المدخل الحقيقي لإصلاح منظومة التربية والتكوين ()
حوار مع الأستاذ محمد ولد دادة مدير أكاديمية جهة فاس بولمان
الأستاذ محمد ولد دادة من التجارب والكفاءات المميزة التي بالمنظومة التربوية التكوينية، ويشهد على ذلك مساره المهني المتدرج من مهمة التدريس بمختلف الأسلاك التعليمة إلى مهمة التأطير والمراقبة التربوية إلى داثرة القرار الاداري والتربوي:
- ولج سلك التعليم سنة 1972 كمعلم ثم كأستاذ بالإعدادي ثم كأستاذ بالثانوي التأهيلي قبل أن يتم تكليفه من طرف الوزارة سنة 1984 بمهام التفتيش لمادة اللغة الفرنسية بالسلك الإعدادي؛
- في سنة 1989 تم تعيينه مفتشا مكلفا بإعداد مواضع الباكالوريا بأكاديمية سطات؛
- تم تعيينه سنة 1997 مفتشا منسقا مركزيا لمادة اللغة الفرنسية؛
- في سنة 2000 نائبا اقليميا للوزارة بخريبكة؛
- في سنة 2005 حظى بالموافقة المولوية السامية على تعيينه كمدير للموارد البشرية وتكوين الأطر بقطاع التربية الوطنية؛
- في سنة 2009، حظي بتجديد الثقة المولوية، حيث تم تعيينه مديرا للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس -بولمان، وهو المنصب الذي يشغله حاليا؛
- حائز على الإجازة في علوم التربية من جامعة ليل بفرنسا، وعلى الإجازة في القانون من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء وعلى دبلوم مفتش التعليم الثانوي؛
- أصدر مؤلفا باللغة الفرنسية سنة 1992 وساهم في تأليف الكتب المدرسية لسلكي الاعدادي والثانوي بالإضافة إلى نشاطه الجمعوي؛
- كما أصدر سنة 2008 كتابا باللغة العربية حول واقع مهنة التدريس بقطاع التعليم المدرسي (مكامن القوة والضعف)؛
- نائب رئيس الجمعية المغربية لمدرسي اللغة الفرنسية وعضو لجنة تحرير المجلة التربوية التي تصدرها لجمعية المذكورة؛
- له إسهامات كثيرة في مجال التربية على حقوق الإنسان باعتباره عضوا في اللجنة الوطنية المشتركة للتربية علي حقوق الإنسان؛
- يعتبر خبيرا دوليا معتمدا لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حيث ساهم بهذه الصفة في إعداد المنهاج الدولي “لنستكشف القانون الدولي الإنساني” وساهم في تأطير لقاءات دولية خصوصاً في مجال إدماج القانون الدولي الإنساني في المناهج التعليمية بالعالم العربي.
والحوار الذي أجري مع الأستاذ محمد ولد دادة، يقدم رؤية تكاملية حول موضوع الحكامة بخصوص الموارد البشرية، من حيث المرجعية النظرية بمختلف مقارباتها وبين التفعيل والممارسة علي أرض الواقع التربوي والبيداغوجي؛ حيث تتضح الرؤية الموضوعية لما ينبغي أن تكون عليه الأمور، خاصة بالنسبة لأهم عنصر حيوي داخل منظومة التربية والتكوين.
- هناك شبه إجماع بين الفاعلين التربويين والإداربين، على اعتبار الموارد البشرية مدخلا رئيسيا لإصلاح المنظومة التربوية؛ لكن ترجمة هذا الشعار يختلف باختلاف زاوية النظر ومواقع المسؤولية؛ من موقعكم كمسؤول جهوي، كيف تفسرون ذلك؟
- لعل من بين أهم المداخل التي اعتمدها البرنامج الاستعجالي لإصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب، مدخل الموارد البشرية، باعتبار العنصر البشري محورا أساسيا في كل عملية تروم إصلاح مجال التعليم ببلادنا؛ ذلك أن الفعل التربوي في حد ذاته يرتبط ارتباطا وثيقا بالإنسان وينطلق من الإنسان إلى الإنسان. والاشتغال على العنصر البشري ليس فقط باعتباره موضوعا، ولكن أيضا باعتباره فاعلا أساسيا من خلال الدور المحوري الذي يلعبه المدرس في تكييف سلوكات التلاميذ والتأثير على وجدانهم وعقولهم وترسيخ قيم أخلاقية في نفوس الناشئة، ومن تم التأثير على بناء شخصية مواطني الغد.
يبدو من البديهي إذن، أن إصلاح قطاع التعليم رهين بإصلاح وتأهيل المدرسين ومساعدتهم على تطوير أساليب عملهم وتحسين مردوديتهم المهنية، مع تحديث مساطر تدبير شؤونهم، ليس فقط كموظفين لهم مالهم من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات بحكم التعاقد الذي يربطهم بالدولة، ولكن أيضا ككفاءات مهنية وكأطر فاعلة ومؤثرة تختزل من المهارات مايؤهلها للقيام بمهامها على الوجه الأكمل. وتقتضي هذه المقاربة الانتفال من مرحلة تدبير شؤون الموظفين إلى مرحلة تدبير الموارد البشرية، ومن مرحلة التدبير الكمي القائم على فضية شغل المنصب الشاغر إلى مرحلة ربط المناصب بالمؤهلات والكفايات اللازمة لشغله، وتوفير سبل التطابق ما بين الوظائف والكفايات؛ أي بمعنى آخر، إسناد المنصب لمن تتوفر فيه الكفاءات الضرورية لشغله، وتأهيل الموارد البشرية لجعلها مسلحة علميا لشغل المنصب الموكول إليها؛ وهو ما يقتضي من جهة أخرى، تغيير منظور الإدارة لمواردها البشرية باعتبارها خزانا يزخر بالكفاءات المتميزة التي يجب صقلها وتحفيز المجدين ومحاسبة الخلين بالواجب ومساعدة الراغبين في تحسين طرق اشتغالهم.
- هل يمكن أن نفهم من كلامكم أن المطلوب الآن وضع رؤية جديدة في مجال تدبير الموارد البشرية بالقطاع تراهن على الحكامة كمدخل للإصلاح؟
- بالفعل، إن اعتماد حكامة جديدة في مجال تدبير الموارد البشرية العاملة بقطاع التعليم المدرسي، هو المدخل الحقيقي لإصلاح منظومة التربية والتكوين خصوصا إذا ما تم دعم هذا المدخل بمقاربة شمولية تروم إعادة النظر في مناهج التدريس وأدوات العمل التربوية التي من شأنها تسهيل مأمورية المدرس داخل الفصل وتيسير عملية التمدرس لدى التلميذ وتوفير الظروف التربوية الملائمة للتحصيل والتعلم، خصوصا بعد تبني مقاربة التدريس بالكفايات وما رافقها من استراتيجيات بيداغوجية وديداكتيكية، كما هو الشأن لبيداغوجيا الإدماج؛ حيث أصبح من المنطقي اعتماد نفس الأسلوب، ونفس المنهجية في معالجة قضايا الموارد البشرية العاملة بالقطاع، اعتمادا على ربط الوظائف التي تشغلها بالكفايات والمؤهلات المهنية التي تتوفر أو المفترض توفرها لديها.
وقد أكدت الدراسات الحديثة في مجال تدبير الموارد البشرية، أهمية اعتماد المقاربة النوعية الرامية إلى ربط الوظائف بالكفايات وتطوير وصقل المؤهلات ومتابعة أداء الموظفين وتحفيزهم لمساعدتهم على تحسين مردوديتهم عن طريق المصاحبة والتأهيل الوظيفي من منطلق الحاجيات التي يتطلبها شغل المنصب، وهو ما يقتضي بطبيعة الحال اعتماد منهجية جديدة في تدبير الموارد البشرية العاملة بالقطاع، ترتكز في مجملها على مقومات، نوجزها في ما يلي:
1) وضع “دليل مرجعي للوظائف”، عن طريق تصنيف وحصر أعداد وأنواع المناصب الإدارية والتعليمية المتواجدة داخل القطاع. وقد تم إنجاز هذه العملية سنة 2007 تحت إشراف مديرية الموارد البشرية وتكوين الأطر بالوزارة وبتنسيق مع خبراء كنديين في إطار البرنامج التعاوني المغربي الكندي PROCADEM. وقد أسفرت نتائج هذه الدراسة عن وضع دليل شامل لجميع الوظائف الإدارية المرتبطة بالقطاع، وعددها يناهز 174 منصبا. كما تم الاشتغال فيما بعد على الوظائف التربوية والتعليمية، وعددها يناهز 34 منصبا.
وتقتضي هذه العملية من جهة أخرى “توصيف الوظائف” description de postes، أي إعداد وصف تحليلي لمجمل المهام والعمليات المرتبطة بإنجاز الوظيفة، كالتعريف بها وتحديد موقعها داخل الهيكلة التنظيمية ووصف دقيق للمهام والمسؤوليات والصلاحيات التي يتمتع بها شاغل المنصب، مع تحديد معدلات الأداء المرتبط بتقويم إنجازية المهام، إلى جانب توضيح العلاقات الوظيفية ما بين المنصب / الأصل وباقي المناصب والوظائف المرتبطة به.
* خطوات توصيف الوظائف: تنطوي هذه الخطوات على الآتي:
- حصر الوظائف بإعداد قائمة توضح أنواع الأعمال المطلوبة والوظائف اللازمة لتأديتها، ويعتمد في ذلك على تحليل الأنشطة الإدارية ودراسة الهيكل التنظيمي للمؤسسة؛
- جمع الحقائق والبيانات عن مكونات الوظائف وخطوات تنفيذها وواجباتها وأعبائها والظروف التي تؤدى فيها؛
- تحليل الحقائق والبيانات الجمعة عن الوظائف، للوقوف على الخصائص المميزة لكل وظيفة؛
- تحديد المواصفات المطلوبة لشغل الوظيفة، من حيث التعليم والمعرفة والقدرات والخبرات والمهارات والسمات والصفات، إلى غير ذلك من المؤهلات اللازمة لشغل الوظيفة.
ويستعان غالبا في عملية تحليل الوظائف وتحديد مواصفات شاغل الوظيفة ببعض الأسئلة التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، تلك التي تدور حول الجوانب التالية:
- طبيعة العمل واختلاف وتعقد الواجبات، مع الفصل بين العمل التربوي والعمل الإداري؛
- الرقابة الإشرافية الواقعة على الوظيفة، خصوصا على مستوى التفتيش وآليات التأطير والمراقبة؛
- إشراف الوظيفة على أعمال الغير من خلال تحديد مجالات تدخل مدير المؤسسة أو المفتش (ة) في إنجاز وظيفة المدرس (ة)؛
- المبادأة والتصرف والابتكار، مع تحديد آليات التحفيز وطرق الترقية والآفاق المهنية المرتبطة بمزاولة الوظيفة؛
- طبيعة ونطاق القرارات والمسؤولية عنها وأهمية الأخطاء المهنية وطرق معالجتها على ضوء القوانين؛
- الاتصالات والعلاقات الشخصية ومدى ارتباط شاغل الوظيفة بالمحيط السوسيو اقتصادي الذي يعمل فيه؛
- المؤهلات المطلوبة لشغل الوظيفة، استنادا إلى المعايير المحددة في الدليل المرجعي للكفايات.
وبعد أن تقوم الجهة المكلفة بالدراسة التحليلية للبيانات والمعلومات المجمعة عن الوظائف واستبعاد ما هو غير ضروري منها، تقوم بالتنسيق فيما بينها وترتيبها ومراجعتها من طرف الرئيس المباشر والموظف شاغل الوظيفة، ثم تسجيل هذه البيانات والمعلومات المرتبة في بطاقات وصف الوظائف، حيث يتم إعداد بطاقة تقنية لكل وظيفة.
وتشمل البيانات التي تدرج في هذه البطاقة: ماهية الوظيفة، والواجبات التفصيلية التي يؤديها شاغلها، والأدوات والوسائل المستخدمة في إنجاز العمل، والمسؤوليات التي يمارسها، وظروف العمل المحيطة بالوظيفة؛ هذا إلى جانب المؤهلات الأساسية اللازمة لشغل الوظيفة.
2) وضع “دليل مرجعي للكفايات المهنية”، عن طريق إحصاء جميع العاملين بالقطاع وتصنيفهم حسب مؤهلاتهم العلمية والمهنية في أفق وضع خريطة نوعية للموارد البشرية تحدد العدد المتوفر من الأطر الحاملة لشهادات عليا وعدد المتوفر منهم على شهادات مهنية وعدد المستفيدين منهم من التكوين الأساسي، إلى غيرها من المعايير النوعية التي تمكن من تشخيص الكفاءات المهنية المتوفرة داخل القطاع، وبالتالي وضع قاعدة أو بنكا للمعطيات، وطنية وجهوية ومحلية؛ تحدد المتوفر من الموارد البشرية ليس فقط على مستوى الأعداد والتخصصات، ولكن أيضا على مستوى الكفاءات والمميزات المهنية ومدى التطابق ما بين هذه الكفاءات والمناصب والمهام الموكولة إليها.
3) وضع “دليل مرجعي لربط الوظائف والمناصب بالكفايات المهنية”، من خلال المزج بين الدليلين السالفي الذكر؛ وهو ما يقتضي الوقوف عند كل منصب وتحديد وظائفه والمهام المرتبطة بإنجازه، ثم حصر الكفايات اللازم توفرها في شاغله. وتكتسي هذه المحطة أهمية بالغة، نظرا لما يمكن أن تفرزه من اختلالات على مستوى استغلال المتوفر من الموارد البشرية وتوزيعها على المناصب حسب مؤهلاتها المهنية وتخصصها الفعلي. فكم من إطار تعليمي أو إداري يشغل اليوم وظيفة داخل القطاع لا تلائم تخصصه؛ بل أكثر من ذلك، يمكن أن نقف على نوع آخر من الهدر داخل القطاع يرتبط بهدر الكفايات من خلال إسنادها مناصب لا تلائم مؤهلاتها المهنية.
- رغم هذه الأهمية، يبقى إنجاز دليل مرجعي للوظائف والكفايات ليس هدفا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة علمية وعملية حديثة تمكن من تدبير أمثل للموارد البشرية، وبالتالي تطرح مسألة كيفية استغلال هذا الدليل وتوظيفه كآلية لتحديث تدبير الموارد البشرية؟
- نعم، إن استغلال الدليل المرجعي للوظائف والكفايات كآلية حديثة في مجال تدبير الموارد البشرية من أجل التوظيف عن طريق تحديد الحد الأدنى من المؤهلات لشغل المنصب وتحديد مواصفات ولوج مهنة التدريس ومن أجل التكوين عن طريق تحديد الفارق بين مواصفات ولوج التكوين ومواصفات التخرج منه على ضوء الكفايات المهنية المحددة بالدليل المرجعي، كما يتم استغلاله من أجل تقويم أداء الموظفين العاملين بالقطاع عن طريق اعتماده كإطار تعاقدي للتحقق من إنجازية المهام المرتبطة بالمنصب، ويتم من جهة أخرى اعتماده كأداة وظيفية من أجل إنجاز عملية إعادة الانتشار وإعادة توزيع الموظفين حسب مؤهلاتهم المهنية، ليس على، أساس شغل المناصب الشاغرة فحسب، كما هو الحال في الوقت الراهن؛ ولكن على أساس إعادة انتشار الكفايات في أفق ربط المنصب بالمؤهلات اللازمة لإنجازه، ووضع الموظف (ة) المناسب (ة) في المكان المناسب؛ وهو ما يقتضي إعادة إسناد الوظائف لمستحقيها من ذوي الكفايات وإعادة تأهيل الذين يشغلونها حاليا لتمكينهم من المهارات والكفاءات اللازمة للقيام بالمهام المرتطبة بالمنصب على الوجه الأكمل؛ بل يمكن اعتماد الدليل المرجعي للكفايات والوظائف في مجال الحركة الانتقالية عن طريق تحديد الفائض أو العجز النوعي في مجال الموارد البشرية، وإعادة اسناد المناصب على أساس التباري النوعي للموظفين من خلال إبراز مؤهلاتهم وإنجازاتهم المهنية التي تبرهن على مدى كفائتهم لشغل المنصب المطلوب وليس على أساس تراكم نقط الأقدمية كما هو الحال في الوقت الراهن.
وفي جميع الأحوال، فإن اعتماد الدليل المرجعي للوظائف والكفايات كآلية حديثة لإرساء قواعد حكامة جديدة في مجال تدبير الموارد البشرية العاملة بقطاع التعليم المدرسي، تظل ضعيفة التأثير، إذا لم يتم إدراجها ضمن تصور شامل يضم المجالين التاليين:
– مجال التخطيط المرتبط بتدبير الموارد البشرية ووضع خرائط استشرافية في هذا المجال تحدد الحاجيات الكمية والنوعية للسنوات العشر المقبلة، وتحدد بتدقيق مواصفات وكفايات أستاذ (ة) الغد، ومدير (ة) الغد، ومفتش (ة) الغد ….، واعتماد هذا المخطط لبناء استراتيجية واضحة في مجال التكوين والتوظيف.
وتتعلق هذه النقطة، بالتنبؤ بعرض العمل داخل المظومة نتيجة الترقيات، أو التكوين، أو إعادة التوظيف، أو الحركة الانتقالية، خلال الفترة التي تعد حولها خطة التوظيف. كما ينبغي أيضا تقدير المتاح من المرشحين خارج القطاع في سوق العمل وخاصة خريجي المعاهد العليا والمدارس والجامعات ومراكز التكوين، الذين يتطابق تكوينهم مع متطلبات الوظائف المتوقعة.
– مجال اللامركزية وتفويض الأكاديميات اختصاصات الإشراف على مواردها البشرية من مرحلة ضبط الحاجيات الكمية والنوعية الخاصة بكل جهة إلى مرحلة التوظيف والترقية وتنظيم حركية الموظفين؛ وهو مايقتضي الجرأة في اتخاذ بعض القرارات المرتبطة بالموضوع، كتوطين المناصب بالأكاديميات وإعادة النظر في صيغ التوظيف واعتماد منهجية التعاقد من أجل التوظيف المحلي وغيرها من العمليات التي لازال تدبيرها يتم بطريقة ممركزة.
بدون ذلك، فإن آليات الحكامة الجديدة في مجال تدبير الموارد البشرية بقطاع التعليم المدرسي ستظل معطلة إلى حين.
- بعد مرور حوالي ثمانية أعوام على تجربة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين كمؤسسات عمومية جهوية تتمتع بالاستقلالية في التدبير الإداري والمالي، كير أنه ما زال سؤال الاستقلالية مطروحا في بعض مناحي التدبير. في هذا السياق، ما تقييمكم لهذه التجربة وكيف تنظرون إلى آفاق التدبير الجهوي للشأن التربوي؟
- يعتبر قطاع التربية الوطنية رائدا في مجال اللامركزية، حيث كان سباقا إلى الإرساء الفعلي للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين منذ سنة 2002 على شكل مؤسسات عمومية تتمتع بالاستقلالية المالية وبصلاحيات واسعة في مجال تدبير الشأن التعليمي؛ لكن وبعد مضي ثماني سنوات على إحداثها، لازالت الأكاديميات الجهوية لاتمارس جميع الاختصاصات التي أوكلها إليها المشرع بموجب القانون 00-07، خصوصا في مجالات أساسية كالموارد البشرية والتقويم والمناهج وغيرها. ومما لاشك فيه، أن هذا التأخير في التفعيل التام للامركزية في قطاع التعليم المدرسي، كان له أثر على هامش مساهمة الأكاديميات في الإصلاح؛ فبالرغم من تنصيص البرنامج الاستعجالي على ضرورة توسيع اختصاصات الأكاديميات وإفراده لهذا الباب مجالا بأتمه، وهو مجال الحكامة ورصد اعتمادات هامة من أجل إنجاز مجموعة من المشاريع الإصلاحية المرتبطة بالموضوع، فإن توسيع صلاحيات الأكاديميات وإعادة تنظيم هياكلها الإدارية ومصالحها الخارجية ومدها بالموارد البشرية المتخصصة لكي ترقى بخدماتها إلى المستوى المنشود، لازالت دون التطلعات. صحيح، هناك إكراهات عدة على مستوى توفير المناصب اللازمة لذلك وعلى مستوى إصدار النصوص التشريعية المساعدة، وعلى رأسها اعتماد التوظيف بالتعاقد واعتماد نظام أساسي خاص بالموظفين العاملين بالأكاديميات، باعتبارها مؤسسات عمومية؛ لكن لابد من مواجهة هذه المعيقات تدريجيا ووضع مخطط استراتيجي على المدى المتوسط، يتم بمقتضاه نقل باقي الاختصاصات من المركز إلى الأكاديميات ومصاحبة هذه الأخيرة عن طريق التأطير والمواكبة، حتى تتمكن من القيام بالمهام الجديدة المنوطة بها على الوجه الأمثل. علما بأنه من جهة أخرى، فإن الأكاديميات مطالبة هي أيضا بتفادي المركزية الجهوية عن طريق تفويض جزء من اختصاصاتها للنيابات الإقليمية في إطار اللاتمركز الواسع والمتمثل في إعطاء المؤسسات التعليمية صلاحيات واسعة في مجال تدبير شؤونها الداخلية.
- ارتباطا بموضوع الحكامة والادارة التربوية، نعى البرنامج الاستعجالي على ضرورة ترشيد هيكلة الوزارة مركزيا وجهويا؛ كيف تفسرون هذا الترشيد؛ وأي وقع للهيكلة في ترسيخ آليات الحكامة في تدبير الشأن التربوي جهويا؟
- من الأكيد، أن مواكبة الإصلاح، تقتضي اعتماد هيكلة إدارية موازية، تساعد على تدبيره وأجرأته. وأنه من المستحيل اليوم، تدبير الإصلاح بهيبهلة إدارية متقادمة ومتجاوزة. كما أن إعطاء نفس جديد للإصلاح، يمر حتما عبر تغيير منهجية التدبير الإداري المعتمدة، باعتبار الإدارة التربوية هي القناة الأساسية التي يتم عبرها تمرير مختلف التدابير الإصلاحية وإنجاز مختلف المشاريع التنموية. ومن جملة المشاريع التي أقرها البرنامج الاستعجالي، ضرورة إعادة النظر في الهيكلة الحالية للوزارة ولمصالحها الخارجية، حتى تتمكن من متابعة الإصلاح وأجرأة البرنامج الاستعجالي وفق مقاربة جديدة ومنهجية حديثة، تعتمد منطق المشروع والتدبير بالنتائج. وبالفعل، اشتغلت الوزارة على هذا الملف لمدة سنوات، واكبت البرنامج الاستعجالي، وتم تكليف مكتب للدراسات بإنجاز تصور لهيكلة جديدة للوزارة منذ سنوات؛ كما ساهم الخبراء الكنديون في هذه الدراسة عن طريق برنامج التعاون بروكاديم، كما قامت، في وقت لاحق، – الأكاديميات بتقديم تصوراتها حول الموضوع. وقد كان لي شخصيا شرف المساهمة في بلورة تصور شامل لهيكلة جديدة للأكاديميات والنيابات، تم عرضه على أنظار الكتابة العامة للوزارة في شهر نونبر 2010. ونعتقد أن الوزارة، تشتغل اليوم بجدية على هذا الملف في أفق إخراجه إلى الوجود مع مطلع سنة 2011. وتبدو اليوم الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى اعتماد هيكلة جديدة للمصالح المركزية والجهوية والإقليمية للوزارة، حتى تتمكن من جهة من مواكبة البرنامج الاستعجالي الذي يوجد في منتصف الطريق أي السنة الثانية من تنزيله الميداني، ومن جهة أخرى، لابد من إقرار تنظيم إداري حديث يساعد على إرساء قواعد حكامة جديدة في تدبير الشأن التربوي مركزيا، جهويا ،ومحليا.
- انطلاقا من تجربتكم في المجال، ما تقييمكم للإدارة التربوية بالمؤسسات التعليمية؟ وما السبيل أو السبل لجعلها قيادة للتغيير؟
- مرت الإدارة التربوية بالمؤسسات التعليمية من مرحلة الاعتماد على الذات، بحكم الوضع الاعتباري الذي كان يتمتع به مدير المؤسسة التعليمية، إلى مرحلة التدبير الجماعي عن طريق إقرار مجالس المؤسسة وعلى رأسها مجلس التدبير. وهذا المنحى الجديد الذي يروم دمقرطة تدبير المؤسسة التعليمية عن طريق إشراك ممثلي مختلف الفاعلين التربويين المرتبطين بالمدرسة من منتخبين وآباء وأمهات وأولياء التلاميذ ومدرسات ومدرسين ومتمدرسين؛ حيث حدد مفهوما جديدا للإدارة التربوية بالمؤسسة التعليمية وأقر ثقافة جديدة في مجال تدبيرها؛ مما أصبح يقتضي من الأطر الإدارية العاملة بالمؤسسة، تغيير مواقفها وأساليب تعاملها مع القضايا الإدارية والتربوية التي دأبوا على معالجتها وفق منظور تقليدي أدى أدواره بكل تأكيد خلال مراحل معينة من تاريخ الإدارة التربوية بالمغرب، لكنه أصبع اليوم متجاوزا . لكن الملاحظ، هو أن هذه المرحلة الانتقالية التي نعيشها اليوم لا تسير بالسرعة المنشودة، وأن إرساء ثقافة القيادة الجماعية ومايواكبها من إصلاحات، خصوصا على مستوى الممارسة الإدارية داخل المؤسسات التعليمية، لم تواكب بما يكفي من الإجراءات المصاحبة، خصوصا عن طريق التكوين والتأطير والتحفيز؛ مما أدى إلى تأخر ملحوظ في الارتقاء بالإدارة التربوية، إلى مستوى يجعل منها بالفعل قيادة للتغيير وقناة لتمرير وإرساء الإصلاح داخل فضاءات المؤسسة التعليمية؛ هذا مع الإشارة، إلى أن هناك مجهودات كبيرة تبذل من طرف السيدات والسادة المشرفين الإداريين على تسيير المؤسسات التعليمية؛ لكنها تبقى مجهودات فردية متفرقة وليست ممارسات ممنهجة عامة وشاملة. وبالتالي، فإن الرهان على توسيع دائرة المشاركة في تدبير شؤون المؤسسة التعليمية وفق منظور جديد يعيد ترتيب أدوار الإدارة التربوية في أفق الارتقاء بخدماتها وتأهيلها لكي تلعب أدوارا أكثر فعالية في مجال الإصلاح، لازال مطروحا باعتباره رهانا استراتيجيا لا محيد عنه؛ لكنه يحتاج في الوقت الراهن إلى دعم أوفر وتعبئة شاملة والتفاف أوسع حول المدرسة العمومية من أجل تحسين مردوديتها ومساعدة إدارتها التربوية على تجديد نفسها والارتقاء بممارستها إلى ما هو أفضل.
() أجرى الحوار عبد عزيز تجيتي.





