ضوء مدونة الأسرة

مريم الزغيغي

باحثة جامعية في سلك الدكتوراه

مخبر قانون الأسرة والهجرة

تقديم :

الأصل أن الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين، ويتأتى للرجل بمقتضى عقد الزواج هذا أن يجمع في عصمته أربع زوجات مصداقا لقوله تعالى “فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُدلُو” [1].

غير أن التعدد في الزوجات، وإن كان في طبيعته لا يخرج عن دائرة الحقوق المكتسبة شرعا، فقد استخدم في غير ما أعدله، فأسيء استعماله، وثم التعسف في تفسيره، والأخذ بمقاصده الشرعية، إلى درجة أنه نعت بكونه حقا أريد به باطل.

من هذا المنطق جاز لنا التساؤل عن أحقية هذا المبدأ وعن ضوابطه الشرعية والقانونية انطلاقا مما قننه التشريع المغربي في مدونة الأسرة.

إن الإجابة على الأسئلة المطروحة، تقتضي منا اعتماد خطة البحث التالية:

المبحث الأول: تقييد التعدد بضوابط شرعية وقانونية.

المبحث الثاني: مسطرة طلب الإذن بالتعدد والآثار الناتجة عنها.

المبحث الأول: تقييد التعدد بضوابط شرعية وقانونية.

نظم المشرع المغربي مسألة تعدد الزوجات في الباب الثاني من القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بموانع الزواج ضمن الموانع المؤقتة من خلال ستة مواد، وبالضبط في المواد 40 إلى46 من مدونة الأسرة، خصص المادتين 40 و41 لتبيان الشروط المطلوبة لمنح الإذن بالتعدد والمتمثلة في انتقاء شرط الزوجة منع التزوج عليها (مطلب أول) وضرورة تحقق العدل (مطلب ثاني) وتحقق المبرر الموضوعي الاستثنائي مع القدرة على الإنفاق (مطلب ثالث).

المطلب الأول: انتفاء شرط الزوجة منع التزوج عليه.

لقد منحت مدونة الأسرة للمرأة حق اشتراط عدم التزوج عليها كأحد الشروط الإرادية الملزمة للزوج إذ تنص المادة 40 من مدونة الأسرة على أنه “يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها”.

وهكذا، فإذا اشترطت الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها، فإن عدم إمكانية التعدد قد حسمت [2]، عملا بقول سيدنا عمر رضي الله عنه “مقاطع الحقوق عند الشروط”. ومادام أن هذا الشرط هو حق خالص للزوجة، فلها أن تتمسك به كما يمكن لها أن تتنازل عنه إن رأت ذلك مادامت إرادتها حرة سليمة من كل ضغط أو إكراه ومن تمت ليس للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها، كما لا يجوز للملتزم به أن يطلب من المحكمة إعفاءه منه أو تعديله إذا طرأت ظروف أو وقائع أصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا [3].

المطلب الثاني: ضرورة تحقق لعدل.

لقد أخذت مدونة الأسرة بأحكام الشريعة الإسلامية السمحة ورخصت بالتعدد بصفة شرعية لضرورات قاهرة وبضوابط صارمة، ومن بين هذه الضوابط العدل بين الزوجات إذ جاء في المادة 40 من مدونة الأسرة “يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات…”.

والعدل المطلوب تحققه هو العدل في المعاملة وضمان جميع الحقوق، كالعدل في الإنفاق، والمبيت وحسن المعاشرة، لا العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، لأن مثل هذه الأمور وجدانية عاطفية تخرج عن نطاق الضبط والتحكم فيها” [4] مصداقا لقوله سبحانه وتعالى “وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ” [5] هو قوله تعالى “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُو” [6].

والجدير بالذكر أن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كانت تنص على نفس المقتضى إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد.

وفي نفس السياق، وتأكيدا لما سبق أن تطرقنا إليه، فالمادة 51 من مدونة الأسرة أكدت على وجوب احترام مقتضياتها الرامية إلى المساكنة والمعاشرة بالمعروف وهي أمور من شأنها ضمان استقرار الأسرة.

المطلب الثالث: تحقق المبرر الموضوعي لستثنائي والقدرة على الإنفاق.

لقد نصت المادة 41 من مدونة الأسرة على أنه “لا تأذن المحكمة بالتعدد :

  • إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي.
  • إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة”.

والواضح أن المشرع المغربي لم يعرف ما هي الأسباب الموضوعية الاستثنائية الموجبة للتعدد، ولم يعطي لها أمثلة على سبيل الحصر ولا على سبيل المثال وبهذا يبقى الأمر خاضعا للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع.

والرأي فيما نعتقد أن المقصود بإثبات المبرر الموضوعي الاستثنائي، أن يكون الطلب الرامي للتعدد مبني على سبب مشروع لهذا فلا بد من تحقق الضرورات المبيحة للتعدد من ذلك مثلا، كحالة عقم الزوجة مع رغبة الزوج الفطرية في الإنجاب، فإذا كان يبدو أن العقم مبرر موضوعي لطلب التعدد إلا أنه لا يستمد الصفة الاستثنائية إلا بعد التأكد بالوسائل العلمية عن طريق إجراء التحاليل الطبية والفحوصات الدقيقة يتضح منها بأن الزوجة عاقر، وفي هذه الحالة يكون التعدد مبررا حتى لا يفوت على الزوج عرض أساسي، وقصد سامي من مقاصد الزواج، وهو طلب الذرية، وفي هذا الصدد نورد حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالخنيفرة” إذا أكد الزوج طالب التعدد من خلال وقائع دعواه أن زوجته لم تعد تقدر على القيام بشؤون البيت الزوجية وكذلك على المعاشرة الزوجية لكبر سنها، إذ تبلغ من العمر 54 سنة، وعزز طلبه بشهادة طبية تفيد أن الزوجة بها تعفنا بجهازها التناسلي وصرحت أمام الطبيب بأنها لم تعد ترغب في المعاشرة الزوجية.

المحكمة قضت برفض طلبه بعلة أن كبر السن وإذ كان عنصرا موضوعيا في تحقيق نقصان القدرة على القيام بشؤون البيت الزوجية فذلك أمر طبيعي وشرعي لقوله سبحانه وتعالى “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً” [7].

وأن عدم القدرة على المعاشرة الزوجية نتيجة وجود تعفن بجهاز الزوجة التناسلي هو الذي سبب لها عدم الرغبة في ذلك، وشتان بين عدم الرغبة في المعاشرة الزوجية، وعدم القدرة عليها، كما أن وجود التعفن بالزوجة أمر عرضي.”

وفي نفس السياق يعتبر توقف الإنجاب عند المرأة أو مرض الزوجة كأحد المبررات الموضوعية الاستثنائية التي قد تخول التعدد إذا ما اقتنع بها القاضي استناد لسلطته التقديرية في تقدير كل حالة على حدة.

وفي هذا الصدد نورد حكم صادر عن محكمة الاستئناف بوحدة “الزوجة تعاني من قصور كلوي وتخضع للتصفية الدموية بصفة مستمرة، كما أن الشهادة المؤرخة في 7/ 7/ 2005 أن الزوجة تعاني من إنكماش في أعضاءها التناسلية مع استئصال الرحم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الزوجة قد وافقت كتابة على التعدد،… وهو ما أكدته الزوجة أمام هذه المحكمة.

وحيث إن المستأنف أدلى للمحكمة بشواهد إدارية تفيد أنه يستغل قطع فلاحية كافية لإعالة الأسرة وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان وغيره.

….كل ذلك يشكل المبرر الموضوعي الاستثنائي للإذن له بالتعدد” [8].

والجدير بالإشارة، أن الزوج هو المكلف بإثبات المبرر الموضوعي الاستثنائي، والمحكمة هي التي تكيفه، مع وجوب التضييق ما أمكن من ذلك التكييف لأننا أمام رخصة تحمل طابع الاستثناء، وسواء قبلت المحكمة المبرر الموضوعي الاستثنائي أو رفضته، فيجب عليها أن تعلل موقفها في الحالتين [9].

أما القدرة على الإنفاق فهو شرط في الزواج بصفة عامة، فمن كانت عنده زوجة واحدة، ولا قدرة له بالإنفاق على زوجة أخرى حرم عليه بالتزوج بالثانية [10]، ويعبر هذا المقتضي عن شرط العدل المادي، بحيث يجب على من يطلب الإذن بالتعدد أن يبين أن له القدرة الكافية من المواد المالية للوفاء بالتكاليف المالية العادية لإعالة الأسرتين في النفقة والسكنى، والقدرة على المساواة بينهما في جميع أوجه الحياة [11].

وإثبات شرط القدرة على إعالة الأسرتين لا يطرح إشكالا لأنه يعتمد على الوضعية الاقتصادية للزوج الراغب في التعدد وهذا ما أكدته الفقرة الأخيرة من المادة 42 من مدونة الأسرة أن يكون طلب الإذن بالتعدد مرفوقا بإقرار عن الوضعية المادية لمن يريد التعدد، وفي هذا المقام نورد القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالحسيمة إذ جاء فيه”…. موضوع الطلب يهدف إلى الإذن للطالب بالتعدد والزواج بإمرأة ثانية… معللا سببه بكونه يريد تحويل العلاقة غير الشرعية التي كانت تربطه بالمطلوب الزواج بها إلى علاقة شرعية تسمى بالزواج والمحافظة على حقوق الإبن المترتب على العلاقة غير شرعية… وحيث إنه بالرجوع إلى وثائق الملف… فقد ثبت عدم وجود الشرط المانع، كما أن الزوجة عبرت وبصريح العبارة عن موافقتها لزوجها على التعدد… وحيث إنه بالرجوع إلى البحث الاجتماعي الذي أجري من طرف درك إمزورن، يتضح أن الحالة المادية للطالب تعتمد بالأساس على الميدان الفلاحي إضافة إلى مزاولته النشاط التجاري في بيع الخضر ونقل البضائع عبر الأسواق الأسبوعية مما يتضح أنه قادر على الانفاق على الأسرتين واعتبارا لما ذكر وحفاظا على حقوق الابن الذي أنجبه الطالب مع السيدة المطلوب الزواج منها ينبغي اعتبار طلب المدعي وجيه ومؤسس” [12].

المبحث الثاني: المسطرة المتبعة في طلب الإذن بالتعدد والآثار النتجة عنه.

الحديث في هذا البحث يقتضي تناوله في مطلبين، نتعرض للمسطرة المتبعة في طلب الإذن بالتعدد- الإجراءات- في (مطلب أول) وللآثار الناتجة عن رفض الزوجة للتعدد في (مطلب ثاني).

المطلب الأول: الإجراءات.

لقد تعرضت كل من المواد 42- 43- 44 إجمالا إلى المسطرة المتبعة في شأن طلب الإذن بالتعدد أمام المحكمة الابتدائية، إذ نصت المادة 42 من مدونة الأسرة على أنه “في حالة عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد، يقدم الراغب فيه طلب الإذن بذلك إلى المحكمة.

يجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب الموضوعية الاستثنائية المبررة له، وأن يكون مرفقا بإقرار عن وضعيته المادية”.

استنادا إلى مضمون هذه المادة يتبين أن على من يريد الزواج بزوجة ثانية، أن يقدم طلبا بذلك إلى قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية المختصة مكانيا للنظر في هذا الطلب [13]، وحسب المادة 65 من مدونة الأسرة، فالإذن بالتعدد عنصر أساسي من عناصر ملف الزواج.

بعد ذلك يتم التأشير على الطلبات بصندوق المحكمة الخاص بقسم قضاء الأسرة بعد أداء الرسوم القضائية، ثم تقيد الطلبات في سجل معد لذلك حسب الترتيب التسلسلي لتاريخ ورودها، ويفتح لكل قضية ملف خاص بها يحمل رقما موافقا للرقم الوارد بالخانة المتعلقة به في السجل المذكور، ويحال على رئيس المحكمة الذي يعين قاضيا مكلفا يسلم له الملف في ظرف أربع وعشرين ساعة [14].

وما يلاحظ هو أن مدونة الأسرة لم تنص على القاضي المقرر ولا على الدور الموكول إليه بشأن هذه الطلبات، وعلى العكس من ذلك فقد أشارت المواد من 41 إلى 45 إلى مصطلح المحكمة عدة مرات فهي التي تستدعى، وتناقش وتبث.

ومن هذا المنطلق فإن دور القاضي المكلف في طلبات التعدد يقتصر على تهيئ الملف ومراقبة وثائقه وعرضه على غرفة المشورة، فهو إذن يشرف على تنظيم بعض الإجراءات الشكلية كالإطلاع على الملفات والتأكد من وجود المرفقات، ويترك للمحكمة كل ما يدخل في الموضوع، على أن يتولى تحرير الحكم الذي يصدر في النازلة.

وهكذا، يتضح جليا أن المادة 42 من مدونة الأسرة سايرت المقتضيات العامة المنصوص عليها في القسم الثالث من الباب الأول من قانون المسطرة المدنية المتعلق بتقييد الدعوى، الفصول 31 و32 ق. م. م.

واحتراما لحق المرأة وكرامتها وجب إخبارها بعزم زوجها على التعدد، ليكون بإمكانها طلب التطليق إن هي رفضت الاستمرار في الحياة الزوجية في ظل هذا الوضع الجديد [15]، وقد نظمت مدونة الأسرة كل ما يتعلق بهذه المسألة من خلال أربع مواد :

فنصت المادة 43 من مدونة الأسرة على الأتي: “تستدعي المحكمة الزوجة المراد التزوج عليها للحضور فإذا توصلت شخصيا ولم تحضر أو امتنعت من تسلم الاستدعاء، توجه إليها المحكمة عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار فسيبت في طلب الزوج في غيابها كما يمكن البث في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه.

إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، تطبق على الزوج العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة المتضررة”.

وهكذا نستنتج من هذا المقتضى، أن توصل الزوجة بالاستدعاء يجب أن يكون شخصيا حيادا عن الفصل 38 من قانون المسطرة المدنية الذي يعتبر أن تسلم الاستدعاء تسليما صحيحا قد يكون إلى الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص أخر يسكن معه، وعليه فإذا توصلت الزوجة شخصيا بالاستدعاء ولم تحضر أو امتنعت عن الحضور، فإن المحكمة ملزمة باستدعائها مرة ثانية عن طريق أحد أعوان كتابة الضبط وذلك في شكل إنذار تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحددة ستبت المحكمة في طلب زوجها في غيبتها ويبث كذلك في الطلب في غياب الزوجة المراد التزوج عليها متى أفادت النيابة العامة أنه يتعذر الحصول على موطن أو محل إقامة الزوجة حيث يمكن استدعاؤها فيه، أما إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا وبسوء نية عن تلاعب الزوج، كلجوئه إلى تحريف اسم زوجته للحيلولة دون توصلها بالاستدعاء أو إدلائه بعنوان غير صحيح عوقب بالعقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي، بشرط أن تتقدم الزوجة بشكاية إلى النيابة العامة.

ولقد أحسن المشرع المغربي صنعا بإيراده هذا المقتضى الجزائي الذي من شأنه أن يضفي على مضمون هذه المادة الصفة القانونية الملزمة.

وفي نفس المنحى نصت المادة 44 من مدونة الأسرة على المسطرة الواجب إتباعها لمناقشة طلب الإذن بالتعدد بغرفة المشورة بحضور الطرفين لأجل الاستماع إليهم وذكر كافة البيانات والدفوعات والوقائع المثارة وعلى ضوء ذلك تقوم المحكمة بمحاولة التوفيق والصلح على أسس شرعية قانونية بحتة توحي بأن التعدد ضرورة ملحة، وكذلك على الموقف الحقيقي للزوجة المراد التزوج عليها.

وتجدر الإشارة أن موافقة الزوجة على رغبة زوجها في التعدد قد تكون بدون شروط وقد تقيد بشروط معينة لفائدتها أو لصالح أطفالها.

كما للمحكمة أيضا أن تأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن، إذا ثبت لها مبرره الموضوعي الاستثنائي، وتوفرت شروطه الشرعية مع تقيده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالها.

المطلب الثاني: الآثار الناتجة عن رفض الزوجة التعدد.

نصت المادة 45 من مدونة الأسرة على ما يلي “إذا ثبت للمحكمة من خلال المناقشات تعذر استمرار العلاقة الزوجية وأصرت الزوجة المراد التزوج عليها على المطالبة بالتطليق، حددت المحكمة مبلغا لاستيفاء كافة حقوق الزوجة وأولادها الملزم الزوج بالإنفاق عليهم.

يجب على الزوج إيداع المبلغ المحدد داخل أجل لا يتعدى سبعة أيام تصدر المحكمة بمجرد الإيداع حكما بالتطليق، ويكون هذا الحكم غير قابل لأي طعن في جزئه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.

يعتبر عدم إيداع المبلغ المذكور داخل الأجل المحدد تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد فإذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 بعده”.

استنادا إلى مضمون المادة 45 من مدونة الأسرة يتضح أن المشرع المغربي نص على حالتين يؤديان لإنهاء العلاقة الزوجية وهما:

الحكم بتطليق الزوجة التي تطلب ذلك من المحكمة فإذا تبث لهذه الأخيرة أثناء مناقشة طلب الإذن بالتعدد تعذر استمرار العلاقة الزوجية وأصرت الزوجة على عدم موافقتها وطلبت التطليق، حددت المحكمة مبلغا لاستقاء كافة حقوق الزوجة وأولادهما الملزك الزوج بالإنفاق عليهم، ويعتمد في هذا التحديد على جميع الحجج المثبتة لوضعيته المادية والتزاماته المالية وتشمل مستحقات الزوجة:

مؤخر الصداق إن وجد، نفقة العدة، المتعة التي يراعى في تقديرها فترة الزواج، الوضعية المالية للزوج، أسباب الطلاق، مدى تعسف الزوج في توقيعه [16].

وتشمل نفقة الأطفال: نفقتهم من غداء وكسوة وعلاج والتعليم وما يعتبر من الضروريات [17] وكذا تكاليف سكنى المحضون التي يعتبر المشرع تقديرها مستقلا عن النفقة وأجرة الحضانة [18].

ويتعين على الزوج إيداع المبلغ المحدد بصندوق المحكمة داخل أجل سبعة أيام مقابل وصل، وعلى المعني بالأمر إثباتا لواقعه الإيداع، أن يدلي بالوصل للمحكمة بالجلسة المنعقدة في غرفة المشورة للنظر في القضية، ما لم يتم إيداعه بملف النازلة بكتابة الضبط [19].

فإذا لم يتحقق الإيداع في الأجل المطلوب، اعتبر ذلك تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد، وبمجرد إيداع المبالغ تصدر المحكمة حكما بالتطليق لا يقبل أي طعن في جزئه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية، بخلاف ما يتصل بالمستحقات حيث للطرفين أن يطعن في تقديرها.

أما الحالة الثانية فتتمثل في عدم موافقة الزوجة المراد التزوج عليها على التعدد ولم تطلب التطليق، فالمحكمة تلجأ تلقائيا إلى تطبيق مسطرة الشقاق المنصوص على إجراءاتها ضمن المواد 94 إلى 97 من مدونة الأسرة، ويعد هذا المقتضى خروجا على القاعدة الجوهرية التي تعتبر من صميم النظام العام الإجرائي، إذ أن المحكمة لا يمكن أن تحكم إلا بما طلب منها، وهذا ما هو وارد في الفقرة الأولى من الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية التي تنص على أنه “يتعين على المحكمة أن تبث في حدود طلبات الأطراف…”.

وفي هذا الصدد اعتبر الدكتور محمد الكشبور أن طلب الإذن بالتعدد لا يؤول عمليا إلى التعدد في كلتا الحالتين، ولو مع الإذن به مادام أن الإجراءات قد تؤدي إلى تطليق الزوجة من زوجها بطلب منها وحتى بغير ذلك الطلب عن طريق تطبيق مسطرة الشقاق [20].

والجدير بالذكر، أن المشرع المغربي لم يهمل جانب المرأة التي يطلب الإذن من أجل الزواج بها، حيث قرر إشعارها من طرف القاضي بأن مريد الزواج منها متزوج وأنها راضية بهذا الوضع مع تضمين ذلك في محضر رسمي [21].

خاتمة :

انطلاقا مما سبق، بجدر بنا القول أن المشرع المغربي لم يلغي التعدد وإنما ضيقه بضوابط شرعية، وذلك بالالتزام بمقاصد الإسلام السمحة في الحرص على العدل بين الزوجات ومعايير قانونية صارمة من خلال الشروط التي وضعها له والإجراءات القضائية التي تعقب طلب الإذن بالتعدد.

لئحة المراجع :

  • د. إدريس الفاخوري: الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفقا لأخر التعديلات ظهير 10 شتنبر 1993، دار النشر، الجسور طبعة 2001.
  • د. محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، الزواج، الجزء الأول، الطبعة الأولى 1427- 2006.
  • ذ. سعاد الأحريسي: من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة مطبعة دار السلام، الطبعة الأولى، شتنبر 2005.
  • ذ. رشيد تباتي: قراءة في مستجدات مدونة الأسرة، بحث نهاية التمرين للمحلقين القضائيين، المعهد العالي للقضاء، وزارة العدل، فوج سنة 2003- 2005.
  • وزارة العدل: دليل عملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد 1 سنة 2004.

[1] سورة النساء، الآية 3.

[2] د. محمد كشبور، شرح مدونة الأسرة، الزواج، الجزء الأول، الطبعة الأولى 1427- 2006 دون ذكر الطبعة ص 212.

[3] تنص الفقرة الثانية من المادة 48 على أنه “طرأت ظروف أو وقائع أصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا، أمكن للملتزم به أن يطلب من المحكمة إعفاء منه أو تعديله مادامت تلك الظروف أو الوقائع قائمة، مع مراعاة أحكام المادة 40”.

[4] د. إدريس الفاخوري، الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفقا لأخر التعديلات ظهير 10/ 9/ 1993، دار النشر الجسور، طبعة 2001، ص 76.

[5] سورة النساء، الآية 129.

[6] سورة النساء، الآية 3.

[7] سورة الروم الآية 53.

[8] قرار محكمة الاستئناف بوحدة رقم 55 الصادر بتاريخ 9/ 2/ 2005 في الملف عدد 580- 04 (غير منشور).

[9] د. محمد الكشبور، مرجع سابق، ص 213.

[10] د. إدريس الفاخوري، مرجع سابق، ص 77.

[11] وزارة العدل، دليل عملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد سنة 2004 ص 39.

[12] قرار محكمة الاستئناف بالجسيمة رقم 481 الصادر بتاريخ 26/ 9/ 2006 في الملف عدد 365- 7- 06 (غير منشور).

[13] د. محمد الكشبور، مرجع سابق، ص 213.

[14] د. رشيد تباتب، قراءة في مستجدات مدونة الأسرة، بحث نهاية التمرين للملحقين القضائيين، وزارة العدل، المعهد العالي للقضاء، الرباط، فوج 33 سنة 2003- 2005، ص 54.

[15] ذ. سعاد الآخريسي، من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة، مطبعة دار السلام، الطبعة الأولى، شتنبر 2005 ص 175.

[16] : المادة 48 من مدونة الأسرة.

[17] :المادة 189 من مدونة الأسرة.

[18] المادة 168 من مدونة الأسرة.

[19] ذ رشيد تباتي، مرجع سابق ص 65.

[20] ذ محمد الكشبور، مرجع سابق، ص 217.

[21] : المادة 46 من مدونة الأسرة.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading