Constitutional foundations: State
forms and forms of political regimes
توماسو فروسيني
نقله من الإيطالية إلى العربية وقدم له وعلق عليه
د. علي فرج العامري
استمدت مادة هذا البحث من المحاضرة التي تناولت موضوع (سيادة القانون)، وهي إحدى المحاضرات التي ألقاها الأكاديمي الإيطالي “فروسيني” ضمن سلسلة الحلقات الدراسية التي تناولت موضوعا محوره الرئيس: “النظام القانوني الإيطالي، دراسة مقارنة” وهو جزء من برنامج إيطاليا من أجل العراق 2008، الناصرية، المصادف في 31 آيار 2008. وهذه الدورة هي جزء من مشروع بناء المؤسسات وبإشراف كلية الحقوق جامعة سوور اورسولا بينينكاسا. نابولي، وذلك ضمن اتفاق بين هذه الجامعة ووزارة الخارجية الإيطالية.
تمهيد
سهلت الموافقة على الدستور العراقي لعام 2005 فتح آفاق جديدة للنظام الدستوري، وقد أرسى الدستور الأسس اللازمة لإعادة بناء ديمقراطي ليبرالي لنظام مؤسسي عراقي، الذي لم يعرف في تاريخه الحديث إلا نظام حكومة دكتاتورية واستبدادية. ونرى أنه من المفيد هنا دراسة نماذج شكل الدولة والحكومة، ومثلما صيغت، وبلا شك فإن هذه الدراسة تساعد على فهم المواد والقواعد الدستورية المتعلقة بتنظيم شكل الدولة والحكومة وبأسلوب صحيح. ونلاحظ أن الدستور العراقي يستهل غايته مباشرة في نص المادة 1 وكما يلي: “جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني)، ديمقراطي اتحادي”: ثم يضيف الدستور لاحقا في المادة 5 توكيدا آخر، وهذا نصه: “السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري وعبر مؤسساته الدستورية”. وهنا يصبح بحوزتنا حكمان دستوريان يحددان ويعرفان خاصية الديمقراطية الليبرالية للعراق الجديد وكذلك يعرفان ماهية سيادة القانون. ومثلما نعرف جيدا، فإن القواعد الدستورية لا تكفي وحدها في بناء دولة ديمقراطية وليبرالية، وبخلافه سنجد شكلا آخر من أشكال الديمقراطية، يعرف باسم “ديمقراطيات الواجهة” التي طالما اعتادت على فكرة استخدام الدستور كأداة للحكومة، ولكنها لم تستوعب فكرة الدستور بوصفها نظام للقيم الليبرالية. وكما هو واضح فإن النظام الدستوري يقوم على الأحكام، ويمكن لهذه الأحكام العمل من خلال الإجراءات القانونية التي تتفاعل فيما بينها بشكل منطقي وصحيح في سياق الفصل بين السلطات، وفي نطاق الضمانات الدستورية وحماية الحريات المدنية وحقوق الإنسان.
ومن الجدير بالذكر، أن النظام الدستوري لا يشير إلى مفهوم دستوري محايد، وإنما يعتمد على نظام دقيق من القيم الدستورية، وهو نظام الحريات، كونه يحدد مجموعة من القواعد التي تضمن، في أي شكل من أشكال التعايش السياسي للمواطنين ممارسة حقوقهم الغير قابلة للانتهاك، فضلا عن التمتع بالحريات الأساسية، بالإضافة إلى أن هذا النظام الدستوري يحدد مجموعة من القوانين التي فرضت وتفرض قيودا على صلاحيات الدولة. ومن أجل فهم السياقات التي تتبعها الدساتير المعاصرة ينبغي علينا أن نبدأ بتعريف النظام الدستوري.
مما لا شك فيه أن للنظام الدستوري مسيرته الطويلة والصعبة، حيث تمكن ولأول مرة في القرن العشرين وبعد تجربة الحكم الدكتاتوري من أن يحتل مكانا رئيسيا خاصا به، مكانا بين النظم القانوني لاسيما الغربية منها، ويوجد اليوم مفهوم يستخدم في النقاشات الدستورية الأوروبية، يعبر من خلاله بوضوح عن أي فكرة دستورية معينة، ويعرف هذا المفهوم باسم: “الوطنية الدستورية”، الذي يظهر الالتزام بالقيم والمبادئ الدستورية التي تجمع المشاعر نحو بلد جديد، وتعد اليوم كل من: حقوق الحريات ومبدأ المساواة والفصل بين السلطات والضمانات والرقابة الدستورية، مفاهيم مشتركة للنظم الدستورية ذات الطابع الليبرالي والديمقراطي.
وعليه فإن الغاية المستقاة من هذا البحث هي القيام بعملية وصف وتحليل للمبادئ الدستورية لاسيما فيما يتعلق بأشكال الدولة والحكومة.
تعاريف
الدولة والحكومة هما مفهومان أساسيان للقانون الدستوري، فأما معنى الدولة، فيعني العلاقة بين الحكام والمحكومين، أي بين السلطة والفرد، ويقصد به أيضاً المبادئ والقيم التي تعتمد الدولة عليها في أعمالها، بينما يقصد بالمفهوم الثاني “الحكومة”: هو الأسلوب الذي يساعد على تحديد وتوضيح السبل أو الآليات التي يتم من خلالها توزيع وتنظيم السلطة أو الصلاحيات بين أجهزة أو مؤسسات الدولة الرئيسة، ويقصد بشكل الحكومة هو مجموعة العلاقات التي تتكون بين الأجهزة نفسها. وعليه فإن مفهوم شكل الدولة يساعدنا في محاولة الإجابة على السؤال الآتي: “ما هو هدف الدولة الرئيس، وما هو نوع العلاقة التي تنشأ بين الدولة والمجتمع المدني؟”. بينما يحاول مفهوم شكل الحكومة الإجابة على السؤال الآتي: “من يحكم داخل الدولة، وما هي طبيعة العلاقات الموجودة بين سلطات الدولة؟”، وبالتالي أمامنا مفهومان يرتبطان ارتباطا وثيقا فيما بينهما، وفي الحقيقة، فإن أمام كل شكل دولة هناك شكل من أشكال الحكومة، أي أن عملية تنظيم السلطة تقوم وفق معايير معينة تستمد من شكل الحكومة المعتمدة في ذلك النظام القانوني.
ومن أجل فهم عملية التطور الفعلي لأشكال نظم الدول والحكومات، قمنا بتصنيف نظم هذين الشكلين المذكورين وكما هو مبين أدناه، واعتمادا على المقارنة بين القضايا التاريخية المختلفة لعدد من الدول يمكن أن يستخلص بعض التصنيفات المعينة من أشكال نظم حكم الدولة والحكومة، مصنفين بالتالي أنواعا مختلفة وعلى أساس الخصائص التي تميزها، ومن هنا يمكن توظيف النماذج التي رسمت لها مسارا داخل أطر الأنظمة القانونية المختلفة.
لمحة موجزة عن أشكال الدولة
نظام الحكم الإقطاعي:
تزامن ظهور هذا النظام مع انهيار الإمبراطورية الرومانية، وميز هذا النظام الجديد بدوره عموم حقبة العصور الوسطى العليا. ولقد كانت الغاية الوحيدة من وراء نشوء هذا الشكل من أشكال الدولة هي الدفاع عن حقوق الملكية من التهديدات القادمة من الخارج؛ وفي واقع الأمر فإن السمة التي تميز هذا الشكل من الأنظمة هي حق الملكية، ويشكل هذا الحق العمود الفقري لنظام حكم الدولة ومصدر شرعية سلطتها.
نظام حكم الدولة المطلقة:
وهو أول نموذج حقيقي للدولة يظهر في العصر الحديث، حيث برز في أوروبا بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ثم تطور خلال القرنين اللاحقين. ومن خصائصه تركيز السلطة كلها في شخص الملك ليس كونه شخصا – بل بوصفه جهازا تابعا للدولة، وهو من يتولى القيام بالوظيفة التشريعية والتنفيذية، في حين توكل الوظيفة القضائية للمحاكم والهيئات القضائية المكونة من قضاة يعينهم الملك. وتعد إرادة الملك هي المصدر الرئيس لسن القوانين، أي له تأثيره الفاعل على وضع القانون وهكذا يقال في اللغة اللاتينية: “القانون الذي يعجب الملك ينفذ”، أي سلطة الملك هي السائدة المطلقة، ولا يطبق القانون عليه، لأنه يعد نظريا ممثلا لله في المجتمع وتصرفه يعبر عن الإرادة الإلهية، وبالتالي يطبق بمنأى عن أي تدخل ومراقبة تفرض عليه.
نظام حكم الدولة البوليسية أو القمعية:
وهو نظام يشكل امتدادا تطوريا لنظام حكم الدولة المطلقة، وهي الدولة المتمثلة في مكتب الشرطة، واصل التسمية مشتقة من اليونانية: “بوليس” وتعني: المدينة والمجتمع المحلي، وبرز هذا النظام في أواخر القرن الثامن عشر وخصوصا في النمسا وبروسيا. ومن خصائصه أنه يتمتع بنظام حكم يهدف إلي زيادة رفاهية السكان، وبالتالي بإمكان الشعب إدارة وتنظيم العديد من الأنشطة الاجتماعية، وبموجبه تمنح بعض الحقوق التي تتسم بالحصانة القضائية للأشخاص.
نظام حكم الدولة الليبرالية:
وبرز هذا الشكل الجدد للدولة في أواخر الثامن عشر واستمر حتى منتصف القرن التاسع عشر. ومن أهم الخصائص التي تميزها هي: ضيق القاعدة الاجتماعية في طبقة واحدة، مبدأ الحرية، مبدأ التمثيل الانتخابي، سيادة القانون مع وجود نظام اقتصادي مرتبط بنمط الإنتاج الرأسمالي، اعتبار الإرادة الشعبية مبدأ جديدا من مبادئ الشرعية يحل محل المبدأ القديم الذي ينص على أن “السلطة مصدرها الله”، وعليه فإن الحال تحول ليجعل الشعب مصدر السلطات. وأخيراً التوكيد على قيمة وأهمية دور القانون بصفته أداة فاعلة قادرة عدى توحيد جميع الكيانات العامة منها والخاصة. وعليه فإن هذه الخصائص تمثل نقطة تحول تجاه أسلوب جديد، يساعد على فهم واستيعاب شكل نظام الدولة الذي يمثل بدوره العلاقة بين الفرد والسلطة القائمة على أساس مبدأ الشرعية والحرية. وبالتالي تصبح الدولة أداة لحماية وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم.
نظام حكم الدولة الديمقراطية التعددية:
لقد أدى تطور نظام حكم الدولة الليبرالية إلى توسيع القاعدة الاجتماعية، ونتيجة لذلك تحولت الدولة من نظام الطبقة الواحدة إلى نظام الطبقات المتعددة ثم أدخل عليه الاقتراع العام الذي أدى بدوره إلى تشكيل دولة ديمقراطية تعددية تقوم على الاعتراف بتعدد الكيانات وحمايتها فضلا عن ضمان ورعاية المصالح والأفكار والقيم القائمة داخل المجتمع، والتي يمكن التعبير عنها داخل البرلمانات، وتمثل حالة ظهور الأحزاب السياسية الجماهيرية منعطف تطور الدولة باتجاه الديمقراطية التعددية.
نظام حكم الدولة الدكتاتورية أو الاستبدادية:
وهو من نتائج انهيار نظام حكم الدولة الديمقراطية التعددية بعد الحرب العالمية الأولي، حيث ظهر في العديد من البلدان الأوروبية، ومن ميزات هذا النظام أنه يعتمد على احتكار السلطة من طرف شخص مسؤول أو هيئة عليا، معبرا عن هيمنة القوة، وعليه تصبح الدولة دولة دكتاتورية طالما تستحوذ لنفسها جميع المصالح المجتمع العامة مؤسسة على هذا الأساس نظامها السلطوي ونمط أسلوب تعاملها وعملها في المجتمع. ومن أهم مساوئ النظام الدكتاتوري هي: مصادرة الحريات وقمع كل معارضة سياسية. وتمثل التجربتان الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، وكل وفق مساراته التاريخية الخاصة به، تمثل شكلا من أشكال نظام الدولة الدكتاتورية؛ وفي هذا السياق ينبغي الإشارة أيضاً إلى تجربة نظام الحكم الاشتراكي، والتي تعود بجذورها إلى النظرية الماركسية اللينينية، والتي ميزت التجربة التاريخية للاتحاد السوفيتي، وهنا ظهرت هيمنة السلطة من خلال ديكتاتورية الطبقة الكادحة (البروليتاريا)، ومن خصائص هذا النظام هو تعزيز المساواة بين الطبقة العاملة، معاقبة وقامعة في نفس الوقت حقوق الحريات التي تعد امتيازا وحقا ينحصر على الفئات الاجتماعية المهيمنة. وعليه نلاحظ أن نظام الحكم الاشتراكي لا يفضل اقتصاد السوق الحرة، بينما على العكس يسعى إلى تطبيق نظريته المعروفة بالاقتصاد التعاوني.
نظام حكم الدولة الديمقراطية الليبرالية:
إن من تداعيات الحقبة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية أنها وفرت أرضية خصبة لظهور بعض الديمقراطيات الجديدة في أوربا، لاسيما ديمقراطية نظام حكم الدولة الليبرالية التي أقرتها صراحة العديد من المواثيق الدستورية؛ وهكذا استعاد النظام الدستوري مكانته من جديد، أي تمكن من تحقيق ما يلي: الفصل بين السلطات، ضمان حقوق الحريات، والحقوق الاجتماعية والضمانات القضائية، تأسيس نظام اقتصادي مختلط، عام وخاص، إيجاد برلمانات حرة تمثل البلاد، ينتخبها الشعب وفق الاقتراع العام، وبالتالي وجود حكومات معبرة عن رأي وتطلعات أغلبية أصوات الشعب الممثلة في البرلمان، حيث تخضع هذه الحكومات للرقابة البرلمانية وأنها قابلة لسحب الثقة إذا لم تستطع القيام بواجباتها المكلفة بها دستوريا، تأسيس نظام قضائي حر ومستقل ومحاكم دستورية لضمان وحماية الدستور وشرعيته.
لمحة موجزة عن أشكال أنظمة الحكم السياسية
تصنيفات
بناء على تصنيف أشكال نظام الدولة الديمقراطية الليبرالية يمكن تصنيف أشكال نظام الحكم إلى ثلاثة أنواع وهي: النظام الرئاسي، النظام البرلماني، النظام الإداري، الحق بها، نظام الحكم شبه الرئاسي الذي أصبح شكلا رابعا حديثا أضيف رسميا ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين. لقد راعينا خلال إجراء هذا التصنيف تحديدا موقف الهيئات الدستورية ذات الطبيعة السياسية والعلاقات التي تربطها، وبناء على حجم هذه العلاقات ارتأينا وضع مجموعة من المعايير القانونية، أولها وأهمها هو المعيار الذي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وهنا ينبغي تمييز هذا المعيار وذلك حسب طبيعة البعد المستخدم، فأما إن يكون بعدا هيكليا أو وظيفيا، ويتناول البعد الهيكلي مبدأ من المبادئ الأساسية والذي ظهر مع نظام الحكم الليبرالي حيث ما يزال يحتفظ بأهميته حتى اليوم في أشكال أنظمة الحكم المعاصرة، أي أن السلطات ينبغي أن تكون موزعة وذلك للحيلولة من احتكار السلطة أو الحكم الذي ربما يتحول إلى حكم دكتاتوري وقمعي، وبإمكان السلطة تحديد نفسها وذلك فقط من خلال الفصل بين السلطات وإجراء تنظيم ذاتي وذلك بواسطة استخدام بعض الوظائف الخاصة، ومثلما يقول مونتسكيو: “لتجنب الاستبداد باستخدام السلطة أو انتهاكها ينبغي على السلطة تحديد نفسها”. وفي الحقيقة ففي ما يتعلق بالبعد الوظيفي نرى أن معيار أو مبدأ الفصل بين السلطات قد فضل أساسا تحليل درجة الفصل القائم بين السلطة التشريعية والتنفيذية، والذي يمكنه التعبير عن نفسه بطريقة جامدة أو مرنة. واعتمادا على هذا التصنيف يمكن التمييز بين نظام الحكم الرئاسية الذي يقوم على أساس فكرة الفصل “الجامد” بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جانب ونظام الحكم البرلماني الذي ينص على الانصهار أو الفصل “المرن أو النسبي” بين السلطتين التنفيذية التشريعية من جانب آخر. ويعد التذبذب في درجة أو حجم الفصل بين هاتين السلطتين ظاهرة مهمة أيضاً بالنسبة للمعايير القانونية الأخرى، والتي تستخدم غالبا في عملية تصنيف أشكال أنظمة الحكم، إلا أن تلك المعايير ركزت فقط على العلاقات التي قد تكون موجودة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، متجنبة الأخذ بنظر الاعتبار وجود عوامل أخرى التي تسهم بطريقة فعالة في آلية أداء نظام الحكم، ويعد أهمها وأبرزها الشعب القائم بالانتخاب، وعلى سبيل المثال المعيار الأحادي أو الثنائي الذي يعتمد على أساس سيادة السلطة أو توازنها فيما بينها، أو مثال آخر إلا وهو المعيار الذي يشير إلى علاقة الثقة الذي ينبغي أن يكون حاضرا أو غير حاضر بين كلا السلطتين، وأخيرا المعيار الذي يحدد أو يشخص القدرة الفائقة في صنع القرار السياسي لمن يحمل عنوانا سياسيا.
ولعل الجانب السلبي في هذه المعايير المذكورة، يتمثل في كونها جامدة، فهي لا تأخذ في حسبانها قابلية أشكال أنظمة الحكم على التغير المستمر وكأنها كائنات حية، وبالتالي يصبح من الصعب التعبير عمليا عن الآلية الحقيقية لشكل من أشكال نظام الحكم الذي ربما له ضوابط تشريعية، تعد بدورها قضايا مفتوحة، ولذلك تكون قابلة للتعديل أو التكميل بواسطة عوامل أخرى. ولذلك، لا يمكن إغفال الدور الذي يقوم به الناخبون باعتباره مصدرا تنبثق منه السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما لا يمكن أيضاً إغفال دور الناخبين المتجسد في شكل الحكومة وذلك بمشاركة الأحزاب السياسية والنظام الانتخابي، فجميعها تسمح، ولو بطرق مختلفة، بالتعبير عن إرادة الناخبين، وعليه فمن الضروري النظر في مسألة شكل نظام الحكم، وذلك من خلال الأخذ بنظر الاعتبار العلاقات التي تنشأ بين كل من: الناخبين، البرلمان وممثل السلطة التنفيذية أي الحكومة، وسنتكلم عن هذا الموضوع لاحقا، ولكن لابد لي أولاً أن أقدم عرضا موجزا عن أشكال الحكم المعاصر.
نظام الحكم الرئاسي:
اشتق اسمه من رئيس الدولة، ومن أهم خصائص نظام الحكم الرئاسي الذي يترأسه رئيس الدولة الذي يتميز بما يلي: (أ) وجود رئيس الدولة ينتخبه الشعب مباشرة. (ب) رئيس الدولة هو رئيس الحكومة الذي يقوم بإدارة البلاد ويرأسها. كما وتقع على عاتقة عملية اختيار وتعيين مجلس الوزراء. (ج) لا يجوز سحب الثقة منه بواسطة تصويت برلماني، مدة دورته الرئاسية تكون محددة مسبقا. ويذكر أن أول تجربة تاريخية دستورية تعتمد نظام الحكم الرئاسي حققت نجاحا كبيرا هي تجربة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يقوم هذا النظام على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، وبالتالي فإن السلطة التنفيذية التي يترأسها رئيس الدولة، ليست لها أية علاقة مع السلطة التشريعية التي تتكون من الكونجرس أي مجلس النواب ومجلس الشيوخ، باستثناء حالة خاصة، وهي أن للكونغرس الحق في توجيه الاتهام لرئيس الدولة ونائبه والوزراء أي للسلطة التنفيذية وإحالتهم إلى المحكمة العليا وذلك في حالة خيانتهم الدستور.
نظام الحكم شبه الرئاسي:
يتميز شكل هذا النظام بما يلي: (أ) يتم انتخاب رئيس الدولة عن طريق الاقتراع العام، (ب) وجود رئيس الوزراء يعينه رئيس الدولة وذلك بعد استحصاله موافقة غالبية أعضاء مجلس النواب (البرلمان)، (ج) للبرلمان صلاحية سحب الثقة من الحكومة، مسببا بذلك أزمة حكومية، وتعتبر الجمهورية الفرنسية الخامسة 1958 أهم نموذج واقعي لتطبيق هذه التجربة التاريخية الدستورية. ويعرف هذا النظام بالنظام الرئاسي – البرلماني، بمعنى هو نظام خليط بين النظام الرئاسي والبرلماني، ففي هذا النظام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وتقع على الأخير إدارة سياسة البلاد حيث يحظى بتأييد غالبية أعضاء البرلمان، وفي حالة انتماء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى نفس الحزب السياسي، عندها يصبح رئيس الدولة رئيسا للحكومة فعليا وليس قانونيا، وإن كانا من حزبين سياسين مختلفين عندها يصار إلي حل المشكل باللجوء إلى استخدام وسيلة (التعايش المزدوج) التي طالما حققت نجاحا متكررا في تطبيقها. ومن بين الصلاحيات التي يمنحها دستور هذا النظام لرئيس الجمهورية هي ما يلي: الحق في حل مجلس الشعب (الجمعية الوطنية) مبكرا ودون الحاجة إلي إصدار مرسوم وزاري، تعيين رئيس الوزراء، استفتاء الشعب في أي مشروع قانوني له علاقة في تنظيم السلطات العامة، ثم إدارة الشؤون السياسية الخارجية حصرا.
نظام الحكم البرلماني:
ويتميز هذا النظام بما يلي: (أ) وجود علاقة تعاون تضامني نيابي بين الحكومة والبرلمان. (ب) للبرلمان صلاحية سحب الثقة من الحكومة وذلك بعد تصويت برلماني (ج) منصب رئيس دولة، يعد منصبا شرفيا، وهو يمثل جهة محايدة ضامنة للدستور، وعليه يقوم النظام البرلماني على أساس الثقة والتعاون، أي على مبدأ انصهار أو اندماج بين الحكومة والبرلمان، وهذه العلاقة يوضحها الدستور الإيطالي في نص المادة 94 الفقرة 1 وهذا نصها “ينبغي على الحكومة تجب أن تكسب ثقة المجلسين” ويقصد بالمجلسين هنا البرلمان ومجلس الشيوخ، وبموجب هذا النظام فإن الحكومة تنبثق من البرلمان، وينبغي أن تظل مستعدة للمثول أمامه على سبيل المساءلة والمحاسبة، ويجوز فيه للبرلمان سحب الثقة من الحكومة، وعلى الرغم من هذه الصلاحية التي يمتلكها البرلمان التي من شأنها إقالة الحكومة بعد التصويت، يقابلها في نفس الوقت أداء الحكومة لمسؤولياتها وبإخلاص تجاه البرلمان، يمكن عندها وصف طبيعة العلاقة هذه بأنها تضامنية متبادلة، وبهذا يمكننا القول أن ما يميز النظام البرلماني اليوم هو وجود ظاهرة تصويت حجب الثقة، وفي الحقيقة نرى الثقة التضامنية حاضرة أصلا في العديد من الأنظمة البرلمانية، وعليه فلا حاجة لإجراء تصويت أولي من قبل غالبية أعضاء البرلمان يمنح من خلاله تولي الحكومة، ونلاحظ على سبيل المثال أن الدستور الإيطالي يراعي التصويت الأولى لمنح الثقة وفقا للمادة 94 الفقرة 3 “على الحكومة الحضور إلى البرلمان لغرض استلام مهامها بناء على الثقة الممنوحة لها وذلك في غضون عشرة أيام من تشكيلها” إلا أن عملية استئناف تولي الحكومة لأعمالها تمثل تطبيقا عمليا في إطار البرلمان للتوجهات التي وافق عليها الناخب، وينبغي الإشارة هنا، إلى أن ناخبي نظام الحكم البرلماني بإمكانهم وعبر تشريع مباشر انتخاب غالبية برلمانية ورئيس لها، ولذلك، فإن هذا النظام يقوم على نوعين من العلاقة التعاونية التوافقية، أما الأولى، فهي تلك القائمة بين الحكومة ممثلة برئيس الوزراء والناخبين، أما النوع الثاني فيقوم بين الحكومة والبرلمان، فكلا العلاقتين لها نفس التوجه السياسي والمتجسد في تحقيق برنامج حكومي، وهنا يطرح هذا السؤال الآتي: ما هي السبل التي يمكن اتباعها في معالجة حالة فشل أو عجز العلاقة المذكورة التي تربط الكيانات الآتية: البرلمان، الحكومة والشعب؟ حسنا، فإليكم الإجابة: عندما تتم عملية اختيار الهيئة التنفيذية أي الحكومة عن طريق انتخاب الناخبين ينبغي عندها على الحكومة ممثلة بشخص رئيسها اتخاذ التدابير اللازمة، أي حل البرلمان قبل نهاية دورته المحددة، وفي حالة إسناد السلطة إلى رئيس الدولة الذي يمثل هيئة تعمل على ضمان الدستور، عندها يصار بموجبه أن يتولى رئيس الدولة وظيفة لا تتلاءم ومنصبه، أي أن يكون مسؤلا عن العلاقة بين البرلمان والحكومة، ولعله يتولى أيضاً وظيفة وسيط آمال الناخبين والكيفية التي انتخبوا بها، وإلا، فإن الكيفية أو الآلية التي اتبعها الناخبون في عملية التصويت ينبغي أن تسند أو تعزى مباشرة إلى رئيس الوزراء بصفته رئيسا للأغلبية التي تمت اختيارها من خلال التصويت. ولذلك فان رئيس الوزراء هو من يضمن ويؤمن تطبيق البرنامج السياسي، ومقابل هذا ينبغي أن يحاط رئيس الوزراء بظروف ملائمة تساعده على الامتثال إلى البرنامج السياسي وتطبيقه وذلك عبر سبل عديدة، منها على سبيل المثال حل البرلمان الذي يمكن استخدامه كأداة رادعة تهدف إلى إعادة تنظيم الغالبية المعارضة، أو كحل أخير يهدف منح الناخب فرصة التعبير عن نفسه عبر عملية انتخاب أغلبية جديدة ينبثق عنها بالتالي اختيار رئيس الوزراء.
أما ظاهرة حل البرلمان نجدها في الدستور الإيطالي حيث تخول المادة رقم 88 رئيس الجمهورية حصرا صلاحية حل البرلمان مراعيا ثلاثة ضوابط، أما الضابط الأول، فهو ذو طبيعة موضوعية جوهرية، بينما الأخران فهما ذوا طبيعة إجرائية، فبالنسبة للأول فتنص عليه المادة رقم 88 الفقرة 2 المعدلة بموجب القانون الدستوري المرقم 1 لسنة 1991 التي لا تسمح لرئيس الجمهورية بحل البرلمان وذلك في الأشهر الستة الأخيرة من دورته، إذا ما تزامنت هذه المدة كليا أو جزئيا مع الأشهر الستة الأخيرة من مدة الدورة القانونية الاعتيادية للبرلمان”. ويصطلح على هذه المدة (الأشهر الستة) من دورة حكم رئيس الجمهورية باسم “الأشهر الستة البيضاء” والتي تتزامن مع الأشهر الستة من مدة رئاسته. وعليه فإن هذه المادة الدستورية تلبي الحاجة الضرورية لمنع أو تجنب طموح ورغبة لرئيس ما في أن يعاد انتخابه مرة أخرى وذلك بعد أن يتيقن من وجود معارضة برلمانية ضده، ويقرر على أثرها حل البرلمان أملا في الحصول على نتيجة انتخابية لصالحة. أما فيما يخص الضابطين الآخرين فطبيعتهما مثلما قلنا هي إجرائية آلية، فأما الأول، فينص على وجوب قيام رئيس الدولة باستشارة رئيسي المجلسين قبل البدء في حل البرلمان، يضاف إلى هذا ما ورد بموجب المادة 89 من الدستور الإيطالي التي تنص على أن قرارات التي يتخذها رئيس الجمهورية لا تعد نافذة المفعول ما لم تحظى بمصادقة الوزراء المختصين، وإذا كانت طبيعة هذه القرارات قانونية ينبغي عندها مصادقة رئيس مجلس الوزراء. وبالتالي يمكننا تسميتها أو تعريفها بالضوابط (الجامدة أو الثابتة) وعليه فهي لا تتأثر بالمتغيرات السياسية، وتبقى كأنها محاور ثابتة في دراسة حل البرلمان المبكر، ويلحق بهذه الضوابط عناصر متغيرة، التي تنشأ عن طريق الأحداث السياسية، وتمكنت هذه العناصر وبمرور الزمن من خلق بعض الممارسات الدستورية الفعلية، نفهم مما ورد أن الدراسة القانونية التي تتعلق بحل البرلمان المبكر لا يمكن أن تحدث بمعزل أو تنفصل عن اعتبارات عوامل أو ظروف الواقع السياسي والاجتماعي.
تأملات حول أشكال أنظمة الحكم:
الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر
الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر، أما الانتخاب المباشر فيكون عندما يقوم الناخبون بانتخاب النواب من بين المرشحين بشكل مباشر، وهو ما يسمى بالانتخاب على درجة واحدة، بينما الانتخاب غير المباشر فهو الذي يتم فيه الانتخاب على درجتين حيث يقوم الناخب بانتخاب مندوبين مهمتهم هي انتخاب أعضاء البرلمان أو الحكام، ولهذا فإنه قد يتم على ثلاث مراحل عندما يقوم النواب بانتخاب الحكام.
وبعد هذا التعريف الموجز، ينبغي الإشارة هنا إلى أن التصنيف التقليدي لأشكال أنظمة الحكم السياسية قد فقد العديد من سماته المميزة، الأمر الذي يتطلب منا وضع صياغة جديدة ومختلفة، تأخذ في نظر اعتبارها الناخب ودوره الذي يلعبه في ديناميكية وآلية أشكال أنظمة الحكم. وفي الواقع، نلاحظ أنه توجد في أنظمة حكم الدول الديمقراطية الليبرالية المعاصرة صنفان رئيسيان من أشكال الحكم وهي: 1 – نظام الانتخاب المباشر. 2 – نظام الانتخاب غير المباشر. إن هذا التصنيف له علاقة وثيقة مع مبدأ سيادة الشعب بوصفه مبدأ شرعيا وكذلك مع المشاركة الفاعلة والحقيقية للجماهير وذلك لغرض تحديد البرنامج السياسي للدولة، وعليه فإن من سمات هذا التصنيف الثنائي أنه يعمل علي إبراز دور الناخبين في اختيار الحكومة، وفي إطار هذا السياق، نرى أن هناك أشكال أنظمة حكم تقيم وتعزز مبدأ سيادة الشعب وعلى نطاق واسع. بينما هناك أشكال أخرى تقتصر فقط علي إجراء انتخابات المجالس النيابية، وبلا شك فإن التمثيل السياسي يبقى علي أية حال الوسيلة التي تعبر الديمقراطيات الحديثة عن نفسها والأساس الذي تستند عليه، وقد لوحظ ومنذ مدة من الزمن ظهور الحاجة المتزايدة التي تدعو إلي إقامة نوع من التوازن بين نظام التمثيل السياسي وبين نظام إمكانية الحكم، وهذا ما يؤدي بالتالي الانتقال من مرحلة الديمقراطية المحكومة إلى مرحلة الديمقراطية الحاكمة وهي نظام تكون فيه القرارات التي يصدرها الحكام معبرة عن إرادة الشعب في تقرير مصيره. وعليه فإن الشعب وبصفته مكونا رئيسيا فعالا في العملية الانتخابية، لا يمكنه أن يقتصر على انتخاب ممثليه السياسيين فحسب، بل ينبغي عليه أن يكون قادرا على انتخاب حكومته أيضاً، ومثلما سنرى تباعا فإن هذا يمكن حصوله كذلك عبر الآليات الانتخابية التي تسمح وبنفس الوقت باختيار أغلبية برلمانية وتشكيل الحكومة، حيث فقدت هذه الأخيرة وظيفتها في تنفيذ الأوامر الصادرة من هيئات أخرى، ومقابل هذا فقد اكتسبت صلاحية جديدة، أي وظفت معنى السلطة الحاكمة، وبالتالي تحتل هذه السلطة قمة النظام الدستوري التي تكون مسئولة مسؤولية مستقلة في اتخاذ القرارات المهمة الجوهرية، ولكن علنيا أن نوضح بأن تلك القرارات لا تتخذ بشكل فردي، ولكن تتخذ بعد استشارة الحزب أو الأحزاب التي تستند عليها الحكومة وذلك من أجل إيجاد توافق وتناغم مع السلطة التشريعية، وأخيرا فأن وراء قرارات الحكومة تقف أيضا منظمات أو نقابات المصالح الخاصة التي غالبا ما تعتمد عليها موافقة ورضا المجتمع المدني.
وتتمثل أشكال أنظمة الحكم السياسية التي تقوم على أساس السلطة الحاكمة في الدول الآتية: بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه البلدان تتخذ السلطة الحاكمة وجوها مختلفة وهي: 1 – وجود رئيس الدولة في نظام الحكم الرئاسي. 2 – وجود رئيس الوزراء أو مستشار في نظام الحكم البرلماني. 3 – وجود نظام حكم خليط بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء في بعض مراحل نظام الحكم شبه الرئاسي، على سبيل المثال في فرنسا خلال فترات (التعايش المزدوج). مما لا شك فيه فإن هذه النظرية الحديثة التي تعالج فصل السلطات ما تزال على أية حال تتحرك في إطار التصنيف التقليدي الخاصة بأشكال أنظمة الحكم السياسية وهي: نظام الحكم الرئاسي، والبرلماني، والشبه الرئاسي، فبدلا من تسليط هذه النظرية الضوء على الفوارق التي ربما قد تحدث بينها، أو مثل تلك التي حدثت حتى الآن، نذكر منها على سبيل المثال: فصل السلطات الجامد أو المرن، أو النظام الذي يقوم على العلاقة التضامنية، الخ …)، نراها تركز علي القاسم المشترك القائم بين أشكال أنظمة الحكم المتعددة، أي أن ذات الوظيفة التي تمارسها السلطة الحاكمة في ظل الأنظمة التي تختلف فيما بينها بالخصائص، إلا أنها تبدو متفقة بطريقة الأداء التي تمارس بها البرنامج السياسي ومن خلال السلطة الحاكمة.
ومن الجدير بالذكر أن أشكال أنظمة الحكم هذه تمتلك أيضاً مصدرا رئيسيا واحدا تستمد السلطة الحاكمة (الحكومة) شرعيتها منه، إلا وهو الناخب، وبناء على مشروعية السلطة الحاكمة، أو يعتبر آخر السلطة الفعلية، يمكننا تميز أشكال أنظمة الحكم، ومثلما أسلفت سابقا، إلى نظام الانتخاب المباشر وغير المباشر، فالمباشر يعني اختيار الناخبين لحكومتهم بشكل مباشر، بينما غير المباشر فيعني غياب منح الثقة بشكل مباشر للحكومة، وذلك لأن مهمة تعيين الحكومة هو واجب ملقي على عاتق السلطة التشريعية أي البرلمان حصرا. ولكن من الواضح أن مخططا مثل هذا ينبغي أن ينجز بشكل منطقي يأخذ في حسبانه عوامل مؤسساتية أخرى من شأنها أن تساهم في ضمان إيجاد نظام يقوم على الانتخاب المباشر حتى وإن كانت في النظام البرلماني الذي يبقى محافظا على خصائصه التي تميزه عن نظام الحكم الرئاسي، واستنادا إلي مشروعية الانتخاب الفردي، يمكن تقسيم أشكال الحكم وبطريقة دقيقة إلى نوعين، وهذا لعله يمثل المبدأ الرئيسي الأول الذي ينبغي الانطلاق منه، كونه يعزز دور الناخبين وعاملا فاعلا ومهما في سياق العلاقات المتغيرة التي تنشأ داخل الهيئات الدستورية العليا، وفقا لوظيفة البرنامج السياسي.
تطورات وآفاق:
وهنا ألخص بعض النقاط المهمة:
أ) أن تصنيفات أشكال أنظمة الحكم السياسية بحاجة إلى إعادة صياغة تعتمد على أساس التجارب السياسية – المؤسساتية للدول الديمقراطية الليبرالية المعاصرة.
ب) ينبغي بالمعايير التقليدية القانونية المستخدمة في عملية تصنيف أشكال أنظمة الحكم، لاسيما تلك التي تستخدم في توزيع السلطات، أن توسع وتأخذ في حسبانها عوامل مؤسساتية مهمة أخرى، والتي تساهم بالتالي في تشكيل أشكال أنظمة الحكم، ويأتي في مقدمتها دور الناخبين.
ج) لم تعد مرحلة حقبة الديمقراطيات الليبرالية التي تعود إلى النصف الثاني من القرن العشرين مقتصرة فقط على السلطات التقليدية الثلاث، حيث رافقها ظهور سلطات جديدة مستقلة، مكونة بالتالي نظاما مركبا من الضوابط والتوازنات التي تساعد النظم القانونية في أداء عملها، فضلا عن أنها توفر ضمانا كبيرا للمواطن.
د) يلاحظ في ظل هذا التقسيم أو التوزيع الجديد للسلطات، أن السلطة التنفيذية تحولت إلى سلطة حاكمة تعبر عن البرنامج السياسي، وبالتالي فهي المحرك الحقيقي لنظام الدولة.
ه) تشكيل السلطة الحاكمة أو الفعلية يتحدد عبر انتخاب الشعب.
و) الاقتراع المباشر لاختيار نظام السلطة الحاكمة بالفعل تمكن من تقريب أشكال أنظمة الحكم فيما بينها وذلك وفقا لإطار تحليلي الذي لم يعد يعتمد أساسا على الاختلافات وإنما على أوجه التشابه.
ز) ينبغي علينا الأخذ في الحسبان مواصلة تحليل مسألة أشكال أنظمة الحكم بناء على النظام البرلماني والنظام الرئاسي، وكذلك على ظاهرة التصور المتنامي لأشكال أنظمة الحكم التي تمتلك عناصر مشتركة، التي يمكن وصفها بالتالي بنظام الحكم شبه الرئاسي.
ح) تعد عملية الانتخاب المباشر في حالة الأنظمة البرلمانية، ثمرة من ثمار بعض العوامل المؤسساتية، والتي تعتبر ضرورية في عملية كشف وتميز التطور الذي حصل تجاه نظام انتخاب مباشر لاختيار الحكومة.
ومن الجدير بالإشارة إن تجربة النظام الرئاسي التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما تجربة النظام البرلماني ذات السياق الرئاسي المتطور وموطنها بريطانيا، تمكنتا هاتان التجربتان وبشكل واضح من إثبات الحاجة الماسة للديمقراطيات الليبرالية الحديثة إلى قيادات لها حضور وشخصيات يختارها الناخبون بصورة مباشرة، وذلك لتتمكن من مواجهة نفوذ الكيانات أو التكتلات السياسية، وللحيلولة من عدم تدهور هذه الديمقراطيات وانحلالها ولأجل ضمان عدم تحولها إلي مجرد حكومات تكنوقراط، ينبغي عليها في هذه الحالة أن تقييم وتأخذ بحسبانها دور الشعب، أي الناخب، كما ينبغي على الديمقراطيات أيضا، أن تغادر ظاهرة انعدام الثقة تجاه الحكومة التي تجعلها بالتالي ضعيفة في هيكلها، هذه الظاهرة ساهمت مساهمة كبيرة في تتميز بعض الديمقراطيات الأوروبية المهمة بعد الحرب العالمية الثانية.
مشكلتان اثنتان رافقتا ولادة الأنظمة البرلمانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فأما المشكلة الأولى فتتمثل بالخشية من الناخبين (الشعب)، وأما الثانية، الخشية من الحكومة، ولإزالة هاتين المشكلتين والتخلص منها، تم اللجوء إلى وضع البرلمان في قلب المنظومة السياسية والمؤسساتية، فمن خلال هذا البرلمان والأحزاب السياسية نشأت الآلية الجديدة، ألا وهي أن الشعب يعطي صوته إلى الأحزاب أو التكتلات السياسية وبالتالي تتم عملية انتخاب أعضاء البرلمان الذي يمنح بدوره الثقة للحكومة، فضلا عن أن البرلمان يتمتع بصلاحية سحب الثقة من الحكومة وكذلك حلها، حيث أن مدة دورتها تستند حصرا على ثقة البرلمان لها، وعليه فإن دور الناخب ينتهي بمجرد انتخابه أعضاء البرلمان، بينما تقال الحكومة إذا ما قررت القوى السياسية في البرلمان سحب الثقة منها. يتضح من هذا أن مفهوم مركزية البرلمان تعني مركزية الأحزاب السياسية، وبالتالي فإن البرلمان يصبح مجمع للأحزاب والتكتلات السياسية وحلقة وصل بين الإرادة الشعبية والعمل الحكومي، أي الشعب والحكومة، كيانان لا ينبغي لها أن يتعارضا في ما بينهما أبدا، وتدار وظائفهما في إطار مجلسي البرلمان، وبالتالي فإن البرلمان بمجلسيه يصبح ممثلا عن السيادة الشعبية ومسئول عن البرنامج السياسي. إن من ثمار تثمين مشاركة الشعب في العملية السياسية في دولة ديمقراطية ليبرالية هي ما يلي: 1 – محاولة لاستعادة دائرة الثقة بين الشعب والحكومة. 2 – تساعد في إيجاد مشاركة جماهيرية واقعية تهدف إلى تحديد ورسم سياسة الدولة، واضعة بالتالي حدا لبناء ديمقراطية تستغنى عن الشعب. 3 – الحد من ظاهرة الفئة الحاكمة أو حكم القلة وتحديدا حكم الأحزاب السياسية وذلك لضمان وجود حكومة مستقرة قادرة على تنفيذ برنامجها السياسي. ومن الجدير بالإشارة أن مبدأ السيادة الشعبية الذي هو جوهر النظام الديمقراطي الليبرالي يقتضي بالضرورة إلى تطبيق نظام حكم يستند على أساس اختيار الشعب لممثليه في الحكومة وبصورة مباشرة، أي يتجلى في التصويت الانتخابي وإبداء رأي الشعب في ممثليه، وبناء على هذه الآلية يكون من واجب الناخبين الحضور والمشاركة في عملية التصويت سواء على صعيد البرامج السياسية أو على تشكيل حكومات بديلة، أي ينبغي تهيئة جميع الظروف المناسبة وتيسير جميع التسهيلات أمام الناخبين (الشعب) من أجل توفير مناخ مناسب يسمح بمشاركتهم الحقيقية في تشكيل حكومة مهمتها تمثيل الشعب وتحقيق طموحاته وتوجهاته السياسية، التي على أساسها نالت موافقة غالبية الشعب. وعليه فإن ممارسة السيادة الشعبية الحقة هو حق ثابت مكفول دستوريا، يعني إمكانية إسناد السلطة السياسية في النظام الديمقراطي كونه المرجعية الأساسية في تحديد شرعية السلطة (الحكومة) وذلك عبر الانتخابات، حتى وإن كنا في نطاق نظام الحكم البرلماني. ونرى أن من ضروريات عقد دراسة تحليلية تتناول شكل نظام الحكم البرلماني المنبثق عن الانتخابات، هو اعتماد مبدأ الأغلبية كمعيار مقارن في هذه الدراسة.
مبدأ حسم الأكثرية – مفاهيم وصيغ:
مبدأ حسم الأكثرية يتضمن معنيين: فأما الأول فهو المبدأ التمثيلي، والثاني: المبدأ الوظيفي، وهما معنيان مختلفان، فحسب المبدأ الأول، التمثيلي، فيحدد لنا من هم أصحاب صنع وصياغة القرارات السياسية، بينما الثاني، وهو الوظيفي فيحدد لنا، من هم الأشخاص الذي لهم دور أساسي في عملية اتخاذ القرارات النهائية. وهنا يمكن إضافة تصنيف آخر وهو أكثر أهمية وسعة، ويستند على تعريفين يتعلقان بمبدأ حسم الأكثرية: 1 – نظام الانتخاب 2 – نظام إدارة الحكم، أما نظام الانتخاب ويسمى أيضا بنظام الانتخاب بالأغلبية فيقوم على مبدأ أساس ضمان فوز المرشحين ممن حصلوا على أغلبية الأصوات في الدائرة الانتخابية في حين يشير التعريف الثاني، إلى أساليب توزيع السلطة السياسية وكيفية استخدامها بطريقة يمكن من خلالها تشكيل حكومة مشتركة، ويشير أيضاً إلى أسلوب تأثير نظام الإدارة على العلاقات التي تربط بين الناخبين والبرلمان والسلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة، أي تأثير هذا النظام علي أداء الحكومة.
وبعد هذا الموجز، يمكننا هنا أن نلقي الضوء على أشكال أنظمة الحكم، لاسيما على تلك التي طبقت وبشكل واسع مبدأ حسم الأكثرية أو الأغلبية الذي أطلق عليه لاحقا اسم “ديمقراطية الأغلبية” والتي تتعارض مع ما يعرف بـ “الديمقراطية التوافقية” التي لا تستخدم قواعد الأغلبية، إلا أنها تعتمد على قواعد التمثيل النسبي في البرلمان، وكذلك على أساس على مبادئ ائتلاف موسع لحكم البلاد، وبالتالي نفهم مما ورد، أن مبدأ حسم الأكثرية أو الأغلبية هو المبدأ الذي يعتمد على أن أكثرية الشعب هي من تقوم بحسم القرارات ويعتبر هذا الحسم شرعيا.
أصول، خصائص وضمانات:
تجب الإشارة هنا إلي أن مبدأ نظام حكم الأغلبية ترجع جذوره إلى عصور بعيدة، ففي الحقيقة فقد عمل الإغريق والرومان بهذا المبدأ في جميع القرارات المتخذة في إطار المجالس آنذاك. وبصرف النظر عن وصف المراحل التي تركت أثرا واضحا في المسيرة التاريخية الطويلة والصعبة لمبدأ نظام حكم الأغلبية، يمكننا القول، أن هذا المبدأ يبدو أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بمجتمع متجانس فيما بينه، أي أن هذا المجتمع يخلو تقريبا من وجود تناقضات قوية داخله، بل خلوه أيضاً من انقسامات دينية وسياسية ولغوية وقومية.
وعليه يمكن تعيين القاعدة الأولى وهي، أن نظام حكم أو حسم الأغلبية يعد الأفضل والأسهل تطبيقا في المجتمعات المتجانسة، حيث لا يشعر مواطنوها بعدم المساواة أو بأنهم مختلفون تماما فيما بينهم، كما ينبغي أن يكون النظام الاجتماعي متفقا ومنسجما مع غالبية الشعب، ومختلفا مع أقل عدد ممكن من أفراد الشعب. وفي الحقيقة فإن تطبيق نظام الأغلبية يقوم على مبدأ العدالة، ولكنه في الحقيقة غير ملموس، أي أن جميع أفراد الشعب هم متساوون فيما بينهم، أو أنهم لا يختلفون فيما بينهم كثيرا، وبالتالي تكون الانقسامات الفكرية (الأيديولوجية) والثقافية والقومية داخل المجتمع مرنة مقبولة قدر الإمكان أي ليست ثقيلة، وإذا ما تصورنا الحال عكسيا، فربما سيكون عندها من الصعب على الأقلية قبول قرارات الأغلبية.
ويعتمد مبدأ حسم الأكثرية على آليات حساسة للغاية والتي تقوم بدورها على إجماع مطلق بشأن تفويض الأكثرية باتخاذ عدد من القرارات الإدارية والتي تصبح بالتالي ملزمة للجميع، إذن فإن هذا المبدأ يتضمن إمكانية واسعة في التقليل من حجم المشاكل والتعقيدات، حيث يلزم الأكثرية باتخاذ قرارات حول بدائل معينة، سواء في إطار انتخاب مرشحين من أجل شغل مناصب حكومية، أو سواء في ما يتعلق باتخاذ قرارات جماعية تخص المجتمع، ولكن ينبغي على الأكثرية أن تنتهج خيار التسامح مع من لا يتفق معها بشكل خاص، وكذلك مع الأقليات بشكل عام، وذلك للحيلولة من بلوغ الأكثرية مرحلة تعرف باسم “طغيان الأكثرية”. ولذلك، فإن من الشروط الأساسية لقيام النظام الديمقراطي الليبرالي هي، وجوب التزام الأقلية لإرادة الغالبية، كي تتمكن بالتالي من الإعراب وبحرية عن نظرياتها ووجهات نظرها التي إذا ما وقع الاختيار عليها أو اعتمدت عبر طريق الانتخابات، فربما تكون بدورها غالبية. وهنا يبرز عامل جوهري يساعدنا في فهم مبدأ حسم الأغلبية ومفاده هو: وجوب حماية الأقلية من إساءة استعمال السلطة من قبل الأغلبية، كما ينبغي أيضاً ضمان تنفيذ إجراءات من شأنها تشكيل الأغلبية وبصورة حرة، ويتوجب كذلك حماية الأغلبية من خطر الاضطهاد الناجم ربما من أقلية منظمة بشكل جيد تهدف إلى زعزعة النظام وتعطيله.
مبدأ حسم الأكثرية أو الأغلبية ومبدأ الديمقراطية:
يراد بمبدأ حسم الأغلبية أنه نظام أو قاعدة يستخدم في إدارة الحكم، ويعد أيضاً بأنه معيار تنظيمي وعملي يهدف إلى تحقيق نظام ديمقراطي على أحسن وجه وحسب النخسة المعاصرة متجلية في السيادة الشعبية، وبناء على انتشار استخدام مبدأ حسم الأكثرية في إطار نظام الحكم، التي يمكننا ملاحظتها سواء على الصعيد التجريبي والقانوني، تشكلت نظرية تسلط الضوء على درجة الاستخدام عالية كانت أم واطئة لمبدأ حسم الأكثرية، مميزة بالتالي بين نموذجين من الديمقراطية وهما: ديمقراطية الأغلبية والديمقراطية التوافقية. وتتضمن ديمقراطية الأغلبية في جوهرها، في أن النسبة الغالبة أو الساحقة من المنتخبين بوسعها أن تقرر مباشرة تشكيل غالبية البرلمان والحكومة أيضاً، وذلك بالاعتماد على توجه سياسي وبرنامج انتخابي يعملان في بيئة تنافسية تساعد بالتالي في تمكين المنتخبين من اختيار حكومة واحدة من بين اثنين أو ثلاث بدائل ممكنة، والهدف من ذلك هو ضمان وجود حكومة مستقرة وفعالة ودائمة على طول الدورة التشريعية، وإضافة إلى هذا ينبغي على الحكومة أن تلبي وتنفذ أعمالها وواجباتها تجاه الشعب المنتخب، ومما يلاحظ أن الآليات الانتخابية وطبيعة النظام الحزبي المنقسم إلى محورين، عملا على إيجاد وتهيئة الظروف المؤسساتية والسياسية التي تسمح بدورها إلى دعوة وتوجيه الناخبين بأن يتصرفوا كما لو انهم ينتخبون فعلا الحكومة ورئيسها وبشكل مباشر، وعليه فإن هذا يؤدي بالتالي إلى تعزيز مبدأ المسؤولية السياسية من قبل أولئك الذين يقودون الحكومة. ولذلك، فإن تطبيق مبدأ حسم الأغلبية باعتباره قاعدة أو نظام لإدارة الحكم من شأنه أن يعزز مبدأ المسؤولية السياسية والدور الذي يقوم به الناخبون في عملية اختيار الحكومة. وفي الواقع، عندما تسنح الفرصة أمام الناخبين للتصويت تصويتا مباشرا أو غير مباشر لاختيار الحكومة، التي ينبغي عليها حينئذ أن تتحمل هذا الواجب وتكون مسئولة كل المسؤولية أمام الشعب الذي انتخبها، وكما يتوجب على الحكومة أيضا أن تتصرف بأسلوب يوضح للشعب بأن الحكومة تتابع وتنتهج وتهتم بمصالح الجميع وليس فقط بمجاميع منفردة.
وفيما يتعلق بمبدأ حسم الأغلبية باعتباره نظام انتخابي يدل على منهجية الأداء الخاص بنموذج انتخاب الأغلبية، فتتلخص آليته في تخصيص المقاعد لمرشحي الدوائر الانتخابية الذين حصلوا على الأغلبية النسبية أو المطلقة (50% + 1) أو المشروطة، وبالتالي فإن مبدأ الأغلبية هو أن النظام الذي يحصل بموجبه المرشح على أكبر عدد من الأصوات وبالتالي يتمكن من إحراز مقعده البرلماني، وهذا سيتم شرحه في الفقرة الآتية.
ملامح الأنظمة الانتخابية
مفاهيم وقضايا:
الأنظمة الانتخابية هي إحدى النظم المؤسساتية التي تنظم ممارسة السيادة الشعبية كون نوعية هذه الأخيرة تعتمد بدورها أيضاً على طبيعة الترتيبات المؤسساتية وآلياتها التي يمكن لها بالتالي أن تعبر عن نفسها من خلالها، ويعمل النظام الانتخابي بوضع القواعد وتحديد الإجراءات التي تنظم عملية اختيار الشعب لمرشحي المناصب الحكومية.
ويعتمد شكل نظام الحكم على واقع الأنظمة الانتخابية، حيث تؤدي الأخيرة دورا أساسيا في تحديد مسار الحكومة المنتخبة، أي إن الأنظمة الانتخابية تمثل العلاقات المتصلة بالبرنامج السياسي والتي تنشأ بين الهيئات الدستورية العليا وهي: الشعب بصفته القائم بعملية التصويت والسلطتين التشريعية والتنفيذية، وعليه فإن النظام الانتخابي المعتمد له دور مهم في تغيير البنية السياسية لشكل نظام الحكم.
ومما هو جدير بالإشارة أن للأنظمة الانتخابية انعكاسات أخرى تتجاوز هذا الأثر الأولى فلها على سبيل المثال، تأثير كبير على الأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات، وبخاصة في عددها وأهميتها النسبية داخل البرلمان، وفي الحقيقة، فاستنادا على النظام الانتخابي المعتمد، يمكن تشكيل ظاهرة نظام الائتلاف الحزبي الثنائي أو نظام التعددية الحزبية المعتدلة أو المركزة.
تفيد الأنظمة الانتخابية باختيار هيئة ممثلة بشخص رئيسها أو ممثلة بمجموعة من الأشخاص الذين يديروها، فأما الحالة الأولي واعني انتخاب أو اختيار الهيئة الممثلة بشخص رئيسها فتطبيقها يتسم بالسهولة وذلك يكمن في عملية انتخاب شخص واحد لا أكثر لتولي المنصب العام، ومثاله انتخاب عمدة البلدية أو رئيس مجلس الإقليم أو رئيس الجمهورية في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وعليه يمكن انتخاب المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وهنا نجد أنفسنا أمام ضرورة معرفة أنواع الأنظمة الانتخابية ونبدأ بالنوع الأول منها وهو:
نظام الفائز الأول، وهي تسمية أطلقها الإنكليز وحسب الاصطلاح الآتي: First Past The Post (FPTP)، وهو نظام يستهدف أن يكون المؤهل لمليء المقعد النيابي هو الفرد الحائز – في الأقل – على الأغلبية المطلقة، وهي (50 % + 1) من عدد أصوات الناخبين، وفي حالة عدم تحقق هذه النسبية، كما هو شائع، لأي من المرشحين تعاد عملية الاقتراع بعد مرور أسبوعين بين المرشحين اللذين حصلا على أعلى عدد من الأصوات خلال الدورة الأولي، وبهذا يتم اللجوء إلى تطبيق نظام الإعادة أو ما يسمى “اقتراع على دورتين” الذي وبموجبه يمكن تحديد الحد الأدنى من المرشحين المشاركين في الاقتراع الثاني، أي يجوز لأكثر من اثنين من المرشحين أن يشاركوا في الإعادة، وهذا يتحدد على أساس النتائج التي حصلوا عليها في انتخابات الدورة الأولي، فربما يكونا الثلاثة أو الأربعة الأوائل، أو على أساس الحد الأدنى من النسبة المئوية من الأصوات التي حصلوا عليها، وبالتالي جميع من يحصل على ما لا يقل عن 10 أو 15% من الأصوات، وفي نهاية الدورة الثانية يتم اختيار المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات من باقي المنافسين.
ولعل أصعب الأنظمة الانتخابية وأعقدها هو ذلك الذي يهدف إلى اختيار الدائرة أو المؤسسة المنفردة العضوية ممثلة بشخص واحد يرئسوها، وينقسم هذا النظام إلى نظامين انتخابيين كبيرين، فأما الأول: 1 – نظام الانتخاب بالأغلبية، 2 – نظام الانتخاب بالتمثيل النسبي. ومما يشار إليه بأن هذين النظامين يتفرع منهما صيغ انتخابية أخرى.
وهنا لدينا سؤال يصرح نفسه، وهو: كيف يتم توزيع المقاعد وفق الأنظمة الانتخابية المتعددة؟ والجواب هو: يتم توزيع المقاعد بموجب نظام الانتخاب بالأكثرية على المرشحين الذين حصلوا ضمن دوائرهم الانتخابية علي أغلب الأصوات أو الأكثرية النسبية المطلوبة سواء كانت المطلقة أو المشروطة، إذن فإن مفهوم هذا النظام يقوم على أن المرشح المنتخب (بفتح الخاء) هو المرشح الذي ينال أكبر عدد من الأصوات وبالتالي يفوز بالمقعد النيابي. بينما تعتمد آلية نظام الانتخاب بالتمثيل النسبي على توزيع المقاعد الموجودة ضمن دائرة انتخابية متعددة القوائم على قوائم مرشحي الأحزاب السياسية وحسب النسبة المئوية من الأصوات التي يحصلوا عليها. وعليه فإن نظام الانتخاب بالتمثيل النسبي هو النظام الذي يتم بموجبه توزيع المقاعد وفقا للنسبة المئوية من أصوات المنتخبين (الشعب) المعطاة لكل حزب، فعلى سبيل المثال: إذا كان عدد الأصوات عشرة ملايين في حين أن عدد المقاعد المفروض توزيعها يبلغ 100 مقعدا، فعليه يصار أن الحزب الذي يحصل على مليوني صوت يحصل بالمقابل على عشرين مقعدا. ويمكن القول أيضاً أن النظام النسبي أعلاه يتطلب إجراء تصويت خالص، وذلك كونه يتيح للناخب في التعبير عن اختياره وتفضيله بحرية، في حين يتطلب النظام الانتخابي بالأكثرية أو الغالبية تصويت تكتيكي ذكي لأنه يقترح على الناخب ويذكره بحشد الأصوات وتركيزها على الفائزين المحتملين.
الأنظمة التعددية الأغلبية:
وهي مجموعة من الأنظمة الانتخابية التي تضم فيما بينها مجموعات فرعية من الصيغ الانتخابية المتعددة، وتكمن الميزة الأساسية للأنظمة ذات الأكثرية العادية في كونها تتألف غالبا من دوائر ذات مقعد واحد، وهو نظام يكون المرشح الفائز هو المرشح الذي ينال العدد الأكبر من الأصوات في إطار الدائرة الانتخابية الواحدة، وطبقا لهذا النظام في انتخاب مجلس العموم البريطاني وكذلك في انتخابات مجلس النواب الأمريكي، ومثلما ذكرنا أن هناك صيغ انتخابية أخرى تعرف بصيغ الأغلبية المطلقة، وهي تلك التي يفوز بها المرشح المنتخب بأكثر من نصف الأصوات المعطاة. ومن البديهي فإن هذه الأنظمة تتعهد بتوفير حلول بديلة في حالة عدم حصول أي من المرشحين على الأغلبية المطلوبة وذلك بغية توزيع المقاعد. ومن بين هذه الحلول نضرب مثلا ما يلي: 1 – إجراء جولة انتخابية ثانية بين المرشح الأول والمرشح الثاني والذين حصلا على الأصوات الأعلى من الجولة الأولى، ويفوز من يكسب أصواتا أكثر في الجولة الثانية. 2 – ويتمثل هذا الحل البديل في تطبيقه عمليا في انتخاب الجمعية الوطنية الفرنسية، وبموجب هذه الصيغة يسمح بمشاركة خوض الجولة الثانية فقط أولئك المرشحين الذين حصلوا على الحد الأدنى من الأصوات، ففي فرنسا كل من يحصل على أكثر من 12.5% في الجولة الأولى يدخل في الجولة الثانية. 3 – ويعرف هذا الحل باسم: التصويت البديل وهو معتمد على سبيل المثال في استراليا، وبموجبه يحدد الناخبون أفضلياتهم لمختلف المرشحين، وبشكل متسلسل. وإذا لم يحصل أي مرشح على الأكثرية المطلقة من أفضلياته الأولى، يعاد توزيع أفضليات الناخبين على بقية المرشحين إلي أن ينال أحدهم الأكثرية المطلقة. وأخيرا هناك صيغ اصطلح عليها تسمية نظام الانتخاب بأكثرية الثلثين وهو يدخل تحت إطار الأنظمة الانتخابية القائمة على مبدأ الأكثرية، وهي من الأنظمة التي يندر تطبيقها في انتخابات ممثلي الأحزاب السياسية، ومما ينبغي ذكره أنها تعد أكثر حضورا في توزيع بعض المناصب السيادية المهمة وكما هو الحال في إيطاليا حيث يتم انتخاب رئيس الجمهورية وكذلك قضاة المحكمة الدستورية من قبل أعضاء البرلمان بمجلسيه. وفي حالة عدم بلوغ الحصة المطلوبة من الأصوات يتدبر هذا النظام حلولا بديلة أخرى، فعادة ما يتم اللجوء إلى إجراء انتخابات لاحقة تحتاج أصوات بسيطة، على سبيل المثال، ففي حالة انتخاب رئيس الجمهورية الإيطالية، فإنه يتطلب بعد مرحلة التصويت الثالثة الحصول على الغالبية المطلقة من الأصوات وليس على أكثرية الثلثين.
أنظمة التمثيل النسبي:
لعل أهم ما يميز أنظمة التمثيل النسبي هو اعتمادها أسلوبا خاصا في توزيع المقاعد حيث تأخذ بنظر اعتبارها أيضاً حجم الدائرة الانتخابية أي عدد المقاعد المخصصة لها، وتتميز كذلك بأنها أساليبها تستند على أساس القاسم الانتخابي الذي يعتمد تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية كل على حدة، أي: الانتخاب بالقائمة، وبمعنى آخر فإن الصيغ الأولى من هذه الأنظمة تعمل على تقسيم عدد القوائم الانتخابية وهي حصيلة الأصوات التي يحصل عليها الحزب في دائرته الانتخابية، ويتم توزيع المقاعد بناء على أساس القاسم الانتخابي وتتلخص في تطبيقها طريقة (هوندت) التي تقوم على أساس تقسيم عدد الأصوات على المقاعد النيابية بين الأحزاب وفقا للتسلسل الرقمي التصاعدي، وكما يلي: 1، 2، 3، الخ، وينبغي أن نقول، أن ترتيب هذه القسمة هو حسب أهميتها التصاعدية حتى ينتهي إلى عدد معين يعادل عدد النواب المقرر انتخابهم في الدائرة، وبعد ذلك يعتبر ناتج القسمة مقسوما عليه حسب توزيع عدد المقاعد بين القوام بإعطاء كل قائمة عدد من هذه المقاعد يناسب ما يحتويه من أضعاف المقسوم عليه.
وهناك نوع آخر من هذه الصيغ الانتخابية، يعرف باسم التمثيل النسبي على مستوى الدولة المعتمد على القاسم الانتخابي القومي، بمعني أنه قاسم انتخابي قومي واحد في كل أراضي الدولة، وبالتالي يكون الإطار القومي للانتخابات في التمثيل النسبي على مستوى الدولة في دائرة واحدة والقوائم الانتخابية المتنافسة هي قوائم قومية، حيث يقدم كل حزب قائمة قومية وجديدة بمرشحيه على مستوى الدولة، ويتم استخراج القاسم الانتخابي من قسمة عدد الأصوات الصحيحة في الدولة كلها على عدد المقاعد البرلمانية وتوزيع المقاعد الباقية على أساس أكبر البواقي.
الأنظمة الانتخابية المختلطة:
غالبا ما تمتزج النظم الانتخابية فيما بينها لتكون بالتالي أنظمة انتخابية مختلطة، وخير مثال على هذا هو امتزاج نظام التمثيل النسبي أو ما يعرف باسم “القائمة النسبية” مع نظام الأغلبية العددية اللذان يولدان ومثلما ذكرنا مجموعة من الأنظمة الانتخابية المختلطة، والغاية من هذا المزج هو تبادل المزايا الإيجابية فيما بينهما، وما نظام تناسب العضوية المختلطة إلا ثمرة من ثمار هذا الاندماج، وبالتالي فمن أجل الاستفادة من مميزات نظام الأغلبية ونظام التمثيل النسبي وتقليل عيوب كلا النظامين، لجأت العديد من الدول إلى اعتماد “النظام المختلط” وهو معول به حاليا في العديد من البلدان، ويعني انتخاب عدد من المقاعد (نصفها مثلا) على أساس الدوائر الفردية (الأغلبية) والنصف الآخر على أساس التمثيل النسبي كما هو الحال في ألمانيا. وأما المثال الآخر فهو عملية انتخابات مجلس النواب ومجلس الشيوخ.. التي حصلت في إيطاليا عام 1994 – 2006 لتتحول عندها إيطاليا من نظام قائمة التمثيل النسبي إلى نظام تناسب العضوية المختلطة الذي يسمح بانتخاب المرشحين على أساس قوائم التمثيل النسبي التابعة للأحزاب التي تجاوزت الحد الأدنى من الأصوات الانتخابية التي يحتاجها حزب ما للفوز، حيث بلغ مثلا الحد الأدنى للتمثيل في البرلمان الألماني “بوند ستاغ” 5%، وأما الأنظمة النسبية المختلطة المقرونة بتعويض الحزب أو الكتلة السياسية للاحتفاظ بغالبية المقاعد، وهذا ما حدث خلال انتخابات المجالس الإقليمية والمحافظات والبلديات الإيطالية.
لقد جرت العادة على إجراء دراسات معمقة حول تأثير النظم الانتخابية ودورها على العملية السياسية، هذه الدراسات تمكننا بلا شك في تمييز عيوب ومزايا وفوارق هذه الأنظمة، وعلى هذا الأساس يمكن القول، أن من أهم مزايا وأهداف الأنظمة الانتخابية القائمة على الغالبية العددية هي: إنها تميل إلى تجنب الإفراط في تقسيم النظام الحزبي، أي لا تشجع التفتت والخلافات الحزبية، وتعمل علي تشجيع التحالفات الحزبية وتحفز على تماسكها وليس على تشتيتها، تسهيل تشكيل حكومات مستقرة مؤسسة شرعيتها على أساس التعددية أو الأكثرية، قادرة على الحكم، بينما أنظمة التمثيل النسبي فهي أكثر تمثيلا لوجود الأقليات والأغلبيات والأحزاب الصغيرة (المجالس المنتخبة)، تحرص على أن تعكس وتنقل بأمانة كبيرة خيار واردة الشعب فضلا عن احترام توجهاته الفكرية وتعمل علي ترجمتها على أرض الواقع وبشكل جيد، كما إنها تعتمد مبدأ التمثيل وتمنع التهميش لأي عنصر من العناصر المكونة للمجتمع الواحد.
وأخيرا نصل إلى الأنظمة الانتخابية المختلطة ففكرتها الأساسية هي أنها تحاول بطريقة أو أخرى تعويض عيوب ومزايا النظم الانتخابية المختلفة الأخرى، وبالتالي فإنها تسعى وعلى هذا المنوال أن تواصل وتجتهد في الوقت نفسه تطبيق نظامين يعبران عن قدرة تمثيلية وحكم يعتمد الأغلبية.
المراجع
- AMATO G., Forme di Stato e forme di governo, Bologna, 2006.
- BALDINI G. e PAPPALARDO A., Sistemi elettorali e partiti nelle democrazie contemporanee, Roma-Bari, 2004.
- BARBERA A. e FUSARO C., Il governo delle democrazie, Bologna, 1997.
- CECCANTI S., La forma di governo parlamentare in trasformazione, Bologna, 1997.
- DEFFENU A., Forme di governo e crisi del parlamentarismo, Torino, 2006.
- FROSINI T.E., Le votazioni, Roma-Bari, 2002.
- FROSINI T.E. (cur.), Il Premierato nei governi parlamentari, Torino, 2004.
- FROSINI T.E., Forme di governo e partecipazione popolare, 3o ed., Torino, 2008.
- GAMBINO S. (cur.), Democrazie e forme di governo, Rimini, 1997.
- GAMBINO S. (cur.), Forme di governo. Esperienze europee e nord-americana, Milano, 2007
- LUCIANI M., Il voto e la democrazia, Roma, 1991.
- LUCIANI M., Commento all’art. 75 della Costituzione, Roma-Bologna, 2006.
- MORTATI C., Le forme di governo, Padova, 1973. OLIVIERI M. e VOLPI M., Sistemi elettorali e democrazie, Torino, 2007.
- PINELLI C., Forme di stato e forme di governo, Napoli, 2006.
- RINELLA A., La forma di governo semipresidenziale, Torino, 1997.
- VOLPI M., Forma di governo e revisione della Costituzione, Torino, 1998.
- VOLPI M., Libertà e autorità. La classificazione delle forme di Stato e di governo, 3o ed., Torino, 2007.





