حصيلة وآفــاق
عماد أبركان
ما هي محددات منظومة التربية والتكوين في الدستور المغربي الجديد؟ وما هي التوجهات الدستورية في مجال التربية والتكوين؟ وما هي الحصيلة والأفاق والممكنات المستقبلية لنظام التربية والتكوين، في سياق البحث عن الفعالية والنجاعة، لكسب رهان الجودة والحكامة في المنظومة التعليمية بالمغرب؟
منذ أزيد من أربع سنوات من الآن، عرف المغرب، كباقي الدول العربية الأخرى، حراكا اجتماعيا، وضع يده على مكامن المشاكل الأساسية التي كان يعرفها المغرب؛ حراك اجتماعي طالب بالإصلاح الدستوري ومحاربة الفساد والاستبداد، وتجاوبت أعلى سلطة في هذا البلد بشكل فوري مع هذه المطالب؛ فجاء دستور[1] فاتح يوليوز2011 والانتخابات التشريعية السابقة لأوانها، والتي بوأت حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى. ولقد كان من بين القضايا المهمة والمعقدة التي حاول الدستور الجديد أن يتناولها بمقاربة إصلاحية تحديثية تجويدية وحكامتة جديدة، بمفاهيم ومصطلحات ومضامين مستجدة، وفلسفة مبنية على أساس التوطيد والتراكم والتدرج والتجدد، قضية أو مسألة أو بالأحرى معضلة التربية والتكوين في المغرب.
لقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن إصلاح التعليم، تجويده وحكامته، وتطبيق اللامركزية والجهوية في تدبير الشأن التعليمي، على غرار القطاعات الأخرى. واعتبر إصلاح التعليم وتحديثه أسبقية من أسبقيات الدولة والمجتمع بكل مكوناته؛ فشكلت اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، والتي بلورت الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ ذلك الميثاق الذي شكل أرضية لانطلاق عدة أوراش لإصلاح المنظومة التربوية، للأسف لم تحقق الأهداف المرجوة منها. وجاء المخطط الاستعجالي الذي بدوره لم يتمكن من تجاوز الإشكالات البنيوية العميقة لقطاع التربية والتكوين؛ فكان لابد من إعداد خريطة طريق جديدة، تمثلت في الرؤية والتصور والتوجه الذي جاء به الدستور الجديد، من أجل النهوض والارتقاء بمنظومة التربية والتكوين، ومن أجل مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء[2].
إن ظاهرة فشل إصلاحات التعليم في المغرب نتيجة الاختلالات التي تعتري منظومة التشريع الإداري التربوي، إلى جانب عوامل بنيوية أخرى؛ هي التي جعلت الجميع اليوم أمام مسؤولية عظمى، تقتضي ضرورةً امتلاك ناصية الأمر، مع كامل الجرأة والمسؤولية للقول الفصل في قضية يتعلق بها مصير المغرب والمغاربة الذين هم في تيهان مهول بسبب نتائج منظومة تربوية تعليمية عجز البيت الداخلي عن التصدي لها، مما دفع بالمسؤولين في لحظات صعبة إلى طلب علاجها من طرف خارجي، ولهذا دلالاته الكبرى. ولا شك أنه تبعا لذلك وتنفيذا لمقتضيات الدستور، دعت المؤسسة الملكية إلى إحداث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، للعمل على المساهمة في تجاوز ما استطاع من اختلالات قطاع التربية والتكوين، وفي مقدمتها اختلالات التشريع الإداري التربوي، باعتبارها حجر الزاوية لكل إصلاح أو تحديث أو تأهيل أو تجويد أو حوكمة سيعرفها القطاع مستقبل[3].
المطلب الأول: الدستور المغربي الجديد ومحددات نظام التربية والتكوين
لقد دشنت الوثيقة الدستورية، التي صادق عليها المغاربة قبل أزيد من أربع سنوات من الآن (فاتح يوليوز 2011)، لمرحلة جديدة في مسار تعزيز المغرب لنموذجه الديمقراطي التنموي، عبر تكريسها للدعائم الأساسية للهوية المغربية وتعزيز نظام الحكم؛ المتمثل في الملكية الدستورية الديمقراطية، البرلمانية. وتحل، هذه السنة، الذكرى الخامسة لاعتماد الدستور الجديد، في سياق سياسي يتسم بجدل متزايد حول مدى قدرة الفاعلين السياسيين على التشبع بالمبادئ والقيم التي جاء بها واكتساب ثقافة دستورية جديدة تحدث قطيعة مع تلك التي كانت سائدة قبل اعتماد هذه الوثيقة، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الممارسة.
وفضلا عن النقاش الخاص بتقييم مدى تشبع النخبة السياسية في المغرب بجوهر الدستور الجديد الذي جاء نتيجة مسار إصلاحي، امتد منذ نهاية التسعينيات، وقدر كبير من التفاعل من قبل المؤسسة الملكية مع تطلعات المجتمع المغربي، وكذا في خضم الدينامية التي شهدها المغرب، في ظل الربيع العربي؛ فإن مسألة التأويل الديمقراطي للدستور وتنزيله تزيلا سليما، وجعله مرجعا وحيدا للحياة السياسية وضابطا للعلاقات بين المؤسسات، شكلت على مدى السنوات الفارطة التي هي عمر الدستور الجديد، إحدى أهم القضايا والرهانات المطروحة على ساحة النقاش العمومي. وتبعا لذلك، ونظرا لما لقطاع التربية والتكوين من أهمية؛ فقد انصب التركيز والاهتمام في هذه المساهمة حول المنطلقات المرجعية لدستور 2011 في ميدان التربية والتكوين (الفرع الأول)، ثم التساؤل المصحوب بالبحث والاستقصاء حول مكانة المنظومة التربوية في دستور فاتح يوليوز 2011 (الفرع الثاني).
الفرع الأول: المنطلقات المرجعية لدستور 2011 في ميدان التربية والتكوين
لقد أولى الدستور الجديد أهمية قصوى للديمقراطية التمثيلية والتشاركية بالنسبة لكافة المواطنين، ونص على إحداث مختلف آليات هذه المشاركة الفعالة في الحياة العامة للبلاد. ومما لا شك فيه، أن انخراط الشباب في هذا الخيار الاستراتيجي، يظل رهينا بمدى تأهيله وإعداده للمستقبل؛ وهذا ما يحيلنا على المنظومة التربوية وقدرتها على تكوين الأجيال الصاعدة وإعدادها للاندماج الكامل في المسار التنموي الديمقراطي للمجتمع. لذلك، يتعين الانكباب الجاد على هذه المنظومة التي نضعها في صدارة الأسبقيات الوطنية[4].
وفي هذا الصدد، فقد حققت بلادنا منجزات هامة في مجال التربية والتكوين؛ يجسدها على الخصوص ارتفاع نسبة التمدرس، وخاصة لدى الفتيات، وذلك بفضل الجهود الخيرة التي يبذلها رجال ونساء التعليم. غير أن الطريق ما يزال شاقا وطويلا أمام هذا القطاع، للقيام بدوره كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يبقى السؤال الملح الذي يطرح نفسه: لماذا لا تستطيع فئات من شبابنا تحقيق تطلعاتها المشروعة، على المستوى المهني والمادي والاجتماعي؟[5]. بهذه العبارات المختصرة والمعبرة، فضل الملك محمد السادس الحديث عن منظومة التربية والتكوين ببلدنا، موجها كل الفاعلين والفئات المعنية، إلى ضرورة الاهتمام الجاد بهذا القطاع، لإصلاح وتحديث وتجويد حوكمة ما يمكن تداركه.
نعم، لقد اتسمت الإصلاحات التي عرفتها منظومة التربية والتكوين بالمغرب بهاجس استعجال النتائج واعتماد مقاربة المشاريع والتدابير والتدخلات الإجرائية؛ فالرهانات والتحديات التي رفعها كل من الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي كانت وفق جدولات زمنية صارمة، أخلفت جلها المواعيد المحددة لها؛ فظلت الخطب الملكية دائما تقر بأزمة التعليم بالمغرب، وتدعو إلى ضرورة التفكير في صيغ جديدة من أجل النهوض بالمنظومة التربوية .وفي هذا الإطار، تشكل الخطب الملكية، المرجعية الأولى والأساسية لدستور2011 في ميدان التربية والتكوين، حيث جعلت الخطب الملكية من ضرورة الإصلاح المتجدد لمنظومة التربية والتكوين أمرا واقعا لا يحق لأحد مناقشته؛ فهو من يختار التوقيت المناسب واللحظة الحاسمة. لذلك، فكل ورش إلا ويسبق بخطاب مؤسس، يستعرض السياقات ويحدد الرهانات ويرسم الغايات؛ فما يلبث هذا الخطاب أن يتحول إلى جدول محدد، بأجندات مضبوطة، تنتج عنه في غالب الأوقات قرارات ملزمة.
وإذا ما رجعنا إلى مضامين الخطب الملكية على مدار ستين سنة، منذ حصول المغرب على استقلاله، نجد أن الحديث عن التعليم وأزمته ومطالب إصلاحه ظل ملازما للخطب الملكية، على مدار كل هذه العقود، ومع ذلك لم تفارق الأزمة منظومة التربية والتكوين ببلادنا، كما لو أنها “مرض مزمن”، نجح مراقبوه في تشخيص كل أعراضه وآثاره، غير أنهم فشلوا في المقابل في الحد من انتشاره وآلامه. وبالتركز على خطب العهد الجديد التي تشكل المرجعية والسند الأساسي للاهتمام الدستوري بمنظومة التربية والتكوين، نجد أن خطب الملك محمد السادس، قد شخصت وضعية المنظومة في العديد من المناسبات. غير أن الواقع كان ولازال عنيدا مشاكسا، بدءا بخطاب الإقرار بالأزمة المزمنة التي يشكو منها التعليم ببلادنا والتأسيس لخلاصات أشغال اللجنة الملكية الخاصة لوضع مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرورا إلى التماس الإصلاح والمطالبة بتفعيل مضامين هذا الميثاق الوطني، ووقوفا عند الخطب التنظيمية التي استتبعها إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم والمجلس الأعلى للتعليم، وصولا إلى خطاب الإنقاذ، من خلال اعتماد المخطط الاستعجالي والإجراءات التي صاحبته، ورجوعا من جديد إلى الحديث عن تأزيم المنظومة التي قدر لإصلاحها أن يظل متأرجحا بين الطموح والانتظارية.[6]
وهكذا، فقد لفت الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الثالثة يوم الجمعة 8 أكتوبر 1999، الانتباه إلى مسألتين ملحتين؛ تتعلق الأولى بالتعليم، والثانية بقضايا التشغيل والبطالة. وفيما القضية الأولى التي تهمنا، أشار إلى أنه “على الرغم من تراثنا الزاخر الأصيل في هذا المضمار، وما لنا فيه من تقاليد عريقة راسخة، وعلى الرغم من الجهود المتلاحقة التي بذلت طوال أزيد من أربعة عقود لجعل تعليمنا يواكب مرحلة استرجاع الاستقلال ومتطلبات بنائه، فإننا نلاحظ أن الأزمة المزمنة التي يعانيها، والتي جعلت والدنا رضوان الله عليه يعين لجنة ملكية خاصة، ممثلة فيها جميع الهيئات والفعاليات لوضع مشروع ميثاق وطني للتربية والتكوين. وقد شاءت الأقدار أن تنهي هذه اللجنة أشغالها دون أن يطلع والدنا المشمول برحمة الله على نتائجها”[7].
وبعد أقل من سنة، وفي خطابه بمناسبة ذكرى عيد العرش الثاني، حث الملك محمد السادس، الحكومة على تفعيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين وتسريع عملية تنفيذه وتخصيص الاعتمادات اللازمة لذلك، كما شدد على” وجوب انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة والتجند الكامل حول أهداف الميثاق، بعيدا عن المزايدات والحساسيات قصد تفعيله مجددين التأكيد على قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين وثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية، بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر الأمية والتعليم غير النافع”[8].
وبالفعل، فقد مكنت الجهود المبذولة من طرف مختلف المتدخلين في مجال محاربة الأمية من خفض نسبة الأمية بالمملكة، لكن ظل برنامج محو الأمية يشكو من إكراهات مالية وبشرية تحول دون بلوغ الأهداف المنشودة، وذلك على الرغم من الدعم والإعانات والمساهمات. واعتبارا للدور الأساسي لأسرة التعليم في تحقيق الإصلاح المؤمل، فقد قرر الملك في خطابه السالف الذكر” إنشاء مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم”، وذلك من أجل أن تحتضن ربع مليون من أفراد هذه الأسرة العزيزة على جلالتنا مع عائلاتهم، وأن توفر ما يلزمهم من خدمات اجتماعية في مجال السكن والتطبيب والترفيه والتأمين ضد الآفات والتقاعد التكميلي”[9].
ولقد توقف الملك محمد السادس في الذكرى الخامسة لاعتلاء العرش، عند الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بعد مرور نصف الطريق في تفعيل العشرية الوطنية للتربية والتكوين، مذكرا بقوله” …يجب تكريس السنوات الخمس المتبقية لتدارك التعثر في هذا الإصلاح الحيوي، بتعبئة كل الجهود، لاستكمال الإصلاح الكيفي، لا الكمي فقط، لمنظومتنا التربوية، وتبويء المدرسة المكانة التي تستحقها في المجتمع. وفي هذا الصدد، قررنا تنصيب المؤسسة الدستورية للمجلس الأعلى للتعليم، ليتولى، في تركيبة تجمع بين التمثيلية والتخصص، المهام المنوطة به، كقوة اقتراحية وتقويمية قارة ومتجردة، للإصلاح العميق والمستمر لمنظومة التعليم مشيدين بما أنجزته اللجنة الوطنية الخاصة للتربية والتكوين، من عمل رائد، في هذا الورش المصيري، بروح وطنية وتبصر وإقدام، منتظرين من هذا المجلس مواصلة جهودها المخلصة، في تفعيل هذا الإصلاح الحاسم، ليأخذ مساره الصحيح، وسرعته القصوى….”[10].
وإدراكا للدور الحيوي، الذي تنهض به المدرسة، في تكامل مع الأسرة، لبناء مجتمع التضامن والإنصاف وتكافؤ الفرص، الذي تعمل المملكة على ترسيخ دعائمه، وكذا تأهيل أجيالنا الصاعدة، لممارسة حقوقها، وأداء واجباتها، واندماجها في عالم المعرفة والاتصال، ذكر الملك محمد السادس في خطابه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى السادسة لاعتلائه عرش المملكة المغربية، اعتماد ميثاق وطني للتربية والتكوين، يدخل في صدارة الإصلاحات الشاملة والعميقة، التي يقودها، وتفعيلا لخطاب العرش من السنة السابقة، ورد في الخطاب قوله “سنتولى تنصيب المجلس الأعلى للتعليم الذي وضعنا ظهيره الشريف، لينهض بدوره، كمؤسسة دستورية، للتشاور والاقتراح البناء، والتوقع، والتقييم الموضوعي، لهذا الورش الحيوي”[11].
وهكذا، جاء في الخطاب الملكي، بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم، وانطلاق الموسم الدراسي 2006-2007″ ومن منطلق التزامنا بمبدأ اعتبار التربية شأنا يهم المغاربة جميعا، وكذا يقيننا بأن استكشاف سبل الإصلاح المتجدد لمنظومتنا التربوية، يتطلب أن يظل هذا المجلس، بوصفه مؤسسة دستورية، منفتحا دوما على المهتمين والفاعلين وذوي الخبرة في هذا الميدان الحيوي، مما يجعله فضاء تعدديا للتشاور وتبادل الرأي، ومرصدا للتتبع الفعال وقوة اقتراحية حول قضايا التربية والتكوين[12]“.
أما في خطاب العرش لسنة 2010، فإن الملك وبنوع من الاستغراب والدهشة، اعتبر أن “العائق الثالث، بل التحدي الأكبر، هو تأهيل الموارد البشرية. وهنا، تجب المصارحة بأنه من مسؤولية الجميع، الإقدام على اتخاذ قرارات شجاعة، لتحقيق الملاءمة بين التكوين العلمي والمهني والتقني، وبين مستلزمات الاقتصاد العصري، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، والانخراط في اقتصاد ومجتمع المعرفة والاتصال. وبدون ذلك، فإن النظام التعليمي الذي طالما واجه عراقيل ديماغوجية، حالت دون تفعيل الإصلاحات البناءة، سيظل يستنزف طاقات الدولة، ومواهب الفئات الشعبية، في أنماط عقيمة من التعليم، تنذر بجعل رصيدنا البشري عائقا للتنمية، بدل أن يكون قاطرة لها”[13].
وإذا كانت الخطابات والتوجيهات الملكية المشار إليها، تشكل المرجعية الفكرية الأساسية للمقتضيات الدستورية المتعلقة بمنظومة التربية والتكوين، فإن دستور2011 يجد مرجعيته فيما تحقق على المستوى الواقعي والتطبيقي والممارساتي أيضا، حيث إن الوضعية التي عاشتها منظومة التربية والتكوين قبل دستور2011، قانونا وممارسة، كانت منطلقا أساسيا، استلهم منها المشرع الدستوري تصوره لمسألة التربية والتكوين. وهكذا، وارتباطا بالمكانة المتميزة للإدارة التربوية كمكون أساسي داخل النسق التربوي، واعتبارا لدورها الهام والحساس في ترجمة مقتضيات الإصلاح على أرض الواقع، بادرت السلطات المكلفة بالتربية والتكوين إلى إصدار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية انطلاقا من سنة 2002، قصد الرفع من الوضع الاعتباري للإدارة التربوية وللمؤسسات التعليمية. ولقد وضعت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، خطة للارتقاء بالإدارة التربوية، سعيا وراء كسب رهانات مسار الإصلاح التربوي الشامل، والذي تعبأت له كل الفعاليات، واعتبرته الدولة المغربية قضيتها الثانية بعد قضية استكمال الوحدة الترابية. وقد اتضح بجلاء للقائمين على الشأن التربوي، أن تنصب الجهود في تلك المرحلة على المحاور التالية:
- تحسين الوضع القائم؛
- تأهيل الإدارة التربوية؛
- تثمين الإدارة التربوية؛
- إرساء وإعمال “مشروع المؤسسة” و”الأحواض المدرسية”؛
- دعم سياسة اللامركزية واللاتمركز.
ولا شك أن المرسوم رقم 2.02.382 الصادر في 15 يوليو 2002 بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية يأتي في مقدمة التشريع الإداري التربوي بالمملكة المغربية؛ وينص هذا المرسوم على الأهداف التالية:
- إعداد وتنفيذ سياسة الحكومة في مجال التعليم الأولي والابتدائي والثانوي وتكوين الأطر التعليمية والأقسام التحضيرية، لولوج المدارس العليا وأقسام تحضير شهادة التقني العالي، كما تسهر على الارتقاء بالتعليم المدرسي الخصوصي في هذه المجالات؛
- إعداد سياسة الحكومة في مجال التربية للجميع لفائدة الأطفال غير الممدرسين أو المنقطعين عن الدراسة؛
- السهر على تنظيم بنياتها الإدارية وعلى توزيع الموارد الموضوعة رهن إشارتها، مع مراعاة الأولويات والأهداف الوطنية[14].
ولقد تم إصدار هذا المرسوم بعد أن تم التفكير بعمق في إصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث تشكلت منذ سنة 1999 اللجنة الخاصة للتربية والتكوين، بهدف بلورة مشروع متكامل لإصلاح المدرسة المغربية، وتوجت أعمالها بتبني الميثاق الوطني للتربية والتكوين، كوثيقة مرجعية للإصلاح، حظيت بالتوافق الوطني التام. ولقد تم قبل ذلك إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، كمؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وذلك بمقتضى القانون رقم 07.00 الصادر في 19 ماي 2000. وتخضع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لوصاية الدولة، ويكون الغرض من هذه الوصاية ضمان تقيد أجهزتها المختصة بأحكام هذا القانون، خصوصا ما يتعلق بالمهام المسندة إليها، والحرص بوجه عام على تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمؤسسات العمومية. وتهدف هذه الوصاية كذلك إلى السهر على احترام الأكاديميات لتطبيق النصوص المتعلقة بمؤسسات التربية والتكوين والنظام المدرسي، وكذا شروط التعيين في مهام الإدارة التربوية. كما تخضع الأكاديميات للمراقبة المالية للدولة المطبقة على المؤسسات العمومية، وفقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل[15].
وبالحديث عن الوزارة المكلفة بقطاع التربية والتكوين والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، في سياق محاولة الوقوف عن المنطلقات المرجعية لدستور2011 في ميدان التربية والتكوين في المغرب، يتبادر إلى الذهن إشكال التدبير اللاممركز واللامتمركز لهذا القطاع. وفي هذا الإطار، أكد المجلس الأعلى للتعليم في تقييم له حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية التكوين خلال الفترة ما بين 2000 و2013، أن المنظومة التعليمية بالمغرب تعاني من العديد من الاختلالات الخطيرة، وبأن الميثاق لم يتمكن من بلوغ الأهداف التي سطرها؛ فرغم ارتفاع الموارد المالية التي تمت تعبئتها للتربية والتعليم العالي، فإن قطاع التربية التكوين يفتقر إلى الانسجام والتنظيم؛ وهو ما يحد من آثاره الإيجابية على مستوى تأهيل المتعلمين”. وقد انتقد التقرير غياب رؤية وهندسة شموليتين لمنظومة التربية والتكوين وقت إقرار اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين؛ فالقطاعات الوزارية المختلفة لم تقم على الصعيد المركزي بالتغييرات التنظيمية الكفيلة بتعزيز دينامية العلاقات التي تربطها بالمصالح المركزية الأخرى، وبالكيانات اللامركزية وغير الممركزة. ولقد تم اختزال أو تجديد البنيات الوظيفية التي كانت موجودة قبل الإصلاح، دون أن يكون لذلك تأثير حقيقي على القيم والأنظمة والمنهجيات. ولهذا، استمرت سلسلة اتخاذ القرار، والتي تربط الإدارة المركزية بالمستويات اللامركزية في الاشتغال كما كانت من قبل[16].
إن رهانات الحكامة لم تعالج، كما كان ذلك ضروريا، على طول سلسلة العلاقات التي تربط مكونات النظام ببعضها، وتهيكل كل واحد منها. ولذلك يجب مساءلة آليات الشفافية، وآليات اتخاذ القرار، والحكامة، والقيادة، والتقاسم، وتبادل الإجراءات، ومراجعتها، بغية الوصول إلى تدبير فعال وناجع. لقد تميزت منظومة التشريع الإداري التربوي في المغرب، بعد صدور الميثاق، بوضع الإطار التنظيمي والمؤسساتي، إذ تم فيها إعداد وإصدار القوانين المتعلقة باللامركزية في التعليم العالي[17] والتربية الوطنية. غير أن مراسيم تطبيق اللامركزية، وإحداث الهياكل المستقلة الجديدة بالجامعات والأكاديميات كانت قليلة، مما أدى إلى نوع من الارتباك، خصوصا وأن انتظارات الفاعلين كانت ملحة.
وتعين انتظار مرحلة ثانية، لإصدار بعض المراسيم العامة، وقد تميزت هذه المرحلة بوضع الإطار التنظيمي والمؤسساتي الجديد (الأكاديمية الجهوية ومجالس إدارتها، مجلس الجامعة( وتعبئة العديد من الفاعلين حول الإصلاح. غير أن التحضير لانخراط العديد من هؤلاء الفاعلين، لم يتم، كما أن إعادة انتشار المستخدمين الذين يتعين عليهم تدعيم الهيئات الجديدة لم يكن في مستوى متطلبات إصلاح بهذا الحجم. كما لم تنجز التكوينات المبرمجة لتأهيل كفايات الفاعلين المعنيين لشغل مناصب بتلك الهياكل الجديدة بسرعة، وبما فيه الكفاية، باستثناء بعض التكاوين التي استفاد منها مديرو الأكاديميات، مع العلم بأن جودتها لم تكن في مستوى متطلبات هذه المرحلة الجديدة من الإصلاحات، والتي تقتضي تأهيلا كبيرا للفاعلين المعنيين[18]. ولعل من نتائج تعدد صعوبات واختلالات التشريع الإداري التربوي في المغرب ما يلي:
- استمرار هيمنة المركز، بحيث إن بعض الاختصاصات التي يتعين أن تمارس من قبل الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لازالت تمارس به، وعلى الخصوص على مستوى تدبير الموارد البشرية والممتلكات؛
- ضعف تحويل الاختصاصات من المستوى الجهوي إلى المستوى الإقليمي والمحلي. وبذلك، تظل اللامركزية بقطاع التعليم المدرسي جهوية؛
- لم يواكب إرساء اللامركزية تحديد واضح للمهام والمسؤوليات في كل مستوى من المستويات؛
- ساهم تنوع وتعدد تركيبة المجالس الإدارية في التأثير على التجانس المفترض داخل هذه الأجهزة التقريرية، كما ساهمت محدودية انخراط بعض أعضاء المجلس في التأثير على مردودية المجالس الإدارية وكيفية اشتغالها؛
- غياب نظام داخلي يؤطر عمل المجالس الإدارية.
- غياب تمثيلية بعض المكونات الأساسية في التدبير الجهوي في المجلس الإداري من قبيل النواب الإقليميين ومديري مؤسسات التربية والتعليم؛
- انعقاد المجالس الإدارية للأكاديميات في دورة واحدة بدل دورتين؛
- وضع الهياكل التنظيمية للأكاديميات والنيابات الإقليمية وفق معايير كمية؛ وهذا أثر بشكل سلبي على جودة التأطير الإداري والتربوي؛
- عدم استكمال البناء الإصلاحي في بعض الأوراش، كما هو الشأن بالنسبة لإرساء شبكات التربية والتكوين.
الفرع الثاني: مكانة المنظومة التربوية في دستور فاتح يوليوز2011
لا شك أن منظومة التربية والتكوين تعتبر عماد التنمية بمختلف أبعادها وتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ضمن مشروع مجتمعي متكامل، يتوخى بناء دولة الحق والقانون، تسود فيه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، يمثل الاهتمام بمجال التربية والتكوين رهانا كبيرا في مسيرة تنمية بلادنا، باعتباره أول أسبقية وطنية بعد قضية الوحدة الترابية؛ فالجميع يطمح إلى:
– مدرسة عمومية مفعمة بالروح الوطنية؛
– مدرسة تقوم على ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتعمل وتقضي على كل أشكال التمييز؛
– مدرسة تؤسس لجيل يحب الوطن ويتشبث بهويته وقيمه وينفتح على عصره[19]؛
– مدرسة تصنع جيلا قادرا على الإنتاج والإبداع؛
– مدرسة حديثة تصنع جيل المرحلة التي يعيشها المغرب حاليا بمختلف أبعادها؛
– مدرسة تهيئ مواطن اليوم والغد ضمن تصور واضح لمشروع مجتمع متكامل؛
– مدرسة جديدة عصرية، في مستوى طموحات وتحديات عصرها، قادرة على رفع مختلف التحديات، وذلك من خلال إعداد المواطن الصالح، المؤمن، المؤهل، الكفء، الملتزم بخدمة وطنه، الواعي بواجبات المواطنة وحقوقها، المتشبث بقيمه الدينية والوطنية، المنفتح على محيطه المحلي والجهوي والوطني؛ فالغاية التي يصبو إليها الجميع، من خلال إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب، هو العمل على تحسين مردوديتها الإنتاجية وقيامها بدورها في تحصين هوية وثقافة وخصوصية الأمة المغربية، البعيدة عن التطرف والعنصرية والتبعية، المتشبثة بقيم التسامح والإبداع والاعتراف بحق الاختلاف، كما هو منصوص عليها في الدين الإسلامي والثقافة المغربية الأصيلة بمختلف روافدها[20].
ومن هذا المنطلق، فقد احتلت المنظومة التربوية مكانة بارزة أساسية وجوهرية في دستور فاتح يوليوز2011؛ فالمدرسة عموما تعد أحد أهم منابع التنمية الوطنية المباشرة، وذلك لما تقوم به من أدوار طلائعية في المجالات المرتبطة بتربية؛ ومن ثم تأطير النشء وتوجيهه؛ بقصد المشاركة الفاعلة والبناءة في تدبير الشأن العام الوطني، سواء من داخل المؤسسات أو عبر منظمات المجتمع المدني؛ باعتباره شريكا أساسيا لها في بلورة سياساتها التربوية؛ الهادفة إلى الرقي بمرتبة الدولة إلى أحسن المراتب، ومن ثم تحسين مستوى معيشة المواطنين، وبالتالي ترقية درجة وعيهم، تأسيسا على روح المواطنة.[21]
ولعله من أجل ذلك كله، فقد نص دستور فاتح يوليوز2011 في مختلف أبوابه على مقتضيات مهمة، ذات طبيعة توجيهية وتأصيلية وتكريسية وترسيخية لمسألة الحكامة والتجويد والنهوض بمنظومة التربية والتكوين. ونجد منها، على سبيل الذكر والمثال لا الحصر، ما ورد في التصدير، حيث جاء فيه أن “المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، …”[22].
ولا يخفى على أحد أن التعليم هنا يعتبر الباب الرئيسي لبلوغ هذه الأهداف السامية، حيث إن التعليم الذي ستتلقاه الأجيال المستقبلية، ينبغي أن يقوم على قيم الديمقراطية، ومبادئ الحكامة، والأخلاق الإنسانية، المبنية على التسامح والتعايش وحب خدمة الصالح العام، من القيم والمثل العليا. كما أن المملكة المغربية، ولما كانت تتسم بتنوع مقومات هويتها الوطنية، ومكوناتها، العربية-الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، وغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية؛ فإنه يجب أن تحافظ وبجميع الوسائل، والتي في مقدمتها التعليم على هذه الخصوصيات والمميزات.
ولقد أكد الفصل الخامس من الدستور على أن تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها. كما أكد أن الأمازيغية تعد أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء. ويحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية. هذا، وتعمل الدولة على صيانة الحسانية، باعتبارها جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلى حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب، وتسهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية، وعلى تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم؛ باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر. ويحدث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية؛ مهمته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغتين العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، باعتبارها تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا. ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات. ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبته وكيفيات سيره.
أما الفصل الثامن عشر، فقد ورد فيه أن السلطات العمومية تعمل على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج، في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة التي يحدثها الدستور أو القانون. وهذا يحيل إلى ضرورة حل إشكالية محورية عرفتها المملكة مع جيل أو بالأحرى أجيال من المغاربة المقيمين بالخارج، حيث تلقى أغلبهم تعليما بعيدا شيئا ما عن الخصوصيات والقيم والتقاليد والأعراف المغربية العريقة. ومن ثم، يعتبر هذا المقتضى الدستوري بمثابة توجيه للفاعلين المعنيين إلى ضرورة إشراك أبناء الجالية المغربية وتفاعلهم في السياسات العمومية، ولاسيما في المجال التعليمي. وحسب الفصل التاسع عشر من الدستور، يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ولا غرو أن هذا المقتضى الدستوري، يرمي إلى ترسيخ وإرساء التوجه الديمقراطي الحديث، الذي يقضي بأن الرجل والمرأة متساويان في حق تلقي التعليم، حيث جاء هذا الأمر كرد فعل طبيعي عما يعتري – خاصة بالعالم القروي – مسألة إتمام المسار التعليمي بالنسبة للإناث مقارنة مع الذكور؛ فبعض النساء في المغرب مازلن يعانين من هذا الإشكال[23].
وعلى صعيد أخر، أكد الفصل الخامس والعشرين أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، كما أن حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني أيضا مضمونة؛ ويقصد هنا، الحرية في التعبير عن الأفكار والآراء، عن طريق الكلام أو الكتابة أو عمل فني، بدون رقابة أو قيود حكومية، بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين وأعراف المغرب؛ وهذا ما ينبغي على منظومة التربية والتكوين أن تراعيه وتعمل على حمايته إن بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة. ومن هنا، وجب تربية الناشئة على الإبداع والرأي، والتفكير والتعبير، والتحاور وقبول الاختلاف، من خلال التعليم والتربية والتكوين على ذلك. وفي هذا الإطار – حسب الفصل 26 من الدستور- تدعم السلطات العمومية بالوسائل الملائمة، تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة. كما تسعى لتطوير تلك المجالات وتنظيمها، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة.
وبصريح العبارة، تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، حسب الفصل 31 على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:
- الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة؛
- التنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة؛
- التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية؛
- ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛
- التنمية المستدامة[24].
كما اعتبر الفصل 32 أن التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة. وعلى السلطات العمومية، حسب الفصل 33، اتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية ومساعدتهم على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني. هذا، ناهيك عن تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات. وبموجب الفصل 34، تقوم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي هذا الإطار، يختص القانون، بمقتضى الفصل 71، وبالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في ميدان تحديد التوجهات والتنظيم العام لميادين التعليم والبحث العلمي والتكوين المهني.
وهكذا، ومن أجل تكريس هذه المبادئ والتوجهات الدستورية، تكون الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة مستقلة؛ وتستفيد من دعم أجهزة الدولة؛ ومنها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. ويتولى مجلس الجالية المغربية بالخارج، على الخصوص، إبداء أرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه. ويتولى المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، المحدث بموجب الفصل32 من هذا الدستور، مهمة تأمين تتبع وضعية الأسرة والطفولة، وإبداء آراء حول المخططات الوطنية المتعلقة بهذه الميادين، وتنشيط النقاش العمومي حول السياسة العمومية في مجال الأسرة، وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية، المقدمة من قبل مختلف القطاعات، والهياكل والهيئات المختصة[25].
هذا، ولا مضنة أن من بين أهم ما جاء به الدستور المغربي الجديد هو عندما نص على أن يحدث مجلس أعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. والمجلس هيئة استشارية؛ مهمتها إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا حول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وسيرها. كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال[26].
إن قراءة متأنية ومعمقة في مضامين الوثيقة الدستورية، والمستجدات التي أتت بها لترسيخها في مجتمع، يتطلع إلى تخليق الحياة العامة، وإلى بناء حقيقي يطور منظومة الدولة ويرقى بالفاعلين السياسيين والمدنيين، تظهر جليا أن عمق وفلسفة هذا الدستور والتطبيق السليم له لا يمكن أن ترسخ وتكرس إلا بترسيخ مدرسة مغربية جديدة، تتجسد فيها مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، والجودة للجميع، والارتقاء الفردي والمجتمعي، وذلك من خلال تصحيح وتجاوز الاختلالات الملحة للمنظومة التربوية.
وفي هذا الإطار، جاء على لسان المؤسسة الملكية، في معرض الخطاب الملقى أمام أعضاء مجلسي البرلمان، لدى افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الثامنة: “وأما التحديات التنموية، فإن المحك الحقيقي لنجاعة المؤسسات، بالنسبة للفئات الشعبية، هو مدى قدرتها على إحداث نقلة نوعية في الرفع من مؤشرات التنمية البشرية. ولاسيما من خلال إصلاحات وإنجازات، مقدامة وملموسة، تضع في صلبها تحفيز الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والسكن اللائق، وتعميم التغطية الصحية، والحفاظ على البيئة، وتوفير التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة والابتكار، مفتاح تقدم المغرب.[27]“
وبعد سنة من ذلك، يجدد الملك في خطاب 20 غشت 2012 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، دعوته إلى الانكباب الجاد على هذه المنظومة التي نضعها في صدارة الأسبقيات الوطنية. لأجل ذلك، ” ينبغي إعادة النظر في مقاربتنا وفي الطرق المتبعة في المدرسة، للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه، مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين، إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين… إن الأمر لا يتعلق إذن، في سياق الإصلاح المنشود، بتغيير البرامج أو إضافة مواد أو حذف أخرى، وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمس نسق التكوين وأهدافه”. وعودة على بدء، يؤكد الخطاب الملكي، في نفس المناسبة من سنة 2013، أن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات، والابتعاد عن إخضاع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، بل “يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجع”[28].
نعم، لقد احتلت المسألة التعليمية والتربوية مكانة قيمة وأساسية بين فصول ومقتضيات الدستور الجديد الصادر في فاتح يوليوز2011، وذلك راجع إلى الاقتناع بأن العناية والاهتمام بالأجيال المغربية الناشئة، والتفكير في تزويدها بأكبر ما يمكن من معالم ومعطيات عن حياة العصر، بواسطة العملية التربوية، يأتيان ولا شك في إطار استهداف تحقيق الغاية الاجتماعية القصوى؛ المتمثلة في تجاوز آفة تخلفنا والانتقال إلى مجتمع يحيى في القرن الواحد والعشرين. وهذه العملية التربوية لا يمكن ـ بأي حال ـ بناؤها إلا من خلال التعليم، وعلى أساس فهم طبيعة وشكل المهارات العلمية والفكرية والانفعالية والاجتماعية للعصر، وكذا فهم طرق وكيفيات تحفيزها، والتمكن من تقدير ما تم تحصيله وتعلمه ضوء ذلك.
ومعلوم أن هذا الاهتمام بالمنظومة التربوية التعليمية المغربية، منذ سنة 1999، وهذه الرغبة في إصلاحها، يأتيان بناء على ما عرفته هذه المنظومة في السابق من “انزلاقات” خطيرة على مستوى تحديد الأسس والمنطلقات التي يتوجب بناء التصور التربوي المجتمعي على أساسها، وعلى مستوى تحديد الأهداف التربوية للمدرسة المغربية، وعلى مستوى التدقيق في صيغ وأشكال وطرق الربط بين المدرسة من ناحية وبين تحقيق أهداف المجتمع التنموية من ناحية أخرى، وعلى مستوى تنظيم العملية التربوية داخل فضاءات المدرسة المغربية، وكذا على مستوى قدرة المدرسة بشكل عام على استيعاب مختلف الفروقات الاجتماعية والنفسية للأجيال الصاعدة؛ وهي “انزلاقات” أدت إلى ضرب مقومات ومرتكزات المدرسة الوطنية، كخدمة عمومية مفتوحة ومتوفرة لجميع المغاربة.
وبالرجوع شيئا ما إلى ما قبل دستور2011، نجد أنه قد سبق للميثاق الوطني للتربية والتكوين أن أكد على جعل المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير والفعل أثناء العملية التعليمية التعلمية، والأخذ بعين الاعتبار خصوصياته الفردية داخل جماعة الفصل غير المتجانسة، من أجل العمل على إنجاحه في الحياة وتأهيله للتوافق مع محيطه في كل فترات ومراحل تربيته وتكوينه، وذلك بفضل ما يكتسبه من كفايات ضرورية لإحقاق النجاح والتوافق، ضمن منظومة من القيم الوطنية والعقدية والكونية؛ كالتالي:
“يهتدى نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح، الشغوف بطلب العلم والمعرفة، في أرحب آفاقها، والمتوقد للاطلاع والإبداع المطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع”. كما يضيف: “يلتحم النطام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية، عليها يربى المواطنون، مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص، وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم، متمكنون من التواصل باللغة العربية، لغة البلاد الرسمية، تعبيرا وكتابة، متفتحون على اللغات الأكثر انتشارا في العالم، متشبعون بروح الحوار، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون. “وكذلك “ينطلق إصلاح نظام التربية والتكوين من جعل المتعلم بوجع عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية، وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب، ليصقلوا ملكاتهم، ويكونون متفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة”[29].
المطلب الثاني: حصيلة وآفاق التوجهات الدستورية في مجال التربية والتكوين
تظل قضية تنزيل الدستور بالشكل الديمقراطي المأمول رهينة عدة عوامل؛ تتمثل على مستوى عام في دينامية الممارسة والخطاب لدى مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة، وكذا في مقياس تشبع هذه المؤسسات بالرغبة في تفعيل الدستور الجديد ومدى استعدادها لتطبيق وتنزيل المضامين الدستورية، التنزيل الأنسب والسليم، وتتمثل على مستوى خاص في تحريك الآلة التشريعية بالسرعة الزمنية المعقولة وتفعيلها من خلال آلية سن القوانين، ولعل مسالة إصدار القوانين التنظيمية تتحدد كحلقة هامة من حلقات تنزيل دستور2011 وتكميليه.
ولئن شكل اعتماد هذه الوثيقة الدستورية نقلة نوعية نحو عهد دستوري جديد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واستجابة للتطلعات المعبر عنها عبر الدينامية التي عرفها المجتمع المغربي منذ بداية التسعينيات، وفي سياق التغيرات التي شهدها العالم العربي في خضم ما يوصف بـ”الربيع العربي”؛ فإنها كانت كذلك نتاج مسار إصلاحي تكثف مع اعتلاء الملك محمد السادس عرش المملكة في 23 يوليوز 1999، وتوج بالخطاب الملكي لتاسع مارس 2011، والذي أعلن فيه الملك عن المبادرة الداعية إلى إجراء تعديلات دستورية عميقة وشاملة، أفضت إلى اعتماد دستور جديد بروح توافقية وبمشاورات موسعة بين كل الفاعلين.
وإذا كان التنزيل الديمقراطي لمقتضيات الدستور مسألة صعبة، فإنه عندما يتعلق الأمر بمجال التربية والتكوين قد يكون الوضع أصعب وأعقد، نظرا لحساسية واستعجالية القطاع، ونظرا للعديد من العوامل والمعطيات الأخرى المتداخلة في هذا الإطار. ومن هنا، نتساءل حول منجزات وتنزيل المقتضى الدستوري بخصوص التربية والتكوين (الفرع الأول)، ثم بعدها نتساءل حول محتوى ومضمون الرؤية الجديدة لإصلاح التربية والتكوين وآفاق التعليم بالمغرب (الفرع الثاني).
الفرع الأول: منجزات وتنزيل المقتضى الدستوري بخصوص التربية والتكوين
وكما سبق أن تحدثنا، يعتبر مجال التربية والتكوين من المجالات التي حظيت باهتمام ومكانة خاصة بين مقتضيات دستور2011. أما تنزيل تلك المقتضيات وتنفيذها أو تطبيقها؛ فحسب ما يبدو، فإنها لا تختلف عن المقتضيات المتعلقة بالمجالات الأخرى، حيث منها ما تم تنزيله بشكل كامل، ومنها ما تم تنزيل جزء منه، ومنها ما لم يعرف أي تغيير إيجابي أو توجه نحو الأحسن، بل منها ما دون ذلك؛ فمجال التربية والتكوين مجال ذو طابع شمولي له ارتباطات وعلاقات بنيوية بالعديد من الإصلاحات الأخرى، وبالقطاعات الأخرى. ولما كان هذا الأمر قد يفضي إلى نوع من الارتباك والتداخل ومناقشة مجالات أخرى قد لا يتسع المقام للإحاطة بها، فإنه سيتم التركيز بشكل أساسي على مسألة إحداث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والذي سيساهم وسيعمل بدوره على تنزيل مقتضيات دستورية أخرى، نظرا لما أسند له من اختصاصات وصلاحيات مهمة في هذا الإطار.
وهكذا، وطبقا لأحكام الفصل 168 من الدستور، يتولى المجلس، بصفته هيئة استشارية، مهام إبداء الرأي في كل السياسات العمومية، والقضايا ذات الطابع الوطني، التي تهم ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا بشأن أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين، وسيرها، والمساهمة في تقييم السياسات والبرامج العمومية المرتبطة بها. ولهذه الغاية، يمارس المجلس الصلاحيات التالية[30]:
– إبداء الرأي لفائدة الحكومة والبرلمان، بشأن مشاريع ومقترحات القوانين والقوانين التنظيمية والنصوص التنظيمية، التي يعرضها عليه من أجل ذلك رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين حسب كل حالة، لاسيما مشاريع ومقترحات القوانين التي تضع إطارا للأهداف الأساسية للدولة في ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي؛
– إعداد دراسات وأبحاث بمبادرة منه، أو بناء على طلب من الحكومة، بشأن كل مسألة تهم التربية والتكوين والبحث العلمي أو تتعلق بتسيير المرافق العمومية المكلفة بها؛
– إنجاز تقييمات شمولية أو قطاعية أو موضوعاتية للسياسات والبرامج العمومية في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي ونشر نتائجها؛
– تقديم كل مقترح للحكومة من شأنه: الإسهام في تحسين جودة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين، وضمان إصلاحها، والرفع من مردوديتها، وتطوير أدائها…
إن هذه المطالب تشكل ركائز المدخل الحقيقي لإصلاح المنظومة التربوية التعليمية في المغرب؛ وهو ما يكشف على أن قضية التربية والتعليم في المغرب أصبحت في صلب القضايا التي ينبغي أن تكون موضوع نقاش جامع وبحث ميثاقي، في إطار اجتياز مرحلة انتقالية تقطع مع كل العوامل الرئيسة في الفشل الدائم لمنظومتنا التربوية التعليمية، والتي في مقدمتها صعوبات واختلالات التشريع الإداري التربوي. وتبعا لتلك الجهود، فقد حققت المدرسة المغربية مكتسبات، يتعين توطيدها وتطويرها، ولاسيما منها: تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي؛ التقدم الكمي في تعميم التمدرس؛ إقامة الهياكل المؤسساتية للحكامة اللامتمركزة بتطوير تجربة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين. غير أن واقع هذه المدرسة اليوم، يبين أنها لا تزال تعاني من اختلالات وصعوبات مزمنة، كشف عنها التقرير الذي أعدته الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2014، حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبحث العلمي 2000-2013؛ المكتسبات والمعيقات والتحديات[31]؛ وهي اختلالات ترتبط في عمومها بضعف تماسك وانسجام مكونات المنظومة التربوية، وبمستوى نجاعتها ومردوديتها الداخلية والخارجية، وملاءمة مناهجها وتكويناتها مع متطلبات المحيط، وذات صلة أيضا، بالنقص الشديد في إدماج بنيات مجتمع المعرفة وتكنولوجياته المتجددة، وبمحدودية مواكبتها لمستجدات البحث العلمي وعالم الاقتصاد ومجالات التنمية البشرية والبيئية والثقافية[32].
وإدراكا لكل ذلك، بادر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في سياق التحضير لبلورة رؤية استراتيجية جديدة للإصلاح التربوي، إلى إطلاق مشاورات موسعة شملت الفاعلين في المدرسة، والأطراف المعنية والمستفيدة، والشركاء، والقطاعات المسؤولة عن التربية والتكوين والبحث العلمي، ومن له رأي في الموضوع من الكفاءات الوطنية والخبراء، وذلك بغاية ضمان مشاركة أكبر عدد ممكن من المغاربة في مساءلة الضمير، والتي دعت إليها أعلى سلطة في البلاد، بخصوص واقع المدرسة المغربية واستشراف آفاقها. وهكذا، تم اعتماد هذه الرؤية بفضل عمل جماعي، تجلى في مشاركة نموذجية فعالة لجميع مكونات المجلس، واجتهاد مشترك ومكثف، انخرطت فيه مختلف هيئات المجلس[33].
وتندرج هذه الرؤية في مدى زمني يمتد من 2015 إلى 2030، مع الأخذ بعين الاعتبار، المدى القريب والمتوسط والبعيد، وتستهدف الأجيال الحالية والمقبلة؛ وهي مدة كافية لإنجاز تقييم شامل لسيرورة الإصلاح ونتائجه، مواكب بتقييمات مرحلية للتصحيح والاستدراك والتحسين (ثلاثة تقييمات كبرى على الأقل(. وإذ تقوم هذه الرؤية على توطيد المكتسبات وتطويرها، وإحداث القطائع الضرورية، وابتكار حلول جديدة بمقاربة للتغيير، في إطار الحسم في الإشكاليات العرضانية العالقة، والمزاوجة بين الطموح والواقعية، وبين تحديد الأولويات والتدرج في التنفيذ؛ فإنها تهدف كذلك إلى إرساء وترسيخ مدرسة جديدة، تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص، والجودة للجميع، والارتقاء الفردي والمجتمعي، باعتبارها جميعا أُسسا ناظمة، وغايات مثلى للتربية والتكوين والبحث، على امتداد الخمسة عشرة سنة الجارية.
ويتمثل جوهر الرؤية الاستراتيجية للمجلس، في إرساء مدرسة جديدة؛ قوامها الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة للجميع والارتقاء بالفرد والمجتمع، كما تقدم أسسا وخيارات كبرى ناظمة للإصلاح، وخارطة طريق بمداخل نسقية وبرافعات للتغيير المستهدف، وتواكب التحديات ورهانات تجديد المنظومات التربوية. وانطلاقا مما ذكر، يتضح أنه لا يمكن أن يختلف اثنان على أن للتشريع الإداري التربوي دورا هاما في إنجاح وتفعيل الرؤية الجديدة للإصلاح. ويتجسد ذلك أساسا في العمل من خلال النصوص والمقتضيات الإدارية المختلفة، على تأصيل الثقافة الإصلاحية الفاعلة والداعمة لتحقيق الطموحات المتوقعة، فيما يخص ترجمة أهداف المخطط إلى واقع ملموس. وذلك لأن الأمر يتعلق بمرحلة باتت فيها المنظومة التربوية تواجه الكثير من التحديات، نتيجة للتطورات المتسارعة والتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية، والتقارب بين الدول، بسبب تقدم وسائل الاتصال، مما خلق عبئا أكبر على منظومة التربية والتكوين في تأدية رسالتها من منظور التوقعات المجتمعية، حيث ينبغي أن تكون المدرسة في مستوى التغيرات المحيطة بها وتعمل ضمن المتطلبات التي تمثل حاجة، تلتقي والوضع الحياتي الواقعي المعاصر للفرد، بما يحقق تنشئته التنشئة السليمة. وهذا كله لن يتحقق إلا إذا تضافرت كافة جهود الفاعلين والمتدخلين في العملية التربوية، والعمل على التطوير التربوي ومواجهة تحديات العصر، عبر ترسيخ ثقافة مدرسية فاعلة وميسرة لبروز مختلف الأفكار الإيجابية، المؤدية إلى خلق مشاريع وأساليب تعليمية متطورة، تساهم في تعزيز الانتماء وحب الوطن والتفاني في خدمته لدى التلاميذ وتغرس في نفوسهم المبادئ والأخلاق الفاضلة.
وعبر هذه الثقافة المدرسية، يتجلى دور التشريع الإداري التربوي والإدارة التربوية عموما، بمعناها الشكلي أو بالمعنى الموضوعي[34]. ويتضح مدى دور الإدارة وأهميتها ومن ثم التشريع الإداري، في تكريس وترسيخ وإرساء وانتهاج السبيل الأفضل لوضع الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح موضع التنفيذ وفي السكة الصحيحة، من أجل إحداث التطور المنشود في مختلف جوانبه والارتقاء بمخرجاته التعليمية والتربوية والتكوينية؛ فدور التشريع الإداري التربوي يكمن، في هذه الحالة، ليس في التنظيم والتنسيق والتخطيط والتوجيه والرقابة من أجل الإصلاح فحسب، بل هو الصانع للثقافة الإصلاحية التي تأتي بالتطوير والتجديد والفعالية والنجاعة.
إن الرؤية الجديدة لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب لن تعرف طريقها للتطبيق والممارسة، إلا من خلال مرتكز التشريع الإداري التربوي؛ فالرؤية الجديدة إذا كانت قد جاءت من أجل مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، ومن أجل مدرسة الجودة للجميع، ومن أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع، من أجل ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير، فإن التشريع الإداري هو الأساس والمرتكز والمدخل الأساسي لهذه الأهداف. وفي إطار المفهوم الواسع للتشريع الإداري التربوي، فإن الأمر يتعلق بكل عمل إداري له صبغة قانونية، صادر لتسير وتدبير وإدارة المجال التربوي، سواء كان صادرا عن الوزارة المكلفة بقطاع التربية والتكوين أو مصالحها ومؤسساتها وأجهزتها وهياكلها الإدارية المركزية واللامركزية واللاتمركزية واللاممركزة، أو عن أي إدارة عامة أخرى.
وبعبارة أكثر وضوحا، يمكن القول إن الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي 2015–2030 وسبل التفعيل، إذا كانت في حاجة إلى تظافر العديد من الجهود والمبادرات، انطلاقا من أسس ومرتكزات ومقومات مادية وفكرية؛ فإن التشريع الإداري التربوي، من أهمها وأجدرها وأكثرها مكانة وأهمية لهذا الموضوع، ذلك لأن الإصلاح التربوي بالمنظور الذي جاءت به الرؤية الاستراتيجية الجديدة، لا يمكن تحقيقه دون تشريع إداري؛ فهو الذي يحدد الاختصاصات النوعية والمكانية، كما تتبلور فيه مستويات وطرائق وحدود المساهمات والمبادرات في الإطار العام والخاص؛ فإذا كان التشريع الإداري هو مجموع من القواعد التي تنظم العلاقات الإدارية التربوية، فإنه يهدف أساسا إلى خلق جو تتفاعل فيه العطاءات في نظام وانضباط واستقرار، إذ لا يمكن للإصلاح أن يعطي ثماره ويحقق أهدافه دون وجود تشريع إداري في المستوى المطلوب[35].
نعم، توجد منظومة التربية والتكوين اليوم في مفترق الطرق؛ فبعد انصرام عشرية الإصلاح، والتي بصمها تطبيق مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وما تلاه من إنجاز مشاريع البرنامج الاستعجالي الذي اعتبر آنذاك كنفس جديد لتسريع وثيرة الإصلاح، مازالت المدرسة المغربية محط تساؤل من طرف الجميع؛ فرغم المجهودات المهمة المبذولة، ماليا وماديا وبشريا، فإن النتائج المحققة تبقى جد متواضعة، بحيث إنها لم ترق بعد إلى الطموحات والآمال والتطلعات المعلقة على المدرسة المغربية، باعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، تسعى لإعداد مواطنات ومواطني المستقبل؛ فالمنظومة التربوية مازالت تعاني من مجموعة من التعثرات والاختلالات، وقف عليها مؤخرا التقرير التحليلي الذي أعدته الهيئة الوطنية للتقییم سنة 2014 حول “تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2013-2000: المكتسبات والمعيقات والتحديات” ، حيث رصد أوجه قصور عدة، ترتبط بضعف تماسك وانسجام مكونات المنظومة التربوية، وبمستوى نجاعتها ومردوديتها الداخلية والخارجية، وملائمة مناهجها وتكويناتها مع متطلبات المحيط[36].
وعموما، ومما لا شك فيه أن متطلبات دينامية النمو والتطور المتسارع تستدعي بين الفينة والأخرى عملية التدخل الإصلاحي للإدارة التربوية؛ فالمستجدات المتدفقة، والأدوار الجديدة للمؤسسة التربوية، كلها عوامل ألقت بظلالها على هذه الإدارة، وفرضت عليها الانسياق وفق الصيرورة الطبيعية للتطور، من خلال تصحيح مسارها وتحيين آلياتها. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار توجهات الميثاق الوطني للتربية والتكوين[37] وما تلاه من منتديات للإصلاح، أحد أوجه هذا المسار التصحيحي. وإذا كان مفهوم الإصلاح أو التصحيح يحيل على وجود وضع مأزوم، فإنه يحق لنا أن نتساءل عن مظاهر هذه الأزمة في إدارتنا التربوية وعن ماهية الاختلالات والعوائق التي تحد من فعاليتها، لعلنا، ونحن نضع تشخيصا للاختلالات والانحرافات، أن نهتدي إلى طرق تصحيحها ومعالجتها.
ويقوم النموذج البيداغوجي والتكويني الذي يقترحه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في رؤيته الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015- 2030، على مقومات التنوع والانفتاح والملاءمة والابتكار. إذ لا يمكن لجودة التربية والتكوين أن تتحقق دون الإعمال الفعال والملائم للنموذج البيداغوجي، باعتباره جوهر عمل المدرسة بمختلف مكوناتها، وأساس اضطلاعها بوظائفها في التربية والتعليم والتكوين. وانطلاقا من ذلك، اشتملت الرؤية المستقبلية للإصلاح على مشاريع ذات أولوية، استهلت الوزارة مباشرة إنجازها، ابتداء من السنة الدراسية 2014-2015. وباختصار شديد، فقد لامست الرؤية الاستراتيجية للإصلاح الإشكالية الأساسية التي كانت سبب فشل مختلف المشاريع الإصلاحية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال[38]، والتي كانت تستهدف قشور وشكليات المنظومة التربوية، دون الغوص في عمقها، وإغفالها التركيز على ممكنات التنفيذ الإداري لإصلاح منظومة التربية والتكوين، والذي يفترض أن يكون هو المستهدف الأساسي والأول من أي عملية إصلاحية[39].
إن أول ما ينبغي الإشارة إليه، هو أن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية، جاءت كنتيجة حتمية لتصور المؤسسة الملكية، والمتضمنة في بعض الخطابات، التي أفردت حيزا مهما لأزمة التربية والتكوين تشخيصا واستشرافا وتحليلا وتوجيها. وتنفيذا لمضامين الدعوة الملكية الموجهة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية، (أكتوبر 2014) التي أناطت بالمجلس مهمة وضع خارطة طریق واضحة ودقيقة لإصلاح المدرسة المغربية والرفع من مردوديتها[40].
إنه ومن خلال قراءة الرؤية الاستراتيجية، يتضح أنها حاولت الإجابة على الإشكاليات الأساسية والكبرى المتعلقة بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي (الإنصاف، الجودة، الحكامة…) بمنطق جديد؛ قوامه الدقة والشمولية والتعمق في التحليل والتشخيص، أفقيا وعموديا، وبمعالجة تطبعها الواقعية والجرأة في التفكير والتدرج والمرونة في التنفيذ، حيث إنها قاربت المعضلات التربوية الكبرى، في أبعادها الاستراتيجية ومستوياتها المتعددة؛ وهذا ما يظهر جليا من خلال المقتضيات والمستلزمات الواردة في رافعاتها الثلاثة والعشرون. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار الرؤية الاستراتيجية في العمق قطيعة مع الإصلاحات التربوية السابقة، وعلى رأسها المیثاق الوطني للتربیة والتكوین، بوصفه نموذج إصلاحي، لا یزال یمثل الإطار المرجعي للإصلاح، مع ما یقتضيه من ملاءمات وتطویر، بل هي امتداد له وإعادة إحياء لمجموعة من مقتضياته، مع ما تتطلبه بعض مقتضياته من ملائمة ومراجعة وتنقيح، استجابة للمستجدات والتغييرات الطارئة.
الفرع الثاني: الرؤية الجديدة لإصلاح التربية والتكوين وآفاق التعليم بالمغرب
لقد حاولت الرؤية الاستراتيجية، من خلال ثلاثة وعشرين رافعة، مقسمة إلى أربعة فصول من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، الإجابة على مجموعة من الإشكاليات التربوية المؤرقة، مؤكدة على ضرورة الإصلاح والرقي بالعديد من الجوانب المتعلقة بقطاع التربية والتكوين. ولا شك أن في مقدمة تلك الجوانب والمكونات، مسألة النهوض بالإطار التنظيمي والمؤسساتي لقطاع التربية والتكوين، والمرتبطة أساسا بمسألة التشريع الإداري؛ فقد أكدت الرؤية على ضرورة إعادة الاعتبار للتعليم الأولي من خلال العمل على تعميمه وتجديد هيكلته وتنظيمه وجودته؛ كما تضمنت مبدأ التمييز الإيجابي للتعليم بالوسط القروي، من خلال الانتقال من منطق تشتت الفرعيات والمجموعات المدرسية التي تفتقد إلى أدنى مواصفات الجودة إلى إرساء نموذج المدرسة الجماعية.
إضافة إلى ذلك، أوصت الرؤية بتمكين المتعلمة والمتعلم من استدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي، والاندماج الفردي، عبر الاهتمام بتطوير المهارات الذهنية واليدوية والفنية، وتنمية الإبداع والابتكار في المناهج التعليمية، من أجل الاكتشاف المبكر للميولات المهنية. وإلى جانب ذلك، تمت الإشارة وبإلحاح وتأكيد إلى ضرورة مأسسة الممرات والجسور بين مختلف أطوار وأنواع التربية والتعليم والتكوين، من أجل تحقيق مزيد من التنويع والتكامل والتنسيق في التكوين والتأهيل، ومن أجل تمكين المتعلمين من أكبر حركية في التوجيه وإعادة التوجيه والمتابعة المواظبة للمسار الدراسي والتكويني لأطول مدة ممكنة، وتكريس اختيار المشروع الشخصي، والرفع من مستوى التأهيل والإشهاد والقابلية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي[41].
ولا شك أن هذا الأمر يتطلب جودة في التشريع الإداري التربوي، وحكامة قانونية ناجعة وفعالة في النصوص القانونية الموجودة، حيث تطرح في هذا الإطار إشكالية مدى ملاءمة المقتضيات والمبادئ القانونية الموجودة لروح وعمق الرؤية الاستراتيجية للإصلاح. وبالرجوع إلى الإطار القانوني المؤطر لقطاع التربية والتكوين، نجد أنه عبارة عن ترسانة قانونية متنوعة متعددة ومتضخمة كما وكيفا؛ فإلى جانب الظهائر والقوانين والمراسيم والقرارات، هناك العديد من المناشير والدوريات والمذكرات لتفسير وشرح وتوضيح المقتضيات والمبادئ والقواعد القانونية، ولتكملة وتعويض النقص الذي تكشفه الممارسة التربوية والتدبير الإداري وتصريف الشؤون والأجرأة اليومية للتعليم.
ومن هنا؛ ومادامت النصوص القانونية المؤطرة لإدارة التعليم، أو ما يسمى بالتشريع الإداري التربوي، تعرف كل هذا التضخم وكل هذا الشتات في النصوص والمقتضيات، فإن وضع الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح موضع التنفيذ لن يكون بالمسألة السهلة، ولن يتم قبل العمل بداية على ملاءمة التشريع الإداري التربوي مع مختلف متطلبات الإصلاح، ومع مستلزمات الحكامة التربوية. ولعله من أجل ذلك، أصدرت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني مذكرة إطار، تهدف إلى تحديد الإطار المرجعي للتدابير ذات الأولوية وإدراجها في سياق التصور الشمولي الناظم لها، بما سيحافظ لها على تكاملها وترابط مكوناتها؛ وهي تتكون من تسعة محاور، ويتناول المحور السابع مسألة الحكامة، من خلال ثلاثة معطيات، تندرج ضمن جوهر التشريع الإداري التربوي؛ وهي تدبير المؤسسات التعليمية واللامركزية الفعلية، والنظام الأساسي الخاص بموظفي التربية الوطنية[42].
- تدبير المؤسسات التعليمية، تعزيزا لقدراتها التدبيرية؛
- تكريس اللامركزية الفعلية؛
- تجويد النظام الأساسي الخاص بموظفي التربية الوطنية، وذلك بغرض إعداد نظام ملائم للمهن، يمكن من تدبير محكم للموارد البشرية.
وتوضح المذكرة الإطار، البعد الإجرائي للتدابير ذات الأولوية التي ستغطي في مجملها، الفترة ما بين 2015 و2018، من خلال تسطير الوزارة لبرنامج إجرائي مندمج؛ يتمحور حول مجموعة من التدابير تكتسي صبغة الأولوية[43]. ويمكن عبرها تحقيق هدف مزدوج الأبعاد؛ يسعى من جهة، إلى معالجة مجموعة من الإشكالات الملحة وذات الراهنية التي لا تقبل التأجيل أو التأخير في المعالجة؛ كمسألة التشريع الإداري، ويسعى من جهة ثانية، إلى توفير الشروط الضرورية للانخراط في الإصلاح الشمولي والعميق للمدرسة المغربية، على المديين المتوسط والبعيد، والذي يتأسس على مرجعية الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي 2015-2030، على اعتبار أن التدابير ذات الأولوية تعتبر مدخلا عمليا لتفعيل رافعات التغيير التي تضمنتها هذه الرؤية.
وكشفت المذكرة الإطار كذلك، عن المقاربة التدرجية في أجرأة التدابير ذات الأولوية التي يتم تفعيلها، انطلاقا من مرحلتين أساسيتين؛ مرحلة أولى تمهيدية، تتم فيها أجرأة التدبير على نطاق محدود، في شكل عمليات نموذجية، تطبق على مستوى عينة من المؤسسات التعليمية والنيابات الإقليمية، يتم تتبعها طيلة مرحلة الأجرأة الفعلية، وإجراء تقويم أولي لها، من حيث مقاربات وآليات تفعيلها والصعوبات والإكراهات التي قد تعترضها، وكذا النتائج الأولية التي ستسفر عنها. وهناك مرحلة ثانية، سيتم فيها توسيع تطبيق التدبير وتعميم أجرأته على الصعيد الوطني، بعد إدراج التصويبات والاستدراكات والتحسينات الضرورية التي تثبت العمليات النموذجية الحاجة إليها، بما من شأنه تعزيز فرص نجاح هذا التدبير.
وحسب الخطوط العريضة للمشروع، والتي اتضحت لحد الآن، فإن هذه الرؤية المستقبلية لإصلاح قطاع التربية والتكوين بالمغرب تقوم على تسع محاور ذات أولوية؛ وتهم بالأساس التمكن من التعليمات الأساسية واللغات الأجنبية، وتثمين التكوين المهني ودمجه في التعليم العام، وتعزيز الكفاءات والتفتح الذاتي، وتحسين العرض المدرسي، والتأطير التربوي، وتعزيز الحكامة، وتحقيق الاندماج بين التربية الوطنية والتكوين المهني، وتخليق المدرسة الوطنية، وتعزيز تنافسية المقاولة في مجال التكوين المهني. وعلى هذا الأساس، ولما كان التشريع الإداري مكون أساسي وجوهري في منظومة التربية والتكوين[44]، فإن السؤال المطروح وبإلحاح في هذا المجال، هو كالتالي: كيف يمكن ملاءمة التشريع الإداري التربوي مع متطلبات الرؤية الدستورية الجديدة لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب؟
إنه وعلى الرغم من أن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية تحدد الاتجاهات العامة لمدرسة المستقبل وتركز على الخيارات والتوجهات الأساسية لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتشكل بهذا، الأساس النظري الذي يؤطر عملية وضع الاستراتيجيات والخطط الإجرائية، يبقى السؤال الجوهري المطروح هو؛ كيف يمكن تحويل رافعاتها إلى خطط استراتيجية قطاعية؟ أو بعبارة أخرى؛ ما هي السبل الكفيلة بترجمتها إلى خطط استراتيجية، تشكل العمق التنفيذي للسياسات العمومية وتقترح الحلول والبدائل الممكنة، من خلال وضع خارطة طريق تحدد الرؤى والرسالة والأهداف والمرامي الاستراتيجية لمدرسة المستقبل؟ وما الذي ينبغي أن يتم في مجال التشريع الإداري التربوي لبلوغ الأهداف المرغوبة والمنشودة؟
إن الجواب سهل والحل أسهل، إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لدى مختلف الفاعلين والمعنيين بمجال التربية والتكوين؛ فحكامة التشريع أو ما يصطلح عليه بحوكمة التشريع الإداري التربوي هي الحل – في اعتقادنا- وذلك تماشيا مع مقتضيات الدستور الجديد، وتماهيا مع عمق الرؤية الجديدة لإصلاح منظومة التعليم. وهذا يحتاج إلى حبك دقيق لمجموع النصوص القانونية المتعلقة بمنظومة التربية والتكوين، من أجل الوصول إلى منظومة قانونية في مستوى الرهانات المنتظرة على المستوى الوطني والجهوي والترابي؛ فالفاعل السياسي والجمعوي وحتى الإعلامي، أصبح مطالبا اليوم ببذل قصارى جهده، ليكون مؤطرا وفاعلا في الحياة السياسية المغربية، وفي مستوى تطلع الفئات العريضة من المواطنين، الواعية بحقيقة الوضع الراهن للبلد. ولا شك أن هذا الأمر يحيلنا إلى مفهوم الحكامة وما يحتويه من وسائل وأليات ومكانيزمات للتحليل والتفكير والتأمل، من أجل النهوض والارتقاء بالتشريع الإداري التربوي.
ومما لا شك فيه، فإن الرؤية الاستراتيجية تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف والمرامي والغايات التربوية المنشودة؛ ومنها الحرص على امتلاك المتعلمات والمتعلمين الكفايات المرجوة، والعمل على تمكين الخريجين من النجاح في الحياة والاندماج في النسيج الاقتصادي وسوق الشغل. وعلى مستوى الأهداف والمرامي الإستراتيجية لمنظومة التربية والتكوين، سطرت الرؤية مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الجديدة وعلى رأسها، الانتقال بالتربية والتكوين والبحث العلمي، من منطق التلقين والشحن والإلقاء السلبي أحادي الجانب، إلى منطق التعلم الذاتي، والتفاعل الخلاق بين المتعلم والمدرس، في إطار عملية تربوية، قوامها التشبع بقيم المواطنة الفعالة، واكتساب اللغات والمعارف والكفايات والقيم، فردية وجماعية وكونية، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، ورفع تحدي الفجوة الرقمية.
وهنا، يحيلنا الأمر إلى أهمية تجويد الصياغة القانونية، لمختلف النصوص التي تشكل الإطار والسند والمنطلق والمرتكز الجوهري والأساسي للإدارة التربوية؛ فالنص القانوني، وإن كان عبارة عن مواد جامدة، لا يمكن أن تغير شيئا بسهولة إلا إذا أحسنت يد الإنسان تطبيقها؛ فهي تشكل الأرضية والحجر الأساس في الإصلاح التربوي. ولا شك هنا أن الاهتمام بمسألة الصياغة القانونية ليس مجرد اعتناء بالجانب الشكلي والإجرائي، إنما الهدف منه هو الوصول إلى تطبيق دولة القانون والحكم الراشد، من خلال سن تشريع جيد ومتطور، في منتهى الوضوح والدقة في الصياغة، منسجما مع الدستور وغير متعارض مع القوانين الأخرى، مفهوم عند عامة الناس وقابل للتطبيق. وتعد نوعية الصياغة التشريعية مكونا هاما من مكونات الإدارة التربوية الرشيدة، لما لها من أثر على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد.
ومسألة الوضوح في الصياغة القانونية لها مفهوم ضيق ومفهوم واسع؛ فإذا كان المعنى الضيق يشمل المعنى السابق، حيث يعني صياغة النصوص القانونية من طرف المشرع بشكل واضح ودقيق ومفهوم عند متوسط عامة الناس، فإن الوضوح بالمعنى الواسع يعني أن تتسم الصياغة القانونية أو الكتابة القانونية بالدقة والوضوح والعرض المحكم، وتراعي القواعد العامة في اللغة العربية، وتجنب استخدام الكلمات القديمة أو غير المستخدمة. ومما يشوب هذه الصياغة وجود خلل، أو خطأ، أو غموض، ينجم عنه إرباك القاعدة القانونية أو الرأي الفقهي أو الحكم القضائي، وعلى المشرع مراعاة هذا الجانب في عمله القانوني، كي تكون القاعدة واضحة، والفكرة جلية، والرأي مفهوم[45].
وتبعا لهذا، ومن أجل وضوح التشريع الإداري التربوي، قصد بلورة وتفعيل وتحقيق أهداف ومقاصد الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، بات لا بد من أن تتوفر في منظومة التربية والتكوين شروط الوضوح والدقة والبيان في صياغة القواعد القانونية، سواء كانت تلك القواعد مصاغة في شكل قواعد دستورية أو قانون تنظيمي أو ظهير أو قانون أو مرسوم أو مقرر أو قرار أو منشور أو مذكرة أو دورية أو غيرها؛ فالوضوح والدقة في صياغة التشريع الإداري التربوي سيغلق الباب على كل شرح أو تفسير أو تأويل للقاعدة التشريعية في غير ما يحقق الصالح العام، ومن ثم، سيتم ضمان الحد الأدنى من حسن تنفيذ رافعات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي.
وعلى صعيد أخر، ولما كان الوضوح في الصياغة القانونية وحده لا يضمن جودة التشريع الإداري التربوي، من أجل أن يتلاءم مع متطلبات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح –على اعتبار أن المحدد الأساسي هي التطبيق والممارسة- فإنه لا بد من التأكيد على ضرورة النهوض بمستوى المؤسسات الفاعلة والمعنية بالإصلاح؛ وهي على التوالي الإدارة المركزية لقطاع التربية والتكوين، والأكاديميات الجهوية، والنيابات، إلى جانب المدارس، بما في ذلك المدارس الابتدائية والإعداديات والثانويات. وبالحديث عن هذه المؤسسات الفاعلة والمعنية برافعات الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح، يتبادر إلى الذهن العنصر الذي يشكل القلب النابض لها؛ وهو العنصر الآدمي، أو ما يسمى بلغة التدبير الحديثة بالموارد البشرية؛ فلا إصلاح بدون موارد بشرية في المستوى المطلوب، ولا حكامة بدون موارد بشرية مؤهلة وذات كفاءة وخبرة وإرادة في مستوى ما جاءت به الرؤية الجديدة لإصلاح التعليم 2015-2030. وعلى هذا الأساس، يمكن القول بنوع من التأكيد أن المنطلق الأساسي لتجويد التشريع الإداري التربوي، قصد إنجاح التدابير ذات الأولية للدخول في التطبيق التدريجي والتراكمي للرؤية الجديدة حول إصلاح التعليم؛ هي النهوض بالموارد البشرية تكوينا وتعليما وتحفيزا وتأهيلا.
وقد تعددت مفاهيم التكوين، ورغم اختلافها، تبقى تصب في مجرى واحد، يهدف أساسا إلى تنمية المهارات والقدرات والسلوكيات لدى الأفراد، ويفيد إذن أنه “عملية منظمة ومستمرة تكسب الفرد معرفة أو مهارة أو قدرة لازمة لأداء وظيفة معينة أو بلوغ هدف محدد”[46]؛ ويعتبر كذلك “عملية تعديل إيجابي لسلوك الفرد من الناحية المهنية أو الوظيفية، وتستهدف إكسابه المعارف والخبرات والاتجاهات المناسبة للوظيفة التي يشغلها، لتحسين مستوى أدائه”[47]؛ كما يفيد “عملية تلقين بعض المعارف والأعمال الإدارية للطلبة المكونين قصد تأهيلهم لممارسة الوظائف العمومية مستقبلا”[48]؛ وهو بالإضافة إلى ذلك “تطوير مستمر لمعارف ومهارات الموظفين القدامى وتحسين سلوكهم من أجل الرفع من مستوى إنتاجيتهم، وبالتالي إنتاجية الإدارة”[49]؛ وهذا يعني أن التكوين الإداري يشمل التكوين الأساسي، قبل ولوج الوظيفة العمومية واستكمال التكوين خلال ولوجها؛ فانطلاقا من هذه التعاريف، تكمن أهمية التكوين في تنمية الموارد البشرية بالمنظمات، لأنها تعتبر العنصر الحيوي في العملية الإنتاجية، وفي ضوئها تتحدد باقي عناصر الإنتاج، والجدير بالذكر أن التكوين الإداري ليس هدفا في حد ذاته، بل هو وسيلة لبلوغ هدف معين؛ ألا وهو الرفع من كفاءة ومردودية الموظف، وبالتالي الرفع من مردودية الإدارة ككل؛ فقوة الإدارة وكفاءتها أصبحت تقاس حاليا بمدى كفاءة وفعالية مواردها البشرية، واكتساب هذه الميزة لا يتأتى إلا عن طريق التوظيف الصحيح والتكوين الفعال والهادف؛ فإذا كان التعليم يوفر الأساس الذي يمكن أن ينطلق منه الفرد، فإن التدريب يأتي ليستكمل ما بدأه التعليم[50].
وإلى جانب ما سبق، فإن مبدأ التتبع والتقييم يعتبر، بالنسبة لقطاع التربية والتكوين، من المبادئ الرقابية المهمة، والتي ينبغي تشجيعها والاهتمام بها باستمرار، وذلك لاعتبارات متعددة، حيث أن التتبع والتقييم قد يمكن من تقويم وتدارك الأخطاء والاختلالات التي تتخبط فيها الإدارة التربوية بشكل أكثر دقة وملاءمة واستعجالية. والتقييم كمبدأ علمي قد يفيد، وفضلا عن ذلك، في قياس مدى قدرة القرارات المتخذة محليا، على حل المشاكل والإشكالات والمتطلبات التنموية المطروحة، بالاعتماد على المؤشرات والمعايير التقييمية نفسها. والتقييم أيضا كمدخل للحكامة الجيدة، إذا تم اعتماده على المستوى الممارساتي بالجدية والدقة المطلوبة؛ فهو أداة ووسيلة لتحسين القدرة على الإنجاز العمومي التربوي بنجاعة، وإن كان محكوما بالوسائل والنتائج المراد بلوغها. ومن خلال التقييم كذلك، سوف يتم الخروج الدوري والسنوي بمجموعة من التوصيات والاقتراحات والملاحظات، التي من شأنها تفادي الأخطاء والاختلالات والانحرافات المكشوفة[51].
إن الآمال المعقودة على الفاعلين السياسيين والإداريين في تفعيل مقتضيات الدستور من أجل مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء، أمال كبيرة وحاسمة؛ فلا يمكن أن يتحقق الإصلاح بدون تسيير إداري، يتسم بقدر أكبر من العقلانية ووفق ما تتطلبه التوجهات الأساسية لتعليم يريد أن يكون بوابة نحو الحداثة والجودة والحكامة ومجتمع العولمة. ومن أجل بلوغ المقاصد، ينبغي على مستوى بنية الإدارة التربوية حقنها أولا بدماء جديدة؛ أي الارتقاء بمواردها البشرية، وذلك بتغذيتها بكفاءات قادرة على الإنتاج، بالإضافة إلى توزيع الأدوار وتحديد المهام بشكل دقيق، مع توسيع لدائرة التفاعل والتكامل والتنسيق، ضمن أجواء الثقة وسيادة روح الإحساس بالمسؤولية؛ ويبدو أن كل ذلك ممكن التحقيق، إذا ما توفرت الإرادة والعزيمة والرغبة الذاتية والوسائل المادية التي تشكل البنيات التحتية الملائمة والموفرة لشروط العمل المنظم.
[1]– دستور فاتح يوليو 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91، الصادر في 27 من شعبان 1432، الموافق ل 29 يوليو 2011، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، الصادرة في 28 شعبان 1432، الموافق ل 30 يوليو 2011، ص 3600.
[2]– الخطاب الملكي الملقى بمناسبة تخليد الذكرى التاسعة والخمسين لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2012.
https://www.diplomatie.ma/arab/Discours Royaux 09-02-2016.
[3]– لقد أحدث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بموجب القانون رقم 105.12 الصادر بتاريخ 16 ماي 2014، وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 168 من الدستور، ليحل محل المجلس الأعلى للتعليم (الذي كان قد أعيد تنظيمه سنة 2006 بموجب الظهير الشريف رقم 1-05-152).
[4]– الخطاب الملكي الملقى بمناسبة تخليد الذكرى التاسعة والخمسين لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2012، المشار إليه سابقا.
[5]– الخطاب الملكي الملقى بمناسبة تخليد الذكرى الستين لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2013.
http://www.men.gov.ma/Lists/Pages/orientations_royales_ar.aspx 09-02-2016.
[6]– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، التوجيهات الملكية من أجل الارتقاء بمنظومة التربية والتكوين من 1999 إلى 2013.
http://www.men.gov.ma/Lists/Pages/orientations_royales_ar.aspx.
[7]– خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الثالثة، يوم الجمعة 08 أكتوبر، 1999. .23-02-2016 http://www.maroc.ma/ar/%D8%A7%D9%
[8]– مقنطف من الخطاب الملكي الموجه الى الأمة بمناسبة عيد العرش في 30 يوليوز، 2000.
http://www.maroc.ma/ar/%D9%86%D8 2016-02-23.
[9]– مقنطف من الخطاب الملكي الموجه الى الأمة بمناسبة عيد العرش في 30 يوليوز، 2000، المشار إليه سابقا.
[10]– مقنطف من خطاب الملك بمناسبة الذكرى الخامسة لعيد العرش، 30 يوليوز، 2004.
http://www.maroc.ma/ar/%D8%AE%D8% 23-02-2016
[11]– مقتطف من خطاب الملك بمناسبة الذكرى السادسة لعيد العرش، 30 يوليوز، 2005.
23-02-2016 http://www.maroc.ma/ar/%D8%AE%D8%
[12]– خطاب الملك ليوم الخميس 14 سبتمبر، 2006 بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم بمناسبة انطلاق الموسم الدراسي 2006 /2007.
http://www.maroc.ma/ar/%D8%AE%D8 23-02-2016.
[13]– مقنطف من خطاب الملك بمناسبة الذكرى السادسة لعيد العرش، 30 يوليوز، 2010.
. 23-02-2016 http://www.maroc.ma/ar/%D9%86%D8%B5
[14]– المرسوم رقم 2.02.382، الصادر 6 جمادى الأولى 1423، الموافق ل 17 يوليو 2002، بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5024، الصادرة بتاريخ 14 جمادى الأولى 1423 الموافق ل 25 يوليوز 2002، ص 2131.
[15]– القانون رقم 07.00، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.00.203 الصادر في 15 من صفر 1421 الموافق 19 ماي 2000، القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، الصادر بالجريد الرسمية عدد 4798، بتاريخ 21 صفر 1421، الموافق ل 25 ماي 2000، ص 1191.
[16]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013، المكتسبات والمعيقات والتحديات، دجنبر2014. http://www.csefrs.ma/pdf/R_analytique_ar.pdf
[17]– القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.199 الصادر في 15 من صفر 1421 الموافق ل 19 ماي 2000، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 4798، الصادرة في 21 صفر 1421، الموافق ل 25 ماي 2000، ص 1194.
[18]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013، المكتسبات والمعيقات والتحديات، دجنبر 2014، المشار إليه سابقا، ص 50.
[19]– عبد اللطيف المودني”المدرسة المغربية ومسارات التربية على القيم المشتركة”، مقال منشور بمجلة “دفاتر التربية والتكوين”، العدد 5 شتنبر 2011، تحت عنوان “المدرسة المغربية والتربية على القيم في مجتمع قيد التحول”، منشورات المجلس الأعلى للتعليم، إنجاز وطبع مكتبة المدارس، ص من 8 إلى 18.
[20]– عمر الأزمي الإدريسي “قيم المواطنة بين مقتضيات الدستور ورهانات مدرسة المستقبل”، مقال منشور بمجلة “دفاتر التربية والتكوين”، العدد 5 شتنبر 2011، تحت عنوان “المدرسة المغربية والتربية على القيم في مجتمع قيد التحول”، منشورات المجلس الأعلى للتعليم، إنجاز وطبع مكتبة المدارس، ص من 19 إلى 27.
[21]– عبد الاله مرتبط “المدرسة المغربية ومطلب ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني: التجليات والتحديات”، مقال منشور بمجلة “دفاتر التربية والتكوين”، العدد 5 شتنبر 2011، تحت عنوان “المدرسة المغربية والتربية على القيم في مجتمع قيد التحول”، منشورات المجلس الأعلى للتعليم، إنجاز وطبع مكتبة المدارس، ص 34.
[22]– تصدير دستور فاتح يوليوز 2011 المشار إليه سابقا.
[23]– “وتنطوي صياغة حقوق وحريات أخرى على تناقضات؛ فالفصل 19 مثلا يرسخ المساواة بين المرأة والوجل، ولكنه يضيف أنها تتم في سياق مراعاة ثوابت المملكة، ومن أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرح هي كيف يمكن ضمان الحقوق المصرح بها أعلاه. إذ يبدو مثلا أن الحق في الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتعليم العصري والتكوين المهني والعمل والسكن اللائق والوصول إلى الوظائف العمومية … تتوقف كلها على موارد الفرد وقدرته على تحقيقها، بدلا من النتائج القابلة للتحقيق على حساب الدولة والمؤسسات العمومية والسلطات المحلية”. محمد مدني، إدريس المغروي، سلوى الزرهوني “دراسة للدستور المغربي للعام 2011″، منشورات المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، ص 20.
[24]– وتجدر الإشارة هنا، أن “إشكالية النظام التعليمي ينطلق من علاقة رباعية الأبعاد: التعليم، المجتمع، التغير الاجتماعي، التنمية، إيمانا منا أن أي عملية إصلاح إلا وتحيل على نموذج للتغير الاجتماعي، ومن ثم إلى نموذج للتنمية”. محمد الأشهب “جدلية المدرسة والمجتمع: قراءة في العوائق الاجتماعية للإصلاح التربوي”، مقال منشور بمجلة “المدرسة المغربية”، العدد 6 فبراير 2014، تحت عنوان “المدرسة: الأدوار والوظائف”، منشورات المجلس الأعلى للتعليم، إنجاز وطبع مكتبة المدارس، ص 11-12.
[25]– وهذا يندرج في إطار الاستمرارية مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث جاء في القسم الأول المبدأ السادس عشر أنه يجب “على الآباء والأولياء الوعي بأن التربية ليست وقفا على المدرسة وحدها، وبأن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تؤثر إلى حد بعيد في تنشئة الأطفال وإعدادهم للتمدرس الناجح، كما تؤثر في سيرورتهم الدراسية والمهنية بعد ذلك”. المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص 8-15.
01-03-2016 min ; 18:35 http://www.fpj.ucd.ac.ma/images/…/Docs/…/charte_arabe.doc
[26]– الفصل 168 من دستور فاتح يوليوز 2011، المشار إليه سابقا.
[27]– مقتطف من نص الخطاب الذي ألقاه الملك يوم الجمعة 14 أكتوبر 2011 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الثامنة.
http://www.parlement.ma/ar/%D9%86%D8%B5 02-03-2016.
[28]– الخطاب الملكي الملقى بمناسبة تخليد الذكرى الستين لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2013، المشار إليه سابقا.
[29]– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المشار إليه سابقا، ص 8-15.
[30]– القانون رقم 105.12 المتعلق بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الصادر بتنفيذه الظهـير الشريف رقم 1.14.100، الصادر في 16 مــن رجب 1435 الموافق ل 16 ماي 2014، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6257، الصادرة بتاريخ 19 رجب 1435 الموافق ل 19 ماي 2014، ص 4564.
[31]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013؛ المكتسبات والمعيقات والتحديات، دجنبر 2014.
http://www.csefrs.ma/pdf/R_analytique_ar.pdf.
[32]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: من أجل مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء، رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030، خارطة طريق لاستراتيجية إصلاح المدرسة المغربية، تقرير ناتج عن سلسلة من اللقاءات الجهوية حول الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، التي نظمها المجلس من 2 نونبر إلى 14 دجنبر، تحت إشراف رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، السيد عمر عزيمان، حول موضوع “الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي 2015 – 2030 وسبل التفعيل”.
http://www.csefrs.ma/pdf/Vision_VF_Ar.pdf.
[33]– “شعبي العزيز، في سياق الإصلاحات التي دأبنا على القيام بها من أجل خدمة المواطن، يظل إصلاح التعليم عماد تحقيق التنمية، ومفتاح الانفتاح والارتقاء الاجتماعي، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق. لذا، ما فتئنا ندعو لإصلاح جوهري لهذا القطاع المصيري، بما يعيد الاعتبار للمدرسة المغربية، ويجعلها تقوم بدورها التربوي والتنموي المطلوب. ولهذه الغاية، كلفنا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتقييم تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وبلورة منظور استراتيجي شامل لإصلاح المنظومة التربوية ببلادنا”. أنظر خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لعيد العرش سنة 2015.
http://www.maroc.ma/ar/search?Newwindow=1&q 09-02-2016.
[34]– ويتحدد مدلول الإدارة العامة بمعيارين؛ أولهما مادي: ويتمثل في تنظيم الإدارة وعملها القانوني (القرارات والعقود)، تنفيذا للنصوص والمقتضيات القانونية، كيفما كانت طبيعتها (دستورية، تشريعية، تنظيمية، المبادئ العامة للقانون…) والسعي لإشباع الحاجات العامة. وثانيهما عضوي: يتمثل في الهيئات القائمة على هذا التنظيم والعمل والتي تتضمن الجهاز الإداري، بدء من رئيس الحكومة والوزراء الي أصغر منسوبي الإدارة المحلية. هذا، ناهيك عن كل تصرف لشخص من أشخاص القانون الخاص، عندما يكون متمتعا بامتيازات السلطة العامة في ذلك الصرف. الأعرج محمد “القانون الإداري المغربي”، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 66 مكرر 2010، ص 25-26.
[35]– خالد المير وإدريس قاسمي “المدرس والقانون الإداري”، سلسلة التكوين الإداري التربوي، العدد 14، نشر وتوزيع دار الاعتصام، ص 12.
[36]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013؛ المكتسبات والمعيقات والتحديات، دجنبر 2014، المشار إليه سابقا.
[37]– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الدعامة الخامسة عشرة، إقرار اللامركزية واللاتمركز في قطاع التعليم، المشار إليه سابقا.
[38]– خالد المير وإدريس قاسمي “التشريع الاداري والتسيير التربوي”، بدون ذكر المطبعة، دار الاعتصام المغرب، نشر، بدون ذكر الطبعة، 2015.
[39]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013؛ المكتسبات والمعيقات والتحديات، دجنبر 2014، المشار إليه سابقا.
[40]– “إننا نعتبر أن الرأسمال البشري هو رصيدنا الأساسي، في تحقيق كل المنجزات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية، وسلاحنا لرفع تحديات التنمية، والانخراط في مجتمع المعرفة والاتصال. لذا، ما فتئنا نعطي بالغ الأهمية، لتكوين وتأهيل مواطن، معتز بهويته، ومنفتح على القيم الكونية، ولاسيما من خلال مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين. وفي هذا الإطار، ندعو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لإعادة النظر في منظور ومضمون الإصلاح، وفي المقاربات المعتمدة، وخاصة من خلال الانكباب على القضايا الجوهرية، التي سبق أن حددناها، في خطاب 20 غشت للسنة الماضية”، مقتطف من الخطاب الذي ألقاه الملك بالرباط في 10 أكتوبر 2014 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة.
http://www.chambredesrepresentants.ma/ar/ 15-02-2016.
[41]– المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: من أجل مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء، رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030، خارطة طريق لاستراتيجية إصلاح المدرسة المغربية، تقرير ناتج عن سلسلة من اللقاءات الجهوية حول الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، المشار إليه سابقا.
[42]– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، اللقاء الجهوي حول التدابير ذات الأولوية، مارس 2015. http://www.educpress.com/36617.edu 15-02-2016
[43]– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، المذكرة الإطار رقم 099 بتاريخ 12 أكتوبر 2015، في شأن التنزيل الأولي للرؤية الاستراتيجية من خلال التدابير ذات الأولوية.
http://www.el-siradj.com/2015/10/tadabir-2015.html 15-02-2016
[44]– ويطلق اصطلاح التشريع على معنيين؛ الأول بمعنى المصدر؛ وهو قيام السلطة المختصة في الدولة بوضع قواعد جبرية مكتوبة لتنظيم المجتمع، وذلك في حدود اختصاصها وفقا للإجراءات الدستورية المعمول بها في الدولة. محمد طه بدوي” القاعدة القانونية: مدخل إلى دراسة القانون الوضعي”، مطبعة دار المعارف القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1954، ص 85. ويطلق لفظ التشريع كذلك على مجموعة القواعد القانونية التي تصدر عن السلطة المختصة لتنظيم أمر من أمور الجماعة؛ فيقال مثلا تشريع الشغل. العلوي العبدلاوي إدريسي “المدخل لدراسة القانون؛ نظرية القانون” المجلد رقم 1، بدون ذكر المطبعة، دار النشر والتوزيع، الرباط نت، الطبعة الثانية، 1975 ص 35. والتشريع الإداري التربوي عموما يقصد به مجموع المبادئ والنصوص والمقتضيات والقواعد القانونية الصادرة لإدارة منظومة التربية الوطنية والتكوين المهني.
[45]– عبد القادر الشيخلي “الصياغة القانونية؛ تشريعا فقها قضاء محاماة”، بدون ذكر المطبعة، منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2014، ص 17.
[46]– أحمد الخطيب وآخرون “البحث والتقويم التربوي”، بدون ذكر المطبعة، دار المستقبل للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 1985، ص 83.
[47]– عبد الرحمان الشقاوي “التدريب الإداري والتنمية”، بدون ذكر المطبعة، منشورات معهد الإدارة العامة، الرياض، الطبعة الأولى، 2005، ص 83.
[48]– Renaud Sain Saulieu «sociologie de l’entreprise», presse de science politique et Dalloz, Paris, 1997, p 65.
[49]– Bernard (J.L) et Le moine (c) «traité de psychologie et des organisation», éd dunod, 2000, p 103.
[50] – نادر أبو شيخة “إدارة الموارد البشرية”، بدون ذكر المطبعة، منشورات دار صفاء، عمان، الطبعة الأولى، 2000، ص 264.
[51]– المملكة المغربية، الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ورقة تقديمية للندوة الدولية المنظمة تحت عنوان “التقييم في التربية والتكوين: المقاربات والتحديات والرهانات”، يومي الخميس 22 والجمعة 23 أكتوبر 2015، بمركز الندوات لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بمدينة العرفان الرباط.
http://www.csefrs.ma/colloque2015/ 15-02-2016.


