من خلال مدى فاعليته بين إكراهات مدونة الأسرة وطموحات مدونة لليسرة[(1)]

دمحمد شيلح

أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق فاس

فرش:

على الرغم من أن الإنسان إنسيان إلا أنه لا يستطيع أن ينسى إنسيته (مدنيته، اجتماعيته، تواصله مع الآخرين من بني جنسه) وبالتالي ائتلافه. ومن هنا نقول بلسان أرسطو “من لا يستطيع الائتلاف أو ليس بحاجة إلى شيء لاكتفائه بذاته … هو وحش أو إلاه”[(2)].

إن الإنسان لا يقدر، لما سبق، على البقاء منفردا ولذلك كان التضام والتآلف بين الرجل والمرأة[(3)]. ولقد سمي هذا التآلف في النظام البطريكي، عندما أحكم قبضته واستن مرجعيته وأخلاقه، بالأسرة.

ومصطلح الأسرة يفزعني لأن معناه العربي من الشد بالقيد والاحتباس والأسر والحصر يفوق أسر البول وحصر الغائط، وإن تقوى به صاحبه فتوفر له الأصر وصار له الحبس والقهر إصرا وعهدا مؤكدا.

وإذا كان هذا المصطلح غير المألوف في الكتابات الفقهية الأصيلة من تراثنا قد نقل من مصطلحات لغة أخرى، فإن مصطلح فامليا (Familia) المنقول كأسرة يزيدني خجلا من تعسف النظام البطريكي في إيثاره الأناني للاستعباد وحرصه المتفاني على الاستبداد[(4)].

وإذا قاربنا مصطلح الأسرة فيلولوجيا جاز القول إن ائتلاف الرجل والمرأة، بغض النظر عما إذا كان جماعيا أو انفراديا، تميز في العهد الأمومي، “حيث كانت المرأة هي مركز المؤسسات الاجتماعية”[(5)]، بوصف المرأة بالعطاء لما في dame من حمولة dare وجذع do الذي صار بالميتاتيز عَطْ فكان لفظ أعطى ولفظ أذى ولفظ أهدى[(6)].

وهذا العطاء جعل من المرأة، حسب تقديرنا، في الائتلاف وإن سُمي بالأسرة صاحبة المنزل والتقرير فيه بما جبلت عليه من عدم إيثار الذات وبالابتعاد بالتعاون عما في الأنانية من الملذات.

غير أن النظام البطريكي، عند إحكام قبضته بتمحيض معنى هومو homo، التي كانت تعني في الأصل الإنسان رجلا كان أو امرأة، إلى معنى الرجل فقط homme وبجعل الزواج قائما على فكرة اقتران إثنين فقط وإن تعدد في الواحد منهما جانب النساء فقط، صير صاحبة العطاء إلى مجرد مقدمة خدمة هي بالأساس خدمة جنسية للزوج لكون كلمة femme مركبة من fa+homo وفا من حمولة facere أي قدم خدمة وهومو هو الرجل وبذلك تكون المرأة هي خادمة الرجل شأنها في ذلك شأن العبد المسخر[(9)]. وهذا هو المعنى الذي صار للأسرة familia المكرس بالْفَاس (fas:الدين) المعلمن باليوس (jus: القانون، الحق)[(10)].

إن هذا النظام البطريكي لم تعرفه بلاد الأطلس والهيسبيريديس (hesperides)[(11)] إلا بسبب الاحتكاك بالحضارات الأخرى التي غزتها. ولقد جاء الدين الإسلامي للتخفيف من غلواء تعسف النظام البطريكي برفض التعدد في الزواج أو التقليل منه إلى أبعد الحدود، باعتبار أن الزواج العادل لا يحققه التعدد في الغالب، وكذا بجعل النساء شقائق الرجال وبضرورة معاملتهن الحسنة والإحجام عن جعل الزواج ذريعة للتلذذ الجنسي لذلك، كما جاء في المأثور لعن الرسول صلى الله عليه وسلم الذواقين والذواقات لتفعيل بغض الله للطلاق بجعله أقرب الحلال إلى الحرام. غير أن فهم الدين بعوائد الشرق بدل عوائد البلاد في الغالب[(12)] أفضى بالفقه إلى أن يحجر على المرأة بالزواج حتى في ثلثي ما تملكه من مال لأن شأن النساء الإسراف كما يقول الدردير[(13)] ويجعل مصير الزواج في يد الزوج يفعل به ما يشاء كالثوب يرهن في يد القصاب كما يول المثل الفارسي إلى جانب منع الزوجة من مباشرة الخصومة بنفسها متى كانت ذات جمال أو منطق رخيم[(14)].

وإذا كانت هذه النظرة الفقهية قد رسختها في المغرب مدونة الأحوال الشخصية، إذا ما استثنينا ما جاءت به من رفع الولاية على أموال الزوجة، فإن مدونة الأسرة تدخلت للتقليص من حدتها بفرض احترام المرأة وتمتيعها بجملة من الحقوق منها الحق في طلب التطليق المقابل لطلب الإذن بالطلاق الممنوح للزوج.

غير أن حرص مدونة الأسرة على توفير ما تعتقده من أسباب استمرارية ميثاق الزوجية دفع بها إلى اشتراط القيام بالإصلاح المسمى في الغالب بالصلح قبل الحسم في مسألة انحلال ميثاق الزوجية.

وما يهمنا في هذه المقالة هو محاولة التأكد من مدى فاعلية هذا الإصلاح أو الصلح من خلال واقع آلياته والمقاربة القانونية التي ترتكز عليها عملية الإصلاح لاقتراح مقاربة تربوية ترمي إلى تكريس اليسرة في الأسرة.غير أننا نرى البدء في المقام الأول بضبط المصطلح المطلوب في محاولة قراءة مدى فاعليته في استمرار ميثاق الزوجية.

أولاالحث على استمرار ميثاق الزوجية عند طلب الإذن بتوثيق الطلاق أو طلب التطليق بين الصلح والإصلاح

عند تصفح أحكام الطلاق والتطليق في مدونة الأسرة المغربية يتبين أن المشرع استخدم، في بلورة ما يُلجأ إليه للحث على استمرار ميثاق الزوجية عند طلب الإذن بتوثيق الطلاق أو طلب التطليق، مصطلحين هما الإصلاح والصلح.

أما مصطلح الإصلاح فنجده مذكورا في هذه الأحكام إثني عشرة (12) مرة منها ثمان (08) مرات في أحكام الطلاق ولو بالاتفاق أو بالخلع وأربع (04) مرات في التطليق بوجه عام [(16)].

وأما مصطلح الصلح فقد تكرر ثلاث (03) مرات في أحكام الطلاق ولو بالاتفاق أو بالخلع دون أحكام التطليق.

وإذا كانت مؤلفات الفقه المالكي الأصيلة والجاري بها العمل في المغرب تستخدم بالأساس مصطلح الإصلاح المذكور في الآية 35 من سورة النساء: “… إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما”، فإن هذه المؤلفات تستخدم أيضا فيما نحن بصدده مصطلح الصلح. لا بل الأكثر من هذا، فإن الصلح يطلق أحيانا على الطلاق بالخلع (الفدية) على الرغم من أن هذا الأخير يفضي إلى انحلال ميثاق الزوجية وليس إلى استمراره[(1]7).

والملاحظ أن الفقه والقضاء المعاصرين يستخدمان أيضا مصطلحي الإصلاح والصلح وإن كان الغالب في الاستعمال هو الصلح.

وعليه فهل الإصلاح والصلح مترادفان؟

يمكن الجواب بنعم على المستوى اللغوي وبلا على المستوى الاصطلاحي.

I ترادف لفظي الإصلاح والصلح على المستوى اللغوي:

على الرغم من أن النظرة العلمية غير الملوثة تقتضي رفض الترادف في اللغة لما فيه من عبث تسمية الشيء بأكثر من اسم، إذ التكرار ضرب من اللغو عادة و”الطباع مجبولة على معاداة المعدات” كما يقال وفي المَثَل “الشيء إذا تكرر تكرج”، فإنه على مستوى ما هو غالب في فقه اللغة العربية (الفروق) وكذا في فقه الشرع لا يجادل أحد في جواز الترادف الذي يعني حسب السيوطي “قيام لفظ مقام لفظ لمعان متقاربة يجمعهما معنى واحد”[(18)].

والمعنى الواحد الذي يجمع بين الصلح والإصلاح هو الصلاح وهو “ضد الفساد وإن كان الصلح يختص بإزالة النفار بين الناس يقال منه اصطلحوا وتصالحوا…”[(19)]. والصلاح حسب أبي هلال العسكري هو “الاستقامة على ما تدعو إليه الحكمة ]أو[ التغير إلى استقامة الحال. ويكون في الضرر والنفع …] و[ الصلاح ما يتمكن به من الخير أو يتخلص به من الشر … وإذا قصر] الصلاح[ عن المقدار أو أفرط لم يصلح وإذا كان على المقدار أصلح …”[(20)].

يظهر مما سبق أن الصلاح الجامع في المعنى بين الإصلاح والصلح إنما هو في آخر المطاف استقامة الحال سواء كانت هذه الاستقامة “فيما يفعله العبد لنفسه أو من عند الله لطفا وتوفيقا”[(21)]. وعليه إذا تدخل أحد في شؤون الغير لجعل حاله مستقيما كان هذا المتدخل مصلحا وما قام به إصلاحا وإتباع الغير المتدخل في شؤونه لما ثقف به حاله صلاحا.

إن الإصلاح بهذا المعنى يعني التسديد (التوجيه للصواب) بالتقويم (بإزالة الاعوجاج). وإذا تمثل هذا الاعوجاج في نزاع بين شخصين سمي اهتداء هذين الشخصين إلى إزالته طوعا بتوجيه من الغير صلحا.

والصلح بهذا المعنى اللغوي المرادف للإصلاح لاشتراكهما في معنى الصلاح لا يحتفظ بنفس المعنى على المستوى الاصطلاحي في ميدان الطلاق والتطليق إلا إذا استخدم على مستوى التوارد مع الإصلاح.

II توارد مصطلحي الصلح والإصلاح في ميدان الطلاق والتطليق

التوارد، كما نفهمه في ضوء الأمثلة التي توضحه كتب فقه اللغة العربية ككتاب المزهر للسيوطي المشار إليه[(22)]، هو استخدام لفظ لغة في لغة أخرى (كأن نقول للسمن مانتيكا وللعسل مييل)، أو استخدام مصطلح ميدان قانوني (كميدان الحقوق المالية) في ميدان قانوني آخر(كحقوق الشخصية والطلاق والتطليق منها). وهذا هو حال الصلح. فما هو مفهومه اصطلاحا؟

  1. مفهوم الصلح اصطلاحا

لقد انحصر المعنى الاصطلاحي للصلح من حيث المبدأ في الحقوق المالية ولو انجرت عن المس بحق من حقوق الشخصية على الأقل منذ العهد الروماني[(23)] ومرورا بالفقه الإسلامي[(24)] دون إغفال الفقه الغربي المتوسطي للعصرين الوسيط والحديث الذي يمثل القانون المدني الفرنسي مختصرا واستمرارا متطورا له (الفصل 2044 منه) ووصولا إلى ق.ل.ع.م المقتبس من كل هذه المصادر في تعريفه الصلح في الفصل 1098 منه إذ نصت ترجمته المتداولة على أن “الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا”[(25)].

ويظهر من هذا التعريف أن النزاع في حالة وقوعه أو الخوف من وقوعه يجوز رفعه أو قطعه بالصلح. وهذا الصلح يقع باتفاق يبرمه المتنازعان فيصبح كل منهما مصالحا للآخر. وإذا تدخل أحد من الأغيار في إبرام عقد الصلح فإنه لا يأخذ وصفه من الصلح عكس طرفيه ويبقى وسيطا ليس إلا وإن جاز وصفه، في تقديرنا، بالمصلح نظرا للإصلاح الذي قام به بأن رد المتنازعين إلى حالة الاستقامة.

ومن التعريف يتبين أيضا أن المحل المتصالح عليه إنما هو حق مالي من جهتين أو من جهة واحدة على الأقل. أما إذا لم يكن حقا ماليا من جهتين فلا نكون أمام صلح لأن الصلح عقد يترتب عليه “انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه” كما قال ابن عرفة[(26)]. فإذا كان “الانتقال بغير عوض فلا يقال له صلح”[(27)]. ولا يهم بعدئذ أن يكون الحق الذي تم الانتقال عنه بالصلح إلى العوض حقا ماليا أو حقا غير مالي. ومن هنا يقول الدردير إن الصلح “على ثلاثة أقسام بيع وإجارة وهبة لأن المصالح به إن كان ذاتا فبيع وإن كان منفعة فإجارة وإن كان ببعض المدعى فيه فهبة. وهذه الأقسام الثلاثة تجري في الصلح عن إقرار وعلى الإنكار وعلى السكوت.”[(28)]

2 الاستخدام المجازي للصلح في ميدان الطلاق والتطليق

وإذا رجعنا إلى قضايا الطلاق والتطليق قلنا إن الصلح بهذا المفهوم لا يمكن أن ينطبق إلا على المستحقات المنجرة عن الإذن بالطلاق أو عن الحكم بالتطليق دون الصلح الذي يقتصر على إنجاح تكريس استمرار ميثاق الزوجية ما لم يأت إنجاح هذا الاستمرار بتوافق الزوجين المتصالحين على تقديم أحدهما عوضا لهذا الاستمرار تطبيقا لقوله تعالى: ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ [(29)]. والأفضل توخيا للدقة أن يستخدم مصطلح الإصلاح بدل الصلح عندما يكون التوافق بين الزوجين على استمرار زوجيتهما بدون عوض ولو لم يقع هذا الإصلاح بتدخل من الأغيار كما يحصل في الغالب. ونجد سندنا في رفع النزاع من طرف الزوجين بدون عوض في قوله تعالى: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما﴾ [(30)].

وبالإضافة إلى هذا فإن الصلح حسب ق.ل.ع.م. يبطل إذا وقع على حق من حقوق الشخصية كالحق في الزواج والحق في الطلاق (الفصل 1100) بل وحتى إذا وقع على حق النفقة ما لم يتعلق الأمر بكيفية صرفها أو ما استحق منها فعلا (الفصل 1102).

والتنازل عن الزواج أو عن الطلاق يعتبر في تراثنا الفقهي من باب تحريم الحلال والمأثور عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن “إمضاء الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا”[(31)]. ثم إنه لما غلب على الصلح طابع البيع لذلك اشترط في جواز الصلح ما يجوز به البيع. وفي هذا يقول ابن عاصم الأندلسي في تحفته:

فجائز في البيع جاز مطلقا            فيه وما اتقى بيعا يتقى

وحقوق الشخصية تخرج عن دائرة التعامل لذلك لا يجوز بيعها (الفصل 57 من ق.ل.ع.م.) أو المشارطة والتعاقد في شأنها مبدئيا (الفصل 109 من ق.ل.ع.م.). وكذلك فإن الصلح عندما يكون صحيحا لا يجوز الرجوع فيه ولو عن طريق الإقالة ما لم يكن المحل المتصالح عليه معينا بذاته وصار عقد الصلح لذلك محددا (الفصل 1106 من ق.ل.ع.م.) أو ما لم يقع الصلح على إنكار تراجع عنه المنكر إلى إقرار حسب ما جرى به العمل من الفقه المالكي. وفي هذا الصدد يقول صاحب التحفة:

ولا يجوز نقض صلح أبرما      وإن تراضيا وجبرا ألزما

وينقض الواقع في الإنكـار     إن عاد منكر إلى إقرار.

وهذا معناه أن الصلح يرفع النزاع مبدئيا على نحو نهائي وبذلك يحوز ما يمكن تسميته بين المتصالحين قوة الأمر المتصالح عليه (قياسا على قوة الأمر المقضي فيه). ولا نعتقد أن الصلح المستخدم في الحث على استمرار ميثاق الزوجية من شأنه أن يرفع النزاع ويقطع الخصومة على نحو نهائي أو أن يمنع أحد المتصالحين من الرجوع فيه بتجديد رفع دعوى الإذن بالطلاق أو طلب التطليق[(32)].

بعد كل ما سبق يتبين أن توخي الدقة في إطلاق المصطلحات يقتضي التخلي عن استخدام مصطلح الصلح كلما تعلق الأمر بالحث على استمرار ميثاق الزوجية. وإذا ما استخدم هذا المصطلح فإنه لا يكون إلا على سبيل المجاز في المعنى والتوارد في اللفظ. واللفظ الذي يصدق كمصطلح هو الإصلاح الذي يفيد التدخل من قبل شخص من الأغيار ولو كان قاضيا لأجل نقل حالة النزاع وبالتالي الاعوجاج إلى حالة السلم الذي يوفره استمرار ميثاق الزوجية باستقامة حال الزوجين دون عوض بل ولو كان بعوض مادام الإصلاح في هذه الحالة لا يكون قاطعا للنزاع على النحو الذي يحول دون تمكن المتصالحين من إعادة رفع دعوى الإذن بالطلاق أو من إعادة طلب التطليق. إن الإصلاح في هذا الصدد يقف عند حد وقف النزاع دون قطعه نهائيا. وخاصية الإيقاف وهو قطع مؤقت من حيث المبدأ إنما هو مما يناسب الإصلاح ولا يناسب الصلح. فإلى أي حد يستطيع الإصلاح تثبيت استمرارية الزوجية؟ إن الأمر هنا يتعلق بمحاولة البحث عن مدى فاعلية الإصلاح في استمرار ميثاق الزوجية.

ثانيامدى فاعلية الإصلاح في استمرار ميثاق الزوجية:

لقد نظر إلى الإصلاح المعبر عنه ب “مسطرة الصلح” كإجراء جوهري حتى في عهد مدونة الأحوال الشخصية[(33)]. ووصف الإصلاح بالإجراء الجوهري، لارتباطه بالنظام العام، تأكد أكثر عند صدور مدونة الأسرة التي وسعت من نطاق اللجوء إلى الإصلاح ليتعدى حالة التطليق للضرر ويشمل بقية حالات الإذن بالطلاق وطلب التطليق باستثناء حالة طلب التطليق للغيبة (المادة 113 من مدونة الأسرة). وإذا أخذنا في الاعتبار، بعد تصفح أحكام التطليق الصادرة عن محاكم الأسرة، أن الغيبة تعتبر من الأسباب التي يبرر بها طلب التطليق للشقاق، جاز القول إن إجراء الإصلاح يعم كافة حالات الطلاق والتطليق[(34)].

غير أن معاينة العمل القضائي الصادر بعد دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق في طلبات الإذن بالطلاق أو طلبات التطليق سمحت للبعض بالقول إن إجراء الإصلاح الذي يفترض فيه أن يكون جوهريا صار في الغالب مجرد إجراء شكلي[(35)] روتيني[(36)] . ونعتقد أن الخروج بهذا الوصف المتمثل في أن الإصلاح في الواقع العملي مجرد إجراء شكلي روتيني يرتد إلى التركيز على تعثر آليات الإصلاح أكثر من تأمل المطلوب التربوي من الإصلاح كما قد يتبين من خلال محاولة وصف واقع آليات الإصلاح قبل الانتقال إلى محاولة اقتراح ما نراه مطلوبا تربويا للإصلاح.

I واقع آليات الإصلاح الرامي إلى استمرار ميثاق الزوجية

يجدر التنبيه في المقام الأول إلى أنه إذا أردنا الاقتراب من تقييم غير ملوث (بل أقل تلوثا في الواقع) للكيفية التي تم بها تفعيل مدونة الأسرة بما في ذلك تفعيل آليات الإصلاح الذي نحن بصدده يستحسن الاستعانة حتى بالمقاربة الإحصائية وإن بحذر.

ومن إحصائيات وزارة العدل[(37)] يتبين أن رسوم الزواج قد تنامت خلال عشر سنوات من 1998 إلى 2007 بما يقرب من 1% (من 217.662 إلى 297.660)، وأن حالات الطلاق قد تناقصت بما يزيد عن 54% (من 50763 إلى 27.904)[(38)].

غير أن هذه الإحصائيات قد تغافلت عن تقدير عدد عقود الزواج المبرمة في ظل قانون الواقع الذي نظرت إليه المادة 16 من مدونة الأسرة نظرة الاستثناء المقيد في الزمان[(39)]ناسية أن التاريخ ينبهنا إلى أن قانون الواقع، كيفما كان الضغط والمضايقات التي يتعرض لها، يبقى أقوى من واقع القانون. ويمكن أن نأخذ فكرة عن حجم هذه العقود الخارجة عن إملاءات المدونة من خلال ما يدخل منها إلى هذه المدونة عن طريق ما يسمى برسوم الزوجية إذ بلغ عددها سنة 2007 حسب إحصائيات وزارة العدل المشار إليها قبله 18.751. وعلى الرغم مما يظهر من تنامي عدد هذه الرسوم بالمقارنة مع سنة 2005 (14.817) و2006 (16.832)، فإنه من المحبذ في عملية التقييم عدم إغفال رقعة المغرب المعزول في المغرب حيث يشتد العمل بالعوائد التي تتسامح في إبرام الزواج بقدر يزيد بكثير عن تشددها ليس فقط في ألوف (التطليق بواسطة الجماعة)، وإنما أيضا في أنورزم (الطلاق بإرادة الزوج)[(40)]. وهذا التشدد المؤطر بالعوائد لترسيخ الاستمرار في العلاقة الزوجية، بعد إصلاح هذه العلاقة أو رفض التطليق، صادر في الغالب عن ضرورة ديمومة هذه العلاقة الزوجية لما في هذه الديمومة من تأكيد للحفاظ على العوائد وبالتالي من تثبيت للهوية[(41)]. لا بل الأكثر من هذا فإن التطليق أو الطلاق المحترم لهذه العوائد لا يؤثر، في الغالب، سلبا على الأولاد نظرا لكون هذه العوائد لا زالت تعتمد مفهوم الأسرة الكلية التي تعتبر الأسرة الذرية مجرد جزء منها والكل أقوى وبالتالي أحفظ للجزء.

وإذا ما التفتنا إلى هذه الأسرة الذرية المؤطرة بالقانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة وجدنا، حسب إحصائيات وزارة العدل المار بنا مرجعها، أن عدد قضايا الإذن بالطلاق والتطليق قد بلغ سنة 2007 مثلا 121.400 منها 54.442 تهم الإذن بالطلاق و66.958 تخص التطليق منها 58.238 قضية تطليق بسبب الشقاق[(42)]. وارتفاع هذا العدد الأخير دفع بالبعض إلى أن يصيح ويصخ وكأن التطليق بسبب الشقاق نفخ في الصور إيذانا بمجيء القيامة([43]). والواقع لو تم الاحتكام إلى ما يبلوره المسح غير المندفع لأحكام قضاء الأسرة في المغرب لتبين أن سبب ارتفاع عدد قضايا التطليق بسبب الشقاق يعود إلى أمور شتى منها أن الزوج الذي لا زال هو الأصل، على الرغم مما يقال عن غير روية، في وضع حد لميثاق الزوجية إذ يكفيه أن يستأذن المحكمة في ذلك; يؤثر اللجوء إلى مسطرة التطليق بسبب الشقاق[(44)] ربما لما يراه، أو لما ينبهه إليه المحامي، من مزايا هذه المسطرة كمزية إمكانية طلب التعويض[(45)]. ولهذا نجد أن ما يجاوز ثلث طلبات التطليق بسبب الشقاق خلال سنة 2007 تقدم بها الأزواج (82,34%)[(46)] مقابل ما يقل عن الثلثين تقدمت بها الزوجات (18,65(% [(47)] .

وبالإضافة إلى هذا فإن طلب التطليق بسبب الشقاق صار غطاء تستظل به كافة الأنواع الأخرى للتطليق كما يتبين من تصفح الأحكام الصادرة عن قضاء الأسرة المغربي في شأن التطليق بسبب الشقاق. وفي هذا الصدد يقول مدير الشؤون المدنية بوزارة العدل للمملكة المغربية الأستاذ إبراهيم الأيسر:”إن مسطرة الشقاق تشكل رافدا قانونيا لمساطر أخرى للطلاق والتطليق حيث يصار إليها عند الاقتضاء بمناسبة التعدد والرجعة والطلاق الخلعي والتطليق للضرر”[(48)].

وإذا كانت القضايا التي يتمكن قضاء الأسرة المغربي من البت فيها، في الوقت الراهن، لا يتجاوز قدرها الثلثين في أحسن الأحوال[(49)]، فإن قدرا من القضايا المحكومة يتم فيها الإشهاد على ما يسمى بالصلح.

وهكذا بلغ، خلال سنة 2007، عدد الأحكام المتعلقة بالإشهاد على ما يسمى بالصلح 14.756 من أصل 74.444 قضية محكومة أي ما يقل عن 20% موزعة على طلبات الإذن بالطلاق 8512 وعلى طلبات التطليق 6244. كما أن عدد طلبات التطليق التي حكم فيها بعدم الاستجابة، لأسباب ترجع حسب الأستاذ إبراهيم الأيسر إلى “عدم قبول الدعوى شكلا أو تخلف الطرف المدعي رغم توصله بالاستدعاء قانونا أو التنازل عن الطلب أو وقوع صلح بين الزوجين لم يتم التصريح به أمام المحكمة أو وقوع وفاة أحد الزوجين”[(50)]، بلغ في نفس السنة 10.356.

وعلى الرغم من أن هذا العدد يفضي، كالإصلاح المشهود به قضاء، إلى استمرار ميثاق الزوجية فإن الكثير من هذه الطلبات المرفوضة ستعود إلى المحاكم إذا ما استثنينا ما يرفض لوفاة أحد الزوجين. ولذلك نقتصر على العدد الذي تعلقت فيه الأحكام بالإشهاد على الصلح (الإصلاح) ونشير إلى أن هذا الإصلاح (الصلح) تحقق بجملة من الآليات ضبطتها إحصائيات وزارة العدل المشار إليها سابقا في طلبات الإذن بالطلاق دون طلبات التطليق[(51)]. وتتمثل آليات الصلح (الإصلاح) في طلبات الإذن بالطلاق خلال سنة 2007 فيما يلي:

  •   الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة:3364 حكما.
  •   الإصلاح (الصلح) بواسطة الحكمين:1037 حكما.
  •   الإصلاح (الصلح) بواسطة مجلس العائلـة:0573 حكما.
  •   الإصلاح (الصلح) بواسطة وسائل أخـرى: 3538 حكما.
  •   المجموع= 8512 منه  4012 الزوجان بدون أولاد، و4500 الزوجان لهما أولاد.

ولا شك أن إعمال هذه الآليات إنما هو تفعيل بالأساس للمادة 82 من مدونة الأسرة. غير أن ما تجدر الإشارة إليه أن الإصلاح (الصلح) بما يسمى وسائل أخرى احتل خلال سنة 2007 المرتبة الأولى[(52)] بالمقارنة مع آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة (المرتبة الثانية)[(53)] أو بواسطة الحكمين (المرتبة الثالثة)[(54)]أو بواسطة مجلس العائلة (المرتبة الأخيرة)[(55)]ونرى تقديم بعض الملاحظات عن هذه الآليات بعد مراعاة ترتيبها خلال سنة 2007.

  1. آلية الإصلاح (الصلح) بما سمي بالوسائل الأخرى أو بالمحكمة مباشرة
  2. آلية الإصلاح (الصلح) بما يسمى بالوسائل الأخرى

لابد، بادئ ذي بدء، من الاعتراف بأنني كنت أجهل ماهية هذه الوسائل الأخرى ولا أدعي أنني صرت الآن عالما بها. ولكن السعي نحو رفع الجهالة دفعني إلى استفسار مجموعة من السادة القضاة الممارسين داخل أقسام قضاء الأسرة في مجموعة من المحاكم الابتدائية المغربية. وعند طرح السؤال: ماهي هذه الوسائل الأخرى التي يتحقق بها الإصلاح (الصلح) في قضايا الطلاق والتطليق؟ كنت ألاحظ على البعض ضربا من الاندهاش وكأنني باغتهم بسؤال لا يتبادر جوابهم عنه إلى أذهانهم. ومن أجابوني كانوا يستهلون جوابهم بما يفيد الاحتمال (ربما!). والمثال الذي اتفق الكثير ممن تم التواصل معهم يتعلق بحالة الإصلاح (الصلح) الذي يُقدم عليه المتزوجان المتنازعان من تلقاء نفسيهما خارج المحكمة ثم يعلمان به المحكمة. كما أن البعض أضاف، ولكن بتردد، حالة قيام المحكمة بإجراء بحث إضافي، بعد تعثر مهمة الحكمين ومن في معناهما كمجلس العائلة، بالوسيلة التي تراها ملائمة طبقا لأحكام المادة 96 من مدونة الأسرة. غير أننا نعتقد أن هذه الوسيلة، بل الحالة، يستحسن منطقيا أن تنسب إلى آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة وليس بواسطة آلية أخرى.

وفي انتظار التمكن من الوقوف على حقيقة هذه “الوسائل الأخرى”قطني القول، مؤقتا بتردد أيضا، إنني أميل إلى كون المقصود بالوسائل الأخرى التي أشير إليها كآلية للإصلاح في قضايا الإذن بالطلاق لا تعني أكثر من الأسباب الأخرى التي تحول دون الاستجابة لطلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق ومنها كما مر بنا قبله نقلا عن الأستاذ إبراهيم الأيسر[(56)] “عدم قبول الدعوى شكلا” و”عدم حضور المدعي” و”التنازل عن الطلب” و”وفاة أحد الزوجين” و”وقوع صلح بين الزوجين لم يتم التصريح به أمام المحكمة”.

-“عدم قبول الدعوى شكلا”: لا يمكن اعتبار هذه الحالة قرينة على الإصلاح (الصلح).

-“عدم حضور الطرف المدعي رغم استدعائه وتوصله بالاستدعاء بصورة قانونية”: إن هذه الحالة هي التي وصفتها المادة 81 من مدونة الأسرة بالتراجع.

والتراجع يمكن أن يفهم منه الإصلاح ضمنا من خلال الاعتقاد بأن سبب هذا التراجع هو الإصلاح (الصلح). ولكن هذا السبب في الواقع لا يمكن اعتباره السبب الوحيد للتراجع. ولذلك نعتقد أن هذه الحالة يصعب اعتبارها قرينة قوية على الإصلاح إلا إذا كنا نروم القيام بحملة إشهارية لفضائل مدونة الأسرة. وفي هذا الصدد يمكن إضافة حالة التراجع بسبب عدم إيداع الزوج “المبلغ المنصوص عليه في المادة 83 … داخل الأجل المحدد له …” (المادة 86 من مدونة الأسرة). وعدم الرغبة في الطلاق الذي يقوم عدم إيداع المبلغ المحدد خلال الأجل المحدد قرينة عليه لا تعني بالضرورة أن الامتناع عن الإيداع مرده ما حصل من الإصلاح (الصلح) بين الزوجين.

-“التنازل عن الطلب”: يمكن أن يقوم قرينة على الإصلاح بإرادة منفردة لصاحب الطلب لاعتبارات قد تكون ذاتية ولو “بفعل” الله لطفا وتوفيقا لكفاية الشر حالة الضعف ولغيره.وقد تكون الاعتبارات خارجية وبعيدة عن مساهمة المحكمة في هذا التنازل بإحسانها عن طريق استئلاف مسرته وتقمن مودته. ولكن التنازل قد يكون لاعتبارات أخرى غير الإصلاح (الصلح). ومن هنا تبقى هذه الحالة أيضا محتملة، مترددة، بين الإصلاح وغيره ما لم يصرح المتنازل أمام المحكمة أن تنازله إنما هو على سبيل الإصلاح ويسجل بمحضر الجلسة.

-“وفاة أحد الزوجين”: لا يمكن اعتبار هذه الحالة قرينة على الإصلاح لأن هذا الأخير يفضي إلى استمرار ميثاق الزوجية أما الوفاة فتفضي إلى انحلاله (المادة 71 من مدونة الأسرة).

-“وقوع صلح بين الزوجين لم يتم التصريح به أمام المحكمة”: هذه الحالة التي ضربت، كما مر بنا، مثالا على حالات عدم الاستجابة لطلب التطليق، من المحتمل، كما قلنا قبله، أن تكون مما اعتبر أيضا من أمثلة “الوسائل الأخرى التي يتحقق بها الإصلاح (الصلح) في طلب الإذن بالطلاق. غير أن ما يثير التساؤل في شأنها هو لماذا لم تحتسب ضمن أمثلة عدم الحضور رغم الاستدعاء المتوصل به على نحو قانوني أو أمثلة التنازل عن الطلب؟ ثم إذا كان هذا الصلح لم يصرح به أمام المحكمة فكيف علمت هذه المحكمة بأنه صلح؟ إن مثل هذين التساؤلين قد يحملان على توليد الاعتقاد بأنه يستحسن أن تتمثل هذه الحالة في الإصلاح (الصلح) بين الزوجين الذي تم التصريح به أمام المحكمة بعد التوصل إليه من قبل الزوجين خارج الآليات الأخرى للإصلاح (الصلح) ومنها التدخل المباشر للمحكمة في هذا الإصلاح (الصلح).

وعليه، ونظرا لكل ما سبق، فإنه يصعب احتساب ما تحقق بهذه “الوسائل الأخرى” من عدم انحلال ميثاق الزوجية وعدده سنة 2007، كما مر بنا، 3538 قضية محكومة، ضمن العدد الإجمالي للقضايا التي انتهت بالإصلاح (الصلح) في طلبات الإذن بالطلاق والذي، درءا للاحتمال، نرى اقتصاره على 4974 قضية (أي 8512-3538). وباستبعاد هذه “الوسائل الأخرى” تتقدم آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة لتحتل المرتبة الأولى.

ب-آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة:

بغض النظر عن المقصود بالمحكمة التي تباشر فعلا محاولة الإصلاح (الصلح) وهي غرفة المشورة أحيانا أو القاضي المقرر الذي ينتدب بعد الجلسة العلنية[(57)] أو قبلها عند توزيع ملفات قضايا الأسرة على القضاة أحيانا أخرى كما أخبرنا بذلك بعض قضاة الأسرة، فإن ما تبين من خلال التفحص الواعي لكثير من أحكام قضاء الأسرة أن المحكمة المغربية من حيث المبدأ تبذل قصارى جهدها لتفعيل محاولة الإصلاح. بل إن بعض الأحكام يستفاد منها أن المحكمة تبذل ما يفوق وسعها لتحقيق هذا الإصلاح إذ لا تلجأ إلى آلية الحكمين إلا بعد استنفاد مساعيها بل وأنها تستمر في بذل هذه المساعي حتى بعد اتفاق الحكمين على فشل محاولة الإصلاح (الصلح). وهذا السلوك في ذاته أمر محمود وخاصة من زاوية المثل القائل منذ العهد الروماني أن فض النزاع بالصلح أو الإصلاح أفضل بكثير من فضه قضاء ولو كان ذلك الصلح رديئا.

غير أن البعض يؤاخذ على قاضي الأسرة المغربي، وهو يقوم بمحاولة الإصلاح (الصلح)، “عدم الغوص” في النزاعات الحقيقية الحاصلة بين الزوجين، وعدم توفره على “مؤهلات المصالح المحنك”. وهذا الدور السلبي المبرر بتفادي الاتهام بالانحياز يترتب عليه فشل محاولة الإصلاح (الصلح) ويجعل من هذه المحاولة مجرد إجراء شكلي[(58)].

أما “عدم الغوص” في النزاعات فيحتاج إلى معرفة الحد الذي ينبغي أن يقف عنده هذا الغوص لتأييده أو لتفنيده. وهذا مالا يستفاد من كتابات من يقولون بهذا المأخذ.

وأما عدم توفر القاضي على “مؤهلات المصالح المحنك” فيمكن التسليم به. ولكن يصعب تعميمه بالنظر إلى إقبال الكثير من القضاة على الدراسات العليا في تخصصات القانون الخاص ومنها تخصص الأسرة والطفولة. بل إن بعض قضاة الأسرة قد استوفوا هذا التخصص وزادوا عليه تخصصا آخر في علم الاجتماع مثلا. ثم إن المؤهل الذي يحنك القاضي في نظر أصحاب هذا المأخذ يكمن في ذلك الذي يجعل منه “طبيبا اجتماعيا”[(59)] تتوفر فيه الفطنة والفراسة وسرعة البديهة ومهارات اتصالات عالية وقوة الإقناع وحسن الاستماع والقدرة على طرح أكثر من حل للنزاع والتفتح على قضايا المجتمع والاطلاع على أحوال الناس[(60)].

إن هذا التصور لما ينبغي أن يكون عليه القاضي المتولي أمر فض النزاعات الأسرية يقتضي أن يكون هذا القاضي موسوعة، وعهد العالم الموسوعة قد ولى وربما انتهى. ولكن لماذا هذه النظرة الفردية إلى المعرفة؟ ألا يمكن أن يحتفظ للقاضي عامة بدوره المتمثل في الاستيعاب الواعي والفهم العالم لا العامي للقانون بعد تمكينه من كيفية التواصل الواعي مع المتنازعين لتحقيق التطبيق السليم للقانون ومحاولة الوصول إلى الأهداف التي توخاها المشرع وهي أهداف لابد وان تتجسد في ضرورات الحياة الآنية للمجتمع باعتبار أن هذه الضرورات الاجتماعية الآنية هي التي تضمن للقانون ملاءمته للواقع؟ ألا يمكن خارج ما نقترحه من المطلوب منه [(61)]أن يستعين القاضي بمن يتوفرون على كفاءات حقيقية في مجال معين كعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والاقتصاد الاجتماعي وما إلى ذلك من المجالات المعرفية المساعدة على الفهم الجيد للمشاكل الأسرية خاصة وأن مدونة الأسرة تمنحه هذه الإمكانية (المادة 82: ((… أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين )).

لا بل الأكثر من كل هذا، وما مضى، فإن بعض قضاة الأسرة يصرحون و/ أو ينصحون بالاهتداء بجملة من التوجيهات التي تدخل فيما يعتبره مقترحوها من مظان حنكة القاضي المؤهلة لإنجاز محاولة الإصلاح (الصلح).

وتتمثل هذه التوجيهات حسب ما نصح به الأستاذ عمر لمين، وهو من أسرة قضاء الأسرة[(62)]، فيما يلي:

  • حسن الإصغاء إلى الزوجين بطمأنة الزوجين على كتم أسرارهما، وعدم مقاطعة أحد الزوجين للآخر.
  • عدم التهويل والتضخيم من الخلاف القائم بين الزوجين.
  • تذكير الزوجين بعدم اشتعال فتيل دواعي الطلاق.
  • تذكير الزوجين بالتغافل وغض الطرف عن بعض الأمور.
  • الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية ذات الصلة بالموضوع، كقوله تعالى: (( والصلح خير))… ((ولا تنسوا الفضل بينكم))، (( وعاشروهن بالمعروف))…(( وحسن أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)).
  • الاستشهاد ببعض الأحاديث النبوية كقوله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) … و(( استوصوا بالنساء خيرا))…و((ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم))… و((خيركم خيركم لأهله وانأ خيركم لأهلي)) … و(( خياركم خياركم لنسائه)) إلخ…
  • استعمال بعض مرققات القلوب التي تدفع الزوج إلى تقبل زوجته كتنبيهه برفق إلى قيام الزوجة بما لا يجب عليها كطبخ الطعام وخبز الخبز وغسل الثياب وإرضاع الأولاد [(63)]
  • استعمال بعض الأمثال الجارية بين الناس ك “الخير يغلب الشر” و”مغلوب امرأته لا يسمى مغلوبا”[(64)] و”الخصومة هي شلاضة الحياة شريطة ألا يكثر فيها الخل” و”الخصومة فيها حكمة” و”المصارن في الكرش تتحرك”إلخ…
  • دعوة الزوجين إلى لعن الشيطان.
  • تكرار إجراء محاولة الصلح بين الزوجين إن أمكن.

والملاحظ على هذه التوجيهات المقترحة، إذا ما استثنينا توجيه حسن الإصغاء الرامي تربويا إلى تحقيق التواصل، أنها مجرد انطباعات غالبا ما يدل الواقع على عدم نجاعتها في الوصول إلى المطلوب. واقتصار القاضي على التقيد بها لا يجعل منه طبيبا اجتماعيا. إن هذه “التوجيهات” تبلور ما هو سائد من الأخلاق النظرية المستوحاة من الدين أو من العوائد الممغربة. والغالب أن القانون (كمدونة الأسرة) يقتبس منها ما يفضي إلى إبقاء ما كان على ما كان. ولذلك يصعب الاقتداء بها منح دور جديد للقاضي من شأنه أن يجعل التدخل المباشر للمحكمة ناجعا في إنجاح عملية الإصلاح (الصلح).

  1. آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة الحكمين أو مجلس العائلة:
  2. وساطة الحكمين:

إن آلية الإصلاح (الصلح) بواسطة الحكمين ليست من مستجدات مدونة الأسرة إذ كانت مكرسة حتى في مدونة الأحوال الشخصية. ولكن تفعيلها في ميدان التطليق للضرر كان يسير على وفق ما جرى به العمل من أحكام الفقه المالكي. وحسب هذا الفقه فإنه إذا تعذر على المرأة إثبات الضرر الذي بسببه تطلب التطليق وتكررت شكواها للقضاء من غير أن تتمكن من إقناع القاضي بحصول هذا الضرر، بعث هذا الأخير بعض جيرانها الصالحين للشهادة لتقصي الأمر وتفقد أحوالها. فإن لم يتمكن هؤلاء الجيران من الإشهاد على تعدي الزوج لإشكال الأمر عليهم، واستمرت الزوجة في رفع شكواها إلى القاضي، عمد هذا الأخير وأخيرا إلى بعث حكمين عدلين فقيهين بأمر النزاع أو في مقدورهما فهم هذا النزاع، أحدهما من أهل الزوجة والآخر من أهل الزوج أو من غير أهلهما في حالة الضرورة كتعذر إرسال هذين الحكمين أو عدم توفر شرطي العدل والفهم لأسباب النزاع أو أحد هذين الشرطين.

وفي هذا الصدد يقول ابن عاصم في تحفته:

وإن ثبوت ضرر تعــذرا       لزوجة ورفعها تكررا

فالحـكمـان بعد يبعثـان       بينهما بمقتـضى القرآن

إن وجدا عدلين من أهلهما       والبعث من غيرهما إن عدما

     وما به قد حكما يُمضى ولا        إعذار للزوجين فيما فعلا[(65)]

إن هذا المسلسل من استمرار، أو تكرر، التشكي من ضرر تعجز الزوجة عن إثباته يمكن وصفه بالشقاق. ولقد ارتأت، عن صواب في تقديرنا، مدونة الأسرة فصل الشقاق عن التطليق للضرر وجعلت فيه آلية الحكمين من الآليات التي لا ينبغي للمحكمة أن تتغافل عنها في محاولات الإصلاح (الصلح) التي تلزم بالقيام بها (المادتان 94 و95 من مدونة الأسرة).

ومن هنا نلاحظ، من خلال تفحص بعض الأحكام المتصلة بالتطليق للشقاق، أن المحكمة تأمر المتنازعين أحيانا، عندما لا تتمكن من تعيين حكمين،بإحضار من يكون حكما من أهل الزوجة ومن يكون حكما من أهل الزوج. والطريف أنه في بعض الحالات قد تتهم أخت الزوجة، صاحبة طلب التطليق للشقاق، بالتحريض على هذا الشقاق ومع ذلك تعينها المحكمة حكما من أهل الزوجة[(66)].

ويذهب البعض إلى أن مدونة الأسرة لم تفصل مهام الحكمين لذلك ترجع المحكمة في ضبط هذا المهام إلى أحكام المذهب المالكي[(67)]. ونعتقد أن مهام الحكمين يمكن استفادتها من المادتين 95 و96 من مدونة الأسرة. وهي كالتالي:

  • التحري عن أسباب النزاع بين الزوجين.
  • السعي نحو رد الزوجين إلى ما كانا عليه قبل النزاع بإصلاح ذات البين وإنهاء النزاع.
  • تحديد المسؤول من المتنازعين عن فشل المساعي الحميدة الرامية إلى إنهاء النزاع باستمرار ميثاق الزوجية.

إن هذه المهام هي التي يكلف بها مجلس العائلة أيضا عندما تفعله المحكمة كآلية للإصلاح (للصلح).

ب- وساطة مجلس العائلة

لقد كان مجلس العائلة معتمدا أيضا، كآلية للإصلاح في عهد مدونة الأحوال الشخصية. وجاءت مدونة الأسرة لتعيد تكريسه ضمن أحكام النيابة الشرعية (المادة 251 منها) بإصدار المرسوم رقم 88-04-2 بتاريخ 25 ربيع الثاني 1425 هـ (14 يونيو 2004) في شأن ضبط تكوينه ومهامه ومنها القيام “… بالتحكيم لإصلاح ذات البين وبإبداء رأيه (الاستشاري) في كل ما له علاقة بشؤون الأسرة”. فصار مجلس العائلة من الآليات المصرح بها كواسطة للإصلاح في إحصائيات وزارة العدل على النحو المار بنا (573 قضية خلال سنة 2007 مثلا).

     ومع ذلك فالظاهر أن آلية مجلس العائلة يصعب تفعيلها بجدية، على الرغم من المجهودات القضائية المبذولة، بسبب عدم تمكن الوسط المغربي من استيعاب دور هذه الآلية وربما أيضا للجهل بوجودها وبالتالي للتردد في الإقبال الاختياري عليها. ومن الطريف في هذا الصدد أن بعض أحكام قضاء الأسرة المغربي تشير إلى تعيين هذا “المجلس العائلي” ثم تصفه بعدئذ في نفس الوقت بالحكمين على الرغم من أن المجلس العائلي يتكون من أربعة أعضاء. كما أن المحكمة تعين أحيانا حكمين من جهة الزوجة وحكمين من جهة الزوج ولا تشير إلى أن الأمر يتعلق بمجلس العائلة.

ومن هنا يمكن الذهاب إلى أن آلية مجلس العائلة وآلية الحكمين إنما هما، من حيث الممارسة القضائية التي تمكنا من الوقوف عليها، آلية واحدة تتمثل في آلية الحكمين غالبا وإن سميت أحيانا بمجلس العائلة. وهكذا إذا ثبتت هذه الملاحظة أمكن إضافة ما ينسب إلى مجلس العائلة في إحصائيات وزارة العدل المارة بنا إلى آلية الحكمين وبذلك يصبح عدد ما نجحت فيه آلية الحكمين من الإصلاح خلال سنة 2007 هو 1610 (أي كما مر بنا 1037 لآلية الحكمين + 573 لآلية مجلس العائلة). وعلى الرغم من هذه الإضافة فإن نتيجة آلية الحكمين، بمفهومها الذي يستغرق حتى ما قد يستعان به من مجلس العائلة، تبقى جد متواضعة.

ويرد البعض هذه النتيجة المتواضعة جدا، بالمقارنة مع نسبة فشل مسطرة “الصلح” أو على الأقل مع نسبة الإصلاح (الصلح) بواسطة المحكمة مباشرة، إلى العوائق التي تحول دون التفعيل الجيد لآلية الحكمين. وحسب يحيى بكاي، وهو من أسرة قضاء الأسرة، فإن هذه العوائق تتمثل فيما يلي: “الأمية … ] و [التحيز وانعدام الموضوعية ]و [تبني موقف القريب أو الابن أو البنت جملة وتفصيلا… وعدم حضور الحكمين لتبليغ المحكمة بنتيجة محاولة الصلح … وعدم قيامهما بمحاولة الصلح وعدم التقاء بعضهم ببعض … ]و[ الحكم على محاولة الصلح بالفشل قبل القيام بها … ]و[ كون أحد الحكمين خصما وحكما في نفس الوقت ]كما يحصل في تعيين والد الزوجة المؤازر لها في طلب التطليق حكما لإصلاح ذات البين[ … وكون أحد الزوجين أو كلاهما غريبا عن المدينة أو البلد وعدم وجود أي قريب أو صديق ثقة معهما يدفعهما إلى إحضار أي شخص لا يعرف حتى أسماءهما … ]و[ تقاضي الزوجين بسوء نية … ]صادرة[ عن تنفيذ لاتفاق سابق مبني على زواج مصلحي…”[(68)].

ونعتقد أن هذه العوائق وما في معناها من السهل تجاوزها إما بمبادرة من القضاء، الذي يستحسن أن ينتهج ما نسميه بالانحياز الإيجابي الرامي إلى الوصول إلى الحقيقة بكل موضوعية، وإلا، أمام تخوف القضاء من الابتعاد عن دوره السلبي (الحياد بمفهومه التقليدي) وعن الفهم الحرفي النحوي لنصوص التشريع، فبمبادرة من هذا التشريع الذي في مقدوره أن يوكل مهمة الحكمين مثلا للمفوضين القضائين أو للمحامين أو لمؤسسات الوساطة الاجتماعية، لما يفترض في هؤلاء من الخبرة ومن عدم الأمية التي تسمح لهم بتحرير محاضر التحكيم ومن الحياد وحسن النية والتواجد المستمر في رحاب المحاكم، الأمر الذي يرتفع معه مشكل التبليغ أو يتقلص كثيرا، ومن تتبع المتنازعين إلى مقار سكناهما أو سكنى كل منهما بالإضافة إلى معرفتهم المفترضة للجوانب القانونية المستفادة من مدونة الأسرة. ومن المحتمل أن يفضي هذا الاقتراح إلى تجنيب الحلول المقدمة من قبل من يقولون بالعوائق المارة بنا ما قد ينجر عنها من مخاطر لا تقل شأنا عما وصف بعوائق آلية الحكمين[(69)].

وعلى فرض التسليم بجدية ما اعتبر من معوقات آلية الحكمين، وهي كذلك في تقديرنا، فهل يكفي رفعها- وأمر الرفع سهل كما مر بنا- لضمان النجاح وعدم الفشل لكل أو أغلب محاولات الإصلاح التي تتم بواسطة آلية الحكمين؟ إننا لا نعتقد ذلك لأن الإصلاح الحقيقي الذي من شأنه أن يضمن استمرار ميثاق الزوجية، أو على الأقل التقليل من حدة وتكرر النزاعات خلال مدة معتبرة من الحكم بهذه الاستمرارية ولو بآلية المحكمة مباشرة، هو ذلك الإصلاح الذي يتجاوز المقاربة القانونية في التواصل الأسري لاعتناق ما يضع الأصبع على الجانب التربوي وهو المطلوب في تقديرنا.

II-المطلوب التربوي من الإصلاح الرامي إلى استمرار ميثاق الزوجية:

تركز المقاربة القانونية، لفض النزاعات الأسرية المهددة بانحلال ميثاق الزوجية، على الوقوف على ما نصفه بالأسباب المباشرة (السطحية) لتبرير طلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق. ولا تخرج محاولاتها الإصلاحية على تذكير المتنازعين، وكما مر بنا، بتوجيهات الأخلاق.

والظاهر أن هذه المقاربة القانونية قد أبانت عن قصورها في تغليب كفة نسبة نجاح عملية الإصلاح على كفة نسبة فشلها.

وإذا لم يكن هذا التقييم للمقاربة القانونية منجرا عن فهمنا السقيم، فنكون كمن قال فيهم الشاعر: “وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم “[(70)]، فإننا نرى من حق الباحث، إن لم يكن من واجبه، أن يحلم بإخضاع عملية الإصلاح لمقاربة تربوية.

  1. تركيز المقاربة القانونية على الأسباب المباشرة والأخلاق في عملية الإصلاح الرامية إلى استمرار ميثاق الزوجية:

أ-تركيز المقاربة القانونية على الأسباب المباشرة في عملية الإصلاح الرامية إلى استمرار ميثاق الزوجية

إن الأسباب المبررة لما نحن بصدده من طلبات الإذن بالطلاق وطلبات التطليق وقائع. والواقع لا يقع تحت الحصر لأنه يجسد الحياة. وعند تفحص أحكام قضاء الأسرة المغربي يتبين أن هذه الأسباب تتراوح بين ما يمكن وصفه بالأسباب غير الجدية وبالأسباب الجدية.

ومن الأمثلة على ما نرى تصنيفه كأسباب غير جدية نذكر ما يلي:

أف في الأذن أو تف في الأظفار، وكلاهما مجرد وسخ، أو الإكثار من نضنضة اللسان كالحية، أو تقديم خاتم من ذهب بدل البٍلاتين، أو عدم حصول الزوجة على وثائق الالتحاق بالزوج الموعود بها، أو عدم تقديم الهدايا في كل مناسبة قبل البناء، أو “اختلاف الطبائع وتصور الحياة” كوضع اللثام بدل اللفام[(71)] والامتناع عن التلفع بمطر كالبرقع، أو “تسجيل الطفل في بطاقة الزوجة الإسبانية” أو كبر سن الزوجة بالمقارنة مع سن الزوج، أو عدم إقامة حفل الزفاف، أو عدم إقامة حفل عقيقة للمولود أو ختان للصبي، أو “الزوجة تبتسم مع الرجال”، أو مطالبة الزوجة بإنجاب الذكور، أو تدخل والد أو والدة الزوج أو الزوجة في حياتهما الاجتماعية، أو المطالبة بإنفاق يفوق طاقة الزوج، أو عدم القدرة على الإنفاق المرغوب فيه بسبب هزالة أجر أو راتب الزوج أو بسبب البطالة، أو شرب الخمر و/أو تعاطي المخدرات[(72)] أو الاضطراب الجنسي[(73)] …

وبالمقابل فمن الأمثلة على ما نرى تصنيفه كأسباب جدية[(74)] نذكر ما يلي: امتناع أحد الزوجين، بدون مبرر، عن معاشرة ومساكنة الآخر، أو الطرد من بيت الزوجية [(75)]أو سوء المعاملة الذي يبدأ في الغالب كشيحة فغضبا ثم اشتياطا وحردا ينفجر سخطا قد يتخذ التعبير عنه إلى جانب مظهر العنف النفسي مظاهر للعنف الجسدي كالصقع (الضرب بالراحة على مقدم الرأس) والصفع (الضرب على القفا) واللطم (الضرب على الخد ببسط الكف) واللكم (الضرب بقبض الكف) اللدم (الضرب بكلتا اليدين) والوخز (الضرب بالأصبع على الجنب) والوكز أو اللكز (الضرب على الصدر والجنب ولو لم يفض إلى كسر الجناجن-عظام الصدر-) والوهز أو اللهز (الضرب على الحنك والذقن)، أو الاتهام بالخيانة الزوجية.

والجدير بالتنبيه أن ما وصفناه في ما مر من أمثلة الأسباب بغير الجدي والجدي لا نقصد به إلى كون صنف الأسباب الجدية هو المعتبر وحده، عمليا، دون صنف الأسباب غير الجدية في تلبية طلب انحلال ميثاق الزوجية. إن ما نقصده من هذا التصنيف هو الحمل على ملاحظة ما يظهر من تفاهة بعض الأسباب المفضية إلى تلبية طلب انحلال ميثاق الزوجية بعد فشل محاولة الإصلاح لاكتفاء آليات هذا الإصلاح، المارة بنا، بالوقوف عند ما يبدو أنه الظاهر والنظر إليه كأسباب مباشرة لطلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق. وعندما تقوم آليات الإصلاح بالتمعن في هذه الأسباب المثارة لتبرير الطلب، فإنها لا تتجاوز النظر الأفقي إليها كأن يتمسك الزوج في طلبه التطليق للشقاق بتحريض والد الزوجة على سوء معاملته فيتبين أن هذا السبب إنما يكمن في العنف الذي يمارسه الزوج على زوجته فيصير الزوج هو المسؤول في حالة فشل الإصلاح عن تصدع العلاقة الزوجية. وبعد الفراغ من استقصاء أسباب النزاع تشرع آلية الإصلاح في عملها الإصلاحي، وقد أشرنا في السابق إلى أنه يتمحور حول ما يمكن إجماله بالأخلاق.

ب-تركيز المقاربة القانونية على الأخلاق في عملية الإصلاح الرامية إلى استمرار ميثاق الزوجية:

((الله يهديكم نعلوا[(76)] الشيطان. راه لمصارن في الكرش كتدبز. إيوا الله ايسامح. واش باغيين تتفارقوا، وانتما عاد قلتوا بسم الله، أو، وانتما يا حسراه اشرفتوا…)).

إن مثل هذه العبارات أو ما في معناها هي ما يشكل في الغالب مضمون المساعي الحميدة التي تبذلها آليات الإصلاح المشار إليها قبله.

ومثل هذا الأسلوب الذي يركز على الجانب الديني، وإن من خلال الألفاظ المستخدمة إذ يكثر فيها اسم الله ورسوله ولعن الشيطان بالإضافة إلى التذكير أحيانا ببعض الأمثال والحِكَم الشعبية، لا يفضي في الكثير من النزاعات الأسرية إلى نجاح محاولة الإصلاح.

ومع ذلك فإن طائفة من المهتمين بدراسة مدونة الأسرة، وبالأساس ما تتضمنه هذه المدونة من أحكام انحلال ميثاق الزوجية، ترى أن الحل يكمن في ضرورة التركيز على الوازع الديني.

صحيح أن الوازع الديني أمر مهم على المستوى الروحي للمغاربة إذ لولا هذه المكانة التي للوازع الديني لديهم لَمَا نشروا الإسلام غربا في الأندلس وجنوبا في إفريقيا منذ زمان.

ونعتقد أن حرص المغاربة على حفظ دينهم لم يصل في وقت من الأوقات إلى ما وصل إليه في الوقت الراهن. كما أن الإقبال على دور الله في تزايد مستمر. ومع ذلك نعتقد أيضا، والله أعلم، أن هذه الصحوة الدينية لم تؤثر إيجابا في العلاقات الاجتماعية عموما والعلاقات الأسرية على وجه الخصوص.وربما رجع هذا إلى الفهم الأناني للإسلام من قبل العامة بل وحتى من قبل الكثيرين ممن يمتهنون أو يضيفون إلى مهنتهم مهنة الوساطة ـ بالتحليل والتحريم، بالتبريك والتكفير ـ بين المخلوق وخالقه. فكثير من هؤلاء تراهم سجدا ركعا خشعا في صلواتهم طمعا في الفوز بمرضاة الله في الآخرة، بعد أن هرولوا إلى المساجد بمجرد سماع الحيعلة وأفواههم تفوح بالمقشقشتين، ولكن سرعان ما يأسرهم حب الذات بمجرد الفراغ من الصلاة فيتشيطنون على الدنيا وكأنهم فيها من الخالدين.

ومثل هذا السلوك لا يشكل إلا استمرارا لما ساد في الماضي من التهافت على الدنيا باطنا مع تغليف هذا الباطن بظاهر التقوى والورع للحمل على الاعتقاد بأنه “من وجه المال تعرف امرأته” كما يقول المثل العربي. ولقد كان التركيز في معالجة أوبئة هذا الماضي على ما كان قبله من الماضي كما ينادي بذلك الآن أهل الحاضر[(77)]. والشاهد على اعوجاج الكثير ممن مضووا ما قاله ابن رشد من انه “كم من فقيه كان الفقه سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم”[(80)]. ويزيد صاحب المنهل العذب السلسبيل[(79)] :”كم حامل فقها وليس بفاقه * وكم عالم في ظهره وسم شيطان”. والجدير بالإشارة أن ما قيل عن الفقيه[(80)] لم ينج منه القاضي أو العدول.

فالقرافي قال ” ولا نشك أن قضاة زماننا وشهودهم وولاتهم وأمناءهم لو كانوا في العصر الأول ما ولوا ولا عرج عليهم وولاية هؤلاء في مثل ذلك العصر فسوق …”[(81)] . كما قال أبو العلاء المعري:

“وأي امرئ في الناس ألفي قاضيا           فلم يمض أحكاما كحكم سدوم”[(82)] .

ثم إن ما يشاع من أن القاضي في الماضي لم يكن يقبل توليه القضاء إلا على مضض يصعب تقبله على إطلاقه. وفي هذا الصدد قال العصفري:

                             عندي حديث طريف         بـمثـلة يتـــغنى

                             من قـاضيـين يـعزى         هـذا وهـذا يهـنـا

                             فذا يقول كرهــــنا          وذا يقول استرحنا

                             ويكذبـــان ونهذي         فمن يصدق منـــا [(83)]

وحسب عبدالرحمان بن حسن الجبرتي فإن:” آفة العلماء حب الرياسة وآفة القضاة شدة الطمع وآفة العدول قلة الورع وآفة القوي استضعاف الخصم …”[(84)] .

إن هذا الاستطراد في كشف بعض عورات الماضي لا نرمي به إلى نكران فضائل هذا الماضي وعلى رأسها خاتمة الرسالات السماوية وأعيان الفضيلة من الفقهاء والقضاة والعدول بل وحتى من بعض العامة الذين لورعهم وتقواهم كانوا يقومون مقام الخاصة إذ إذا فكروا أبصروا وإذا أبصروا عزموا بعد التروي فسكنت جوارحهم واطمأنت قلوبهم. غير أن هؤلاء قليل ما هم في الماضي كما في الحاضر. والكثرة المتحركة في مجال ترسيخ الوازع الديني يحتاجون في ذاتهم إلى الإصلاح قبل غيرهم وقبل أن يصيروا مصلحين. وعلى فرض تحقق هذا الإصلاح بالتربية المفضية إلى جعل الحصاة والأصاة ديدنا في المصلح بالوازع الديني وإلى تصيير الرتق في الفتق والجبر في الصدع بين الأقوال والأفعال عادة على الأقل في هذا المصلح بالوازع الديني تشبه الطبيعة[(85)]، فإن الاقتصار على الوازع الديني كأخلاق لتهذيب السلوك لا يكفي بمفرده لحل مشاكل الأسرة وضمان الاستقرار والاستمرارية لهذا الحل.

وهذا القصور ينصرف أيضا، كما نرى والله أعلم، إلى من يحصرون حل مشاكل الأسرة في تفعيل الأخلاق المدنية، بدل الخلاق الدينية، بتوعية الأسر بما يسمى بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وعلى رأسها الحق في الحرية والحق في المساواة.

إن هذه النظرة العلاجية بالأخلاق المدنية تقتضي أن تعتبر الأسرة وضعية طبيعية. وما هو طبيعي يستحسن أن يعالج بالطبيعة. ومن إفرازات الطبيعة حقوق الإنسان ومنها حق المرأة في الحرية والمساواة.

غير أن النظر إلى الأسرة في ضوء مرجعية غير ملوثة بأية إيديولوجية، أو أقل تلوثا على الأقل، يسمح بالذهاب إلى أن الأسرة إنما هي وضعية ثقافية وليست طبيعية. والنظام البطريكي هو الذي أفرز ايديولوجية ذكورية ألصقت بالأسرة وضعية طبيعية. وعليه إذا ثبت هذا النظر الذي يسلب عن الأسرة وضعيتها الطبيعية، إنجر عليه أن ما قيل عن الحقوق المستمدة من الطبيعة إنما هي حقوق اصطناعية من إفرازات نفس النظام البطريكي الذي لا زال مهيمنا إلى يومنا هذا. والاعتراف بها من قبل هذا النظام يرمي إلى ضمان استمرارية الهيمنة والسيادة لهذا النظام وأخلاقه الذكورية (الرجالية). إن الاعتراف بحقوق الإنسان في مجال الأسرة، كالاعتراف به في مجالات أخرى، تنازل من النظام البطريكي والنظام الرأسمالي أو السائر نحو بلوغ الرأسمالية لمصلحة الفئات المقهورة وعلى رأسها المرأة. وهذا التنازل إنما هو تطور أو تغير لإبقاء الواقع على حاله. ويعتبر حال المرأة “الأصل الأصيل والنموذج المثالي لكل أشكال القهر التي عرفتها البشرية”[(86)]. وفي نظر إنجلز فإن أول صراع طبقي في التاريخ تزامن مع تطور التنافر بين الرجل والمرأة داخل الأسرة. وأول قهر طبقي تزامن مع قهر المرأة من قبل الرجل. ومع الأسرة البطريكية دخلنا عهد التاريخ المكتوب[(87)]. وهذا التاريخ لا زال يكتب ولكننا أصبحنا نقرأ فيه أن الطبيعة منحت الإنسان حقوقا تتعارض وجميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة وخاصة فيما يرجع إلى الحرية والمساواة.

ولكن أية حرية وأية مساواة؟

الحرية المطلقة لا يؤمن بها أحد من أنصار الحرية الملصقة اصطناعيا بالطبيعة. والحرية المعتبرة هي الحرية المقيدة، الحرية المسؤولة. ولكن فبماذا يتمثل هذا القيد أو هذه المسؤولية.؟ ومن له أن يقيد أو يسأل (يسائل)؟ إن الجواب يرتد في آخر المطاف إلى أخلاق المجتمع. وهذه الأخلاق إنما هي أخلاق رجالية بالدرجة الأولى. وهكذا يحضر الرجل رقيبا على حرية المرأة، وتبقى المرأة بالتالي تابعة في حريتها ومسؤوليتها للرجل. إذن إذا كان الأمر كذلك أَلا يمكن الاستغناء عن مثل هذا المصطلح (الحرية) لإيثار مصطلح آخر يتناغم أكثر مع ما هو مطلوب تربويا من الأسرة؟

والمساواة: ماذا تعني في الأسرة؟ هل تعني الثنائية في التدبير على أساس أن محورها يتكون من إثنين كل واحد منهما مساو للآخر (1+1=2)؟ هل تعني وحدة التدبير على أساس أن محورها يتكون من نصفين متعادلين أحدهما رجل والآخر امرأة (1/2+1/2=1)؟ هل هذه المعادلة المطلوبة هي معادلة جسمية بدنية أم ذهنية ثقافية؟ الغالب أن العبرة بالذهني والثقافي وليس بالجسمي والبدني وإلا كان الفيل أفضل من الإنسان. ولكن هنا تحتاج المعادلة إلى البحث عن ضابط، مسطرة لقياس التسوية (norma باليونانية). غير أن التساؤل يطرح لمعرفة من يضطلع بمهمة وضع الضابط وما هو المضمون الذي سيصاغ به هذا الضابط؟ الغالب أن الدولة هي التي يناط بها أمر وضع الضوابط، وضع القانون المسطرة (القياس) عن طريق مؤسساتها. أو لاَ يُقَالُ، إيديولوجيا، عن الدولة هي الضامنة لحقوق الإنسان لأنها دولة الحق والقانون!؟ ولكن هل تستطيع الدولة أن تتجاوز المجتمع (الواقع) وهو أكبر منها في اختيارها لمضمون الضابط (المسطرة)؟ نعم قد يكون للدولة ذلك ولو بالشطط المألوف فيها منذ أن أبدعت حيلتها ككيان مساو للمجتمع أول الأمر، كجماع متآلف من الأسر المشكلة لقرى ارتأت عن وعي إيثار الاكتفاء الذاتي كما يقول أرسطو[(88)] . ولكن في هذه الحالة هل يحظى هذا الضابط (المسطرة) بالقبول الاجتماعي أم يبقى مجرد شعار يتدخل به أمام من يعنيهم أمره في ما وراء البحار كبقية الشعارات الأخرى التي صارت بمثابة سلعة يتقاول بها بعدما اعتمدت كمنحة امتحنت بها دول العالم الأخر من قبل عالم الغرب الذي انتزعت فيه كمقابل لما انهمر وسال فيها من فيض الدماء منذ أن حصل الوعي بأهمية دورها في التنمية على جميع الأصعدة؟

إن الحرية والمساواة حقان جليلان في ذاتهما ولو كانا من إبداع الأخلاق الرجالية بعد تهذيبها. غير أن ما يفضي إليه إعمالهما في ميدان الأسرة من المحاصصة وترسيخ النظرة الذاتية التي قد تصل إلى حد الأنانية ولو وصفت بالاستقلالية في علاقات هذه الأسرة وتدبيرها هو الذي يجعلنا نتحفظ عن مدى قدرتهما على تثبيت الاستقرار في الأسرة وضمان استمراريتها.

ولكن أليست للنساء، كمقابل للرجال، أخلاق؟ وإذا كان الأمر كذلك فبماذا تتميز هذه الأخلاق النسائية؟ حسب الأخلاق الرجالية فإن النساء بدورهن لهن أخلاق الشياطين والأشرار لميلهن إلى الهوى والطيش والكيد والانفعال ولسفههن كالصبيان (لضعف عقولهن)[(89)]. يقول ابن مسكويه:

شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما        رأي النساء وإمرة الصبيان

          أما النسـاء فميـلهـن إلى الهـوى       وأخو الصبا يجري بغير عنان[(90)].

وحسب عيمانويل كانط فان “النساء لا يمكنهن أن يكن أخلاقيات تماما نظرا إلى اعتمادهن على الانفعال أكثر من العقل.”[(91)].

ولا شك أن هذا التصور الوهمي إنما هو تكريس لما رسخه صاحب الفضيلة (أرسطو) من دونية المرأة وجعل الدونية من إفرازات الطبيعة فوصف أخلاقها بأخلاق الضعفاء والمنحطين المنقادين بالطبيعة[(92)] لقصورها كنصف الحر[(93)] وبالتالي لعدم توفرها على المؤهلات الطبيعية للرئاسة[(94)] ولعدم توظيفها، كالعبد والحيوان، لأفضل ما يصدر عنها: الجسد والأنوثة المخصصة بالطبيعة للتناسل[(95)]. والغريب أن النظام البطريكي الذي ألصق هذه الأخلاق الخسيسة بالمرأة تجده، كلما تعلق الأمر بإشباع الرغبات الجنسية للرجل، يصف المرأة بِطَلًة الرجل (أي خمره اللذيذ) ولكنه خارج هذه الرغبات البهيمية يطلها حقها (ينقصه إياها ويبطله) إذا تمنعت ابتهرها وإذا استسلمت ابتارها بعد إظهار عشقه إياها كآلهة معبودة.

إن هذا التنميط لأخلاق المرأة ما هو إلا استمرار لما تعود عليه الرجل من غلبة ما اكتشفه من أسباب الدمار والهلاك منها، إلى جانب قهر المرأة، القنص والحرب والفأس والسكين والخنجر والقوس والسهم والرمح والعجلة والمبيدات الحشرية والقنبلة النووية….

وبالمقابل فإن ما غلب على اكتشافات المرأة هو أسباب السلم والحياة كالرعي والزراعة وبالتالي الاستقرار والسكن والقدور والأطباق والأقداح والموقد والفراش والستائر[(96)] والصبر على الشدائد والعيوب وإن نسب لأيوب وطلاء حجب أغلاط الكتابة…

ولا شك أن من يحب الحياة، بدليل هذه الممارسات كأمثلة، ويتطبع بهذا الحب للآخر يغلب عليه التفكير في الآخر قبل التفكير في نفسه.

ومن كان ديدنه مثل هذا التفكير الغيري لا يهمه فرز الألوان في العلاقة، هذا أبيض ناصع وذلك أسود قاتم، ولا يهمه قياس هذا البياض والسواد بمسطرة لضبط درجة التكافؤ بينهما. من تشبع بهذا السلوك الأخلاقي لايهمه طرح مشكل الحرية والمساواة بقدر ما لا يعتني إلا بما يرسخ الاستقرار للاستمرار، إلا بما يوطد الحرص على تحقيق التواصل المفضي إلى التفهم المساعد على توفير التعاون والتضامن[(97)].

إن التعود على هذا السلوك هو الذي يشكل الأخلاق. ونسبة هذا السلوك إلى النساء في الغالب يجعل هذه الأخلاق نسوية تسميها فيرجينيا هيلد بأخلاق العناية. وهذه الأخلاق في تقديرنا أخلاق رمادية يتعانق فيها الأبيض والأسود، الذكر والأنثى، إلى الدرجة التي يتعذر معها الفصل بينهما. فهي “تقدر العلاقات التي تربطنا مع أشخاص آخرين محددين وأيضا العلاقات الواقعية والجزئية التي تشكل هويتنا”[(98)]. كما أن “العناية تعزز العلاقات الاجتماعية والتعاون”[(99)] إذ “هي موجهة إلى النساء والرجال معا على حد سواء”[(100)] لأجل البدء في توطيد العلاقات ببناء الثقة. و”الثقة تحتاج إلى تعاون لا إلى الميول الغيرية الفردية”[(101)] والتعاون هدفه التعامل مع الأسرة في علاقاتها كقيمة اجتماعية غير قابلة للانقسام لا كشخص معنوي أو مقاولة تمثل فيها الزوجة مجرد وعاء لما تلده[(102)] والأولاد مجرد أسهم يتداولها الزوج على وفق مشيئته بل نزواته[(103)] أو تشاركه المرأة في التدبير التداولي للأسهم على أساس أنها حرة ومستقلة في اختيار ما تراه من التدبير، الأمر الذي قد يدفع إلى المنافسة. وما المنافسة إلا مظهر من مظاهر الحرب الباردة. والحرب، كالحبارى لا يتسلح إلا بسلاحه (أي ما يقذف به من سواد)، لا ينتصر فيها إلا الموت التي تبدأ في العلاقات الأسرية وَنْشا (كلاما رديئا) فغطاطا (هياطا ومياطا وصياحا) وشقاقا إذا ما استعوى فأضرمت الفتنة نارها ودجا ليلها ومرجت العهود وانتشر المحل (المكر والكيد) كان البوار والفناء بالفراق قبل الطلاق أو التطليق في الغالب على الرغم مما قد يبذل من المساعي الحميدة لإصلاح ذات البين بأساليب غير تربوية على النحو المار بنا.

2 حلم المقاربة التربوية الهادفة إلى ترسيخ الاستمرارية في علاقات الأسرة.

لابد من الإشارة في المقام الأول إلى انه، في معرض البحث عن آليات الإصلاح وأساليبها غير التربوية المعتمدة، لاحظنا من خلال ما تفحصناه من أحكام قضاء الأسرة المغربي، أن عددا لا يستهان به من مقدمي طلبات التطليق (للشقاق بالدرجة الأولى) كانوا منفصلين بدنيا وروحيا عن أزواجهم تحت سقف واحد أو تحت سقفين متباعدين دون طرد أحد الزوجين للآخر منذ مدة معتبرة قبل تقديم الطلب (سنة – سنتان- ثلاث سنوات- خمس سنوات- عشر سنوات بل خمس عشرة سنة أحيانا).

كما لاحظنا أيضا أن كثيرا من مقدمي الطلبات حديث العهد بالزواج (قبل البناء- مباشرة عند البناء- بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات من البناء)[(104)].

وأول نتيجة يمكن استخلاصها من هاتين الملاحظتين تتمثل، والله أعلم، في أن أسباب النزاعات المفضية إلى انحلال ميثاق الزوجية تبدأ بشكل مباشر وقت الإقدام على نشط عهد الارتباط بالخطوبة أو إبرام هذا العهد وتأريبه بعقد الزواج المصطلح عليه بالميثاق[(105)]. فكأن العقد هنا يحتضن وقت قيامه أسباب انحلاله. وتبقى هذه الأسباب نائمة إلى حين انبلاج القشة التي تدبر البعير. إن هذه القشة هي التي أسميناها بالأسباب المباشرة لطلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق وهي الأسباب التي يتوقف عندها، بالمقاربة القانونية، في المساعي الحميدة التي تبذلها آليات الإصلاح. غير أن هذه الأسباب المباشرة، لأنها ظاهرة، تخفي في حقيقتها أسبابا أخرى تتراكم في الزمان منذ الشروع في تربية الطفل والطفلة على وفق إملاءات الأخلاق الرجالية ولو عن غير وعي وخاصة في مغرب مدونة الأسرة بدءا باللباس والألعاب[(106)]. ومثل هذه التربية تترسخ في المراحل التعليمية التي أفضى إصلاحها إلى الزيادة في تقويضها بتكريس الدوغماتية وتغييب منشطات الفكر السليم. ولا يمكن التغافل أيضا عما تتسبب فيه الإكراهات الاقتصادية التي تئن تحت وطأتها كثير من الأسر، ومنذ أزمان، من خلق جو الاضطراب وعدم الأمان داخل الأسرة. وبالتالي من خلخلة الحالة النفسية لأفراد هذه الأسرة، الأمر الذي يسمح بالقول نظرا لغلبة هذه العوامل على المجتمع المغربي إن الأصل في فرد مغرب مدونة الأسرة رجلا كان أو امرأة أنه مريض نفسيا و/أو اقتصاديا على الأقل[(107)]، وأن الزواج بالتالي، في الأصل، الغالب، إنما يتم بين زوجين مريضين لخلق أسرة.

وعليه إذا ما سلمنا بأن الأسرة تتكون من علاقات يمكن إجمالها في ثلاث علاقات هي العلاقة الزواجية (الجنسية و/أو التناسلية) والعلاقة الوالدية والعلاقة الاقتصادية، وسلمنا أيضا بأن كل علاقة من هذه العلاقات تحتاج إلى إدارة بيتية هي للزوج حسب النظام البطريكي لأنه رب الأسرة الذي يتمتع بسلطة مدنية (بل بدنية) في علاقته الزواجية وبسلطة مَلكية (الولد وماله له) في علاقته الوالدية وبسلطة سيدية في علاقته الاقتصادية[(108)]، وسلمنا كذلك من جهة بأن هذه السلط التي يمارسها الزوج يؤكدها الواقع الغالب في مغرب مدونة الأسرة وبأن ممارسة وتفعيل هذه السلط من جهة أخرى يتسبب في وقوع إخلالات واضطرابات على المستوى الجنسي وتربية الأولاد والتدبير الاقتصادي لكافة مكونات الأسرة تنضاف إلى ما تراكم في الزوجة من عُقَد الإحباط والدونية (وهذا مرض) وفي الزوج من مرض سماديره التي تصور له نفسه ربا وزوجته شيئا للمتعة وأولاده سلعة للاستثمار ولو بإخراجهم إلى الشارع للتسول أو بتسويقهم منذ نعومة أظافرهم خداما وخادمات بيوت للكنس وغسل الأطباق أو، بعد اشتداد عود البنات للتعود على الرقص والرقز وما يتبعهما، فكيف يمكن، إذا ثبت كل ما سلمنا به صدره، للزوج المريض من حيث المبدأ أن يتكفل بالإدارة البيتية للأسرة في جميع علاقاتها دون حصول مشاكل منجرة عن المرض الموصوف قبله ولا يراعى هذا المرض[(109)]، الذي لا يظهر دائما من ظاهر الأسباب المباشرة لطلب انحلال ميثاق الزوجية، لعلاجه بطريقة أخرى غير انحلال ميثاق الزوجية كما لا تراعى الزوجة كمريضة نفسيا على الأقل ولذلك تحملها آليات الإصلاح المسؤولية عن انحلال ميثاق الزوجية بمجرد ما يتظاهر الزوج بالموافقة على استمرار هذا الميثاق وتبقى الزوجة مصرة على طلب انحلاله؟

إن العلاج الذي نقصده في هذا الصدد هو العلاج النفسي والاجتماعي والاقتصادي الرامي إلى الحفاظ على استمرار ميثاق الزوجية قبل العلاج القانوني بتقرير انحلال ميثاق الزوجية.

ويكمن هذا العلاج في التربية منذ الصغر للأولاد أزواج وزوجات المستقبل أو في إعادة التربية لمن جاوزا فترة التربية بالخروج من مرحلة الطفولة إلى مرحلة ما يسمى بالرشد.

ولقد اهتمت مدونة الأسرة بالجانب التربوي للأولاد في الكتاب الرابع منها على المستوى الديني والتكويني (المادة 235) بما فيه من التدريب على التدبير الاقتصادي (المادة 226) أو إعادة هذا التدريب على التدبير الاقتصادي (المواد 215 و210 و219 و218 و220 و228).

غير أن التدبير التربوي للأسرة أوكلت مدونة الأسرة أمره للنائب الشرعي المتمثل في الأب لأنه الأصل في الولاية (المادتان 236 و230) دون الأم على الرغم من أنها وصفت بالنائبة الشرعية أيضا ولكن “عند عدم وجود الأب أو فقد أهليته” (المادة 231) كما توصف بالولية أيضا ولكن بشرط بلوغها الرشد و”عدم وجود الأب بسبب وفاة أو غياب أو فقدان للأهلية أو بغير ذلك” (المادة 238) أو كانت هناك أمور مستعجلة لمصلحة الأولاد تعذر على الأب القيام بها لمانع (المادة 236). ومتى تحققت شروط ولايتها وكان الأب قد عين وصيا فإن هذا الوصي يبقى رقيبا على الأم الولية في تدبير شؤون الموصى عليهم (المادة 238).

إن هذه التربية المعتمدة في مدونة الأسرة، من حيث المكلف بها تصدر عن العقلية البطريكية التي ترى بلسان أرسطو أن: “جنس الذكور أصلح للرئاسة طبعا من جنس الإناث”[(110)] لذلك نجدها ترتكز على ما ذكرناه من تمتع الزوج بالسلطة الملكية في العلاقة الوالدية خلافا لما قد يعتقد من الظاهر والفهم غير السياقي لتعريف الزواج في المادة 4 من مدونة الأسرة بأنه ذلك الميثاق الذي “… غايته إنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين …”إذ الرعاية من قبل الزوجين معا في هذا التعريف هي رعاية مشتركة فيما يخص ضمان استقرار الأسرة بحرص كل منهما على الإحصان والعفاف. وهذا معناه أن الأسرة بالفهم السياقي لا تكون لها إلا غاية جنسية تناسلية تصبح معها السلطة البدنية المخولة للرقابة الجنسية في العلاقة الزواجية سلطة مشتركة (المادة 4) دون السلطة الملكية في العلاقة الوالدية (المواد 150 و210 و215 و218 و219 و220 و226 و228 و230 و231 و235 و236 و238) والسلطة السيدية في العلاقة الاقتصادية التي تبدأ بالصداق والنفقة وتنتهي بالمستحقات عند انحلال ميثاق الزوجية (المواد 26 وما بعدها و187 و194و198 وما بعدها و83 وما بعدها و97 و102 وما بعدها).

وإذا كان يظهر أيضا من المادة 54 من مدونة الأسرة أن السلطة الوالدية مشتركة بين الزوجين لما تضعه هذه المادة من واجبات مشتركة على عاتقهما تجاه أولادهما في الرعاية والتربية فإن الواقع بل والعوائد النافذة حتى في مغرب مدونة الأسرة تشهد على أن الزوجة هي التي تضطلع في الغالب بدور الراعي الصحي والتوجيه الاجتماعي الديني والرقيب على التعليم والتكوين[(111)].

غير أن الزوجة، نظرا لما توارثته من تربيتها في صغرها من توجيهات النظام البطريكي، نجدها في رعايتها وتوجيهها الاجتماعي لأولادها تنقل إليهم ما ورثته وكأنها تقوم في عملها هذا بضرب من الوكالة كوكيل (جري) عن الزوج الذي يتمتع وحده بالسلطة الوالدية التي تذكر بها الأم أولادها في الغالب كلما استعصى عليها إقناعهم بتنفيذ توجيهاتها أو وافقت على سلوك لا يرتضيه الأب “غادي انقولها لباك انقولها، أباك ما يبغيش، عنداك اتقولها لباك…”.

ولكن لابد من الاعتراف أيضا، والواقع شاهد على هذا، أن الأب والأم يشتركان فعلا في تربية أولادهما عندما يواظبان على الغطاط (الهياط، المياط، الصياح) والمظاظ الذي غالبا ما يولد الشطط بكسر الأواني وربما الأضلع أيضا بالوكز واللكز.

ولنتصور العواقب التي قد تنجز عن التربية التي يوفرها العيش في مثل هذا الجو في نفوس مشاريع أزواج وزوجات المستقبل.

وإلى جانب هذه التربية المقلقة في الغالب من قبل الوالدين فإن التربية بالتعليم والتكوين من المرحلة الابتدائية على الأقل إلى نهاية التعليم الجامعي، لمن قدر لهم من الأطفال والرشداء أن ينجوا من مشنقة الهدر المدرسي أو الجامعي، ليس في مقدورها، نظرا لما تكرسه من التصحر في السلوك وفي الفكر، إلا إعادة إنتاج طبع وتخلق وعقل المجتمع العامي كما كان على الرغم من اللغة البراقة التي يروج لها (كلغة حقوق الإنسان وحماية المستهلك، وحماية البيئة والشفافية والتدبير الحسن أو الحكامة الجيدة إلخ …)، وعلى الرغم من القوالب الناصعة في مظهرها الفارغة في مكمنها والتي يزين بها ما يسمى بالإصلاح أو بالمقاربة الجديدة لإصلاح التعليم الجامعي بالأساس.

وقد نساير أرسطو في القول إن المواطنين “يغدون أفاضل بأمور ثلاثة. وهذه الأمور هي الطبع والتخلق والعقل”[(112)]. ولكن أي طبع وأي عقل ترسخه التربية بالتعليم والتكوين في المغرب؟ هل التشبت في التربية بما مات وقضى من طباع القرون الخوالي لمجتمع ليس هو المجتمع المغربي في الماضي أو في الحاضر يمكن أن يغرس فضيلة المواطنة؟ ما مكانة طباع المغرب الآخر من منعزليه المسلمين المسالمين في الجبال النائية ومن يهوده ونصاراه في المدن الغانية في المنظومة التربوية المغربية الرامية إلى غرس بذور المواطنة في النفوس؟ هل النقل في التربية لهذه الطباع البالية لميدان الأخلاق الحية من شأنه أن يثبت فضيلة تخلق المواطنة؟

والعقل، أي عقل هذا الذي تنميه تربية الإصلاحات الجديدة: هل العقل المشتق من العقال بمعنى المانع من الانجذاب إلا للماضي الذي يجعل المرء حكيما تنتهره حكمة العقل كما تنتهر حكمة (حديدة) اللجام الدابة أم العقل المفكر الرافض للتصحر والعاشق للإبداع؟

إن التربية الحالية لا ترتكز إلا على ما يهم التكوين شبه المهني وبالتالي العقل اليدوي. ولكن نظرا لقصور الموارد البشرية المؤطرة وقلة الإمكانيات المادية ترى الطالب أو الطالبة يلج الجامعة برجلين سليمتين ويتخرج منها معوقا برجل واحدة، بيدين كاملتين ويتخرج منها بيدين منقوصتى الأصابع، الأمر الذي ينجر عنه أن التربية بالتكوين الحالي غالبا ما تنتج عقلا يدويا مصابا بإعاقة في الحركة الفكرية.

إن التربية التي ننشدها هي تلك التي ترمي إلى مناهضة هذه الإعاقة السلوكية والفكرية بالتركيز على ما ينمي العقل وإبداعه، لأن هذا العقل المنفتح هو الذي من شأنه أن يجعل هذه الأخلاق وما سيتطور منها طباعا تجبل عليها النفوس كما جبلت على طباع التربية المعاقة.

ولا شك أن هذا المنشود التربوي سيوصف بالطوباوية أو بالحلم البعيد أو ربما بضرب من التهيؤات والسمادير[(113)] نظرا للجو المعرفي الذي يغلب عليه الجمود، وللمسار السلوكي المتطور في المشاجرات والعنف وللإناء الثقافي الذي لا يثجر (يفيض) في الغالب إلا بأصوات الطبل والمزمار و”الشبيحيات” حتى على الصعيد الجامعي.

نعم، أقول هذا حلم من الغايات. وإذا كانت الغايات في مجموعها لا تدرك فاليسير منها لا يترك كما يقال. فما هو هذا اليسير الذي يستحسن ألا يترك في ميدان المقاربة التربوية الرامية إلى تثبيت الأمن الأسري واستمرار ميثاق الزوجية؟

إن هذا اليسير نراه بدوره بعيد التحقق في الظروف الراهنة ما لم تتوفر إرادة سياسية جادة في مسايرتها لتطلعات ربيع شباب المغرب الكبير. وتكمن المقاربة التربوية التي نقترحها في خلق مؤسسة لقضاء الوساطة غير المؤسسة الحالية التي يقتصر تكوينها على قاض من قضاة الحكم وقاض من قضاة النيابة العامة وكاتب للضبط بالإضافة إلى محام، وتنحصر مهامها في تسهيل الولوج إلى المحاكم وتقديم المساعدة للمتقاضين بالتوجيه والإرشاد إلى مكاتبها.

إن مؤسسة قضاء الوساطة التي نراها يصدر تكوينها عن المطلوب منها. والمطلوب منها هو العلاج الطبي النفسي والاجتماعي والاقتصادي قبل العلاج القانوني. وهذا المطلوب يستوجب تكوين مؤسسة الوساطة من مختصين في الطب النفسي والنزاعات الأسرية ومختصين في علم الاجتماع الأسري ومن الخبراء في مجال الاقتصاد المنزلي، دون إغفال الفاعلين الخبراء في الجمعيات المدنية المهتمة بتقديم المساعدة الاجتماعية للأسرة، إلى جانب المختصين في العلاج القانوني وهم القضاة وقلمهم والمحامون ذوو الخبرة في النزاعات الأسرية والموثقون والعدول أصحاب الدربة والتجربة في توثيق ما يوصل أو يفصل العلاقات الأسرية.

إن مؤسسة الوساطة التي نتصورها بمكوناتها المذكورة، والتي قد تبدو للكثيرين من رجال القانون ضربا من خواطر الهلوسة، إنما هي عبارة عن محكمة للأسرة بدور جديد يجعل منها عيادة للاستشفاء من أمراض النزاعات المفضية إلى انحلال ميثاق الزوجية وبالتالي للمساهمة في الاستثمار الآمن للأسرة بإيجاد عوامل تثبيت وضمان استمرار الميثاق والتواصل السامي بين مكونات الأسرة.

فإذا كان على القاضي في هذا الدور الجديد أن يكثر من السماع ومن تهدئة الخواطر وتسهيل التواصل بين المتنازعين دون عنف وتحسيسهما بقدرتهما على إيجاد الحل المرضي للأسرة بنفسيهما خارج حل انحلال ميثاق الزوجية، فإنه يكون على القاضي أيضا، وبالأساس ألا يخاطبهما بلغة القانون ويفسح المجال للمختصين ممن اقترحناهم قبله كي يبنوا كيفية التواصل ويعملوا على علاج، أو المساهمة في علاج، ما هو حقيقي من الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية المتدثرة برداء ما يُتمسك به من الأسباب المباشرة لطلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق. فهذا العلاج للأسباب الحقيقية ينجر عنه بالضرورة سقوط الأسباب المباشرة. وبسقوط هذه الأسباب المباشرة يتحقق الإصلاح التربوي الضامن لاستمرارية ميثاق الزوجية.

إن دور مؤسسة قضاء الوساطة يستحسن أن ينكب على محاولة علاج أسباب التنافر والتشاجر والشقاق كمرض وليس كمبرر لمنح الإذن بالطلاق أو تقرير التطليق. ولا شك أن اقتناع المتنازعين بمرضهما وبضرورة علاجه سيفضي في الغالب إلى استئناف الحياة الزوجية ولكن عن وعي لا تلبية لخواطر ما مر بنا من آليات الإصلاح. وهي آليات تجعل القضاء على النزاعات الأسرية أو التخفيف منها على الأقل لا ينفع معه إعطاء المسكنات للأحياء كما قد يوصي الطبيب الحداثي ولا إطعام الموتى كما قد يأمر الحكيم الإفريقي[(114)].

يبقى أن نتساءل عن الوقت الذي يحسن فيه تدخل هذه المؤسسة القضائية التربوية بوساطتها: وفي هذا الصدد هل نستعد للبلاء قبل نزوله أم ندعه إلى حين حصوله (وقوعه)؟

إن ترك البلاء، وهو الأسباب المباشرة لانحلال ميثاق الزوجية، إلى حين حصوله معناه أن هذه المؤسسة لا يمكنها القيام بدورها التربوي المذكور إلا عند تقديم طلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق.

إن التفكير بعقلية المذهب المالكي قد يساير هذا الاتجاه (دعه حتى يقع). ولكن المهمة العلاجية للمؤسسة ستكون صعبة لما يكون عليها من المجهود الجبار الواجب بذله قصد تذويب جبال ما تراكم في نفس الزوجين من الأسباب الحقيقية لما ظهر من التنافر والشقاق.

وبالمقابل فإن استحضار عقلية المذهب الحنفي المتأثرة بالفكر التوقعي العقلاني (استعد للبلاء قبل أن يقع) من شأنه أن يفيدنا في تحديد زمان تدخل المؤسسة القضائية التربوية بوساطتها: إنه زمن بداية الارتباط بالخطبة التي اعتبرتها مدونة الأسرة مجرد تواعد (وعد تبادلي) يمنح فيه خيار الرجوع للطرفين قبل “الإشهاد على عقد الزواج” (المادة) قصد اختيار أحدهما للآخر. ولا شك أن هذا الاختبار سيكون أكثر نجاعة إذا ما تم برعاية وتوجيه ما أسميناه بمؤسسة قضاء الوساطة التي لها أن تعالج أيضا ما يمكن معالجته من الأمور النفسية والاجتماعية والاقتصادية ومنها الإقناع بعدم الإكثار من إنجاب الأولاد، باعتبار أن قلة العيال أحد اليساريين كما يقال، وتوعية الخاطب والمخطوبة بالسلوك الممكن اعتماده للتغلب على أعباء الحياة الزوجية. وتبقى مؤسسة قضاء الوساطة بجميع مكوناتها مفتوحة لتقديم خدماتها التربوية حتى بعد انتهاء فترة الخطوبة بالإشهاد على عقد الزواج شأنها في ذلك شأن أية عيادة طبية.

إن فتح مؤسسة قضاء الوساطة أبوابها في وجه الأسرة للاستفادة من خدماتها منذ فترة الخطوبة من شأنه أن يبدد الكثير من المعوقات الجديدة أو يحول دون تراكم ما يفضي منها في آخر المطاف إلى طلب انحلال ميثاق الزوجية.

وهذا الاقتراح الذي نقول به لا يدعي القضاء كليا على ظاهرة انحلال ميثاق الزوجية لأن هذا الانحلال قد يكون أحيانا حتى من الزاوية التربوية خير شفاء لكافة عناصر الأسرة. ولكنه في الغالب سيساهم في ضمان استمرار ميثاق الزوجية بعد الإصلاح التربوي العالِم لا العامي كما هو السائد حاليا. كما أن هذا الاقتراح يجعل من مؤسسة قضاء الأسرة، بدورها الجديد، ورشة يسرة بدل أسرة للتهذيب والتكوين والتنمية الاجتماعية لا مجرد مستودع لإطفاء حرائق اجتماعية سرعان ما يتجدد اشتعالها وصندوق لإعادة توزيع الثروات بالعدل المسطر في القانون.

ولكننا نعترف بأن هذا الاقتراح يبقى مجرد حلم قد يثير سخرية واستغراب الكثيرين لعدم القدرة بالأساس على توفير ما يكفي من مكونات مؤسسة قضاء الوساطة والعجز عن تغطية كافة التراب الوطني بهذه المؤسسات. ولهؤلاء نقول: من حق أي كان أن يحلم بالمستحيل ما دام الممكن في متناول الجميع. ومن حقنا أن نتصور سمادير وتهيؤات قد تحمقنا كما حمقت دغة قديما عندما قالت بأنها لم تحس بأي ألم وقت إنجاب ولدها، ولكننا لا نقدم هذا الاقتراح إلا للتأمل لا كفتوى في عهد كم من قلح (قصب أجوف) مقتضب (قائم بأمر غير مهيأ له) فيه، ولا أستثني نفسي، تراه قد تزبب قبل أن يحصرم وهو لا يفرس غرسا من كتاب في أوراق إلا وامتلخ (صار قضيبا ميتا) تلتج عليه أولى مراتب العلم بمفهومه القديم وبالأحرى الحديث، إذا جالس الحشوة قلب وشقلب فدهس وإذا جادلته بأعيان الكتب وكتب والأعيان أكب برأسه وخنس فكأن قرامي الحديد في عنقه، بل الحشوة (الطغام) أيضا صار الكثير منهم يفتون في أمور الدين والدنيا بعدما تخرجوا من جامعات الفضائيات فمنحوا إجازة الإفتاء لأنفسهم بأنفسهم.

إن شرف العلم في المعلوم الذي يعمل به والحلم الذي يطوره لا في الموهوم الذي يتجلبب ويعمم ويسنبل ويتثفتن به ولا في شعارات الحداثة وما بعد الحداثة التي يلوح بها في الظاهر للفوز في الباطن غالبا بما يقدم لمروجي سلعتها في مهرجانات الداخل وكرنفًلات الخارج من الحلوان والحدور والبرطيل وغير ذلك من الل ها التي تملأ الجيوب وتحيي النفوس.

والمعلوم مما عمل به في ميدان الأسرة يبين أن الطلاق والتطليق كانا مجرد ذريعتين للإرسال والتحرر غير الواعيين في الغالب أقرتهما المدونة ليساوم عليهما الزوجان وكأن في رأسيهما نعرة لا يفيد معها الإصلاح الشكلي غير التربوي بتزكية من القضاء على الرغم من براءته من هذه التزكية. والقضاء لم يكن في مستوى التطلعات عندما تكلفت المدونة بالأحوال الشخصية. والظاهر أن هذه المدونة بعدما انصرفت إلى الأسرة قد تحسنت. ونأمل كهدف لهذه المقالة أن يصبح القضاء، بعد التفاته ولو بقدر إلى الجانب التربوي العلمي في الإصلاح، أفضل من مدونة الأسرة ليحولها بدوره الجديد في تطبيقها إلى مدونة لليسرة.


[(1)] هذه المقالة في أصلها مداخلة شارك بها الباحث في الندوة الدولية حول: الوسائل الودية لفض النزاعات: الوساطة، التحكيم، الصلح، (محور دور الصلح في إنهاء المنازعات الأسرية) المنظمة من طرف الكلية متعددة التخصصات بالناظور بتعاون مع وزارة العدل والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بتاريخ 29 و30 أبريل 2010 بالمركب الثقافي للناظور.

[(2)]   أرسطو: في السياسة: ترجمة الأب أوغسطينس باربرة البولسي، ط.2، بيروت، 1980، رقم 12 في ص 15.

[(3)]   أرسطو: المرجع السابق، رقم 4 في ص 6.

[(4)]  يقول إنجلز إن تسمية الأسرة كانت في الأصل لدى الرومان محصورة في عبيد المنزل (familia) والمفرد famulus ثم امتدت إلى الزوجات والأطفال:

-Engels : l’origine de la famille, de la propriété privé et de l’état, ed. du Progrès, Moscou, 1976,p.91

          ويذهب إيهرنك إلى أن المعنى الأولي لفاميليا هو المنزل، البيت: dhàman من الأصل السنسكريتي dhà: l’esprit:Jhering

– Du droit Romain dans les diverses phases de son développement : traduit sur la 3e édition avec l’autorisation de l’auteur par O.MEULENAER , t 2,Paris 1877- 221 p.155 et note n° 209 – p.151.

[(5)]  يمنى طريف الخولي: النسوية وفلسفة العلم، مقالة منشورة في مجلة عالم الفكر الكويتية، المجلد 34، عدد 2، أكتوبر – ديسمبر 2005، ص 13.

[(6)]  انظر في هذا الجذع : لويس عوض : مقدمة في فقه اللغة العربية، ط.2، القاهرة، 1993، ص 211.

[(9)]  يذهب لويس عوض إلى أن فا في فام ليست إلا صورة من مجزوءة وايف (wif) التي تعني الزوجة وبذلك يصير المعنى هو زوجة إنسان. وتجد كلمة زوج أصلها في “جوز” من الكلمة الهندية الأروبية “هوس” أو “جوس” التي ينصرف معناها إلى الإقامة في البيت. والكلمتان معا تجدان أصلهما في كلمة “سوس” وهاميتها “هوس” وحاميتها “حوس”وتعني الحصان الصغير وهو المهر : المرجع السابق من ص 256 إلى 260.

[(10)] حسب ماركس فإن الأسرة الحديثة تتضمن في جذورها إلى جانب العبودية (servitus) السخرة لأنها ترتبط أساسا بخدمات الزراعة. إن الأسرة بهذا المعنى تتضمن تصغيرا لكافة الصراعات التي تطورت لاحقا في المجتمع وفي الدولة: عن إنجلز: المرجع السابق، ص 91 وما بعدها.

            ويذهب جاك إيليل إلى أن المرأة المتزوجة كانت في العهد الروماني من القرن 5 إلى 2 قبل الميلاد محتقرة قانونا ولكنها محترمة   جدا أخلاقيا واجتماعيا ولذلك قيل إن الجمهورية تطيع السيناتورات وهؤلاء يطيعون زوجاتهم:

– jacques ELLUL :histoire des institutions ;1-2,l’antiquité-ed.P.U.F-5°ed-1979- p.349.                                                                                    

[(11)]  الهيسبيريديس في الميثولوجيا اليونانية هي الجزر السعيدة، جنة الموتى وراء أعمدة هرقل.

[(12)] نعتقد أن الفقه في مغرب الأمس لو فهم سماحة الدين الإسلامي بعوائد هذه البلاد منذ الوهلة الأولى وقام باستثمارها في ضوء تطلعات هذا الدين من عدم التمييز بين الرجل والمرأة والقضاء على العبودية لَمَا كان اليوم في حاجة إلى دخول الاستعمار ليقضي على العبودية ولا إلى استيراد ما يسمى بحقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة للأخذ بيد هذه الأخيرة.

[(13)]  انظر: أحمد بن محمد الدردير: الشرح الصغير بهامش بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد بن محمد الصاوي المالكي، طبعة 1952، الجزء 2، ص 138. وجاء عند الصاوي في متن نفس الصفحة أن: “الزوج سبب للحجر على زوجته الحرة الرشيدة الصحيحة في زائد الثلث”.

[(14)]  يقول ابن فرحون في تبصرته إن القاضي: “يمنع ذات الجمال والمنطق الرخيم أن تباشر الخصومة ويأمرها أن توكل وكيلا وقال المارزي إذا كانت الدعوى على امرأة شابة ذات جمال وخاف عليها إن تكلمت أن يؤدي سماع كلامها إلى الشغف بها فإنها تؤمر أن توكل ولا يكون من حق الخصم أن يؤتى بها إلى مجلس القضاء”: برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن شمس الدين أبو عبدالله محمد بن فرحون اليعمري المالكي: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1، 1301 هـ، الجزء 1، ص 35.

[(16)]  تجدر الإشارة أيضا إلى أن المادة 44 من مدونة الأسرة والمتصلة بطلب تعدد الزوجات قد ذكر فيها لفظا التوفيق والإصلاح.

[(1](17)  انظر مثلا: عبدالباقي الزرقاني: شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، دار الفكر، بيروت بدون تاريخ الطبع، المجلد 2، الجزء 4، ص63 – 64.

[(18)] عبدالرحمان جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى ومحمد علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، بدون تاريخ الطبخ، المجلد الأول، ص37.

[(19)] أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ الطبع، ص 284.

[(20)] أبو هلال العسكري: الفروق اللغوية، ضبطه وحققه حسام الدين القدسي، دار الكتب العلمية، بيروت 1981، ص 172 وما بعدها.

[(21)]  أبو هلال العسكري: المرجع السابق، ص188.

[(22)] من الأمثلة التي ضربها السيوطي في مرجعه المشار إليه، المجلد الأول، ص 37. نذكر ما يلي: الخمر المتوارد مع العقار والسلسال، والسبع المتوارد مع الليث والضرغام.

[(23)] الديجست: II، 15،1، 18، XII، 6، 65، 1- الكوديس: XI، 4، 2، 6، 9، 11، 12، 17. وفي توضيح هذه النصوص انظر مثلا:

– OURLIAC (PAUL) et Malfosse (J.de) : histoire du droit privé : tome premier : les obligations, PUF, 1961, p.298

– GIFFAD (A.E) et VILLERT (ROBERT) : droit romain et ancien droit français (obligations) ,4eme Ed, Dalloz, 1976, n°198.p132et 133

[(24)] انظر مثلا: الصاوي على الدردير: م.س، ج.2، ص 146 وما بعدها/ محمد بن رشد القرطبي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة، بيروت، ط.7، 1985، ج.2، ص 293 وما بعدها /محمد بن أحمد ميارة الفاسي: شرح ميارة الفاسي على تحفة الحكام، دار الفكر، بدون تاريخ الطبع، ج.1، ص 143 وما بعدها / أبوالحسن علي بن عبدالسلام التسولي: البهجة في شرح التحفة، دار الإرشاد الحديث (دار الفكر)، بدون تاريخ الطبع، ج.1، ص 219 وما بعدها. وانظر أيضا في تلخيص تعاريف الصلح اصطلاحا في الفقه الإسلامي على سبيل المثال: الطاهر كركري: الصلح بين أفراد الأسرة: دراسة فقهية قانونية اجتماعية، أطروحة من كلية الشريعة بفاس، 2000-2001، ص19 وما بعدها.

[(25)] وتجري الترجمة الرسمية للفصل 1458 من المجلة التونسية للالتزامات والعقود، الذي انتقلت صيغته الفرنسية بالحرف إلى الفصل 1098 من ق.ل.ع.م، كما يلي: “الصلح عقد وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة ويكون ذلك بتنازل كل من المتصالحين عن شيئ من مطالبة أو بتسليم شيئ من المال أو الحق”.

[(26)]  عن محمد بن احمد ميارة الفاسي: م.س، ج.1، ص 143.

[(27)] الصاوي على الدردير: م.س، ج 2، ص 146.

[(28)]  أحمد بن محمد بن أحمد الدردير: الشرح الصغير بهامش الصاوي، م.س، ج.2، ص 146.

[(29)] الآية 128 من سورة النساء.

[(30)] الآية 129 من سورة النساء.

[(31)] عن ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، م.س، ج.2، ص293.

[(32)]  إن الفصل 180 من قانون المسطرة المدنية الذي استخدم مصطلح التصالح مرتين قد نص على أنه: “إذا تم التصالح أصدر القاضي حالا حكما يثبت الاتفاق وينهي النزاع وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن”. غير أن المنع من الطعن في الحكم المثبت لاتفاق التصالح أمام درجة قضائية أعلى لا يعني المنع من معاودة رفع طلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق من جديد لأن التصالح إصلاح لا يفيد معنى الانقضاء. أما الصلح بمعناه الاصطلاحي فيفيد الانقضاء لما كان محلا للنزاع وتجديدا انتقل إلى العوض المتصالح عليه (الفصل 1105 من ق.ل.ع.م.). والقول بالصلح وفقا لهذا المعنى في ميدان الطلاق والتطليق يقضي بالضرورة القول بإنهاء الصلح لميثاق الزوجية وقيام ميثاق جديد للزوجية. وهذا غير صحيح ولا يخطر ببال من يستخدم فقها أو قضاء مصطلح الصلح في ميدان الطلاق والتطليق.

[(33)] عبدالمجيد غميجة: موقف المجلس الأعلى من ثنائية القانون والفقه في مسائل الأحوال الشخصية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الدراسات والأبحاث، العدد 1، مارس 2007، ص.229 وما بعدها.

[(34)] إن مجموعة من الأحكام الصادرة في شأن طلبات التطليق للغيبة اعتمدت مسطرة الإصلاح. والشاهد على هذا أن إحصائيات وزارة العدل تشير إلى أن عدد قضايا التطليق للغيبة بلغت سنة 2007، عند الجمع بين المخلف والمسجل من هذه القضايا، 4365 تم الإشهاد على الصلح في 132 قضية منها: انظر الجدول رقم 10 المتعلق بقضايا التطليق خلال سنة 2007 من إحصائيات وزارة العدل المنشورة في مجلة قضاء الأسرة، العدد المزدوج 4 و5، فبراير 2009، ص.316.

[(35)] عبد القادر قرموش: الدور القضائي الجديد في قانون الأسرة المغربي، أطروحة دكتوراه من كلية الحقوق بفاس، 2008-2009، ص.26. . وهذا أيضا رأي بعض قضاة الأسرة الذين حاورناهم قبل إعداد هذه المقالة حول الكيفية التي يتم بها الإصلاح والمشاكل التي تعتروه.

[(36)] أحمد خرطة : “التطليق للشقاق بين المنظور التشريعي والتصور القضائي: قراءة في المواد 94 إلى 97 من مدونة الأسرة”: مداخلة شارك بها في أشغال الندوة الوطنية المنعقدة بكلية الحقوق بوجدة يومي 17 و18 فبراير 2005، منشورات مجموعة البحث في قانون الأسرة- سلسلة الندوات، العدد 1 تنسيق إدريس الفاخوري ص.179.

[(37)] لقد قمنا للوقوف على هذه الإحصائيات بمسح شامل لكافة محتويات العدد المزدوج 4 و5 من مجلة قضاء الأسرة المشار إليها في الهامش 34 قبله.

[(38)]  إن هذا التناقص الكبير في قضايا الطلاق لا يزكيه ما يلاحظ في واقع المحاكم. وربما رجع هذا الخلل إلى غلط مطبعي في الإحصائيات.

[(39)] لقد كانت الفترة الانتقالية المشار إليها في المادة 16 من مدونة الأسرة محددة في خمس سنوات ثم مددت إلى عشر سنوات بموجب التعديل الذي صدر به القانون رقم 09-08 المنفذ بظهير 16 يوليوز 2010، الجريدة الرسمية عدد 5859 ص 3837. ونعتقد أنه إذا بقي الواقع على حاله، ولا يزال على حاله ، فإن الفترة الانتقالية سيعاد تمديدها بعد انقضاء العشرية.

[(40)]  انظر في هذا الصدد على سبيل المثال: Marcy (Georges) : droit coutumier Zemmour

             لقد اعتمدنا في هذا الفهم على مخطوط نتوفر عليه من هذا الكتاب، ص 105 وما بعدها، وليس على الكتاب المنشور.

[(41)] إن مثل هذا الأثر الذي تخلفه العوائد لا يعني أن كل ما في هذه العوائد ينبغي الاحتفاظ به، لأنها بدورها لم تعد تمنح المرأة المكانة اللائقة بها والتي كرستها عوائد أيام الهدملة. غير أن اندماج هذه المرأة فيها يجعلها متقبلة، في الغالب، لما أوهمت به من الدونية وراضية بمكانتها.

[(42)]  حسب الإحصائيات التي تفضلت المحكمة الابتدائية بفاس بتزويدنا بها، ولها جزيل الشكر على ذلك وعلى التسهيلات والمساعدات التي تقدمها لطلبتنا، فإن عدد طلبات التطليق بسبب الشقاق المقدمة إلى قسم قضاء الأسرة بهذه المحكمة من يناير إلى دجنبر 2010 بلغ 2814 منها 843 قضية مقدمة من طرف الزوج و1971 مقدمة من طرف الزوجة. وخلال الفصل الأول من 2011 (من يناير إلى مارس) بلغت طلبات التطليق بسبب الشقاق 713 منها 207 طلب مقدم من طرف الزوج و506 من طرف الزوجة.

[43](43) انظر مثلا نجاة الكص: “مسطرة التطليق للشقاق المعول القانوني الهادم للأسرة المغربية”: مقالة منشورة في جريدة المساء عدد 1104 بتاريخ 9 أبريل 2010، ص.9

[(44)]  تحملنا المدونة، بل الفهم السائد لهذه المدونة، على الاعتقاد بأن الطلاق أصبح يمارس على قدم المساواة من قبل أي من الزوجين تحت مراقبة القضاء (المادتان 78و79 من المدونة) والحال أن الطلاق لا زال في يد الزوج وحده وإن استأذن المحكمة في توثيقه. أما الزوجة فلا تتمتع إلا بطلب التطليق دون الطلاق الذي يسمح لها به استثناء في حالة الطلاق بالاتفاق وحالة ما يسمى بالزواج المملك.

[(45)] انظر في الغاية من إقرار مسطرة الشقاق للزوجين معا: أجوبة وزير العدل عن أسئلة واستفسارات مجلسي البرلمان حول المواد من 94 إلى 97 من مشروع مدونة الأسرة: وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية ، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 4، ط.1، 2004 ص.132 رقم 106.

[(46)] وفي دائرة المحكمة الابتدائية بفاس فإن ما يزيد عن 42% من طلبات التطليق للشقاق قدمها الأزواج خلال سنة 2010.

[(47)]  انظر: إبراهيم الأيسر: “مدونة الأسرة بعد أربع سنوات من التطبيق: الحصيلة والآفاق”: مقالة منشورة بمجلة قضاء الأسرة، العدد المزدوج 4-5، 2009 م.س، ص.34.

[(48)]  مقالته المشار إليها وإلى مرجعها في الهامش رقم 47 قبله، ص.34.

[(49)] مثلا حوالي 62% خلال سنة 2007: 74.444 قضية محكومة من أصل 121.400 موزعة على طلبات الإذن بالطلاق (36.416 من أصل 54448) وعلى طلبات التطليق (37.928 من أصل 66.958 قضية): عن إحصائيات وزارة العدل المشار إليها في السابق.

[(50)]  ابراهيم الأيسر: مقالته المشار إليها وإلى مرجعها في الهامش رقم 47 قبله، ص.34.

[(51)] نعتقد أن ترتيب آليات الإصلاح في طلبات التطليق لا تختلف عن ترتيب هذه الآليات في طلبات الإذن بالطلاق وإن اختلف عدد أحكام كل آلية.

[(52)]  لقد تراجع عدد الأحكام الخاصة الإصلاح (الصلح) بواسطة وسائل أخرى عما كان عليه هذا العدد سنة 2006 إذ بلغ 3597 من أصل 6693 حكم متعلق بالإشهاد على الإصلاح (الصلح). 

[(53)]   هذا العدد فاق العدد المسجل خلال سنة 2006 إذ بلغ 2190 من أصل 6693.

[(54)]  هذا العدد زاد عما كان عليه المر سنة 2006: 643 من أصل 6693.

[(55)]   هذا العدد ارتفع أيضا عما كان عليه الأمر سنة 2006: 470 من أصل 6693.

[(56)]  انظر المقالة ومرجعها في الهامش رقم 50 قبله.

[(57)] عبدالسلام زوير: شرح مدونة الأسرة: الزواج، الطلاق، التطليق، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الدراسات والأبحاث، العدد 7 نونبر 2008، ص 109 و110.

[(58)] عبدالقادر قرموش: الدور القضائي الجديد في قانون الأسرة المغربي، م.س، ص.67 وما بعدها إلى وسط ص 70.

[(59)] أحمد خرطة: مقالته المشار إليها ومرجعها في الهامش رقم 36 قبله، ص 179.

[(60)]  عبدالقادر قرموش: م.س، ص.69 و70.

[(61)] إن ثقافة حقوق الإنسان مفترضة في القاضي وبالتالي فهي من المطلوب منه لأنها من باب المساواة، وهي من الضرورات الاجتماعية، والعدل، وهو صفة لصيقة بالقانون وبمن أنيط به أمر تطبيق القانون.

[(62)] عمر لمين: أهمية محاولة الصلح بين الزوجين في استقرار الأسرة وكيفية إجرائها: مجلة قضاء الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد الثالث، دجنبر 2006، من ص57 إلى 63.

[(63)] هذه الأمثلة عما وصف بمرققات القلوب إنما هي من عوائد الشرق التي فهم بها القرآن والسنة حتى في المناطق التي كانت تتوفر على عوائد مختلفة كالمغرب.كما أن هذا التوجه يصدر عن مرجعية أرسطوقراطية يفترض معها وجود الخدم. والحال أن أغلب الأسر المغربية ذات دخل محدود أو محدود جدا أو لا دخل لها بالمرة. وإذا كان من شأن هذا التوجه أن ينسجم مع الأسر الميسورة، وقليلة ماهن، أو الأسر التي تزاول فيها الزوجة عملا خارج البيت بدخل معقول على الأقل، فإنه بالمقابل لا يمكن أن ينسجم مع الأسر الفقيرة، وكثيرة ماهن، ولو كانت الزوجة فيها تمارس عملا خارج البيت من أعمال الإجارة كخدمة البيوت.

[(64)](64)   هذا المثل ينم عن تكريس دونية المرأة بالمقارنة مع الرجل.

[(65)] انظر في هذا الصدد على سبيل المثال: ميارة الفاسي على تحفة الحكام: مرجع سابق، ص 301 وما بعدها وبالأساس ص 309 و310.

[(66)] انظر مثلا: الحكم عدد 434 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتاونات بتاريخ 29 نوفمبر 2006، منشور في : ادريس الفاخوري: العمل القضائي الأسري، ج.2: التطليق للشقاق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2009، ص.245 وما بعدها.- ولكن بالمقابل يجب تثمين موقف القضاء المغربي إذ لم يعد يشترط الذكورة في الحكم المختار أو المعين في حين تشترط مؤلفات الفقه المالكي الجاري به العمل هذه الذكورة.

[(67)]   عبدالقادر قرموش: م.س، ص.56.

[(68)] يحيى بكاي: “دور الحكمين في إصلاح ذات البين بين طموح التشريع وعوائق التطبيق”: مقالة منشورة ضمن الندوة الوطنية المنعقدة بكلية الحقوق بوجدة يومي 17 و18 فبراير 2005، في المرجع المشار إليه في الهامش رقم 36 قبله ص 167 و168 . والجدير بالتنبيه أن ما جاء بين معقوفين ليس من نص صاحب المقالة. وهذا التنبيه ينطبق على ما سيأتي في الهامش 69.

[(69)] تتمثل الحلول المقترحة من طرف الأستاذ يحيى بكاي مثلا فيما يلي: “… التمعن في اختيار الحكمين ] من خلال[ الاستماع إلى المرشح لأن يكون حكما لمعرفة درجة قرابته بالطرفين ومدى قدرته على التأثير فيهما … وتوجيه اليمين للحكم ليقوم بمهمته بأمانة … ]و[ التأكد من استطاعة الحكمين الحضور في عدة جلسات … ]و[ عدم إلزام غير المتعلمين بالتقرير الكتابي وتوجيه المتعلمين منهم وإرشادهم لما هو مطلوب منهم …”: مقالته المشار إليها قبله، ص.169و170.

[(70)]  قول الشاعر: عن: شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل: م.س، المجلد2، ج.4،ص.119

[(71)]  اللثام هو النقاب على حرف الشفة واللفام هو النقاب على طرف الأنف.

[(72)]  إننا ننظر إلى هذا السبب في ذاته وليس إلى ما قد ينجر عنه من جزاء أخروي. فهذا أمر بين الخالق ومخلوقه (عبده) أو إلى ما قد يفضي إليه من العنف الجسدي و/أو النفسي فهنا يصير السبب جديا.

[(73)] نعتبر هذا السبب غير جدي من زاوية أنسنة الرابطة الزوجية. والظاهر أن المادة 4 من مدونة الأسرة قد عانقت هذه الأنسنة ولو بقدر في تعريفها للزواج. أما النظر إلى هذا الزواج على انه النكاح بمفهومه القديم، الذي يغلب المعنى اللغوي المتمثل في الضم والتداخل وبالتالي في الوطء (في الطفش) ليصبح حده، كما يقول ابن عرفة، هو :”عقد على مجرد التلذذ بآدمية …” (عن حاشية البناني على شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل: م.س، المجلد 2، ج.3، ص.163) أو حسب الشيخ خليل “تمتع ] ذي أهبة أي قدرة على صداق ونفقة ووطء[ بغير دبر” (مختصر الشيخ خليل، دار الفكر ، طبعة 1981،ص.112-شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، م.س،م.2،ج.3،ص.162) “مقابل الصداق كالثمن” (مختصر الشيخ خليل:م.س،ص.123)، فيجعل كل ما يفضي إلى الاضطراب الجنسي ضربا من العيوب المانحة للخيار، قياسا على البيع، بين استمرار ميثاق الزوجية أو طلب وضع حد له. ومن هذه العيوب: العذيطة (أي حدث الغائط عند الجماع) والخصاء (وهو قطع الذكر أو الأنثيين مع بقاء الذكر لا يمني أو قطع الحشفة) والجب (وهو قطع الذكر والأنثيين معا أو خلق الإنسان بدونهما) والعنت (العنين من لا يشتهي النساء لافتقاره للذكر أو لتوفره على ذكر يظل مسترخيا) والقرن (شيء يظهر في فرج المرأة يشبه قرن الشاة) والرتق (انسداد مسلك الذكر) والبخر (نتن الفرج) والعفل (لحم يبرز في قبل فرج المرأة أو رغوة تحدث في الفرج عند الجماع) والإفضاء (وهو اختلاط مسلكي الذكر والبول … (انظر مختصر الشيخ خليل: مرجع سابق، ص.121 شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل،م.2،ج.3،ص.236 وما بعدها.)- والظاهر أن مدونة الأسرة قد تأثرت كثيرا بهذا التصور اللغوي للزواج على الرغم من التعريف المعتمد في المادة 4 منها إذ جعلت “العيوب المانعة” من المعاشرة الزوجية من الأسباب الجدية المبررة لطلب التطليق للعيب: المواد من 107 على 111 من مدونة الأسرة.

[(74)] إن النظر إلى أمر من الأمور على انه جدي أو غير جدي إنما هو نظر نسبي. ولذلك إذا ما ارتأى قارئ أن أحد أو بعض الأمثلة التي وصفناها بعدم الجدية هو أو هي جدية فهو على صواب وخاصة عندما يصدر في تصنيفه عن مرجعية إملاءات العوائد في توجيه السلوك الاجتماعي عامة والسلوك الأسري على وجه الخصوص.

[(75)] قد يبدأ الإصلاح في حالة طرد أحد الزوجين بتوفير آليات المساعدة الاجتماعية والنفسية للنيابة العامة التي منحتها المادة 53 من مدونة الأسرة صلاحية التدخل “من أجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية”. غير أن إكراهات جمة تعرقل العمل المطلوب من النيابة العامة لذلك يبقى عدد من المطرودين غير قادرين على الرجوع إلى بيت الزوجية ولا يكون أمامهم إلا طلب الإذن بالطلاق أو طلب التطليق.

[(76)] إن كلمة “نعلوا” انتقلت بالميتاتيز المألوف في قلب الحروف عند نقل كلمة من لغة إلى أخرى كجداد أو اسباليون في اللغة المغربية الدارجة بدل الدجاج في اللغة العربية أو إسبانيول في اللغة الإسبانية. وفهم الكلمة المغربية بالمعنى العربي قد يوحي بمعنى اجعلوا الشيطان حذائكم وبالتالي سيروا في غيكم لضمان تصدع علاقتكم الزوجية.

[(77)]  قال القرافي: “… إن خيار زماننا هم أراذل ذلك الزمان وولاية الأراذل فسوق. فقد حسن ما كان قبيحا واتسع ما كان ضيقا …”: عن تبصرة ابن فرحون، م.س، ج.2، ص.115.

[(80)] أبوالوليد بن رشد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط.2،1981، ص.30.

– IBN ROCHD (AVERROES) : traité décisif (Façlel-maqàl) sur l’accord de la religion et de la philosophie, texte arabe,traduction Française par léon gauthier, 3eed,alger,1984 p.7.  

[(79)] هو شرح لنظم أبي زيد الجشتيمي المعروف بالعمل السوسي، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، 1980، ج.2،ص.57.

[(80)] قال أبو العلاء المعري:

كأن نفوس الناس والله شاهد              نفوس فراش ما لهن حلوم

   وقالوا فقيه والفقيه مموه                     وحلف جدال والكلام كلوم

عن : أحمد أمين: ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت، ط.3، ج.1، ص 155.

ويروي أحمد أمين في تاريخه (المرجع السابق، ج.3،ط.5،ص.38) أنه: “في عهد المرابطين عظم أمر الفقهاء… فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول الشاعر:

أهل الرياء لبستمو ناموسكم   كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتم الدنيا بمذهب مالك     وقسمتم الأموال بابن القاسم

وركبتم شهب الدواب بأشهب    وبأصبغ صبغت لكم في العالم.

[(81)] عن تبصرة ابن فرحون: مرجع سابق، ج.2،ص.115.

[(82)] عن احمد امين: ظهر الإسلام، مرجع سابق،ج1، ص.155

ويقول أبوالعلاء المعري في العدول:

عدول لهم ظلم الضعيف سجية      يسمون أعراب القرى والجوامع

عن أحمد أمين: ظهر الإسلام، مرجع سابق، ج2، ص 251- كما قال اسحاق بن معاذ:

سننتَ لنا في الجور حكمنا                وصيرت قوما لصوصا عدولا

ولم يسمع الناس فيما مضى                    بأن العدول عديدا قليلا

عن حسن ابراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج.2، ص 294.

[(83)]  عن حسن ابراهيم حسن: المرجع السابق، ج.3، ص 307. وجاء عند حسن ابراهيم حسن أن محمد الوراق قال:

تصوف كي يقال له أمين   وما يعني التصوف والأمانة

ولم يرد إلا له به ولكن         أراد به الطريق إلى الخيانة

حسن ابراهيم حسن:المرجع السابق ، ج 3، ص 222.

[(84)]  عبدالرحمان بن حسن الجبرتي: تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الجيل، بيروت، ج.1، ص 22.

[(85)]   العادة تشبه الطبيعة وذلك أن الذي يكون مرارا كثيرة قريب من الشيء الطبيعي وهو الذي يكون دائما. والعادة تكون مرارا كثيرة فهي قريبة من الأمر الطبيعي. والأمر الطبيعي يكون بلا استكراه”: ابن رشد تلخيص الخطابة (لأرسطو)، حققه وقدم له عبدالرحمن بدوي، دار القلم، بيروت بدون تاريخ الطبع، ص.90

[(86)]  يمنى طريف الخولي: النسوية وفلسفة العلم: مقالة مشار إلى مرجعها في الهامش 5 قبله، ص.28.

[(87)]  إنجلز: أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة، م.س،ص.92 و104.

[(88)]  أرسطو: في السياسة، مرجع سابق رقم 8 في ص.8 ورقم 12 في ص.10

[(89)] راجع الأمثال المغربية المذكورة في الهامش رقم 8 قبله.- وقيل “لا تستشر معلما ولا حاكما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء”. كما قيل: “وكيف يرجى العقل والرأي عند من * يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل”: والمقصود هنا هو المعلم: عن : أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد: دار الكتب العلمية، بيروت، ط.3، 1987،ج.1، ص.61.

[(90)]  عن حسن ابراهيم حسن: تاريخ الإسلام، م.س، ج.3،1965، ص.80 و93.- والملاحظ أن المتنبي لا يختلف عن مسكويه في نظرته السلبية إلى المرأة. غير أنه عندما يتعلق الأمر بالبحث عن العطايا نجد هذه الل ها تفتح لهاه فيجيد في رثاء أم سيف الدولة إذ يقول:

لو كـان النسـاء كمــن فقـدنـا           لفضلت النساء على الرجال

فلا التأنيث لاسم الشمس عيب           ولا التذكــير فخـر للهلال

           عن حسن ابراهيم حسن: تاريخ الإسلام…، م.س،ج.3،ص.221 والهامش رقم 1 فيها.

[(91)] عن : فيرجينيا هيلد: أخلاق العناية، ترجمة ميشيل حنا متياس، دار الفكر، عدد 356، أكتوبر 2008، ص.17.

[(92)]   أرسطو : في السياسة مرجع سابق، رقم 12 في ص.5 ورقم 1 في ص.37.

[(93)]   أرسطو: المرجع السابق، رقم 12 في ص43.

[(94)]   أرسطو: المرجع السابق، رقم 4 في ص.6 و7

[(95)]  أرسطو: المرجع السابق، رقم 4 في ص.6 ورقم 13 في ص 15 و16.

[(96)]  يمنى طريف الخولي: مقالته المشار إليها في السابق، مجلة عالم الفكر، عدد 2 المجلد 34، ص 57.

[(97)] حسب بعض البحوث الميدانية التي أجريت في أمريكا فإن : “النساء مجبولات على فحوى الاتصال. وفي مقابل تأكيد الرجل على الانفصالية والاستقلال الذاتي تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات. وبينما يميل الرجل إلى الإقصاء لأنهم يُعرفون من قيمة الانفصال والاستقلال الذاتي تميل النساء إلى الاحتواء لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال والألفة. وبينما يعمل الرجال على حل الصراع على طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ المجردة تعمل النساء على حل الصراع من خلال تفهمه في سياق منظور كل شخص واحتياجاته وأهدافه”: عن يمنى طريف الخولي: المقالة المشار إليها قبله ص 33.

          وإذا صحت هذه الخلاصة في مجتمع يخضع للنظام البطريكي بعد أن تهذب فماذا يمكن أن يقال عن المجتمع المغربي الذي لا زال نظامه البطريكي ممهورا بكثير من بقايا النظام والأخلاق الأميسيين النسويين وخاصة في المناطق التي لم تفلح مدونة الأسرة ولا مدونة الأحوال الشخصية قبلها أو الفقه المالكي قبلهما من النفاذ إليها فيما يخص شؤون الأسرة في تكوينها وتدبيرها وحلها؟ ألا يلاحظ من ينتمي إلى هذه المناطق أو من زارها للتمعن في علاقات أسرها أن الرجل وإن تظاهر خارج البيت باحتقار المرأة إلا أنه داخل البيت يحترمها أخلاقيا واجتماعيا؟ ألا يمكن أن يلاحظ، من مرجعية ذكورية أن الرجل يحكم المرأة ويأمرها خارج البيت وهي لا تسمعه غير أنها في الغالب تحكمه وتأمره من الداخل وهو يسمعها ولا يرى في ذلك إذلالا لهيبته ولا انتقاصا من مكانته؟ إن المرأة توصف في بعض المناطق كالريف بالمغرب بتمغارت أي الكبيرة. أما الرجل فلا يوصف بأمغار أي الكبير إلا إذا استحق ذلك اجتماعيا. إن العلو حسب هذا التصور أصل في المرأة واستثناء في الرجل. ولكن هذا العلو في تدبير الأسرة لا تستقل به كما يفعل الرجل البطريكي الذي نتمنى أن ينسلخ من جلباب أوهامه.

[(98)]   فيرجينيا هيلد: أخلاق العناية، مرجع سابق ، ص.21.

[(99)]   فيرجينيا هيلد: المرجع السابق، ص.22.

[(100)] فيرجينيا هيلد: المرجع السابق، ص 30 .

[(101)] فيرجينيا هيلد: المرجع السابق، ص83.

[(102)] يعتبر أرسطو الأسرة شركة ولكنها شركة لممارسة الجنس قصد الإيلاد على وجه شرعي. والعمر الملائم لتكوين هذه الشركة هو 18 سنة بالنسبة للفتيات و37 سنة بالنسبة للفتيان على ألا يشرعوا في الإنجاب إلا في سن الخمسين وهو سن النضوج العقلي: أرسطو المرجع السابق رقم 1 في ص.405 ورقم 6 في ص.407 ورقم 11 في ص.409.

[(103)] يرى أرسطو أن “علم الاقتصاد جزء من علم الإدارة البيتية” للأسرة: (المرجع السابق رقم 3 في ص.12). ويذهب بعض رجال الاقتصاد الذين يخضعون لمنطق السوق كافة المؤسسات و العلاقات الاجتماعية والأسرية إلى أن “كل الأشياء المرغوبة أو ذات القيمة من الصفات الشخصية إلى الحكومية الصالحة هي سلع … ]ومن هنا[ تعرف الحرية بالتجارة الحرة لكل الأشياء… والأطفال أشياء استهلاكية دائمة…” (عن فيرجينيا هيلد: المرجع السابق ص 160).

               هذه هي النتيجة المنطقية في تقديرنا لأخلاق الحرية والمساواة التي أفرزها النظام البطريكي بعدما ارتكز على تقديس الرأسمالية المعبر عنها فلسفيا بالفردية واقتصاديا بالليبرالية وقانونا (فقها) بسلطان الإرادة.

[(104)] غير أننا عاينا بالمقابل أن البعض يقدم طلبه بعد ثلاثين أو أربعين بل خمسين سنة وزيادة من الزواج. ولكن هذه الطلبات قليلة بالمقارنة مع نسبة حديثي العهد بالزواج.

[(105)] يعتقد البعض أن الميثاق أقوى من العقد. فنجاة الكص، مثلا، ترى أن :” الزواج لا يعتبر عقدا عاديا… بل هو أسمى وأجل، هو عهد وميثاق بين الزوجين يرتبطان به ارتباطا وثيقا مدى الحياة … والزواج يعتبر ميثاقا غليظا”:راجع في هذا الصدد مقالتها: مسطرة التطليق للشقاق المعول القانوني الهادم للأسرة؟، منشورة في المرجع المشار إليه في الهامش رقم 43 قبله، ص.9.

            وأول ما يستوجب التنبيه، لضبط المصطلحات وتوضيح الفروق، أن العقد كمصطلح ليس فيه العادي وغير العادي: إنه عقد فيه معنى الشد (عقدة) ومعنى تعليق القسم بالمقسم عليه وهو الزواج. كما أن الميثاق ليس فيه الغليظ والرقيق: إنه الميثاق ليس فيه إلا معنى الشد. وهذا الميثاق عكس ما يعتقد أضعف من العقد لأن الميثاق إنما هو مجرد توثيق للعهد “من قولك أوثقت الشيء إذا أحكمت شده. وقال بعضهم العهد يكون من المتعاقدين والميثاق يكون من أحدهما”. أما العقد فهو “أبلغ من العهد تقول … عقدت عليه وعاقدته ألزمته باستيثاق.”: أبوهلال العسكري: الفروق اللغوية، م.س،ص.42 و43. 

[(106)] اللون الوردي ولعبة الماريلا وأواني المطبخ ودمية الباربي للصبية واللون الزرق وأية لعبة أخرى غير بناتية للصبي. ولقد سبق لأرسطو أن أوصى في تربية الأولاد: “أن يكون أكبر شطر من ألعاب الصغار محاولات تقتدي بالمهام التي تنتظرهم كبارا”: أرسطو: المرجع السابق رقم 5 في ص.412.

[(107)] إن المرض الاقتصادي لا ينحصر في الفئات الهشة، المعوزة، والمحدودة الدخل. فالفئات الميسورة بدورها تصاب أحيانا بالسيدا الاقتصادية التي تدفع إلى الجري وراء الزيادة في الإثراء المشروع وغير المشروع على حساب الأسرة التي تمطر بالمال فيكثر الإهمال ويمرح، في الغالب، الزيغ والانحلال.

[(108)] انظر في هذا الصدد: أرسطو: في السياسة، مرجع سابق، رقم 1 في ص.37 ورقم 2 في ص.38 والرقمان 1و2 في ص.11 ورقم 11 في ص.15 ورقم 21 في ص20.

[(109)] لا بل الأكثر من هذا، فإن تصفح أحكام قضاء الأسرة المغربي سمح لنا بالوقوف على حالات أشارت فيها تقارير آلية الحكمين إلى الحالة النفسية المريضة للزوجة ومع ذلك اقترحت هذه الآلية على القاضي الحكم بانحلال ميثاق الزوجية بدل اقتراح إحالة الزوجة بل الزوجين على من له الاختصاص في العلاج النفسي.

[(110)] أرسطو في السياسة، مرجع سابق، رقم 1 في ص.37.

[(111)] يلاحظ أن الفقرة الأولى من المادة 54 من المدونة تجعل هذا التكليف التربوي، كما يظهر، مشتركا بين الأب والأم. غير أن البند 7 من هذه الفقرة يوصى، حتى لا نقول يأمر، “الآباء” دون الأمهات “أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني”.

[(112)] أرسطو: م.س، رقم 6 في ص.394.

[(113)] إن الحلم من مظاهر العقل المنفتح. وما تقرر من نزول الإنسان على سطح المريخ بعد عشرين سنة، ربما، كان في بداياته مجرد حلم بالطيران لدى إغريق ما قبل الميلاد جدده ابن فرناس بعد الميلاد وليونارد دافَنشي.

[(114)] يسود الاعتقاد لدى بعض القبائل الإفريقية أنه عندما يكثر النزاع والشجار بين الأفراد المكونين للأسرة يجب، كعلاج، تقديم الطعام للموتى.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading