إعداد:
هاشم حمادي الهاشمي
المقدمة
تحرص الإدارة العامة في مؤسسات الدولة ، وبغض النظر عن طبيعتها سواء كانت مؤسسة عامة ، أو منشاة ، محافظة ، قضاء، أو ناحية ، أو أية إدارة عامة أخرى على أن تكون أعمالها متفقة مع القانون والمبادئ الدستورية العامة ، خاصة وان الإدارة تحرص اشد الحرص على تطبيق القانون باعتبارها المسؤولة عن تنفيذه تلقائيا والتزاما بمبدأ سيادة القانون التي تعد من اهم عناصر الدولة القانونية . فضلا عن ذلك فان الإدارة العامة تسعى دائما إلى انتظام سير المرفق العام لما تقدمه المرافق العامة من نفع عام للأفراد والمجتمع عموما، سواء جاء ذلك على مستوى الجامعات أو المديريات العامة الأخرى التابعة للوزارات المختلفة كالصحة والمالية والصناعة والعدل والداخلية ، والبلديات والأشغال ، والتي هي على تماس دائم مع الناس .
ومن قبيل حرص الإدارة العامة على انتظام سير العمل في المرافق العامة رقابتها الذاتية على أعمالها سواء جاءت من الرئيس الإداري المباشر أو من اللجان الإدارية إلى تتولى الرقابة من خلال حملاتها التفتيشية ، لتقف على أية مخالفة يرتكبها العاملون من موظفيها لتتخذ بحقهم الإجراءات القانونية اللازمة جراء مخالفتهم للقانون سواء كان القانون الخاص بهم هو قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 (المعدل) أو القوانين الأخرى النافذة اذا ما ارتكب الموظف فعلا تجرمه تلك القوانين لتتولى الإدارة التابع لها ذلك اتخاذ الإجراءات القانونية للوقف على مدى في ارتكاب الفعل المخالف للقانون من عدمه.
والأجراء الذي تتخذه الإدارة ابتداءا للوقوف على طبيعة المخالفة التي ارتكبها الموظف وما اذا كانت تشكل جريمة تأديبية توجب العقاب ، مما يندرج ضمن الأعمال المخلة بواجبات الوظيفة أو متفقة مع أي فعل آخر تجرمه القوانين الأخرى ، هذا الأجراء هو التحقيق الإداري ، وهو أول مرحلة تبدء بها الإدارة بعد تكليف من يتولى التحقيق فردا كان أو لجنة تحقيقية لأجراء التحقيق مع الموظف للتثبت من وقوع المخالفة الانضباطية ونسبتها إلى الموظف العام وجميع الأدلة الكافية لأدانته ، وتحديد طبيعة الفعل الذي ارتكبه والقانون الواجب التطبيق.
ولقد وجدنا أن السلطة التي تتولى التحقيق الإداري تختلف تبعا لطبيعة النظام الإداري السائد في البلد في هذا المجال . فالسلطة المختصة بالتحقيق الإداري وفرض العقوبة الانضباطية في النظام الرئاسي تختلف عنها في النظام شبه القضائي ، وهي غيرها في النظام القضائي.
كما أن ضمانات التحقيق الإداري هذا تختلف هي الأخرى تبعا لطبيعة النظام الذي تعتمده الإدارة سواء كانت ضمانات شكلية ، أو ضمانات موضوعية.
ولقد افترضنا أن التحقيق الإداري لكي يأني متفقا مع القواعد العامة المتبعة في الأصول الجزائية لابد أن تتوفر الضمانات اللازمة للموظف المحال على التحقيق ، وكذلك للجان التحقيقية التي هي الأخرى قد تقع تحت سلطة الرئيس الإداري أو الرئاسي الذي يتمتع وحده باعتماد قرارها أو تعديله أو حتى إهماله.
كما افترضنا كذلك عدم جدية الإجراءات المتخذة بحق الموظف المحال على التحقيق وانها جاءت متساهلة جدا معه إلى الحد الذي قد يفقد التحقيق الإداري قيمته القانونية وجدواه.
وفي ضوء ما تقدم تأني أهمية هذا البحث للوقوف على حقيقة الإجراءات المتبعة في إصدار القرار الخاص بالتحقيق الإداري ، والإجراءات المتبعة في إكماله على الوجه الذي يحقق العدالة ويقدم ضمانة حقيقية للإدارة والحق العام من جهة ولضمان حقوق الموظف من الجهة الأخرى .
والذي دفعنا للخوض في هذا البحث هو أننا ومن خلال دراستنا لقانون انضباط موظفي الدولة النافذ رقم 14 لسنة 1991 (المعدل) والتطبيقات العملية لم يحق الكثير من الموظفين الذين ارتكبوا جرائم تزوير في الشهادات الدراسية (الوثائق) والذين اختلسوا أموالا للدولة ، هو أن الإجراءات المتبعة في التحقيق الإداري لم تكن بدرجة عالية من الجدية ولا الصراحة التي تحفظ الحقوق العامة وتجعل الموظف يفكر مليا ويتردد كثيرا إلى الحد الذي يوقفه عن الإقدام على الفعل الجرمي تأديبي كان أو جنائي.
لذلك جاء هذا البحث للتحقيق من الاقتراحات التي اسلفنا، وصولا إلى إيجاد حقائق قانونية نضع من خلالها مقترحات للمشرع للأخذ بها بما يحقق العدالة للإدارة وللأفراد على السواء ويكون أساسا مهما لحفظ المال العام .
ولقد اعتمدنا في هذا الدراسة على أفكار الكتاب والفقهاء وآرائهم وعلى ما اطلعنا عليه من ملفات تحقيق في دوائر الدولة المختلفة دون ذكر أسماء هذه الدوائر وعناوينها، التزاما بمبدأ السرية في المعاملات الحكومية ، كما اتخذنا من أسلوب عرض تلك الآراء وتحليلها ومقارنتها منهجا للبحث
وأخيرا فقد جاء ترتيب مفردات البحث وفقا لما يلي :-
المبحث الأول : السلطات المختصة بفرض العقوبة الانضباطية
المطلب الأول : النظام الرئاسي.
المطلب الثاني : النظام شبه القضائي.
المطلب الثالث : النظام القضائي.
المبحث الثاني : ضمانات التحقيق الإداري .
المطلب الأول : الضمانات الشكلية
المطلب الثاني : الضمانات الموضوعية.
المطلب الثالث : حق المتهم في الدفاع عن نفسه.
المطلب الرابع : ضمانات الموظف في الوقف الاحتياطي عن العمل (سحب اليد)
المبحث الأول
السلطات المختصة بفرض العقوبة الانضباطية
أن الأنظمة السياسية لدول العالم تتباين من حيث المفاهيم والنظم القانونية التي تنتهجها، وينتج عن ذلك اختلاف في القواعد التي تتبعها السلطة التي تختص بتأديب الموظف العام ، وهذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وقد يتناول هذا الاختلاف أصول التأديب ذاته وقواعده الأساسية ، وقد يقتصر على مجرد التفاصيل والجزئيات ، غير انه أيا كان هذا الاختلاف في التشريعات الانضباطية ، ألا أنها تدور بين ثلاثة أنظمة هي (النظام الرئاسي ، النظام شبه القضائي ، النظام القضائي ).
وهو ما سنعرض له في ثلاثة مطالب ، نعرض في الأول منها للنظام الرئاسي وفي الثاني النظام شبه القضائي ، وفي الأخير نتكلم عن النظام القضائي (1)
المطلب الأول
النظام الرئاسي
وهو النظام الانضباطي الذي يكون فيه للسلطة الرئاسية وحدها حق فرض العقوبات الانضباطية على الموظفين العموميين ، دون الرجوع إلى أي جهة معينة لتوقيع العقوبة ، كون الرئيس الأعلى هو الأقرب إلى الموظفين والأكثر دراية بفداحة الخلل الصادر عنهم لغرض انزال العقوبة الملائمة.
ألا أن من سلبيات هذا النظام هو حرمان الموظف من حق الطعن بإلغاء القرار الانضباطي الصادر من الإدارة إذ يترك الموظف العام لتحكم الإدارة (2) ، ومن الدول التي لا تزال تأخذ بهذا النظام ، الدنمارك وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية والبرتغال وكندا والمملكة المتحدة (3)
أما عندنا في العراق فقد أخذنا بالنظام الرئاسي ، إذ سمحت (المادة (14) من قانون انضباط موظفي الدولة القطاع الاشتراكي للرئاسة ومجلس الوزراء والوزير المختص ورئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ورئيس الدائرة والموظف المخول من الوزير بفرض العقوبة التي قررها لكل منهم.
الفرع الأول
السلطة المختصة بالإحالة إلى التحقيق
رغم أن السلطة الرئاسية في النظام الرئاسي ، هي التي أناط المشرع بها فرض العقوبة المقررة على الموظف ، إلا أن السلطة التي تتولى الإحالة على التحقيق تختلف في الأنظمة الرئاسية ذاتها من نظام إلى آخر، كما تختلف في وصفها طبيعة
قرار الإحالة هذا هل هو نهائي وبالتالي يجوز الطعن فيه أمام سلطة ما؟
ففي العراق على سبيل المثال نرى أن المشرع العراقي قد حدد السلطة التي تختص بالأمر بإجراء التحقيق مع الموظف في المخالفات الإدارية للكشف عن حقيقة التهمة المنسوبة إليه ، وتحديد مسؤوليته تمهيدا لأحالته إلى السلطة الانضباطية المختصة بالنظر في أمر عقابه ، ففي قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 فان السلطة التي لها الحق بالإحالة على التحقيق تكون للوزير بالنسبة لأي موظف من موظفي وزارته ، ولرئيس الدائرة بالنسبة لموظفي دائرته (4) .
ويعتبر قرار الإحالة إلى التحقيق قرارا إداريا مستقلا بذاته أي قرارا نهائيا نظرا للأثار القانونية الخطيرة التي يحدثها من وقف عن العمل أو أرجاء ترقية أو آثار معنوية فادحة فيجب الاعتراف له بوصف النهائية مما يمكن الطعن فيه استقلالا كضمانة أساسية تحول دون التعسف في استخدام هذه السلطة (5) . وإذا كان هذا الأمر في مصر فلا مجال لذلك عندنا في العراق ، لذا نقترح الأخذ بهذا المبدأ في قانون انضباط موظفي الدولة النافذ في العراق تحقيقا للعدالة.
كما نجد في جمهورية مصر العربية أن السلطة المختصة بالإحالة إلى التحقيق قد نظمتها جملة قوانين وتشريعات تبعا لدرجات الموظفين والعاملين في الدولة فان إلغاء القانون رقم (210) لسنة 1951 صدر قانون جديد وهو قانون العاملين المدنيين الجديد رقم (47) لسنة 1978 حيث أن المشرع أصدر لائحته التنفيذية بمقتضى قرار لجنة شؤون الخدمة المدنية رقم (2) لسنة 1978 الصادر في سبتمبر سنة 1978، إلا أن الغريب في الأمر أن اللائحة الجديدة جاءت بالغة الاختصار لدرجة الأخلال ، فقد لوحظ أن موقف اللائحة القديمة أفضل من اللائحة الجديدة خصوصا وأن اللائحة القديمة طبقت لفترة زمنية طويلة ، وفي ظل ثلاثة قوانين متتالية للموظف ، لذلك يمكن الاهتداء بما ورد فيها من أحكام ولو على سبيل العرف وذلك لسد الفراغ التشريعي ولاسيما بعد إلغاء اللائحة وعدم وضع أحكام جديدة ، فإذا أمعنا النظر في أحكام اللائحة الملغاة ، نرى أن المادة (46) منها تنص على: (إذا كانت الشكوى أو التبليغ أو المخالفة خاصة بموظف معين بمرسوم جمهوري أو من درجة مدير عام فان الجهة المختصة بإصدار الأمر ببدء التحقيق هو الوزير المختص بناء على مذكرة يرفعها وكيل الوزارة المختص ، أما بالنسبة إلى غير هؤلاء من الموظفين فيعرض الأمر على وكيل الوزارة أو رئيس الدائرة ) إذ نلاحظ من خلال هذا النص أن المرسوم هو من تقاليد النظام البرلماني الذي كان يقوم عليه دستور سنة 1923 (الملغى)، الذي صدر في ظله قانون موظفي الدولة رقم (210) لسنة 1951 ولائحته التنفيذية.
أما في النظام الحالي فان القرار الجمهوري يحل محل المرسوم وأن درجة مدير عام قد ألغيت في ظل القانون رقم (64) لسنة 1964 وحلت محلها الدرجة الأولى ثم عادت مرة أخرى بمقتضى الجدول رقم (1) المرافق لقانون رقم (58)
لسنة 1971(6) .
يلاحظ أن المشرع المصري في المادة (46) من لائحة التنفيذ لقانون (210) لسنة 1951 بين الموظفين المعنيين بمرسوم جمهوري وبين غير هؤلاء من الموظفين بالنسبة للسلطة المختصة وجعل إحالة الفئة الأولى من الموظفين إلى التحقيق من اختصاص الوزير المختص وإحالة الفئة الثانية من اختصاص وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة .
أما المشرع العراقي فنرى أن المادة (18) من قانون الانضباط النافذ فرقت بين الموظف العادي ومن هو بدرجة مدير عام إذ نرى أن معاقبة الموظفين وإحالتهم إلى التحقيق يتم من الوزير أو رئيس الدائرة أو من يخوله الوزير في حين لا يستطيع الوزير فرض العقوبة على من هو بدرجة مدير عام وإنما يعرض الأمر على مجلس الوزراء مقترحا العقوبة التي يستحقها ويكون قرار المجلس في هذا المجال نهائيا.
الفرع الثاني
السلطة المختصة بإجراء التحقيق
بعد إحالة التحقيق من السلطة المختصة يقوم الوزير أو رئيس الدائرة بتأليف لجنة تحقيقية تتألف من رئيس وعضوين من ذوي الخبرة ، على أن يكون أحدهم حاصلا على شهادة جامعية أولية في القانون وهذا ما نصت عليه المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991(7) .
والتي تنص على أن:- ( للوزير أو رئيس الدائرة تأليف لجنة تحقيقية من رئيس وعضوين من ذوي الخبرة على أن يكون أحدهم حاصلا على شهادة جامعية أولية في القانون)(8) .واعتبار هذا النص المذكور من النظام العام فلا تستطيع الإدارة الأعراض عنه، ويعد مخالفة أحكام هذه المادة من قانون الانضباط سببا في بطلان الإجراءات المتخذة من اللجنة وذلك حسب القاعدة العامة التي تقول (ما يبنى على الباطل فهو باطل )، ونلاحظ أن الفقرة الثانية من المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، نصت على اختصاصات هذه اللجنة التحقيقية ، فهي تقوم بالتحقيق مع الموظف المخالف المحال عليها، ولها في سبيل أداء مهمتها سماع وتدوين أقوال الموظف والشهود والاطلاع على جميع المستندات والبيانات ، التي ترى ضرورة الاطلاع عليها، وهذا يعني أن عمل اللجنة لا يكون تلقائيا بل يتوقف على إحالة الموظف عليها، وهذه الإحالة تصدر من الوزير أو رئيس الدائرة حسب الأحوال ، وإذا انتهت هذه اللجنة من عملها التحقيقي فان عليها أن تحرر محضرا تثبت فيه ما اتخذته من إجراءات ، وما سمعته من أقوال ، مع توصياتها المسببة أما بعد مسائلة الموظف وغلق التحقيق ، أو بفرض إحدى العقوبات المنصوص عليها في القانون ، وترفع كل ذلك إلى الجهة التي أحالت الموظف عليها(9).
وتأكيدا لما ذكرنا ذهبت المحكمة الإدارية العليا إلى انه، لا جناح على الوزير إذا اسند أمر التحقيق في موضوع معين إلى لجنة يصدر بتشكيلها قرارا منه، على أن تضم هذه اللجنة عناصر لها خيرتها وتخصصها في موضوع التحقيق ، وانتهت المحكمة إلى أن القانون لم يتضمن ما يترتب بطلان التحقيق إذا تم إجراءه على نحو معين ، ما دام قد تم في حدود الأصول العامة بمراعاة الضمانات الأساسية التي تكفل السلامة والحيدة ، بهدف التوصل للحقيقة في إطار حماية حق الموظف في الدفاع عن نفسه ، وتحقيقا للعدالة ومن الجدير بالذكر أن هذه اللجنة لا تستمد اختصاصها بإجراء التحقيق من القانون بصورة مباشرة ، وإنما تستمد هذا الاختصاص من القرار الصادر بإحالة التحقيق إليها(10)
وفي مصر، فان السلطة المختصة بإجراء التحقيق فيها مع الموظفين هي إحدى جهتين :-
الأولى – الجهة الرئاسية :-
إذ تستطيع الجهة الرئاسية التي يتبعها الموظف المحال على التحقيق أن تتولى التحقيق بأحد أسلوبين، أما أن تقوم الجهة الرئاسية بالتحقيق بنفسها وذلك عن طريق أسلوبين ، أما بتكليف أحد الرؤساء المباشرين للموظف المتهم بالتحقيق معه، ويتم ذلك إذا أحاطت بالاتهام ظروف معينة ، وهو ما يحدث في حالة (الجامعة) عندما يكون التحقيق مع أحد أعضاء هيئات التدريس ، إذ يكلف به أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق أو المستشار القانوني وهو أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق .
وأكثر الأحيان يقوم بالتحقيق إدارة متخصصة ملحقة بالجهة الرئاسية وهي إدارة الشؤون القانونية أو إدارة التحقيقات حسب التسمية المستعملة ويكون التصرف بالتحقيق متروكا للرئيس الإداري (11) .
ولقد أثير تساؤل عن مدى حق الرئيس الإداري المختص بتوقيع الجزاء في إجراء التحقيق بنفسه ؟ وهي صورة نادرة الحدوث عمليا؟
وذلك لأن الوزير ووكيل الوزير ورئيس المصلحة ليس لديه الوقت الكافي للقيام بالتحقيق أي بصورة مباشرة فهو يقوم بالإشراف والمتابعة على التحقيق (12)
والسؤال المطروح هو هل أن قيام الرئيس المختص بتوقيع الجزاء بالتحقيق بصورة مباشرة يجعله ، غير صالح للتصرف في التحقيق الذي قام به؟
لقد اختلفت آراء الفقهاء في ذلك، حيث يرى بعض الفقهاء، أن هذا غير جائز لأن فيه جمعا بين سلطتي الاتهام والإدانة مما يحل بمبدأ الحيدة (13) .
إلا أننا لا نرى صحة قيام الرئيس الإداري بتولي التحقيق شخصيا، ثم يتولى فرض الجزاء، لأن هذا جمع بين سلطة التحقيق وسلطة فرض الجزاء وهذا يتنافى مع مبادئ الحيدة وكذلك العدالة والأنصاف ، ونرى أن مكنة الطعن في القرار تشكل ضمانة أكيدة في هذا المجال.
ولكن مع ذلك يجب أن يتولى التحقيق شخص آخر أوجهه أخرى غير الرئيس المنوط به التصرف في التحقيق لأن ذلك قد يكون مدعاة لطمأنينة الموظف المتهم من ناحية وتحصينا للرئيس الإداري المختص من التأثر لاعتبارات معينة أثناء التحقيق، فالأمر هو ملائمة وليس مشروعية (14).
الثانية :- جهة النيابة الإدارية :-
لقد أراد المشرع المصري توحيد جهات التحقيق المختلفة في هيئة واحدة مستقلة عن الوزارات والمصالح التي يتبعونها فأنشأ النيابة الإدارية بالقانون رقم (480) لسنة 1945 وألحقها برئاسة الجمهورية ، وجعلها تختص بالتحقيق الإداري مع موظفين الدولة الداخلين في الهيئة والمستخدمين الخارجين عنها والعمال فيما يحال إليهما من الجهات الإدارية وما تتلقاه من شكاوى من ذوي الشأن (15) .
وبعد أن طبق القانون رقم ( 485) لسنة 1945 لمدة أربعة سنوات حيث أثبتت التجربة نجاح نظام النيابة الإدارية أعيد تنظيم النيابة الإدارية بالقانون رقم (117) لسنة 1958، وتمارس النيابة الإدارية التحقيق أما بناءا على طلب السلطة الرئاسية أو بدون طلبها، وذلك في مخالفات التي تكتشفها هيئة الرقابة الإدارية وتلك التي يرد ذكرها في الشكاوى التي تتلقاها النيابة الإدارية وتقدر جديتها(16) .
ولقد حدد المشرع الحالات التي تمارس فيها النيابة الإدارية التحقيق على سبيل الحصر في المادة الثالثة من القانون رقم (117) لسنة 1958، فهي تتولى فحص الشكاوى التي تحال إليها من الرؤساء المختصين أو من أية جهة رسمية عن
مخالفة أو إهمال في أداء واجبات الوظيفة.
كذلك يمكن للنيابة الإدارية إجراء التحقيق في المخالفات الإدارية التي يكشف عنها إجراء الرقابة ، فدور الرقابة هذه ينحصر في كشف الانحرافات (17) .
وعلى كل حال فلا يحل اختصاص النيابة الإدارية بحق الجهة الإدارية المختصة في الرقابة وفحص الشكاوى والتحقيق ، وهذا المبدأ مقرر صراحة في المادة الثالثة من القانون رقم (117) لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية ، وهذا يعني أن الرئيس الإداري لا يزال محتفظا مع وجود النيابة الإدارية بحقه الطبيعي في مراقبة الخاضعين لرئاسته ، وفحص الشكاوى التي ترد إليه ضدهم والتحقيق معهم فيما يقدم ضدهم من شكاوى . بل أن هذا الحق مقرر للرئيس الإداري ولو طلب العامل الذي يحقق معه إحالته إلى النيابة الإدارية ، كما أن من حق الإدارة في هذه الحالة أن تمتنع عن إحالته وأن تباشر التحقيق بنفسها، وأن توقع على العامل الجزاء الذي تراه ملائما، بل أن من حق الجهة الإدارية أن تعتبر العامل الذي يصر على إحالته إلى النيابة الإدارية ولا يجيب على التحقيق الذي تباشره معه جهة الإدارة ، أن تعتبره ممتنعا عن الإجابة مفوتا على نفسه فرصة الدفاع عن نفسه ولها أن توقع عليه الجزاء الملائم.
ومن الجدير بالملاحظة أن محقق النيابة الإدارية يتمتع بسلطات أكبر من تلك التي يتمتع بها محقق جهة الرئاسة ، فهو لا يتمتع فقط بحق استدعاء الشهود والاطلاع على الأوراق وطلب الوقف عن العمل ، وإنما له أيضا حق تفتيش أشخاص المتهمين ومنازلهم ، فضلا عن حقه في تفتيش أماكن العمل ، وذلك طبقا للمواد (7- 10) من قانون النيابة الإدارية رقم (117) لسنة 1958(18) .
الفرع الثالث
مقومات التحقيق
يجب أن تتوفر للتحقيق الإداري كل مقومات التحقيق القانوني الصحيح ، من حيث وجوب استدعاء الموظف وسؤاله ومواجهته بما هو مأخوذ عليه ، وتمكينه من الدفاع عن نفسه وإتاحة الفرصة له لمناقشة شهود الإثبات وسماع من يريد استشهادهم من شهود نفي وغير ذلك من مقتضيات الدفاع ، فإذا خلا التحقيق الإداري من هذه المقومات فلا يمكن وصفه بانه تحقيق بالمعنى المقصود من هذه الكلمة (19).
وأن الأساس الأول الذي يجب أن يقوم عليه التحقيق هو مواجهة العامل بما هو منسوب إليه دون لبس أو اتهام ، كما أنه من الضمانات الجوهرية التي حرص المشرع على مراعاتها في التحقيق الإداري هي إيقاف الموظف على حقيقة التهمة المسندة إليه وإحاطته علما بمختلف الأدلة التي تشير إلى ارتكابه المخالفة حتى يستطيع أن يدافع عن نفسه (20) .
ومن حق المتهم أن يدافع عن نفسه بكافة الطرق المشروعة سواء أقام ذلك بنفسه أم عن طريق محام ، كما إن من حق المتهم الاطلاع على أوراق التحقيق ، وأن يأخذ منها صورة وذلك لمعرفة ما ينطوي عليه الملف من بيانات حتى يتمكن من الرد على كل ما من شانه الإضرار بمركزه في التحقيق .(21)
الفرع الرابع
سلطات المحقق
لقد زود المشرع المحقق بالسلطات اللازمة لأداء عمله ، ومن ابرز هذه السلطات هي حق استدعاء الشهود وسؤالهم ، والاطلاع على جميع المستندات والبيانات التي يرى ضرورة الاطلاع عليها، وكذلك حق طلب وقف الموقف عن العمل أو ما يسمى بالوقف الاحتياطي أو (سحب اليد) كما هو عندنا في العراق والذي سنعرض له في مكان آخر.
ويجوز للمحقق في المسائل الفنية الاستعانة بالمختصين من أهل الخبرة كما لو اقتضى الأمر تحقيق واقعة تزوير، ففي هذه الحالة يرسل المحقق بعض الأوراق والمستندات التي طعن في صحتها إلى المضاهاة (الأدلة الجنائية ) لمعرفة صحة السند من عدم صحته .(22)
وقد نصت المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 في فقرتها الثانية على سلطات المحقق حيث نصت على الاتي :- ((تتولى لجنة التحقيق تحريريا مع الموظف المخالف المحال عليها ولها في سبيل أداء مهمتها سماع وتدوين أقوال الموظف والشهود والاطلاع عليها، وتحرر محضرا تثبت فيه ما اتخذته من إجراءات وما سمعته من أقوال مع توصياتها المسببة ، أما بعدم مساءلة الموظف وغلق التحقيق أو بفرض إحدى العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون وترفع كل ذلك إلى الجهة التي أحالت الموظف عليها)) (23)
ونلاحظ أن المشرع المصري إضافة إلى السلطات التي ذكرناها، أعطى للمحقق حق إجراء التفتيش ، سواء كان في أماكن العمل أو في منزل الموظف وهذه السلطة تقديرية لعضو النيابة الإدارية ، فقد نصت المادة (9) من القانون رقم (117) لسنة 1958 على أنه ((يجوز لعضو النيابة الإدارية في جميع الأحوال أن يجري تفتيش أماكن العمل وغيرها مما يستعمله الموظفون الذين يجري معهم التحقيق )).
كذلك من حق النيابة الإدارية تفتيش الأشخاص والمنازل ، فقد نصت المادة (9) من القانون رقم (117) لسنة 1958 بالقول ((يحق لمدير النيابة الإدارية أو من يفوضه من الوكلاء العامين في حالة التحقيق ، أن يأذن بتفتيش أشخاص ومنازل الموظفين المنسوبة إليهم المخالفة المالية أو الإدارية إذا كانت هناك مبررات قوية تدعو لاتخاذ هذا الإجراء. ويجب في جميع الأحوال أن يكمن الإذن كتابيا وأن يباشر التحقيق أحد الأعضاء الفنيين …)) (24)
ونلاحظ أن المشرع العراقي لم ينص على مثل هذه السلطة عكس المشرع المصري ، لذلك نقترح أن يصار إلى تعديل قانون موظفي الدولة وذلك يمنح المحقق أو اللجنة التحقيقية التي تجري التحقيق مع الموظف حق إجراء التفتيش وذلك لتوسيع سلطات المحقق وتمكينه من أداء عمله على أكمل وجه، وذلك بجمع الأدلة الكافية للوصول إلى الحقيقة.
الفرع الخامس
التصرف بالتحقيق
بعد اكتمال التحقيق مع الموظف المنسوبة إليه المخالفة ، سواء أجري هذا التحقيق من لجنة تحقيقية أو من مخول بإجرائه أو بمعرفة النيابة الإدارية ، فهو في جميع الأحوال يكون حاله إلى حالات خمس وكما يلي :-
- إذا تبين عدم كتابة الأدلة ، أو عدم ثبوت المخالفة باي حال من الأحوال فان اقتراح حفظ الأوراق التحقيقية وغلق التحقيق في الموضوع يأني في مقدمة صور التصرف بالتحقيق وعلى أساس أن التهمة الموجهة ليست صحيحة
- أما إذا ثبت أن الأدلة المتصلة من التحقيق كافية لإثبات الاتهام وإدانة الموظف، وأن التهمة الموجهة إليه صحيحة ، فان الايصاء يفرض العقوبة المقررة قانونا تشكل الصورة الثانية من صور التصرف بالتحقيق
- الإحالة للمحاكمة التأديبية:- والأمر هذا متبع في مصر إذ يحال الموظف إلى محكمة تأديبية خاصة عندما لا يتعلق موضوع المخالفة بجريمة جنائية على العكس ما هو عليه الحال عندنا، إذ أن اللجنة التحقيقية تعرض الأوراق التحقيقية بعد تقرنها بتقرير نهائي يبين كامل إجراءاتها والأدلة التي جرى جمعها وشكلت إدانة للموظف المخالف ، وكذلك العقوبة المقترحة بحقه مما ورد بقانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، المعدل ، لتقدم كل ذلك إلى الوزير أو رئيس الدائرة ، على أن تكون القرارات في كل الأحوال أعلاه مسببة ، أي لابد من بيان السبب باعتباره الركن المادي للقرار الإداري . إلا أن الغريب في الأمر هنا، هو أن قرار اللجنة التحقيقية لا يعد قرارا إداريا، وبالتالي لا أثر قانوني له، والأغرب من ذلك أن قرار اللجنة التحقيقية بخلاصة عملها وما اقترحته غير ملزم للوزير ولا لرئيس الدائرة ، بل أن كل منهما مخبر في اعتماد ما ورد في تقرير اللجنة بالمحضر التحقيقي النهائي أو تعديله ، أو حتى إهماله .(25) وإزاء هذه الحالة نقترح أن يصار إلى إعطاء رئيس وأعضاء اللجنة الحق في الاعتراض على قرار الوزير أو الرئيس الإداري أسوة بالموظف المحال ، إذا ما أراد الرئيس الإداري إهمال التحقيق كله لأغراض شخصية ، وهو أمر وارد جدا وقد وقفنا على الكثير في الوحدات القانونية للأسف الشديد، إذ يعمد رئيس المؤسسة أو المنشاة إلى إهمال التحقيق وغلق القضية متجاهلا كل الجهود التي بذلت للوصول إلى الحقيقة ، لذا فان إقرار حق رئيس اللجنة وأعضائها بالاعتراض على قرار الوزير أو رئيس الدائرة لدى مجلس الانضباط العام عن طريق بعثرة أمر واجب الإقرار ونراه محققا للعدالة وفيه حماية كبيرة وأكيدة للمال العام ولضمان سير المرفق بانتظام سيما إذا كان الرئيس الإداري لا يدعو في إساءة استعمال سلطته أو استغلالها أو التسلط بطريقة استبدادية.
- إبلاغ النيابة العامة بالوقائع إذا ما تبين أنها من الجرائم العامة ، وتأجيل البت في الجانب التأديبي إلى ما بعد الفصل في الحالة الجنائية التي قررت لإحالته عنها إلى المحكمة الجنائية.
- إرجاء البت في القضية إلى حين عودة الموظف من الخارج إذا ما كان في سفر أو معارا للخدمة خارج البلاد.
- إرجاء البت في مسؤولية الموظف إذا ما أثبت التحقيق أنه مصاب بعاهة عقلية تحول دون تمكينه من الدفاع عن نفسه ، إذا ما طرأت بعد وقوع المخالفة ومن النوع الذي يرجى شفاؤه .(26)
المطلب الثاني
النظام شبه القضائي
يتميز النظام شبه القضائي عن النظام الرئاسي في كونه يحد من تحكم الإدارة بالموظف العام إذ أن هذا النظام قد طور في النظام الرئاسي وأجرى عليه بعض التعديلات ، والهدف من هذه التعديلات هو تحقيق بعض الضمانات في المجال الانضباطي وهذه التعديلات هي :-
- تشكيل هيئة تقوم إلى جانب السلطة الرئاسية لتتولى إجبار السلطة الرئاسية بان تأخذ رأي هذه الهيئة قبل إصدار قرارها بفرض العقوبة وهذا لا يتوفر للموظف في النظام الرئاسي.
- أن المشرع ينشئ هذه الهيئة ليكون رأيها ملزما ويجب على الإدارة احترامه وإن كان للإدارة تعديل مضمون هذا الرأي فذلك لصالح الموظف بتخفيف العقوبة دون تشديدها.
- وقد ينشئ المشرع هيئة يغلب فيها العنصر الإداري حيث تختص بإصدار القرار بفرض العقوبة على الموظفين العموميين وتعتبر هذه الهيئة هيئة شبه قضائية ، أو هيئة إدارية ذات اختصاص قضائي ،(27) ومن قبيل هذه الهيئة اللجان الانضباطية في العراق حيث أن التشريع العراقي جمع بين النظامين الإداري الرئاسي وشبه القضائي ، إلا أن النظام شبه القضائي الذي أخذ به التشريع العراقي هو نظام من نوع خاص، فالسلطة الرئاسية تختص بتوقيع العقوبات الانضباطية وكذلك للجنة الانضباطية ومجلس الانضباط العام ، إذ لكل منهما فرض العقوبات الانضباطية التأديبية وذلك في قانون رقم (69) لسنة 1936 (الملغى)، أما في قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، النافذ فان هناك لجنة تحقيق خاصة تتولى التحقيق مع الموظف المتهم بينما يتولى فرض العقوبة الانضباطية رئيس الدائرة أو الإحالة إلى المحكمة المختصة.(28) إلا أن رأي اللجنة هذه غير ملزم للرئيس الإداري ، لذا نقترح أن يصار إلى تعديل القانون وجعل رأي اللجنة ملزما ومنح الرئيس حق في الاعتراض عليه أمام مجلس الانضباط .
وهذا النظام كما يقول التقرير ((بانه صورة من صور النظام الرئاسي ، وذلك أن سلطة توقيع الجزاء في ظل هذا النظام من اختصاص السلطات الرئاسية ومع ذلك يستلزم هذا النظام قبل توقيع الجزاء نهائيا، استشارة هيئات تمثل فيها الحكومة والموظفين بالتساوي ، فيطلب إليها النظر في الإجراءات واقتراح الجزاء وكقاعدة عامة لا يقيد هذا الاقتراح السلطة الرئاسية ولا يلزمها في شيء)). كما أن التقرير كان قد ذكر أن هذا النظام مطبق بصفة أساسية في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا.(29)
ففي فرنسا نص القانون رقم (84) الصادر في 11 يناير سنة 1984:-
((يمارس سلطة التأديب السلطة التي تملك التعيين بعد أخذ رأي اللجنة الإدارية ذات التمثيل المتساوي منعقدة في صورة مجلس التأديب وطبقا للشروط المقررة في المادة (19) من الباب الأول من النظام العام للموظفين ، ويمكن لهذه السلطة أن تقرر بعد أخذ رأي مجلس التأديب نشر قرارات التأديب وأسبابها)) (30)
ويتضح مما تقدم بان التشريع الفرنسي جمع بين النظامين الإداري وشبه القضائي كما فعل المشرع العراقي فقد أعطى المشرع الفرنسي للسلطة الإدارية وحدها حق توقيع عقوبتي الإنذار واللوم ، وأوجب العقوبة الانضباطية وهذا من خصائص النظام شبه القضائي فاللجنة الإدارية المشتركة والمجلس الأعلى للوظيفة العامة ، لا يصدران قرارا بالعقوبة بل مجرد رأيا استشاريا غير ملزم للإدارة ، إذ أن للإدارة الأخذ به أو رفضه ولا يعني ذلك أن السلطة الإدارية حرة في توقيع العقوبة الإدارية ، فالموظف العام في فرنسا يتمتع بضمانات أكيدة ضد تعسف الإدارة ، والضمانات هذه تتمثل في الرقابة التي يمارسها القضاء على أعمال الإدارة في النظام المزدوج (31).
المطلب الثالث
النظام القضائي
وهو ثالث أنظمة التأديب، وهذا النظام ينزع سلطة الانضباط من يد السلطة الرئاسية ويعهد بها إلى القضاء، حيث يشكل المشرع محاكم تأديبية تختص بتقدير مدى اعتبار الأفعال المنسوبة إلى الموظف العام جرائم انضباطية وفرض العقوبة الانضباطية الملائمة عليه أو القضاء ببراءته .
وقد ينشئ المشرع هيئة يكون واجبها رفع الدعوى الانضباطية لتتولى الادعاء العام أمام المحاكم التأديبية فيكون دورها بالنسبة للموظفين كدور النيابة العامة بالنسبة لبقية الأفراد، ولا يعني هذا التقسيم أن السلطة الانضباطية في دولة معينة تنتمي حتما إلى واحد فقط من الأنظمة الثلاثة السابقة الذكر، إذ يغلب أن يجمع كل تشريع بين أكثر من نظام . ففي ألمانيا الاتحادية نرى أنها تجمع بين النظامين الإداري (الرئاسي) وبين النظام القضائي .(32) والأمر نفسه يجري في مجال التأديب في كل من مصر والنمسا وكذلك في يوغسلافيا السابقة.
ويمتاز هذا النظام بخصائص منها أنه يقدم أقوى الضمانات للموظف ، ولكن تعترضه الصعوبات التي منها بعد القاضي عن الإدارة وبالتالي يكون من الصعب عليه تمحيص المخالفة التأديبية وكشف ما يلابسها من ظروف واعتبارات (33) .
المبحث الثاني
ضمانات التحقيق الإداري
التحقيق هو إجراء تمهيدي يهدف إلى كشف حقيقة العلاقة بين المتهم والتهمة المنسوبة إليه ، ورغم أن التحقيق ليس إلا إجراء تمهيدي فيجب عدم إحالة الموظف إلى التحقيق إلا إذا كان الاتهام جديا، ويقوم على احتمالات قوية ترجع ارتكابه للتهمة المنسوبة إليه ، وذلك حفاظا على سمعته (34).
ومن ضمانات التحقيق الإداري ما جاء بصورة ضمانات شكلية ، منها ما هو سابق على إجراء التحقيق ، كضرورة الحصول على إذن جهات معينة ، ومنها ما هو معاصر للتحقيق كوجوب إن يأني التحقيق مكتوبا. وهذا ما سنعرض له في المطلب الأول .
والى جانب الضمانات الشكلية التي يرى البعض أنها لا تكفي لضمان عدالة التحقيق الإداري ، فقد وجدت ضمانات موضوعية تتعلق بوجوب تولي التحقيق طرفا محايدا، وان يواجه الموظف بالتهمة المنسوبة إليه ، وهو ما سنعرض له في المطلب الثاني.
كما إن قبيل الضمانات الموضوعية ، نجدها تتمثل في حق المتهم بالدفاع عن نفسه سواء تم بحضوره التحقيق أصالة بنفسه ، أو بالوكالة بواسطة محام عنه، وهو ما نتكلم عنه في المطلب الثالث.
وتبقى الضمانة الموضوعية الأخيرة ، وهي التي ما يترتب للموظف من حق إذا ما أوقف احتياطيا عن العمل (سحب اليد) وهو ما سنتناوله في المطلب الرابع. (35)
المطلب الأول
الضمانات الشكلية
سوف نتكلم في هذا المطلب عن الضمانات الشكلية والتي تكون على قسمين منها ما هو سابق لإجراء التحقيق ، كضرورة الحصول على إذن جهات معينة ، منها موافقة رئيس مجلس الإدارة على التحقيق أو إشعار النقابة العمالية عن اتهام منسوبيها، أما القسم الأخر من هذه الضمانات فيكون معاصر لإجراء التحقيق ، كضرورة أن يتم التحقيق في شكل مكتوب .(36)
الفرع الأول
الإذن بإجراء التحقيق
قيد المشرع إجراء التحقيق الإداري مع بعض الفئات بوجوب الحصول على إذن قبل مباشرته ، بحيث يجعل هذا التحقيق باطلا في حالة عدم الحصول على الأذن وذلك باعتباره شرطا وجوبيا لازما لصحة التحقيق . وتتفاوت صورة هذا الأذن في عدة صور أوردها النظام المصري وكما يلي :-
- موافقة رئيس مجلس الإدارة :
لقد أعطت المادة (83) من القانون رقم (48) لسنة 1978 في فقرتها الثانية سلطة التحقيق مع شاغلي الوظائف العليا بشركات القطاع الاشتراكي إلى النيابة الإدارية ، وقد اشترطت لصحة هذا التحقيق أن يكون بناءا على طلب من رئيس مجلس الإدارة .
أما في حالة التحقيق مع رئيس مجلس الإدارة نفسه فتباشره النيابة الإدارية بناء على طلب من رئيس الجمعية العمومية للشركة .
وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا على أنه، لا يجوز التحقيق مع رئيس مجلس إدارة الشركة إلا بمعرفة النيابة الإدارية وبناء على طلب من رئيس الجمعية العمومية للشركة ، كما لا يجوز التحقيق مع شاغلي وظائف الإدارة العليا إلا بمعرفة النيابة الإدارية وبناء على طلب رئيس مجلس الإدارة .
ويعتبر شرط طلب القبول والجهة المختصة بالتحقيق قيدان يمثلان ضمانتين أساسيتين ، الأولى تكون لمصلحة العاملين والثانية مقررة لمصلحة الشركة ، ويؤدي الإخلال بأحد هذين الشرطين إلى بطلان التحقيق ، ويعتبر هذين القيدين أساسيان لتكوين شكلية جوهرية لازمة لإقامة الدعوى التأديبية حيث ترفض المحكمة قبول الدعوى إذا كانت مخالفة لهذين الشرطين (37)
- إشعار النقابات العمالية بالتحقيق مع أحد أعضائها:
جاء نص المادة (46) من القانون رقم (35) لسنة 1976 بإصدار قانون النقابات العمالية المعدل رقم (1) لسنة 1981، على وجوب قيام سلطة التحقيق بإخطار الاتحاد العام لنقابات العمال بالاتهام المنسوب إلى أحد أعضائها، ويجوز للاتحاد العام إنابة أحد أعضائها للحضور إلى التحقيق أو توكيل محامي لحضوره ما لم يكن سريا.
ونلاحظ أن إشعار الاتحاد العام لنقابات العمال بالتحقيق مع أحد أعضائه، يقتصر على الجرائم التي تتصل بنشاطه النقابي دون غيرها من الجرائم ، حيث يقوم الاتحاد العام لنقابات العمال في الدفاع عن هذا العضو في حالة ارتكابه تلك الجرائم وذلك ليكفل الحماية القانونية له باعتباره عضوا فيه وقد جعلت المحكمة الإدارية العليا التحقيق باطل في حالة نخلفه عن إجراء إخطار النقابة العمالية بإجراء التحقيق مع أحد أعضائها ويؤدي ذلك إلى بطلان الجزاء المستند إليه (38)
- إشعار المجالس الشعبية بالإجراءات التأديبية المتخذة ضد أحد أعضائها :
يجب على السلطة المختصة بالتحقيق إشعار المجلس الشعبي المحلي ، بما تتخذه من إجراءات جنائية ضد أحد أعضائها، ويكون ذلك خلال (ثمانية وأربعين) ساعة على الأكثر من تاريخ اتخاذ هذه الإجراءات ، ويجب أن تقوم هذه السلطة بإشعار المجلس الشعبي قبل مباشرة أي إجراء تأديبي ضد العاملين بالجهاز الإداري للدولة أو القطاع العام أو القطاع الخاص .
ونلاحظ أن المادة رقم (91) من القانون رقم (43) لسنة 1971، والمعدل بقانون رقم (50) لسنة 1981 ، لم تذكر الجزاء الذي يترتب على سلطة التحقيق في حالة قيامها بإجراءات التحقيق ضد أحد أعضاء المجلس الشعبي دون إشعار المجلس بهذا، في هذه الحالة يستوجب الكشف عن قضاء مجلس الدولة حيال هذا الأمر، فقد تعارضت أحكام المحكمة الإدارية العليا مع بعضها في هذا الشأن ، فقد ذهبت بعض أحكامها إلى أن أخطار المجلس المحلي بما يتخذ ضد أحد أعضائه من إجراءات تأديبية، لا يرقى إلى مرتبة الإجراء الجوهري الذي يؤدي إغفاله إلى بطلان التحقيق، كما ذهبت في الحكم الأخر إلا أن عدم الأخذ بهذا الإجراء يؤدي إلى بطلان التحقيق، على اعتبار أن هذا الإجراء هو واقعة تكشف عن طبيعة اختصاصات المجلس الشعبي المحلي وهو ضمانة لأعضائه من العاملين في الدولة والقطاع العام ، حتى لا يخضع العامل لإكراه مادي أو تأثير من جهة عمله.
تم عرض هذا الأمر على دائرة توحيد المبادئ المنصوص عليها بالمادة (45) من قانون مجلس الدولة ، والذي انتهت فيه إلى أن عدم أخطار النيابة الإدارية للمجلس الشعبي بما يتخذ ضد أحد أعضائه من إجراءات التحقيق ، لا يرتب بطلان الإجراء الذي قد تتخذه النيابة الإدارية ضد هذا العضو.(39) أما في العراق فلم يورد قانون انضباط موظفي الدولة أية ضمان من هذا النوع ، إذ لم يورد ذكرا بضرورة إشعار النقابة العمالية ولا للمجلس البلدي ، إذ أن الجهة التي تتولى التحقيق هي ذاتها التي يعمل الموظف لديها فلا حاجة لأن تشعر ذاتها ولا النقابة ما دام القانون لم يوجب ذلك.
الفرع الثاني
كتابة التحقيق
إن من ضمانات التحقيق الشكلية هي أن يتم التحقيق كتابة وهذا الأمر وجد سنده في نص المادة (10) الفقرة (2) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 والتي نصت على:- (تتولى اللجنة التحقيق تحريريا مع الموظف المخالف المحال عليها ولها في سبيل أداء مهمتها سماع وتدوين أقوال الموظف والشهود والاطلاع على جميع المستندات والبيانات التي ترى ضرورة الاطلاع عليها، وتحرر محضرا تثبت فيه ما اتخذته من إجراءات وما سمعته من أقوال مع توصياتها المسببة ).(40) ألا أن الغريب هنا، هو أننا نجد أن المشرع العراقي ، رغم إقراره شرط الكتابة عند أجراء التحقيق مع الموظف ، نجده يخرج عن هذه القاعدة ، عندما أورد بالفقرة (رابعا) في المادة (10) من القانون حكما يقول فيه ((استثناءا من أحكام الفقرتين (أولا، ثانيا) من هذه المادة ، للوزير أو رئيس الدائرة بعد استجواب الموظف المخالف أن يفرض أيا من العقوبات المنصوص عليها في الفقرات (أولا، ثانيا، ثالثا) من المادة (8) من هذا القانون ، وهو يريد بذلك استبعاد شرط الكتابة ، ألا أن الغريب في الأمر هو أن القانون في الوقت الذي يمنح الوزير ورئيس الدائرة الحق في مجرد استجواب الموظف دون الكتابة وبالتالي فرض العقوبة عليه والتي تنحصر بالعقوبات الفت النظر، الإنذار، قطع الراتب )، فانه للأسف الشديد يجعل قرار فرض العقوبة هذا نهائيا، وهو ما أكدته الفقرة (رابعا) من المادة (11) من القانون ، مما يقدم حقا قائما للموظف في حالة عدم قيام الوزير أو رئيس الدائرة باستجوابه وفرض العقوبات أعلاه إذ لم يترك القانون مجالا أمام الموظف الذي يتعرض لمثل هذا الانتهاء القانوني أي حق بالطعن.
لذا نقترح أن يصار إلى تعديل القانون باقتراحنا منح الموظف الحق بالطعن أمام مجلس الانضباط إذا لم يجري استجوابه وتم فرض العقوبة عليه مباشرة ، وهو ما يحدث باستمرار في أغلب المديريات العامة في العراق .
كما نصت المادة (71) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978 والتي جاء بها أنه:- (لا يجوز توقيع جزاء على العامل إلا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه ).
ومن خلال هذا يتبين أن كتابة التحقيق أمر واجب ، وأن الحكمة من اشتراط الإثبات الكتابي للتحقيق ، هو أن في ذلك تمكين للكافة من الرجوع إلى وقائعه والملابسات التي جرى في كنفها في أي وقت لتكون حجة للعامل أو عليه ، دون خشيه من أن يمحو حقيقة ما قد تم في التحقيق من نسيان أو تجاهل ، وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية العليا، حيث ذهبت إلى أن التحقيق بصفة عامة ، يعني البحث والفحص والتقصي الموضوعي والمحايد والنزيه لاستبيان وجه الحقيقة ، وإذا كان الأصل هو أن يتم التحقيق كتابة ، إلا أن المشرع قد خرج عليه بالنسبة لعقوبتي الإنذار والخصم من المرتب لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام .(41)
وقد قضت المحكمة الإدارية العليا بان القاعدة التي لا استثناء لها هو انه، لا يجوز توقيع جزاء تأديبي دون أن يسبقه تحقيق أو استجواب ما وان الأصل أن يكون التحقيق كتابة تسمع فيه أقوال المتهم ويحقق فيه دفاعه ، وان الاستثناء هو أن يكون التحقيق أو الاستجواب شفاها على أن يثبت مضمونه في القرار الصادر بتوقيع الجزاء، وهذا الاستثناء محدود النطاق بحكم النص الذي قرره لاعتبارات حسن سير المرافق العامة التي تقضي مواجهة بعض المخالفات محدودة الأهمية بأجراء الفحص والتحقيق وتوقيع الجزاء بما يحقق الردع السريع دون أخلال بجوهر القاعدة العامة (42).
وقد نصت المادة (79) من القانون رقم (47) لسنة 1978 بشان العاملين المدنيين بالدولة على انه:- (لا يجوز توقيع عقوبة على العامل ألا بعد التحقيق معه وكتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه …، ومع ذلك يجوز بالنسبة لعقوبتي الإنذار والخصم من الأجر لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام على أن يكون الاستجواب أو التحقيق شفهيا على أن يثبت مضمونه في القرار الصادر بتوقيع الجزاء).
وقد وضحت المحكمة الإدارية العليا المقصود من أثبات مضمون التحقيق الشفهي بالمحضر والذي نص على ((ليس المقصود من أثبات مضمون التحقيق الشفهي بالمحضر الذي يحوي الجزاء ضرورة سرد ما دار في الموضوع محل الاستجواب بالمحضر تفصيلا… وإنما المقصود من ذلك أثبات حصول التحقيق أو الاستجواب ، وما اسفر عنه هذا التحقيق في شان ثبوت الذنب الإداري قبل الموظف باعتبار أن هذا الذنب الإداري هو الذي يكون ركن السبب في القرار التأديبي مما يمكن السلطة القضائية من بسط رقابتها القانونية على صحة قيام هذه الوقائع وصحة تكييفها القانوني )) (43) .
وان سلطة التحقيق في أثناء أجراء التحقيق يكون بوسعها معرفة ما سوف ينتهي اليه من قرار، هل هو جزاء يجاوز الثلاثة أيام فتكتب التحقيق ، واذا كان ادنى من ذلك فلا تكتبه.
وهنا تبلور تساؤل حول جزاء أغفال سلطة التحقيق شكلية كتابته خارج اطار الاستثناء الذي سبق ذكره ؟
أن الجزاء الذي يترتب على سلطة التحقيق في حالة تجاهلها لضمانة كتابة التحقيق . هو بطلان التحقيق وبطلان الجزاء الذي نجم عن هذا التحقيق ، وذلك لان كتابة التحقيق شكل جوهري وجزاء تخلفه هو البطلان لان الأجراء يعتبر جوهريا اذا كان الفرض منه المحافظة على مصلحة المتهم أو احد الخصوم ، فكل أجراء من شانه أن يحقق ضمانة لاحد الخصوم يعتبر جوهريا ويؤدي أغفاله إلى البطلان .(44)
المطلب الثاني
الضمانات الموضوعية
أن الضمانات الشكلية لا تكفي بمفردها لتحقيق الجزاء العادل ، لذلك لابد من توافر ضمانات أخرى وهي الضمانات الموضوعية ، والتي تتعلق بالكيفية التي يجب أن يتم بها التحقيق ، كضرورة أن يتولى التحقيق مع المتهم جهة محايدة تواجهه بالاتهام المنسوب اليه ، وتمكين المتهم من الدفاع عن نفسه ، إضافة إلى ضرورة أن تكفل له الضمانات تجاه سلطات جهة التحقيق في تفتيشه أو وقفه الاحتياطي عن عمله ،(45) وهو ما سنعرض له في فرعين تاليين.
الفرع الأول
حياد جهة التحقيق
للتحقيق الإداري أهمية بالغة ، في الحالات التي يكون فيها التأديب رئاسيا ففي هذه الحالات يعتبر التحقيق هو المستوى الوحيد لمسالة العامل أو الموظف لذلك ينبغي أن تتوفر بالقائم بعملية التحقيق بعض المميزات منها، التجرد وعدم الركون إلى الهوى والميل والخداع ، إذ أن هذا التجرد هو الذي يحقق الحيدة والنزاهة الموضوعية التي تقود مسار التحقيق إلى غايته ، بحيث يكون هدف المحقق هو استظهار الحقيقة أيا كان موقعها، ولا يبتغي في ذلك سوى مرضاة الله تعالى ، ويكون ملتزما بتطبيق محايد وموضوعي للقانون .
وان اشتراط حيدة المحقق من مقتضيات العدالة المجردة الواجبة الاحترام في كافة التحقيقات بغض النظر عن السلطة القائمة بها فان مبدأ الحيدة لا يطبق فقط على التحقيقات التي تباشرها السلطة الرئاسية بل يطبق في العلاقة بين النيابة الإدارية ومن تقوم بالتحقيق معهم.
وقد اشترطت المحكمة الإدارية العليا توافر الحيدة في التحقيق ، وان عدم توافر هذه الحيدة في المحقق يجعله غير صالح لأجراء التحقيق ، واذا قام بالتحقيق محقق غير محايد اعتبر هذا التحقيق باطلا، مما يؤدي أيضا إلى بطلان قرار الجزاء المنبثق من هذا التحقيق ، وتطبيقا لذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بان قيام مقدم الشكوى بالتحقيق مع المشكو في حقه، يهدد التحقيق ويبطله ، وذلك لتخلف ضمانة حيدة المحقق في أجرائه .(46)
ويجب أن يجري التحقيق بعيدا عن تأثيرات السلطة الأمرة، وذلك لكي يتمتع المحقق بالاستقلالية في أدائه لعمله ، وذلك لان خضوعه لتلك السلطة يمكن أن يؤثر في حياد المحقق ، لأنه قد ينحاز لرأيها، وهذا يؤثر تأثير سلبي على مجريات التحقيق ويفقده موضوعيته ، وهذا ما أكده قانون الإدارات القانونية في المادة (6) بان تمارس الإدارات القانونية اختصاصاتها الفنية في استقلال بغير تدخل من احد.
وقد قضت المحكمة الإدارية العليا ببطلان التحقيق الذي أجراه المستشار القانوني لرئيس الجامعة نظرا لتبعيته لرئيس الجامعة ، الأمر الذي يخشى معه عدم حياده ، وانحيازه لجانب سلطة الاتهام .
كما لا يجوز للمحقق دفع المتهم والضغط عليه إلى قول ما لا يريد أن يقوله، لان ذلك سوف يبطل التحقيق ، وذلك لان من الضمانات الموضوعية التي قررها القانون هو حق المتهم في الدفاع عن نفسه وإعطائه الحرية الكاملة للإجابة على الأسئلة التي توجه اليه أثناء التحقيق.
وبناءا على ذلك يتعين أن تكون إرادة المتهم حرة في حالة ايدائه لأقواله فلا يجوز للمحقق تقييدها، وذلك لان دوره يقتصر على توجيه الأسئلة وأثبات إجابة المتهم عليها، كما صدرت عنه دون تدخل منه بإضافة أو نقصان ، إذ أن الغاية من التحقيق هي الوصول إلى الحقيقة المجردة بدون خداع المتهم بالإغراءات والتهديدات والتي يقصد منها الحصول على اعتراف منه، كما لا يجوز تهديد المتهم بوقفه عن العمل ، لان مثل هذا السلوك سوف يجعل من إرادة المتهم غير حرة، ويرى بعض الفقهاء أن التحقيق الإداري اكثر أهمية من التحقيق الجنائي لأسباب ترجع إلى ضمانات المحققين واستقلالهم والى أهمية التحقيق الإداري ذاته (47)
وقد يثور تساؤل حول مدى تأثير مبدأ الحيدة في التحقيق الإداري اذا قام بها التحقيق الرئيس الإداري المختص بتوقيع الجزاء ؟
لقد اختلف الفقهاء في هذا الشأن ، فمنهم من قال بعدم جواز قيام الرئيس الإداري بالتحقيق وتوقيع الجزاء، لان ذلك يعد إخلالا بمبدأ الحيدة لأنه بذلك جمع بين سلطتي الاتهام وتوقيع الجزاء.
ومنهم من ذهب إلى انه لا يوجد مانع قانوني من ممارسة الرئيس الإداري لإجراءات التحقيق وتوقيع الجزاء، استنادا إلى كون التأديب عن طريق الجهة الإدارية ليس عملا قضائيا بل هو مجرد امتداد للسلطة الرئاسية لتقويم الخطأ ودفع عجلة العمل في المرفق المنوط بالرئيس الإداري ، لكن هذا الرأي قد استطرد قائلا، أن من مقتضيات الملائمة في الظروف العادية ، ترجع قيام التحقيق من شخص آخر غير الرئيس الإداري ، لان ذلك يؤدي إلى طمأنينة الموظف المتهم من ناحية وتحصينا للرئيس الإداري المختص من التأثر باعتبارات معينة أثناء التحقيق.
وإزاء ما تقدم فنحن نؤيد ما ذهب اليه الرأي الأول وهو الاعتراض على الجمع بين سلطتي الاتهام وتوقيع الجزاء، لما يشكله ذلك من أخلال بمبدأ الحيدة .(48)
وان تقدير حياد المحقق أو عدم حياده من الأمور الموضوعية التي تقدرها المحكمة في ضوء مسلك المحقق .(49)
الفرع الثاني
مواجهة المتهم بالفعل المسند اليه
أن من اهم حقوق المتهم في مرحلة التحقيق هو مواجهته بما هو منسوب اليه، حيث بدون تلك المواجهة لن تكون هناك محاكمة تأديبية بالمعنى القانوني ، والتي قوامها هو مواجهة المتهم بالفعل المسند اليه ، ليتسنى له أبداء دفاعه حياله ، وبدون ذلك لن تكون في اطار محاكمة تأديبية.
وتفريعا عما سبق نتناول مضمون وأحكام ضمانة مواجهة المتهم بالفعل المسند إليه في نقطتين نوضح في الأولى مفهوم هذه الضمانة وفي الثانية أحكامها.
- مفهوم ضمانة مواجهة المتهم.
أن مواجهة المتهم من الضمانات التي ينبغي كفالتها للمتهم سواء كانت في مرحلة التحقيق أو المحاكمة ، والمقصود بالمواجهة هو إيقاف الموظف على حقيقة التهمة المسندة اليهم وأحاطته علما بجميع الأدلة التي تشير إلى ارتكابه المخالفة ، حتى يستطيع الدفاع عن نفسه ، وان الأصل في إجراءات التحقيق هو حضور المتهم بنفسه ألا اذا اقتضت مصلحة التحقيق عكس ذلك، فيجري في غيبته ، وعند حضور المتهم بنفسه سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة ، يجب على المحكمة أحاطته علما بما هو منسوب اليه ، باعتباره صاحب الشأن في الدعوى التأديبية، ليتمكن من تقديم ما لديه من بيانات وأوراق وأدلة تمكنه من الدفاع عن نفسه ، وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا ضرورة هذه الضمانة وخطورتها، حيث الغت قرار مجلس التأديب، لأنه لم يواجه المتهم بشهادة شهود الأثبات مما اخل بحقه في الدفاع .(50)
وقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا إلى أن أرسال المحقق أخطارا للكلية التي يعمل بها عضو هيئة التدريس يستدعيه للحضور في المكتبة دون تحديد سبب هذا الاستدعاء أو الإشارة لإحالة العضو للتحقيق معه، يترتب عليه بطلان الأخطار، وذلك لأنه لم يوضح سبب الاستدعاء في هذا الأخطار.(51)
واذا كانت مواجهة المتهم تعتبر ضمانة أساسية يجب كفالتها للمتهم قبل توقيع الجزاء عليه ، ألا انه يجب أن لا يتمسك بها المتهم بحرفية تحول دون مجازاته اذا كان مذنبا، فاذا كان هذا حق من حقوق المتهم ، فلهذا الحق حدودا ذكرتها المحكمة الإدارية العليا حيث ذهبت إلى انه: ((اذا كانت مواجهة المتهم بما هو منسوب اليه يعتبر ضمانة من ضمانات التحقيق يترتب على أغفالها بطلانه … ألا أن عدم مواجهة من يحقق معه بهذه الأقوال أثناء التحقيق لا يبطله ما دام قد وضع التحقيق كاملا تحت نظره للاطلاع عليه ، وأبداء ما يراه من دفاع أمام مجلس التأديب، ولذلك فانه طالما
أن الثابت في الأوراق انه قد واجه المتهم بما هو منسوب اليه ، وأبدى دفاعه بشأنه أمام مجلس التأديب، فلا تثريب على المحقق اذا اكمل التحقيق في بعض جوانبه في غيبة المتهم ولم يطلعه على أقوال شهود الأثبات ، طالما لم ترد بأقوالهم اتهامات جديدة إلى المتهم لم يسبق مواجهته بها وتمكنه من الرد عليها)).
وهذا يعني انه اذا لم تتضمن شهادة شهود الأثبات اتهامات جديدة لم يتم مواجهة المتهم بها، فلا يؤدي ذلك إلى بطلان التحقيق وإنما يستمر التحقيق في بعض جوانبه حتى لو لم يطلع عليها المتهم .(52)
- أحكام ضمانة مواجهة المتهم
اذا كانت مواجهة المتهم بالفعل المسند اليه تعتبر ضمانة تأديبية مقررة لصالحه ، فهي تقوم على إحاطة المتهم وبشكل صريح ومحدد بما نسب اليه من اتهام ، وبصورة يستشعر منها اتجاه نية الإدارة إلى معاقبته في حالة ثبوت ارتكابه للفعل.
وان هذا لن يتحقق عمليا، ألا بتحقق عدة إجراءات تقوم بها السلطة المختصة بالتحقيق حيال المتهم ، ومن هذه الإجراءات ، استدعاؤه لحضور التحقيق وتمكينه من الاطلاع على ملف التحقيق وكافة الأوراق المتعلقة به نعرضها.
- استدعاء المتهم لحضور التحقيق :-
أن استدعاء المتهم لحضور التحقيق هو أجراء أولي ، تقوم به السلطة المختصة بالتحقيق والمقصود بالاستدعاء، هو دعوة توجه إلى المتهم لحضور التحقيق ، ولصحة الاستدعاء يجب أن يكون محددا وواضحا لا لبس فيه، ويقدم إلى الموظف المطلوب التحقيق معه، وان الهدف من الاستدعاء هو جعل المتهم يشعر بخطورة الموقف ويأخذ الأمر على محمل الجد ويوليه الأهمية التي يستحقها. وان استدعاء المتهم للمثول أمام جهة التحقيق يعتبر ضمانة لصالح المتهم ، ويؤدي أغفالها إلى بطلان التحقيق ، وبالتالي بطلان ما نجم عن هذا التحقيق من جزاء، ولا يجوز للموظف أن يمتنع عن الحضور فقد ذهبت المحكمة الإدارية إلى أن امتناع المتهم عن حضور التحقيق ، يرتب عليه ذنبا إداريا منفردا.
وهنا يثور تساؤل حول الجزاء الذي يترتب في حالة أغفال أجراء الاستدعاء؟
أن هذا الأغفال يؤدي إلى بطلان التحقيق وكذلك يؤدي إلى بطلان الجزاء الذي نجم عنه وان سبب بطلان هذا التحقيق ، هو افتقاده احد مقومات التحقيق الأساسية ، وهي كفالة حق الدفاع .(53)
- الاطلاع على الملف
يعتبر الاطلاع على الملف ، من الضمانات الجوهرية التي يجب توافرها قبل إصدار قرار العقوبة بحق الموظف ، إذ لا يكفي مجرد إعلانه بالتهمة المنسوبة اليه، وإنما يجب على سلطة التحقيق أن تمكنه من أبداء دفاعه بصورة مفيدة ونافعة ، ولا يتحقق هذا ألا بتمكين المتهم من الاطلاع الكامل على ملف الدعوى وان حرمان المتهم من الاطلاع على الملف يؤدي إلى أخلال بضمانة حق المتهم في الدفاع عن نفسه .(54)
ومن خلال دراستنا لقانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 لاحظنا انه لم ينص على حق الاطلاع على الملف قبل فرض العقوبة . لكن قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 (الملغى) نص على مثل هذا الحق لكن وفق شروط محددة ، فقد نصت المادة (18) منه على انه (ترسل جميع المكاتبات المعنونة للجان أو المجلس العام إلى السكرتير المختص الذي يشتغل تحت سلطة الرئيس ويكون مسؤولا عن الأمور التحريرية وتنظيم المقررات وتبلغ جميع المعلومات والأوراق المقتضاة وتدوين وقائع الجلسات ولا يجوز لاحد أن يطلع على هذه الأوراق ألا بأذن من الرئيس) (55)
ونرى أن حق الاطلاع على الملف في فرنسا، هو حق مضمون لكل العاملين في الدولة بما فيهم الموظفون وكذلك كل شخص يرتبط بالإدارة بعلاقة إدارية ، وهذا أما أكده مجلس الدولة في قراريه الصادرين في (3/7/935 و 3/7/957) ألا أن المجلس طبق النص المتعلق بهذا الحق تطبيقا حرفيا ضيقا .
ونلاحظ أن القوانين العربية الأخرى ، ومنها مصر وسوريا والأردن أجازت للموظف الاطلاع على التحقيقات والأوراق المتعلقة بها وفق شروط محددة . (56)
وتأكيدا لأهمية تمكين المتهم من الاطلاع على التحقيقات التي أجريت معه فقد نصت بعض القوانين التي تنظم شؤون الموظفين من ذوي الكوادر الخاصة ، حيث أعطت المادة (58) من القانون رقم (109) لسنة 1971، الخاص بنظام الشرطة الحق للموظف في الاطلاع على ما تم أجراؤه معه من تحقيقات ، وكذلك من حقه أن يأخذ صورة منها .
لقد استقر الفقه المصري على أن حق الموظف في الاطلاع على ملف الدعوى من الأمور التي تفتضيها مبادئ العدالة ، لتوفير الضمانات التي تكفل اطمئنان الموظف ولسلامة التحقيق (57)
ونلاحظ أن الأنظمة الرئاسية للتأديب تقرر ضمانات للموظف ، ومن أهمها هو حق الموظف في الاطلاع على ملفه يقصد تحضير دفاعه ، وبما أن قانون الانضباط يميل إلى مبدأ فاعلية الإدارة ورجحه على مبدأ الضمان ترجيحا مبينا مما يصار معه إلى القول بانه اخذ بالنظام الرئاسي للتأديب، وبما أن حقوق الدفاع أصبحت من الحقوق المقدسة وبالتالي لا يجوز المساس بها.
لذلك فأننا نقترح انه لا يوجد مانع يحول دون اطلاع الموظف على إضباره الدعوى قبل فرض العقوبة ، لكن بشرط أن يكون هذا الاطلاع بشكل يحفظ سلامة الإضبارة، وبدون هذا الحق لا يستطيع الموظف الدفاع عن نفسه وتنفيذ التهمة الموجهة اليه (58)
لذلك نقترح على المشرع العراقي أن ينص على هذا الحق في قانون موظفي الدولة الحالي ، وذلك لان حق الاطلاع على الملف يعتبر ضمانة من الضمانات التي تمكن المتهم من الدفاع عن نفسه.
المطلب الثالث
حق المتهم في الدفاع عن نفسه
أن تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه يعتبر من اهم الضمانات ، وذلك لرد الظلم الواقع عليه ، فليس هناك ظلما أو قهرا اقسى من أن يمنع أصحاب الحق من تنفيذ أو دحض ما قد ينسب اليهم من تهم، ولذلك يعتبر هذا الحق من الحقوق المقدسة.
ومن حق الموظف المتهم أن يمكن من الدفاع عن نفسه بكافة الطرق المشروعة ، وقد اكد القانون أهمية هذا الحق ، حيث نصت المادة (79) من قانون العاملين المدنيين الحالي على تأكيده والتي تنص على (ألا يجوز توقيع جزاء على العامل ألا بعد التحقيق معه كتابة ، وسماع أقواله ، وتحقيق دفاعه )).
أن تحقيق الدفاع لمن يوجه اليه الاتهام أمر لا غنى عنه قبل توقيع الجزاء، فهو ضمان لا يحتاج إلى نص قانوني يقرره .(59) بل هو امر أقرته كافة دساتير العالم بما فيها دستورنا العراقي الحالي الذي نص على أن حق الدفاع مقدس .
كما أن من حق المتهم الدفاع عن نفسه سواء تم ذلك بنفسه أو عن طريق محام له، ويؤدي الأخلال بحق الدفاع إلى بطلان القرار التأديبي لعيب في الشكل ، وان حق المتهم في الدفاع عن نفسه يتمثل في حقه في حضور التحقيق بنفسه ، أو بالوكالة، وهو ما سنعرض له في فرعين تاليين .(60)
الفرع الأول
حق المتهم في حضور التحقيق بالأصالة
يوجب التحقيق الإداري أن يحضر المتهم بنفسه إلى التحقيق ، وفي جميع الأحوال ، فان عدم حضور المتهم بعد أخطاره بذلك فان محاكمته تجري ويصدر الحكم عليه غيابيا، فالحضور أذن ليس مجرد حق للموظف ، بل هو واجب عليه يمكن للمحكمة فرضه عليه اذا ما تغيب ورأت أن حضوره يحقق المصلحة العامة (61)
وقد نصت المادة (22) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936(الملغى) (تنعقد اللجنة سرا بحضور جميع أعضائها وتباشر بالنظر في القضية بحضور الموظف أو وكيله أو كليهما اذا كان قد أجاب الدعوة احدهما أو كلاهما ) (62)
فالأصل أذن أن يحضر المتهم بنفسه إجراءات التحقيق الذي يجري معه، والاستثناء أن يتم في غيبته اذا كانت مصلحة التحقيق تقتضي ذلك، ويجب أن تتم الإجراءات بحضور المتهم وذلك تطبيقا للمبادئ العامة للقانون ، فاذا كان هناك عذر قاهر يمنع المتهم من الحضور إلى التحقيق وجب تأجيل التحقيق حتى زوال هذا العذر.(63)
الفرع الثاني
حق المتهم في حضور التحقيق بالوكالة
اذا ما دققنا النظر في نصوص قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 (الملغى) لوجدنا أن المادة (22) منه تعطي المتهم الحق في توكيل محام للحضور عنه أو الدفاع عنه فيما يجري معه من تحقيقات .
غير أن المشرع المصري لم ينص في القواعد القانونية المنظمة للتأديب على الاستعانة بمحام ، ألا أن الاستعانة بمحام عند سكوت القانون بعد مجرد تطبيق وأعمال للأصول العامة ، وبالتالي فلا نظن أن هناك ما يمنع ذلك، ومن ثم فلا يجوز
حرمان في مرحلة التحقيق من الاستعانة بمحام حيث لا يوجد مبرر للتفرقة بين وضع المتهم في مرحلة المحاكمة والتي يسمح له فيها بالاستعانة بمحام ، ومرحلة التحقيق الإداري التي قد تكون العقوبة التي توقعها جهة الإدارة على الموظفين ، اكثر جسامة من تلك التي توقعها المحكمة التأديبية، كما أن المتهم فد لا يتمكن في اغلب الأحيان من القيام بمهمة الدفاع عن نفسه وذلك لعدة أسباب ، والتي منها ما يرجع إلى طبيعة تكوينه الشخصي أو تأهيله العلمي أو ما يعتريه من خوف وتوتر: من جراء مثوله أمام محقق يصوب سهام الاتهام نحوه ، وهنا تكون استعانته بمحام ضرورة تفتضيها حاجته للدفاع عن نفسه بواسطة شخص مؤهل علميا ومهنيا للاضطلاع بمهمة الدفاع المقدسة هذه.
يلاحظ مما تقدم ضرورة القضاء ببطلان التحقيق الذي يجري دون حضور محام اذا ما كان المتهم قد طلب الاستعانة به، والقول بغير ذلك فيه تجديد الحق الدفاع عن مضمونه وغايته ، وهي تمكين المتهم من دفع الاتهام عن نفسه ، فاذا اعلن المتهم عدم قدرته على القيام بهذا الدور فان الزام الموظف انتقاصا من حقه في الدفاع عن نفسه بالوكالة ، وهو الحق المقرر له تشريعا وفضائيا (64)
المطلب الرابع
ضمانات الموظف في الوقف الاحتياطي عن العمل (سحب اليد)
يعرف سحب اليد أو الوقف الاحتياطي عن العمل ((بانه أجراء احتياطي مؤقت تلجا اليه الإدارة بقصد أبعاد الموظف عن المرفق العام فيمنع من ممارسة أعمال أدارته طيلة مدة الوقت )) (65)
والوقف عن العمل هو أجراء وقائي قد تفتضيه المصلحة العامة لضمان سلامة التحقيق أو إخفاء الأدلة ، والبيانات التي تشكل إدانة للمتهم ، ويطلق على سحب اليد في التشريع المصري بالوقف الاحتياطي أو الوقف عن العمل ولا يعتبر الوقف عن العمل عقوبة ، بل هو أجراء مستعجل تتخذه الإدارة لمصلحة المرفق العام حتى بدون حاجة إلى نص قانوني ، وهذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في حكمه الصادر في 16/6/1959.
وقد نصت المادة (16) من قانون الانضباط رقم (14) لسنة 1991 على الاتي (اذا أوقف الموظف من جهة ذات اختصاص فعلى دائرته أن تسحب يده من الوظيفة طيلة مدة التوقيف ).
ونلاحظ من هذا النص أن الموظف في حالة توقيفه من جهة ذات اختصاص فان على دائرته أن تسحب يده طيلة مدة التوقيف ، وهذا ما يسمى بسحب اليد الوجوبي ، ويتم هذا التوقيف بقوة القانون وعليه فان القرار الإداري الصادر بسحب اليد يعد قرارا معلنا لا منشئا وفي هذه الحالة فان الإدارة ليست مخيرة في سحب اليد بل تكون ملزمة بإجرائه فور علمها بتوقيف الموظف .
أما اذا امتنعت الإدارة عن اتخاذ هذا القرار فيعد امتناعها قرارا إداريا سلبيا يجوز الطعن فيه بالإلغاء، أما في المادة (17) من نفس القانون فقد نصت على:- (يجوز للوزير أو رئيس الدائرة سحب يد الموظف مدة لا تتجاوز (60) يوما اذا تراءى له أن بقائه في الوظيفة مضرا بالمصلحة العامة ، أو انه قد يؤثر على سير التحقيق في الفعل الذي أحيل من أجله على التحقيق ويعاد، إلى نفس وظيفته بعد انتهاء المدة المذكورة ).
كما أجازت المادة المذكورة في الفقرة الثانية منها أن للجنة التحقيق أن توصي بسحب يد الموظف في أي مرحلة من مراحل التحقيق.
ونلاحظ من خلال هذا النص أن سحب اليد يكون امر تقديري متروك للوزير أو رئيس الدائرة فاذا وجدوا أن بقاء الموظف مضر بالمصلحة العامة ، أو كان مؤثر على سير التحقيق ، ففي هذه الحالة يصدر قرار سحب يد الموظف ألا انه، لا يجوز أن تتجاوز مدة سحب اليد من (60) يوما إذ يعاد الموظف بعد انتهاء هذه المدة .
وعند دراستنا لقانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 (الملغى) وقانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، لوحظ أن هناك فرق بين القانونين حيث نلاحظ أن المشرع في القانون الملغى لسنة 1936 لم يحدد مدة لسحب اليد، أما في القانون الجديد فانه حسنا فعل عندما حدد مدة سحب اليد بمدة لا تتجاوز (60) يوما.(66)
ونلاحظ أيضا في قانون رقم (69) لسنة 1936 (الملغى)، فقد جرى العمل على سحب يد الموظف من قبل رئيس الدائرة عندما يتحقق له ارتكاب الموظف ذنبا ناشئا عن وظيفته ، وبعد ذلك يقوم بإحالته إلى لجنة الانضباط أو مجلس الانضباط العام لمحاكمته وفق هذا القانون .(67)
أما في قانون موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 النافذ، فان قرار سحب يد الموظف متروك للوزير أو لرئيس الدائرة ولا يكون لمجلس الانضباط أي دور في الرقابة على ذلك، ومن خلال أجراء هذه المقارنة ما بين القانونين يتضح لنا أن ما جاء في القانون القديم هو افضل مما جاء به قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، لأننا لا نتفق بتاتا مع ما ذهب اليه القانون الجديد لأنه اذا كان يوجد نص في قانون الانضباط لا يسمح للمجلس بمد رقابة على قرار سحب اليد، فانه يمكن الاستعانة بأحكام المدة (59/أ) من قانون الخدمة المدنية والاستناد اليها لتقرير اختصاص المجلس في مراقبة صحة القرار، وذلك لان قرار سحب اليد ذو اثر على الراتب ، وبما أن الراتب من الحقوق المقررة للموظف في قانون الخدمة المدنية ، وبما أن مجلس الانضباط مختص بالنظر في المنازعات المتعلقة بحقوق الموظف لهذا فانه مختص بالنظر في صحة قرار سحب اليد وبالتالي يستطيع الغاؤه اذا ما وجده مخالفا للقانون أما بالنسبة إلى حقوق هذا الموظف المسحوب اليد، ومنها راتب الموظف المسحوب اليد فقد اختلفت التشريعات في ذلك، فقد يتم وقفه بقوة القانون كما في
مصر وسوريا والأردن ، وأما أن يترك ذلك إلى جهة الإدارة كما في فرنسا.
أما بالنسبة إلى مقدار النسبة الموقوفة من الراتب فهي أما أن تكون الراتب كله كما في سوريا أو نصفه كما في فرنسا ومصر، أو بنسبة لا تزيد على نصفه كما في الأردن ، أما في العراق فقد نصت المادة (18) من قانون انضباط موظفي الدولة والتي تنص على ((يتقاضى الموظف أنصاف رواتبه خلال فترة سحب يده))، ومن خلال هذا النص يتضح لنا أن الموظف المسحوب اليد يتقاضى نصف راتبه ، أما النصف الأخر فيعتبر ملكا محجوزا على حسابه حجزا احتياطيا لنتيجة المحاكمة ، ولا يمكن أن يطبق عليه نص الحرمان لأنه يبقى ملكا للموظف ولا يخرج من ملكيته، وهذا ما قضى به مجلس الانضباط العام في ظل نفاذ قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 (الملغى).(68)
ولقد بينت المادة (19) من نفس القانون مصير النصف الموقوف من راتب الموظف في حالات منها:
- ((اذا فصل أو عزل الموظف المسحوب اليد فلا يدفع له شيء من الراتب الموقوف ، بصرف النظر عما اذا كان فصله أو عزله يستند إلى هذا القانون أو قانون آخر))، وهذا يعني أن النصف الموقوف من الراتب يخرج من ملك الموظف وترفع إشارة الحجز عليه ، يسحل إيرادا نهائيا لخزينة الدولة
- كما نصت الفقرة الثانية من نفس المادة على انه:-
((اذا عوقب الموظف المسحوب اليد بعقوبة انقاص الراتب أو تنزيل الدرجة فتنفذ العقوبة من تاريخ سحب يده ويدفع له الباقي من أنصاف رواتبه ))، وهذا يعني احتفاظ الموظف بالإنصاف الموقوفة من راتبه وعلى الإدارة أعادتها اليه بعد استقطاع ما تفتضيه عقوبة انقاص الراتب أو تنزيل الدرجة ، أي على الإدارة أن تجري مقاصة في هذا الاحتمال بين ما يستحقه الموظف وما يجب استقطاعه تنفيذا للعقوبتين المذكورتين.
- أما في الفقرة الثالثة من المادة (19) فقد نصت على ((اذا أسفرت نتيجة التحقيق أو المحاكمة عن براءة الموظف أو الأفراج عنه أو معاقبته بغير العقوبات الوارد ذكرها في الفقرة (ثانيا) من هذه المادة فتدفع له الأنصاف الموقوفة من راتبه )).
فنلاحظ أن القانون قد ساوى بين حالة الموظف البرى ء والموظف المفرج عنه والموظف المعاقب بعقوبات لفت النظر والإنذار، وقطع الراتب والتبويخ في استحقاق أنصاف الرواتب حيث يجب أعادتها اليهم وذلك مراعاة للجانب الإنساني وذلك لأهمية الراتب بالنسبة للموظف (69)
- وأخيرا فان الفقرة الرابعة من المادة (19) نصت على:- ((اذا توفي الموظف مسحوب اليد قبل صدور قرار قطعي في التحقيق أو المحاكمة . فتؤول أنصاف رواتبه الموقوفة إلى من له حق استيفاء الحقوق التقاعدية وفق أحكام قانون التقاعد المدني، وفي حالة عدم وجودهم فتؤول إلى ورثته )).
وبالرغم من أهمية الوقف الاحتياطي واثره في الكشف عن حقيقة الاتهام ، ألا انه كباقي الإجراءات التي من شانها المساس بالموظف ، لذلك لابد من إحاطة الموظف حيال هذا الأجراء بعدة ضمانات تكفل استعمال الإدارة لهذا الأجراء في موضعه كي لا يتحول من وسيلة لتحقيق المصلحة العامة ، إلى أسلوب للقهر الإداري يمارس ضد الموظف وحتى تتحقق مشروعية هذا الأجراء لذلك لابد من توفر الضمانات التي مر ذكرها سابقا، وان يكون هذا الوقف محدد بمدة ، وهذا ما قام به المشرع العربي حيال هذا الأجراء (70)
لاحظنا من خلال دراسة الوقف الاحتياطي ، وبالرغم من كونه يشكل ضمانة للتحقيق ألا أننا وجدنا بالتجربة العملية أن هذا الأجراء لا يشكل ألا أجراء بسيطا جدا ومتواضعا إزاء ما يرتكبه المتهم في فعله الماس بالوظيفة مثل الاختلاس والتزوير، إذ لاحظنا أن الموظف اللمتهم بتزوير شهادة تخرج على مستوى عام (ماجستير- دكتوراه)، أو الموظف المتهم باختلاس مبالغ مالية . موجودة تحت يده، فإذا ما سحبت يد أي منهما وأوقف وقفا احتياطيا حتى لو بلغت المدة القصوى (60) يوما فأنها لا تشكل ضمانة لسلامة التحقيق ، كونها تفسح مجالا واسعا أمام أي منهما للهرب ، وهو ما حدث فعلا في مؤسساتنا في العراق .
وبالتالي فان إصدار امر القبض بعد إكمال اللجنة التحقيقية عملها وأحالتها إلى المحكمة المختصة التي تصدر امر القبض على المتهم لا تأني ثمارها المرجوة .
نقترح لما بينا أن يصار إلى تعديل قانون موظفي الدولة وذلك يمنح اللجنة التحقيقية التي تجري التحقيق مع الموظف أن تطلب إلى قاضي التحقيق توقيف المتهم على ذمة التحقيق وذلك في حالات معينة ، منها اذا كانت عقوبة الجريمة التي ارتكبها تزيد عن (3) سنوات ، أو اذا كان المتهم يخشى هروبه ، أو اذا كان تأثيره على التحقيق كبيرا لمنع ما اسلفنا من هرب المتهم.
الخاتمة
والان وقد وصلنا بالبحث إلى نهايته ، فأننا نجد من اللازم أن نستخلص ما توصلنا إليه من نتائج في ضوء ما وضعنا من افتراضات وردت في مقدمة البحث فلقد تبين لنا من خلال البحث أن أنظمة التأديب تختلف من بلد إلى آخر تبعا لطبيعة النظام السياسي ، والمفاهيم والنظم القانونية التي تسود فيه. ومهما يكن من أمر فان أنظمة التأديب لا تخرج عن ثلاثة هي، النظام الرئاسي ، والنظام شبه القضائي، والنظام القضائي .ففي النظام الرئاسي يكون للسلطة الرئاسية وحدها الحق في فرض العقوبة الانضباطية على الموظفين العموميين دون الرجوع إلى جهة معينة قبل توقيع العقوبة ، كون الرئيس الأعلى هو الأقرب إلى الموظفين ، وهو الأكثر دراية بفداحة الخلل الصادر عنهم.
إلا أن من سلبيات هذا النظام ، هو أنه يترك الموظف العام لتحكم الإدارة . ونجد تطبيق ذلك في الدنمارك وإسبانيا والبرتغال والمملكة المتحدة . أما عندنا في العراق فقد أخذ المشرع بالنظام الرئاسي ، إذ سمحت المادة (14) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي رقم 14 لسنة 1991، المعدل ، سمحت للرئاسة ومجلس الوزراء، وللوزير المختص ورئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ورئيس الدائرة ، والموظف المخول من الوزير بفرض العقوبة التي قررها لكل منهم ، رغم أنه سبق ذلك بتشكيل لجنة تحقيقية.
مما تقدم نرى أن السلطة المختصة بالإحالة على التحقيق في العراق هي السلطة الرئاسية ممثلة بالوزير بالنسبة لموظفي وزارته ، ولرئيس الدائرة بالنسبة لموظفي دائرته.
وفي مصر يعد قرار الإحالة إلى التحقيق قرارا إداريا نهائيا بالنسبة للأثار القانونية التي يحدثها، وبالتالي يمكن الطعن فيه استقلالا كضمانة أساسية تحول دون التعسف في استخدام سلطة الإحالة هذه. إلا أن هذه الحقيقة لا وجود لها للأسف في القانون العراقي ، لذلك فقد اقترحنا الأخذ بهذا المبدأ تحقيقا للعدالة وضمانا لحقوق العاملين في الدولة في مختلف درجاتهم.
كما ورد في التشريع المصري أن الجهة المختصة بإصدار الأمر بالتحقيق هو الوزير إذا تعلق الأمر بالتحقيق مع موظف معين بمرسوم جمهوري أو مع موظف ممن هو بدرجة مدير عام، بينما يتولى وكيل الوزارة أو رئيس الدائرة إصدار الأمر بالتحقيق مع غير ما ذكر من موظفين.
وعندنا في العراق نجد أن المادة (18) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 ، المعدل ، فرقت أيضا بين الموظف العادي ومن هو بدرجة مدير عام، إذ أناط إحالة التحقيق بالنسبة للموظفين ومعاقبتهم بالوزير أو رئيس الدائرة ، بينما الإحالة إلى التحقيق بالنسبة لمن هو بدرجة مدير عام فهي أحيانا تتم من الوزير أو من رئيس المؤسسة ، غير أن فرض العقوبة تكون من مجلس الوزراء باقتراح من الوزير.
وإذا كان الأمر قد اتضح فيما أسلفنا بشان السلطة التي تقوم بالإحالة على التحقيق، فمن هي السلطة التي تتولى التحقيق ، وما هي مقومات هذا التحقيق وسلطات من يتولى التحقيق؟
في العراق نجد أن المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة حددت السلطة المختصة التحقيق وأناطته بلجنة تحقيقية من ثلاثة أعضاء يكون أحدهم حاصلا على شهادة جامعية أولية في القانون يتولى الوزير أو رئيس الدائرة تأليفها.
أما في مصر فان السلطة المختصة بإجراء التحقيق مع الموظفين هي إحدى جهتين. الأولى الجهة الرئاسية التي يتبعها الموظف المحال على التحقيق لتتولاه بنفسها، وهنا كثر اللفظ بشان حق الرئيس الإداري المختص بالقيام بالتحقيق وفرض الجزاء في وقت واحد، رغم أنها صورة نادرة الحدوث عمليا، إلا أن بعض الفقهاء يرى عدم جواز ذلك، إذ لا يمكن الجمع بين سلطتي الاتهام والإدانة لما فيه من إخلال بمبدأ الحيدة .
أما الجهة الثانية فهي جهة النيابة الإدارية ، والتي تتولى التحقيق الإداري مع موظفي الدولة فيما يحال إليها من الجهات الإدارية ، وفيما تتلقاه من شكاوى من ذوي الشأن ، رغم أن الرئيس الإداري يبقى مستمر في حقه في مراقبة الخاضعين لرئاسته والتحقيق معهم.
والتحقيق هذا وبغض النظر عن الجهة التي تتولاه لابد من توفر المقومات اللازمة فيه والمتمثلة في وجوب استدعاء الموظف وسؤاله ومواجهته بما هو مأخوذ عليه، وتمكينه من الدفاع عن نفسه ، وإتاحة الفرصة له لمناقشة شهود الإثبات وسماع من يريد استشهادهم من شهود نفي وغير ذلك من مقتضيات الدفاع . فإذا خلا التحقيق الإداري من هذه المقومات فلا يمكن وصفه بانه تحقيق بالمعنى القانوني والعملي. ولقد منح القانون السلطة المختصة بالتحقيق الحق في اتخاذ العديد من الإجراءات التي تكشف الحقيقة وتوصل التحقيق الإداري إلى غايته المرجوة ، وذلك بدءا باستدعاء الشهود وسؤالهم ، والاطلاع على جميع المستندات والبيانات التي ترى ضرورة الاطلاع عليها، وكذلك الحق في وقف الموظف عن العمل ، أو ما يسمي ب (سحب اليد) عندنا في العراق . كما أن لسلطة التحقيق الاستعانة بالمختصين من أهل الخبرة في مجال الكشف عن التزوير ومعرفة المخطوطات وبصمات الأصابع وما تتطلبه من مضاهاة وغيرها مما يساعد في كشف الحقيقة.
والحقائق أعلاه أكدتها المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي رقم 14 لسنة 1991، المعدل في العراق والتي نصت على ((تتولى اللجنة التحقيق تحريريا مع الموظف المخالف المحال عليها، ولها في سبيل ذلك سماع وتدوين أقوال الموظف والشهود والاطلاع عليها، وتحرر محضرا تثبت فيه ما اتخذته من إجراءات وما سمعته من أقوال مع توصياتها المسببة ، أما بعدم مساءلة الموظف وغلق التحقيق ، أو بفرض إحدى العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون وترفع كل ذلك إلى الجهة التي أحالت الموظف )).
وفي مصر زاد المشرع من سلطات المحقق بمنحه الحق في إجراء التفتيش ، سواء في أماكن العمل أو في منزل الموظف . بالوقت لم يورد القانون العراقي مثل هذا الحق رغم أهميته ، لذلك نقترح أن يصار إلى تعديل القانون ومنح المحقق أو اللجنة التحقيقية سلطة إجراء التحري والتفتيش عن كل ما له علاقة بالأمر الجاري التحقيق عنه للوصول إلى الحقيقة كاملة دون تحديد أو قيود فإذا ما اكتمل التحقيق ولم يظهر ما يكفي من الأدلة لإدانته فان المحقق أو اللجنة التحقيقية توصي بغلق التحقيق وحفظ الأوراق ، وإن وجدت أن فعله مما يدخل ضمن الأفعال التي تعد مخالفة مما ورد في قانون انضباط موظفي الدولة ، فإنها تقترح العقوبة المناسبة التي تتفق والفعل الجرمي ، أما إذا رأت أن الفعل يشكل جريمة
يعاقب عليها قانون العقوبات ، أو أي من القوانين العقابية الأخرى ، توصي بإحالته إلى المحكمة التحقيقية المختصة لإكمال الإجراءات القانونية بحقه.
وفي عرضنا للنظام شبه القضائي ، فلقد وجدنا أنه يتميز عن النظام الرئاسي في كونه يحد من تحكم الإدارة بالموظف العام ، إذ أنه يحقق بعض الضمانات لهذا الموظف من خلال جملة تعديلات تم إجراؤها على النظام الرئاسي ، تمثلت بتشكيل هيئة تقوم إلى جانب السلطة الرئاسية تلتزم السلطة بأخذ رأيها قبل إصدار قرارها بفرض العقوبة
ويكون هذا الرأي ملزما إلا إذا أرادت السلطة الرئاسية تحقيق العقوبة لصالح الموظف.
ومن قبيل هذه التعديلات أيضا، هو أن ينشئ المشرع هيئة يغلب فيها العنصر الإداري تتولى إصدار العقوبة المقررة من قبلها على الموظف ، وهي هيئة شبه قضائية ، أو هيئة إدارية ذات اختصاص قضائي ، ومثالها ما ورد في قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936، العراقي الملغى ، والذي جمع فيه المشرع بين النظام الرئاسي والنظام شبه القضائي ، رغم خصوصية النظام شبه القضائي في العراق ، كونه أعطى للسلطة الرئاسية بفرض العقوبة كما تقوم بذلك اللجنة الانضباطية ، ومثلها مجلس الانضباط العام . بينما نرى أن القانون رقم (14) لسنة 1991، المعدل النافذ فان النظام شبه القضائي يحدد دور اللجنة التحقيقية المشكلة على القيام بالتحقيق فقط وأناط فرض إلى الرئيس الإداري دون أن يجعل رأي اللجنة ملزما ولا حتى محترما من الوزير أو الرئيس الإداري . لذا نرى أن يصار إلى جعل هذا الرأي ملزما للرئيس الإداري ومنحه الحق إذا شاء أن يعترض عليه أمام مجلس الانضباط .
أما النظام القضائي ، والذي هو ثالث أنظمة التأديب، فنراه ينزع سلطة الانضباط من يد السلطة الرئاسية ويعهد بها إلى القضاء من خلال تشكيل محاكم تأديبية تختص بتقدير جرمية الأفعال المنسوبة للموظف العام من الناحية الانضباطية وبالتالي فرض العقوبة الملائمة عليه أو القضاء ببراءته.
وفي هذا النظام قد ينشئ المشرع هيئة يكون واجبها رفع الدعوى الانضباطية لتتولى الادعاء العام أمام المحاكم التأديبية، حيث يأتي دورها بالنسبة للموظفين كدور النيابة العام بالنسبة لبقية الأفراد. ويمتاز هذا النظام عن غيره فيما يقدمه من ضمانات للموظف تعد أكيدة بالنسبة للأنظمة الأخرى ، إلا أن صعوبات تعترضه منها بعد القاضي عن الإدارة وبالتالي يصعب عليه تمحيص المخالفة التأديبية وكشف ما يلابسها من ظروف واعتبارات أما عن ضمانات التحقيق الإداري ، فقد وجدنا أن المشرع قد أحاط التحقيق الإداري بسبب خطورته على الموظف بالعديد من الضمانات التي تهدف في جملتها إلى الوصول إلى العدالة المجردة .
والضمانات الخاصة بالتحقيق الإداري ، قد تأني بصورة ضمانات شكلية منها ما يأتي سابقا على إجراء التحقيق بحيث يغدو التحقيق باطلا في حالة عدم الحصول عليه باعتباره شرطا لازما لصحته .
والحقيقة هذا نجدها في النظام المصري ، عندما يشترط موافقة رئيس مجلس الإدارة في شركات القطاع الاشتراكي ، أما في حالة التحقيق مع رئيس مجلس الإدارة نفسه، فتباشره النيابة الإدارية بناءا على طلب من رئيس الجمعية العمومية للشركة .ويعد شرط الموافقة (القبول) والجهة المختصة بالتحقيق قيدان يمثلان ضمانتين أساسيتين ، الأولى منهما لمصلحة العاملين ، والأخرى لمصلحة الشركة ، وأن الإخلال باي منهما يؤدي إلى بطلان التحقيق ، حيث ترفض المحكمة قبول الدعوى إذا جاءت مخالفة لهذين الشرطين.
كذلك وجدنا أن التشريع المصري يضع شرطا آخرا يشكل ضمانة شكلية سابقة على إجراء التحقيق ، يتمثل بأخطار الاتحاد العام لنقابات العمال بالاتهام المنسوب إلى أحد أعضائها، وللاتحاد إنابة أحد أعضائها لحضور التحقيق ، أو توكيل محام لحضوره ما لم يكن سريا، وذلك إذا تعلق بالنشاط النقابي فقط دون الجرائم الأخرى ، ولقد اعتبرت المحكمة الإدارية العليا في مصر التحقيق بدون استيفاء هذه الشكلية باطلا.
والشرط المذكور يشترطه القانون المصري ، إذا ما جاء التحقيق ضد أحد العاملين بالجهاز الإداري في الدولة أو القطاع العام أو القطاع الخاص ، إذ اشترط إشعار المجلس الشعبي المحلي بما تتخذه السلطة المختصة بالتحقيق من إجراءات (جنائية) ضد أحد أعضائها وذلك خلال ثمانية وأربعين ساعة على الأكثر من تاريخ اتخاذ هذه الإجراءات .
ولقد تناقضت آراء المحكمة الإدارية العليا مع بعضها بشان الجزاء الذي يترتب على سلطة التحقيق إذا ما قامت بإجراءات التحقيق ضد أحد أعضاء المجلس الشعبي دون إشعار المجلس بالأمر. فهذا باطلا ما لم يتم إشعار المجلس المحلي فيما يتخذ من إجراءات تأديبية ضد أحد أعضائه ، وأخرى تراه ليس جوهريا إلا أن دائرة توحيد المبادئ المنصوص عليها بالمادة (45) من قانون مجلس الدولة ، قد انتهت إلى أن عدم إخطار النيابة الإدارية للمجلس الشعبي مما يتخذ ضد أحد أعضائه من إجراءات تحقيقية لا يرتب بطلان الإجراء الذي قد تتخذه النيابة الإدارية ضد هذا العضو.
أما في العراق فلم يورد قانون انضباط موظفي الدولة أية ضمانة من هذا النوع ، لأن الجهة التي تتولى التحقيق هي ذاتها يعمل فيها الموظف وبالتالي لا حاجة لمثل هذا الإشعار ولا حتى النقابة ما دام القانون لم يوجب ذلك.
كذلك وجدنا أن هناك ضمانة شكلية أخرى من ضمانات التحقيق الإداري معاصرة له تتمثل بوجوب أن يتم التحقيق كتابة ، وهو ما أكدته المادة (10) بالفقرة (2) منها من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991، المعدل في العراق ، والمادة (71) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، المصري ، وذلك لتمكين كافة ذوي العلاقة للرجوع إلى الوقائع والملابسات التي جرى في كنفها التحقيق.
ورغم أن المحكمة الإدارية العليا في مصر قد أكدت ذلك في أحكامها، إلا أن المشرع المصري قد خرج على هذا الشرط بالنسبة لعقوبتي الإنذار والخصم من المرتب (قطع الراتب ) لمدة لا تتجاوز الثلاثة أيام .وكذلك فعل المشرع العراقي مثلما فعل المشرع المصري في أعلاه ، إذ جاء بالفقرة (رابعا) من المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة النافذ ما يلي: ((استثناءا من أحكام الفقرتين (أولا وثانيا) من هذه المادة ، للوزير أو رئيس الدائرة بعد استجواب الموظف المخالف أن يفرض أيا من العقوبات المنصوص عليها في الفقرات (أولا وثانيا وثالثا) من المادة (8) من هذا القانون . وهو يريد بذلك استبعاد شرط الكتابة ، والغريب في الأمر هنا إن القانون في الوقت الذي يمنح الوزير أو رئيس الدائرة استجواب الموظف دون كتابة وفرض العقوبة بحقه والخاصة ب (لفت النظر، الإنذار، قطع الراتب ) فانه للأسف الشديد يجعل قرار فرض العقوبة نهائيا، وهو ما أكدته الفقرة (رابعا من المادة (1 1) من القانون ، مما يعدم حقا قائما للموظف إذا لم يتولى الوزير أو رئيس الدائرة استجواب ، وفرض العقوبة بحق، إذ لم يترك القانون مجالا أمام الموظف الذي يتعرض لمثل هذا الانتهاك القانوني أي حق بالطعن . لذا نقترح أن يصار إلى تعديل القانون باقتراحنا منح الموظف الحق بالطعن أمام مجلس الانضباط إذا لم يجري استجوابه وتم فرض العقوبة عليه مباشرة ، وهو ما يحدث باستمرار في أغلب المديريات العامة في العراق .
وإلى جانب الضمانات الشكلية سالفة الذكر، وجدنا أن هناك أربع ضمانات موضوعية ، تأني في مقدمتها حياد جهة التحقيق ، والتي تعني وجوب أن تتوفر في القائم بالتحقيق بضعة خصال منها التجرد وعدم الركون إلى الهوى والميل والخداع ، إذ أن هذا التجرد هو الذي يحقق الحيدة والنزاهة الموضوعية التي تقود مسار التحقيق إلى غايته والذي هو استظهار الحقيقة أيا كان موقعها، ابتغاءا لرضى الله تعالى والتزاما بتطبيق محايد وموضوعي للقانون ، وبخلافه يكون قرار فرض الجزاء باطلا، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية العليا في مصر بالقول ( (أن قيام مقدم الشكوى بالتحقيق مع المشكو منه، يهدد التحقيق ويبطله لتخلف ضمانة حيدة المحقق في إجرائه ، وفي العراق يعد هذا مبدأ عام في المرافعات ولذلك لم يذكره القانون الخاص بانضباط الموظفين لأنه أمر مقر أصلا.
كما وجدنا اختلاف الفقهاء مدن تأثير الالتزام بمبدأ الحيدة في التحقيق إذا ما قام به الرئيس الإداري نفسه . وهنا ذهب البعض إلى عدم جواز قيام الرئيس الإداري بالتحقيق وإيقاع الجزاء، لأن ذلك يعد إخلالا بمبدأ الحيدة ، لأن ذلك يعد جمعا بين سلطة الاتهام وسلطة فرض الجزاء وهو أمر مرفوض ابتداءا كمبدأ عام.
إلا أن من الفقهاء من يرى عدم وجود مانع قانوني يحول دون ممارسة الرئيس الإداري لإجراءات التحقيق وتوقيع الجزاء، باعتبار أن التأديب عن طريق الجهة الإدارية ليس عملا قضائيا، بل هو مجرد امتداد للسلطة الرئاسية لتقويم الخطأ ودفع عجلة العمل في المرفق المنوط بالرئيس الإداري ، إلا أن الرأي هذا نفسه يستطرد قائلا، أن من مقتضيات الملاءمة في الظروف العادية ، هي ترجيح قيام التحقيق من شخص آخر غير الرئيس الإداري لضمان اطمئنان الموظف المتهم من جهة وتحصينا للرئيس الإداري المختص من التأثير باعتبارات معينة أثناء التحقيق . وقد أكدنا على التزام الرأي الأخير وهو عدم جواز الجمع بين السلطتين (الاتهام والجزاء) لمخالفتهما مبدأ الحياد وهو أمر موضوعي تقدره المحكمة في ضوء مسلك التحقيق.
كما أن من الضمانات الموضوعية ، هي وجوب مواجهة المتهم بالفعل المسند إليه ليتسنى له إبداء دفاعه حيال هذا الفعل والذي بدونه لا نكون في إطار محاكمة تأديبية. وللوقوف على هذه الضمانة لابد من بيان مفهوم ضمانة مواجهة المتهم بالفعل المسند إليه وأحكامها من استدعائه للحضور أثناء التحقيق والاطلاع على ملف التحقيق.
والمقصود بضمانة مواجهة الموظف بالفعل المسند إليه هو أن يقف الموظف على حقيقة التهمة المسندة وإحاطته بجميع الأدلة التي تؤكد ارتكابه المخالفة ، وذلك في مرحلتي التحقيق والمحاكمة ليتسنى له الدفاع عن نفسه وتقدم ما لديه من أوراق وبيانات لدفع التهمة عنه، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية في مصر عندما ألغت قرار مجلس التأديب لعدم مواجهة المتهم بشهود الإثبات مما أخل بحقه في الدفاع .
وأن من قبيل أحكام ضمانة مواجهة المتهم هو استدعاؤه للحضور أثناء التحقيق من خلال تبليغه أصوليا، وإن إغفال هذه الحقيقة يؤدي إلى بطلان التحقيق وبطلان ما نجم عنه من جزاء، رغم أن عدم حضور الموظف بعد تبليغه يعد ذنبا إداريا منفردا، إذ يجب عليه عدم الامتناع عن الحضور، وهو ما أكده القضاء المصري دائما.
كما أن من الضمانات الجوهرية التي يجب توافرها قبل إصدار العقوبة بحق الموظف ، هي ضرورة اطلاعه على ملف التحقيق الجاري ضده لكي يتمكن من إبداء دفاعه بصورة مفيدة ، والإخلال بهذا الحق يعد انتهاكا لحق الدفاع المضمون للمتهم باعتباره حقا دستوريا أصلا.
إلا أننا أن قانون انضباط موظفي الدولة النافذ في العراق لم يورد نصا على حق الموظف في الاطلاع على ملف التحقيق قبل فرض العقوبة ، رغم أن قانون الانضباط رقم (69) لسنة 1936، الملغى قد أورد ذلك في المادة (18) منه، لذلك تقترح على المشرع العراقي إلى إعادة تأكيد هذا الحق ضمانا للعدل والإنصاف .
كذلك وجدنا أن القوانين الانضباطية قد أكدت على حق المتهم في الدفاع عن نفسه رغم أنه حق دستوري مقدس ضمنته كافة دساتير العالم ، فجاء هذا الحق بشكل ضمانة موضوعية لتمكن الموظف في الدفاع عن نفسه بكافة الطرق المشروعة ، وهو أمر لا غنى عنه قبل توقيع الجزاء، وهو حق يتمتع به الموظف له أن يمارسه بنفسه، أو عن طريق محام له، وإن الإخلال به يؤدي إلى بطلان القرار التأديبي لعيب في الشكل . ويتمثل هذا الحق بحضوره التحقيق بنفسه شخصيا، أو بالوكالة بواسطة محام عنه.
غير أن الموظف المتهم إذا لم يحضر للتحقيق الإداري بنفسه ولم يوكل محام عنه رغم تبليغه ، فإن محاكمته تجري غيابيا ويصدر الحكم بحقه غيابا، فالحضور ليس مجرد حق للموظف ، بل هو واجب عليه يمكن المحكمة من فرضه عليه إذا ما تغيب ورأت أن حضوره يحقق المصلحة العامة .
ولقد أكد قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 العراقي (الملغى) حضور الموظف أو وكيله أو كلاهما إذا كان قد أجاب لدعوة أحدهما أو كلاهما المادة (22) منه، ولم يورد قانون الانضباط النافذ في العراق وإنما أرجعه إلى المبادئ العامة باعتباره أصلا وحسنا فعل ما دام لم يمنع القانون نفسه ذلك.
فالأصل إذن حضور المتهم بنفسه إجراءات التحقيق الذي يجري معه، والاستثناء أن يجري في غيابه ، إذا كانت مصلحة التحقيق تقتضي ذلك، إلا أنه إذا كان هناك عذر قاهر يمنع المتهم من الحضور، وجب تأجيل التحقيق حتى زوال هذا العذر.
والمشرع المصري هو الأخر لم يورد نصا على الاستعانة بمحام ، إلا أن الاستعانة بمحام عند سكوت القانون كما أسلفنا يعد مجرد تطبيق وإعمال للأصول العامة، وبالتالي لا يجوز حرمان المتهم من الاستعانة بمحام للحضور عنه وكالة سواء في مرحلة التحقيق أو في مرحلة المحاكمة ، إذ أن مرحلة التحقيق الإداري التي تفرض فيها العقوبة من الإدارة على الموظف أكثر جسامة من تلك التي توقعها المحكمة التأديبية، كما أن المتهم قد لا يتمكن في أغلب الأحيان من القيام بمهمة الدفاع عن نفسه ، وذلك لعدة أسباب ، والتي منها ما يرجع إلى طبيعة تكوينه الشخصي أو تأهيله العلمي ، أو ما يعتريه من خوف وتوتر من جراء مثوله أمام محقق يصوب مهام الاتهام نحوه ، لذا فان استعانته بمحام ضرورة تفتضيها حاجته للدفاع عن نفسه بواسطة شخص مؤهل علميا ومهنيا لهذه المهمة .
لما تقدم ذهب القضاء عموما إلى بطلان التحقيق الذي يجري دون حضور محام إذا ما كان المتهم قد طلب الاستعانة به، والقول بغير ذلك فيه تجريد لحق الدفاع من مضمونه وغايته ، والتي هي تمكين المتهم من دفع الاتهام عن نفسه . فإذا أعلن المتهم عدم قدرته على القيام بالدفاع عن نفسه ، فان الزامه به يشكل انتقاصا من حقه في الدفاع عن نفسه بالوكالة وهو الحق المقرر تشريعا وقضاءا.
والتحقيق الإداري ومن خلال البحث ، قد يفرض على القائمين ضرورة إبعاد الموظف المتهم عن مجال العمل ضمانا لسلامة التحقيق لمنع تأثيره فيه، وذلك من خلال الوقف الاحتياطي عن العمل للموظف المتهم ، وهو ما يسمى عندنا في العراق بسحب اليد، والذي أقرته قوانين الانضباط فيه وكذلك في مصر، وهو ليس عقوبة في حد ذاته ، بل هو إجراء مستعجل تتخذه الإدارة لمصلحة المرفق العام حتى بدون حاجة إلى نص قانوني ، وهو ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في حكمه الصادر في 16/6/1959.
وهنا يثار سؤال عن ضمانات الموظف أزاء هذا الوقف عن العمل ؟ وللإجابة على ذلك نبين أن المادة (16) من قانون الانضباط النافذ في العراق اليوم تذهب إلى وجوب سحب يد الموظف إذا ما أوقف من جهة ذات اختصاص ويكون سحب اليد هذا طيلة مدة التوقيف ، وهو ما يسمى بسحب اليد الوجوبي ، أي بقوة القانون ، وعلى هذا فان قرار الإدارة هذا بسحب اليد يعد قرارا معلنا وليس منشئا، وفي هذه الحالة فان الإدارة ليست مخيرة في سحب اليد بل تكون ملزمة بإجرائه فور علمها بتوقيف الموظف ، فإذا امتنعت عن اتخاذ هذا القرار، كان امتناعها قرارا إداريا سلبيا يجوز الطعن فيه بالإلغاء. إلا أن المادة (17) من القانون نفسه منحت الوزير أو رئيس الدائرة أو اللجنة التحقيقية ، الحق بسحب يد الموظف مدة لا تتجاوز (60) يوما إذا تبين أن بقاءه في الوظيفة مضرا بالمصلحة العامة ، أو أنه قد يؤثر على سير التحقيق في الفعل الذي أحيل من أجله على التحقيق ، ويعاد إلى نفس وظيفته بعد انتهاء مدة الستين يوما، إلا إذا كان هناك محذور فينسب إلى وظيفة أخرى وذلك يعني أن سحب اليد هنا أمر تقديري للجهات الثلاث المذكورة .
وأن مقارنة بسيطة بين القانون النافذ في العراق رقم (14) لسنة 1991، المعدل ، والقانون رقم (69) لسنة 1936، الملغى ، نرى أن فرقا بينهما تمثل في أن القانون الملغى لم يحدد مدة لسحب اليد، بينما القانون النافذ حددها بستين يوما، وحسنا فعل للاستعجال بالتحقيق دون إهماله وللإسراع بتقرير مصير الموظف لما في ذلك من ضمان لحقوقه.
كما أن القانون الملغى ذهب إلى سحب يد الموظف من قبل رئيس الدائرة عندما يتحقق له ارتكاب الموظف ذنبا ناشئا عن وظيفته ، ثم يقوم بإحالته إلى لجنة الانضباط أو مجلس الانضباط العام لمحاكمته . بينما في القانون النافذ يكون أمر سحب اليد متروكا للوزير ولرئيس الدائرة وللجنة التحقيقية ولا رقابة لمجلس الانضباط على ذلك. وإذا كان القانون الملغى قد تميز عن القانون الحالي في إعطاء مجلس الانضباط الحق بالرقابة على قرار سحب اليد، وانعدام مثل وجود هذا النص في القانون النافذ لا يحول دون رقابة المجلس ، إذ أن بالإمكان الاستعانة بالمادة (59/أ) من قانون الخدمة المدنية ، وبالتالي تقرير اختصاص مجلس الانضباط العام في الرقابة على قرار سحب اليد الذي يؤثر على الراتب مباشرة سيما وأن الراتب هو من الحقوق المقررة للموظف في قانون الخدمة المدنية مما يدخل في اختصاص مجلس الانضباط
للنظر في صحة القرار الخاص بسحب اليد وبالتالي تمكنه من إلغائه إذا ما وجده مخالفا للقانون . والأمر نفسه في مصر وفي فرنسا بموجب قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 24/6/1977 الذي قضى بان قرار الوقف عن العمل قابل للطعن فيه أمام القضاء.
أما بشان حقوق الموظف الناتجة عن قرار سحب اليد ومنها الحقوق المتعلقة براتبه، فقد اختلفت التشريعات في ذلك، فقد تم وقفه بقوة القانون كما في مصر وسوريا والأردن ، وأما أن يترك الأمر إلى جهة الإدارة كما في فرنسا.
وفيما يخص النسبة الموقوفة من راتب الموظف المسحوب اليد فقد اختلفت التشريعات بشأنها، فمنها من ذهب إلى إيقاف كامل الراتب كما في سوريا، ومنها ما ذهب إلى إيقاف نصف الراتب كما هو الحال في فرنسا ومصر، وفي الأردن ذهب القانون إلى إيقاف ما لا يزيد عن النصف من راتب الموظف الموقوف عن العمل احتياطيا. أما في العراق فقد نصت المادة (18) من قانون الانضباط الحالي على أن يتقاضى الموظف أنصاف رواتبه خلال مدة سحب اليد، بينما يبقى النصف الأخر ملكا له محجوزا على حسابه احتياطيا لنتيجة المحاكمة ، ولا يطبق عليه نص الحرمان لأنه يبقى ملكا له، وهذا ما قضى به مجلس الانضباط العام رقم (69) لسنة 1936 الملغى.
كما بينت المادة (19) من نفس القانون مصير النصف الموقوف من راتب الموظف يقولها بعدم دفع شيء من الراتب الموقوف للموظف إذا فصل أو عزل من الوظيفة سواء جاء الفصل أو العزل وفقا لقانون الانضباط النافذ أو استنادا إلى أي قانون آخر. ذلك يعني أن نصف الراتب الموقوف يخرج في هذه الحالة من ملك الموظف وترفع إشارة الحجز عنه ويسجل إيرادا نهائيا لخزينة الدولة .
أما إذا عوقب الموظف المسحوب اليد بعقوبة انقاص الراتب أو تنزيل الدرجة فتنفذ العقوبة من تاريخ سحب اليد ويدفع له الباقي من أنصاف رواتبه . أما إذا أسفرت نتيجة التحقيق أو المحاكمة عن براءة الموظف أو الإفراج عنه، أو معاقبته بغير العقوبات أعلاه فتدفع له أنصاف رواتبه الموقوفة.
أما إذا توفي الموظف مسحوب اليد قبل صدور قرار نهائي في التحقيق أو المحاكمة، فتؤول أنصاف رواتبه الموقوفة إلى من له حق استيفاء الحقوق التقاعدية وفقا لأحكام قانون التقاعد المدني ، وفي حالة عدم وجودهم فتؤول إلى ورثته.
ومع ما ذكرنا بشان القرار بسحب اليد واثره الكبير على الموظف ، فان خلاصة الضمانات المهمة انه لابد من توفرها والتي اسلفنا، وهي وجوب صدوره من مختص به، وان يكون صدوره استنادا إلى سبب قائم وان يكون هذا الموقف محدد بمدة معينة ، وهو أمر أكده المشرع العراقي وكذلك المصري .
ومن خلال اطلاعنا على التطبيق العملي لقرار سحب اليد في غالبية إدارات الدولة في العراق ، فأننا لم نجد في هذا القرار إلا إجراءا متواضعا، إزاء ما يرتكبه بعض الموظفين من اختلاس لأموال الدولة ، أو تقدم شهادات مزورة ، لا تكتشف إلا بعد سنين ، وبالتالي فان سحب يد الموظف لأي من هؤلاء لا يشكل ضمانا للمال العام ولا لسلامة التحقيق كما أريد لها، لأن ذلك يفسح المجال واسعا أمام المتهم للهرب . لذا فان إصدار أمر القبض بحق المتهم يطلب من اللجنة التحقيقية إلى قاضي التحقيق المختص أمر لابد من الأخذ وتقترح تعديل القانون النافذ لضمان عدم ضياع المال ولكي يأني التحقيق الجاري ثماره وأهدافه وبخلافه فلا قيمة له.
الهوامش
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / النظام الانضباطي لموظفي الدولة في العراق / دراسة مقارنة الطبعة الأولى / مديرية مطبعة الإدارة المحلية / بغداد / ص 214.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي/ المرجع السابق / ص 215 .
- د. سليمان محمد الطماوي / (القضاء الإداري ) الكتاب الثالث في قضاء التأديب/ دراسة مقارنه/ دار الفكر العربي وشارع جواد حسني/ القاهرة/ سنة 1987/ ص 454 .
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص240.
- د. احمد الموافي / نظام مجالس التأديب (طبيعته / ضماناته ) دراسة تطبيقية على أحكام المحكمة الإدارية العليا / دار النهضة العربية / ص 84 .
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 529
- د. غازي فيصل مهدي / شرح أحكام قانون انضباط موظفين الدولة والقطاع الاشتراكي رقم (14) لسنة 1991 / مطبعة العزة / لسنة 2001
- القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي / متن قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي رقم (14) لسنة 1991 / المكتبة القانونية / بغداد – شارع المتنبي / ص 12.
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع الأعلى / ص 66.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / ضمانات التأديب في التحقيق الإداري والمحاكمة التأديبية لسنة 2003 / ص 114.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 210.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 41 .
- د. راغب ماجد الحلو / القضاء الإداري / دار المطبوعات الجامعية / سنة 1985/ ص 572.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 542 .
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 211 .
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع السابق / ص 573.
- د. محمود حلمي / القضاء الإداري (قضاء الإلغاء – القضاء الكامل – إجراءات التقاضي ) / الطبعة الأولى / دار الفكر العربي / سنة 1974 / ص 324.
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع السابق / ص508.
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع السابق / ص 576.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 552.
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع الأعلى / ص 580.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 560.
- قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي / المرجع السابق / ص 12.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 561.
- المستشار احمد الأدغم / التأديب في ضوء قضاء محكمتي الطعن (النقض – الإدارية العليا) الطبعة الأولى 2001 / مطبعة الانتصار / الإسكندرية / المصدر السابق.
- جلال احمد الأدغم / المصدر السابق / المصدر السابق / ص 97.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 216 .
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 208.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المرجع السابق / ص 455.
- د. سليمان محمد الطحاوي / المصدر الأعلى / ص487.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص190.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 187 .
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 29 .
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع السابق / ص 571.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 97.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 98.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 99.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 101.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 103 .
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 66 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع السابق / ص 107.
- د. جلال احمد الأدغم / المرجع السابق / ص 85.
- د. راغب ماجد الحلو/ المرجع السابق / ص 577.
- د. عبد الغزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 110 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة / المرجع الأعلى / ص 117.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 118 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 122 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص124 .
- المستشار جلال احمد الأدغم/ المرجع السابق / ص 86.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 127 .
- د. احمد الموافي/ المرجع السابق / ص 126 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 135 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 137 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 145 .
- مجموعة القوانين والأنظمة لسنة 1936/ المرجع السابق / ص 451 .
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 75.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه3 المرجع السابق / ص 143.
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 71.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه / المرجع السابق / ص 143.
- د. راغب ماجد الحلو / المرجع السابق / ص 579.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي/ المرجع السابق / ص 252.
- (مجموعة القوانين والأنظمة رقم (64) لسنة 1936 / مطبعة الحكومة / بغداد / سنة 1937/ ص 452 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 145 .
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 148 .
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي/ المرجع السابق / ص 224.
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 77.
- د. شفيق عبد المجيد الحديثي / المرجع السابق / ص 223.
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 76.
- د. غازي فيصل مهدي / المرجع السابق / ص 77.
- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفه/ المرجع السابق / ص 158 .
المصادر
المصادر الفقهيه
- احمد الموافي / نظام مجالس التأديب (طبيعته / ضماناته ) / دراسة تطبيقية على أحكام المحكمة الإدارية العليا / دار النهضة العربية.
- جلال احمد الأدغم / التأديب في ضوء قضاء محكمتين الطعن (النقض – الإدارية العليا) الطبعة الأولى / مطبعة الانتصار / الإسكندرية
- راغب ماجد الحلو / القضاء الإداري / دار المطبوعات الجامعية / سنة 1985.
- سليمان محمد الطحاوي / (القضاء الإداري ) الكتاب الثالث في قضاء التأديب دراسة مقارنة/ دار الفكر العربي وشارع جواد حسني / القاهرة / سنة 1987.
- شفيق عبد الحميد الحديثي / النظام الانضباطي لموظفي الدولة في العراق / دراسة مقارنة/ الطبعة الأولى / مديرية مطبعة الإدارة المحلية
- عبد العزيز عبد المنعم خليفة / ضمانات التأديب في التحقيق الإداري والمحاكمة التأديبية / سنة 2003.
- غازي فيصل مهدي / شرح أحكام قانون الانضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي رقم (14) لسنة 1991 / مطبعة العزة .
- محمد حلمي / القضاء الإداري (قضاء الإلغاء – القضاء الكامل – إجراءات التقاضي ) الطبعة الأولى / دار الفكر العربي / سنة 1974 .
التشريعات
- نبيل عبد الرحمن حياوي / متن قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي رقم (14) لسنة 1991/ المكتبة القانونية – شارع المتنبي.
- قانون انضباط موظفي الدولة رقم (64) لسنة 1936/ مطبعة الحكومة / بغداد / سنة 1937.





