د. عمار شقواري

أستاذ باحث

جامعة ابن زهر بأكادير

مقدمة

يهدف التسوق الترابي إلى وضع التراب والفعل العمومي المحلي في إطار ترابي متناسق ومتميز بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.  فالجماعات الترابية مدعوة اليوم الى توظيف جميع امكانياتها بغية الارتقاء بترابها الى مستويات متقدمة، تمكنه من ولوج المنافسة الدولية التي ارتفعت حدتها شيئا فشيئا.

وتعد العملية التسويقية نشاطا ديناميكيا تؤثر وتتأثر بما يحيط بها من متغيرات وعوامل داخلية وخارجية تؤثر على قدرة هذه العملية في تطوير وتحقيق الأهداف المرجوة. حيث تعتمد فاعليتها على ذلك التفاعل الذي يحدث بين التراب كبنية (المؤهلات الطبيعية، الأنشطة الاقتصادية، المناخ، البيئة…) وبين التراب كوظيفة (الاستراتيجيات والمشاريع التنموية، مناخ الاستثمار…) هذا التفاعل هو ما يصطلح عليه في علم التسويق بالبيئة التسويقية ([1]).

والتسويق الترابي يعد من أهم الأليات وأنجعها لتعزيز الجذب الترابي من خلال إبراز مقومات التراب سواء كانت صناعية، فلاحية أو سياحية والنهوض به اقتصاديا واجتماعيا، وهو ما حدا به إلى التموقع داخل سيرورة إجرائية، تحث على توفر محيط للجودة ومناخ ملائم يتسم بالتكامل والتعاون.

وبالنظر الى الوسائل التي يستند عليها في فلسفته والمبنية على التشخيص والابتكار والتجديد سيمكن التسويق الترابي من خلق نوع من الذكاء الجماعي لتراب ما بهدف جعل هذا التراب وجهة أكثر إغراءا. وهو ما يقودنا الى التساؤل عن مدى مساهمة التسويق الترابي في تنمية الذكاء الترابي؟

الإجابة عن هذا التساؤل تقودنا إلى تناول الموضوع في مستويين: المستوى الأول سنخصصه للتحديد المفاهيمي، على ان نعمل في المستوى الثاني على إبراز الممكنات التي يتيحها التسويق الترابي خدمة للذكاء الترابي.

أولا: التحديد المفاهيمي

عرف مفهوما التسويق الترابي والذكاء الترابي انتشارا واسعا لدى الفاعلين الترابيين وكل المهتمين بالتنمية المجالية، لما يقدمانه من إمكانيات كانت إلى عهد قريب حكرا على المؤسسات الخاصة. هذا الاقتباس من القطاع الخاص الى القطاع العام يطرح عدة إشكالات، خاصة على مستوى التأصيل المفاهيمي.

1-   مفهوم التسويق الترابي:

يتعلق الأمر هنا باختلاف جذري بين عملية تجارية تقوم بها المقاولات وبين التسويق الترابي، فالمقاولة تبحث عن بيع منتجاتها في ظروف جيدة وملائمة، وفي المقابل يهدف التسويق الترابي إلى إشباع حاجيات الفئات المستهدفة: مستثمرين، سياح               أو ساكنة…

وإتباع سياسة تسويقية، يعني بأن الشركات تحدد الأسواق المستهدفة بناءا على نقاط القوة والفرص التي يتيحها العرض. نفس الشيء بالنسبة للتراب، الذي عليه أن يكون قادرا على تحديد أهدافه وتحليل إمكانياته ثم تبني استراتيجيته التسويقية.

يمكننا تعريف التسويق الترابي في مرحلة أولية بأنه “تلك الإجراءات الفردية والجماعية المتخذة لجذب أنشطة جديدة إلى تراب معين، وتسهيل عمل المنظمات المحلية وتوسيعها، وترويج صورة شمولية وإيجابية عن هذا التراب”([2]).

وتقتضي شكليات التسويق الترابي إعطاء الأولوية للإمكانيات الاقتصادية والخدماتية للتراب والتي تصنف كعوامل للتموقع “Facteurs de localisation”، من أجل جذب الفئات المستهدفة([3]). هذه الأخيرة تكون إما داخلية (ساكنة، مقاولات، تجار، جمعيات، جامعات، طلبة…) أو خارجية (سكان جدد، سياح، مؤتمرين، ندوات ومعارض، مقاولات أجنبية، طلبة أجانب…). وفي هذا الصدد حدد P.Noisette أربعة شروط من أجل تطبيق التسويق الترابي، وهي:

1.    استيعاب أكبر لمفهوم السوق؛

2.    التأقلم مع السوق ومتغيراته؛

3.    التموقع الجيد أمام المنافسة (داخلية كانت أو خارجية)؛

4.    اتخاذ استراتيجية مناسبة.

هذه الشروط الأربعة تجعل من التراب منتوجا يمكن من خلاله تنشيط الاقتصاد المحلي والتأثير على المجالات الأخرى، وذلك بنهج استراتيجية تبرز مؤهلات التراب وحاجياته، وتركز على تسهيل حركية المقاولات والعمل على تكوين صورة إيجابية عن التراب المراد تسويقه ([4]).

في حين ذهب كل من V. Gollain وF.Hatem إلى أن التسويق الترابي هو “تلك الردود التي يقدمها التراب استجابة للمنافسة الدولية التي أضحت تتنامى يوما عن يوم من أجل استقطاب الاستثمارات الدولية”([5]). وهو بذلك يهدف إلى وضع المعطيات والتحاليل اللازمة التي يحتاجها الفاعلون المحليون من أجل تحديد أولوياتهم وتحديد طبيعة العرض الترابي واتباع السياسة الملائمة لهذا العرض.

تأسيسا على ما سبق نجد أن التسويق الترابي يساهم في خلق مناخ تنافسي كبير بين الجماعات الترابية، والتي عليها أن تبرز مؤهلاتها على عدة جوانب:

– الجانب المؤسساتي: ويهم طبيعة التنظيم الإداري والسياسي (استقلالية الجماعات الترابية)، جودة مناخ الاعمال خاصة فيما يتعلق بتبسيط الإجراءات والمساطر المرتبطة بإنشاء المقاولات، النجاعة القضائية للتصدي لما يعانيه المتقاضون من هشاشة وتعقيد وبطء العدالة.

– جانب الإمكانيات: سواء منها الطبيعية، الاقتصادية، البشرية، البنيات التحتية…  لأن هذه المؤهلات هي التي تعطي للجماعة الترابية شخصيتها.

– الجانب الحياتي: إذ تمثل جودة الحياة عاملا أساسيا في جلب الاستثمارات والسياح، ويشمل هذا المستوى توفر التراب على مختلف المؤسسات السوسيوقتصادية والبنيات الترفيهية والرياضية، التي تساهم في تطوير الحياة ككل.

– الجانب التاريخي: ويتعلق بالعناصر المشتركة: التقاليد، الأعراف، الثقافة والهوية الاجتماعية للجماعة الترابية.

التسويق الترابي إذن، هو شكل عصري للتدبير الترابي يسمح بإتباع استراتيجية واضحة، ويعتبر كذلك طريقة للتفكير ووضع سياسة ترابية للتنمية بجل مستوياتها في مقابل السوق([6]).

على ضوء ما ذكرناه يمكننا تعريف التسويق الترابي بأنه “مجموع العمليات التي تقوم بها جماعة ترابية ما من أجل تحسين تموقع التراب في الساحة الدولية وذلك بإعطاء صورة مميزة لترابها، وهو ما من شأنه أن يرفع من جاذبيتها أمام الفئات المستهدفة خارجية كانت أو داخلية”.

والتسويق الترابي هنا لا يقتصر فقط على إنتاج استراتيجية تسويقية الغرض منها تعزيز تنافسية التراب، بل هو قبل ذلك ينبني على مجموعة من التصورات التي تعتمد على تحليل مختلف مكونات التراب بغية خلق مجال متناغم يوفر العيش الكريم لقاطنيه، وقادر على الصمود أمام التحديات الراهنة والمستقبلية، بمعنى آخر هو إعادة لهيكلة وتشكيل التراب.

هذه الدينامية التي ينتجها التسويق الترابي ستساهم في خلق نوع من الفكر الجماعي من أجل تثمين الخصوصيات المحلية والاستجابة لحاجيات ومتطلبات التنمية الترابية، وهذا الفكر الجمعي هو ما يصطلح عليه بالذكاء الترابي.

2-   مفهوم الذكاء الترابي:

الذكاء الترابي مفهوم “متعدد المعاني”([7])، وقد مر هذا المصطلح بعدة مراحل منذ صياغته. ظهر لأول مرة سنة 1998 لتوضيح الكيفية التي تتطور بها المدن، باعتماد مقاربة علمية تعتمد على دمج استخدام تكنولوجيا المعلوميات مع مختلف المناهج لتحليل وتشخيص وضعية التراب([8]): “الذكاء الترابي هو وسيلة بين يدي الباحثين والفاعلين والجماعات الترابية، بغية التمكن من معرفة أفضل لمجالهم الترابي، وهو أداة للتحكم في تنمية هذا المجال على نحو أفضل بتسخير التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة. حيث انه سيساعد الفاعلين الترابيين على وضع السياسات والبرامج التنموية وتنفيذها وتقييمها”.

من هنا يتضح بأن الغاية من الذكاء الترابي مزدوجة: تتمثل في اكتساب فهم واضح لتراب معين واستخدام مناهج علمية من أجل تحسين نموه، وفي المعرفة المتعددة التخصصات التي تساعد على تحسين فهم بنية التراب وديناميته.

سنة 2002 سيظهر تعريف جديد لهذا المفهوم، تم التركيز فيه على صياغة مشروع محدد المعالم من شأنه أن يوجه عملية وضع السياسات أو التصاميم المتعلقة بالنمو المستدام للتراب. حسب جيراردو، “يشمل مفهوم الذكاء الترابي مجموعة من المعارف المتعددة التخصصات التي تساهم من جهة في فهم البنى ودينامية التراب، ومن جهة ثانية تهدف إلى أن تكون أداة بين يدي العاملين في مجال التنمية الترابية المستدامة([9]).

وتتجلى أهمية الذكاء الترابي في أهدافه المتمثلة في تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المواطنين من خلال التنسيق بين أربع عناصر رئيسية([10]): اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية، بالإضافة إلى عنصر خامس يتعلق بإدارة المعرفة.

1. العامل الاقتصادي:

يتمثل في تأثيرات العولمة على الجوانب الاقتصادية، والذكاء الترابي هنا، ينبع من الجمع بين المتغيرات التي يمكن أن تحدث نتيجة لذلك. مع ظهور أزمة البترول التي شهدتها السبعينات من القرن الماضي (1973)، سيبرز قلق البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، ورغبتها في إيجاد مصادر بديلة للطاقة عوض الاعتماد أساسا على المصادر غير المتجددة للطاقة.

2. المجتمع والحكامة:

تتمثل إحدى الغايات القصوى للذكاء الترابي في ضمان حياة اجتماعية صريحة ومستقرة للمواطنين. وفي تعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ومن بين الأسئلة التي يهتم بها الذكاء الترابي، ما يلي: ما هي حاجيات الناس، وهل تتم تلبية حاجيات الناس على نطاق واسع وعام؟ ما الذي يحتاجه الناس لكي يشعروا بالسعادة والرفاه؟ وإلى أي حد يساهم الناس في عملية اتخاذ القرار؟ وإلى أي حد يكون اتخاذ القرار شفافا وتشاركيا؟

3. البيـــــئة

ظل المتخصصون في الذكاء الترابي يركزون باستمرار على حل التناقض بين عملية انجاز الخطط التنموية، والمتمثل في الصدام الواقع بين تعظيم النمو الاقتصادي كوسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وحماية البيئة كشرط للمحافظة على استمرارية هذه التنمية من جهة ثانية. وضرورة حل هذا التناقض بشكل يأخذ بعين الاعتبار وبصورة دائمة وعلمية طرفي هذه المعادلة، أي النمو وحماية البيئة. بشكل يضمن التوازن والتجانس دون الإضرار والتفريط في أي منهما بحيث يتم تحقيق الهدفين معا؛ لأن عدم حدوث هذا التوازن سوف يقضي على الجهود الحاصلة في المجالين معا، ومنه إجهاض الهدف العام المنشود وهو التنمية المستدامة.

4. الـــــثقافة

في المراحل المبكرة من صياغته، ركز الذكاء الترابي على ثلاثة عناصر (الاقتصاد والبيئة والمجتمع)، لتضاف الثقافة بعد ذلك، كعنصر رابع. فالذكاء الترابي لا يركز فقط على نمو التراب المستدام، وعلى إرساء الدينامية الضرورية للارتقاء بتفعيله وأدائه، بل أيضا على الدور الحيوي المنوط بالإرث الثقافي. فتنمية الموارد الثقافية الموجودة داخل تراب معين بات أمرا لا مفر منه خاصة فيما يتعلق بالعادات والتقاليد والهوية. وإذا كانت موجات العولمة تطرح العديد من التحديات والمخاطر فيما يتعلق بالحفاظ على الإرث الثقافي، إلا أنه لا ينبغي أن نعتبر الاختلافات بين الأشخاص بمثابة عراقيل، وإنما بمثابة إثراء يمكن أن يضاف إلى ثقافة التراب. وفضلا عن ذلك، يصر “جيراردو” على أن التراب الذي يتألف من ثقافات متعددة يجب أن يسمح بالتعبير عن الاختلافات، مما يؤدي بدوره إلى النمو والتقدم([11]).

5. المعــــرفة

يتطلب الانتقال نحو اقتصاد المعرفة تركيزا أكبر على إنتاج المعارف وتقاسمها بين الأفراد والمنظمات. ويَعتبر الذكاء الترابي تقاسم المعرفة بمثابة خطوة هامة نحو تحقيق التنمية المستدامة، وبصورة أكثر تحديدا تحقيق الذكاء الاقتصادي الذي يسمح بالنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى نطاق أوسع يمكن للجماعات الترابية أن تنمي مزاياها المشتركة إلى أقصى حد، بفضل تقاسم المعارف فيما بينها ووضع آليات لنقل المعرفة فيما بين هذه الجماعات. ويرى برتاتشيني أن الذكاء الترابي ينتج عن ظاهرة تملك موارد مجال معين ثم نقل المهارات بين أصناف آخرين من الفاعلين المحليين ينتمون إلى ثقافة مختلفة([12]).

تأسيسا على ما سبق، يطمح الذكاء الترابي إلى أن يصبح علما متعدد الاختصاصات، موضوعه التنمية المستدامة للمجالات الترابية داخل مجتمع المعرفة، ومجال اشتغاله الجماعة الترابية. وأما الهدف فهو العمل على إطلاق دينامية للتنمية المستدامة على المستوى الترابي، تقوم على الجمع بين أهداف اقتصادية واجتماعية وبيئية وثقافية، والتفاعل بين المعرفة والعمل، وتقاسم المعلومات، والتشاور أثناء بلورة المشاريع، والتعاون في القيام بالأعمال وفي تقييم نتائجها.

من المهم أن نذكر في الأخير، أن مفهوم الذكاء الترابي لا يزال فكرة متعددة المعاني آخذة في التطور، ولذلك وجب الاشتغال على تحديد مفهوم واحد ومبسط، والذكاء الترابي بالمعنى الاستعاري للكلمة، لا يوجد إلا بوجود فاعلين محليين، حاملين لمعارف       أو مهارات مطلوب تطويرها، وبا

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading