د. رشيد مزلاح[(*)]
جامعة قسنطينة 2 عبد الحميد مهري
المستخلص:
تمثل عملية الرقمنة الحلقة الأولى من ثلاث حلقات أساسية، تهدف مجتمعة إلى بناء منظومة المكتبة الرقمية، وتتمثل الحلقة الثانية في إضافة منشورات إلكترونية جديدة سواء أكانت مجانية أم مدفوعة الأجر مقابل الإطلاع عليها. أما الحلقة الأخيرة فتشمل الربط مع المصادر الأخرى المتاحة عبر شبكة الإنترنت العالمية.
وانطلاقا من أهمية عملية رقمنة التراث التي تمنحها المؤسسات الوثائقية أهمية بالغة، عادة ما تصطدم بكثير من التحديات سواء أكانت مالية خاصة بالميزانية والإعتمادات المخصصة، أم بالمسائل الفنية المتعلقة بتبني أفضل المقاييس وأشكال رقمنة المخطوطات، أم القضايا المرتبطة بالبنية التقنية لمشاريع ومتطلبات رقمنة المخطوطات العربية والاتفاقات الخاصة بتخطي الإشكاليات المتعلقة بحقوق الملكية.
وتعتبر هذه التحديات جوهرية ولها تأثيرها المباشر في إعداد سياسة رقمنة المخطوطات العربية، من أجل ذلك سنحاول في هذه الدراسة العلمية التطرق لأهم متطلبات رقمنة المخطوطات العربية ببعض من التفصيل والتحليل.
الكلمات المفتاحية:
الرقمنة- المخطوطات العربية- معايير الرقمنة- متطلبات الرقمنة- دراسة تحليلية.
Abstract
Ancient Arabic manuscripts are a treasure for humanity. They are living witnesses of a millennial civilization.
The Arabic manuscripts are highly sought-after documents, but at the same time almost inaccessible. Therefore, digitization is a salutary way for the accessibility of these resources, but the different documentary institutions in the Arab world face great difficulties related to technical, human and financial but especially legal aspects such as copyright on the net.
This study is an attempt to shed light on the need to develop a strategy for manuscript digitization projects in Arab countries.
Keywords
Digitization – Arabic Manuscripts – Digitization Standards – Means of Digitization – Analytical study
1- مقدمة:
تراث أية أمة هو ما تملكه من تاريخ عريق، وحضارة قديمة، وآثار ومقتنيات ثقافية قد تكون في صورة كتاب أو مخطوط أو تمثال منحوت أو نقش على جدار أو في صورة مومياء أو حفرية تحكى في صمت تاريخ وحياة أجيال هذه الأمة وتعطي من بين ثناياها وسطورها الكثير لأجيالها الحالية، ويمتد هذا العطاء إلى مستقبلها الواعد لكشف الكثير من الأسرار والغموض بين دفتيها.
من هنا كان لهذا التراث أهمية كبرى وفوائد جمة، في حياة الشعوب التي تسعى إلى معرفة الحياة بحقائقها ومظاهرها وخيالاتها واستنتاجاتها، تلك المعرفة التي تأتي بربط الحاضر بالماضي، والانطلاق من الحاضر إلى المستقبل، فكثير من المعارف الحالية انبثقت من إشارات عارضة وردت في أوراق وحفريات وبرديات ومخطوطات سابقة. وبالرغم من هذه الأهمية لهذا التراث الزاخر بالعلوم والفنون، فإن ما كتب عنه مازال بالقدر غير الكافي لإزاحة الستار عن الكثير من معالمه، ويرجع هذا إلى طبيعة هذه الآثار من حيث وجودها، وظروف اكتشافها، وصعوبة التعامل معها، لاختلاف مكنوناتها وتباين طرق التعامل معها، واحتياج كل منها إلى طرق خاصة لدراستها، والعمل على حفظها وصيانتها من التآكل والتدهور أثناء الدراسة والبحث والتمحيص.
ويمثل المخطوط جانبا هاما من الجوانب المضيئة لهذا التراث القيم، بما له من انتشار أوسع وتاريخ أقدم وسهولة في التدوين، قياسا بالنقوش والتماثيل والحفريات، وفي الوقت نفسه هو أكثرها حساسية للتلف والتآكل والتأثر ببصمات الزمن، والتداول بين الباحثين والقراء والدارسين، نظراً لطبيعة المواد المكتوبة بها (الأحبار)، والمواد المكتوب عليها سواء أكانت برديات، أم أوراق سليلوزية، أم رقوقا جلدية، وما بها من صور ورسوم وحليات وزخارف ذهبية.
يعد هذا البحث محاولة لدراسة أهم العناصر والمقومات الأساسية لإقامة مشروع رقمنة للمخطوطات كما يسعى لإبراز الواقع العربي في هذا المجال مع محاولة لتقديم جملة من المقترحات للنهوض بهذه المشاريع.
2- إشكالية الدراسة:
على الرغم من التطورات التكنولوجية الحاصلة في مجال حفظ المعلومات على طريقة سريعة جدا، فلم تحل بعد المشكلات القديمة، بالإضافة إلى الحديثة التي مازالت تلاحق قضية المخطوطات، واللافت للنظر أن الأزمة التي تعانيها في الحاضر أدهى وأمر وأكثر بكثير مما عانتها بالأمس، مع تغاير في النسبة واختلاف في النوعية، وهي كثيرة ومتنوعة بتنوع أمكنتها وأزمنتها، وهذه الإشكاليات التي تبقى أمامنا تنحصر فيما يلي:
1- حالات حفظها الرديئة، وتعرضها للمخاطر البيئية والبيولوجية والبشرية والكيميائية.
2- مازالت أكثرها في المخازن، لم تكتشف بعد.
3- صعوبة الإطلاع عليها ومحدودية الاستفادة منها للباحثين والمستفيدين والمهتمين.
4- غياب الخطط الرامية إلى حصرها، وتوثيقها والتعريف بها ونشرها وإتاحتها.
5- متطلبات رقمنة المخطوطات مكلفة من الناحية المالية والمادية والبشرية.
6- غياب مظاهر التعاون والتنسيق بين المراكز المتخصصة للمخطوطات في الوطن العربي وخاصة في مجال رقمنة المخطوطات.
وعلى ضوء هذه الإشكاليات وضعنا تساؤلاً رئيسياً يتمحور حول عقبات وتحديات رقمنة التراث، التي عادة ما تصطدم بكثير من المشكلات المالية منها خاصة بالميزانية والإعتمادات المخصصة، أو بالمسائل الفنية المتعلقة بتبني أفضل المقاييس وأشكال رقمنة المخطوطات، أو القضايا المرتبطة بالبنية التقنية لمشاريع ومتطلبات رقمنة المخطوطات العربية. وهل سوف تؤدي هذه التقنية الحديثة دورها الفعال في المحافظة على هذا الإرث التاريخي والتراث العربي، من التلف والزوال ونقله من جيل إلى جيل؟
3- تساؤلات الدراسة:
تطرح الدراسة جملة من التساؤلات نصوغها على النحو التالي:
ما مدى مساهمة الرقمنة كتقنية تكنولوجية حديثة في الحفاظ على المخطوطات؟
ما هي متطلبات رقمنة المخطوطات العربية؟
ماهي المتطلبات القانونية والمادية والبشرية لإنجاح مشروع رقمنة المخطوطات؟
4- أهداف الدراسة:
* التعريف بقيمة المخطوطات كمصدر أساسي للمعلومات سواء ألتاريخية منها أم العلمية من خلال استعراض مميزاتها وخصائصها.
* معرفة متطلبات رقمنة المخطوطات وفقا للمعايير والتقنينات الدولية.
* توضيح واستعراض إجراءات متطلبات رقمنة المخطوطات من ناحية الموارد المادية فالمالية ثم البشرية وكذا القانونية.
5- منهج الدراسة:
على ضوء ما اختطته هذه الدراسة من أهداف، ووفق ما تتفق وطبيعة الموضوع الذي تتناوله، اتجهنا لاعتماد المنهج المسحي في تجميع النتاج الفكري المتعلق بمتطلبات رقمنة المخطوطات، من أجل التعرف على الظاهرة أو الحدث من حيث المحتوى والمضمون والوصول إلى النتائج وتعميمات تساعد في فهم الواقع وتطويره، وهو منهج يلائم الظاهرة والمشكلة المراد دراستها، وبالتالي سنعمل من خلاله على جمع البيانات والمعلومات، وتبويبها وعرضها، ومن ثم تحليلها وذلك بالاعتماد على أسلوب التحليل، بهدف الوصول إلى نتائج ذات دلالة تقبل التعميم.
6- الدراسات السابقة:
بعد الإطلاع على القوائم البيبليوغرافية الملحقة ببعض الدراسات والبحوث ذات الصلة بموضوع الدراسة، كذلك البحث من خلال شبكة الإنترنت، توصلنا إلى أهم الدراسات التي تناولت متطلبات رقمنة المخطوطات فيما يلي:
الاتصال عن بعد بالمخطوطات العربية المرقمنة بشكل صورة. « L’accès à distance aux manuscrits arabes anciens numérises en mode image »
رسالة دكتوراه من إعداد هالة كيلة، في مجال علوم المعلومات والاتصالات، فرع التوثيق الإلكتروني، بجامعة ليون 2، 2004. تهدف هذه الدراسة إلى حماية المخطوطات العربية في مدينة القدس من التلف والضياع، وذلك بوضعها على وسيط آلي، لتسهيل إطلاع الباحثين الفلسطينيين العرب والأجانب عليها عن بعد نظراً للإغلاق المحكم المفروض على مدينة القدس، والذي يمنع بشكل أساسي الباحثين الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إليها.
تتكون الرسالة من ثلاثة أجزاء، يصف الجزء الأول الوضع الحالي للمخطوطات في خمس مكتبات في مدينة القدس، والذي يعكس بدوره وضع المخطوطات في فلسطين بشكل عام وهي: مكتبة المسجد الأقصى، المكتبة الخالدية، مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي، مكتبة دار إسعاف النشاشيبي، ومكتبة دير الروم الأرثوذكس. أما الجزء الثاني فيتضمن أهمية الرقمنة كوسيلة حديثة لحفظ الوثائق، كذلك وضع قاعدة بيانات بالمخطوطات المرقمنة يتم وضعها على الإنترنت.وأخيرا الجزء الثالث، الذي وصف حيثيات المشروع، من خصائص المخطوطات، طريقة تركيبها، تجزئتها النصية من فصول إلى أجزاء، فقرات، فكتابات على الهوامش، احتواؤها على جداول أو رسوم فنية،…الخ. تحديد الميتاداتا الخاصة بالمخطوط. وصف شامل للمراحل التي تمر بها عملية الرقمنة، ابتداء من اختيار المخطوط وانتهاء بطريقة استخراجه من خلال حاسوب المستخدم.
وقد أفادتنا الدراسة بشكل أساسي في شقها المنهجي كونها تدرس بالتحليل واقع مشروعات المخطوطات العربية المرقمنة بمدينة القدس من حيث استكشاف الوضع الراهن لمشروعات رقمنة المخطوطات، وتطورها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، بالإضافة إلى النتائج التي توصل إليها الباحث، وهذا ما يتداخل مع دراستنا في جانب متطلبات رقمنة المخطوطات، وبالتالي مقارنة نتائج هذه الدراسة بالنتائج التي سوف تصل إليها الدراسة الحالية.
2- مذكرة تخرج بعنوان:”رقمنة المخطوطات بإقليم توات خزانة الشرفاء الإسماعيليين نموذجا”
من إعداد رشيد طيب جلول.
ضمت هذه الدراسة ثلاثة فصول:
الفصل الأول يتضمن المخطوط نشأته وتطوره، وينقسم إلى أربعة مباحث هي: المبحث الأول:مفهوم المخطوط لغة واصطلاحا، بينما في المبحث الثاني تناول أنواع المخطوطات بصفة عامة، أما في المبحث الثالث تعرض إلى نشأة وتطور المخطوط، وأخيرا في المبحث الرابع عالج أهمية المخطوط على الحضارة الإنسانية.
الفصل الثاني كان بعنوان الرقمنة، قسم إلى مبحثين، المبحث الأول تناول من خلاله ماهية الرقمنة، أما المبحث الثاني فيتناول متطلبات ومراحل وأهداف وايجابيات وسلبيات رقمنة المخطوطات.
الفصل الثالث تعرض فيه إلى عدة نقاط، التعريف ونشأة منطقة توات وكذلك التعريف ببلدية زاوية كنتة، بالإضافة إلى مجال الدراسة بالتعريف بخزانة الشرفاء الاسماعيليين والمشرف عليها وموقع الخزانة في قصر زاوية كنتة، وكذلك تعرض إلى حالة المخطوطات بهذه الخزانة والمشاكل التي تعاني منها بالإضافة إلى طريقة الاطلاع على هذه الخزانة، وكيفية رقمنة المخطوطات بالخزانة، وأسباب رقمنة المخطوطات، بالإضافة إلى متطلبات الرقمنة بالخزانة، وايجابيات الرقمنة، وصعوبات رقمنة المخطوطات، وأخيرا مجموعة من التوصيات.
وقد أفادتنا الدراسة في جانبها المنهجي والميداني وخاصة فيما يتعلق بمتطلبات رقمنة مخطوطات الخزانة وهي الكيفيات نفسها وكذلك الصعوبات التي تعاني منها رقمنة المخطوطات.
3– “رقمنة المخطوطات العربية”، مذكرة لنيل درجة الليسانس في علم المكتبات والمعلومات، من إعداد فاطمة محمد بشير عبيد؛ إشراف سعاد عودة. جامعة دمشق. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. قسم المكتبات والمعلومات.2008. ضمت هذه الدراسة ثلاثة فصول: الفصل الأول عالج المخطوط العربي تاريخه، مميزاته. أما الفصل الثاني: فتعرض إلى رقمنة المخطوطات العربية: الأهداف والمراحل، وأخيراً الفصل الثالث: تضمن مشاريع رقمنة المخطوطات العربية تمثلت في شبكة المخطوطات العربية، والمخطوطات في الجامعة الأمريكية ببيروت، كذلك المخطوطات الإسلامية في مكتبة جامعة لايبزيك، ومخطوطات الشرق الأدنى.
ويمكن القول من خلال هذا الاستعراض للدراسات السابقة، أن النتاج الفكري العربي يفتقر إلى مثل هذه الدراسات بشكل عام، وتعتبر هذه الدراسة مساهمة في إعداد سياسة رقمنة المخطوطات العربية ومتطلباتها، من الناحية المالية، والفنية المتعلقة بتبني أفضل المقاييس وأشكال رقمنة المخطوطات.
7- رقمنة المخطوطات العربية:
7-1- تعريف المخطوط العربي:
ظهرت الحاجة الملحة إلى اللغة المكتوبة كطريقة لتثبيت الكلمة والمعلومة من خلال رموز معينة لنقلها عبر الزمان والمكان بعد أن تبين للإنسان أن الاتصال اللفظي أو الشفهي غير مناسب في كثير من الأحيان لنقل الأفكار والمعلومات والخبرات إلى الأجيال القادمة ونشرها إلى مسافات ومساحات واسعة، والمحافظة عليها لفترة طويلة من الزمن، فظهرت المخطوطات.
فالمخطوط وهو الكم الهائل من المخطوطات العربية المنتشرة عبر أصقاع العالم، ويقصد بالمخطوط لغة: كل ما كتب بخط اليد، سواء أكان كتابا أم وثيقة أم نقشا على حجر، ولكنه في الاصطلاح يقتصر على الكتـاب المكتوب بخط اليد، وبذلك تستبعد الوثائق والنقوش والكتابة على الجدران والعملات والأنسجة وما في حكمها، لأن هذه الأشكال من الكتابة تدخل تحت علوم أخرى كعلم الوثائق وعلم الآثار.(1) إذا كلمة مخطوطة مشتقة لغة من الفعل خط يخط، أي كتب أو صور اللفظ بحروف هجائية.(2) ومصطلح المخطوط هو كتاب يخط باليد لتمييزه عن الخطاب أو الأرقة أوأي وثيقة أخرى كتبت بخط اليد، خاصة تلك الكتب التي كتبـت قبل عصر الطباعة(3).
كذلك المخطوط هو المكتوب باليد في أي نوع من أنواع الأدب سواء كان على ورق أو أية مادة أخرى، كالجلود والألواح الطينية القديمة والحجارة وغيرها(4).
إن المخطوطات ذلك النوع من الكتب التي كتبت بخط اليد لعدم وجود الطباعـة وقت تأليفهـا، وتمثــل المخطوطات مصادر أولية للمعلومات، موثقة وتخص دراسة موضوعات متعددة، ويعتمد عدد من الباحثـين بشكل كلي أو جزئي على المعلومات الواردة في المخطوطات(5).
إذا المخطوط مصطلح لأية وثيقة مكتوبة باليد أو بآلة مثل آلة الطباعة أو الحاسوب الشخصي، وتستعمل الكلمة للتفريق بين النسخة الأصلية لعمل كاتب ما، والنسخة المطبوعة، كما يشير المصطلح لأية وثيقة تاريخية مكتوبة باليد منذ العصور القديمة حتى ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي(6).
من خلال ما ورد من تعريفات بخصوص المخطوط يمكننا القول إنه كل وثيقة خطت باليد لها مميزاتها المادية والفنية وهي بكل مكوناتها تشكل مرآة للبيئة والمحيط الذي أنجزت فيه، كما أنها مادة ثقافية تراثية تشكل ذاكرة للأمة.
7-2- تعريف رقمنة المخطوطات:
الرقمنة هي عملية تحويل البيانات إلى شكل رقمي، وذلك من أجل معالجتها باستخدام الحاسب الإلكتروني، وفي مجال نظم المعلومات تشير الرقمنة إلى تحويل النصوص المطبوعة، أو الصور إلى إشارات ثنائية باستعمال جهاز الماسح الضوئي، كما أنها تسمح بعرض نتيجة ذلك على شاشة الحاسب.” (7)
كما يمكن تعريف عملية الرقمنة أيضاً بكونها تلك “الوسيلة التقنية التي تعمل على تحويل الصورة الورقية، أو أي من الحوامل التقليدية للوثائق إلى صورة إلكترونية، فالوثائق المرقمنة تصبح وثائق إلكترونية، والرقمنة تهتم بكل الوثائق، ويمكن إجراؤها انطلاقا من مختلف الأوعية كالورق، المصغرات الفيلمية، الأشرطة المغناطيسية، أشرطة الفيديو، الأفلام، … وغيرها.” (8)
لقد جاءت “المكتبات الرقمية كواحدة من نواتج تلك الثورة التي شاهدتها الألفية الثالثة، لتحتل مكانها كدعامة أساسية من دعائم المجتمع، وأهلّها لذلك تاريخ المكتبات العريق الذي أثبت قدرتها على التكيف والمواءمة مع مختلف المجتمعات والبيئات.”(9)
وتعني الرقمنة اكتساب، وتحويل، وتخزين، وتوفير المعلومة في صيغة رقمية موحدة، منظمة ومتوفرة عند الطلب، وتتعدد أسباب اعتماد وتنفيذ مشروع الرقمنة، إلى تعزيز النفاذ إلى المعلومات، تيسير أشكال جديدة من النفاذ إلى المعلومات للأغراض البحثية، لوقاية الوثائق الأصلية، ثم التقليل من معالجة واستخدام الوثائق الأصلية القابلة للتلف، بإنشاء نسخة داعمة للوثائق المعرضة للخطر(10).
أما الشبكة الكندية للمعلومات حول التراث، فقد عرّفت الرقمنة بأنها العملية التي من خلالها يتم خلق صور رقمية بمعنى محتوى على الحاسب الآلي، انطلاقا من وثيقة ورقية، أو صورة، أو كيان ثلاثي الأبعاد، فالرقمنة إذن هي تكنولوجيا تحويل الوثائق الأصلية المتاحة على وسيط ورقي أو ميكروفيلم إلى صور رقمية، والوثائق يمكن أن ترقمن في شكل صورة أو نص.(11) ونشير هنا إلى أن الرقمنة تتم بطريقتين مختلفتين هما:
أ- رقمنة الصورة: يتم في هذه الحالة تصوير المخطوط صفحة صفحة، وهي الطريقة المعتمدة لرقمنة مجموعات كبيرة من الكتب، لأن الكلفة باعتماد هذه الطريقة تكون منخفضة، هذا بالإضافة إلى المحافظة على فكرة الكتاب الصفحة والتصفح، لأن النسخة الإلكترونية هي في الحقيقة نسخة للشكل الورقي. ومن ايجابيات هذه الطريقة أنها الأكثر تحقيقا وغير مكلفة، ومن سلبياتها أنها تشغل مكانا كبيرا على الوعاء الحامل، وبالتالي التشويش على الملفات الهامة، كذلك هذه الطريقة لا تسمح بالبحث الكامل داخل النص، ذلك أن عدم تكشيف الكلمات المفتاحية لا نستطيع استعراض النص(12).
ب- رقمنة النص: يتم نسخ المخطوط صفحة صفحة، أي أن المكتبة ستعيد كتابة النص كاملا، وعلى عكس الطريقة الأولى، فإنه لا يمكن الاحتفاظ بفكرة الكتاب، ذلك أن الكتاب في هذه الحالة يصبح نصا، أو بعبارة أخرى مجموعة من الحروف والكلمات تنظم بطريقة متواصلة على الشاشة(13).
وعموما الرقمنة تعد الوسيلة التقنية التي تعمل على تحويل الصورة الورقية، أو أي من الأوعية التقليدية للوثائق إلى صورة إلكترونية، والرقمنة تهتم بكل الوثائق ويمكن إجراؤها انطلاقا من مختلف الحوامل/الأوعية كالورق، المصغرات الفيلمية، الأشرطة الممغنطة، أشرطة الفيديو، كل وسائط الملتيميديا، باستعمال أدوات الالتقاط الرقمي(14).
وانطلاقا مما سبق تُعد المخطوطات من بين الأوعية المكتبية التي ستشملها عملية الرقمنة، نظرا لقيمتها العلمية والتاريخية، وذلك لإتاحتها وجعلها في متناول الباحثين والمؤرخين الذين يهتمون بالمخطوطات، ويعملون على نشرها، وذلك إسهاما في نشر التراث المكتوب.
وقد بدأت رقمنة المخطوطات والوثائق التاريخية، خلال العقدين الماضيين فقط(15)، حيث أصبحت المكتبات حاليا مرتبطة بينها من خلال الشبكات الإنترنت، ومع أن التغيرات الناتجة عن التقدم التكنولوجي اتسعت بشكل كبير، بحيث لم يعد من الممكن تقييم الأثر الشامل لهذه التغيرات، إلا أنه من الواضح أن المكتبات تعيش الآن مرحلة التحوّل من المكتبة اليدوية، إلى المكتبة الإلكترونية، فالرقمية ثم الافتراضية(16).
ويعتبر مشروع رقمنة التراث الوثائقي أحد المشاريع الهامة، وأحد التحديات الكبرى التي أصبحت تفرض نفسها على المكتبات ومراكز التوثيق والمعلومات، فالدخول في هذا المشروع ينبغي أن يتم وفق معايير محددة، وبعد دراسة دقيقة لتكلفة المشروع، ولجدواه بالنسبة للمكتبة وللمستعملين. وسنحاول من خلال هذا البحث تسليط الأضواء على أهم الجوانب المرتبطة بمتطلبات رقمنة التراث الوثائقي بصفة عامة، والتراث المخطوط بصفة خاصة.
– لماذا رقمنة التراث الوثائقي (17):
إنه سؤال هام ينبغي الإجابة عنه بدقة بالنسبة لاختصاصيي المكتبات الذين يطمحون إلى رقمنة تراثهم الوثائقي، آخذين بعين الاعتبار الموارد البشرية والمالية الموضوعة رهن إشارتهم، ومدركين للصعوبات التي يمكن أن تواجههم عند انطلاق المشروع، وأثناء السير العادي لعملية الرقمنة. في هذا الإطار يمكن أن نحدد بعض أهداف الرقمنة، غير أن لكل مكتبة أهدافها الخاصة التي ينبغي التركيز عليها، حتى تكون هناك جدوى من الدخول في مشروع رقمنة التراث الوثائقي، وهذه الأهداف هي:
– الرقمنة من أجل الحفاظ على التراث الوثائقي من التلف والضياع.
– الرقمنة من أجل التواصل ونشر المعرفة والتبادل الثقافي عبر شبكات المعلومات.
– الرقمنة من أجل إبراز القيمة العلمية أو الفنية أو التاريخية لبعض المجموعات المكتبية.
وأيضا من مزايا المكتبات الرقمية ما يلي(18):
– أن المكتبة الرقمية تحمل مجموعاتها إلى المستفيد حيث هو، إذ توجد مكتبة حيثما يوجد حاسب إلكتروني ربط بشبكة الانترنت.
– الإفادة من قوة الحاسبات في استرجاع المعلومات وتصفحها.
– إمكانية تقاسم المعلومات.
– إمكانية إتاحة المعلومات بصورة دائمة وعلى مدار الساعة.
– إمكانية إتاحة أشكال جديدة من المعلومات، يمكن تخزينها وبثها عبر الوسائط المتعددة المختلفة.
هناك العديد من المبررات التي دعت إلى التحول إلى المجتمع الرقمي، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو مهني، ومنها ما هو جغرافي وزمني، ومن أبرزها ما يلي(19):
– زيادة الإنفاق على الأوعية التقليدية واستغلال الوقت والجهد في عمليات البحث.
– حرص المكتبات على البقاء في ظل سوق خدمات المعلومات.
– زيادة كثافة الأوعية التقليدية.
– قدرة النظام الرقمي على مد الخدمة وكسر الحواجز الجغرافية.
هذا ولم تستخدم التقنية المعلوماتية حتى الآن شكلا كافيا في الوطن العربي، ولم يتم تقدير دور المعلومات في عملية التنمية قدرها الصحيح، وما زالت هناك عوامل متعددة تؤثر تأثيرا مباشرا في أنشطة المعلومات، ومن بين هذه العوامل:
– الفجوة الاقتصادية بين الدول العربية حيث أن هناك دول غنية تستطيع اقتناء أحدث نظم المعلومات ودول فقيرة ما زالت في طريق النمو.
– الاختلاف الشديد في الكثافة السكانية للدول العربية مما يؤثر في توفير القوى العاملة المدربة والمؤهلة في مجال تقنية المعلومات.
– “عدم وجود خطط شاملة ومنظمة لإدارة التقنية المعلوماتية وكذلك لإدارة رصيدها المعلوماتي ولتراثها، ويعد هذا الاستثمار في الإدارة الحديثة للمعلومات شرطا أساسيا للمنافسة الدائمة وخاصة في الظروف الحاليـة التي تتسم بالاستخدام الواسع للإنترنت والتكنولوجيات الرقمية وتعدد الوسائط(20).”
تعتبر هذه الأهداف من دواعي الدخول في مشروع رقمنة التراث الوثائقي غير أنه، وكما سبق الذكر، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الإمكانات الموضوعة رهن إشارة المكتبة لاتخاذ مثل هذا القرار. وقبل البدء في عملية رقمنة التراث الوثائقي هناك عمليات أساسية ينبغي القيام بها، وهي كالتالي:
1- جرد المجموعات المكتبية التي ستتم رقمنتها ومعرفة عدد أوراقها، وحجم هذه الأوراق، وطبيعة الكتابة والصور (بالأبيض والأسود أم بالألوان).
2- فهرسة وتكشيف كل الأوعية التي سيتم رقمنتها، وهي عملية غاية في الأهمية، إذ ستشكل عنصرا أساسيا في مجال البحث، وخصوصا عند الارتباط بشبكات المعلومات.
3- تقييم المجموعات المكتبية التي يراد رقمنتها من طرف لجنة مختصة، والبدء برقمنة نفائس المجموعات، وأكثرها ضررا حسب أهداف المكتبة.
وفي السياق نفسه فإن إيجابيات الرقمنة عديدة، غير أن التكلفة العالية تعتبر أكبر سلبيات هذا المشروع، رغم التطور السريع الذي تعرفه تكنولوجيا المعلومات، ورغم انخفاض هذه التكلفة سنة بعد سنة، لهذا ينبغي دراسة الجوانب التالية:
– كلفة بناء المختبرات، والتجهيزات.
– كلفة الحفاظ على الأقراص المدمجة في بيئة مناخية مناسبة، حسب المعايير الدولية.
– كلفة التسيير والتأطير والصيانة بالنسبة للمختبرات.
– كلفة إعداد المخطوط قبل الشروع في الرقمنة.
ومن بين سلبيات الرقمنة كذلك المساحة الكبيرة التي تأخذها الصورة الرقمية داخل ذاكرة الحاسوب أو القرص المدمج، رغم اختراع البرمجيات المختصة في ضغط هذه الصور. أما فيما يخص الرقمنة من أجل الحفاظ على التراث الوثائقي من التلف والضياع، فإن هناك تضاربا في الآراء بين المختصين في مجال الصيانة. فهناك من يعتبر أن الرقمنة هي جيدة لنشر المعرفة وتداولها، وليس لحفظ الذاكرة الثقافية، حيث أنه لم يتم التأكد نهائيا حتى الآن من العمر الحقيقي للأقراص المدمجة، بينما يؤكدون على أن المصغرات الفيلمية تظل أحسن وسيلة للحفاظ على التراث الوثائقي، رغم محدوديتها في مجال نشر المعرفة، وبالتالي فأنصار هذه النظرية يؤمنون بالتكامل بين المصغرات الفيلمية وبين الأقراص المدمجة. إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن الرقمنة تلعب دورا هاما في الحفاظ على التراث الوثائقي بطريقة غير مباشرة، إذ إنها تخفض من الضغط على استعمال الأصول، وتوفر طريقة جديدة وجيدة لتداول التراث الوثائقي، وبالتالي ينعكس هذا الأمر إيجابا على سلامة المجموعات المكتبية .
أما فيما يخص الرقمنة من أجل التواصل ونشر المعرفة والتبادل الثقافي عن طريق الارتباط بشبكات المعلومات، فإنه يمكن التأكيد على الايجابيات العديدة لهذه العملية، فعن طريق الارتباط مثلا بشبكة الانترنيت يمكن التعريف بالتراث الوثائقي، وجعله رهن إشارة المستعملين على مدار الساعة، مع إمكانية تصفح العديد من القرّاء للمحتوى في الوقت نفسه، وتوفير الجهد والوقت والمال بالنسبة للباحثين، وذلك بإعفائهم من التنقل إلى عين المكان حيث يوجد الكتاب أو المخطوط أو الوثيقة. وإذا كانت هذه الايجابيات تعتبر بمثابة ثورة في مجال تداول المعرفة، فإنه ينبغي كذلك عدم إهمال بعض الجوانب السلبية، رغم قلتها، والتي تصاحب هذا الارتباط بشبكات المعلومات، ذلك أن هناك بعض الإشكاليات المطروحة حاليا في هذا المجال، والمتعلقة خصوصا بالجوانب القانونية للصورة الرقمية، فهناك مثلا مشكلة حقوق المؤلفين، كما أن الصورة الرقمية معرضة بسهولة لعملية التزييف، وهو ما يمكن أن يطرح مشاكل عديدة بالنسبة لمصداقية الصورة الرقمية، كما أن هذه المشكلة ستشكل هاجسا حقيقيا للمختصين في مجال التراث المخطوط والذين يرغبون في تحقيق المخطوطات عن بعد.
ويبقى كذلك الارتباط بشبكة الانترنيت عملية مكلفة بالنسبة للعديد من المكتبات، وهو ما يفسر هذا الغياب الكبير للمكتبات الرقمية داخل الوطن العربي. هناك جوانب أخرى كذلك ينبغي دراستها قبل الشروع في عملية رقمنة التراث الوثائقي، وهذه الجوانب تتمثل فيما يلي: هل ستكون الرقمنة داخلية أم خارجية، مباشرة أم غير مباشرة. ونقصد بالرقمنة الداخلية بناء مختبر خاص للرقمنة داخل المكتبة، بينما الرقمنة الخارجية تعتمد على تكليف مركز أو شركة مختصة للقيام بهذه العملية. أما الرقمنة المباشرة فيقصد بها الرقمنة انطلاقا من الأصول، بينما الرقمنة غير المباشرة، فتعتمد على الرقمنة انطلاقا من المصغرات الفيلمية.
وتعتبر الرقمنة الداخلية اختيارا جيدا غير أنها جد مكلفة، فهناك تكلفة بناء المختبر والتجهيزات وتكلفة التسيير والصيانة وضرورة تكوين أطر مختصة، بالإضافة إلى التطورات السريعة لتكنولوجيا المعلومات، والتي تجعل التجهيزات أحيانا غير مواكبة للتطور، ويستحسن تغييرها، فيصبح الاستثمار غير مربح، خصوصا إذا علمنا أن السباق مع التطور التكنولوجي بالنسبة لدول العالم الثالث يعتبر سباقا تعجيزيا، وقليلة هي الدول التي تستطيع مواكبة آخر التطورات في مجال تكنولوجيا المعلومات. ويبقى القطاع الخاص بالنسبة للدول النامية هو الأكثر قدرة على هذا التحدي. وبخصوص التغلب على التكلفة الباهظة لرقمنة التراث الوثائقي، أوصت منظمة اليونسكو بأن يتم خلق مختبرات جهوية مختصة في الرقمنة، ويقوم كل مختبر بخدمة مجموعة من المكتبات عوض أن تتحمل كل مكتبة تكاليف إنشاء مختبر خاص بها. إلا أن المنظمة تشجع بالمقابل المكتبات التي تحتوي على مجموعات نادرة ونفيسة، كالمخطوطات وغيرها، وأن تنشئ مختبرات خاصة بها خوفا من ضياع هذه المجموعات عند نقلها من المكتبة إلى المختبرات الجهوية، إذ تطرح مشكلة التأمين عدة صعوبات في هذا الجانب.
أما بالنسبة لمسؤولي المكتبات الذين يرغبون في تكليف شركة مختصة للقيام بهذه العملية، فإنه ينبغي لهم التأكد جيدا من جودة الخدمات التي تقدمها هذه الشركة، وأن يبرم عقد بين المكتبة والشركة المذكورة بكل وأدق التفاصيل، وأن يكون دفتر الجدوى ضامنا لحقوق وواجبات كل طرف. كما أنه يستحسن بالنسبة للمجموعات النادرة والنفيسة أن يتم تصويرها تصويرا فوتوغرافيا داخل المكتبة، وأن تتكلف الشركة بتحويل هذه الصور الفوتوغرافية إلى صور رقمية داخل مختبراتها، وذلك خوفا من ضياع هذه المجموعات النفيسة التي تعجز غالبا المكتبات عن أداء واجبات التأمين لها. إن طريقة التصوير الفوتوغرافي لنفائس المجموعات سيزيد حتما من تكلفة المشروع، إلا أنه يضمن عدم ضياع الأصول عند نقلها إلى مختبرات الشركة المتعاقد معها. يمكن كذلك في هذا الإطار تبني الرقمنة غير المباشرة لكل المجموعات، بالاعتماد على الرقمنة انطلاقا من المصغرات الفيلمية، وهي عملية أقل تكلفة نسبيا من الرقمنة المباشرة، كما أنها تعفي المكتبة من إرسال الأصول إلى الشركة المكلفة بعملية الرقمنة. غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن الرقمنة انطلاقا من المصغرات الفيلمية هي أقل جودة من الرقمنة المباشرة، كما أن عددا كبيرا من المكتبات لا تتوفر على مصغرات فيلمية لتراثها الوثائقي، هذا بالإضافة إلى كون بعض المكتبات قامت بالتصوير الفيلمي لتراثها الوثائقي بالأبيض والأسود، بينما يستحسن أن تكون الرقمنة بالألوان، حتى لا تضيع القيمة الجمالية لبعض المخطوطات النادرة.
8- متطلبات رقمنة المخطوطات:
تتطلب عملية رقمنة أرصدة المخطوطات عدة عوامل أساسية يمكن التعرض لها فيما يلي:
8-1- التخطيط (21):
على كل مكتبة تريد تبني مشروع رقمنة تحديد خطة انطلاقا من مجموعاتها ومستعمليها، والتخطيط هو عملية منتظمة تتضمن اتخاذ مجموعة من الإجراءات والقرارات للوصول إلى أهداف محددة وعلى مراحل معينة، مستخدمة كافة الإمكانات المادية والبشرية والمعنوية المتاحة حاليا ومستقبلا أحسن استخدام.
والتخطيط لمشروع رقمنة يجب أن يسند إلى لجنة تشرف على المشروع، تعرف باسم لجنة فريق عمل المكتبة الرقمية، والتي تتكون من عناصر تتصف بالكفاءة العلمية والعملية في: علم المكتبات والمعلومات، الحاسوب، والبرمجيات، الشبكات والاتصالات، حيث تقوم بوضع خطة مناسبة لمراحل تنفيذ المشروع، وابرز عناصر هذه الخطة ما يلي:
*- تحديد أهداف المشروع.
*- دراسة الجدوى ويتم فيها تحديد المتطلبات الضرورية لعملية الرقمنة: الوسائل والتجهيزات.
*- تحديد تكاليف المشروع وإقرار ميزانية مناسبة للمشروع مع تبويبها.
*- وضع خطة زمنية واضحة لمراحل تنفيذ المشروع.
*- إعادة هندسة الإجراءات الإدارية والتنظيمية والعمليات الفنية، وما يتناسب والتحوّل الجديد.
*- تحديد الإجراءات المتخذة بخصوص المشاكل التي قد يتعرض لها المشروع.
ولقد حدد فريق عمل برنامج المكتبة الرقمية الوطنية بمكتبة الكونجرس الأمريكية عدة عناصر، يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لإنشاء المكتبات الرقمية وهي كالتالي:
*- أولا: بناء المصادر:
– تطوير تقنيات رقمنة المصادر.
– تصميم أدوات البحث والاسترجاع.
– تصميم أدوات فهرسة ووصف المصادر.
*- ثانيا:التشغيل: بناء البروتوكولات والمعايير التي تدعم إنشاء المكتبات الرقمية.
*– ثالثا:الملكية الفكرية: تحديد الأطر التشريعية والقضايا القانونية المرتبطة بإتاحة وبث ونسخ المصادر الرقمية.
*- رابعا: الإتاحة الفعالة: توفير أدوات أكثر مرونة وكفاءة في تحويل المحتوى الرقمي، بما يتلاءم واحتياجات المستفيد النهائي.
8-2- القوانين والتشريعات:
يتطلب مشروع الرقمنة مجموعة من القوانين والتشريعات، التي تحدد كيفيات وطرق تداول الوثائق المرقمنة، مع إعطائها الصبغة الرسمية للتداول، والاستعمال من طرف مختلف الهيئات والمؤسسات، شأنها شأن الوثائق التقليدية خاصة تلك التي تثبت الحقوق الخاصة بالأفراد والمؤسسات، وذلك في إطار قانوني محض، أي تتم عملية الرقمنة وتنظيمها وتسييرها وفق نظام متكامل يضمن جميع الحقوق، وخاصة حقوق الملكية الفكرية(22).
ويمكن التعرض لحقوق الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية من خلال التشريعات الدولية كما يلي:
اهتمت الدراسات القانونية والقواعد التشريعية في سنوات السبعينات بقضية جديدة أوجدها الحاسب الآلي والبيئة الإلكترونية الممثلة في المكتبات الرقمية وشبكة الإنترنت وما يتعلق به من أفكار ومعلومات وتطبيقات، وقد شملت هذه المصنفات ابتداء من منتصف السبعينات وحتى وقتنا الحالي ثلاثة أنواع من المصنفات هي البرمجيات، وقواعد البيانات، وطبوغرافيا الدوائر المتكاملة، وهي مصنفات خاصة ببيئة الحاسب الآلي. ومع ظهور شبكة الإنترنت والمكتبة الرقمية، برزت معها قضايا جديدة أدت إلى زيادة الاهتمام وتوسيع حقل المصنفات الرقمية.
8-2-1- برامج الحاسوب:
إن حماية برامج الحاسوب قضية ضرورية يجب وضع المواد القانونية لتأمين هذه الحماية داخل قوانين التأليف، وهذا ما أكدته التشريعات العالمية، من خلال قانون التأليف لعام 1976، من طرف الكونغرس الأمريكي: إن برمجيات الحاسوب هي أعمال أدبية يحميها القانون، وتحت المبادئ نفسها التي تحكم حماية الأعمال الأدبية الأخرى(23)، وبالتالي فبرامج الحاسوب هي أولى المصنفات المعلوماتية، أو تقنية المعلومات التي حظيت بالاعتراف وتوفير الحماية القانونية لها، وقد ساهمت المنظمة العالمية للملكية الفكرية، عبر ملتقياتها وأدلتها الإرشادية وقوانينها النموذجية في حسم الكثير من الجدل بشأن حماية البرمجيات ليكون ضمن قانون حق المؤلف، لا قوانين براءات الاختراع، أي الحماية عبر نظام الملكية الأدبية الفكرية وليس الملكية الصناعية الفكرية(24).
8-2-2- قواعد البيانات:
ترتبط قواعد البيانات ببيئتين، بيئة الحاسب الآلي، وبيئة الشبكات والإنترنت، وتعرف قاعدة البيانات” أنها تجميع مميز للبيانات، يتوافر فيه عنصر الابتكار، أو الترتيب، أو التبويب عبر مجهود شخصي، بأي لغة أو رمز، ويكون مخزنا بواسطة الحاسوب، ويمكن استرجاعه بواسطته أيضا، وأساس حماية قواعد البيانات هو الابتكار، ولا تعني المعلومات والبيانات المكونة لها ملكية فكرية للمنتج(25)”. كما أضافت الاتفاقيات الدولية إلى هذا التعريف عنصر الخلق الفكري أو الابتكار، فالمادة 10/2، من اتفاقية ترييس أقرت “تتمتع بالحماية البيانات المجمعة أو المواد الأخرى، سواء أكانت في شكل مقروء آلياً أم أي شكل آخر، إذا كانت تشكل خلقا فكريا نتيجة انتقاء أو ترتيب محتوياتها، وهذه الحماية لا تشمل البيانات أو المواد في حد ذاتها، ولا تخل بحقوق المؤلف المتعلقة بهذه البيانات أو المواد ذاتها”. والمادة5، المتعلقة بقواعد البيانات من معاهدة الوايب و تؤكد ذلك(26).
8-2-3- تصميمات الدوائر المتكاملة:
تصميمات أو طبوغرافيا الدوائر المتكاملة، هي”كل ترتيب ثلاثي الأبعاد معد لدوائر متكاملة بغرض التصنيع، ويعد التصميم التخطيطي جديدا متى كان نتاج جهد فكري بذله صاحبه ولم يكن من بين المعارف العامة الشائعة لدى أرباب الفن الصناعي المعني” وتؤكد اتفاقية تريبس لقواعد حماية الدوائر المتكاملة في المواد 35-38، أما مدة حماية التصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة فقدرت بعشر سنوات(27).
8-3- الموارد البشرية:
يعتبر العنصر البشري المؤهل من أهم أسس وعوامل نجاح مشاريع الرقمنة، وعدد العاملين في برامج الرقمنة يختلف من مؤسسة إلى أخرى حسب الرصيد المراد رقمنته، وكذا الإمكانيات المادية التي تمتلكها هذه المؤسسات، والتي تؤهلها إلى انتداب عاملين أكفاء لإنجاز مشاريع الرقمنة، بعض المؤسسات التوثيقية تمنح مشاريع الرقمنة إلى متعامل خارجي متخصص، وهذا راجع للتكلفة الكبيرة لتوفير تجهيزات الرقمنة، بالإضافة إلى نقص الخبرة، وانعدام العمال المؤهلين لعمليات الرقمنة.
إذا يعتبر العامل البشري مهماً في معادلة رقمنة الأرصدة الوثائقية، وخاصة العاملون المؤهلون في ميدان الرقمنة، وكذلك الإمكانيات المادية التي تمتلكها المكتبات لتأهيل أو انتداب عاملين لإنجاز مشاريع الرقمنة، وهذه المشاريع تتطلب عددا كبيرا من العاملين، بقدر ما تتطلب عاملين أكفاء، فعلى سبيل المثال تضم “مصلحة الرقمنة بالمكتبة الوطنية الفرنسية 22 عاملا مكلفين بإنجاز الرقمنة، ويقدر العدد المتوسط والمخصص لعمليات الرقمنة داخل المكتبات الجامعية بسبعة أفراد.(28)”
8-4- الموارد المالية:
تختلف تكلفة رقمنة الأرصدة الوثائقية باختلاف مشاريع الرقمنة، وهي مرتبطة بممولين لهم تجارب سابقة في هذا الميدان، وهذا ما يصعب على المكتبات حصر تكاليف الرقمنة، وتبقى تقديرات تقريبية تختلف التكاليف حسب الأرصدة المرقمنة، فمثلا تتطلب عملية” رقمنة كتاب بالمكتبة الوطنية لكوريا الجنوبية 154 دولاراً، بينما لا يكلف الكتاب نفسه بمكتبة نيويورك العامة سوى (28) دولاراً، ومتوسط تكلفة رقمنة كتاب لدى كثير من المكتبات ومراكز الأرشيف بالولايات المتحدة الأمريكية (70.66) دولاراً ومتوسط تكلفة رقمنة الصفحة الواحدة هو (7.72) دولاراً. (29)”
تقدر “تكلفة تحضير 100 مخطوط لعملية الرقمنة (2654) دولاراً، وتتمثل هذه التكلفة في العمليات الفنية، لكل مخطوط، وتحديد الواصفات التفصيلية للمخطوط، وتكلفة البرامج لإدخال الواصفات، أما عملية الرقمنة في حد ذاتها فتقدر تكلفتها بـ(2975) دولاراً، وتتعلق بالأعمال التقنية، الماسح الضوئي، دقة الصورة، المعالجة والمراقبة، هذه التكلفة التقديرية لرقمنة (100) مخطوط أو ما يعادل (20000) صورة، قابلة للتغير والتعديل.” (30)
8-5- التجهيزات والمعدات:
وتتمثل التجهيزات التي يجب توفيرها لرقمنة المخطوطات بما يلي:
8-5-1- الماسح الضوئي:
تتمثل مهمة جهاز الماسح الضوئي SCANNER بالأساس في تحويل صورة موجودة على الورق أو على فيلم شفاف إلى صور إلكترونية، بهدف إحكامية معالجتها ببرامج خاصة مثل فوتوشوب PHOTO SHOP، ثم إخراجها في صورة منتج نهائي إما مطبوعا لأغراض النشر المكتبي وإما مقدما على الإنترنت. ” (31)
يتصل الماسح الضوئي بالحاسوب عادة من خلال منفذ VSB، أما من حيث البرامج فإنه يتم من خلال برامج تشغيل محركات DRIVERS، وأشهرها برامج TWAIN (معيار قياس صمم ليسمح لبرنامج الصور الذي تتعامل معه بالتواصل مع الماسحة الضوئية )، وتنقسم الماسحات إلى عدة أنواع منها الماسحات أحادية اللون والماسحات الملونة، والماسحات اليدوية، والماسحات الأسطوانية. وهي كالتالي:
1–1– الماسح الضوئي المسطح: هذا النوع من الماسحات الضوئية يعمل من خلال تثبيت الورقة المراد تخزينها في الحاسوب داخل الماسح وتبقى ثابتة مكانها، ثم يمسح ضوء الجهاز هذه الورقة.
1–2– الماسح الضوئي ذو التغذية اليدوية: وهو جهاز يعمل من خلال وضع الورقة المراد رقمنتها داخل الماسح لتمر بداخله، وتتعرض لمصدر ضوئي ثابت، ويتميز بصغر حجمه.
1–3– الماسح الضوئي اليدوي: وهوا لأصغر حجما، يقوم بالمسح بطريقة يدوية عن طريق تحريك ضوء الماسح على الورقة المراد رقمنتها، وهو لا يعطي صورة عالية الجودة. ” (32)
1–4– الماسح الضوئي الأسطواني: تثبت الورقة على أسطوانة زجاجية وبتمرير ضوء من داخل الأسطوانة تُضاء الورقة، ويقوم جهاز حساس للضوء يسمى أنبوبة تكبير الفوتونات ليحول الضوء المنعكس إلى تيار كهربائي.
1–5– الماسح الضوئي الرأسي: يتميز بقدرته على الحد من مخاطر إتلاف المصدر أثناء المسح الضوئي سواء للأوراق أو الغلاف ( التجليد).(33)
1–6– الماسح الضوئي لقلب الصفحات: وهو أحدث أنواع الماسحات الضوئية، يتمتع بقدرة ذاتية على قلب الصفحات، بإمكانه مسح (1600) صفحة في الساعة بجودة عالية.
1–7– أجهزة التصوير الرقمية: تتوافر أجهزة التصوير الرقمية بفئات وأنواع متعددة، ابتداء من الأجهزة التي تناسب احتياجات المستخدم الهاوي(غير المتخصص) وصولا إلى الأجهزة التي تناسب احتياجات المتمرس والمحترف، وعادة ما تكون مجموعات الأجهزة الموجهة إلى المختصين متاحة على حامل أو عمود، وهي تعمل باستخدام تقنية المسح، وذو جودة عالية، يمكنها الضغط الفوري للصور بهدف تقليص حجم الصور، وتوفير الحيز في وسيط التخزين، كذلك ترميز الألوان من 24Bits ([1]) إلى 36 Bitsوذلك إلى جانب استخدام درجات وضوح تصل إلى 6000 × 18000([2])Pixel.وينبغي أن تحتوي أجهزة التصوير المتخصصة ضمن خصائصها معالجة الصور الملونة بدرجات عالية، والقدرة على معالجة وإدارة الملفات ذات الأحجام الكبيرة نسبيا. ويتم استخدام هذه التقنية الرقمية بشكل خاص في إطار مشروعات الرقمنة للنصوص القديمة والنفيسة مثل المخطوطات وأوائل المطبوعات، كما يمكن رقمنة الأوعية النفيسة في المكان نفسه، بدلا من نقلها إلى مؤسسات المعلومات أو المكتبات، وبالتالي ما ينجم عن هذه العملية من أعباء إضافية تتعلق بتكاليف النقل، وكذا إمكانية تعرض المخطوطات للتلف والضياع(34).
8-5-2- مزايا الماسح الضوئي:
*- يستخدم الماسح الضوئي كبديل مفضل عن لوحة المفاتيح التي تحتاج إلى جهد أكبر، ومشاكل كثيرة.
*- إمكانية الحصول على صورة طبق الأصل من الوثائق الورقية المطلوب معالجتها بالماسح الضوئي، وذلك عن طريق التحكم في حجم الوثيقة المصورة، مع إمكانية التصغير والتكبير حسب الحاجة.
*- ضمان نتاج نوعية عالية من المخرجات حتى في حالة كون الوثيقة الأصلية رديئة الجودة، بفضل إمكانية البرامج المستخدمة.
8-5-3- الحواسيب:
*- الحواسيب الآلية: تتعدد أنواع الحواسيب من حيث مصنعيها وأحجامها وقدراتها على المعالجة، وهذه الحواسيب لابد أن تتوفر على مجموعة من الخصائص وهي:
*- الموزع: يكون ذا قدرات عالية في تخزين المعلومات، وسرعة في المعالجة ليتمكن من تحليل المعلومات وتسيير قاعدة البيانات والشبكة المحلية، كما يجب أن يتوفر على العديد من الوسائل لقراءة مختلف الوسائط الرقمية، ووسائط حفظ وتخزين المعلومات على الأقراص الضوئية بمختلف أنواعها.
*- الحواسيب العميلة: يجب مراعاة اختيار الحواسيب العميلة ذوي قدرات هائلة في المعالجة، وقراءة جميع الوسائط المختلفة، وتوفرها على بطاقات الفيديو والشبكات والصوت (ملتيميديا).
وعلى الأرجح لابد من توفر الأجهزة التالية لإنجاح مشروع الرقمنة:
– حاسوب SERVEUR لوضع قاعدة البيانات المرقمنة يعمل بنظام WINDOWS.
– حاسوب خارجي لطباعة الوصفات الخاصة بكل مخطوط.
– طابعات لاستخراج المعلومات اللازمة.
– ناسخ الأقراص المليزر GRAVEUR لاسترجاع البيانات المرقمنة، وتسجيلها على أقراص مليزرة قابلة للتسجيل.
8-5-4- البرمجيات:
إن مشاريع الرقمنة تحتاج إلى مجموعة من البرمجيات تبعا للوظائف والتطبيقات المستعملة بالمشروع، وأي مشروع رقمنة يحتاج إلى البرمجيات التالية:
*-أنظمة التشغيل: أهمها استعمالا نظام Windows xp المستعمل لتشغيل الحواسيب الصغيرة، ونظامUnix المستعمل لإدارة الشبكات.
*- برمجيات التطبيقات:
– حزمة الأوفيس، MS Office.
– برمجيات معالجة الصور، Adobe photodeluxe, Adobe Photoshop,.
– برمجة ضغط الملفات، Winxip, Winrar.
– برمجيات إنشاء وإدارة قواعد البيانات.
ويعد نظام أوراكل من الأنظمة الرائدة في إدارة قواعد البيانات العلائقية، ويتميز بتصميمه ليعمل على بيئة أنظمة مفتوحة، ويمكن استخدامه من خلال أنظمة Unix.
كما تحتاج هذه المشاريع إلى بروتوكولات الشبكات والإنترنت لربط نظم استرجاع المعلومات عل الخط.
*- برمجية التعرف الضوئي على الحروفOCR:Optical Character Recognition(35):
تختص تقنية التعرف (القراءة) الضوئي على الحروف بمجموعة من العمليات التي تتعلق بالتعرف وقراءة نص معين، وبالتالي تحويله إلى ملف نصي. ذلك الملف النصي يتضمن بيانات ومعلومات معبر عليها، مكودة في شكل معيار ASCII، والنتيجة لتلك العملية تكون ذلك الملف الرقمي الذي يتم معالجته عبر برمجيات متخصصة في التعرف الضوئي للحروف التي تشكل النص، ويقوم بترجمة حرف عبر حرف وكلمة في ملف نصي الذي يحتل غالبا مساحة أقل من تلك التي يحتاج إليها ملف الصور.
ويعمل برنامج التعرف الضوئي على الحروف بخمس مراحل أساسية هي كالتالي:
– تحديد العناصر النصية والعناصر في شكل صور، تقسيم النص بشكل مناطق، مع تحديد أو ترقيم المقاطع أو العناصر النصية.
– التعرف على الحروف وذلك باستخلاص الخصائص الطباعية للحروف، حيث يتم التعرف على كل حرف معين من خلال التحليل الشكلي له، إلى جانب مقارنة السمات والخصائص المميزة له.
– التحقق والتعرف للكلمة بمقارنتها بقواميس ترتبط بلغة النص الأصلي نفسه متخصصة في نفس المجال الموضوعي.
– التصحيح حيث يقوم البرنامج بإبراز الحروف التي لم يتم التعرف عليها، وذلك بعملية معالج التصحيح.
– التنسيق الشكلي للمخرجات وذلك بتحويل الملف الذي يشتمل على النص إلى شكل أو عدة أشكال من الملفات المستخدمة Word ,PDF….
9- خاتمة:
توثيق التراث وإتاحته للجمهور على شبكة عالمية هو حلم يجدر به أن يكون متعدد المراحل، ومتعدد الشركاء، يتحقق ببذل المجهود من كل قادر، حتى لو كان فردا عاديا، وهذا ما أصبح متاحا في موسوعات المعرفة المفتوحة، لما في إتاحة المحتوى العربي من أهميته، سواء أكان من المخزون التراثي العربي القديم الغائب من حيز اهتمامنا أم الحديث.
لذا ظهرت في الآونة الأخيرة تجارب ومشاريع عربية لتوثيـق وجمع التراث العربي من حيـث هي تجارب تشكل تطلعا واسعا بوجود مكتبة رقمية عربية تحوي في طياتها كنوز الدول العربية وما تزخر به من مخطوطات تمثـل الشخصية العربية الإسلامية التي هي الحاضر والماضي والمستقبل فهي تمثل الهويـة القومـية بمختلف أبعادها فيستحيل أن يقوم لهذه المشاريع والتجارب المستقبلية دولة واحدة أو مؤسسة أو فرد أو هيئة وحدها مهما كانت تملك من إمكانيات مختلفة (مادية، تقنـية، بشريـة) وأيضا وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات وغزارة الإبداع الفكري وتوسع مجالات المعرفة واتساع نطاق التعامل معها والحاجة إلى الكوادر البشرية الضرورية المادية للتعامل مع هذا النشر المعرفي الجديد.
من هذا المنطلق فعامل الموارد المالية والبشرية مهم جدا في معادلة رقمنة المخطوطات، وتتعلق أساسا بالتجهيزات والمعدات اللازمة لسير عملية الرقمنة، كذلك الإطارات المتخصصة ومستخدمي تنفيذ مشروع رقمنة رصيد المخطوطات.
أما أهم الحواجز التي تعترض عملية تنفيذ مشروع رقمنة المخطوطات فهي ما يلي:
*- حواجز قانونية (الملكية الفكرية).
– القانون الخاص بحقوق التأليف والنشر لا يلتزم به في كثير من المؤسسات التوثيقية.
*- حواجز مالية.
– لا توجد ميزانية محددة لرقمنة المخطوطات فهي تتغير باستمرار. وتعتبر الرقمنة الداخلية اختيارا جيدا غير أنها جد مكلفة، فهناك تكلفة بناء المختبر والتجهيزات وتكلفـة التسيير والصيانـة وضرورة تكوين أطر مختصة، بالإضافة إلى التطورات السريعة لتكنولوجيـا المعلومات، والتي تجعل التجهيزات أحيانا غير مواكبة للتطور، ويستحسن تغييرها، فيصبح الاستثمار غير مربح، خصوصا إذا علمنا أن السباق مع التطور التكنولوجي بالنسبة لدول العالم الثالث يعتبر سباقا تعجيزيا، وقليلة هي الدول التي تستطيع مواكبة آخر التطورات في مجال تكنولوجيا المعلومات. ويبقى القطاع الخاص بالنسبة للدول النامية هو الأكثر قدرة على هذا التحدي. وبخصوص التغلب على التكلفة الباهظة لرقمنة التراث الوثائقي، أوصت منظمة اليونسكو بأن يتم خلق مختبرات جهوية مختصة في الرقمنة، ويقوم كل مختبر بخدمة مجموعة من المكتبات عوض أن تتحمل كل مكتـبة تكاليف إنشاء مختبر خاص بها. إلا أن المنظمة تشجع بالمقابل المكتبات التي تحتوي على مجموعات نادرة ونفيسة، كالمخطوطات وغيرها، وأن تنشئ مختبرات خاصة بها خوفا من ضياع هذه المجموعات عند نقلها من المكتبة إلى المختبرات الجهوية، إذ تواجه مشكلة التأمين عدة صعوبات في هذا الجانب:
*- حواجز فنية .
– تحديد حقول المخطوط وفروع الحقول اللازم وضعها للمساعدة في استخراج المعلومات.
– وضع واصفات البيانات التي تصف المخطوط، (أصلي، مصور، …الخ).
– وضع استخلاص أو كلمات مفتاحية حول هذا المخطوط.
– وجود الكتابة ضمن إطار فني من الأرابيسك في مقدمة بعض المخطوطات.
– التنوع في حجم الخطوط الصفحة الواحدة.
– التنوع في نوع الخط ضمن المخطوط الواحد.
– وجود تعليقات كثيرة على الحواشي، وأحيانا بين السطور، تأخذ أشكالا متعددة أفقيـة، مائلـة، عموديـة ومنعرجة.
– وجود ترجمات بلغتين أو ثلاثة.
وأخيرا وضع المخطوط من حيث الحفظ يؤثر كثيـرا على وضوح الكتابـة، فإن تعرض المخطوط للرطوبة قد يساعد على ظهور نقاط سوداء على الكتابة وبالتالي تصبح جزءاً من الكلمة.
*- حواجز تقنية.
قد يعود ذلك إلى الخلل أو العطب الذي يصيب وحدة من وحدات النظام، كذلك أضرار الفيروسات التي تتعرض لها الملفات القاعديـة لرقمنة المخطوطات.
بالنسبة للخصوصيات التقنية، تعتبر الرقمنة على شكل صورة أكثر صفاء من حيث نقل الصورة الأصلية للمخطوط بما تحتويه من رسومات وتوضيحات وألوان وأشكال، …الخ. ولكنها تحتل مساحة واسعة عند التخزين، حيث أن الكتاب الذي يحتوي على (300) صفحة يحتاج إلى (20) مليون “بايت” لتخزينه على شكل صورة، بينما الكتاب نفسه يحتاج إلى (600) ألف “بايت” فقط لتخزينه على شكل نص. رغم ذلك تبقى عملية الرقمنة على شكل صورة مهمة في مجال الكتب والمخطوطات القديمة، وخاصة للباحثين والمختصين بدراسة تاريخ الفن، وتاريخ المخطوط، من حيث طريقة كتابته، ونوع المادة المكتوبة.
ومن بين سلبيات الرقمنة كذلك المساحة الكبيرة التي تأخذها الصورة الرقمية داخل ذاكرة الحاسوب أو القرص المدمج، رغم اختراع البرمجيات المختصة في ضغط هذه الصور. أما فيما يخص الرقمنة من أجل الحفاظ على التراث الوثائقي من التلف والضياع، فإن هناك تضاربا في الآراء بين المختصين في مجال الصيانة. فهناك من يعتبر أن الرقمنة هي جيدة لنشر المعرفة وتداولها، وليس لحفظ الذاكرة الثقافية، حيث أنه لم يتم التأكد نهائيا حتى الآن من العمر الحقيقي للأقراص المدمجة، بينما يؤكدون على أن المصغرات الفيلمية تظل أحسن وسيلة للحفاظ على التراث الوثائقي، رغم محدوديتها في مجال نشر المعرفة، وبالتالي فأنصار هذه النظرية يؤمنون بالتكامل بين المصغرات الفيلمية وبين الأقراص المدمجة. إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن الرقمنة تلعب دورا هاما في الحفاظ على التراث الوثائقي بطريقة غير مباشرة، إذ إنها تخفض من الضغط على استعمال الأصول، وتوفر طريقة جديدة وجيدة لتداول التراث الوثائقي، وبالتالي ينعكس هذا الأمر إيجابا على سلامة المجموعات المكتبية.
أما فيما يخص الرقمنة من أجل التواصل ونشر المعرفة والتبادل الثقافي عن طريق الارتباط بشبكات المعلومات، فإنه يمكن التأكيد على الايجابيات العديدة لهذه العملية، فعن طريق الارتباط مثلا بشبكة الانترنيت يمكن التعريف بالتراث الوثائقي، وجعله رهن إشارة المستعملين على مدار الساعة، مع إمكانية تصفح العديد من القراء للمحتوى في الوقت نفسه، وتوفير الجهد والوقت والمال بالنسبة للباحثين، وذلك بإعفائهم من التنقل إلى عين المكان حيث يوجد الكتاب أو المخطوط أو الوثيقة.
ويمكن القول هنا إن الحواجز الأساسية التي تعترض متطلبات رقمنـة المخطوطات، والتي تنحصر بين الصعوبات المالية والقانونية، وكلاهما مرتبط بالآخر. فرقمنة المخطوطات تتطلب ميزانية معتبرة لتأمين التجهيزات والبرمجيـات والنفقات المستمرة لذلك، إلى جانب توفيـر الأموال لتعويض أصحاب الحقوق الخاصة بالأعمال محل الرقمنة. كذلك هناك بعض الإشكاليات المطروحة حاليا في هذا المجال، والمتعلقة خصوصا بالجوانب القانونية للصورة الرقمية، فهناك مثلاً مشكلة حقوق المؤلفين، كما أن الصورة الرقمية معرضة بسهولة لعمليـة التزييف، وهو ما يمكن أن يطرح مشاكل عديدة بالنسبة لمصداقية الصورة الرقمية، كما أن هذه المشكلة ستشكل هاجسا حقيقيا للمختصين في مجال التراث المخطوط والذين يرغبون في تحقيق المخطوطات عن بعد.
أما النواحي الفنية المتعلقـة بعملية رقمنـة المخطوطات، فخصوصية الخط والمخطوط العربي يعتبر أهم إشكال، إلا أن نسبـة تعرف هذه البرامج على جميع الخطوط OCR رغم وجود برامج خاصـة لقراءة الخط العربي
العربية لم يبلغ درجة كبيرة، لأن الخطوط العربية المكتوبة مشكلة أكثر صعوبة، وذلك لتعدد أنواعها التي تصل إلى أكثر من مائة نوع.
المراجع
1- الحلوجي، عبد الستار. نحو علم مخطوطات عربي .القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2004.ص.09.
2-الشامي، محمد. حسب الله، أحمد. المعجم الموسوعي لمصطلحات المكتبات والمعلومات.الرياض: دار المريخ، 1988.ص.704.
3- الشويخات، محمد .مهدي، أحمد . الموسوعة العربية العالمية. ج.22.الرياض:مؤسسة أعمال الموسوعة، 1999.ص.25.
4- السيد، أيمن فؤاد .الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات . ج.1. القاهرة:الدار المصرية اللبنانية، 1997.ص.22.
5- العبيدي، صلاح حسين. الملامح الفنية والتقنية للمخطوط الإسلامي. ع.51. في: مجلة التراث: آفاق الثقافة والتراث. دبي: مركز جمعة الماجد، 2005.ص.157.
6- بن عاشور، نعيمة. الفهرس التحليلي للمخطوطات العربية التي لم تشملها أدوات الضبط البيبليوغرافي في المكتبة الوطنية. الجزائر: جامعة الجزائر، 1993.ص.466.
7-قندليجي، عامر ابراهيم. عليان، ربحي مصطفى. مصادر المعلومات من عصر المخطوطات إلى عصر الإنترنت.عمان: دار الفكر، 2000.ص.44.
8- فراج، عبد اللطيف. مفاهيم أساسية في المكتبات الرقمية. مجلة المعلوماتية. السعودية: وزارة التربية والتعليم. ع .10، 2005. ص.38.
9- Dipti ,S.tripathi .Guidelines for digitization of archival material .National mission for manuscripts. New delhi:n.m.for m.,2008.pp.20-21.
-Vers une stratégie sur l’information numérique.(En ligne). disponible sur:http//www.collectionscanada.gc. ca/obj. visite le (04/03/2016).
-Sicard, Thierry .le Concept de mot-clé (En ligne). disponible sur:http// www. education. gouv. fr.rapport/ mot- cle-doc., visite le (06/03/2016).
12- طاشور، محمد. من المكتبة التقليدية إلى المكتبة الرقمية. في: مجلة المكتبات والمعلومات. مج.2 .ع. 2. قسنطينة: جامعة قسنطينة، 2005. ص.77.
13- فرج، أحمد. دراسات في تحليل وتصميم مصادر المعلومات الرقمية. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2009.ص.30.
– Zdenek, Uhlir. Manuscript digitization and electronic processing of manuscripts in the Czech national library .International journal. Information theories and application. vol. 11. p40.
– Fazluddin, Ahmed. Digitization as a means of preservation of manuscripts: case study of Osmania university library. 7th International Caliber, Pondicherry university, 2009, Inflibnet centre. p.94.
16- اليونسكو. ذاكرة العالم: مبادئ رائدة لحفظ التراث الوثائقي. باريس، 1995. ص.ص. 55-60.
17- Sous la direction des bibliothèques et de documentations. A propos de la numérisation: notion et conseils techniques élémentaires.(En ligne). Disponible sur:http: //www.sup.ade. education. fr/bib/mtclé.htm. (23/03/2016).
18- عماد، صالح محمد. مشروعات المكتبة الرقمية في مصر:دراسة تطبيقية للمتطلبات الفنية والوظيفية. القاهرة: جامعة حلوان، 2004.ص.33.
19- Willam , y. Arms. Digital librairies. .(En ligne).
.Disponible sur: http: www .informatics .gov.sa/magazine. (23/03/2016)
20- مهري، سهيلة. المكتبة الرقمية: الأسس النظرية والتطبيقية. قسنطينة: دار بهاء الدين للنشر والتوزيع، 2011. ص.83-84.
21- حافظي، زهير. الأنظمة الآلية ودورها في تنمية الخدمات الأرشيفية: دراسة تطبيقية بأرشيف بلدية قسنطينة. دكتوراه علوم علم المكتبات. قسنطينة: جامعة منتوري قسنطينة، 2008.ص.124.
22- صوفي، عبد اللطيف. المكتبات وحقوق التأليف الرقمية والنشر الإلكتروني .أعمال الندوة العربية الأولى للمعلومات. تكنولوجيا المعلومات والتشريعات القانونية. قسنطينة: مخبر تكنولوجيا المعلومات، 2000. ص.113.
23- يونس، عبد الرزاق مصطفى. أمن المعلومات الإلكترونية وحقوق الملكية الفكرية.. أعمال الندوة العربية الأولى للمعلومات.تكنولوجيا المعلومات والتشريعات القانونية. قسنطينة: مخبر تكنولوجيا المعلومات، 2000.ص74.
24- عرب، يونس. حماية برامج الكمبيوتر وتشريعات الملكية الفكرية. مجلة حماية الملكية الفكرية.ع. 39. 1994. ص.40.
25- عرب، يونس. الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية.(على الخط).. متاح على:
http//www.arahlarv.org/davnlnadi/ip_digital works_cnnv.doc (10/03/2016
26- معاهدة الوييو(المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية) بشأن حق المؤلف. (على الخط).. متاح على:
http//www.arahlarv.org/davnlnadi/ip_wip phanan grams_cnnv.doc(02/3/2016)
27- عرب، يونس. الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية. (على الخط) مرجع سابق.
28- فراح، عبد الرحمان. مفاهيم أساسية في المكتبات الرقمية. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود.
23/3/2016). Disponible sur: http:/ www .informatics .gov.sa/magazine. Enligne
29- Sara, Gould richard . Enquête sur la numérisation et la présentation. (En ligne), Disponible sur:http://www.unesco.org./web Word/mdn/servey rtf.fr. (20/11/2015).
– BNF. La Numérisation à la BNF:construction et technique.(En ligne). Disponible sur: http:// http://www.bnf.fr (06/03/2016).
31- Sara, Gould richard.op.cit.
32- عماد، صالح محمد. المكتبة الرقمية: الأسس النظرية والتطبيقات العملية. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2006.ص.239
33- الموقع التعليمي للفيزياء: كيف يعمل الماسح الضوئي.
http. (20/03/2016).://www.hazemsakeek.com/quanda/scanner.htm
34-Boudry .c .Principes généraux de la numérisation:matériel de numérisation et
de création d’images. .Disponible sur:
http://www.eer. jussieu.fr/url/image numérique/principes. htm (11/03/2016).
35- منير، الحمزة. المكتبات الرقمية والنشر الإلكتروني للوثائق. قسنطينة: دار بهاء الدين للنشر والتوزيع، 2011.ص.85.
[(*)] Rachid.mezlah@yahoo.fr
[1]:-Bit أصغر وحدة في النظام الثنائي (0/1) الذي يعتمد عليه النظام الحاسوبي.
[2] :- Pixel وحدة ضوئية أو خلية الصورة: هي أصغر نقطة يمكن إضافتها بواسطة الحاسب الآلي والماسح الضوئي على الشاشة


