ما تقدم أعلاه .


3- منطوق الحكم:

وحيث يتعين أمام هذه المعطيات التصريح برفض الطلب لعدم جديته.

4- التعليق:

أثار موضوع الإضراب في المرافق العامة ولا زال يثير نقاشا واسعا، ويرجع ذلك أساسا لعدم إصدار الجهات المختصة للقانون التنظيمي المنظم له من جهة، ولحرص العاملين بالمرافق العامة على ممارسة هذا الحق في عدة مناسبات، سعيا وراء تحقيق مطالبها.

فالإضراب هو اتفاق مجموعة من العمال على الامتناع عن العمل لفترة مؤقتة قصد إبراز استيائهم من امر ما أو تحقيق بعض المطالب المتعلقة بظروف العمل والحياة بصفة عامة، وهومن الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور الذي نص في فصله 14 على أن حق الإضراب مضمون وسيبين بمقتضى قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق.

ويعد الإضراب من اخطر ما يهدد استمرارية المرفق العام مما حدا بالمشرع إلي تحريمه في نطاق المرافق العامة الاستراتيجية أو إلي تنظيمه بشكل يكفل حقوق العاملين وحقوق المنتفعين من خدمات المرافق العامة، خاصة وان تلك المرافق تعمل في ظروف احتكارية.

فإذا كانت بعض التشريعات قد عملت على التوفيق ولو نسبيا بين مبدأ الاستمرارية وحق الإضراب، فإن بعض التشريعات الأخرى لا زال يعتريها الكثير من الغموض في هذا المجال، وهذا هو حال التشريع المغربي منذ دستور 1962 لذي نص على أن حق الإضراب حق أصيل مكفول دستوريا وسيبين قانون تنظيمي كيفية ممارسته.

في المغرب فإن ممارسة حق الإضراب وموقف القاضي الإداري فيمكن طرحه من خلال التطور الذي عرفه هذا المجال . فقبل دستور عام 1962 كان الإضراب محرما بمقتضى الفصل الخامس من مرسوم 2 فبراير 1958 الذي نص على ” أن كل توقف عن العمل بصفة مدبرة، وكل عمل جماعي أدى إلي عدم الانقياد بصفة بكيفية يمكن المعاقبة عليه خارج الضمانات التأديبية ([372])

هذا النص استندت اليه الغرفة الإدارية في قضية الحيحي محمد ضد وزير التربية الوطنية بتاريخ 17/04/1961 والذي جاء فيه: “وحيث وأنه من جهة أخرى، فإن الفصل 5 من المرسوم السالف الذكر الذي يستبعد الضمانات التأديبية في حالة الإضراب المدبر عن العمل، لا يمكن اعتباره ملغى ضمنيا لكون ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالوظيفة العمومية واللاحق له، لا ينص على انه حالة تعفى فيها الإدارة من اتباع الإجراء التأديبي.

الواجب قبل إصدار اي جزاء في الواقع أن الموظفين العموميين عند إضرابهم عن العمل جماعيا لا يرتكبون فقط خطأ شخصيا شنيعا، بل يضعون انفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية، تلك المقتضيات التي تضمن حقوقا يقابلها الالتزام بالممارسة الفعلية والمستمرة للوظيفة باستثناء التغيبات المبررة “([373])

ومع صدور دستور 1962 والدساتير اللاحقة فقد نص الفصل 14 على ان ” حق الإضراب مضمون، وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة ذلك الحق “. هذا النص اثار خلافا حول من يتمتع بهذا الحق الدستوري :

فهناك رأي قال بأن النص الدستوري يقتصر على العمال المسموح لهم بمزاولته قبل صدور الدستور، وبالتالي استثناء جميع العاملين في المرافق العامة الذين يحكمهم الفصل الخامس من مرسوم 2 فبراير 1958 . وتشبثت الإدارة بهذا الراي لأنه ملائم لاستمرارية المرفق العام، ولأن نزاعات الموظفين مع الإدارة يجب إن تسوى بطرق وأساليب أخرى ([374])

وهناك رأي حاول التوفيق بين المعطيات القانونية واستمرارية المرفق العام، واكد بأن الفصل 14 من الدستور لا يشمل على أي تحديد لنطاق تطبيقه، وبالتالي فهو ينطبق على الموظفين العموميين وينسخ ضمنيا مرسوم 1958، غير إن ممارسته كحق يجب ان تتلاءم مع ضروريات النظام العام وسير المرافق العامة في غياب القانون التنظيمي، وبالتالي فإن السلطة التنظيمية يجوز لها تنظيم ممارسته شريطة أن لا تتجه نحو المنع العام والمطلق، مما يجعل النصوص المحرمة للإضراب على بعض أصناف من الموظفين قبل صدور الدستور محتفظة بقيمتها، كتلك المتعلقة بمرافق الدفاع والأمن وكل من يحمل سلاحا أو يرتدي زيا رسميا أو إشارة . وكذلك الشأن بالنسبة للنصوص المحرمة للإضراب بعد صدور الدستور كالنظام الأساسي لمتصرفي وزارة الداخلية والنظام الأساسي لموظفي ادارة السجون والنظام الأساسي لرجال القضاء وغيرها ([375])

غير إن الغرفة الإدارية لدى المجلس الأعلى تمسكت بالراي الأول، وتشبثت بتطبيقه، في قضية ادريس نداء ضد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية بتاريخ 25/05/1984، والذي جاء فيه: “لكن خلافا لما ورد في الوسيلة فإن الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين، والذي يطبق على هذه النازلة ينص على إن كل توقف مدبر عن العمل، وكل عمل جماعي مخالف لقواعد الانضباط، يعاقب دون مراعاة للضمانات التأديبية التي ينص عليها الظهير المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية ([376])

وعلى خلاف التوجه القضائي للغرفة الإدارية للمجلس الأعلى فإن المحاكم الإدارية حكم للمحكمة الإدارية بمكناس في قضية شيبان عدد 63، بتاريخ 12/07/2001 سلكت توجها صائبا أكدت من خلال حكمها ان حق الإضراب مضمون، لكن لابد لممارسته في اطار ضوابط تمنع إساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مبدا استمرارية سير المرافق العامة بنظام وانتظام، مؤكدة إن الإضراب في المرافق العامة لم يعد محرما بصفة عامة، ويجوز تحريمه في بعض المرافق بالقدر اللازم لضمان استمراريتها قصد تلبية احتياجات المصلحة العامة، كما يجوز تقييد ممارسة الإضراب ببعض القيود والإجراءات القانونية.

فعدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الإضراب، لا يعني اطلاق هذا الحق بلا قيود، بل لابد من ممارسته في اطار ضوابط تمنع إساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق العامة على لا ينص سيرها المنتظم بشكل مؤثر.

وعدم ثبوت كون الإضراب الذي خاصه الطاعن فيه خروج عن الضوابط المذكورة، لا يمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني.

هذا الموقف أكدته المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها، موضوع التعليق، حيث اكد القاضي الإداري، سعيا إلي خلق الموازنة بين مبدا استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الإضراب وانطلاقا بما له من دور في خلق قواعد قانونية عندما يخلو المجال من التشريع، يكون ملزما بوضع ضوابط ومعايير من شأنها إن تضمن لهذا الحق الحماية . لذا فإن ممارسة حق الإضراب وفق منظور القاضي الإداري يخضع لمجموعة من الضوابط من أهمها:

  • التقيد بنظام الإخطار والإعلان المسبق، أي إن الجهة الراغبة في خوض إضراب ما لأسباب مهنية إن تخطر الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
  • توضيح أسباب الإضراب، بمعنى إن يتم الإعلان المسبق عن الإضراب لتوضيح أسبابه ومدته.
  • إجراءات التبليغ بمعنى إن يتم تبليغ الإعلان المسبق عن الإضراب بالجهات المعنية داخل أجل كافي.

بمعنى إن ممارسة حق الإضراب رهين بضرورة أخطار الإدارة المعنية لترتيب أوضاعها الإدارية والقانونية وعدم عرقلة سير المرفق العام بنظام وانتظام .

لذا نقول ان حكم إدارية الرباط بالرغم مما قضى به في الحيثية التالية “وان تفعيل الإدارة لمقتضيات مرسوم 10 ماي 2000 قد تم في اطار المشروعية والتصريح برفض الطلب لعدم جديته “. فإننا نسجل إن القاضي الإداري وأمام غياب القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، ووجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق، لعب الدور المنوط به وهو ملء الثغرات القانونية ووضع ضوابط تضمن ممارسة بعض الحقوق.

وهو بهذا الحكم، إضافة إلي خلقه لمجموعة من الضوابط القانونية لممارسة حق الإضراب ( التقيد بنظام الإخطار، الإعلان المسبق عن الإضراب، توضيح أسباب الإضراب ومدته …) فإنه مارس المهام الموكولة اليه وهي الموازنة والتوفيق بين مبدا استمرارية المرفق العام وسيره بنظام وانتظام وضمان ممارسة حق الإضراب من طرف العاملين في المرافق العامة.

أن فلسفة القضاء الإداري تفرض تجاوز نطاق لمبادئ المعروفة في القانون الخاص كمبدأ التزام القاضي الإداري الحياد وهي مبادئ لا يمكن التمسك بها في المنازعات الإدارية فحكم إدارية الرباط يعبر عن المهام الموكولة للقاضي الإداري، ألا وهي ملء الثغرات القانونية وخلق ضوابط كفيلة بتأمين ممارسة بعض الحقوق الأساسية المنصوص عليها دستوريا.

نتمنى إن تتقيد الهيئات النقابية بهذه الضوابط التي وضعها القاضي الإداري، أثناء ممارستها لحق الإضراب من جهة، ومن جهة أخرى ألا تتعسف الإدارة بلجوئها بتطبيق مقتضيات مرسوم 2000 المتعلق بالأجر يؤدى مقابل العمل وبالغياب غير المبرر اذا ما احترمت الهيئات المضربة هذه الضوابط القانونية.


[372] المرسوم رقم 2 – 2 – 1958 المنظم لممارسة الحق النقابي، منسور بالجريدة الرسمية لسنة 1958 عدد 2372 .

[373] حكم عدد 135 بتاريخ 17/ 04/ 1961 الحيحي محمد ضد وزير التربية الوطنية والسبيبة والرياضة، المجموعة 1961، ص.56، أورده احمد البخاري وأمينة جبران : اجتهادات المجلس الأعلى، الغرفة الإدارية، الطبعة الأولى 1996 المنشورات الجامعية المغاربية، ص. 180

[374] انظر محمد البديوي : الإضراب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الحقوق بالرباط، 1975، ص . 70 .

[375] انظر الفصل 15 من ظهير، مارس 1963 والفصل 35 من المرسوم الملكي بتاريخ 2-2-1967 والفصل 13 من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 467-74-1 الصادر بتاريخ ،، نونبر1974.

[376] انظر القرار رقم 406 الصادر بتاريخ 25 – 05 – 1984 في الملف رقم 94048، غير منشور.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading