عن طريق المساعدة القضائية

الدكتور عبد الحليم بن مشري

أستاذ محاضر أ بكلية الحقوق والعلوم السياسية

جامعة محمد خيضر بسكرة

مقدمة:

جاء في المادة 140 من الدستور الجزائري أن: “أساس القضاء مبدأ الشرعية والمساواة، الكل سواسية أمام القضاء، وهو في متناول الجميع، ويجسد احترام القانون”، كما جاء التنصيص في المادة 151 على أن: “الحق في الدفاع معترف به، الحق في الدفاع مضمون في القضايا الجزائية”.

المدقق في هاته النصوص يجد بأن الدستور ركز على مبدأ المساواة إمام القضاء الذي يعني أن جميع الأفراد يمكنهم ممارسة حق التقاضي على قدم المساواة أمام ذات جهات القضائية دون تفرقة بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو المعتقد، ولا فرق بين قوي وضعيف، ولا غني ولا فقير، هذا ما عبر عنه المؤسس الدستوري بعبارة: “وهو في متناول الجميع”.

وهذا ما يجعلنا نقف على مبدأ آخر وهو مبدأ مجانية التقاضي الذي يعتبر من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها النظم القضائية الحديثة، حيث يعتبر القضاء من أسمى وظائف الدولة، ومفهوم مجانية التقاضي في تصوره الأمثل هو عدم تحمل المتقاضي لأي مصاريف أو أعباء مالية نظير تقدمه للعدالة، فدفع أي مبلغ يعني تقييد حريته في الولوج للعدالة، ونجد أن هاته الصورة المثالية لم تجد تطبيقاً لها إلا في الحضارة الإسلامية، وتطبيقاً للرأي الراجح في الفقه الإسلامي، كما تطبقها العربية السعودية في وقتنا الحالي لكن مع عدم إدخال مصاريف المحامين.

أما أغلبية النظم الوضعية فتذهب إلى أن المجانية تقتصر فقط على عدم دفع أجور للقضاة ومساعديهم لأنهم كسائر موظفي الدولة يتلقون أجورهم من هاته الأخيرة، غير أنهم يتحملون العديد من المصاريف القضائية تحت مسميات عدة، ولا شك في أن هاته المصاريف تحول في الكثير من الأحيان دون ممارسة الحق في التقاضي على أحسن وجه، ويصبح الإقبال على العدالة في هاته الحالة كالإقبال على محل تجاري من يدفع أكثر ينال القسط الأوفر من العدالة، لهذا الأمر نجد بأن الأصل في القضاء هو مبدأ المجانية، والاستثناء هو دفع المصاريف القضائية، فإذا كان الشخص غير قادر على دفع هاته المصاريف نجد أن القوانين الوضعية عموماً مكنته من نظام المساعدة القضائية من أجل كفالة حقه في التقاضي (استثناء على الاستثناء “رجوع للأصل”). فكيف تكفل المساعدة القضائية الحق في التقاضي؟، وينجر عن هذا التساؤل الرئيس مجموعة من التساؤلات الفرعية: ما مفهوم المساعدة القضائية؟ وما هي شروطها والإجراءات المتعلقة بها؟

وهذا هو محور دراستنا المنصب على كفالة حق التقاضي عن طريق المساعدة القضائية وقد قسمنا هاته الدراسة إلى ثلاث محاور أساسية:

أولاً/ مضمون المساعدة القضائية.

ثانياً/ شروط أعمال نظام المساعدة القضائية.

ثالثاً/الإجراءات المتعلقة بالمتعلقة بالمساعدة القضائية.

أولاً/ مضمون المساعدة القضائية:

جاء في تعريف المساعدة القضائية العديد من التعريفات نذكر منها أنها: “نظام قانوني يعفي الشخص من دفع الرسوم القضائية إذا كان معوزاً”(1)

كما عرفت بأنها تحقيق الوصول إلى العدالة بدون مقابل مالي للفئات المستحقة لها والتي لا تستطيع الوصول إلى العدالة لأسباب عدة أهمها عدم مقدرتهم الحصول على الاستشارة القانونية الصحيحة أو تمثيلهم أمام المحاكم ودفع رسوم التقاضي وأتعاب المحاماة بسبب عدم مقدرتهم المالية، التي تعزى إلى الفقر الحاد الذي يحيط بهذه الفئات(2).

وفي نفس السياق تقريباً جاء تعريف المساعدة القضائية في المادة الأولى من القانون العربي الاسترشادي للمساعدة القضائية على أنها: “الإعفاء من الرسوم والمصروفات القضائية أو دفعها كلها أو بعضها عمن يثبت عجزه عن دفعها، كما تشمل انتداب محام”(3). 

كما جاء أو ورد في أحد التعريفات الفقهية أيضاً بأن المساعدة القضائية هي: نظام لمساعدة الفقراء على حماية حقوقهم، تكريساً لمبدأ المساواة إمام العدالة، ولإزالة العراقيل التي تحرم بعض الفئات الاجتماعية من ممارسة حق التقاضي، وهي أساساً الفئات الضعيفة التي تعوقها أوضاعها المادية عن الحماية القضائية لحقوقها، لما تستوجبه المصاريف القضائية من نفقات باهظة تحد من حرية اللجوء إلى للعدالة، وتؤدى تبعاً لذلك إلى وجود فوارق من المتقاضين، تخل بمبدأ المساواة أمام العدالة(4).   

إن الملاحظ على هذه التعريفات السابقة أنها تتقاطع في بعض النقاط وتختلف في أخرى وهذا الأمر لا يرجع أساساً إلى أن المساعدة القضائية تختلف من تشريع إلى أخر تبعاً لمقدرة الدولة المالية(5)، فالمساعدة القضائية في فرنسا مثلاً وبعد تعديل سنة 1982 بموجب القانون 82 – 1183 أصبحت تمنح لكل الأشخاص غير القادرين على دفع المصروفات القضائية، المتضمنة حقوق الدمغة ورسوم التسجيل وأتعاب المحامين والخبراء وغيرهم ممن تنتدبهم المحكمة، كما تشمل أتعاب أعوان القضاة من محضرين وكتبة ومترجمين وشهود وغيرهم ممن تتطلب الإجراءات تدخلهم وتشمل كل المصاريف المتعلقة بتنقلهم وغير ذلك. وتشير إلى أن الإعفاء من المصاريف القضائية في فرنسا قد يكون إعفاءه كليا ًتتحمل الخزينة أعباءه، أو إعفاء جزئيا ًيتقاسمه المساعد قضائياً والخزينة العامة(6).

أما بالنسبة للتشريع المصري، فنشير إلى أنه يوجد نظامان لتقديم المساعدة لغير القادرين مادياً على دفع المصروفات القضائية، الأول هو نظام الإعفاء من الرسوم القضائية المنظم بموجب قوانين الرسوم القضائية المختلفة أو غيرها من القوانين الأخرى كقانون العمل، والملاحظ على هذه القوانين أنها غير مقتصرة على الرسوم القضائية بل تمتد إلى غيرها من المصاريف القضائية، أما النظام الثاني فيشمل إلى الإعفاء من دفع أتعاب المحاماة كلها أو بعضها. وفقاً لما جاء في قانون المحاماة، وبجانب هذين النظامين هناك من يضيف دور المكاتب القانونية لتقديم النصح والإرشاد القانوني لمن هم في حاجة إليه(7).

أما في المملكة السعودية فإن نظام التقاضي يقوم على مجانية الرسوم القضائية بشكل كلي، حيث يعفى الأشخاص طبيعيون كانوا أو اعتباريين سعوديين أم أجانب من دفع أي رسوم أو مصاريف قضائية، غير أن القانون السعودي لم ينص على أي مساعدة تقدم للمتقاضين لما يتعلق الأمر بتعيين محام أو غيره من أعوان القضاء(8).

وبالرجوع إلى الجزائر نجد أن المشرع قد أفرد قانوناً للمساعدة القضائية(9) بيّن في مادته الأولى أن المساعدة القضائية تمنح لكل الأشخاص طبيعيين كانوا أو اعتباريين في حالة عدم مقدرتهم على التقاضي سواء كانوا طالبين أو مطلوبين، وتشمل المساعدة وفقاً للمادة 13 كافة الرسوم والمصاريف القضائية وكذا أتعاب أعوان العدالة من كتاب ضبط ومحامين وموثقين ومدافعين، ومصاريف تنقل القضاة، وكتاب الضبط والخبراء وأجورهم وكذا مصاريف الشهود الذين أذن سماعهم والمصاريف التي قدمها كتاب الضبط بمناسبة المراسلات البريدية وغيرها….الملاحظ أن المصاريف القضائية التي تتحملها الخزينة العامة بصفة مؤقتة مقدماً على الفصل في النزاع تستحق بعد صدور الحكم النهائي ويتحملها من يخسر القضية حتى ولو كان هو الذي أعفي منها  ابتداء وعلى ذلك نقول بأن نظام المساعدة القضائية في الجزائر يشبه نظام المساعدة الفرنسي القديم(10).

وفي تعليقنا على مضمون المساعدة القضائية في الجزائر نقول بأنه إذا كان يحسب للمشرع الجزائري أنه خصص قانوناً كاملاً للمساعدة القضائية، حيث يمنح بذلك التضارب المحتمل عندما تنظم مجموعة من القوانين نفس المسألة فإن ما يحسب عليه، هو أن المصاريف القضائية تبقى على عاتق المساعد قضائياً في حالة ما إذا خسر الدعوى، حيث أن الخزينة العامة التي تحملت مقدماً المصاريف القضائية تعود على من خسر الدعوى حتى ولو كان هو المستفيد من نظام المساعدة القضائية، ونرى بأنه كان الأجدر بالمشرع أن ينزع هذا الطابع المؤقت للمساعدة مثلما ذهب إلى ذلك المشرع التونسي حينما نص على أنه في حالة الحكم ضد المنتفع بالإعانة العدلية فإن هذه المصاريف تتحملها خزينة الدولة، إلا إذا وجد نص خاص يعفي الدولة من أدائها(11).

2- الإطار القانوني للمساعدة القضائية:

جاء في المادة 09 من اتفاقية التعاون القانوني والقضائي بين دول اتحاد المغرب العربي ما يلي “يتمتع مواطنو كل طرف متعاقد بحق التقاضي أمام الهيئة القضائية ببلدان الأطراف الأخرى للمطالبة بحقوقهم والدفاع عنها”.

المادة 11: “يتمتع مواطنو الأطراف المتعاقدة ببلد كل منها بالحق في الحصول على المساعدة القضائية أسوة بمواطنيه وفقاً للتشريع النافذ فيه …”(12).

فيما ذهبت المادة 13/1 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان إلى أنه: “…. تكفل كل دولة طرف لغير القادرين مالياً الإعانة العدلية للدفاع عن حقوقه”(13).

أما المادة 14/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فقد جاء فيها أنه: “لكل منهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته. وعلى المساواة التامة بالضمانات لدينا التالي: …. وأن يخطر بحقه في وجود يدافع عنه وأن تزوده المحكمة، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجراً على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر”(14).

ثانياً/شروط إعمال نظام المساعدة القضائية

1 الأشخاص الذين يمكنهم الاستفادة من المساعدة القضائية:

كان الأمر 71 – 57 يمنح المساعدة القضائية لكل شخص وكل مؤسسة ذات مصلحة عامة وكل جمعية خاصة تتبع عملاً اسعافياً، وبذلك لم يميز بين الأشخاص الطبيعيين متى توفرت فيهم الشروط المطلوبة قانوناً التي سنتعرض لها لاحقاً، أما بالنسبة للأشخاص الاعتبارية فقد حصر منح المساعدة ذات المصلحة العامة والجمعيات الخاصة التي تباشر عملاً اسعافياً، أي أنه استبعد كل الأشخاص المعنوية التي تهدف إلى تحقيق الربح من نظام المساعدة القضائية، كما تجدر الإشارة إلى أن الأجانب لم يكن لهم الحق في الاستفادة من المساعدة القضائية حيث أن النص لم يتعرض لهم من قريب أو بعيد(15).

غير أن المشرع الجزائري وفي أخر تعديل لقانون المساعدة القضائية بموجب القانون 09 – 02 (16). وسع حدود الاستفادة من المساعدة القضائية إذ أصبح المستفيدون هم كل الأشخاص الطبيعية والمعنوية التي لا تستهدف الربح، كما نص ذات التعديل على أن الأجانب المقيمين بصورة قانونية على الإقليم الوطني يمكنهم الاستفادة من المساعدة القضائية متى لم تسمح موارده بالمطالبة بحقوقه أمام القضاء.

والملاحظ أن الفقرة الثالثة من المادة الأولى أصبحت تنص على أنه: “غير أنه يمكن منح المساعدة القضائية بصفة استثنائية إلى الأشخاص الذين لا يستوفون الشروط  المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين، عندما تكون حالتهم جدير بالاهتمام بالنظر إلى موضوع النزاع”، وبهذا يكون المشرع قد أعطى سلطة أوسع لمكاتب المساعدة القضائية في قبول طلبات حتى بالنسبة للأشخاص الطبيعية والمعنوية التي تستهدف الربح، أو الأجانب في حالة الإقامة القانونية بالاستفادة من نظام المساعدة القضائية متى قدرت هذه المكاتب أن حالاتهم جديرة بالاهتمام بالنظر إلى موضوع النزاع.

2- الأعمال التي ينصب عليها نظام المساعدة القضائية:

جاء في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى أنه: “تمنح المساعدة القضائية بالنسبة لكافة المنازعات المطروحة أمام الجهات القضائية العادية والإدارية وجميع الأعمال والإجراءات الولائية والأعمال التحفظية”، ويبدو جلياً من هذا النص أن المساعدة القضائية تمنح بصدد المنازعات القضائية البحتة، ولا يقتصر المنح على منازعات القضاء العادي؛ بل تمتد أيضاً إلى المنازعات الإدارية، ومهما كانت درجة التقاضي المثار أمامها النزاع، وتمتد المساعدة القضائية لتشتمل كذلك جميع الأعمال والإجراءات الولائية وكذا الأعمال التحفظية فالمشروع لم يقتصر المساعدة على المنازعات البحتة.

يضاف إلى فإن المادة 02 من ذات القانون تمد مجال المساعدة القضائية إلى كافة الإجراءات التنفيذية أياً كان نوع السند الذي يجري التنفيذ الجبري بمقتضاه، ويظل المستفيد من المساعدة القضائية متمتعاً بها في حالة الطعن المثار في القضية استئنافاً أو طعناً بالنقض(17).

3 – شروط منح المساعدة القضائية:

من خلال استقرائنا لقانون المساعدة القضائية، يمكننا أن نقول بأن هناك شرطين أساسيين لمنح المساعدة القضائية هما: عدم قدرة طالب المساعدة على دفع المصاريف القضائية وجدية العمل المراد شموله بالمساعدة القضائية.

أ/ عدم المقدرة على دفع المصاريف القضائية:

إن عدم القدرة على دفع المصاريف القضائية لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص فقيراً أو عديم الدخل، فقد يحوز الشخص أمولاً تكفيه للعيش الكريم، غير انه يكون غير قادر واقعياً على دفع المصاريف القضائية وبالتالي يمكنه الاستفادة من نظام المساعدة إذا توفرت بشأنه بقية الشروط المطلوبة(18)، وعلى ذلك نقول بأن المشرع الجزائري قد أحسن بتوظيفه عبارة:”لا تسمح لهم مواردهم بالمطالبة بحقوقهم أمام القضاء أو الدفاع عنها” الواردة ففي نص المادة الأولى من قانون المساعدة القضائية، فالمشرع لا يحرم الشخص من المساعدة حتى ولو كانت له موارد، وهذا ما يؤكده نص المادة 06 من ذات القانون التي  تتطلب في ملف طلب المساعدة كشف الراتب للأشهر الثلاث الأخيرة, عند الاقتضاء.

وهذا ما تداركه المشرع التونسي في أمر 1922 الذي كان ينص على أن الإعانة العدلية تمنح لمن هو فقير ولا قدرة له على التوصل إلى حقوقه، حيث حذف قانون 3 جوان 2002 مصطلح الفقر ليعوضه بمصطلح أخر أكثر دقة ومرونة هو “انعدام الدخل”أو “الدخل السنوي المحدود”(19).

لكن الملاحظ أن المشرع الجزائري لم يفرق بين عدم المقدرة الكلية على دفع المصاريف القضائية وعدم المقدرة الجزئية، حيث أن مكاتب المساعدة ما عليها إلا إصدار قرار بمنح المساعدة بدون ذكر الأسباب أو رفض تقديم المساعدة مع إبداء أسباب الرفض, ونحن نقول كان الأجدر بالمشرع الجزائري في أن يفرق بين عديمي الدخل وذوي الدخل المحدود مثلما ذهب لذلك المشرع التونسي الذي أقر أن الإعانة الكاملة تمنح لعديمي الدخل، أما الإعانة               العدلية الجزئية فهي مرتبطة بشرط عدم كفاية الدخل(20)، أما المشرع الفرنسي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بأن جعل المساعدة القضائية الكاملة تمنح لذوي الدخل المحدود ومن باب أولى تمنح لعديمي الدخل في حالة ما إذا كان دخل الشخص الشهري لا يتعدى 3465 فرنكاً قانون المالية لسنة 1985، أما من تعدى دخله هذا المبلغ فإنه يستفيد من إعانة قضائية جزئية كما أشار إلى أن هذه القيمة ليست ثابتة بل هي متغيرة تبعاً لمتغير القيمة الاقتصادية للعملة وسوف يحددها قانون لاحق متى استدعت الضرورة لذلك.وبهذا يكون المشرع قد حسم الخلاف بين مكاتب المساعدة مسألة مقدرة الشخص على تحمل المصاريف القضائية من عدمه، عن طريق وضع معيار مادي واضح، غير أن هناك من يتخوف من احتمال عدم صدور القوانين المعدلة لهذه القيمة في وقتها(21).

ونحن نضيف إلى مسألة الدخل وحدها غير كافية إذا يمكن أن تتجاوز عتبة المنح الكلي للمساعدة ومع ذلك يكون الشخص غير قادر تماماً على أي مصاريف قضائية بسبب أوضاع خاصة يمر بها كسداد ديون ما أو خسارة أموال بسبب مرض أو حادث سير أو غيرها،مما يجعل الشخص غير قادر تماماً على ممارسة حقه في التقاضي, ونجد أن المشرع الفرنسي قد حاول تغطية هذه الأوضاع الخاصة بتأكيده على أن تقدير المقدرة الكلية أو الجزئية، يجب أن يراعى فيه إذا كان تدخل المحامي إجباري أو اختياري، مقدار إنفاق هذا الشخص على الغير الملزم بالاتفاق عليهم(22)، ولكن مع ذلك تبقي الكثير من الأوضاع غير قابله للحصر، فالعبرة إذا بعدم المقدرة أثناء مباشرة الحق في التقاضي وهذا ما يجب التركيز عليه، وقد حاول المشرع الجزائري في نص المادة 02 مكرر المستحدثة بالقانون 09 – 02 وضع معيار لتقدير موارد طالب المساعدة القضائية بان نص على أنه:”تؤخذ بعين الاعتبار في تقدير الموارد المنصوص عليها في المادة الأولى أعلاه، الموارد مهما كانت طبيعتها التي يستطيع منها طالب المساعدة بصفة مباشرة أو غير مباشرة أو التي تحت تصرفه، باستثناء الإعانات والمنح العائلية.

وتؤخذ بعين الاعتبار الممتلكات المنقولة أو غير المنقولة، وإن كانت غير منتجة لمداخيل باستثناء تلك التي يترتب على بيعها أو رهنها اختلال خطير في الذمة المالية للمعني بالأمر”.

والملاحظ أن المشرع وضع قرينة على أن المستفيد من منح عائلية أو إعانات من الدولة هو شخص غير قادر على تسديد المصاريف القضائية، وهذه قرينة بسيطة إذ يمكن إثبات عكسها في حالة ما إذا كان الشخص متحايلاً مثلاً على مصالح الدولة للاستفادة من مثل هذه الإعانات. وتبقى هذه المحاولة من المشرع جديرة بالاهتمام، غير أنه يجب كذلك التطرق إلى المصاريف والنفقات الواقعة على عاتقه.

ب/ جدية طلب المساعدة القضائية

جاء في المادة 06 من قانون المساعدة القضائية أن طلب المساعدة يكون مرفقاً بعرض وجيز لموضوع الدعوى أو العمل ألولائي أو التنفيذ المراد مباشرته، وهذا من أجل تمكين مكاتب المساعدة من الاطلاع على أن هذه القضية موجودة فعلاً وهي جديرة بالاهتمام وتعتبر هدراً لوقت العدالة ولا لأموال الدولة، ولكن ينبغي توخي الحذر في التعامل مع هذا العنصر، فمكاتب المساعدة ليست بجهات قضائية لكي تنظر في موضوع الدعوى أو العمل ألولائي أو التحفظي المراد شموله بالمساعدة القضائية فهذا من عمل المحاكم، وإنما تقوم المكاتب ببحث سطحي وأولي لطلب المساعدة هل هو مقبول أم لا؟ كما نشير إلى أن هذا الشرط الثاني يكون فقط إذا كان طالب المساعدة القضائية هو المدعي أما إذا كان هو المدعى عليه أو المتخذ ضده الإجراء المطلوب شموله بالمساعدة القضائية فإنه معفى من هذا الشرط بحكم أن النزاع موجود فعلاً أمام القضاء وأن المدعى عليه أو المتخذ ضده الإجراء ملزم بالحضور أمام القضاء، ونضيف إلى أن هذا الشرط مطلوب قبل رفع الدعوى أما في حالة ما إذا كان النزاع معروض بالفعل على القضاء فلا محل لهذا الشرط حيث أن قبول الدعوى في حد ذاته دليل كاف على مدى جدية الطلب وقيامه على أساس سليم(23).

والملاحظ أن المشرع الجزائري قد أهمل كل هاته التفاصيل المهمة، بدليل أنه ركز في المادة 07 من القانون 09 – 02 على أنه مكاتب المساعدة تقوم بالتحريات الضرورية حول موارد طالب المساعدة القضائية فقط، دون أن يركز على جدية النزاع أو الأحوال المختلفة السابق ذكرها بخصوص هاته النقطة.

والملاحظ كذلك أن مكاتب المساعدة في الجزائر منوط بها نفس الدور من حيث دراستها بجدية النزاع ولا فرق بين مكاتب المساعدة على مستوى المحاكم الابتدائية والإدارية والمجالس القضائية ولا المحكمة العليا ومجلس الدولة ومحكمة التنازع، فمن الضروري التفريق بين عمل مكاتب المساعدة في هاته الجهات القضائية فمحاكم الموضوع غير محاكم القانون.

وقبل الانتهاء من هذا العنصر تجدر الإشارة إلى أن الشروط الواجب توافرها لمنح المساعدة القضائية لا يؤخذ بها عندما تكون بصدد أحد الحالات المنصوص عليها في المادة 28 من قانون المساعدة القضائية، حيث أن هاته الأخيرة تمنح بقوة القانون إذا كان طالب المساعدة القضائية أحد الأشخاص التالية صفاتهم.

  • أرمل وبنات الشهداء غير المتزوجات.
  • معطوبي الحرب.
  • القصر الأطراف في الخصومة.
  • المدعي في مادة النفقة.
  • الأم في مادة الحضانة.
  • العمال في مادة حوادث العمل أو الأمراض المهنية وإلى ذوي حقوقهم(24).

وقد أضاف تعديل 09-02المتعلق بالمساعدة القضائية فئات جديدة يمكنها الاستفادة من المساعدة القضائية بقوة القانون وهي:

  • ضحايا الاتجار بالأشخاص أو الأعضاء.
  • ضحايا تهريب المهاجرين.
  • ضحايا الإرهاب.
  • المعوقين.

ونلاحظ أنه إذا كان الأمر مقبولاً بالنسبة للمعوقين بالنظر إلى وضعهم الخاص، فقصورهم الجسدي عادة ما يكون محل إعانة من طرف الدولة، وإذا قبلنا الأمر بالنسبة لضحايا الإرهاب، الذين يمكن قياس حالتهم معطوبي الحرب وأرمل الشهداء وبناتهم غير المتزوجات والذين يعتبرون ضحايا للثورة التحريرية فإن ضحايا الإرهاب ضحايا المأساة الوطنية.

لكن الأمر مختلف تماماً وغير مقبول بالنسبة لضحايا الاتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية وكذا ضحايا تهريب المهاجرين، فلا أساس منطقي أو قانوني يبرر استفادتهم من المساعدة القضائية، لأن هناك ضحايا في جرائم أخطر كجرائم الحجز التعسفي والتعذيب وغيرها والأمر الوحيد المفسر لهاتين الفئتين الجديدتين أن القانون 09 – 02 المتضمن المساعدة القضائية تزامن مع صدوره مع الأمر 09 -01 المتضمن تعديل قانون العقوبات الذي استحدث جرائم تهريب المهاجرين والاتجار في الأشخاص والأعضاء البشرية وهذا الأمر غير مقبول فيجب التركيز على عدم القدرة الفعلية على دفع المصاريف القضائية وكذا جدية النزاع.

ثالثاً/الإجراءات المتعلقة بالمساعدة القضائية:

سوف نتطرق في هذا المحور إلى نقطتين أساسيتين، تنصب الأولى على طلب المساعدة القضائية والفصل فيها، أما النقطة الثانية فقد خصصناها لكيفية تعين محام في إطار المساعدة القضائية والإشكالات العملية المنجزة عن ذلك.

1-طلب المساعدة القضائية والفصل فيه:

ونتطرق في هذه النقطة لمحتويات المساعدة القضائية، والجهة المختصة بمنح المساعدة القضائية ثم نتناول قرار منح أو رفض منح المساعدة القضائية والطعن فيها.

أ/ تقديم طلب المساعدة القضائية:

نصت المادة 06 بعد تعديلها بالقانون 09 -02 المتعلق بالمساعدة القضائية على أن ملف طلب المساعدة القضائية يتشكل من الوثائق التالية:

-طلب يتقدم لرئيس مكتب المساعدة القضائية (المادة 05 من ذات القانون)، يتضمن عرضاً وجيزاً لموضوع الدعوة أو العمل ألولائي أو التنفيذ المراد مباشرته.

-مستخرج من جدول الضرائب أو شهادة عدم فرض الضريبة.

-كشف الراتب للأشهر الثلاث الأخيرة، عند الاقتضاء.

-تصريح شرفي يثبت فيه المعني بالمساعدة مارده المالية، مصادق عليه من طرف رئيس المجلس الشعبي البلدي لمحل إقامته.

والملاحظ أن المشرع الجزائري لم يتطلب شكلاً معيناً لطلب المساعدة القضائية، بل ألزمه بمجموعة من الوثائق التي تيسر عمل مكتب المساعدة عند تأكده من صحة ادعائه بأنه محتاج للمساعدة القضائية، والملاحظ على الوثائق المطلوبة أنها غير مكلفة في اغلبها ولا تحتاج إلى رسوم تسجيل أو أية طوابع جبائية. وبالرجوع إلى التشريع التونسي نجده نص صراحة على هذه المسألة بأنه إذا تعزر طالب الإعانة العدلية الإدلاء بالوثائق كلها أو بعضها بسبب عدم قدرته على دفع معاليم استخراجها أو معاليم التسجيل والطابع الجبائي المتعلق بها فعليه الإشارة إلى ذلك بالمطلب(25).

ب/ الجهة المختصة بمنح المساعدة القضائية:

لقد استحدثت المادة 2 مكرر من القانون 09 – 02 مكاتب للمساعدة القضائية على مستوى المحاكم الابتدائية والإدارية، والمجالس القضائية والمحكمة العليا ومجلس الدولة وكذا محكمة التنازع، وقد جاءت المادة 03 من قانون المساعدة القضائية على تفصيل تشكيلة هاته المكاتب، وهو ما بيناه في الجدول أدناه.

مكتب المساعدة على مستوىرئيس المساعدةأعضاء مكتب المساعدة القضائية
المحكمة الابتدائيةوكيل الجمهورية-قاض يعينه رئيس المحكمة المعنية.-ممثل منظمة المحامين.-ممثل الغرفة الجهوية للمحاضرين القضائيين.-ممثل المجلس الشعبي البلدي بمحل الإقامة.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.
المحكمة الإداريةمحافظ الدولة-مستشار يعينه رئيس المحكمة الإدارية.-ممثل منظمة المحامين.-ممثل الغرفة الجهوية للمحاضرين القضائيين.-ممثل المجلس الشعبي البلدي لمحل الإقامة.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.
المجلس القضائيالنائب العام-مستشار يعينه رئيس المجلس القضائي.-ممثل منظمة المحامين.-ممثل الغرفة الجهوية للمحاضرين القضائيين.-ممثل المجلس الشعبي البلدي لمحل الإقامة.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.
المحكمة العلياالنائب العام-مستشار يعينه الرئيس الأول للمحكمة العليا.-ممثل منظمة المحامين معتمد لدى المحكمة العليا.-ممثل الغرفة الجهوية للمحاضرين القضائيين.-ممثل المجلس الشعبي البلدي لمحل الإقامة.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.
مجلس الدولةمحافظ الدولة-مستشار يعينه رئيس مجلس الدولة.-ممثل منظمة المحامين.-ممثل الغرفة الجهوية للمحاضرين القضائيين.-ممثل المجلس الشعبي البلدي لمحل الإقامة.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.
محكمة التنازعمحافظ الدولة-مستشار يعينه رئيس محكمة التنازع.-ممثل منظمة المحامين معتمد لدى مجلس الدولة والمحكمة العليا.-ممثل الخزينة العمومية.-ممثل إدارة الضرائب.

يستقبل رئيس مكتب المساعدة القضائية طلبات المساعدة وتودع لدى الأمانة الدائمة للمكتب مقابل وصل، ويتولى هذه الأمانة أمين ضبط يعينه رئيس مكتب المساعدة القضائية وفقاً لما جاء في المادة 05 من قانون المساعدة القضائية.

لقد حاول المشرع من خلال ما عرضناه في الجدول السابق توسيع تشكيلة مكاتب المساعدة لتشمل كافة الشرائح المعنية بمسألة المساعدة القضائية، غير أن هذا الأمر يصعب عملياً من سرعة الفصل في طلبات المساعدة، ذلك أن أعضاء هذا المكتب ليسو موظفين…فيه، أي “أنهم يجتمعون بشكل دوري، مما قد يعطل من سرعة العملية، الأمر الذي حاول المشرع تفاديه من خلال نصه في المادة 04 على أنه: “يمكن منح المساعدة القضائية. بصفة مؤقتة، في حالة الاستعجال من طرف وكيل الجمهورية أو النائب العام أو محافظ الدولة المختص بشرط أن يرفع الأمر في أقرب جلسة إلى المكتب الذي يقضي بالإبقاء على تلك المساعدة أو يسحبها”.

يضاف إلى ما سبق أن تشكيلة غير قضائية، وهو ما يطرح تساؤلاً جدياً، حول سبب منح حق دستوري بالغ الأهمية، هو الحق في التقاضي، في يد لجنة غير قضائية ولا حتى إدارية، يمكن مساءلتها إذا خالفت القانون، أو الطعن في أحكامها إذا كانت أعمالها قضائية.

ج/ القرار الصادر في طلب المساعدة القضائية:

بعد قيام مكاتب المساعدة بالتحريات الضرورية حول طالب المساعدة القضائية، تصدر قراراتها بالقبول دون تسبيب أو بالرفض مع ذكر أسباب الرفض.

ومن أهم خصائص هذه القرارات أنها غير قابلة للطعن (المادة10 ف 02)، ومرد هذا الأمر أو إلزامية وجود تعليل القرار الصادر برفض الطلب، أي أن هناك إمكانية لمراجعة القرار وذلك بتجديد الطلب إذا كان سبب يتمثل في عدم تبرير جديته أو عدم تقديم الوثائق اللازمة قانوناً، وذلك بسد النقص الذي أسس عليه قرار الرفض(26).

وتشير إلى أن المشرع الجزائري في تعديل لقانون المساعدة القضائية لسنة 2009، أعطى لطالب المساعدة القضائية الحق في التظلم أمام نفس المكتب في أجل عشر أيام من تاريخ التبليغ (المادة 10 ف 02 )، حيث أن هذه الإمكانية لم تكن موجودة في القانون القديم. ونلاحظ أن المشرع نص صراحة على عدم قبول الطعن في قرارات مكاتب المساعدة بأي طريق من طرف الطعن ما عدا التظلم، وهذا الأمر يرجع إلى طبيعة القرار الصادر في طلب المساعدة القضائية،حيث أنه لا يعتبر قراراً إداريا ًلأنه صادر من رئيس مختص بالنظر إلى تشكيلة مكتب المساعدة المختلطة بين الإداريين المنتخبين والمعينين وممثلي النقابات المهنية (محامين ومحضرين) وقضاة، كما لا يعتبر هذا القرار عملاً قضائياً لأن العمل القضائي لابد أن يصدر محكمة مشكلة تشكيلاً صحيحاً وفي خصومة قائمة وفقاً لإجراءات محددة، فالقرار الصادر في طلب المساعدة القضائية هو قرار ذو طبيعة خاصة يستمد حجيته من القانون مباشرة، وهذا ما انتهى إليه الفقه الفرنسي(27).

2- تعيين محام في إطار المساعدة القضائية:

لقد ركزنا في هذه النقطة على المحامين دون غيرهم من مساعدي القضاة، بالنظر إلى أهمية مركز المحام في المساعدة القضائية من جهة، ومن جهة ثانية نجد أن قانون المساعدة القضائية ركز على المحامين بشكل أساسي، مساعدو القضاء بالإضافة إلى المحامون، نجد كلا من المحضرين والموثقين والمترجمون والمحلفين(28).

وقد كان القانون القديم (الأمر 71- 57) ينص على التعيين التلقائي المجاني للمحامين في القضايا الجزائية، وهذا ما يبدو جلياً في نص المادة 25 التي جاء فيها:”يتم تعيين محام مجاني في الحالات الآتية”، ولم يكن هناك أي نص يحدد أتعاباً للمحامين المنتدبين في إطار المساعدة القضائية. غير أنه بعد صدور القانون رقم 01 – 06 المعدل للأمر السابق(29).

استحدثت المادة 29 مكرر التي نصت على أنه:”يتقاضى المحامِ المكلف بالمساعدة القضائية في المواد المدنية، وكذا في حالة التعيين التلقائي أمام محكمة الجنايات مكافأة مالية تكون على عاتق خزينة الدولة”. وقد حددت المكافآت المالية بالمرسوم التنفيذي 01 – 244 (30) الذي سن ملحقه طبيعة النزاع والجهة القضائية ومبلغ المكافأة القاعدي غير أن المكافأة لم تكن مجزية، حيث أن أكبر مكافأة لا تتجاوز 6000 دج، وهو الأمر الذي أدى إلى عزوف المحامين عن القيام بدورهم على الوجه الأكمل في المساعدة القضائية وفي ظل وجود المادة 77 من قانون تنظيم مهنة المحاماة(31) التي تمنع على المحامين رفض المساعدة القضائية وكذا تمنعهم من قبول أو طلب مكافأة على إتباعهم بأي شكل كان في القضايا التي منحت فيها المساعدة القضائية تحت طائلة العقوبات التأديبية المنصوص عليها في المادتين 49، 51 من ذات القانون نجد أن نقابات المحامين ورفعاً للإحراج درجت على منح قضايا المساعدة القضائية للمحامين المتربصين، أو حديثي العهد بالمحاماة، وهذا ما يشكل في نظرنا إخلالاً بحق الأفراد في التقاضي وهذا من خلال الإخلال بمبدأ المساواة أمام القضاء فعدم جدية المحام أو عدم تمتعه بالخبرة اللازمة في مجال المحاماة. من المؤكد أنه سوف يؤثر على حقوق موكله.

بالنظر إلى ما تقدم، نجد أن المشرع الجزائري اصدر مرسوماً تنفيذياً جديداً خلال سنة 2011(32) وسع فيه من مجال القضايا التي تمنح فيها المساعدة القضائية ورفع قيمة المكافآت المالية إلى ثلاث أضعاف تقريباً من أجل تدارك النقص الموجود في المرسوم التنفيذي السابق، وبالنظر إلى أن المكافآت أصبحت مجزية نوعاً ما، فقد أصبح هناك إقبال كبير قضايا المساعدة القضائية، ولأن المحام غير ملزم بتحقيق النتيجة فقد أصبح هم بعضهم هو الظفر بأكبر قدر ممكن من ملفات المساعدة القضائية، وهو ما يرجعنا إلى ذات الأثر السلبي السابق، وهو ما يدفعنا إلى القول أنه يمكننا الاستفادة من النظم القانونية الأجنبية التي تسبقنا في هذا المجال.

فنجد مثلاً أن المستفيد من المساعدة القضائية في فرنسا هو من يختار محاميه ولكن يعاب على هذا النظام أن هذا الاختيار مرتبط هو الآخر بموافقة المحام(33)ونجد في ألمانيا فكرة ضد المصروفات القضائية، حيث يدفع المأمن لشركة التأمين أقساط التأمين على هذه المصروفات، وفي حالة متابعة أو رفعه لدعوى تمكنه شركة التأمين من دفع المصاريف القضائية بما فيها أتعاب المحامي الذي يختاره المعني بالمساعدة القضائية(34)، ومما يعاب على هذه الفكرة هو أن غير القادر على دفع المصاريف القضائية يحتمل أنه غير قادر كذلك على دفع أقساط التأمين. كما يضاف إلى ذلك بلورة فكرة المساعدة القضائية التي تخفف من عبء الملفات المعروضة على القضاء، وهذا من خلال إعطاء فكرة قانونية أولية، من طرف محامين متطوعين في إطار لجان المساعدة القانونية، حول موضوع النزاع قبل عرضه على القضاء(35).

ويمكننا أن نقترح في هذا الصدد فكرة مفادها أن نقابة المحامين تعرض جدولاً للمحامين الذين يمكنهم المساعدة ويرغبون في ذلك، ويبقى للأفراد اختيار من يناسبهم، وهذا الأمر يمكنه أن يحفز المحامين على بذل جهد أكبر في ربح القضايا لاستحقاق غيرها. وهذا ما يتطابق مع المعايير الدولية التي جاء بها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لقمع الجريمة لسنة 1990، الذي قرر أنه:”من حق كل شخص انتداب محام يختاره من أجل حماية مصالحه وإثباتها”(37).

نشير في الأخير إلى أن المشرع الجزائري تدارك بعض النقص الذي كان يعتري نص المادة 29 مكرر، التي كانت تنص على منح تعويضات للمحامين فقط في إطار المساعدة القضائية، بأن أضاف فئة المحضرين القضائيين والموثقين المعنيين بالمساعدة القضائية لكن مع هذا نفصل لو كان النص عاماً بان يكون على الشكل التالي:”يتقاضى مساعدو العدالة في المواد المدنية والإدارية وفي حالة التعيين التلقائي إمام الجهات القضائية الجزائية في إطار المساعدة القضائية، أتعاباً تكون على عاتق الخزينة العمومية، وفقاً للتنظيم والتشريع المعمول بها”، وبذلك لا يحتاج المشرع إلى تعديل هذه المادة إذا استفادة فئة جديدة من هذه المكافأة من أمثال المترجمين والجزاء وغيرهم.

 

 

الخاتمة:

كخاتمة للموضوع نلاحظ أن المساعدة القضائية ليس لديها تعريف ثابت، وهذا راجع إلى تغيّر مفهومها بالنظر إلى المقدرة المالية للدولة، فهي إعانة تقدم للأشخاص الراغبين في التقاضي وغير القادرين على تحمل المصاريف القضائية والأعباء المالية الأخرى المرافقة لرفع الدعوى، فتجد أن هناك دول تُعمل مبدأ المجانية فيما يخص المصاريف القضائية دون تحمل أتعاب المحامين، وهناك دول تميّز بين المساعدة الكلية والجزئية، وهناك دول أخرى تقتصر المساعدة على مواطنيها ودول تمتد هذه المساعدة إلى الأجانب.

لكن المتفق عليه أن المساعدة القضائية هي تحمل الدول لأعباء التقاضي في حالة ما إذا كان الأفراد غير قادرين على دفع المصاريف، ولكن ليس من باب الإحسان والصدقة الذي كان ينفر المتقاضين من هذا الباب، وإنما من باب الواجب الوقع على عاتق كل دولة ديمقراطية تسعى لكفالة مبدأ دستوري سامي هو مبدأ المساواة إمام القانون والقضاء.

كما نلاحظ أن الجزائر خصصت قانون مستقلاً للمساعدة القضائية أمر 79 – 57 ، وهو ما يحسب للمشرع الجزائري، حيث أن يؤدي هذا التخصيص إلى منع التضارب بين القوانين مثلما هو موجود في بعض الدول التي تنظم المساعدة القضائية في قوانين مختلفة(قوانين المرسوم، المحاماة، الإجراءات، الأحداث…).

أما ما يعاب على هذا القانون فهو عدم وجود معيار واضح محدد للمقدرة المالية للأشخاص محل المساعدة القضائية، مثلما هو الحال في فرنسا التي تعتمد على معيار مادي واضح مبني على المداخيل، والأجر، وتميز من خلال ذلك بين من يستأهل المساعدة المالية ومن لا يستأهلها.

كما أن منح المساعدة القضائية في الجزائر يتم من خلال منح الشخص المساعدة القضائية كلياً، أو أنه لا يستفيد منها نهائياً، فلا يوجد في التشريع نظام المنح الجزئي للمساعدة القضائية.

عدّل المشرع الجزائري الأمر 71 -57 مرتين؛ مرة بالقانون 01-06، ومرة ثانية بالقانون 09-02، محاولاً تدارك بعض النقائص التي جاءت في القانون السابق، وهذا من خلال:

-مد نظام المساعدة القضائية للأجانب المقيمين بصورة قانونية على الإقليم الجزائري.

-استحداث مكاتب مساعدة قضائية على مستوى كل الجهات القضائية: المحاكم، المجالس القضائية، المحاكم الإدارية، المحكمة العليا، مجلس الدولة، محكمة التنازع.

-عند تقدير الموارد المالية لطالب المساعدة القضائية تستثنى الإعانات والمنح العائلية، حيث أن طالب المساعدة القضائية يستفيد أصلاً من معونة الدولة.

-كما يلاحظ منح حق دستوري في يد مكتب ذو أغلبية غير قضائية، وإن كانت هناك إمكانية للطعن في قرارات مكاتب المساعدة عن طريق التظلم أمام نفس المكتب في أجل (10) أيام من تاريخ التبليغ، هذه الإمكانية لم تكن متوفرة من قبل، غير أننا نرى بأنه على الرغم من أن جل طلبات المساعدة تقبل إلا أنه في حالة عندما يتم رفض تقديم المساعدة يكون الفرد قد حرم من ممارسة حق كفله له الدستور.

-نلاحظ أيضاً إضافة فئات جديدة للمستفيدين من المساعدة القضائية بقوة القانون حسب ما جاء في المادة 28 أعلاه، ويتعلق الأمر بـ:

-ضحايا الاتجار بالأشخاص أو بالأعضاء.

-ضحايا تهريب المهاجرين.

-ضحايا الإرهاب.

-المعوقين.

نلاحظ بأنه إذا كان الأمر مقبول بالنسبة للمعوقين بالنظر إلى وضعهم الخاص، أو ضحايا الإرهاب الذين يمكن قياسهم على معطوبي الحرب وأرمل الشهداء غير المتزوجات المنصوص عليهم في القانون القديم (ضحايا المأساة الوطنية).

لكن إضافة ضحايا الاتجار بالأشخاص وبالأعضاء وتهريب المهاجرين لا يحمل أي منطق قانوني، ذلك أن هناك ضحايا في جرائم أخطر: الجرائم العابرة للحدود الوطنية، الحجز التعسفي، التعذيب وغيرها فنقول بأن العبرة بالأساس يجب أن تكون منصبة على أمرين اثنين هما عدم القدرة على دفع المصاريف القضائية وجدية النزاع. ولا تفسير لهذه الإضافة إلا بالرجوع للقانون 09-02 المتضمن تعديل قانون العقوبات الذي استحدث هذه الجرائم الجديدة، الذي جاء متزامناً مع صدور القانون 09-01،

-بالنسبة لأعوان العدالة من محامين ومحضرين وغيرهم نجد بأن النظام القديم كان يمثل عبئاً عليهم، حيث كانوا لا يستفيدون من أي تعويض من الخزينة العامة بل عليهم الرجوع على من خسر الدعوى، فكيف يكون الحال إذا كان خاسر الدعوى هو المستفيد من المساعدة القضائية، وقد حاول المشرع تدارك هذا الأمر في القانون 01-06 في المادة 29 مكرر منه من أن المحامي المكلف بالمساعدة القضائية مستفيد من نظام تعويض وهذا ما جاء به المرسوم التنفيذي 01-244 ثم عدل مؤخراً بالمرسوم التنفيذي رقم 11-375 الذي رفع الكفاءات إلى ثلاث أضعاف تقريباً ووسع مجال القضايا التي يمكن فيها الاستفادة من تعويض. وتدارك المشرع الجزائري النقص الذي كان يعتري المادة 29 مكرر بأن أضاف المحضرين القضائيين والموثقين المعنيين في المساعدة القضائية، لكن مع هذا يبقى هناك نقص حيث أن المتقاضي لا يختار محاميه بل أن النقابة هي التي يتعين له محامي. والملاحظ هنا أناك عيوباً في هذا التعيين الإجباري للمحامي حيث أنه: لما كانت التعويضات غير مجزية المحامي يتهرب من المساعدة القضائية وهو لا يسعى حتى ليبذل العناية اللازمة للقضية. ولما أصبحت التعويضات نوعاً مجزية فالمحامي غير ملزم بتحقيق النتيجة لذا فهو يسعى فقط للظفر بأكبر قدر من ملفات المساعدة القضائية.

لذا نقترح في هذا المجال أن يكون للنقابة حق عرض جدول للمحامين الذين يمكنهم المساعدة القضائية، وللأفراد اختيار من يناسبهم وهذا ما يحفز المحامين على بذل جهد أكبر لاستحقاق القضايا.

في الأخير نشير إلى أنه لابد من الاستفادة من تجارب دول أخرى: وذلك للتخفيف من مساوئ المساعدة القضائية على مستوى النظام القانوني المحلي، بحيث يجب تفعيل الأفكار التالية في نظام المساعدة القضائية:

أ-فكرة التأمين ضد المصاريف القضائية بألمانيا حيث أن شركة التأمين هي التي تتولى والمصاريف،كما يمكّن المتقاضي المستفيد من المساعدة من اختيار محاميه.

ب-تعزيز عمل الجمعيات ذات الطبيعة الخيرية العاملة في مجال المساعدة القانونية مثلما هو موجود في الولايات المتحدة وبعض دول أمريكا اللاتينية. حيث أن الجمعية الوطنية لهيئات المساعدة القضائية المنشأة سنة 1922، بالولايات المتحدة، قد تحولت إلى الجمعية الوطنية للمساعدة القانونية والدفاع عن المتهمين، وأصبحت في تبعية الآن لنقابة المحامين الأمريكيين، وتمثل ورقة ضغط مهمة في هذه النقابة.

ج-تفعيل دور الجمعيات الطلابية في معاهد الحقوق، الذي أدى إلى نتائج مبهرة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أمريكا اللاتينية، حيث أن طلاب السنوات النهائية في بعض بلاد أمريكا اللاتينية يقدمون المساعدة القانونية، في إطار مكاتب تنشؤها كليات الحقوق، أي ضرورة الاستغلال الأمثل والأنجع لحماس الطلاب ورغبتهم في الاستفادة من معلوماتهم النظرية.

د-ضرورة رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، بأن لهم الحق في المساعدة القضائية, إذا كانوا بحاجة إلي التقاضي وغير قادرين على دفع المصاريف المترتبة عليه.

ه-التأكيد على الدور الرسالي للمحامي، وذلك أن المحاماة رسالة تؤدى بأمانة، فتكون هناك نظرة إنسانية إلي المتقاضي المطالب بحقوقه، وتكون دائماً هي الأسمى على المنفعة المالية التي سيجنيها المحامي في الظروف العادية، فيجب على المحام أن يبذل جهداً مماثلاً في جميع القضايا التي يتولاها.

 

الهوامش:

(1)لبري نصير، “المساعدة القضائية”، مداخلة ألقيت على موظفي أمانة الضبط لدى محكمة حمام الضلعة، 2008، اطلع عليها على بموقع:http://www.courdemsila.mjustice.dz/conf_cour_msila/doc4.pdf، ص 01.سيد أحمد محمود، أصول التقاضي وفقاً لقانون المرافعات، القاهرة: دار النهضة العربية، 2005، ص 1106.

(2) محمد أحمد عبد الله، “مبدأ المساعدة القضائية وأثرها في المحاكم العادلة بين القانون السوداني والقانون المقارن”، مقال انترنت منشور على موقع: http://www.helalia.com/، ص 01. أنظر قريباً من هذا المعنى: Guide pratiques Genevois, Assistance juridique, Janvier 2011, p 04.

(3) القانون العربي الاسترشادي للمساعدة القضائية، المعتمد من طرف مجلس وزراء العدل العرب في دورته 24، القرار رقم: 746، الصادر بتاريخ: 27 نوفمبر 2008.

(4) رضا أحمد المزغني، “اللجوء إلى العدالة: المجانية والمساعدة”، مقال في كتاب “القضاء والعدالة”، ج 01، الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2006، ص 251.

(5) عبد الرحمان بن يوسف إبراهيم الدوسري، أثر المساعدة القضائية في تحقيق العدالة، رسالة ماجستير في التشريع الجنائي، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2009، ص 16.

(6) عاشور مبروك، النظام القانوني لمساعدة غير القادريين على دفع المصروفات القضائية: دراسة تأصيلية تطبيقية مقارنة، القاهرة: دار النهضة العربية، 2007، ص ص:51،52. وانظر كذلك: Ministère de la justice, Demande d’aide juridictionnelle, imp Adin Msium, 2004, P 01.

(7) عبد الرحمان بن يوسف إبراهيم الدوسري، مرجع سابق، ص 16. انظر أكثر تفصيلاً: عاشور مبروك، مرجع سابق، ص 55 وما بعدها.

(8)عبد الرحمان بن يوسف إبراهيم الدوسري، مرجع سابق، ص 16.

(9) الأمر رقم 71 – 57 ، المؤرخ في 05 أوت 1971، المتعلق بالمساعدة القضائية، الجريدة الرسمية، العدد 67، السنة الثامنة، الصادرة في 17 أوت 1971، ص 1122 وما بعدها.

(10) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص ص: 77، 78.

(11) انظر: رضا أحمد المرغني، مرجع سابق، ص 265.

(12)اتفاقية التعاون القانوني والقضائي بين دول إتحاد المغرب العربي، وقعت بتاريخ 09/10 مارس 1991، بمدينة راس لانوف، ليبيا.

(13) الميثاق العربي لحقوق الإنسان، اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشر، 23 ماي 2004، تونس.

(14)العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200(د.21)، بتاريخ 16ديسمبر 1966، تاريخ بدء النفاذ 23 مارس 1976.

(15) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص 100.

(16) القانون رقم 09-02، المؤرخ في 25 فيفري 2009، المعدل والمتمم للأمر 71-57، المتعلق بالمساعدة القضائية، الجريدة الرسمية، العدد 15، السنة 46، الصادرة في 08 مارس 2009، ص 09 وما بعدها.

(17) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص ص: 86، 87.

(18) المرجع نفسه، ص ص : 104، 105.

(19) رضا أحمد المرغني، مرجع سابق، ص 255. عبد الرحمان بن يوسف إبراهيم الدوسري، مرجع سابق، ص 25.

(20) رضا أحمد المرغني، مرجع سابق، ص256.

(21) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص 105.

(22) المرجع نفسه، ص 106.

(23) المرجع نفسه، ص 109 وما بعدها.

(24) وزارة العدل، دليل المتعامل مع القضاء، الجزائر: منشورات وزارة العدل، دون سنة نشر، ص 34.

(25) رضا أحمد المرغني، مرجع سابق، ص 258.

(26) المرجع نفسه، ص 257.

(27) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص ص: 194، 195.

(28) رضا أحمد المرغني، مرجع سابق، ص 260.

(29) القانون رقم 01-06، المؤرخ في 22 ماي 2001، لمعدل والمتمم للأمر 71-57، المتعلق بالمساعدة القضائية، الجريدة الرسمية، العدد 29، السنة 38، الصادرة في 23 ماي 2001، ص ص: 06،07.

(30) مرسوم تنفيذي رقم 01-244، المؤرخ في 02 سبتمبر 2001 الذي يحدد مبلغ المكافأة المالية التي يتقاضاها المحامي المكلف بالمساعدة القضائية وكيفيات وشروط منحها، الجريدة الرسمية، العدد 49، السنة 38، ص ص: 03، 04.

(31) القانون رقم 91- 04، المؤرخ في 08 جانفي 1991، المتضمن تنظيم مهنة المحاماة، الجريدة الرسمية، العدد 02، السنة 28، الصادرة في 09 جانفي 1991، ص 29 وما بعدها.

(32) مرسوم تنفيذي رقم 11- 375، المؤرخ في 12 نوفمبر 2011, المحدد لشروط وكيفيات دفع أتعاب المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية، الجريدة الرسمية، العدد 61، السنة 48، ص 47 وما بعدها.

(33) عبد الرحمان بن يوسف إبراهيم الدوسري، مرجع سابق، ص 84.

(34) عاشور مبروك، مرجع سابق، ص 72.

انظر كذلك:

Institut national de la consommation, L’assistance de protection juridique, INC document, Mai 2010, PP 1-5, sur le cite : http://www.conso.net. Erhard Blankenburg, Aide juridique : des avancées sporadiques, Revus Droit et société, N°34, 1996, PP 628 -632.

(35) Stéphanie Roos, l’aide juridique, JDJ Editions UGA, N°261, janvier 2007, P57. Pieret Julien, Aide juridique : la situation et grave…quasi désespéré collectif solidarité contre l’exclusion, N°38, Mai/Juin 2003, P47.

(34) Office contre la drogue et le crime, Accès à la justice : défense et assistance juridictionaire, Nations Unis, New-York, 2008, P01.

محمد أحمد عبد الله عبد الله، مرجع سابق، ص 06.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading