ذ. المصطفى رفيع
باحث في قانون الأسرة
تعد مدونة الأسرة حدثا تاريخيا هاما في المنظومة القانونية المغربية، والإصلاح الأكثر عمقا في المجتمع المغربي منذ الاستقلال، حيث جاء هذا القانون لتكريس الحماية القانونية والقضائية لمؤسسة الأسرة بمختلف مكوناتها، وتأسيس قواعد استقرار قوية لخلية الأسرة مبنية على العدل والانصاف والمساواة في نطاق استيعاب التحولات الجديدة التي يعرفها المجتمع المغربي، وانفتاحه على المحيط الدولي الخارجي.
ولما كانت مؤسسة الزواج اللبنة الاساسية في قيام الأسرة، ونظرا للدور الذي تلعبه هذه الأخيرة في تنمية المجتمع من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفكرية، فإن الزواج قد حظي بالاهتمام الكبير ضمن مواد المدونة، إذ أحاطته بمجموعة من الضمانات، ونظمت أحكامه بشكل غير مسبوق، وحددت إجراءات إدارية وشكلية لإبرامه، الهدف منها ضبط طلبات الزواج وتفادي التحايل بخصوصها. ولمزيد من الضبط وفي إطار ربط الصلة بين مؤسسة قضاء الأسرة والرغبة في تعميم نظام الحالة المدنية ألزمت توجيه ملخص من العقد إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين أو إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط إذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب كما أخضعت أنواعا أخرى من الزواج لإجبارية الحصول على إذن مسبق تتوزع الجهات المانحة له بين قضائية وإدارية.
وعليه، فإن بحثنا سوف يتضمن ثلاثة مباحث: نخصص الأول للإجراءات الإدارية والشكلية لإبرام عقد الزواج، والثاني للزيجات المتوقفة على إذن مسبق، أما الثالث والأخير فنتطرق فيه للإجراءات اللاحقة للإذن بتوثيق عقد الزواج .
المبحث الأول: الإجراءات الإدارية والشكلية لإبرام عقد الزواج.
تنص المادة 65 من مدونة الأسرة على ما يلي:
“أولا: يحدث ملف لعقد الزواج يحفظ بكتابة الضبط لدى قسم قضاء الأسرة لمحل إبرام العقد ويضم الوثائق الآتية ؛ وهي :
- مطبوع خاص بطلب الإذن بتوثيق الزواج يحدد شكله ومضمونه بقرار من وزير العدل ؛
- نسخة من رسم الولادة ويشير ضابط الحالة المدنية في هامش العقد بسجل الحالة المدنية، إلى تاريخ منح هذه النسخة ومن أجل الزواج؛
- شهادة إدارية لكل واحد من الخطيبين تحدد بياناتها بقرار مشترك لوزيري العدل والداخلية؛
- شهادة طبية لكل واحد من الخطيبين يحدد مضمونها وطريقة إصدارها بقرار مشترك لوزيري العدل والصحة؛
- الإذن بالزواج في الحالات الآتية وهي:
- الزواج دون سن الأهلية ؛
- التعدد في حالة توفر شروطه المنصوص عليها في هذه المدونة؛
- زواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية؛
- زواج معتنقي الإسلام والأجانب.
- شهادة الكفاءة بالنسبة للأجانب أو ما يقوم مقامها.
ثانيا: يؤشر قاضي الأسرة المكلف بالزواج قبل الإذن على ملف المستندات المشار إليه أعلاه، ويحفظ برقمه الترتيبي في كتابة الضبط.
ثالثا: يأذن هذا الأخير للعدلين بتوثيق عقد الزواج.
رابعا: يضمن العدلان في عقد الزواج، تصريح كل واحد من الخطيبين هل سبق أن تزوج أم لا؟ وفي حالة وجود زواج سابق، يرفق التصريح بما يثبت الوضعية القانونية إزاء العقد المزمع إبرامه”.
ويستفاد من هذه المادة أن الإجراءات الإدارية لتوثيق عقد الزواج تتم بالتتابع كما يلي:
المطلب الأول: تقديم طلب الإذن بتوثيق الزواج.
نص المشرع على طلب الإذن بتوثيق الزواج في المادة 65 من مدونة الأسرة، واعتبره من وثائق ملف الزواج. وأكد في الفقرة الأولى من المادة المذكورة على أن الطلب يقدم بمطبوع خاص يحدد شكله ومضمونه بقرار من وزير العدل.
وتطبيقا لذلك صدر بتاريخ 3 فبراير 2004 قرار لوزير العدل تم بموجبه تحديد شكل وبيانات طلب الإذن بتوثيق الزواج([1]) الذي يقدم إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج بالمحكمة الابتدائية التي يرغب الطالبان في إبرام عقد الزواج بدائرة نفوذها. ويتضمن معلومات عن الخطيب والمخطوبة تتمثل في الإسم الشخصي والعائلي لكل منهما، وتاريخ ازديادهما وجنسيتهما، ورقم بطاقتهما الوطنية أو ما يقوم مقامها، والحالة العائلية والصحية لكل منهما، ومهنة ومحل سكنى أو إقامة كل منهما، بالاضافة إلى معلومات عن نوع الزواج المرغوب فيه هل هو زواج أول أو عقد جديد بين نفس الطرفين أو زواج التعدد. ويملأ هذا الطلب ويؤرخ، ويجب أن يحمل توقيع أحد الخطيبين أو كلاهما.
والظاهر من خلال شكل هذا الطلب، وكذا من استقراء نصوص المدونة التي تضمنت عدة مقتضيات تنص على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات أنه يستوي أن يقدم الطلب من طرف الخطيب أو المخطوبة .
ورغبة منها في توحيد وتبسيط وتسهيل إجراءات طلب الإذن بتوثيق عقد الزواج، فإن وزارة العدل وضعت رهن إشارة الراغبين في الزواج بجميع أقسام قضاء الأسرة نماذج من هذا الطلب، تسلم مجانا بمجرد طلب نسخة منها .
المطلب الثاني: فتح ملف الإذن بتوثيق عقد الزواج.
بعد ملء الطلب وتوقيعه من طرف الخطيبين أو أحدهما يتم تقييده في سجل معد لهذا الغرض حسب الترتيب التسلسلي لتاريخ التلقي. وقد أعدت وزارة العدل نموذجا لهذا السجل بغية توحيد العمل به لدى مختلف أقسام قضاء الأسرة بالمملكة. ويتضمن هذا السجل سبعة أضلاع هي: الرقم الترتيبي، تاريخ الطلب، إسم الراغب في الزواج، إسم المراد التزوج بها، والنتيجة، وتاريخ الإذن بتوثيق الزواج، فضلا عن خانة الملاحظات .
ويفتح لكل طلب ملف خاص به يحمل رقما جديدا حسب التسلسل الوارد بالسجل المذكور، ويشار فيه إلى إسم الخاطب وإسم المخطوبة وعنوانهما، ويجب أن يتضمن الملف بالإضافة إلى الطلب، الوثائق الآتية:
1) نسخة من رسم الولادة للخطيبين.
كان المشرع في ظل مدونة الأحوال الشخصية يكتفي بإلزام المقبلين على الزواج بالإدلاء بشواهد من ممثل السلطة الإدارية بإسم كل واحد منهما، وما يبين حالة الزوج الشخصية([2])، وبالتالي لم يكونوا ملزمين بالإدلاء بنسخ من عقود ولادتهم. وقد كان هذا التوجه منسجما مع وضعية نظام الحالة المدنية آنذاك، حيث كانت وثيرة إقبال المواطنين على التسجيل بها جد ضعيفة، ولو فرض عقد الولادة لما تمكن الكثيرون من كتابة عقود زواجهم.
وبعد التعديلات التي أدخلت على مدونة الأحوال الشخصية بمقتضى ظهير 10 شتنبر 1993، أوجب المشرع على كل من الخاطب والمخطوبة الإدلاء بنسخة من عقد الولادة إذا كانا مسجلين بالحالة المدنية([3]). وهو مايعني أن غير المسجلين يعفيان من هذه الوثيقة.
أما في ظل مدونة الأسرة، فإن هذا الحل لم يعد ممكنا، إذ اشترطت المادة 65 أن يضم ملف عقد الزواج من بين وثائقه نسخة من رسم الولادة، ويشير ضابط الحالة المدنية في هامش العقد بسجل الحالة المدنية إلى تاريخ منح هذه النسخة ومن أجل الزواج.
وهذا الإجراء يتطابق مع القانون الجديد للحالة المدنية، والذي يهدف إلى تعميم هذا النظام على كافة المواطنين، كما ينسجم مع الارتباط الوثيق الذي أصبح قائما بين مؤسسة الزواج ونظام الحالة المدنية، والذي لم يعد معه مسموحا بالزواج إلا لمن هو مسجل بسجلات الحالة المدنية من جهة، ومن جهة أخرى أصبح لزاما تضمين بيانات كل عقد زواج بهامشي رسم ولادة الزوجين.
والجدير بالذكر أن نسخة عقد الولادة تختلف عن البطاقة الشخصية للحالة المدنية التي تم إحداثها للتخفيف على المواطنين الذين يسكنون في غير محل ولادتهم؛ فنسخ رسم الولادة تستخرج لزوما من سجلات الحالة المدنية دون غيرها من الوثائق الادارية، ككناش الحالة المدنية أو نسخ قديمة، وتسلم من طرف ضابط الحالة المدنية المكلف بمسك السجل المستخرجة منه النسخة المذكورة, في حين أن البطاقة الشخصية تسلم من طرف ضابط الحالة المدنية لمحل سكنى طالبها بناء على بطاقة التعريف والحالة المدنية أو نسخة سابقة من رسم الولادة.
ولقد أعطى المشرع([4]) للبطاقة الشخصية قوة اثباتية مماثلة لتلك المتوفرة لنسخة الولادة في جميع الأحوال إلا ما استثني بنص خاص مثل طلبات الحصول على الجنسية، وكذا طلبات الزواج. ومن تم فلا تقوم هذه البطاقة مقام نسخة عقد الولادة كوثيقة من وثائق ملف عقد الزواج .
2) شهادة إدارية لكل واحد من الخطيبين .
كانت الشهادة الإدارية ولازالت تعد من أهم الوثائق المطلوبة لإبرام عقد الزواج، إلا أن المشرع في ظل مدونة الأحوال الشخصية لم يحدد شكل وبيانات هذه الشهادة، الأمر الذي أدى إلى ظهور عدة نماذج تختلف من جهة إلى أخرى. ومن أبرز هذه النماذج شهادة العزوبة، شهادة عدم الزواج، شهادة إدارية تتعلق بالزواج… وقد تم التعامل مع هذه النماذج بنوع من المرونة بحيث كانت تقبل من طرف العدلين كلما كانت تحمل الحد الأدنى من البيانات.
ونظرا لأهمية هذه الشهادة فقد أقرتها مدونة الأسرة في الفقرة الثالثة من المادة 65 بنصها على ضرورة الإدلاء بشهادة إدارية لكل من الخطيبين تحدد بياناتها بقرار مشترك لوزير العدل والداخلية.
وتطبيقا لذلك؛ صدر قرار بتاريخ 2 مارس 2004 يحدد المعلومات التي ينبغي أن تحتويها الشهادة الإدارية المتعلقة بالخطيبين([5]). وتتضمن هذه الشهادة الإسم الكامل للخاطب أو المخطوبة ومكان وتاريخ ازديادهما واسم والديهما ومحل سكناهما ومهنتهما ومراجع رسم ولادتهما والجهة المصدرة له، ثم بيان عن الحالة المدنية والعائلية لهما، وتحمل في الاخير إسم وتوقيع وطابع الجهة التي سلمتها. ويتم تسليمها من طرف رئيس المجلس الجماعي لمحل سكنى طالبها بناء على بحث يتم من طرف عون السلطة، مع وجوب الإدلاء بنسخة من رسم الولادة، وعند الاقتضاء التزام كتابي يشهد فيه الطالب بوضعيته العائلية.
3) شهادة طبية لكل واحد من الخطيبين .
بمقتضى التعديلات المدخلة على م.أ.ش بمقتضى ظهير 10/9/1993، أوجب المشرع على الخطيبين الإدلاء بشهادة طبية من ضمن المستندات اللازم إحضارها للعدلين وقت إبرام عقد الزواج، وهذا مانصت عليه مدونة الاحوال الشخصية في الفقرة السابعة من الفصل 41. وقد أكدت مدونة الأسرة هذا المقتضى في المادة 65، واعتبرتها من الوثائق الضرورية التي يتعين ارفاقها بطلب الإذن بتوثيق عقد الزواج، حيث نصت الفقرة الرابعة من المادة المذكورة على مايلي: “شهادة طبية لكل واحد من الخطيبين تحدد بياناتها بقرار مشترك لوزيري العدل والصحة”.
وعلى هذا الأساس صدر قرار مشترك بين وزير العدل ووزير الصحة بتحديد مضمون وطريقة اصدار الشهادة الطبية الخاصة بإبرام عقد الزواج([6]). ويجب أن تتضمن هذه الشهادة حسب القرار المذكور البيانات التالية:
- اسم وخاتم الطبيب، وكذا خاتم المؤسسة التي ينتمي إليها.
- تاريخ إجراء الفحص والفحوصات التكميلية إن اقتضى الحال.
- الإسم الكامل لطالب الشهادة .
- رقم بطاقة تعريفه الوطنية أو ما يقوم مقامها.
- عبارة تثبت أن الطالب تبين بعد الفحص السريري أنه لا تظهر عليه علامة لمرض معدي تليها استنتاجات الطبيب .
- عبارة تثبت أن هذه الشهادة سلمت للادلاء بها قصد الزواج.
ولعل الدافع لتكليف المقبلين على إقامة رابطة الزواج بالإدلاء بهذه الشهادة هو تفشي الأمراض الخطيرة في وقتنا الحاضر بشكل غير مسبوق كداء السيدا والأمراض المنقولة جنسيا كالسيفليس…
الفقرة الثالثة: التأشير على ملف المستندات من طرف قاضي الأسرة المكلف بالزواج.
تحال ملفات طلبات الزواج على قاضي الأسرة المكلف بالزواج بمجرد فتحها. ونظرا للطبيعة الاستعجالية والاجتماعية لهذه الطلبات من جهة، ولكثرتها من جهة أخرى، فإنه يتعين النظر فيها طيلة أيام العمل وعدم تخصيص جلسات محددة لها في أوقات أو أيام معينة حتى يمكن تصفيتها جميعا.
وتجدر الإشارة إلى أن القاضي ينظر في هذه الطلبات في إطار وظيفته الولائية وليس في إطار الوظيفة القضائية بمقتضى مسطرة استثنائية أرادها المشرع أن تكون بسيطة وخاصة، وغير خاضعة للمبادئ الأساسية المعتمدة في قانون المسطرة المدنية. ويتمثل دور قاضي الأسرة المكلف بالزواج في التأشير على ملف المستندات، وهذا ما أشارت إليه الفقرة الثانية من المادة 65 بقولها: ” يؤشر قاضي الأسرة المكلف بالزواج قبل الإذن على ملف المستندات المشار إليه أعلاه… والأكيد أن هذا التأشير لا يتم إلا بعد الإطلاع على هوية الخطيبين، وبعد مراقبة كافة المستندات من حيث تاريخ صلاحيتها والجهة المصدرة لها ومدى احترامها للشكليات والبيانات المطلوبة, والاشارة إلى ذلك في مطبوع خاص معد لهذا الغرض. فإذا تبين للقاضي أن الملف مستجمع لكافة الشروط، ويتضمن جميع الوثائق المطلوبة، فإنه يؤشر بأسفل هذا المطبوع على الملف، وبعد التأشير يصدر القاضي إذنا للعدلين بتوثيق عقد الزواج عملا بالفقرة الثالثة من المادة 65 من المدونة. وغني عن البيان أن العلاقة الزوجية لا تقوم بمجرد صدور هذا الإذن الذي لا يعدو أن يكون مجرد رخصة تسلم لصاحبها تسمح له بتوثيق زواجه لدى عدلين .
وقد أعدت وزارة العدل مطبوعا موحدا لهذا الإذن يتضمن رقم ملف مستندات الزواج ورقم الإذن وتاريخ صدوره واسم القاضي الذي أصدره، والمحكمة التي يعمل بها، وتاريخ تسجيل الطلب، واسم الشخص الذي تقدم به، وغيرها من البيانات التي تؤخذ من وثائق ومستندات ملف الزواج.
المبحث الثاني: الزيجات المتوقفة على إذن مسبق .
يلزم الخاطب أو المخطوبة أو هما معا في بعض الحالات التي يحددها القانون بالإدلاء إضافة إلى الوثائق المشار إليها أعلاه، بوثائق إضافية أخرى منها ما يتوقف على إذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج، ومنها مايتطلب صدور إذن من المحكمة، ومنها ما يسلم من جهة أخرى غير قضائية. وعليه سنتناول هذه الأذونات بالدراسة حسب التفصيل الآتي :
الفقرة الأولى: الأذونات التي يصدرها قاضي الأسرة المكلف بالزواج.
صدر قاضي الأسرة المكلف بالزواج الإذن بزواج من هو دون سن الأهلية والمصاب بإعاقة ذهنية فضلا عن زواج معتنقي الاسلام والاجانب.
أولا: الإذن بزواج القاصر.
الأصل في عقد الزواج أنه من العقود الرضائية التي لا تنعقد إلا بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر، وهو مايفرض توفرهما معا على أهلية الزواج. هذه الأهلية لا تكتمل إلا بإتمام الفتى والفتاة ثمان عشرة سنة شمسية([7]). غير أن المشرع أجاز لمن لم يبلغ هذه السن أن يتقدم بطلب إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج من أجل الحصول على إذن بالزواج، ويجب أن يكون الطلب مكتوبا وموقعا من طرف القاصر ونائبه الشرعي.
وهكذا، نصت المادة 20 من المدونة على أنه لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليها في المادة 19 أعلاه بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الإستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي، والإستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي .
ويستشف من هذه المادة أن قاضي الأسرة المكلف بالزواج ملزم بتعليل المقرر الرامي إلى الإستجابة لطلب الإذن بزواج من لم يبلغ سن الأهلية، وذلك ببيان المبررات الموضوعية والقانونية التي اعتمدها في تكوين قناعته. وله في ذلك أن يعتمد على الإستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي، حيث أن هذا الإستماع يفيد في تكوين فكرة حول الزواج وأطرافه وفرص تحقق نجاحه، كما لو كانت طالبة الإذن فتاة فقيرة ويتيمة الأب وتقدم لخطبتها رجل غني كفىء لها من حيث السن والأخلاق، فزواجها في هذه الحالة فيه إنقاذ لها من ظروفها البئيسة وتحصين لها من الوقوع في الخطأ تحت ضغط الحاجة والفقر. وللتأكد من النضج العقلي والأهلية الجسمانية لتحمل تبعات الزواج، يجوز للقاضي أن يستعين بخبرة طبية لأن مصلحة القاصر في الزواج لا تتحقق إلا بعد البلوغ. وهذه مسألة تقنية يرجع أمر الحسم فيها إلى معرفة ذوي الإختصاص من الأطباء .
ولما كانت مؤسسة الزواج تنقل الشخص من حالة إلى أخرى، وتفرض عليه بالتالي أن يندمج في إطار أسرة تحتم عليه أن يقوم داخلها بأدوار جديدة لم يتعود عليها من قبل كدور الزوج والزوجة ودور الأب والأم…، فإن إجراء بحث اجتماعي يعتبر بمثابة اختبار يساعد في معرفة سلوك القاصر وطبعه والنزعة الاجتماعية لديه وميولاته الشخصية وقدرته على التجانس مع الأخرين والإندماج معهم. وهذه العوامل تؤثر سلبا وايجابا على احتمال نجاح الزواج أو فشله. ومما لا شك فيه أن نجاح البحث الإجتماعي في بلوغ الأهداف المرجوة منه يتوقف على خبرة القاضي وذكائه وثقافته العامة وإلمامه ببعض جوانب علم النفس وعلم الإجتماع، وعادات وتقاليد وأعراف الأسر المغربية.
فإذا ثبت للقاضي تحقق البلوغ الشرعي للقاصر من خلال المعاينة أو الخبرة الطبية، وخلص من خلال الإستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي أو من خلال البحث الإجتماعي بأن المعني بالأمر واع بمقاصد الزواج وبأهدافه، وله القدرة على تحمل مسؤولياته، أذن له بمقتضى مقرر معلل بعد الإستماع إلى النيابة العامة أو إدلائها بمستنتجاتها في الموضوع، أما إذا لم تثبت له المبررات فله أن يرفض الطلب .
وتجدر الإشارة إلى أن مقرر الإستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن، وهو مايعني بمفهوم المخالفة أن مقرر الرفض قابل لجميع طرق الطعن وفق المادة 20 من المدونة.
ثانيا: الإذن بزواج المصاب بإعاقة ذهنية.
الزواج ميثاق تراض وترابط بين رجل وامرأة على وجه الدوام والرضى، ويتوقف على توفر الأهلية الكاملة لدى الزوجين حتى يكون كل منهما واعيا بمقاصد الزواج وغاياته، وعالما بأحكامه وآثاره وملما بحقوقه وواجباته، وقادرا على الاختيار الحر، وهذا يقتضي توفرهما على العقل والإدراك اللازمين.
ومعلوم أن ناقص الأهلية بسبب إعاقة ذهنية لا يستطيع التحكم في تفكيره وتصرفاته، وبالتالي يكون عاجزا عن معرفة ماله وما عليه. و لهذه الاعتبارات أخضع المشرع زواج المصاب بإعاقة ذهنية لإذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج. وهكذا نصت المادة 23 من المدونة على أنه يأذن قاضي الأسرة المكلف بالزواج بزواج المصاب بإعاقة ذهنية ذكرا كان أم أنثى بعد تقديم تقرير حول الإعاقة من طرف طبيب خبير أو أكثر”. وقد سوت المدونة بين المصاب بإعاقة ذهنية والمعتوه، وهذا ماعبرت عنه المادة 216 بقولها: ” المعتوه هو الشخص المصاب بإعاقة ذهنية لا يستطيع معها التحكم في تفكير وتصرفاته”.
وخلافا للقانون القديم الذي كان يعطي للقاضي الإذن في زواج المجنون أو المعتوه إذا ثبت بتقرير هيئة من أطباء الأمراض العقلية أن زواجه يفيد في علاجه، واطلع الطرف الآخر على ذلك ورضي به([8])، فإن مقتضيات مدونة الأسرة ميزت بين أسباب نقص الأهلية وحددتها في الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد والسفيه والمعتوه ( المادة 213 ) وبين أسباب انعدام الأهلية وحددتها في الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز والمجنون وفاقد العقل ( المادة 217 ).
ومن هذا المنطلق، يكون المشرع قد سوى بين تصرفات المعتوه والصغير المميز، وأعطى للقاضي إمكانية الإذن بزواجهما، وبين المجنون فاقد العقل والصغير غير المميز، والذي يظهر من مفهوم المخالفة أنه لا يجوز زواجهما سواء بإذن أو بدونه.
وبالرجوع إلى مقتضيات المادة 23 أعلاه، نجد أن المشرع ألزم القاضي المكلف بالزواج بالاعتماد في زواج الشخص المعاق ذهنيا على خبرة طبية ينجزها طبيب خبير أو أكثر قصد التأكد من نوع الخلل المصاب به وبيان درجته ونسبة تأثيره على تصرفات وإدراك الشخص المصاب به .فإذا خلص التقرير إلى أن المعني بالأمر مصاب بإعاقة ذهنية من شأنها أن تنقص من إدراكه وتمييزه دون أن تعدمه، فإنه في هذه الحالة يكون في حكم الصبي المميز، ويمكن للقاضي إذا توافرت باقي الشروط الأخرى المحددة في المادة 23 الإذن له بالزواج، وذلك بعد أن يطلع الطرف اللآخر على تقرير الخبرة، وينص على ذلك في محضر الجلسة ويستحسن أن يتم هذا الاطلاع عن طريق تسليم الراغب في الزواج بالمصاب بإعاقة ذهنية نسخة من التقرير، وإعطائه مهلة للاطلاع. وتتجلى أهمية هذا الإطلاع في وضع الطرف الآخر أمام الحالة العقلية الحقيقية للمصاب ذهنيا حتى يستطيع على ضوئها اتخاذ قراره بإبرام عقد الزواج أو رفض ذلك بعد رؤية واقتناع.
ونظرا لخطورة هذا النوع من الزواج ولتبعاته التي قد تكون سلبية، فإن المشرع اشترط فيمن يرغب في الارتباط مع شخص مصاب بإعاقة ذهنية أن يكون راشدا حتى تكون له القدرة على إدراك ماهو مقدم عليه، ولا يكفي أن يقبل الشخص الزواج بالمصاب بإعاقة ذهنية أمام القاضي المكلف بالزواج، وأن يتم تدوين ذلك بمحضر الجلسة، بل لابد أن يرضى صراحة في تعهد رسمي بعقد الزواج مع المصاب بإعاقة ذهنية. والتعهد الرسمي يتم كتابة إما بواسطة إشهاد عدلي أو في تصريح عرفي مصحح الإمضاء لدى جهة إدارية مختصة.
ثالثا: الإذن بزواج معتنقي الاسلام والأجانب.
نظرا لطبيعة الزواج المختلط ولارتباطه بالجوانب الدينية والعقائدية للراغبين فيه، وكذا بالنظام العام للبلدان التي ينتمون إليها، فإن المشرع لم ينظمه بنص قانوني باستثناء ما اشترطته المادة 65 من المدونة على الطرف الأجنبي من ضرورة الإدلاء بالإذن بزواج معتنقي الاسلام والأجانب، وشهادة الكفاءة في الزواج أو ما يقوم مقامها. ولسد هذا الفراغ التشريعي أصدرت وزارة العدل مجموعة من المناشير التي حددت الوثائق والإجراءات المطلوبة لإنجاز مسطرة الزواج المختلط، والتي تتم بتقديم طلب إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج الذي يوجد بدائرته القضائية الطرف المغربي. ويتضمن هذا الطلب اسم الخطيبين وعنوانهما وأسباب ودواعي وغاية هذا الزواج. ويرفق الطلب بالوثائق الآتية:
فيما يخص الطرف الأجنبي :
- رسم اعتناق الاسلام بالنسبة للرجل أو شهادة تثبت أن الزوجة الاجنبية كتابية الديانة .
- شهادة الكفاءة في الزواج أو شهادة الموافقة على ثبوت الزوجية عند الاقتضاء تسلم للطرف الأجنبي من سفارة أو قنصلية بلده بالمغرب ولا يعمل بها إلا بعد التصديق عليها من طرف وزارة الشؤون الخارجية .
- شهادة عدم السوابق العدلية مسلمة له من السلطات الوطنية لبلده أو بلد إقامته .
- شهادة من السجل العدلي المركزي الخاص بالأجانب تسلم له من المصلحة المختصة بوزارة العدل .
- نسخة من الحكم بالطلاق في حالة وجود زواج سابق على أن يكون نهائيا.
- شهادة تثبت مهنة الاجنبي ودخله .
- أربع صور شخصية حديثة .
- صورة من بطاقة تعريفه الوطنية وكذا شهادة الإقامة إن كان مقيما بالمغرب أو ببلد غير بلده الأصلي مع مراعاة مدة صلاحيتها، وذلك بهدف التأكد من إقامته الشرعية .
- صورة من جواز سفره وكذا من الصفحة التي تثبت تاريخ دخوله للمغرب .
- شهادة طبية تفيد خلو المعني بالأمر من الأمراض المعدية .
أما فيما يخص شهادة الجنسية، فقد تم التراجع عنها بمقتضى المنشور الصادر في 7 يوليوز 2003، وذلك بعلة أن بعض البعثات يتعذر عليها موافاة رعاياها بشهادة الجنسية على اعتبار أن تشريعاتها تتطلب إجراءات معقدة لإنجازها، واعتبارا لذلك حث المنشور المذكور على الاكتفاء في الحالات الصعبة بشهادة الأهلية مع صورة من بطاقة التعريف الوطنية التي تشهد بجنسيته، شريطة أن تكون مصادقا على مطابقتها للأصل من لدن السلطات القنصلية والديبلوماسية .
فيما يخص الطرف المغربي:
فهو ملزم بالإدلاء بشهادة الخطوبة بنسخة الوثائق التالية:
- نسخة من عقد الازدياد؛
- شهادة طبية؛
- شهادة السكنى تحمل صورة صاحبها؛
- نسخة من البطاقة الوطنية؛
- نسخة من رسم الطلاق أو الحكم بالتطليق على أن يكون نهائيا أو ما يفيد وفاة الزوج؛
- شهادة من السجل العدلي .
ويسجل الطلب بكتابة الضبط لدى قسم قضاء الأسرة بسجل خاص حسب تاريخ وروده، ويفتح له ملف يحمل رقما جديدا حسب التسلسل الوارد بالسجل. وبعد الاستماع للطرفين في محضر قانوني يوقع عليه الأطراف إلى جانب القاضي وكاتب الضبط والتأكد من الإدلاء بجميع الوثائق يتم جردها وتوجيهها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف الموجود بدائرتها قاضي الأسرة المكلف بالزواج وذلك بإرسالية، وبعدها يفتح ملف خاص بالطلب لدى الوكيل العام للملك ويشرع هذا الآخير في دراسة الملف بكل عناية واهتمام ويقوم بإجراء بحث حول المرشحين للزواج المختلط مستعينا في ذلك بالجهات المختصة من سلطة محلية أو شرطة أو رجال الدرك حسب الأحوال ويتناول هذا البحث سيرة وسلوك الخطيبين ووضعهما الاجتماعي وكذا التأكد من وجود اتصال جنسي بينهما أم لا والغاية من هذا البحث هو التحقق من انتفاء موانع الزواج ليكون العقد مطابقا للقانون المغربي وغير مناف للنظام العام المقرر في بلد الطرف الأجنبي والتأكد من كون هذا الأخير له سلوك حسن وفي منأى عن كل الشبهات وكذا التأكد من نشاطه المهني ومصدر دخله .
وبعد انتهاء الوكيل العام للملك من البحث يوجه كتابا إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج يفيد فيه عدم وجود أي مانع من ابرام عقد الزواج بين الطرفين، ثم يصدر قاضي الأسرة الإذن بالزواج.
الفقرة الثانية: الإذن الذي تمنحه المحكمة بالتعدد.
التعدد هو أن يجمع الرجل الواحد في عصمته أكثر من امرأة واحدة لكن من غير أن يتجاوز الحد المسموح به شرعا وهو أربع نسوة بشرط العدل بينهن. ولم تحدد مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أسباب التعدد إلا أن عمل السادة قضاة التوثيق منذ تعديل 10 شتنبر 1993 استقر على تكليف الزوج بتضمين طلبه مبررات التعدد اعتمادا على الإحالة على الراجح والمشهور أو ما جرى به العمل في مذهب الإمام مالك. وبصدور مدونة الأسرة أسندت صلاحية إصدار الإذن بالتعدد إلى هيئة جماعية، وذلك بعد استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها للحضور لمناقشة التعدد المقدم من طرف زوجها أثناء النظر فيه بغرفة المشورة. ويتم هذا الاستدعاء حسب الفصول 37، 38، 39 من ق.م.م، على أنه لا يعتد إلا بالتوصل الشخصي، وإذا توصلت الزوجة شخصيا ولم تحضر أو امتنعت عن تسلم الإستدعاء توجه لها المحكمة انذارا عن طريق عون كتابة الضبط تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الانذار، فستبت في طلب زوجها في غيابها ([9])، كما يمكن البت في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه، غير أنه إذا تعذر توصل الزوجة نتيجة إدلاء الزوج بعنوان غير صحيح أو تحريف في اسمها بسوء نية، فسيتعرض للعقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي إذا طالبت الزوجة بذلك.
وقد حددت المادة 44 من المدونة المسطرة الواجب اتباعها لمناقشة طلب الإذن بالتعدد بغرفة المشورة، حيث يتم ذلك بحضور الطرفين والاستماع إليهما واستقصاء الوقائع وتقديم البيانات المطلوبة، فإذا ثبت للمحكمة وجود المبرر الموضوعي الاستثنائي، وتوفر الطالب على الموارد الكافية لإعالة أسرتين وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة، وعدم وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها. ولم تظهر لها أية قرائن يخشى معها عدم العدل بين الزوجين يأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن. وفي حالة الإذن بالتعدد لا يتم العقد مع المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي المكلف بالزواج بأن الراغب في الإقتران بها متزوج بغيرها، مع تضمين هذا الإشعار ورضاها في محضر رسمي.
الفقرة الثالثة: الإذن بزواج العسكريين ومن في حكمهم.
ألزم المشرع الطرف العسكري الذي يرغب في الزواج أن يرفق طلبه بشهادة من قيادته تسمح له بإبرام هذا العقد. وهذه الرخصة ضرورية سواء تعلق الأمر بالخاطب أو المخطوبة. وخلافا لمدونة الأحوال الشخصية التي نصت في الفصل 41 منها على الوثائق اللازمة لإبرام عقد الزواج على سبيل الحصر، مما جعل وزارة العدل تتدارك الفراغ التشريعي بخصوص زواج الجنود ومن في حكمهم وذلك بإصدارها لعدة دوريات ومناشير، فإن مدونة الأسرة، وبعدما حددت المستندات اللازمة لابرام عقد الزواج في المادة 65 نصت في الفقرة الأخيرة من هذه المادة على أنه يمكن لوزير العدل تغيير وتتميم لائحة المستندات التي يتكون منها عقد الزواج وكذا محتوياته.
وتفعيلا لهذا المقتضى، أصدر وزير العدل بتاريخ 03/02/04 قرارا ([10]) أضاف بمقتضاه إلى لائحة المستندات التي يتكون منها ملف عقد الزواج، الإذن بالزواج المسلم من المصالح المختصة بالنسبة للعسكريين وأفراد القوات المساعدة وأفراد الدرك الملكي وموظفي الادارة العامة للأمن الوطني. ولعل الغاية من اشتراط هذه الرخصة هو تفادي ما قد ينجم من مشاكل في صف أسر شهداء الواجب حيث تدعي بعض النساء أنهن أرملات هؤلاء الشهداء ويطالبن بايرادات مالية في حين أن هؤلاء الشهداء لم يكونوا طرفا في تلك الزيجات ولم يعلموا بوجودها.
وهذه الرخصة لا تعفي صاحبها من باقي الوثائق المطلوبة في الزواج كما حددتها المادة 65 من مدونة الأسرة، كما أن مفعولها يمتد إلى ستة أشهر ابتداء من تاريخ ختمها.
المبحث الثالث: الإجراءات اللاحقة للحصول على الإذن بتوثيق عقد الزواج.
تتمثل هذه الإجراءات في تلقي عقد الزواج من طرف عدلين منتصبين للإشهاد بدائرة نفوذ المحكمة التي يعمل بها قاضي الأسرة المكلف بالزواج، ثم تسجيل نص العقد في السجل المعد لذلك، وتوجيه ملخصه لضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين، أو إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط إذا لم يكن للزوجين أو أحدهما محل ولادة بالمغرب.
المطلب الأول: تلقي العقد من طرف العدلين.
إن وثيقة عقد الزواج كوسيلة مقبولة لإثبات العلاقة الزوجية لا تنشأ لمجرد صدور إذن بتوثيقها من طرف قاضي الأسرة المكلف بالزواج، وإنما تتوقف على تلقيها من طرف عدلين منتصبين للإشهاد بدائرة نفوذ المحكمة المعينين فيها. ويجب أن يكون كل واحد منهما معينا بصفة قانونية بقرار لوزير العدل وأن يكون مزاولا لمهامه، ولم يصدر في حقه أي عزل أو إقصاء مؤقت أو وقف أو إعفاء. ويضمن العدلان في وثيقة الزواج فصولها الجوهرية التي ينتفي معها كل غموض أو ابهام، وكل المعلومات والمستندات سيما ما ورد في الفقرة الرابعة من المادة 65 وكذا نص المادة 67 من مدونة الأسرة، وذلك دون بياض أو بشر أو إصلاح أو إقحام أو إلحاق أو تشطيب، إلا ما اعتذر عنه بالنسبة لغير البشر، أما البشر فلا يقبل الاعتذار فيه وذلك يوما بيوم بتتابع الشهادات حسب تواريخ وساعات تلقيها ويكتب تاريخ تلقي الشهادة بالحروف والأرقام وفق التقويم الهجري مع بيان مايوافقه بالتقويم الميلادي([11])، ويوقع العدلان أسفل كل وثيقة زواج في المذكرة المدرجة بها ويوقع معهما الزوجان وكذا الولي والوكيل عند الاقتضاء ويتعين تحرير عقد الزواج داخل أجل لا يتعدى 15 يوما عملا بالمادة 24 من القانون المنظم لخطة العدالة ثم يحال على قاضي التوثيق الذي يضع عليه خطابه بعد التأكد من سلامته من الخلل الشكلي فيكتسب بذلك صفة وثيقة رسمية حسب الفصل 30 من القانون المنظم لخطة العدالة([12]).
الفقرة الثانية: تضمين نصوص عقود الزواج بالسجل المعد لذلك
بعد اكتساب عقد الزواج صفة الرسمية بالخطاب عليه من طرف قاضي التوثيق يسلم أصله للزوجة، ويحوز الزوج نظيرا منه فيما يوجه النظير الثاني لقسم قضاء الأسرة، حيث يسهر كاتب الضبط على تسجيل نصه في السجل المعد لذلك. وقد أوضحت المادة 68 من مدونة الأسرة في فقرتها الأخيرة بأن شكل ومضمون هذا السجل سيحدد بقرار لوزير العدل، وهو ما تم بموجب قرار لهذا الأخير صدر تحت عدد 272.04([13])، وأوجب أن يكون طول السجل المذكور ستة وثلاثون سنتمترا وعرضه ثلاثون سنتمترا، وأن يبلغ عدد صفحاته خمسمائة تحمل أرقاما متتابعة يؤشر عليها رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه بعد ترقيمها، ووضع طابعه على كل صفحة منها، وتشتمل كل صفحة على ثمانية أضلاع هي كالتالي:
- الرقم المتتابع المخصص للعقد؛
- نوع العقد؛
- تاريخ التلقي؛
- تاريخ التحرير؛
- تاريخ التضمين؛
- نص العقد؛
- مراجع توجيه ملخص العقد إلى ضابط الحالة المدنية أو إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط؛
- ملاحظات.
ويمسك هذا السجل من طرف كتابة الضبط لدى قسم قضاء الأسرة. ويسجل فيه مضمون العقد كله، ولا يكتفى بملخصه تطبيقا لمقتضيات المادة 68 من مدونة الأسرة التي تنص على أنه: ” يسجل نص العقد في السجل المعد لذلك لدى قسم قضاء الأسرة”.
وتظهر أهمية هذا السجل في حالة الإشهاد بالطلاق لدى عدلين منتصبين للإشهاد بعد إذن المحكمة والإدلاء بمستند الزوجية، حيث يلزم العدلان بالإشارة إلى مراجع الزواج بالسجل المذكور عملا بالفقرة الثالثة من المادة 139 التي تنص على أنه يجب النص في رسم الطلاق على مايلي:
1- تاريخ الإذن بالطلاق ورقمه.
2- هوية كل من المتفارقين ومحل سكناهما.
3- الإشارة إلى تاريخ عقد الزواج وعدده وصحيفته بالسجل المشار اليه في المادة 68 أعلاه .
الفقرة الثالثة: توجيه ملخص العقد إلى ضابط الحالة المدنية.
نص الفصل 43 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة على أن يسجل نص العقد بسجل الأنكحة لدى المحكمة وترسل نسخة منه إلى إدارة الحالة المدنية. غير أن هذا النص لم يساهم بأي شكل من الأشكال في ربط أي صلة حقيقية وجدية بين مؤسسة التوثيق وبين عمل ضابط الحالةالمدنية، وذلك لأن المشرع لم يحدد مسطرة توجيه نسخ الزواج إلى ضابط الحالة المدنية، ولم يوضح الغاية من هذا التوجيه. كما تم تعطيل الفصل المذكور بمقتضى منشور صادر عن وزارة الداخلية منع ضابط الحالة المدنية من تسجيل أي شيء في سجلات الحالة المدنية مما يرد في رسوم الزواج، وحثهم على الإكتفاء بجمع هذه الرسوم في ملفات تودع بمكاتب الحالة المدنية بعلة عدم وجود أي نص في قانون الحالة المدنية ينظم ذلك.
وقد تنبه المشرع إلى نواقص وسلبيات الفصل 43 من مدونة الأحوال الشخصية، والتي لم تساهم في تمديد نظام الحالة المدنية إلى الزواج. وعلى هذا الأساس أقر مسطرة جديدة في مدونة الأسرة تتسم بالدقة والوضوح. حيث نصت في هذا الإطار المادة 68 من المدونة على أنه: “يسجل نص العقد في السجل المعد لذلك لدى قسم قضاء الأسرة، ويوجه ملخصه إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين، مرفقا بشهادة التسليم داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ الخطاب عليه. غير أنه إذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب، يوجه الملخص إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط. على ضابط الحالة المدنية تضمين بيانات الملخص بهامش رسم ولادة الزوجين…”.
يتضح من خلال هذه المادة أن المشرع قد حدد الجهة المكلفة بتوجيه ملخص عقد الزواج، والمتمثلة في قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية التي تم فيها توثيق هذا الزواج، كما حدد الجهة التي يتعين إرسال الملخص المذكور إليها وهي إما ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين أو وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط إذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب. وحدد أجل خمسة عشرة يوما للقيام بهذا الإجراء تبدأ من تاريخ الخطاب على الرسم. وبين مهام ضابط الحالة المدنية والمتمثلة في تضمين ملخص العقد([14]) بهامش رسم ولادة الزوجين. ولضبط هذه العملية أعدت وزارة الداخلية دفتر بيانات الزواج تسجل فيه ملخصات عقود الزواج بالتسلسل حسب تاريخ ورودها ثم تنقل بعد ذلك بسجل ولادة الطرفين .
يتضح أن المشرع في ظل مدونة الأسرة أبقى الإختصاص للعدول لتوثيق عقود الزواج، لكنه أوقف ذلك على إذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج بعد تأشيره على ملف المستندات. والغاية من سن هذا النظام هو تحقيق الرقابة السابقة لوثائق عقد الزواج من طرف قاضي الأسرة المكلف بالزواج، والتأكد من سلامتها وقانونيتها. فالرقابة السابقة أنجع بكثير من الرقابة اللاحقة التي كانت تتم في ظل مدونة الأحوال الشخصية من طرف قاضي التوثيق بمناسبة الخطاب على رسم الزواج الذي يأتي أحيانا بعد الدخول بالزوجة، فضلا على أن اكتشاف الخطأ في الوثائق لا يكون له أي تأثير على العقد، ولا يترتب عنه البطلان، وإنما يشكل فقط خطأ مهنيا قد يوجب المساءلة في حالة ثبوت تهاون أو تساهل أو تواطؤ، في حين أن المراقبة السابقة تغنينا عن كتابة عقود الزواج الغير المستجمعة الشروط القانونية.
[1] ﻗﺮﺍﺭ وﺯﻳﺮ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﺭﻗﻢ 269- 04 ﺻﺎﺩﺭ ﻓﻲ 12 ﻣﻦ ﺫﻱ ﺍﻟﺤﺠﺔ 1424 (3 ﻓﺒﺮﺍﻳﺮ 2004) ﺑﺘﺤﺪﻳﺪ ﺷﻜﻞ ﻭﻣﻀﻤﻮﻥ ﺍﻟﻤﻄﺒﻮﻉ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﻄﻠﺐ ﺍﻹﺫﻥ ﺑﺘﻮﺛﻴﻖ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ، ﺍﻟﺠﺮﻳﺪﺓ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ عدد 5186 بتاريخ 12 ﻓﺒﺮﺍﻳﺮ 2004 .
[2] الفصل 41 من مدونة الأحوال الشخصية (الظهير الشريف رقم 1.57.343 المؤرخ في 21/11/1957) .
[3] الفصل 41 من مدونة الأحوال الشخصية كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.347 المؤرخ في 10/09/1993، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4222 بتاريخ 29 شتنبر 1993.
[4] المادة 37 من القانون رقم 99-37 المتعلق بالحالة المدنية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 239-02-1 المؤرخ في 25 من رجب 1423 الجريدة الرسمية رقم 5054 ، بتاريخ 2 رمضان 1423 ( 7 نوفمبر 2002).
[5] قرار مشترك لوزير الداخلية ووزير العدل رقم 04 -321 الصادر في 10 من محرم 1425 (2 مارس 2004) بتحديد بيانات الشهادة الإدارية المتعلقة بالخطيبين .
[6] قرار مشترك لوزير العدل ووزير الصحة رقم 347.04 صادر في 10 محرم 1425، (2 مارس 2004) بتحديد مضمون وطريقة إصدار الشهادة الطبية الخاصة بإبرام عقد الزواج، الجريدة الرسمية عدد 5192 بتاريخ 04/03/2004 ص 975.
[7] المادة 19 من مدونة الأسرة.
[8] الفصل 7 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لسنة 1993.
[9] المادة 43 من مدونة الأسرة.
[10] قرار لوزير العدل رقم 270.04 صادر في 12 من ذي الحجة 1424( 3 فبراير 2004) بتتميم لائحة المستندات التي يتكون منها ملف عقد الزواج وكذا محتوياته، الجريدة الرسمية عدد 5186 بتاريخ 12/02/2004 ص 520.
[11] المادة 19 من مرسوم رقم 2.08.378 صادر في 28 من شوال 1429 (28 أكتوبر 2008) بتطبيق أحكام القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، جريدة رسمية عدد 5687 صادرة بتاريخ 2 ذو الحجة 1429 (فاتح ديسمبر 2008).
[12] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.56 ادر في 15 محرم موافق 14 فبراير 2006 ، الجريدة الرسمية عدد 5400 بتاريخ 2 مارس 2006.
[13] قرار لوزير العدل رقم 272.04 صادر في 12 من ذي الحجة 424 1 (3 فبراير 2004) بتحديد شكل ومضمون السجل الخاص بتضمين نصوص عقود الزواج الجريدة الرسمية عدد 5186 بتاريخ 12/02/2004 ص 521.
[14] وبخصوص المعلومات التي تضمن بالملخص فهي:
- معلومات عن الزوج: الاسم الشخصي والعائلي؛ العنوان ؛ رقم البطاقة الوطنية أو ما يقوم مقامها ؛ الوضعية العائلية إن سبق زواجه (أرمل، مطلق، متزوج) ؛ رقم رسم الولادة والجهة المصدرة له.
- ومعلومات عن الزوجة: الاسم الشخصي والعائلي؛ العنوان؛ رقم البطاقة الوطنية أو ما يقوم مقامها؛ الوضعية العائلية إن سبق زواجها (أرملة، مطلقة)؛ رقم رسم الولادة والجهة المصدرة له؛ تاريخ الزواج.
وذلك بالإضافة إلى مراجع تضمين عقد الزواج.
راجع في ذلك: قرار وزير العدل رقم 271.04 صادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) بتحديد المعلومات الواجب تضمينها في ملخص عقد الزواج، الجريدة الرسمية عدد 5186 بتاريخ 12/02/2004 ص 521.


