مقاربة إحصائية، مع التعليق على نازلة فقهية في الموضوع
د. نور الدين ادخيسي
عضو وحدة البحث والتكوين: الديموغرافيا التاريخية
بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة
ملخص
تدخل هذه المساهمة ضمن سلسلة من الدراسات والبحوث الأكاديمية الهادفة إلى الكشف عن الإشكاليات الجوهرية، التي تثيرها مجموعة من القضايا المرتبطة بالأسرة المغربية. وهي تتعلق بظاهرة شغلت العديد ممن كتبوا في النوازل الفقهية من السادة المالكية، وهي ظاهرة التطليق للغيبة. وتم تخصيص المجال الجغرافي لدراستها في منطقة “دبدو” بالجهة الشرقية لاعتبارات التخصص، والقيام بدراسة مقارنة لنازلة محلية تتعلق بظاهرة التطليق للغيبة مع بعض نوازل الفقه المالكي ومدونة الأسرة المغربية.
وقد قمت بتحليل ظاهرة التطليق للغيبة بناء على مجموعة من المقاربات، نذكر منها المقاربة الإحصائية. حيث تم فيها الاعتماد على الأرقام والإحصاء، لمعرفة تطور وتغير نسب التطليق للغيبة، مع الاستعانة بمناهج تقنية تعتمد بالدرجة الأولى على أدوات التعليل الديموغرافي. كما تم التعامل مع الموضوع انطلاقا من منظور ديموغرافي رصدت من خلاله أهم التطورات والتغيرات الديموغرافية بالمنطقة، دون أن ننسى انعكاسات الظواهر والأزمات الديموغرافية على بعض القضايا الأسرية، من بينها ظاهرة التطليق للغيبة، ثم تحليل هذه الظاهرة بناء على رؤية فقهية وقانونية وذلك بتأصيلها، ومقارنتها مع الاجتهاد القضائي المحلي والتشريع القانوني، لمعرفة ثغرات التطليق للغيبة سواء بالنسبة للقاعدة القانونية والفقهية، أم على مستوى الأحكام القضائية، في إطار دراسة مقارنة بين الاجتهاد القضائي المحلي ومدونة الأسرة الجديدة.
ومن بين أهم الخلاصات التي تم استنتاجها من هذه المساهمة يمكن أن نذكر ما يأتي:
أولا: وجود تفاعل وعلاقة جدلية بين نسبة التطليق للغيبة والأزمات الديموغرافية بمنطقة دبدو، إذ تبين لنا من خلال الاطلاع على مجموعة من رسوم الطلاق المضمنة في السجلات العدلية بمحكمة دبدو إبان فترة الحماية، أن معدلات التطليق للغيبة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال فترات المجاعات بالمنطقة، خاصة في الفترة الممتدة من سنة 1944 إلى سنة 1947. ونشير هنا إلى أن مسألة غياب الأزواج كانت تفرضها مجموعة من الأسباب في مقدمتها المجاعات، والبحث عن القوت.
ثانيا: ساهمت عوامل أخرى في تزايد نسب التطليق للغيبة، منها: ارتفاع معدلات الهجرة من المنطقة في اتجاه مناطق أخرى، سواء داخل المغرب أو خارجه، إما بدافع البحث عن القوت، أو خوفا وهربا من الأزمات الديموغرافية المخيفة كالأمراض والمجاعات.
ثالثا: إن تأثير الهجرات والتحركات السكانية على العلاقات الأسرية بالمنطقة عبر التاريخ، لم يقتصر على ظاهرة التطليق للغيبة فقط. بل ساهم أيضا في بروز نقاش فقهي حول قضايا أسرية أخرى، كاستحقاق الحضانة. (نازلة الونشريسي نموذجا في المعيار).
رابعا: اقتصر الاجتهاد القضائي المحلي على إعطاء مهلة للزوجة التي غاب عنها زوجها غيبة انقطاع، للحسم في اختيارها بين البقاء في عصمة زوجها وبين التطليق للغيبة، دون اللجوء لإعطاء أمر بالقيام بإجراءات البحث عن الزوج الغائب، في اختلاف واضح وصريح مع المادة 104 من مدونة الأسرة، التي نصت على ضرورة تبليغ الزوج في العنوان المعروف مقال الدعوى للجواب عنه، مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة، ستحكم المحكمة بالتطليق إذا لم يحضر للإقامة مع زوجته أولم ينقلها إليه.
خامسا: سايرت النوازل المحلية لمنطقة دبدو، العديد من الآراء الفقهية المالكية، ومدونة الأسرة في تحديد مدة غيبة الزوج، لاتخاذ القاضي قرار التطليق للغيبة. حيث حددت فترة الغياب في سنة واحدة كأقصى مدة للغيبة.
سادسا: تطابق فصول نازلة التطليق للغيبة على المستوى المحلى، مع مصادر الفقه المالكي في تناولها لمسألة عدة المطلقة تطليقا للغيبة. والله ولي التوفيق.
مقدمة:
يعد البحث في قضايا الأسرة من العناصر المهمة داخل حقل الدراسات الديموغرافية، نظرا للأهمية التي تكتسبها الأسرة في المجتمع، على اعتبار أنها وحدة تشكل نواته الأساسية، وهي القاعدة الأساسية التي ينبني عليها، فإذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله.
وقد فرضت علينا طبيعة البحث في موضوع الأسرة بمجال منطقة دبدو([1]) إثارة موضوع في غاية الأهمية، وهو موضوع التطليق للغيبة، باعتباره صورة من صور الفرقة الزوجية التي عرفتها المنطقة.وسنقوم بتحليله بناء على ثلاث مقاربات هي:
المقاربة الإحصائية: نعتمد فيها على الأرقام والإحصاء، لمعرفة تطور وتغير نسب التطليق للغيبة، مع الاستعانة بمناهج تقنية تعتمد بالدرجة الأولى على أدوات التحليل الديموغرافي: les instruments des analyses Démographiques.
المقاربة الديموغوافية: نرصد من خلالها أهم التطورات والتغيرات الديموغرافية بالمنطقة، مع دراسة انعكاسات الظواهر والأزمات الديموغرافية على بعض القضايا الأسرية ومن بينها، ظاهرة التطليق للغيبة.
المقاربة الفقهية والقانونية: وتمكننا من تأصيل الظاهرة، ومقارنتها وفق الاجتهاد القضائي والتشريع القانوني، لمعرفة ثغرات التطليق للغيبة سواء بالنسبة للقاعدة القانونية والفقهية، أم على مستوى الأحكام القضائية، في إطار دراسة مقارنة بين الاجتهاد القضائي المحلي ومدونة الأسرة الجديدة.
وقبل أن نبسط المعطيات المرتبطة بالإحصائيات المتعلقة بالتطليق للغيبة بمنطقة دبدو خلال فترة الحماية، يجدر بنا أن نقف وقفة عند التفاعل الذي حصل بين التطليق للغيبة والأزمات الديموغرافية، خاصة المجاعات عبر تاريخ المغرب، فقد كان لها آثارها على تفكك الأسرة. وحظيت باهتمام كتب النوازل الفقهية بالمغرب. جاء في نوازل العلمي مثلا: “فقد سئل سيدي أبو القاسم بن خجو عن رجل من ضعفاء البادية غاب عن وطنه وعن القبائل التي جاورتها في زمن المسغبة وترك زوجته، هل تفتقر إلى الطلاق من حاكم؟ فأجاب: إن للمرأة المذكورة أن تتزوج من غير افتقار إلى الطلاق، لأن الغائب في زمن الطاعون محمول على الموت.وكذا من غاب من ضعفاء البادية في زمن المسغبة. نص على ذلك الإمام أبو الحسن اللخمي في تبصرته وغيره. وبذلك وقعت الفتوى من الأمام مالك في قضية السعال المعهودة عند الفقهاء”([2]).
تجيب هذه المساهمة عن بعض الإشكاليات الجوهرية الجديرة بالاهتمام، نجملها في مدى تأثير بعض الظواهر والأزمات الديموغرافية بمنطقة دبدو على العلاقات الأسرية، خاصة نسبة التطليق للغيبة، ثم الوقوف عند مدى انسجام المقتضيات الواردة في مدونة الأسرة المغربية المتعلقة بظاهرة التطليق للغيبة، مع بعض مصادر الفقه المالكي المغربي، كمدة غيبة الزوج وعدة المطلقة. وعليه سنقسم هذه المساهمة إلى محورين: نتناول في المحور الأول الجانب الإحصائي لظاهرة التطليق للغيبة بمنطقة دبدو، حق يتسنى تشخيصها بشكل محدد، مع استحضار الدراسة المقارنة للتطليق للغيبة بمنطقة دبدو خلال الحماية، بين الاجتهاد القضائي ومدونة الأسرة الجديدة، انطلاقا من التعليق على نازلة فقهية حول التطليق للغيبة في المحور الثاني من المساهمة.
أولا: مقاربة إحصائية للتطليق للغيبة بمنطقة دبدو:
1. تحديد المصطلح:
التطليق للغيبة مصطلح مركب من كلمتين: الكلمة الأولى التطليق، وهو فصم رابطة الزوجية وإنهاؤها بحكم قضائي، وكذا رفع قيد النكاح في الحال، أو في المآل المخصص له، سواء كان هذا اللفظ المخصص منطوقا أم مكتوبا أم مشارا به. ([3]) أما الكلمة الثانية وهي الغيبة، التي قد تكون سببا لانحلال العلاقة الزوجية. ويقصد بها الفقهاء انتقال الزوج بدون زوجته إلى موطن آخر غير الموطن الذي كان فيه بيت الزوجية([4]).
وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فذهب الحنفية والشافعية إلى أن الغيبة لا تكون سببا للتفريق بين الرجل وزوجته وإن طالت، لانعدام ما يمكن أن يبز عليه التفريق بينهما. وذهب مالك وأحمد إلى أنه يفرق بينهما لتضرر الزوجة من غياب الزوج، ولو ترك لها ما تحتاج إليه من نفقة مدة غيابه. واستدلوا بقوله عز وجل: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)([5]). وقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)([6]). وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”([7]).
وأيضا اختلف الفقهاء في الطبيعة القانونية للتطليق للغيبة؛ فالماكية رأوا أن الفرقة بسبب غياب الزوج طلاق بائن، لأن الضرر لا يرفع بالطلاق الرجعي، وقيل إنها طلاق رجعي، ويرى الحنابلة أنها فسخ وليست طلاقا([8]).
2. ظاهرة التطليق للغيبة في فترة الحماية:
لاحظنا من خلال الاطلاع على مجموعة من رسوم الطلاق المضمنة في السجلات العدلية بمحكمة دبدو خلال فترة الحماية أن ظاهرة التطليق للغيبة تثير فضول كل باحث يريد معرفة أهمية المتغيرات الديموغرافية بالمنطقة، ورأي الاجتهاد الفقهي فيها؛ فالأرقام التي سندرجها تبين لنا أن نسب التطليق للغيبة بمجال منطقة دبدو، كانت تتغير من سنة لأخرى، تبعا لمجموعة من الظروف لها علاقة بالدرجة الأولى ببعض الظواهر والأزمات الديموغرافية التي اجتاحت المنطقة. وقد اقتصرنا في هذه الدراسة على الإحصائيات الرسمية المدرجة في السجلات العدلية، لأن العديد من رسوم الطلاق خلال فترة الحماية غير مسجلة بمحكمة دبدو. ويبين الجدول الآتي إحصائيات تهم ظاهرة التطليق للغيبة بمنطقة دبدو:
إحصائيات تتعلق بالتطليق للغيبة خلال فترة الحماية بدبدو حسب السنوات أسفله: ([9])
| السنوات | إحصائية حول التطليق للغيبة |
| 1944 | 3 |
| 1945 | 6 |
| 1946 | 9 |
| 1947 | 11 |
| 1948 | 6 |
| 1949- | 7 |
| 1950 | 3 |
| 1951 | 4 |
| 1952 | 3 |
| 1953 | 4 |
| 1954 | 2 |
| 1955 | 5 |
| المجموع | 63 |
رسم بياني يبين تغير نسبة التطليق للغيبة خلال فترة الحماية بمنطقة دبدو
لتحديد معدل الطلاق بصفة عامة بمجال منطقة دبدو، نعتمد على القاعدة الآتية: ([10])
فعلى سبيل المثال: إذا كان مجموع الساكنة بمنطقة دبدو خلال إحصاء 1947 هو: 8883 نسمة([11]) ومجموع حالات التطليق للغيبة بالمنطقة خلال نفس السنة هو 11 حالة، فإن معدل التطليق للغيبة لسنة 1947 سيكون هو 0.12%، وذلك تبعا للمعادلة الآتية:
بناء على المعطيات الإحصائية السابقة، يتبين لنا أن نسبة التطليق للغيبة ارتفعت بشكل واضح خلال الفقرة الممتدة من سنة 1944 إلى سنة 1947. ونشير هنا إلى أن مسألة غياب الأزواج كانت تفرضها مجموعة من الأسباب، في مقدمتها المجاعات والبحث عن القوت. وهذا مرتبط بالدرجة الأولى بفرار الأزواج من هول المجاعة([12]). ومما يوضح هذا رسالة وجرما قاضي دبدو إلى المراقب المدني لنفس المدينة، فيها إشارة تفيد أن الرجل خلال المجاعات كان يسلم في أولاده ويتخلى عنهم. ومما ورد فيها: “سعادة المعظم الأنفع سيدي الحاكم المدني رئيس ملحقة دبدو، بعد منزل السلام والسؤال عنك محبة دائمة… وبعد فليكون في كريم علمك، أن (فلانا بن فلان) فرقة الزوى اشتكى، على زوجته (فلانة بنت فلان) أصلها من بني فشات من عرش الشيخ امبارك بن الحبيب الدحماني في وقت البون،([13]) الذي كان الرجل يسلم في أولاده، وخسر عليها خمسة عشرة مائة دورو([14])، وهربت وامتنعت مني ولم تبق علها حرمة الشرف وقد أخبرتك بها… ([15]).
وساهمت عوامل أخرى في رأينا في تزايد نسب التطليق للغيبة، منها: ارتفاع معدلات الهجرة من المنطقة صوب مناطق أخرى، سواء داخل المغرب أو في اتجاه الجزائر، حيث تعددت وتنوعت أشكال هجرة ساكنة المنطقة نحو المراكز الحضرية لغير عامل المجاعة. وتذكر لنا التقارير الكولونيالية الشهرية تحرك أفواج مهمة من ساكنة المنطقة في اتجاه المناطق المجاورة بناء على تراخيص فردية خاصة([16])، فبني كيل([17]) كانوا يتحركون إلى حدود مداخل دبدو بحوالي 12 إلى 1500 خيمة لبيع الزبدة والصوف والماشية،([18]) دون أن ننسى أيضا الهجرة في اتجاه الجزائر في مواسم جني العنب والحصاد بتموشنت([19])، فالمواطن الجزائري رفض العمل في مزارع وحقول انتزعت منه بالقوة من طرف المعمرين الفرنسيين، وفضل العيش بما يذره عليه الرعي من دخل هزيل. هذا الرفض هو الذي جعل الأوراش الفرنسية تشكو من النقص الكبير في اليد العاملة ومن ثم كان من اللازم البحث عنها لملء الفراغ، فكان الاعتماد أول الأمر على الإسبان، ثم فيما بعد على المهاجرين القادمين من المغرب الشرقي بصفة عامة([20]).
علما أن هذه الهجرات اقتصرت في الغالب على الذكور، ويقدم لنا Michel Lecomte، إحصائيات مفصلة حول هجرات لفراونة وامرصان([21])، خلال الفترة الممتدة من منتصف الأربعينات إلى حدود سنة 1952.
هجرات لفراونة وامرصان بين 1945 وسنة 1952([22])
| المدينة | قطاع المناجم | مياوم | عمال | بنائين | تجار | موظفون | جنود | قطاعات أخرى | المجموع | |
إن الإحصائيات المتعلقة بالهجرة في هذا الموضوع، تمت إثارتها في هذه المساهمة، لنبين أن الهجرات كانت من بين العوامل المباشرة، التي أدت إلى ارتفاع ظاهرة التطليق للغيبة؛ فالهجرة بمنطقة دبدو كما سبقت الإشارة إلى ذلك، كانت إما بدافع البحث عن القوت، أو خوفا وهربا من الأزمات الديموغرافية المخيفة كالأمراض والمجاعات، خاصة وأن الفترة الزمنية المتعلقة بنسب التطليق للغيبة التي أدرجناها، تتزامن مع نفس فترات هجرات أهل لفراونة وامرصان، المدرجة في دراسة Michel Lecomte.
وساهم الفقر بالمنطقة في عجز المطلق عن أداء الرسوم المتعلقة بالتطليق، فلجأ الكثير منهم إلى تطليق زوجاتهم دون احترام المساطر المعمول بها لدى المحاكم في تلك الفترة. ومما يفيد هذا رسالة بعث بها قاضي دبدو إلى المراقب المدني لنفس المدينة يقول فيها: “سعادة المراقب المدني بدبدو تحية وسلاما وبعد، فقد كتب لنا قاضي بركنت([23])الفقيه القاضي السيد علال بن محمد بأنه حضرت عنده امرأة تسمى (فلانة) من قبيلة الزوى([24])، وذكرت له أنها كانت متزوجة برجل يقال له (فلان) وطلقها هذه مدة ثلاثة أعوام خارج المحكمة([25])، غير أن المطلق المذكور لم يؤد أجرة هذا الاعتراف، وبناء عليه فالمرجو منك أن تلزمه بأداء أجرة هذا الاعتراف المذكور، ويأخذ توصيلا من القابض بالقدر المذكور، ومعاقبته حيث إنه لم يطلقها على يد المحكمة الشرعية”([26]).
إن تأثير الهجرات والتحركات السكانية على العلاقات الأسرية بالمنطقة عبر التاريخ، لم يقتصر على التطليق للغيبة فقط، بل ساهم أيضا في بروز نقاش فقهي حول قضايا أسرية أخرى، كاستحقاق الحضانة، حيث نجد في معيار الونشريسي مثلا إشارة مهمة إلى مسألة إمكانية إسناد حضانة الأطفال لأبيهم الأرمل المستوطن بجبل دبدو، كان يتعاطى للانتجاع، بين دبدو وتازة. وذلك في قوله: “فقد سئل إبراهيم اليزناسني عن رجل كان مستوطنا بجبل دبدو وقدم منه إلى تازة وتزوج بها امرأة وبقي ساكنا معها، ثم توفيت وتركت أولادا صغارا منه وتركت أمها فأخذت أمها المذكورة الأولاد المذكورين بالحضانة، فأراد أبوهم الرجوع إلى جبل دبدو والانتجاع بالأولاد المذكورين ولا يكلف الاستيطان بالجبل المذكور لكونه رجع إلى قراره وموضع استيطانه لأول ويقال للحاضنة المذكورة اتبعي أحفادك إن شئت أو دعيهم؛ أو لا يمكن من الانتجاع بالأولاد المذكورين؟ حتى يثبت الاستيطان بالجبل المذكور وكم حد الاستيطان إذا قلتم لا بد منه؟([27]).
وظهرت مشاكل خطيرة على مستوى العلاقات الأسرية نتيجة غياب الأزواج عن زوجاتهم تجاوزت في حجمها ظاهرة التطليق للغيبة، ومن بينها ادعاء أحد الأزواج على سبيل المثال أن الحمل الذي ظهر بزوجته ليس من صلبه، كما هو الشأن في نازلة فقهية لدى قاض دبدو التي فيها: “ادعى فلان أن زوجته فلانة ولدت معه أولادا كثيرين، وقد فارقته منذ عشرة أشهر وتركته يخدم بمعدن جرادة على مسافة نحو مائتي كيلومتر، ولما جاء الآن وجدها حاملا زاعما أن الحمل ليس منه بل من زنى. وأجابت المرأة المذكورة بأن الحمل حمله راقدا، وقد أفاق الآن. ولا تدري كم له من الشهور”([28]).
ثانيا: دراسة مقارنة للتطليق للغيبة بمنطقة دبدو خلال فترة الحماية بين الاجتهاد القضائي ومدونة الأسرة الجديدة:
تفيدنا الدراسات المقارنة بين الاجتهاد القضائي والنصوص القانونية كثيرا في الوقوف عند أهم الثغرات التي تميز القاعدة القانونية، وتقييم مدى ملاءمة القاضي للأحكام القضائية مع النص القانوني. وسنقوم في هذا المحور بالتعليق على نازلة فقهية حول التطليق للغيبة بمنطقة دبدو سنة 1947 ومقارنتها مع مقتضيات مدونة الأسرة في هذه المسألة.
نص النازلة للتطليق للغيبة:
”الحمد لله لما ادعت (فلانة) من إيالة القايد حدين بن غمريش على زوجها (فلان)، عن طريق (فلان)، كما هو مبين بمقالها عدد 167، من كونه غاب عنها مدة من سنتين سلف من تاريخه، غيبة اتصال وانقطاع، بحيث لا يعلم له قرار ولم يعط لها نفقة ولا كسوة، ولا ما تمون به نفسها ولا بعث لها بشيء فرملها، ولا أذنت له بالغيبة ولا أسقطت نفقها عليه إلى أواخر مقالها المشار إليه، فحكم الشرع المطاع على المرأة المذكورة بإثبات ما ادعته من الفصول المشيرة بمقالها، حسبما ما ضمنته المرافعة عدد 180 صحيفة، يشهد لها بطبق دعواها، وضرب الشرع المطاع لها أجلا مبلغه شهر للتربص والانتظار لقدوم الزوج، ولما انصرم الأجل خيرت بين التربص والانتظار لقدوم زوجها والطلاق وقدره شهرا واحدا، حسبما برسم الأجل عدد 110 صحيفة 42، وانتهى لأجل المذكور وحضرت بعده الزوجة المذكورة، وذكرت أنها تضررت فيما ذكر من عدم النفقة، وسئل من الفقيه العلامة الأفضل قاضي محكمة تاوريرت ودبدو، وهو عبد ربه الأخضر بن المأمون قدره الله وحرس ولايته، للنظر لها في أمرها، فاقتضى نظره السديد الموفق الرشيد ومعه وإحلافها على جميع ما تقول بمحضر شهيديه أمنهما الله يمنه يمينا مستوفيا، بحيث يجب وكيف يجب وبنص ما يجب، قالت فيه بالله أن لا إله إلا هو، لقد غاب عني الغيبة المشهود بها، ولا بعث لها بشيء من نفقتها، ولا أذنت له في الغيبة، وهي تشير إلى فصول الوثيقة وتتبعها حرفا حرفا، وفصلا فصلا، حتى أتت على جميعها، ولما تم حليفها وكمل خيرت بين التربص والانتظار لقدوم زوجها المذكور، أو الطلاق، فاختارت الطلاق، فأذن لما فيه فطلقت نفسها واحدة رجعة بعد غيابه بها، يملك رجعتها إن قدم موسرا في عودتها، وأمرها بالاعتداد مع إرجاء الحجة للغايب متى قدم، قال في التحفة: ([29]) وزوجة الغائب حيث أمات لزوجها شهر أجلت وبانقضاء لأجل الطلاق مع يمينها وباحتياجها يقع. شهد بجميع ما تضمنه هذا العقد وحضر اليمين الشهود واستوعبوها من الحالفة المذكورة، ويعرف الإذن فيها وفي الطلاق من القاضي المذكور وأشهدته الحالفة المذكورة بما فيه غيبا وهو بأصله عارفة قدره، وعرفها قيد شهادته منه. .. يوم لأربعاء 13 شعبان 1366هـ الموافق 2 يوليو 1947″([30]).
إذن، بعد سرد فصول هذه النازلة، سنبدي بعض الملحوظات المهمة وهي كالآتي:
الملحوظة الأولى: المهلة الممنوحة للزوجة من لدن القاضي هي الخيار لانتظار ظهور زوجها، أو تطليقها طلاقا غيابيا: فالقاضي من خلال هذه النازلة، منح أجل شهر للزوجة لإثبات الغيبة وللحسم في أمر قرارها في التطليق، واستند في ذلك إلى ما جاء في تحفة ابن عاصم: “وزوجة الغائب حيث أمات لزوجها شهر أجلت”، لكن يتبين من خلال النازلة أنه مع انقضاء الأجل لا يمكن للقاضي أن يطلقها غيابيا دون أداء الزوجة اليمين، لإثبات أن زوجها غاب عنها غيبة انقطاع، ولا أذنت له بالغيبة، ولا ترك لها نفقة. وعلل القاضي ضرورة أداء الزوجة لليمين، بما ورد عند ابن عاصم في تحفته: “وبانقضاء الأجل الطلاق مع يمينها وباحتياجها يقع”.
لكن مدونة الأسرة الجديدة لم تعط مهلة للزوجة للخيار بين انتظار زوجها أو تطليقها منه للغيبة، كما هو الشأن في بعض مصادر الفقه المالكي، بل اقتصرت على إلزامية القيام بإجراءات تبليغ الزوج بدعوى زوجته للبت في غيابه، دون تحديد أجل صريح ومحدد يفصل بين دعوى الزوجة المتضررة وإثبات غياب الزوج، وهو عكس ما ذهبت إليه المادة 13 من قانون الأحوال الشخصية المصري([31]) رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985، التي أكدت أنه إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب، أعطى له القاضي أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا، فرق القاضي بين الزوج والزوجة بطلقة بائنة. وإذا لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا عذر، أو ضرب له أجلا للحسم في الموضوع. وقد كان هذا معمولا به وفق مدونة الأحوال الشخصية المغربية لسنة 1957 حيث نصت في الفقرة الثانية من المادة 57 على أنه في حالة إمكانية وصول الرسائل إلى الغائب، ضرب له القاصي أجلا وأعذر إليه بأنه سيطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها.
وأيضا لم تفصل مدونة الأسرة الجديدة فيما تؤدي اليمين كما جاء في النازلة؛ هل لإثبات أن زوجها غاب عنها غيبة انقطاع وأنها لم تأذن له بالغيبة، أو لأنه لم يترك لها نفقة. وإن النازلة المذكورة ورد فيها هذا التفصيل، وفيما أن القاضي طلب من الزوجة أداء اليمين لإثبات ما تدعيه على زوجها.
ويبدو أن القاضي في هذه النازلة اقتصر على إعطاء مهلة للزوجة، للحسم في قرارها، دون اللجوء لإعطاء أمر بالقيام بإجراءات البحث عن الغائب. وهذه الإشكالية تناولتها المادة 104 من مدونة الأسرة، فنصت على ضرورة تبليغ الزوج في العنوان المعروف مقال الدعوى للجواب عنه، مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة، ستحكم المحكمة بالتطليق إذا لم يحضر للإقامة مع زوجته أو لم ينقلها إليه. وبذلك تكون مدونة الأسرة الجديدة قد انسجمت في هذه المسألة مع بعض آراء فقهاء المذهب المالكي، وفي مقدمتهم ابن رشد عند حديثه عن المفقود في بلاد المسلمين فذكر أن “الحكم فيه إذا رفعت المرأة أمرها إلى الإمام أن يكلفها بإثبات الزوجية والغيبة، فإذا أثبتت ذلك كتب إلى والي البلد الذي يظن أنه فيه أو إلى البلد الجامع بحثا عنه، ويعرفه في كتابه إليه باسمه ونسبه وصفته ومتجره، ويكتب هو بذلك إلى نواحي بلده. فإذا ورد على الإمام جواب كتابه بأنه لم يعلم له خبر، ولا وجد له أثر، ضرب لامرأته أجل أربعة أعوام إن كان حرا، أو عامين إن كان عبدا، وينفق عليها من ماله. وفي مختصر ابن عبد الحكم يضرب (أي الأجل) من يوم الرفع”([32]).
والملحوظة الثانية حول مدة الغيبة وعدة المطلقة فقد سايرت نازلة التطليق للغيبة في تحديد مدة غيبة الزوج، العديد من الآراء الفقهية المالكية، التي حددت فترة الغياب في سنة واحدة كأقصى مدة للغيبة، وهي نفس المدة التي تبنتها مدونة الأسرة الجديدة، ومدونة الأحوال الشخصية([33]) لسنة 1957. وكذلك قانون الأسرة الجزائري([34]) لسنة 1984 في المادة 53 منه. ونشير إلى أن هناك شبه إجماع بين فقهاء المالكية حول تحديد مدة سنة كاملة، للبت في مسطرة التطليق للغيبة. جاء في معيار الونشريسي قوله: “سئل الفقيه ابن رشد عن نساء فقدن أزواجهن كم يضرب لهن من الآجل؟ وكيف إن طلقت امرأة منهن بشرط في المغيب كم تعتد؟ وإن كان في شرطها بعد أن تحلف فطلقت نفسها في موضع لا حاكم فيه وتزوجت دون أن تحلف؟ فأجاب: الذي أراه (أي ابن رشد) في ذلك وأعتقد مما قيل فيه أن يلزم لامرأة من يوم ترفع أمرها سنة كاملة، يبحث فيها عن أمره، فإن لم يوقع له خبرا اعتدت امرأته وتزوجت إن شاءت، وقسم ماله بين ورثته، وإن كان لها شرط في المغيب فأخذ شرطها، وطلقت نفسها بعد ذلك من فعلها، وإن لم يكن في البلد حاكم، وعدتها ثلاثة أقراء إن كانت من أهل الحيض أو ثلاثة أشهر إن كانت يائسة من الحيض وبالله التوفيق. ([35])
وتتطابق فصول نازلة التطليق للغيبة كذلك مع مصادر الفقه المالك فيتناولها لمسألة عدة المطلقة تطليقا للغيبة، وإن كانت لم تميز بين عدة الحائض واليائسة، كما ذهب إلى ذلك الونشريسي في معياره. وأيضا انسجمت مدونة الأسرة الجديدة مع فتوى الفقيه ابن رشد التي أوردها الونشريسي في موضوع عدة المطلقة بناء على التطليق للغيبة. وهو ما تنص عليه المادة 136 من المدونة التي تقول: “تعتد غير الحامل بما يلي: ثلاثة أطهار كاملة لذوات الحيض، ثلاثة أشهر لمن لم تحض أصلا، أو التي يئست من المحيض فإن حاضت قبل انقضائها استأنفت العدة بثلاثة أطهار. وتتربص متأخرة الحيض أو التي لم تميزه من غيره، تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أطهار”.
بناء على ما سبق، يتضح لنا أن الأزمات الديموغرافية التي اجتاحت المنطقة كان لها تأثير واضح على العلاقات الأسرية بالمنطقة، وفي مقدمتها انحلال رابطة الزواج بناء على التطليق للغيبة، فقد شكلت المجاعات شبحا مخيفا، ظل يطارد ساكنة المنطقة، وساهمت بشكل مباشر في تفكك الأسر بالمنطقة، وانعكست الهجرات على ضمان استمرارية العلاقات الزوجية، نتيجة وجود علاقة جدلية بين الهجرة وظاهرة التطليق للغيبة. وشارك الفقهاء في معالجة هذه الآثار التي خلفتها الظاهرة، وعانت منها النساء خاصة.
وإن الاجتهاد القضائي تعامل مع نوازل التطليق للغيبة بنوع من الحزم، وقد ارتبط في أحكامه بالفتاوى في المذهب المالكي، سواء تعلق الأمر بمدة الغيبة، أم بعدة المطلقة بسبب غياب زوجها، وإن وجدت فروق طفيفة، فيما يتعلق بإثبات الغيبة، وإجراءات التحري عن الزوج الغائب.
لائحة المصادر والمراجع:
-1- لائحة المصادر والمراجع باللغة العربية:
- القرآن الكريم
- أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي توفي سنة 914هـ:
- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب، أخرجه جماعة من الفقهاء تحت إشراف محمد حجي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1401هـ/1981:
- أبو الوليد محمد بن احمد بن رشد القرطبي توفي سنة 520هـ:
- المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، تحقيق محمد حجي. دار الغرب الإسلامي، بيروت 1408/1988:
- الحسن الوزان:
- وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي والأخضر غزال، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983:
- العلمي عيسى بن علي الحسني توفى 1120هـ/1715م:
- النوازل، تحقيق المجلس العلمي بفاس، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1406/1986.
- السيوطي جلال الدين عبد الرحمان، توفي سنة 849هـ:
- تنوير الحوالك شرح موطإ مالك، دار الكتب العلمية، بيروت:
- عبد الكريم شهبون:
- شرح مدونة الأحوال الشخصية المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط 3. 1421/2000.
– جمعة محمد بشير:
- الأحوال الشخصية. الزواج والطلاق وآثارهما في القانون وفق أحكام الشريعة الإسلامية، منشورات المكتبة الجامعة، الزاوية، بنغازي:
- علاء الزروالي:
- التحولات الريفية والتمدن بالريف الشرقي، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، 2001:
- أحمد فراج:
- أحكام الأسرة في الإسلام، الطلاق وحقوق الأولاد ونفقة الأقارب، دار الجامعة الجديدة للنشر والتوزيع، 1997:
- محمد الشماع:
- المفيد من الأبحاث في أحكام الزواج والطلاق والميراث، دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى 1416هـ:
-2- لائحة المصادر والمراجع باللغة الأجنبية:
– L. Voinot:
– Oujda et l’Amalat, B.Sc. de GEO. D’arch, D’Oran 1912, Bibliothèque Nationale Rabat, Cote: J80/9
– Michel Le Comte:
Etude des tribus de la region de Debdou, Mémoire présente pour l’administration au cours des Hautes Etudes Administration Marocaines, Février 1953, Bibliothèque Nationale Rabat cote n°: E 3195/2132,
– Lieutenant de Mondésir:
20- Le Nord Est marocain, Bulletin de la société géographie d’Alger A10 1905 Bibliothèque Nationale de France ;
– Roland pressât
– Démographiesociale, imprimerie en France, à Vendôme 1978.
3- الوثائق المحلية:
- نازلة في طلاق غيابي بتاريخ 2 يوليو 1947، محكمة دبدو:
- نازلة في مسألة لعان بين امرأة ورجل، بتاريخ 8 أكتوبر 1941 محكمة دبدو:
- رسالة من قاضي محكمة دبدو إل المراقب المدني بتاريخ 8 رجب 1369/3 ماي 1950، أرشيف ملحقة دبدو:
- وثيقة رفع يد خاطب على خطيبته 16 ربيع الثاني 1360هـ/19 ماي 1941، سجل عدلي 1941، محكمة دبدو:
-4- الأرشيف المحلي:
- كناش الأحكام (ع. 3) أرمشيف مركز القاضي المقيم بدبدو:
-5- أرشيف المكتبة الوطنية بالرباط:
– Dénombrement général de la population de la zone Française de l’Empire chérifien 11°: l Mars 1947;
– Rapport Mensuel d’ensemble du Protectorat et situation politique et Militaire du Maroc Occidental et du, Oriental, Mois Janvier 1914 et 1920, Bibliothèque Nationale Rabat
- جريدة السعادة، عدد 6325، بتاريخ 30 يناير 1945 المكتبة الوطنية الرباط.
-6- النصوص القانونية:
- مدونة الأسرة المغربية لسنة 2004.
- مدونة الأحوال الشخصية المغربية لسنة 1957:
قانون الأحوال الشخصية المصري رقم 25 لسنة 1920 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985:
- قانون الأحوال الشخصية الجزائري 84-11 بتاريخ 9 رمضان 1409 الموافق 09 يونيو 1984، المتضمن قانون الأسرة:
[1]تتبع حاليا مدينة دبدو لعمالة إقليم تاوريرت، وتجمع معظم الفرضيات إلى أن دلالة اسم دبدو لها دلالة أمازيغية، وفي الغالب تكون اشتقت من كلمة “دبدوب”، وهي تعنى المحقن إذ أن الذي يتمعن في الشكل الطبوغرافي للمدينة من أعلى نقطة مرتفعة بها، يلاحظ شكلا مقعرا يشبه المحقن، تحيط به الجبال من كل الجهات ومنفتحا طولا على واجهة واحدة في اتجاه مدينة تاوريرت، وهذا الاحتمال يمكن تعزيزه بفرضيتين مهمتين: الأولى. يشير إليها الحسن الوزان في وصف إفريقيا، حينما قال: “…المدينة يسكنها فرع من زناتة…”، و نحن نعلم أن زناتة تعد من أكبر العصبيات الأمازيغية التي كان لها دورها السياسي في تاريخ المغرب الوسيط، أما الثانية: تواجد عدة أماكن بالمنطقة تأخذ أسماء أمازيغية كمزوغ، وتمزلفوتافرنت، المرجو الاطلاع على الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ج 1، ترجمة محمد حجي والأخضر غزال، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983، ص 351. وللمزيد من التفصيل أيضا حول تحديد موقع المنطقة، المرجو الرجوع إلى أطروحتنا لنيل الدكتوراه في التاريخ تحت عنوان مقاربة ديموغرافية تاريخية لبوادي منطقة تاوريرت دبدو خلال النصف الأول من القرن 20، تمت مناقشتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة برسم السنة 2010 – 2011.
[2]العلمي، النوازل، تحقيق المجلس العلمي بفاس، 1403/1983. ج 1، ص 314.
[3]أحمد فراج، أحكام الأسرة في الإسلام، الطلاق وحقوق الأولاد ونفقة الأقارب، دار الجامعة الجديدة للنشر والتوزيع، 1997، ص 17.
[4]محمد الشماع، المفيد من الأبحاث في أحكام الزواج والطلاق والميراث، دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى 1416هـ، ص 147.
[5]سورة الطلاق، الآية 2.
[6]سورة البقرة الآية 230.
[7]سنن ابن ماجة: كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. ومسند أحمد: رقم الحديث 2719.
[8]لمزيد من التعمق في الموضوع المرجو العودة إلى السيوطي جلال الدين عبد الرحمان، تنوير الحوالك شرح موطإ مالك، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 203، وعبد الكريم شهبون، شرح مدونة الأحوال الشخصية المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط 3، 1421/2000، ج 1، ص 216، وجمعة محمد بشير، الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق وآثارهما في القانون وفق أحكام الشريعة الإسلامية، منشورات المكتبة الجامعة، الزاوية، بنغازي، ص 275.
[9] كناش الأحكام (ع.3) أرشيف مركز القاضي المقيم بدبدو.
[10]Roland pressât, Démographiesociale, imprimerie en France, à Vendôme 1978, p 178.
[11]Dénombrement général de la population de la zone Française de l’Empire chérifien n°: 1Mars1947.
[12]إن أخطر مجاعة عرفها القرن 20 هي مجاعة 1945، وقد ابتدأ هول هذه المجاعة عندما أعلنت إدارة الشؤون الاقتصادية أن القدر المحصل من صابة 1943 – 1944 لا يأمله الجميع، فقد توالى على البلاد جفاف جاء في غير إبانه، كما أن الأمطار هطلت في وقت جد متأخر فتغيرت حالة الفلاحة، وحدث نقص عظيم في صابة الحبوب الأولية والثانوية والقطنية، ولهذا فشراء الحبوب بعد الحجز العام المقرر في فصل الربيع، لم يأت بالكمية المنتظرة منه لأن الصابة كانت أقل بكثير من جميع الصابات المعتادة وكان من المتعين أن يتم ترك الحد الضروري من الحبوب رهن إشارة سكان البامية ليجدوا ما يأكلون وما يزرعون، كما أن الكميات المدخرة لتموين سكان المدن لا تضمن ذلك إلى حين جمع محصول الصابة المقبلة، المرجو العودة إلى جريدة السعادة، عدد 6325، بتاريخ 30 يناير 1945 المكتبة الوطنية الرباط، ص 2.
[13]عام البون هو عام المجاعة الكبرى لسنة 1945.
[14]الدورو يساوي خمس فرنكات، لمعرفة العملات الساندة بمنطقة وجدة، المرجو الرجوع إلى Voinot, Oujda et l’Amalat,B.Sc. de GEO. D’arch. D’Oran 1912, Bibliothèque Nationale Rabat p,138
[15]رسالة من قاضي محكمة دبدو إلى المراقب المدني بتاريخ 8 رجب 1369/3 ماي 1950، أرشيف ملحقة دبدو
[16]نذكر هنا تحرك أولاد زروق وأولاد عثمان في اتجاه مدينة تاوريرت، بناء على تراخيص فردية كانت تسلم من سلطات الحماية، حتى يتسنى لها ضبط تنقلاتهم لأنهم شكلوا خطرا على الفرنسيين بفعل مقاومتهم ورفض الوجود الفرنسي بالمنطقة. Rapport Mensuel du protectorat, avril 1914, p 17
[17]بني كيل قبيلة ذات أصول عربية، تعتمد على الترحال والتنقل، وتستقر حاليا بمنطقة النجود العليا في الجهة الشرقية
[18]Lieutenant de Mondésir, le Nord Est marocain, Bulletin de la société géographie d’Alger, AlO, 1905, P 276
[19]للمزيد من المعلومات الاطلاع على les rapports Mensuels, 1920
[20]علال الزروالي، التحولات الريفية والتمدن بالريف الشرقي، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة بكلية الآداب والعوم الإنسانية، وجدة، 2001، ج 1، ص 205.
[21]لفراونة وامرضان من الفرق الرئيسية المشكلة لقبيلة أهل دبدو، يوجد مجال استقرارهما حاليا بمركز المدينة حاليا.
[22]Michel Lecomte, op.cit. , annexe, p 44.
[23]بركنت هي مدينة عين بني مطهر، تتبع إداريا إلى عمالة إقليم جرادة، تقع جنوب وجدة على بعد 80 كلم، في الطريق المؤدية إلى مدينة فكيك
[24]قبيلة عربية بمنطقة دبدو، يدعى سيدي موحا بن أحمد، وهي تعتمد بالدرجة الأولى على الرعي والترحال.
[25]إن فكرة الانفصام الأسري بمنطقة دبدو، لم تكن تقتصر على مرحلة الزواج فقط، بل كانت تتم أيضا خلال مرحلة الخطوبة، دون انتظار مرحلة توثيق عقد النكاح، حيث كثرت بالمنطقة ظاهرة فسخ الخطوبة، نتيجة تخلي الخاطب عن مخطوبته 2 كما يتبين في هذه الوثيقة. “الحمد لله لما خطب (فلان) … من ابن عمه (فلان) ابنته فلانة وذكر أنه نفق عليها وصير عليها نحو ستين ريال دورو، بعد ذلك سلم الخاطب فلان في مخطوبته (فلانة) بعد أداء والدها للخاطب خمسين دورو يؤديها لها مقسطة وعشرين دورو على تمام خمسة عشر يوما، تأتي من تاريخه، وخمسة وعشرين دورو على تمام شهر واحد من تاريخه، ورفع نزاعه واعتراضا عن مخطوبته فلانة وأباحها للزواج” وثيقة رفع يد خاطب على خطيبته 16 ربيع الثاني 1360 هـ/19 ماي 1941، سجل عدلي 1941، محكمة دبدو.
[26]رسالة من قاضي محكمة دبدو إلى المراقب المدني بدبدو سنة 1950.
[27]الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، أخرجه جماعة من الفقهاء تح إشراف محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط 1981 بيروت، ج 4، ص 56-57.
[28]نازلة في مسألة لعان بين امرأة ورجل، بتاريخ 8 أكتوبر 1941 محكمة دبدو.
[29]يقصد تحفة الحكام فينكت العقود والأحكام لابن عاصم الغرناطي ت 829هـ.
[30]نازلة في طلاق غيابي بتاريخ 2 يوليو 1947، محكمة دبدو
[31]للمزيد من التوسع المرجو الاطلاع على قانون الأحوال الشخصية المصري رقم 25 لسنة 1920 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985.
[32]أبو الوليد محمد بن احمد بن رشد القرطبي، المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات؛ تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي؛ بيروت 1408/1988، ج 1، ص 526.
[33]نصت المادة 57 من مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 على ما يلي: “إذا غاب الزوج في مكان معروف، مدة تزيد على سنة، بلا عذر مقبول، جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
[34]قانون الأحوال الشخصية الجزائري 84-11 بتاريخ 9 رمضان 1409 الموافق 09 يونيو 1984، المتضمن قانون الأسرة
[35]أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار، م س، ج 4، ص 483.


