اشراف الاستاذ الدكتور حسين زروندي

الباحث: عبد الله هادي كريفع

جامعة المصطفى

الرقم الجامعي

95137536

الملخص:

يهدف البحث الحالي الى التعرف على المفلس والتفليس فقها وقانونا في الفقه الاسلامي دراسة مقارنة بين القانون العراقي والجزائري ، حيث تبرز اشكالية البحث في قلة النصوص الشرعية والفقهية التي يستند عليها في هذا البحث، وجل مايعتمد عليه الباحث هو ما قرره بعض فقهاء المذاهب من قواعد فقهية عامة كبرى تنطبق على اغلب ابواب الفقه، او قواعد فقهية خاصة استقر عليها الفقه الاسلامي في باب الافلاس، او مسائل مبثوثة في كتب الفقه في باب الافلاس وغيره، وعليها الاعتماد يكون غالباً.

حيث توصل الباحث الى مجموعة من الاستنتاجات الاتية:

1.يتيح مشروع النظام ــ حسب كلام واضعيه ــ عدداً من الإجراءات التذي تسهم في تصحيح أوضاع المدين والاستمرار في ممارسة أعماله دون الإخلال بحقوق دائنيه وغيرهم من أصحاب المصالح، وهما إجراءي التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي.

2.يهدف مشروع نظام الإفلاس الجديد إلى أهداف أهمها: معالجة القصور الحالي في الأنظمة المعمول بها، وتشجيع النشاطات والمشروعات الاقتصادية والاستثمارية من خلال إيجاد نظام إفلاس ذو كفاءة يقلل من التكلفة المرتبطة بإجراءات الإفلاس وإعادة الهيكلة.

3.تضمن مشروع النظام سبعة إجراءات لمعالجة وضع المدين بحسب حاله، وهي إجراء التسوية الوقائية، وإجراء إعادة التنظيم المالي، وإجراء التصفية، وإجراء التسوية الوقائية لصغار المدينين، وإجراء إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين، وإجراء التصفية لصغار المدينين، وإجراء التصفية الإدارية.

4.عرف مشروع النظام المدين بأنه: ” شخص ذو صفة طبيعية أو اعتبارية ثبت في ذمته دين،” وهو قريب مع بعض التعاريف الفقهية.

الكلمات المفتاحية: (المفلس والتفليس، فقها وقانونا، الفقه الاسلامي).

ankrupt and bankruptcy, jurisprudence and law in Islamic jurisprudence, a comparative study between Iraqi and Algerian law

Supervision of Prof. Dr. Hussein Zrondi

Researcher Abdullah Hadi Krayfa

Abstracts:

The current research aims to identify the bankrupt and bankrupt jurisprudence and law in Islamic jurisprudence, a comparative study between Iraqi and Algerian law. Major issues that apply to most chapters of jurisprudence, or special jurisprudential rules that Islamic jurisprudence has settled on in the chapter on bankruptcy, or issues spread in the books of jurisprudence in the chapter on bankruptcy and others, and on which dependence is often.

Where the researcher reached a set of the following conclusions:

1. The draft system provides – according to the words of its authors – a number of procedures that contribute to correcting the debtor’s situation and continuing to carry out his business without prejudice to the rights of his creditors and other stakeholders, which are preventive settlement and financial reorganization procedures.

2. The new bankruptcy system project aims at the most important objectives: to address the current shortcomings in the applicable regulations, and to encourage economic and investment activities and projects by creating an efficient bankruptcy system that reduces the costs associated with bankruptcy and restructuring procedures.

3. The draft system included seven procedures to address the debtor’s situation according to its condition, which are the preventive settlement procedure, the financial reorganization procedure, the liquidation procedure, the preventive settlement procedure for small debtors, the financial reorganization procedure for small debtors, the liquidation procedure for small debtors, and the administrative liquidation procedure.

4. The draft of the debtor system defined it as: “A person of a natural or legal capacity in whose debt a debt has been established,” and it is related with some jurisprudential definitions.

Keywords: (bankrupt and bankruptcy, jurisprudence and law, Islamic jurisprudence).

المقدمة:

وإن من أحدث الأنظمة المطروحة خلال هذه الأيام على مجلس الخبراء للإعتماد والدراسة من قبل القانونيين (مشروع نظام الإفلاس) الجديد، وهو مختلف اختلافاً كبيراً عن نظام الإفلاس القديم المعمول به حالياً في جوانب كثيرة، ولم يبن مشروع نظام الإفلاس الجديد اليوم على النظام السابق، ولم ينطلق منه، وقد ذكرت وزارة التجارة والاستثمار في بيان لها نشرته على موقعها الالكتروني حيث أنها قامت بإعداد مشروع نظام الإفلاس بالتعاون مع أحد بيوت الخبرة الدولية المتخصصة في هذا المجال، وأنها استفادة من الممارسات الدولية في مجال الإفلاس، وتحليل قوانين دول (انجلترا وويلز وفرنسا وأمريكا وألمانيا والتشيك وسنغافورا واليابان،) وكانت الوزارة قد دعت المهتمين والعموم إلى إبداء
آرائهم ومقترحاتهم في مشروع نظام الإفلاس من خلال موقعها الالكتروني.

حيث أن معيار موافقة السياسات العامة والأحكام التفصيلية لأحكام الشريعة الإسلامية سيكون من أهم المعايير التي يبنى عليها اختيار السياسات العامة والأحكام التفصيلية، ولذا فقد خضع مسودة المشروع للدراسة الشرعية ولله الحمد قبل طرحه للعموم، وأبدينا عدة ملاحظات شرعية، مع تقديم المقترحات والحلول الفقهية للمواد المخالفة للمستقر فقهاً، ووجدنا تجاوباً حسناً من قبل بيت الخبرة والوزارة، ولاحظنا حرصهم الشديد ألا يخرج النظام مخالفاً لقواطع الشريعة وإجماعات أهل العلم وقواعدهم الفقهية المستقرة، وتمت معالجة كثير منها، وبعضها لم يعدل بعد، وبعضها محل توقف، ولا يزال الأمل معقوداً لمعالجة هذه الإشكالات، ومع خضوع النظام للملاحظة الشرعية، فإنه من الممكن خفاء شيء من الملاحظات على المختص نظراً لطبيعة العمل البشري

مشكلة البحث:

تظهر مشكلة البحث في امرين:

1.   قلة النصوص الشرعية والفقهية التي يستند عليها في هذا البحث، وجل مايعتمد عليه الباحث هو ما قرره بعض فقهاء المذاهب من قواعد فقهية عامة كبرى تنطبق على اغلب ابواب الفقه، او قواعد فقهية خاصة استقر عليها الفقه الاسلامي في باب الافلاس، او مسائل مبثوثة في كتب الفقه في باب الافلاس وغيره، وعليها الاعتماد يكون غالباً.

2.   عدم وضوح بعض النصوص النظامية، وخلوها من معالجة لبعض الحالات في اجراء التصفية او التصفية الادارية، ووجود خلط بين الاجرائين، وعدم تحديد ضابط دقيق يزيل اللبس بينهما.

اهمية البحث

تبرز اهمية البحث في الامور التالية:

1.   حاجة القانونيين الى مثل هذه المواضيع التي تعين في تدارك الاخطاء الشرعية والفقهية قبل تقرير النظام؟

2.   المساهمة في حل اشكالية بعض المواد القانونية، والتي تحتاج الى بيان شرعي فيها.

اهداف البحث

1.   خدمة المؤسسات والمراكز الحكومية ومراكز البحث العلمي.

2.   المساهمة في تقديم دراسة فقهية حول بعض محاور مشروع نظام الافلاس الجديد.

منهجية البحث

تعتمد هذه الدراسة بشكل أساس على منهجين يكمل أحدهما الآخر بقصد الوصول إلى هدف البحث والإلمام بجميع النواحي القانونية المتعلقة به وبشكل دقيق وكما يأتي:

1.  المنهج التحليلي: وهو الذي يقوم بالأساس على تحليل النصوص القانونية ومحاولة استنباط الأحكام المناسبة وبيان مواطن الضعف والقوة فيما بينها وترجيح بعضها مع بيان أسباب ومبررات ذلك.

2.  المنهج المقارن : الذي يقوم بالأساس على أجراء المقارنة ما بين القانون المدني العراقي والقوانين المدنية العربية نخص منها القانون المدني اللبناني, لبيان أوجه الشبه و الاختلاف فيما بينهم ومعرفة ما يمكن الاستفادة منه .

 حيث سيتم اعتماد منهجية تحليل النصوص القانونية لمعرفة الجزئيات الداخلة في مفهوم هذا الموضوع فضلا عن المنهج المقارن بين القوانين , وقد اعتمد القانون العراقي اساسا للبحث مع مقارنته مع بعض القوانين فضلا عن الاشارة إلى موقف بعض التشريعات في الهامش.

هيكلية البحث

جاء رسم خطة البحث في مبحثين هما:

المبحث الاول: التكيف الفقهي للاجراءات المطروحة في المشروع لمعالجة الافلاس

ويقسم المبحث الاول الى مطلبين

المطلب الاول: تعريف الافلاس لغة واصطلاحا وقانوناً

المطلب الثاني: التكييف الفقهي لاجراء التسوية الوقائية

المبحث الثاني: افلاس الشركات في مشروع النظام ويقسم الى

المطلب الاول: الشركات النظامية في مشروع نظام الافلاس

المطلب الثاني: اثر افلاس الشركة على مسؤولية الشركاء

المبحث الاول: التكيف الفقهي للاجراءات المطروحة في المشروع لمعالجة الافلاس

المطلب الاول: تعريف الافلاس لغة واصطلاحا وقانوناً

الإفلاس لغة واصطلاحا وقانونا

لغة: الإفلاس من الفعل فَلَس ،والجمع في القلة أفلُس، وفلوس في الكثير، وأفلس الرجل: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم، يفلس إفلاساً: صار مفلساً، كأنما صارت دراهمه فلوساً، وأفلس الرجل إذا لم يبق له مال، يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس، وقد فلَّسه الحاكم تفليساً: نادي عليه أنه أفلس

[1]. ومما تقدم يتضح أن الإفلاس في اللغة يطلق على من لا مال له، وأنه لا فلس معه.

اصطلاحا: أن يستغرق الدين مال المدين فلا يكون في ماله وفاء بديونه، أو أن لا يكون للمدين مال معلوم أصلا[2] يقول أبو جيب: يطلق الإفلاس في حكم الشرع على معنيين[3]

1.   أن يستغرق الدين مال المدين فلا يكون في ماله وفاء ديونه.

2.   أن لا يكون له مال معلوم أصلاً.

قانونا: هو حالة توقف تاجر عن دفع ديونه التجارية، ولو كانت له أموال كافية لوفائها[4]
ويعرف قانون التجارة الإفلاس بأنه : توقف المدين التاجر عن دفع ديونه التجارية في مواعيد استحقاقها، بغض النظر عما إذا كان المدين موسراً أو معسراً، كثرت أمواله أو قلت.

يتبين مما سبق أن قانون التجارة يفرق بين التاجر وغيره، فالإفلاس يطبق على التاجر, كما يطبق الإعسار على المدين المدني. وقد عرف قانون التجارة الأردني الإفلاس على أنه
الحالة التي يتوقف فيها التاجر عن دفع ديونه التجارية مستحقة الأداء[5]. وهناك من عرف الإفلاس بأنه[6]:

الشركات التي أفلست من الناحية القانونية، أو وضعت تحت الإشراف القضائي، أو منحت الحق أن تخضع لأحكام قانون الإفلاس الوطني. والتعريف المختار للإفلاس هو عجز المدين عن دفع ديونه لاضطراب وضعه المالي

التعريف الاجرائي

من خلال دراستنا لتعريفات الإفلاس، والتفليس عند فقهاء المذاهب الإسلامية، نجد أن البعض منهم يفرق بين الإفلاس والتفليس، فالتفليس: هو حكم الحاكم بإظهار حالة المدين المالية، أما الإفلاس فهو الحالة التي تكون فيها ديون المدين مستغرقة لأمواله أو تزيد عليها.

وبناء على ذلك يمكن تعريف الإفلاس بأنه «حالة المدين المالية حين تكون أمواله لا تفي بديونه الحالة».

حالة المدين المالية: لإظهار أن الإفلاس يتعلق بالجانب المالي أو الاقتصادي للمدين، والمدين لفظ عام يشمل الشخص الطبيعي، والشخصية الاعتبارية كالشركات، فالإفلاس كما توصف به الشخصية الطبيعية، توصف به الشخصية الاعتبارية.

حين تكون أمواله لا تفي بديونه الحالة: هذا وصف لحالة الإفلاس ويتضمن المحترزات التالية:

1- أن المفلس لديه أموال. وبهذا يحترز عن المعسر الذي لا مال له، فلا يدخل في التعريف.

2- أن تكون أموال المفلس لا تفي بديونه، أما من كانت أمواله تفي بديونه وتزيد، أو مساوية لها فلا يسمي مفلسا، ولا تسري عليه أحكام الإفلاس (27) .

3- أن تكون أموال المدين لا تفي بالديون الحالة، أما إذا كانت تفي بالديون الحالة ولا تفي بالمؤجلة فلا يعتبر مفلس(28) .

المطلب الثاني: التكييف الفقهي لاجراء التسوية الوقائية

بما أن الخطة يقدمها المدين إلى جماعة دائنيه، ويطلب رضاهم وموافقتهم على مضمونها، ويتوصل بها إلى رفع النزاع بين المدين والدائنين، فهو بمثابة “الصلح” المعروف فقهاً، ويتضح هذا بالرجوع إلى تعريف الصلح في اصطلاح الفقهاء:

فعند الحنفية: عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي[7] وعند المالكية: انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه[8] وفي التعبير بـ(خوف وقوعه) إشارة إلى جواز الصلح لتوقي منازعة غير قائمة بالفعل، ولكنها محتملة الوقوع.

 وعند الشافعية: العقد الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين[9].

وعند الحنابلة: الصلح معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين[10].

وبالنظر في حقيقة إجراء التسوية الوقائية نجد أنها تتضمن عقداً بين الدائن وجماعة الدائنين لرفع نزاع واقع بينهما أو يخشى وقوعه في خصومة مالية (ديون) بالتراضي، ينتج عنه قطع الخصومة بينهما.

ويندرج هذا الصلح في نظر الفقهاء تحت نوع الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهو صلح عن إقرار في دين[11]، وهو أحد أنواع الصلح، وهو جائز – في الجملة – باتفاق الفقهاء، وإن كان ثمة اختلاف بينهم في بعض صوره وحالاته[12].

والمصالح المباشر لعقد الصلح في إجراء التسوية الوقائية هو المدين مع دائنيه، والمصالح عنه المتنازع فيه هو الديون، والمصالح عليه، أو المصالح به : هو خطة التسوية الوقائية.

ويرى جمهور الفقهاء أن عقد الصلح ليس عقداً مستقلاً قائماً بذاته في شروطه وأحكامه، بل هو متفرع عن غيره في ذلك، بمعنى: أنه تسري عليه أحكام أقرب العقود إليه شبهاً بحسب مضمونه، وثمرة ذلك: أن تجري على الصلح أحكام العقد الذي اعتبر به وتراعى فيه شروطه ومتطلباته[13] قال الزيلعي: وهذا لأن الأصل في الصلح أن يحمل على أشبه العقود له، فتجري عليه أحكامه؛ لأن العبرة للمعاني دون الصورة[14].

وعليه فإن على المدين في إجراء التسوية الوقائية أن يراعي الشروط الفقهية لأقرب العقود لخطته المقترحة، ولكل خطة يقدمها المدين أحوالها وشروطها، وقد خلا مشروع النظام عن تحديد شكل التسوية ومضمونها، وتركها مفتوحة للمدين لإعطائه المساحة الكاملة في اختيار الأنسب له، ولإعطاء مرونة للأطراف للاتفاق على مضامينها، وربما تتضمن اللائحة المستقبلية للنظام مقترحات للتسوية مثل إعادة جدولة الديون، أو شطب بعضها أو تحويل الديون إلى حصص ملكية في المدين[15]، أو الاتفاق على الاندماج أو الاستحواذ.

وهذه المضامين التي يمكن أن يكون عليها الصلح بين الأطراف يجب أن تراعى فيها الشروط والأحكام الفقهية الخاصة فيها، لا سيما المتعلقة بالديون تأجيلاً أو تعجيلاً، زيادة أو نقصاً، إبراء أو إسقاطاً، حتى لا تكون نتيجة الصلح وقوع في الربا أو الغرر أو الجهالة أو غيرها من المحاذير، و(الصلح جائز بين المسلمين إلا ما حل حراماً أو حرم حلالاً) [16].

هذا هو النظر الأول فيما يتعلق بأصل حكم هذا الإجراء وتكييفه الفقهي، ويبقى النظر فيما تضمنته بعض مواد هذا المشروع من مسائل مشكلة أهمها مسألة إعطاء المفلس الحق في طلب فتح هذا الإجراء مع السماح له بإدارة نشاطه وعدم غل يده، وهو مخالف للمتقرر فقهاً من وجوب الحجر عليه وغل يده بطلب الدائنين لذلك، ولم يعالج مشروع النظام هنا ما لو طلب الدائنون الحجر عليه بعد فتح الإجراء، وأما بالنسبة لعرض خطة التسوية على جماعة الدائنين والتصويت عليها وفقاً لشروط معينة كما في (م 34) من مشروع النظام، فإنها تكون بعد فتح الإجراء في مدة لا تزيد عن أربعين يوماً، فالمدين المفلس بمجرد فتح الإجراء يحق له الاستمرار في إدارة نشاطه قبل التصويت على الخطة ومصادقة المحكمة عليها،
وبهذا يظهر أن المفلس هنا له حالتان:

الحال الأولى: بعد فتح الإجراء وقبل التصويت والتصديق على الخطة ففي هذا الحال لا يجوز شرعاً للمدين الاستمرار بإدارة أمواله إذا طلب الدائنون غل يده، ولا يجوز للمحكمة إجبارهم على ذلك، ولا يصح أن يتضمن النظام هذا الأمر؛ لأن العقود مبناها على الرضى بين المتعاقدين، وهذا منتف في إجراء التسوية الوقائية، حيث تضمن استمرار المدين بإدارة نشاطه.
الحال الثانية: أن تكون إدارته لأمواله بعد التصويت على الخطة والمصادقة عليها من المحكمة وفقاً للمادة (37) من مشروع النظام، فإنه إذا وافق عليها جماعة الدائنين، زال الإشكال؛ لأن الحجر على المدين المفلس حق لهم، وقد أسقطوا حقهم بالحجر، ورضوا بإدارته لخطة التسوية المتضمنة لإدارته النشاط، وإذا لم يرض أغلبهم بخطة التسوية وإدارة المدين لها لم تصادق عليها المحكمة[17]، وبهذا التصرف نعالج مشكلة استمرار تصرف المدين المفلس بإدارة نشاطه، خلافاً لما جنح إليه مشروع النظام من السماح له بذلك بافتتاح الإجراء ولو كان مفلسا

المبحث الثاني: افلاس الشركات في مشروع النظام

المطلب الاول: الشركات النظامية في مشروع نظام الافلاس

لم يخصص مشروع نظام الإفلاس فصلاً خاصاً بإفلاس الشركات كما لم يفعل ذلك نظام الشركات، ولم يبين فيهما صراحة أثر الإفلاس على الشخصية الاعتبارية للشركة، وأثره على الدائنين والمساهمين والمتعاملين معها والشركات التابعة في (فصل) مستقل، وإن كان تطرق لبعض هذه القضايا في مواد متفرقة، لكن كان الأولى في نظر الباحث أن يعالجها في فصل مستقل، وكثيراً ما يحيل المشروع إلى الأنظمة ذات العلاقة من غير التصريح بنظام الشركات كما في (م127) وقد أحال تفاصيل كثيرة من أحكام الشركات إلى اللائحة، فنجد أنه أتاح في (م 238) للجهة المختصة إصدار اللوائح اللازمة لتنظيم إجراءات الإفلاس للكيانات المنظمة الخاضعة لرقابتها، بما يتناسب مع طبيعة هذه الكيانات، وعرف المشروع (م 1) الكيان المنظم بأنه: كيان خاص مرخص له في ممارسة نشاط مالي أو يدير مرفقاً عاماً، ويخضع نشاطه لتنظيم ورقابة وإشراف الجهة المختصة وفقاً لما ورد في المادة الثانية من النظام.

وحددت (م 2) الكيانات المنظمة التي تنطبق عليها أحكام هذا النظام: الشركات المصرفية وشركات التمويل وشركات التأمين وشركات الصيرفة، والشركات الاستثمارية، وشركات التسوية والمقاصة والحفظ المالية، وشركات التصنيف الائتماني، وشركات المعلومات والسجلات الائتمانية، وشركات المياه والكهرباء والغاز، وشركات التنقيب عن مصادر الطاقة والمعادن، وأي كيان أو نوع آخر تنص عليه اللائحة، ونصت ذات المادة على أنه لا يجوز قيد طلب افتتاح أي من إجراءات الإفلاس للكيان المنظم أو الإيداع القضائي إلا بعد موافقة مكتوبة من الجهة المختصة.

وعرف مشروع النظام(م1) الجهة المختصة بأنها: (الجهة المختصة بتنظيم نشاط الكيان المنظم والرقابة والإشراف عليه)، ويمكن التمثيل لها بهيئة السوق المالية، ومؤسسة النقد العربي.
ومما سبق يتضح أن مشروع النظام سمح لهيئة السوق المالية مثلاً أن تصدر لائحة مستقلة لتنظيم إجراء إفلاس الشركات المساهمة المدرجة، وسمح لمؤسسة النقد العربي أن تصدر لائحة تنظم فيها إفلاس البنوك، وهكذا.

ومع هذا فإن واضعي المشروع قصدوا أن يكون المشروع صالحاً ومنطبقاً على كل الكيانات بما فيها الشركات التجارية من خلال جملة متعددة من المواد، ورد فيها ذكر الشركة والشركات صراحة أو ضمناً، ومن تلك المواضع:

الموضع الأول: سبق أن مشروع النظام عرف المدين (م1) بأنه: ” شخص ذو صفة طبيعية أو اعتبارية ثبت في ذمته دين”، وبهذا التأصيل والتقعيد المبدئي يريد واضعوه لفت نظر ذوي الشأن أن مشروع النظام لا يختص بالأفراد الطبيعيين، وأن كل مدين ذو صفة اعتبارية ينطبق عليه النظام كذلك، فيدخل فيه الفرد والمؤسسات والشركات والبنوك ونحوها، فكلها الآن داخلة صراحة في مواد مشروع النظام، وعليه فإن الشركات المساهمة يمكن إخضاعها لأحد الإجراءات السابقة كإجراء التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي في حال الاضطراب المالي أو التعثر أو الإفلاس، وإجراء التصفية في التعثر أو الإفلاس، وإجراء التصفية
الإدارية في الإفلاس.

الموضع الثاني: سبق أن (م 2) من مشروع النظام حددت ثماني شركات مختلفة، كلها خاضعة لأحكام هذا النظام، بالإضافة إلى ما تنص عليه اللائحة لاحقاً

الموضع الثالث: نص مشروع النظام (م 3) على أنه تسري أحكام هذا النظام على:

أ‌.     الشخص السعودي ذو الصفة الطبيعية الذي يمارس أعمالاً تجارية أو مهنية أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح في الدولة.

ب‌.الشركات التجارية والمهنية والمدنية والكيانات المنظمة والكيانات الأخرى الهادفة إلى تحقيق الربح، المسجلة في الدولة.

ت‌.المستثمر غير السعودي سواء كان شخصاً ذا صفة طبيعية أو اعتبارية، الذي يملك أصولاً في المملكة أو يزاول أعمالاً تجارية أو مهنية أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح، من خلال منشأة مرخص لها في الدولة، ولا يخضع لإجراءات النظام سوى أصول المستثمر الموجودة في الدولة.

الموضع الرابع: تنص (م 8) على أنه: (1. لا تصفى أي شركة بموجب نظام آخر إلا إذا كانت شروط النظام لا تنطبق عليها، وكانت أصولها تكفي لسداد جميع ديونها، 2. يعد الملاك المصوتين بالموافقة على حل الشركة وتصفيتها اختيارياً بالمخالفة لحكم الفقرة (1) من هذه المادة مسؤولين بالتضامن عن ديون الشركة المتبقية).

ويستفاد من هذه المادة بمفهوم المخالفة أنه يمكن أن تصفى أي شركة بموجب نظام آخر غير هذا النظام بشرطين: الأول: شروط هذا النظام لا تنطبق عليها، والثاني: ألا تكون مفلسة، فإن كانت مفلسة فلا يجوز تصفيتها إلا وفق هذا النظام.

الموضع الخامس: تنص (م 128و 173و 187) على أنه: تقضي المحكمة في
حكمها بإنهاء الإجراء بحل المدين إذا كان شخصاً ذو صفة اعتبارية.

ويستفاد من هذا النص أن شركة المساهمة أو التضامن بعد انتهاء إجراء التصفية، تقضي المحكمة بحل الشخصية الاعتبارية للشركة.

المطلب الثاني: اثر افلاس الشركة على مسؤولية الشركاء

في البداية لابد أن نعلم أن الشركات تتنوع من حيث مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة على النحو التالي، وفقاً لنظام الشركات الجديد:

1.  شركات يسأل فيها جميع الشركاء بلا استثناء مسؤولية تضامنية مطلقة تصل إذى أموالهم الخاصة عند إفلاس الشركة، ويتمثل هذا النوع في شركة التضامن[18]

2.  شركات ذات مسؤولية محدودة: بمعنى أنه لا يسأل الشريك عند إفلاس الشركة إلا في حدود ما ساهم به وما يملكه من أسهم في الشركة، ولا يتعداه إلى أمواله الخاصة، ويتمثل هذا النوع في الشركة المساهمة، والشركة ذات المسؤولية المحدودة، والشركة القابضة[19].

3.  شركة تجمع بين فريقين من النذعين السابقين، فبعض الشركاء يسألون مسؤولية تضامنية مطلقة تصل إلى أموالهم الخاصة عند الإفلاس، وبعضهم يسأل مسؤولية محدودة ولا تتعداها إلى أموالهم الخاصة، ويشمل هذا النوع شركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم[20].

4.  شركة ليست ذات مسؤولية محدودة، وليست شركة تضامنية، أي لا يسأل فيها الشركاء عند إفلاسها مسؤولية تضامنية، وهي شركة المحاصة، وذلك لطبيعتها  الخفية المستترة عن الآخرين؛ ولعدم تمتعها بشخصية اعتبارية؛ ولعدم خضوعها
لإجراءات الشهر والإفلاس، ولا تقيد في السجل التجاري؛ ولأنه ليس لهذا رأس مال ولا أسهم، وإنما تنحصر آثارها على الشركاء فيها، وتوزع الأرباح والخسائر فيما بينهم حسب الاتفاق في العقد، وليس للغير حق الرجوع إلا على الشريك الذي تعامل
معه دون باقي الشركاء، وإذا أفلس الشريك جاز شهر إفلاسه وحده دون أن يمتد إفلاسه إلى غيره، لكن إذا صدر من الشركاء عمل يكشف للغير عن وجود الشركة جاز اعتبارها بالنسبة إليه شركة تضامن واقعية[21].

هذا التنويع للشركات مبني على مدى مسؤولية الشركاء، إنما تبدو أهميته من ناحية الدائنين فقط.

وبالرجوع إلى مشروع نظام الإفلاس نجد أنه راعى هذا التنوع في الشركاء، واتفق مع نظام الشركات في ذلك، ولم يختلفا فيه، ففي (م 127) ينص مشروع النظام على أنه: (يراعي الأمين عند تصفية أصول التفليسة حدود مسؤولية الشركاء وفقاً لأحكام الأنظمة ذات العلاقة)، ويلمح بذلك إلى نظام الشركات، ثم يؤكد ذلك في الفقرة الثانية من نفس المادة فيقول: (يكون الشركاء المتضامنون مسؤولين عن زيادة أصول التفليسة لتسوية المطالبات في حال تحقق عدم كفايتها للوفاء بديون المدين في الإجراء، ويطلب الأمين منهم ــ بموجب طلب رسمي ــ السداد عن المدين في موعد محدد ويضاف ما يدفعون من أموال إلى أصول
التفليسة).

وتطبيقاً لهذا النص، فلو افترض إفلاس شركة تضامن، وخضعت لإجراء التصفية فإن على أمين التصفية مطالبة الشركاء المتضامنين بزيادة أصول التفليسة وسداد الديون من أموالهم الخاصة، بل ويجب إخضاعهم لإجراء التصفية تبعاً للشركة بسبب مسؤوليتهم التضامنية ولو افترض إفلاس شركة مساهمة أو ذات مسؤولية محدودة أو قابضة، وخضعت لإجراء التصفية فإن على أمين التصفية الانتباه إلى أن مسؤولية الشركاء فيها محدودة، وبالتالي فلا يحق له مطالبتهم بزيادة أصول التفليسة وسداد ديون الشركة.

وهذا يجر إلى حكم تحديد مسؤولية الشركة برأس مالها من الناحية الفقهية، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 63 (1/7) في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية بجواز ذلك ونصه: (12-  تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة: لا مانع شرعاً من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محدودة برأس مالها؛ لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة، كما لا مانع شرعاً من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام، وهذي الشركات التي فيها شركاء متضامنون، وشركاء محدودو المسؤولية)، وهذا القرار وإن كان صادراً في شأن شركة المساهمة فإنه ينسحب على الشركة ذات المسؤولية المحدودة من باب أولى، فهي إنما سميت بذلك لتحديد مسؤوليتها برأس المال المقدم من الشريك، وكلاهما يشتركان في هذه الخاصية، وهذه المسألة – تحديد المسؤولية- قد وقع فيها خلاف بين المعاصرين[22]، لكن الأمر استقر على ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي، وهو السائد المتعارف عليه الآن في عالم الشركات حيث لا يمكن ولا يتصور تضمين الشركاء أو المساهمين في شركة المساهمة ما زاد على حصصهم في رأس مال الشركة.

وتجدر الإشارة إلى أن تحديد المسؤولية ليس على إطلاقها في جميع أنواع الإفلاس، وإنما المقصود في حال الإفلاس الحقيقي أي إذا لم تتعد إدارة الشركة أو تفرط بالمفهوم الفقهي، أما في حالة الإفلاس التقصيري أو الاحتيالي، فإن المسؤولية على الشركاء في الشركة ذات المسؤولية المحدودة تكون تضامنية لا محدودة، باعتبارهم فرطوا أو قصروا في إدارتها.
وبها البيان يجاب على من منع فكرة تحديد المسؤولية في الشركات ذات المسؤولية المحدودة بحجة الظلم، أو لدفع التلاعب الصادر حالياً من بعض المديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة، وقد عولج نظاماً بطريقين:

الأول: وجوب نشر عقد تأسيس الشركة يشمل ذلك بيان تحديد غرضها ونوعها مساهمة أو ذات مسؤولية محدودة، فإذا ثبت أن في البيانات المسجلة ما ليس صحيحاً، فإن  المؤسسين يتحملون المسؤولية بالتضامن كما تنص على ذلك المادة(55) و(64) من نظام الشركات، ولعل من أسباب هذا النشر ليدخل المتعاقد معها على علم وبإرادته ورضاه، وإلا
فلا يدخل.

الثاني: أنه في حال ثبوت تقصيرهم في إدارة الشركة أو تلاعبهم فيها أو إساءة تدبير شؤونها أو مخالفتهم لما اتفق عليه في عقدها ثم وقعت بسبب ذلك في الإفلاس، فإن المسؤولية تكون تضامنية لا محدودة كما نصت على ذلك المادة (76) من نظام الشركات، وها ما يتفق مع الرؤية الشرعية في تحميل الشريك الوكيل أو الأجير المسذذؤولية المطلقذذة إذا فذذرط أو تعذذدى، وتلاعذذبهم فذذي الإدارة وإساءة تدبيرها يعتبر نوع تفريط أو تعدي، وهو ما يسمى بالإفلاس التقصيري في حال التقصير، والاحتيالي في حال التعدي، والله أعلم.

وقد نص مشروع نظام الإفلاس في أكثر من موقع أنه إذا تصرف مقدم الطلب بسوء نية أو انطوى طلبه على إساءة استغلال للإجراء أو ارتكب أياً من الأفعال المجرمة في الفصل الثالث عشر من النظام، فإن طلبه لفتح الإجراء يكون مرفوضاً وفقا (م17 و59 و102 و155 و172 و178) ومن الأفعال المجرمة في الفصل الثالث عشر: إساءة التصرف في أصول التفليسة أو احتجازها أو إساءة استعمال صلاحياته، أو اختلاس، أو إخفاء أي من أصول التفليسة، وممارسة نشاط المدين بقصد الاحتيال على دائنيه، والاستمرار في ممارسة نشاط المدين مع انتفذاء إمكانية تجنب التصفية، واستخدام أساليب تنطوي على استهتار لتفادي أو تأخير افتتاح إجراء التصفية، وترتب على ذلك ضرر على حقوق الدائنين، بما في ذلك بيع السلع بأقل من سعر السوق للحصول على سيولة نقدية، وإبرام صفقات مع
الغير دون مقابل أو بمقابل غير عادل، دون نفع لأصول التفليسة، وسداد ديون أي من الدائنين بما أدى إلى الإضرار بدائنين آخرين، وإساءة استغلال أي من إجراءات الإفلاس، وأي أفعال أخرى تحددها اللائحة.

وأتاح مشروع النظام معاقبة المدين المرتكب لأي من المخالفات السابقة باسترداد أي أصول له وأي حقوق مرتبطة بهذا، والتعويض على مخالفاته التي أضرت بحقوق الدائنين (م216)

خصائص الإفلاس

1.   الإفلاس نظام خاص بالتجار: فلا يخضع غير التجارلنظام الإفلاس؛ لأنه أصلاً تجاري، وجد لعلاج مشكلات البيئة التجارية، ويمكن إرجاع سبب عدم خضوع غير التجار إلى أحكام الإفلاس، إلا أن عدم وفاء غير التاجر بديونه في مواعيد استحقاقها قد يضر بالمصالح الخاصة لدائنه فقط، مما لا يؤثر بالضرورة في الوضع الاقتصادي العام، وبالتالي لا يمس كثيرا المصلحة العامة[23]. أما توقف أحد التجار عن الوفاء بديونه التجارية في مواعيد استحقاقها فإنه يمثل أزمة بمجتمع التجار قد تصيبهم بضرر بليغ، ومن ثم تمس المصلحة العامة[24]. ويستثنى من ذلك القضاة والموظفون الذين يعملون في التجارة؛ إذ لا يعدون تجاراً، وإنما يخضعون إلى نظام الإفلاس.

2.   الإفلاس إجراء قضائي: ذلك أن شهر إفلاس التاجر المدين لا يكون إلا بحكم قضائي، ولا يترتب على التوقف عن دفع الديون قبل صدور هذا الحكم أي اثر ما لم ينص القانون على غير ذلك[25] وعليه فلا تنشأ حالة الإفلاس إلا بحكم، كما تخضع إجراءات التفليسة لرقابة محكمة البداية، ومن ثمُيعد الإفلاس إجراء قضائياً بالمعنى الفني الدقيق، كما يعد الإفلاس إجراء من إجراءات الحجز على أموال المدين، إلا أن الحجز هنا لا يقع على أموال محددة دون غيرها من أموال المفلس، بل يقع على جميع أمواله التي يملكها عند صدور حكم الإفلاس، أو في أثناء سير التفليسة[26] وإضافة إلى ذلك يعد حكم الإفلاس كاشفاً ومنشئاً في آن معا، إذ إنه يقرر أو يكشف حالة وقوف التاجر عن دفع الديون التجارية المستحقة، وهي الحالة التي يستند إليها صدور الحكم نفسه، كما أن حكم الإفلاس بتقريره لهذه الحالة ينشئ حالة جديدة تتمثل بالتصفية الجماعية وغل يد المدين، وحرمانه من حقوقه، ووقف الدعاوى والإجراءات الانفرادية[27].

3.   الإفلاس إجراء جماعي، حيث لا يوجد إلا بوجود جماعة الدائنين والذين تربطهم علاقة اتحاد المصالح ووحدة المصير، فهذه الجماعة يجب أن تتمتع بالحماية والتحرك بصورة جماعية قانونية، لتحقيق الهدف تحت مظلة القانون، وقد وفر لهم المشرع آلية التحرك في الطعن بتصرفات المفلس في فترة الريبة[28] بأن أوجب بطلان بعض التصرفات وأجاز بعضها الآخر[29].

4.   الإفلاس ذو طابع عقابي: ذلك أن الإفلاس لا يؤثر فقط في مصالح الدائنين الخاصة، بل من شأنه أن يضر بالمصلحة العامة، لما يؤدي إليه من خلل يصيب مجتمع التجار

أنواع الإفلاس

يُقسم الإفلاس في القانون التجاريّ العراقي إلى الأنواع التالية:

الإفلاس البسيط

هو من حالاتالإفلاسفي القانون التجاريّ العراقيالذي يرتبط بالحالة الاقتصاديّة للتاجر؛ بسبب مجموعةٍ من العوامل التي تؤثر عليه تأثيراً سلبياً، وخصوصاً التي تتعلق بالوضع الاقتصاديّ في السوق الذي يوجد فيه، ومن الأمثلة على هذه العوامل: الكساد الاقتصاديّ، والذي يؤدي إلى تراكم السلع، وعدم قدرة التاجر على بيعها، فينتج عن ذلك قلةٌ في نسبة أرباحه، وعدم قدرته على الوفاء بديونه للدائنين، فيرغم على إعلان إفلاسه، وتصفية حساباته، وممتلكاته من أجل سداد الديون المترتّبة عليه. 

الإفلاس التقصيري

هو الإفلاسُ في القانون التجاري العراقيالذي ينتجُ عن مجموعةٍ من الأخطاء التي يرتكبها التجار، مثل: الزيادة في معدلات الإنفاق الشخصيّ، والعائليّ على حساب الالتزامات الأخرى، أو أن يستخدم المبالغ المالية المدينة التي بحوزتهِ في بورصة الأسهم، أو شراء السّندات، بالتالي تقصيره بِردّ هذه المبالغ الماليّة إلى أصحابه؛ بسبب خسارته في البورصة، أو السّندات، ويصنّف هذا التصرف قانونيّاً بأنه جُنحة قانونية يعاقب عليها القانون طبقا للعقوبة الإفلاس في القانون التجاري العراقي. 

الإفلاس الاحتيالي

هو من أخطر أنواع الإفلاس، والذي يعتمد عليه بعض التُجار، فيقوم التاجر بإخفاء أمواله، أو الهرب بها خارج الدولة التي توجد استثماراته فيها، وعادةً تكون هذه الأموال التزاماتٍ، وديوناً مترتّبةً عليه لمجموعة من الأفراد والمنشآت، وفي هذه الحال تعمل الجهاتُ القانونيّة، والقضائيّة في البحث عن أي ممتلكات، أو أصول خاصة في التاجر من أجل بيعها، وردّ الحقوق لأصحابها، وفي حال عدم وجود أي منها تتم ملاحقة التاجر قضائيّاً، واعتباره مفلساً احتياليّاً، ويُحاكم محاكمةً جنائيّة.

الخاتمة

ففي خاتمة البحث نذكر خلاصة ماحواه من خصائص واحكام نظامية وفقهية لمشروع نظام الافلاس، مذيلة ببعض الاستنتاجات الاتية :

5.   يتيح مشروع النظام ــ حسب كلام واضعيه ــ عدداً من الإجراءات التذي تسهم في تصحيح أوضاع المدين والاستمرار في ممارسة أعماله دون الإخلال بحقوق دائنيه وغيرهم من أصحاب المصالح، وهما إجراءي التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي.

6.   يهدف مشروع نظام الإفلاس الجديد إلى أهداف أهمها: معالجة القصور الحالي في الأنظمة المعمول بها، وتشجيع النشاطات والمشروعات الاقتصادية والاستثمارية من خلال إيجاد نظام إفلاس ذو كفاءة يقلل من التكلفة المرتبطة بإجراءات الإفلاس وإعادة الهيكلة.

7.   تضمن مشروع النظام سبعة إجراءات لمعالجة وضع المدين بحسب حاله، وهي إجراء التسوية الوقائية، وإجراء إعادة التنظيم المالي، وإجراء التصفية، وإجراء التسوية الوقائية لصغار المدينين، وإجراء إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين، وإجراء التصفية لصغار المدينين، وإجراء التصفية الإدارية.

8.   عرف مشروع النظام المدين بأنه: ” شخص ذو صفة طبيعية أو اعتبارية ثبت في ذمته دين،” وهو قريب مع بعض التعاريف الفقهية.

9.   عرف مشروع النظام المفلس: بأنه: (مدين استغرقت ديونه جميع أصوله،) وهذا التعريف متناسق مع تعريف الفقهاء الذين ينوطون الإفلاس بمبدأ الاستغراق والإحاطة على خلاف بينهم في بعض الشروط والتعبيرات.

10. عرف مشروع النظام المتعثر بأنه: (مدين توقف عن سداد دين مطالب به في موعد استحقاقه،) وهو مصطلح حادث، لا وجود له في كتب الفقه، وأفرزه الوضع الجديد للمؤسسات والشركات والبنوك بعد الأزمة المالية، حيث توقف بعض منها عن سداد ديونها في مواعيدها المحددة بسبب عدم توفر السيولة لسداد التزاماتها.

11. الغالب إطلاق المتعثر فقط على من نقصت سيولته، ولم تستغرق ديونه أصوله، وهذا الذي قصده مشروع النظام -فيما يبدو- لأنه مايز بينه وبين المفلس بحد لكل منهما؛ لكن تعريف المتعثر ينقصه جملة مهمة تزيده وضوحاً لو أضيفت فيقال: (مدين توقف عن سداد دين مطالذب به في موعد استحقاقه، بسبب نقص السيولة،) وهو قيد ليخرج المدين المتوقف عن السداد بسبب افلاسه.

12. عرف مشروع النظام إجراء التسوية الوقائية بأنه: إجراء يهدف إلى تيسير توصل المدين إلى تسوية مع دائنيه وفق أحكام الفصل الثالث من النظام.

13. يفتتح إجراء التسوية الوقائية إذا كان من المرجح أن يعاني المدين من اضطرابات مالية أو اقتصادية يخشى معها توقفه عن سداد ديونه عند حلول أجل سدادها، أو إذا كان متعثراً، أو إذا كان مفلساً.

14.من أهم خصائص إجراء التسوية الوقائية أنه حق طوعي للمدين دون الدائنين، ولا تغل فيه يد المدين، ، ولا يعزل عن إدارة أمواله ولو كان مفلساً، ويحق له إدارة أمواله والوفاء بالتزاماته التعاقدية

الهوامش:


[1] ابن منظور، لسان اللسان، تهذيب لسان العرب، حرف السين، فصل الفاء، ص165-166.

[2] ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص238.

[3] أبو جيب، القاموس الفقهي، ط2، ص290.

[4] سويدان، الافلاس والصلح الواقي، ج1، ص2.

[5] المادة (316) من قانون التجارة الاردني رقم 12 لسنة 1966.

[6] سويدان، الافلاس والصلح الواقي، المصدر السابق، ص13.

[7] الفتاوى الهندية (4/228)

[8] شرح حدود ابن عرفه، ص314.

[9] الموسوعة الفقهية الكويتية (27/323).

[10] روضة الطالبين (4/193).

[11] المطلع على ابواب الفقه، ص250.

[12] بدائع الصنائع (6/48)، التاج والاكليل لمختصر خليل (7/3)، روضة الطالبين (4/193)، المغنى (5/3)، المحلى (6/470).

[13] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (5/31).

[14] تقرير السياسات العامة في شأن مشروع نظام الافلاس في المملكة العربية السعودية، ص9.

[15] رواه أبو داود في سننه (كتاب الاجارة) (باب الصلح)، رقم 3594، (2/327)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/65-63)، من حديث ابي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، ورواه في مسنده رقم (8784) (14/389) مختصرا بلفظ: (الصلح جائز بين المسلمين)، وصححه ابن حيان في صحيحه رقم (5091)، (11/488)، وقال محققه شعيب الارنؤوط: (اسناده حسن) ورواه الترمذي في سننه (باب الاحكام) (باب ماذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس)، رقم (1352)، (3/634) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وابن ماجه: (كتاب الاحكام) (باب الصلح) رقم (2353)، (2/788) والبيهقي في السنن الكبرى (6/65)، من حديث عوف بن عمرو المزني رضي الله عنه.

[16] علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982، ص74.

[17] علب بن عبد السلام بن علي، البهجة في شرخ التحفة (شرح تحفة الحكام)، تحقيق: محمد عبدالقادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418ه، ص132.

[18] ينظر: الباب الثاني من نظام الشركات (م17) ومابعدها.

[19] الباب الخامس والسادس والسابع من نظام الشركات.

[20] الباب الثالث من نظام الشركت (م38) ومابعدها.

[21] الباب الرابع من نظام الشركات (م43) ومابعدها.

[22] ينظر الخلاف في هذه المسالة: خصائص الشركة ذات المسؤولية المحدودة، سعود الشثري ص100، مسؤولية الشركاء في الشركة المساهمة والشركة ذات المسؤولية المحدودة في النظام والفقه الاسلامي، عبد المحسن الزكري، ص214، الشركات د. الخياط (2/239)، وممن خالف في هذه المسألة الدكتور حسين كامل فهمي في مداخلته في مؤتمر مجمع الفقه الاسلامي بدورته (14) ع(14) (2/635)، وقال: ان الشركة ذات المسؤولية المحدودة تعتبر فاسدة، ورفض فكرة تحديد المسؤولية منعاً للظلم، ورد عليه الشيخ القره داغي في نفس الدوره (2/661)، وقال: انها في غاية الاهمية في هذا الوقت، وقد اشتملت من المصالح ما ادى الى تطوير الشركات، وفتحت الافاق للناس في الدخول فيها، بينما لو كانت المسؤولية غير محدودة لم يمكن ان يدخل في مثل هذه الشركات، وتظل هذه الشركات غير مطورة خوفاً من ان تقع مشكلة، وقال: لاينبغي بعد أن اعترفنا بالشخصية المعنوية، والمسؤولية المحدودة ان نعود وننقضها مرة اخرى ببساطة.

[23] المصري، القانون التجاري، الافلاس، ط1، ص6.

[24] تنص المذكرة الايضاحية للمرسوم بقانون رقم 42 لسنة 88 بشأن تصفية الاوضاع الناشئة عن معاملات الاسهم بالأجل والصادر بالكويت “ان توقف بعض المتعاملين في سوق الاوراق المالية عن الوفاء بالتزاماتهم وما واكب ذلك من تشابك المعاملات والمطالبات بين عدد كبير من المتعاملين في تلك السوق سببا في تفجير الازمة الاقتصادية التي عرفت بأزمة سوق الاوراق المالية ونظراً لما عكسته تلك الازمة من آثار خطيرة على الاقتصاد القومي والنشاط التجاري في الكويت.

[25] تنص المادة (556) من قانون التجارة الكويتي 61 لسنة 1980.

[26] المصري، المصدر السابق، ص11.

[27] الهياجنة، آثار حكم شهر الافلاس على جماعة ادائنين، ص35.

[28] وهي الفترة الواقعة بعد حادثة التوقف عن الدفع وصدور الحكم بشهر افلاسه. انظر العكيلي، النظام القانوني لتصرفات المفلس خلال فترة الريبة، مجلة الحقوق السنة السادسة، العدد الرابع، الكويت، ص35.

[29] انظر المادة 584 من قانون التجارة الكويتي.

المصادر:

1.   ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب، تهذيب لسان العرب، ط1، دار صادر، بيروت، 1990.

2.   سويدان، مفيدة، الافلاس والصلح الواقي، ج1، مطبعة الشباب، عمان، 1994.

3.   الحافظ ابي عبدالله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة (ت:275ه)، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤد عبدالباقي، دار الفكر.

4.   علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982، ص74.

5.   علي بن عبد السلام بن علي، البهجة في شرخ التحفة (شرح تحفة الحكام)، تحقيق: محمد عبدالقادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418ه، ص132.

6.     المصري، حسني، القانون التجاري، الافلاس، ط1، دار النشر الكبرىن القاهرة، 1987.

7.   الهياجنة، سعيد، آثار حكم شهر الافلاس على جماعة ادائنين، مطبعة الشباب، عمان، 1993. ص35.

8.   العكيلي، النظام القانوني لتصرفات المفلس خلال فترة الريبة، مجلة الحقوق السنة السادسة، العدد الرابع، الكويت، ص35.

9.   ابي بكر احمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد، ط1، 1344ه.

10. الامام النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، المكتب الاسلامي، ط3، 1412ه.

11. علاء الدين الكاساني (ت:587ه)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982.

12. محمد بن يوسف بن ابي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي (ت897ه)، التاج والاكليل لمختصر خليل، دار الكتب العلميةن ط1، 1416ه.

13. العلامة فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الاسلامي، ط2، بالاوفست.

14. الموسوعة الفقهية الكويتية، صادر عن/ وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، الكويت، الطبعة (من 1404-1427ه).

15. تقرير السياسات العامة في شأن مشروع نظام الافلاس في المملكة العربية السعودية.

16. المادة (316) من قانون التجارة الاردني رقم 12 لسنة 1966.

17. انظر المادة 584 من قانون التجارة الكويتي.

18. تنص المادة (556) من قانون التجارة الكويتي 61 لسنة 1980.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading