د. عبد المنعم زمزم

تقسيم

الدليل ينشئ الحق ويحميه. فإذا كانت المجتمعات القديمة قد استقرت على أن القوة تنشئ الحق وتحميه، فإن الدليل –في المجتمع القانوني- هو الذي ينشئ الحق ويحميه؛ فحق بلا دليل حق شائع يستطيع أي شخص أن يدعى ملكيته؛ فالعجز عن إثبات الحق يجعل الخصم كاسباً للنزاع ولو لم يبذل أي جهد في إثباته، حيث إن «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»[1]، لذلك كان حكم القانون أن «على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه»[2]. وتأسيساً على ذلك دأب الفقه على تجسيد المبادئ السابقة بمجموعة من العبارات الموجزة والمعبرة، منها: الدليل فدية الحق[3]، حق بلا دليل حق عديم الفائدة بالنسبة لصاحبه[4]، كما قيل أيضاً بأن الدليل يحيي الحق[5].

وإذا كانت التجارة الدولية قد تطورت في الآونة الأخيرة تطورًا لم يشهد له العالم مثيلاً من قبل، فإن تطوراً مماثلاً يجب أن يصيب قواعد القانون الدولي الخاص، لكي يواكب هذا التطور الاجتماعي للبيئة التجارية الدولية. فبعد أن عاشت البشرية قرونًا طويلة في أحضان الثورة الزراعية التي نشأت في رحابها الحضارات القديمة كالحضارة الفرعونية والحضارة الإغريقية، ودخلت –بعد ذلك- في أحضان الثورة الصناعية التي أنجبت الحضارتين الأوربية والأمريكية على وجه الخصوص «يبدو أننا نشهد الآن نهاية الحقبة الصناعية بعد أن بدأت أول مراحل الثورة الثالثة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وهى «ثورة المعرفة» أو«ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات» التي ادخلتنا إلى عصر العولمة وتدويل الإنتاج، وهو العصر الذي لم يعد الصراع فيه بين من يملك ومن لا يملك، أو صراعًا بين اليمين واليسار أو الرأسمالية والاشتراكية، أو الشمال والجنوب، وإنما صراع بين من يعرف ومن لا يعرف»[6].

وقد كانت أهم الاتفاقيات الدولية بشأن التعاون القضائي لمواجهة هذا التطور –والتي اجتذبت عددًا كبيرًا من الدول- اتفاقية لاهاي الموقعة في 18 مارس 1970 بشأن الحصول على أدلة الإثبات في الخارج في المسائل المدنية والتجارية؛ حيث لاحظت الدول الأعضاء أنه من الأهمية بمكان –واستجابة للمتطلبات السابقة- السعي نحو القضاء على الصعوبات التي يثيرها تبادل أدلة الإثبات بين سلطاتها المختصة، وذلك بتقرير آليات محددة وموحدة لتبادل وتنفيذ الإنابات القضائية في المسائل المدنية والتجارية[7].

بيد أن الدول الأوربية لم تقنع باتفاقية لاهاي بشأن المساعدة القضائية في المسائل المدنية والتجارية. فهذه الاتفاقية –فضلاً عن كونها موجهة لكل دول العالم- فإن موضوعها المسائل المدنية والتجارية، ومن ثم رأت هذه الدول أن تخطو خطوة أبعد عمقاً، وأوسع مدى، نحو تحقيق المساعد القضائية في مجالات أخرى من القانون، حتى وجدت ضالتها المنشودة في مجال أكثر حساسية، وهو القانون الإداري. وقد تحققت هذه الخطوة بمقتضى الاتفاقية الأوربية بشأن الحصول على المعلومات وأدلة الإثبات في المسائل الإدارية، الموقعة في استراسبور بتاريخ 15 مارس 1978[8]. ورغم حساسية التعاون القضائي في المسائل الإدارية فقد جاءت معظم أحكام هذه الاتفاقية مطابقة لأحكام اتفاقية لاهاي 1970 بشأن التعاون القضائي في المسائل المدنية والتجارية، وعلى أية حال فقد تضمنت اتفاقية استراسبور 29 مادة، وزعت على أربعة أبواب حيث اشتمل الباب الأول على مجموعة من الأحكام العامة (المطلب الأول)، وعالج الباب الثاني كيفية الحصول على المعلومات وصور من المستندات والوثائق والتحقيقات (المطلب الثاني)، وتضمن الباب الثالث موضوع الإنابة القضائية في المسائل الإدارية (المطلب الثالث) في حين خصص الباب الرابع والأخير لمجموعة من الأحكام الختامية (الباب الرابع).

المطلب الأول

أحكام عامة

تقسيم: تضمن الباب الأول –كما ذكرنا- مجموعة الأحكام التي اعتبرتها الاتفاقية أحكامًا عامة، تسرى في جميع الأحوال على الإثبات في المسائل الإدارية، سواء تقرر هذا الإثبات بواسطة سلطات الدول الأجنبية أو بواسطة أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية. وبغض النظر عن الشكل الذي تتخذه المساعدة القضائية –هل مجرد هو طلب معلومات عن القانون الأجنبي أم يتجاوز ذلك لطلب الإنابة القضائية- يقتضي التعرف على هذه الأحكام العامة ضرورة دراسة النقاط التالية: مراحل إعداد الاتفاقية (أولاً)، مجال تطبيقها (ثانيًا)، السلطة المركزية (ثالثًا)، بيانات طلب المساعدة القضائية (رابعًا)، لغة الطلب (خامسًا)، المصاريف (سادسًا)، الالتزام بتنفيذ المساعدة القضائية (سابعًا)، رفض تنفيذ الطلب (ثامنًا).

أولاً: مراحل إعداد الاتفاقية

لم تتوان الدول الأوربية منذ تأسيس الاتحاد الأوربي عن إبرام الاتفاقيات التي تهدف إلى إذابة المشكلات القانونية والعملية التي تعوق الوصول إلى وحدة فعالة، تتجاوز بها مجرد الأماني لنيل التلاحم الحقيقي بين دول الاتحاد. ولا شك أن تقرير التعاون القضائي وتبادل الإثبات في المسائل الإدارية يعد وسيلة هامة للوصول إلى هذا الغرض. وهكذا وجدت الدول الأوربية –في الاتفاقية محل الحديث- وسيلة لتحقيق الأهداف التي يسعى –بصفة عامة- الاتحاد الأوربي إلى تقريرها، إذ لوحظ في هذا الصدد[9]:

  1. أن الزيادة المتكررة لطوائف الأفراد المتدفقة عبر الحدود، وطول مدة إقامتها في الدول الأجنبية تقتضي التعاون في تبادل أدلة الإثبات في المجال الإداري.
  2. يشهد العالم منذ فترات ليست قصيرة تعاونًا قضائيًا –خاصة بالاتفاقيات الثنائية[10] –في المسائل المدنية والتجارية، إلا أنه من النادر العثور على هذا التعاون في المسائل الإدارية.

وانطلاقًا مما سبق، بدأ التفكير في إعداد اتفاقية دولية، يكون موضوعها التعاون القضائي بشأن جمع أدلة الإثبات في المسائل الإدارية. وقد استغرق إعداد هذه الاتفاقية خمسة عشر عامًا، ابتداءً من عام 1963 حتى عام 1978، وذلك على النحو التالي[11]:

  • سنة 1963 تبنى مجلس وزراء الدول الأوربية فكرة إعداد اتفاقية تعاون قضائي في المسائل الإدارية.
  • سنة 1969 تم التأكيد من جديد على أهمية التعاون القضائي في المسائل الإدارية.
  • سنة 1971 احتل هذا الموضوع مكان الصدارة في مؤتمر وزراء الدول الأوربية للقانون الإداري، الذي عقد في الدانمارك، وكان موضوعه تحليل الأجوبة الخاصة بكل دولة على الاستبيان الموجه إليها بشأن المساعدة القضائية الإدارية الدولية.
  • سنة 1975 قرر مجلس وزراء الدول الأوربية إنشاء لجنة خبراء لدراسة إمكان تحقيق المساعدة القضائية في المسائل الإدارية ووضع تنظيم شامل لها.

وقد اجتمعت اللجنة المذكورة بالفعل أربع مرات في عامي 1975 و1976[12].

  • سنة 1977 تشكلت لجنة أخرى من الخبراء في المساعدة القضائية في المجال الإداري، للنظر –بصفة نهائية- في مشروع الاتفاقية[13]. وقد تناولت هذه اللجنة –بعناية- المشكلة من مختلف جوانبها، حيث حاولت تحديد الصعوبات التي تعترضها، وتقرير أفضل السبل لمعالجتها.

وهكذا كان من المهم في هذا المجال، ملء الفراغ القانوني بشأن المساعدة القضائية في المجال الإداري، مع الحرص على تجنب أي تعارض مع الاتفاقيات الأخرى التي يكون موضوعها التعاون القضائي في مجال الإثبات بصفة عامة. وتأسيسًا على ذلك، قامت اللجنة المذكورة بصياغة أحكام اتفاقية دولية للمساعدة القضائية الإدارية، مع الأخذ في الاعتبار أحكام الاتفاقيات التالية[14]:

  • اتفاقية لاهاي بشأن الدعوى المدنية المبرمة في أول مارس 1954.
  • الاتفاقية الأوربية بشأن المساعدة القضائية في المجال الجنائي الموقعة في 20 إبريل 1959.
  • الاتفاقية الأوربية بشأن المساعدة القضائية في الحصول على المعلومات اللازمة عن القانون الأجنبي، المبرمة في 7 يونيو 1968.
  • اتفاقية لاهاي بشأن الحصول على أدلة الإثبات في الخارج في المسائل المدنية والتجارية، الموقعة في 18 مارس 1970.

كانت هذه هي الإرهاصات التي شكلت الرحم الذي أنجب الاتفاقية الأوربية بشأن الحصول على المعلومات وأدلة الإثبات في المسائل الإدارية التي تم توقيعها في استراسبورج في 15 مارس 1978، أي بعد ثماني سنوات –إلا ثلاثة أيام- من تاريخ التوقيع على اتفاقية لاهاي في 18 مارس 1970. وقد تم التوقيع على نسختين منها، إحداهما بالإنجليزية والأخرى بالفرنسية، مع تساوى كل منهما من حيث الحجية.

ثانيًا: مجال تطبيق الاتفاقية

يتجه بعض الفقه إلى قصر المساعدة القضائية على المسائل المدنية والتجارية، مع إقصاء مسائل القانون العام –خاصة المسائل الإدارية والمالية- من مجال التعاون القضائي. ويستند هذا المذهب إلى مجموعة من الحجج[15]:

  1. إقليمية القوانين الإدارية تمنع تطبيقها على أقاليم الدول الأخرى، إذ لا تنازع بين هذه القوانين لكون كل منها محدد التطبيق بإقليم الدولة التي صدر فيها، دون أن يتخطى ذلك إلى أقاليم باقي القوانين.
  2. تعارض التعاون القضائي في المسائل الإدارية مع سيادة الدولة، فالقاضي لا يخاطب إلا بالقوانين الإدارية التي يصدرها مشرِّعه، ومن ثم ينطوي تطبيق هذا الأخير لأية قواعد إدارية أجنبية على انتهاك للسيادة التشريعية للدولة التي يمثلها.
  3. التعارض مع مقتضيات النظام العام في الدولة المُنابة، حيث تفرض هذه المقتضيات عدم الاعتراف بأية قوانين أجنبية ذات طبيعة إدارية، فكل جهة ملزمة فقط بالقوانين الإدارية السائدة في الدولة، دون تلك المتعلقة بدولة أخرى.

الإقليمية والسيادة والنظام العام، ثلاث حجج قيل بها منذ زمن طويل لمنع ظهور تنازع القوانين من أساسه. ودون دخول في كثير من التفاصيل، فقد تجاوز القانون الدولي هذه الأفكار منذ فترة ليست قصيرة، حيث لم يعد لها قيمة تاريخية[16]. وأقل ما يقال أن الاستناد مثلاً إلى فكرة الإقليمية لرفض التعاون القضائي في المسائل الإدارية ينطوي على مغالطة فنية واضحة، ذلك أن القانون الإقليمي «ليس هو القانون الذي لا يمكن تطبيقه بواسطة قاضى دولة أجنبية. وإنما هو القانون الذي يطبق كل الوقائع التي تتم كليًا أو جزئيًا على الإقليم. فالإقليمية بوجه عام، كمبدأ، لا تحول مطلقًا دون تطبيق القاضي الوطني للقوانين الأجنبية في كافة الحالات التي يتعلق فيها الأمر بوقائع أو تصرفات تمت في الخارج، في المجال الذي تسرى فيه تلك القوانين«[17]. يضاف إلى ذلك –من ناحية أخرى- أنه على فرض التسليم بهذه الحجج، فإن تقرير التعاون القضائي في المسائل الإدارية لا يعنى تطبيق الدولة المُنابة للقوانين الإدارية في الدولة المنيبة. فالمقرر أن إجراء الإنابة يخضع لقانون دولة التنفيذ، وهو ما يعنى تطبيق الدولة المنابة للقوانين الإدارية السارية فيها دون تلك المتعلقة بدولة أخرى، وهو ما يفرغ هذه الحجج من مضمونها.

وإذا كان بعض الفقه قد ضيق من نطاق التعاون القضائي إلى هذا الحد، فإن الفقه الإسلامي ذهب –على العكس من ذلك- إلى توسيع هذا النطاق قدر الإمكان، حيث يرى الجمهور جواز الإنابة في كل شيء عدا حقوق الله تعالى، في حين ذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى إمكان شمول الإنابة لجميع المسائل المدنية والتجارية والجنائية، سواء تعلقت بحق الآدمي أو بحق من حقوق الله تعالى، بشرط أن تكون الإنابة بين الدول الإسلامية، وذلك لكفالة تطبيق الأحكام المتعلقة بحدود الله تعالى[18].

وإذا كان الفقه الإسلامي قد وصل بالتعاون القضائي إلى منتهاه، فها هي الجماعة الأوربية تخطو –بمقتضى الاتفاقية الأوربية بشأن الإثبات في المسائل الإدارية – خطوة نحو ذلك التعاون الذي قرره الفقه الإسلامي منذ مئات السنين، حيث قررت مادتها الأولى العديد من الأحكام:

  1. تتعهد الدول الأطراف بتقديم المساعدة القضائية في المسائل الإدارية في الأحوال التي تختص فيها سلطاتها بتقديم هذه المساعدة وفقًا لأحكام الاتفاقية (المادة 1/1).

وعلى هذا يغدو من الضروري أن «تلتزم كل دولة طرف بتقديم المساعدة اللازمة لأي دولة أخرى طرف، بخصوص أي طلب يكون موضوعه بيان معلومات عن القانون الإداري أو اللوائح أو الأعراف أو العادات الإدارية السارية فيها. كما يمتد نطاق المساعدة ليشمل كذلك الطلبات التي يكون موضوعها بيان كيفية استخراج صور من المستندات أو الوثائق أو التحقيقات المتوافرة لديها، وأيضًا معرفة القواعد المقررة في شأن تنفيذ الإنابة القضائية في المسائل الإدارية طبقًا للنظام القانوني المقرر في تلك الدولة»[19].

ويُحمد لهذا النص شمول نطاقه لمختلف صور التعاون القضائي في المجال الإداري، بداية من التعرف على مضمون القانون الإداري الأجنبي، ومرورًا بمعرفة ما تقتضى به اللوائح والأعراف والعادات الإدارية، وانتهاء بالكشف عن القواعد المتبعة لاستخراج نسخ من المستندات والتصاريح والتحقيقات الإدارية، وما إذا كانت هناك قواعد خاصة –مقررة في قانون كل دولة- في شأن الإنابة القضائية في المسائل الإدارية. وليس من العسير إدراك العلة من امتداد نطاق المساعدة القضائية إلى الأعراف والعادات الإدارية، فالمعلوم أن القانون الإداري يعد من القوانين غير المكتوبة في الكثير من الدول، وهو ما يبرر طلب الحصول على المعلومات اللازمة عن الأعراف والعادات الإدارية من منبعها الأصلي، وهو الدولة صاحبة الشأن.

  1. لا تسرى أحكام الاتفاقية على المسائل المالية[20] والجنائية، ومع ذلك يمكن لأية دولة طرف، لحظة التوقيع أو التصديق أو الانضمام إلى الاتفاقية وكذلك في أية لحظة أخرى تالية، أن تعلن السكرتير العام للمجلس الأوربي برغبتها في سريان الاتفاقية على:
  1. طلبات المساعدة القضائية في المسائل المالية.
  2. أي إجراء آخر يكون موضوعه مخالفة لا يدخل توقيع العقاب اللازم على مرتكبها في حدود اختصاص سلطاتها القضائية. ويكون للدولة في جميع الأحوال أن تشترط –لحظة الإعلان- تعليق سريان هذا الحكم على مبدأ المعاملة بالمثل (المادة 1/2).

وبإمعان النظر في نص الفقرة الثانية نجد أنه علق توسيع نطاق المساعدة القضائية على رغبة الدول الأعضاء، ومن ثم يمكن القول أن المساعدة المراد تقريرها بمقتضى الفقرة الأولى تعد بمثابة الحد الأدنى الذي تريد الاتفاقية الوصول إليه، حيث تتقرر تلك المساعدة بصفة إلزامية، بمجرد الانضمام إلى الاتفاقية، ودون حاجة لأي إجراء آخر، في حين يرتهن اتساع هذا النطاق ليشمل مسائل القانون المالي وبعض المسائل الجنائية بإعلان خاص من الدول الأعضاء، حسب رغبة كل منها. ومن الممكن أن يتقرر هذا الاتساع في أي وقت، إذ يمكن لأية دولة –سواء لحظة التوقيع أو التصديق أو الانضمام للاتفاقية أو حتى لحظة أخرى تالية- أن تعلن موافقتها على سريان أحكام الاتفاقية على طلبات المساعدة القضائية في القانون المالي أو أي إجراء يكون موضوعه مخالفة لا تختص سلطاتها بتوقيع العقاب اللازم على مرتكبها.

وربما يواجه هذا الحكم الفرض الذي يرتكب فيه الشخص مخالفة ما على أراضى الدولة المنيبة ثم يلوذ بالفرار إلى الدولة المنابة، إذ ينعقد الاختصاص بمساءلة هذا الشخص –بصفة أساسية- لسلطات الدولة المنيبة. وليس من العسير إدراك العلة من اشتراط عدم اختصاص الدولة المنابة بتوقيع العقاب على مرتكب المخالفة، فهذه السلطات لو كانت مختصة بنظر المخالفة لأنزلت العقاب اللازم على مرتكبها، وما أضحى هناك أي محل لطلب المساعدة القضائية بخصوص هذه المخالفة.

ورغبة في أن يتقرر هذا التعاون على أسس موضوعية، وحتى لا تستفيد دولة على حساب الأخرى، فإنه يمكن للدولة المعلنة أن تعلق شمول نطاق الاتفاقية لمسائل القانون المالي وبعض المسائل الجنائية على مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث يكون هناك تساو في الآداءات المتبادلة للدول. وبذلك يتضح من هذا الاستعراض حرص الاتفاقية على تقرير حد أدنى من التعاون القضائي في موضوعات القانون الإداري مع ترك الباب مفتوحًا أمام اتساع هذا التعاون ليشمل –وإن كان ذلك مرتهنًا بإرادة الدول- مسائل القانون المالي وبعض المخالفات الجنائية.

  1. يكون لأية دولة أن تحظر –لحظة التوقيع أو التصديق أو الانضمام للاتفاقية أو في أية أخرى خلال الخمس سنوات التالية لدخولها حيز النفاذ بالنسبة للدولة- السكرتير العام للاتحاد الأوربي بالمسائل الإدارية التي لا ترغب دخولها في مجال تطبيق الاتفاقية، مع تقرير الحق للدول الأخرى في أن تعلن بدورها عدم التعاون بخصوص هذه المسائل تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل (المادة 1/3).

لقد رأينا كيف أطلقت الفقرة الأولى مجال التعاون القضائي ليشمل مختلف المسائل الداخلة في نطاق القانون الإداري، مع تصور اتساع نطاق هذا التعاون لينال –بالتطبيق للفقرة الثانية- موضوعات القانون المالي وبعض المسائل الجنائية. ولا يظن ظان أن حكم الفقرة الثالثة جاء ليقوض مدى التعاون الذي أرادت الاتفاقية الوصول إليه بمقتضى الفقرتين السابقتين، حيث ورد في تبرير هذا الحكم أن[21]:

  1. الاتساع البالغ لموضوعات القانون الإداري يقتضى تخويل الدول بعض الآليات التي تمكنها –على نحو ميسر- من إخراج بعض الموضوعات من مجال تطبيق الاتفاقية، حيث يستجيب هذا الاتجاه لرغبات أساسية لدى الدول، وهو ما يسهل من تطبيقها للاتفاقية في الناحية العملية.
  2. إذا كان من الجائز تخويل الدول سلطة تحديد بعض الموضوعات التي تخرج عن إطار التعاون القضائي، فالغالب أن ينصب هذا التحديد على المسائل التي تشكل أهمية خاصة بالنسبة لكل دولة، مثل الموضوعات المتعلقة بالانتخاب أو المجالات العسكرية.
  3. وإذا كان ذلك كذلك، فليس إجباريًا على الدولة أن تقوم بتحديد موضوعات معينة لتخرجها من نطاق تطبيق الاتفاقية، وإنما هي إمكانية متاحة لكل منها، حسب ظروفها ورؤيتها الداخلية. ولكن يلاحظ أن الدولة إذا أرادت اللجوء إلى هذه الرخصة، فلها أن تمارسها فقط إما:
  • لحظة التوقيع أو التصديق أو الانضمام للاتفاقية.
  • أو في لحظة أخرى خلال الخمس سنوات التالية لدخولها حيز النفاذ بالنسبة للدولة المعلنة. ومن عجب أن يلوم تقرير المجلس الأوروبي ذاته على هذا الحكم تحديد مدة استعمال هذه الرخصة بخمس سنوات، حيث كان من المستحب تركها مطلقة دون تحديد.

وربما تكمن العلة من هذا اللوم في الرغبة في منح الدول مزيدًا من الحرية لتحديد الموضوعات المستجدة في عالم القانون الإداري، والتي قد ينطوي بعضها على قدر من الحساسية على النحو الذي تريد معه الدول خروجها من إطار هذا التعاون. وقد يثير هذا الحكم –مع ذلك- مخاوف بعض الدول، ولا سيما أن الاتفاقية لم تدخل حيز النفاذ بالنسبة لها في تاريخ واحد، بما يعنى الاختلاف في بدء التوقيت الذي يعتد به لبدء حساب الخمس سنوات. بيد أنه يرد على ذلك بأن الاتفاقية قد احتفظت بالآلية المضادة، وهي مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث إذا فات على أية دولة أن تحدد –خلال المدة المشار إليها- موضوعات معينة تخرج من نطاق تطبيق الاتفاقية، ثم قامت دولة أخرى انضمت إلى الاتفاقية في تاريخ لاحق –وليكن بعد خمس سنوات مثلاً- بممارسة هذه الإمكانية، بما يعنى التزام الدولة الأولى بالتعاون إزاء هذه الموضوعات مع عدم استفادتها –في ذات الوقت- من هذا التعاون، بخصوص ذات الموضوعات، بسبب فوات الموعد المحدد لها، فإنه للقضاء على هذا الوضع الشاذ، يكون لهذه الدولة أن تعلن مبدأ المعاملة بالمثل ولو بعد فوات مدة الخمس سنوات. فالاتفاقية وإن ألزمت الدول بممارسة سلطة تحديد الموضوعات المشار إليها في مواعيد معينة، فإنها أطلقت – بصريح عجز المادة 1/3- لجوء الدول إلى مبدأ المعاملة بالمثل كآلية مضادة في مواجهة الدول التي تقوم بهذا التحديد في المستقبل، وكأن الاتفاقية تقرر الآلية والآلية المضادة التي تواجهها. ويبدو هذا الحكم مؤكدًا بصريح النص المشار إليه الذي قضى بعد تقرير الحكم السابق بأنه: «… مع تقرير الحق للدول الأخرى في أن تعلن بدورها عدم التعاون بخصوص هذه المسائل تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل» دون تحديد لأية فترة زمنية لإعمال آلية المعاملة بالمثل.

وربما يحتاج النص السابق لبعض التفصيل. فقد ذكرنا أن الحاجة إلى هذا الحكم تتبرر في ضوء عدم تحديد الاتفاقية لتاريخ واحد يعتبر بمثابة التاريخ الذي يعتد به لدخولها حيز النفاذ بالنسبة لجميع الدول، حيث –في هذا الاتجاه- المادة 23 على أنه «… 2- تدخل الاتفاقية حيز النفاذ –بالنسبة للدول الموقعة عليها- بداية من اليوم الأول من الشهر التالي لمرور ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع وثائق التصديق. 3- تدخل الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة للدول التي تصدق عليها فيما بعد بداية من اليوم الأول من الشهر التالي لمرور ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع وثائق التصديق». وبذلك يتضح أن التاريخ الذي يعتد به لبدء حساب الخمس سنوات سيختلف باختلاف تاريخ تصديق كل دولة على الاتفاقية، وها هي بعض الأمثلة:

  • دخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة لألمانيا مثًلا في 1/1/1983، بما يعنى انتهاء حقها –في استعمال الرخصة المخولة لها بتحديد موضوعات معينة لتخرج من نطاق الاتفاقية- في 31/12/1987؛
  • دخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة لإيطاليا في 1/2/1985، بما يعنى انتهاء حقها في ممارسة الرخصة المشار إليها في 31/1/1990؛
  • دخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة لأذربيجان في 1/7/2000، بما يعنى انتهاء حقها المذكور في 30/6/2005[22].

وكل هذا يعنى إمكان ممارسة بعض الدول لسلطتها في تحديد موضوعات معينة –بطريقة فردية- لكي تخرج من إطار التعاون القضائي في أوقات تكون فيها بعض الدول الأخرى قد فقدت سلطتها في ممارسة هذه الرخصة لفوات الميعاد، ولذلك أطلقت الاتفاقية استخدام مبدأ المعاملة بالمثل دون تحديد بمدة معينة، حتى يتحقق التساوي بين الأداءات المتبادلة لمختلف الدول. بيد أنه لا يكون أمام الدول التي ترغب –بعد فوات المواعيد الخاصة بها- في استثناء بعض المسائل الإدارية من نطاق تطبيق الاتفاقية، إلا أن تتمنى وتظل تتمنى قيام دولة أخرى –مازال هذا الموعد قائمًا بالنسبة لها- بالإعلان عن رغبتها في خروج ذات الموضوعات من نطاق الاتفاقية، لتباشر هي حقها في اللجوء لمبدأ المعاملة بالمثل، الذي لا يسقط بمضي أية مدة.

وخلاصة القول أن مجال تطبيق الاتفاقية يمتد ليشمل:

  1. مسائل القانون الإداري، مع تخويل كل دولة سلطة تحديد بعض الموضوعات التي تخرج من هذا الإطار مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل.
  2. مسائل القانون المالي وبعض المخالفات الجنائية، وذلك وفقًا للأوضاع التي حددتها المادة الأولى بفقراتها الثلاث السابق بيان أحكامها.

ثالثًا: السلطة المركزية

تحمل المادة الثانية من الاتفاقية الأوربية عنوان «السلطة المركزية»، وقد تضمنت في طياتها مزيجًا من الأحكام –بعضها منقولٌ عن اتفاقية لاهاي- وذلك على النحو التالي:

  1. تعين كل دولة طرف سلطة مركزية تكون مهمتها استقبال طلبات المساعدة القضائية في المسائل الإدارية، وذلك مع عدم الإخلال بحق الدول الفيدرالية في إنشاء سلطات مركزية متعددة (المادة 2/1).

وقد ورد في تبرير هذا الحكم أن «الغرض الأساسي من الاتفاقية هو إنشاء قاعدة قانونية للتعاون القضائي في المسائل الإدارية على أساس المجاملة الدولية، ومن ثم كان من المحتم إنشاء سلطات مركزية تكون مهمتها الرئيسية نقل طلبات المساعدة إلى السلطات المختصة، حيث يحقق هذا النظام –من الناحية العملية- فوائد لا يمكن إنكارها، خاصة بالنسبة للجهة طالبة المساعدة. وتتمثل هذه الفوائد في عدم تحمل الجهة الأخيرة عناء تحديد الجهة المختصة، يضاف إلى ذلك أن تولى السلطات المركزية القيام بهذه المهمة سيترتب عليه احترام الأحكام القانونية المنظمة لقواعد الاختصاص، كما سيمكن هذه السلطة من ممارسة نوع من الرقابة على طلبات المساعدة المرسلة من الدول الأجنبية»[23].

  1. لكل دولة –حسب رغبتها- الحق في إنشاء جهات أخرى يكون لها نفس الاختصاصات المخولة للسلطة المركزية، مع تحديد الاختصاص الإقليمي لكل جهة. ومع ذلك يكون للجهة المنيبة الحق -دائما- في طلب المساعدة مباشرة من السلطة المركزية (المادة 2/2).

وما أعجب هذا الحكم، فإذا كانت الاتفاقية قد أجازت للدول إنشاء جهة أو جهات أخرى القيام بنفس وظائف السلطة المركزية، مع تحديد الاختصاص الإقليمي لكل جهة، فإنه من المفترض أن تحل هذه الجهات محل السلطة المركزية، بحيث تكون بديلاً لها، غير أن الاتفاقية لم تقض بهذا المنطق، وإنما قررت –على العكس- للجهات المنيبة الحق الدائم –في أي وقت- في اللجوء إلى السلطة المركزية، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى إنشاء الجهات البديلة. لا شك أن هذا المسلك سيجعل إنشاء هذه الجهات أمرًا عديم الفائدة، حيث يفقد كل قيمة له من الناحية العملية، وذلك في الأحوال التي تفضل الدول الأجنبية اللجوء إلى السلطة المركزية.

  1. لم يقتصر الأمر –في مفهوم الاتفاقية- على إنشاء سلطة مركزية أو أكثر أو جهة بديلة أو أكثر، وإنما امتد أيضًا إلى إنشاء جهة مرسلة أو أكثر تكون مهمتها فقط إرسال طلبات المساعدة للخارج، وذلك حسبما تقرر المادة 2/3 بأنه «لكل دولة متعاقدة الحق في إنشاء جهة مرسلة تكون مهمتها جمع طلبات المساعدة القضائية وإرسالها إلى السلطة المركزية المختصة في البلد الأجنبي، مع الاعتراف بحق الدول الفيدرالية في إنشاء أكثر من جهة مرسلة».

ويترجم هذا النص أحد الاختلافات بين اتفاقيتي لاهاي والاتفاقية الأوربية. فإذا كانت الاتفاقيتان قد قررتا معًا حق –بل والتزام- الدول بإنشاء سلطة مركزية، فإن الاتفاقية الأوربية وحدها زادت على ذلك –إذ لم يكن لهذا الحكم مثيلاً في اتفاقية لاهاي- عندما ذهبت إلى تقرير الحق لكل دولة –دون إلزام- بإنشاء جهة مرسلة «autorité expéditrice» تكون مهمتها تجميع طلبات المساعدة القضائية على مستوى الدولة، لتتولى هي –نيابة عن الجهة المنيبة- مخاطبة السلطات المركزية الأجنبية لنقل الطلبات إليها، دون أن يترتب على هذا الحكم الإخلال بحق الدول الفيدرالية في إنشاء –كما هو الحال بخصوص السلطة المركزية- أكثر من جهة مرسلة.

والحقيقة أن هذا الحكم منتقد، فقيام السلطات المركزية الوطنية بدور الوسيط بين الجهة المنيبة والسلطة المركزية الأجنبية سيؤدى إلى زيادة المراحل الإجرائية التي تطيل من أمد النزاع بلا مبرر. وقد قيل إن الغرض من «إنشاء الجهات المرسلة هو تسهيل تطبيق أحكام الاتفاقية بضمان مطابقة المستندات المرفقة للشروط المطلوبة، وذلك بتمكين الجهات المرسلة من ممارسة دور رقابي على طلبات المساعدة، وبحث مدى مطابقتها لأحكام الاتفاقية»[24]. ولا يفلح هذا التبرير –رغم وجاهته- في أن يكون سندًا قانونيًا كافيًا لإنشاء الجهة المرسلة، حيث كان حريًا بواضعي الاتفاقية أن يضعوا نصب أعينهم ظاهرة بطء التقاضي التي تسود أنحاء متفرقة من العالم، ومحاولة تجنب تفاقم هذه المشكلة باختصار إجراءات الإنابة، مع شحذ همم الجهات المنيبة بمراجعة طلبات الإنابة- قبل إرسالها للجهات الأجنبية. أما والحال كذلك فإن طلب المساعدة القضائية في المسائل الإدارية سيمر –وفقًا للاتفاقية الأوربية- بالمراحل الآتية:

الجهة المنيبة- الجهة المرسلة- السلطة المركزية الأجنبية- الجهة المنابة.

كما سيتم رد الطلب بعد تنفيذه بنفس العدد من المراحل:

الجهة المنابة- السلطة المركزية الأجنبية- السلطة المركزية الوطنية- الجهة المنيبة.

ست مراحل إجرائية لمجرد تداول طلب المساعدة، الذي لا يعدو أن يكون مجرد إجراء من إجراءات الدعوى الأصلية!! كم ستستغرق هذه الإجراءات؟ وكم يتطلب الفصل في الدعوى الأصلية بباقي إجراءاتها؟!.

  1. تأسيسًا على الأحكام السابقة يتعين –عند إرسال طلبات المساعدة القضائية إلى الخارج- التفرقة بين فرضين:

الفرض الأول: إنشاء جهة مرسلة: وهنا تقوم هذه الأخيرة بدور الوسيط بين الجهة المنيبة والسلطة المركزية الأجنبية، حيث تقوم بنقل طلب المساعدة من الجهة الأولى إلى الجهة الثانية.

الفرض الثاني: عدم إنشاء جهة مرسلة: وهنا تسترد السلطة المركزية هذا الدور، وتتولى نقل طلب المساعدة القضائية من الجهة المنيبة إلى السلطة المركزية الأجنبية.

فالأمر إذن يختلف حسب رغبة وظروف كل دولة في إنشاء جهة مرسلة من عدمه. ولا يقتصر الأمر على هذا الحد، حيث حددت الاتفاقية سبيلاً ثالثًا لنقل طلبات المساعدة القضائية للخارج، إذ يكون لكل دولة –حسبما نصت المادة 11- الحق في «استعمال الطريق الدبلوماسي أو القنصلي لنقل طلبات المساعدة إلى السلطة المركزية المختصة في الدول الأجنبية». ورغم ذلك فالطريق الدبلوماسي في مفهوم هذا النص ليس مقصودًا به «الطريق الدبلوماسي التقليدي الذي يتأسس على نقل طلب المساعدة إلى الجهات الدبلوماسية الأجنبية، وإنما المقصود هو نقل السلطات الدبلوماسية الوطنية لطلبات المساعدة مباشرة إلى السلطات المركزية في البلد الأجنبي. وربما يلقى هذا الحل قبولاً لدى الدول، رغبة منها في سرعة تداول هذه الطلبات»[25].

  1. تهيب الاتفاقية بالدول الأعضاء ضرورة إخطار السكرتير العام للاتحاد الأوربي بأسماء وعناوين الجهات المركزية والمرسلة، حتى إعلانها للدول الأخرى على النحو الذي يكفل الوصول إلى درجة حقيقة من التعاون القضائي في المسائل الإدارية (المادة 2/5).

رابعًا: بيانات طلب المساعدة القضائية في المسائل الإدارية

ورد النص على البيانات التي يجب أن يتضمنها طلب المساعدة القضائية بمقتضى نص المادة الخامسة من الاتفاقية التي تقضى بأنه «يجب أن يتضمن الطلب كل البيانات الضرورية لتنفيذ المساعدة القضائية وخاصة:

  1. بيان السلطة طالبة المساعدة.
  2. بيان موضوع وهدف الطلب.
  3. يجب –في حالة الضرورة- بيان اسم وجنسية وعنوان وكذلك كل العناصر المحددة لطبيعة الشخص المختص بتقديم المساعدة».

ويلاحظ أن تعداد هذه البيانات قد ورد بطريقة مقتضبة، ورغم ذلك يجب أن يتضمن طلب المساعدة البيانات الأساسية التي تُعين على فهم موضوع المساعدة بشكل نافٍ للجهالة، مثل بيان طبيعة الدعوى الأصلية وملخص الوقائع والأسئلة المطلوب توجيهها وهل يلزم حلف اليمين أو إجراء الإنابة في شكل خاص.

خامسًا: لغة الطلب

ورد النص على الأحكام المتعلقة بلغة الطلب في المادة التاسعة:

  1. يجب أن يوجه طلب المساعدة ومرفقاته باللغة الرسمية أو بإحدى اللغات الرسمية لدولة التنفيذ، فإن تعذر ذلك وجب أن يكون الطلب مصحوبًا بترجمة بهذه اللغة.
  2. ورغم ذلك تلتزم السلطات المركزية بقبول طلبات المساعدة المحررة بإحدى اللغات الرسمية للاتحاد الأوربي أو المصحوبة بترجمة بإحدى هذه اللغات، ولو لم تكن هذه اللغة هي لغتها الرسمية، ما لم يكن قبول الطلب متعارضًا –في مثل هذه الأحوال- مع نظامها القانوني.
  3. يتقرر الرد على طلب المساعدة:
  1. باللغة أو بإحدى اللغات الرسمية لدولة التنفيذ أو:
  2. بإحدى اللغات الرسمية للاتحاد الأوربي أو:
  3. باللغة أو إحدى اللغات الرسمية للدولة طالبة المساعدة.

والملاحظ على هذه الأحكام التيسير قدر الإمكان، فالتدرج –في شأن لغة الطلب- من اللغة الرسمية لدولة التنفيذ، مرورًا بإحدى اللغات الرسمية للاتحاد الأوربي وانتهاءً بمجرد ترجمة إلى إحدى هذه اللغات، يحمل –بدون شك- تيسيرًا كبيرًا نحو كفالة التعاون القضائي المراد الوصول إليه، وإن كان من المتصور –مع ذلك- أن يؤرق هذا الوضع سلطات دولة التنفيذ، في الأحوال التي لا تكون فيها اللغة المستخدمة في تحرير الطلب هي لغتها الرسمية. والجديد في هذا الحكم هو بيان اللغة التي يتعين استخدامها في رد طلب الإنابة. فالغالب أن تحرص الاتفاقيات على بيان لغة تحرير الطلب دون بيان اللغة التي يرد فيها هذا الطلب بعد تنفيذه، لأن المألوف أن يجرى تنفيذ الطلب والرد عليه –بحكم المنطق- وفقًا للغة دولة التنفيذ. أما وأن حدد النص اللغة التي يتعين استخدامها لتحرير الرد، بل وعدد مجموعة من اللغات يصح هذا الرد بإحداها، فإن ذلك يشكل تطورًا كبيرًا –يجب الإشادة به- نحو تحقيق التعاون القضائي. وتبدو ملامح هذا التطور واضحة عندما يجيز النص إمكانية رد المساعدة بعد تنفيذها إما بلغة دولة التنفيذ، أو بإحدى اللغات الرسمية للاتحاد الأوربي أو بلغة الدولة المنيبة، وما أسعد هذه الأخيرة إذا تم استخدام لغتها في رد الطلب.

ويعود للسلطة المركزية الأجنبية –لدى استقبالها طلب المساعدة- أن تبحث من حيث المبدأ في مدى استجابته للشروط المتطلبة بمقتضى الاتفاقية، خاصة استيفاء البيانات الإلزامية الواردة في المادة الخامسة، وكذلك الأحكام المتعلقة باللغة وفقًا للمادة التاسعة، بحيث إذا ثبت لها مخالفة ما، كان لها أن تخطر مباشرة السلطات طالبة المساعدة بذلك مع تحديد أوجه القصور المنسوبة إلى الطلب. وتعد هذه المهمة «دورًا إضافيًا تسنده الاتفاقية إلى السلطة المركزية، إلا أنه يجب إدراك أن حدود هذا الدور تقتصر على مجرد فحص الطلب من حيث الشكل –كالبيانات واللغة- دون أن تمتد لفحصه من حيث الموضوع وإمكانية رفض القيام به وفقًا لإحدى حالات رفض التنفيذ»[26]، التي سيأتي بيانها لاحقًا.

سادسًا: مصاريف التنفيذ

من غير المتصور أن يتقرر التعاون القضائي مقابل رسوم أو ضرائب ذات طبيعة عامة. فهذا التعاون يتقرر على أساس متطلبات الواقع الدولي ووفقًا لمبدأ المعاملة بالمثل، ومن ثم لا محل للاتجار أو التربح من المساعدة القضائية، ولذا فقد تقرر:

  1. يجرى تنفيذ المساعدة القضائية بطريقة مجانية، فلا يمكن أن يتخذ التنفيذ وسيلة لاسترداد أية مصروفات أو نفقات ذات طبيعة عامة (المادة 8).
  2. لا يُخل بمجانية المساعدة المقررة في المادة السابقة، التزام الدولة طالبة المساعدة استثناءً –وطبقًا للمادتين 18 و21- بتحمل:
  1. المبالغ المستحقة للخبراء والمترجمين بمناسبة تنفيذ طلب المساعدة.
  2. المبالغ المستحقة بسبب تنفيذ طلب المساعدة بواسطة جهة أو شخص خاص. ويهدف هذا الحكم –على ما سيأتي بيانه لاحقًا- إلى «مواجهة الأحوال التي تطلب فيها الجهة طالبة المساعدة معلومات عن النظام الإداري لدولة ما، وتقرر السلطة المركزية في الدولة الأخيرة –بعد موافقة الجهة طالبة المساعدة- عرض الطلب على هيئة خاصة أو قانوني متخصص لا ينتمي إلى الجهاز الإداري للدولة للإجابة على طلب المساعدة وفقًا للمادة 17/2»[27].
  3. المبالغ المستحقة للخبراء أو المترجمين بمناسبة تنفيذ الإنابة القضائية في المسائل الإدارية[28].
  4. المبالغ المستحقة بسبب اتباع شكل خاص –بناء على طلب الجهة المنيبة- في تنفيذ الإنابة.

سابعًا: الالتزام بتقديم المساعدة القضائية

حرصت الاتفاقية على إلزام دولة التنفيذ بالقيام بالمساعدة. ومن ثم يبدو قيام الدول بإجراء المساعدة القضائية في المسائل الإدارية التزامًا قانونيًا يقع على عاتقها بمقتضى أحكام الاتفاقية، وليس مجرد إجراء يتقرر وفقًا للمجاملة الدولية أو المعاملة بالمثل. ورغم ذلك لم تحدد الاتفاقية أجلاً للتنفيذ، حيث قررت مادتها العاشرة:

  1. يجرى الرد على طلب المساعدة على وجه السرعة. وإذا كانت الاتفاقية لم تحدد مدى لهذه السرعة، فإنه يرجع لسلطات التنفيذ تحديد الوقت المناسب الذي يعتبر معه التنفيذ قد تقرر على وجه السرعة.
  2. يتعين على السلطة المركزية في الأحوال التي يحتاج فيها تنفيذ الطلب لمدد أطول أن تخطر السلطة المساعدة بالتاريخ المتوقع لإنهاء التنفيذ.
  3. يرسل طلب المساعدة بعد تنفيذه إلى الجهة الطالبة. وربما يستنتج البعض من هذا الحكم التزام الجهة المنابة بإرسال الطلب المنفذ مباشرة إلى الجهة الأصلية، بما يعنى اختصار بعض المراحل الإجرائية، ولكن مطالعة تقرير المجلس الأوربي عن الاتفاقية يبصر بأن مصطلح الجهة الطالبة يقصد به في هذا المقام المرسل إليه، الذي من المتصور أن يكون[29]:
  1. الجهة المرسلة إذا كان قد قرر إنشاؤها أو:
  2. السلطة المركزية إذا كان إرسال طلب المساعدة قد تقرر أصلاً عن طريقها أو:
  3. الجهة الدبلوماسية أو القنصلية أو:
  4. الجهة الأصلية طالبة المساعدة.

وهو ما يعنى في جميع الأحوال أن المُستقبل لطلب المساعدة القضائية –بعد تنفيذه- هو ذات الجهة التي قامت بإرساله –قبل التنفيذ- إلى السلطة المركزية الأجنبية.

ثامنًا: رفض تنفيذ المساعدة

ليس مستغربًا أن تمتنع سلطات أية دولة عن تقرير التعاون القضائي مع سلطات دولة أخرى إذا ترتب على هذا التعاون انتهاك لأي مبدأ من المبادئ الأساسية التي ينهض عليها نظامها القانوني. فالدولة لا تقبل –ولا يجب عليها أن تقبل- التعاون القضائي مع الدول الأجنبية مقابل التضحية بنظامها القانوني. ولا يختلف موقف الاتفاقية الأوربية بشأن الإثبات في المسائل الإدارية عن هذا الموقف، حيث تقرر رفض المساعدة القضائية الإدارية في الأحوال الآتية:

  1. إذا كان موضوع الطلب لا يدخل في مجال تطبيق الاتفاقية على نحو  ما حددته المادة الأولى.
  2. إذا كان تنفيذ الطلب ينطوي على انتهاك لسيادة أو أمن الدولة أو كان مخالفًا للنظام العام أو للمصالح الأساسية فيها.
  3. إذا كان تنفيذ الطلب ينطوي على النيل من الحقوق أو المصالح الأساسية للأفراد أو كان موضوعه طلب معلومات شخصية لا يجب إفشاؤها.
  4. إذا كان الالتزام بالمساعدة القضائية يتعارض مع القوانين أو العادات الداخلية للدولة.

ويتعين على السلطة المركزية –في حالة رفض تنفيذ الطلب وفقًا لأحد الأسباب المشار إليها- أن تحظر الجهة طالبة المساعدة –مباشرة- بهذا الرفض، مع بيان أسبابه (المادة 7/1).

ونرى أن الاتفاقية قد أفرطت –بدون مقتضى- في تعداد أسباب رفض التنفيذ، فلا شك أن مصطلحات: الانتهاك من سيادة أو أمن الدولة، مخالفة النظام العام أو المصالح الأساسية، الانتهاك من حقوق ومصالح الأفراد، التعارض مع قوانين وعادات الدولة، مصطلحات واسعة وفضفاضة، وتكاد تكون جميعها ترجمة –بل مظاهر- لمصطلح واحد وهو مخالفة النظام العام، فما الداعى إذا لإثقال الاتفاقية بعدة أسباب لا تشكل في حقيقتها إلا وجهين متطابقين لعملة واحدة؟ وتأسيسًا على ذلك ننتهى إلى أن مختلف الأسباب السابقة يمكن تلخيصها –دون إخلال بما تقرره الاتفاقية- في سببين اثنين:

  1. خروج موضوع الطلب عن مجال الاتفاقية.
  2. تعارض موضوع الطلب مع مقتضيات النظام العام.

المطلب الثاني

التعاون القضائي بشأن تبادل المعلومات والمستندات والتحقيقات

تقسيم: حمل الباب الثاني من الاتفاقية عنوان طلب المعلومات والمستندات وإجراء التحقيقات Demandes d’informations, de documents et d’enquêtes وقد اشتمل هذا الباب على ستة مواد، هي المواد من 13 إلى 18. وتقتضى دراسة أحكام المواد المذكورة تقسيم هذا المطلب إلى فرعين، نعالج فيهما: أشكال التعاون القضائي التي تضمنها (الفرع الأول) وكيفية تحقيقه (الفرع الثاني).

الفرع الأول

أشكال التعاون المقررة

في شأن تبادل المعلومات والوثائق

تقسيم: يتضح من عنوان هذا الباب أن أشكال التعاون التي يتضمنها تمتد لتشمل الطلبات التي يكون موضوعها الحصول على معلومات عن القانون الإداري الأجنبي (أولاً)، الحصول على صور من المستندات (ثانيًا)، وكذلك إجراء التحقيقات (ثالثًا).

أولاً: الحصول على معلومات عن القانون الإداري الأجنبي

تتعهد الدول الأطراف، إذا طلب منها ذلك، وتحقيقًا للمصالح الإدارية للجهة طالبة المساعدة، بتقديم المعلومات اللازمة عن قانونها ولوائحها وعاداتها الإدارية (المادة 13). فالتعاون ينصب في مثل هذا الأحوال على الكشف عن مضمون القانون الإداري للدول الأعضاء. وقد تبدو الحاجة ملحة لهذا التعاون في الأحوال التي يتوقف فيها الفصل في الدعوى على معرفة مضمون ذلك القانون. بيد أنه يشترط وفقًا للنص ضرورة التقدم بطلب للسلطات المختصة للحصول على المعلومات اللازمة، فالدول لن تعرض المساعدة تلقائيًا دون التقدم لطلبها، كما يشترط أيضًا أن يتأسس هذا الطلب على تحقيق مصلحة إدارية للجهة طالبة المساعدة.

وقد ورد تعليقًا على هذه المادة أنه[30]:

  1. لم يستلزم النص أن ينصب موضوع الطلب على القوانين السارية، ولذلك فمن المتصور أن يكون موضوعه ليس فقط الحصول على المعلومات بشأن القانون الإداري أو اللوائح أو العادات الإدارية السائدة حاليًا، وإنما من الممكن أن يمد ليشمل القواعد التي كانت في حيز النفاذ، وأكثر من ذلك، فإن مصطلح «القانون واللوائح والعادات» يتسع ليشمل أيضًا القواعد المتعلقة بتسيير العدالة الإدارية.
  2. ليس من المفضل أن يقتصر دور الجهة المطلوب منها المساعدة على مجرد الكشف عن القواعد المطلوبة عن نظامها القانوني، وإنما من المستحسن أن يتناول ردها كذلك بيان القواعد المتبعة في تفسيرها أو كيفية تطبيقها.
  3. يجب أن يكون الرد على طلب المعلومات ليس فقط محايدًا، وإنما موضوعيًا أيضًا، إذ يمتنع على الجهة القائمة بالتنفيذ اقتراح أية حلول قانونية –من وجهة نظرها- للمشكلة المطلوب المساعدة بشأنها.
  4. إذا كان تقديم طلب المعلومات يتم بواسطة الجهة طالبة المساعدة تحقيقًا لإحدى المصالح الإدارية، فإنه يعود إلى السلطة المركزية الأجنبية –المستقبلية للطلب- تحديد مفهوم المصلحة الإدارية التي تبرر الطلب. بالمقابل يعود إلى قانون الدولة طالبة المساعدة تحديد الجهات الإدارية التي يحق لها توجيه الطلب، على ألا يخرج ذلك عن الإطار العام للاتفاقية الذي يحصر هذه الجهات في الأجهزة الإدارية والهيئات القضائية التي تفصل في المسائل الإدارية، وبالتالي لا يمتد هذا المصطلح ليشمل الهيئات الخاصة أو أطراف الدعوى.
  5. يحل هذا الشكل من أشكال المساعدة القضائية –بتقديم المعلومات- محل الشهادات العرفية التي كانت تمنح بواسطة الموظفين القنصليين تحقيقًا لهذا الغرض.
  6. يعتبر هذا الحكم –الوارد في المادة 13- منقولاً عن الاتفاقية الأوربية بشأن الحصول على معلومات عن القانون الأجنبي، الموقعة في 7 يونيو 1968.

ثانيًا: الحصول على صور من المستندات

تلتزم الدول الأطراف، إذا طلب منها ذلك، وتحقيقًا للمصالح الإدارية للجهة طالبة المساعدة، بتقديم مستخرجات أو صور من المستندات الإدارية المطلوب المساعدة بشأنها (المادة 14). والملاحظ أن النص لم يقصر مجال تطبيقه على التحقيقات المتعلقة برعايا الدول الأعضاء، لذلك يمتد نطاقه ليشمل كل صور التعاون التي يكون موضوعها طلب مستخرجات من المستندات الإدارية المتعلقة بأي شخص، سواء كان هذا الشخص ينتمي للدولة طالبة المساعدة أو للدولة المطلوب منها المساعدة أو حتى كان منتميًا لدولة ثالثة. يضاف إلى ذلك –من ناحية أخرى- أن اكتمال الفوائد المرجوة من التعاون القضائي الذي تقرره هذه المادة يتطلب تطبيقه في ضوء الإرشادات –السابقة- المتعلقة بتطبيق المادة13[31].

ثالثًا: إجراء التحقيقات الإدارية

إذا كان الطلب المقدم من الجهة طالبة المساعدة، والذي يهدف إلى تحقيق مصلحة إدارية، موضوع القيام بإجراء من إجراءات التحقيق أو أي إجراء آخر، في الشكل المقرر في قانون أو عادات دولة التنفيذ، فإن الدول الأطراف تتعهد –مباشرة- بالقيام بهذا الإجراء، دون استخدام أية وسيلة من وسائل الجبر (المادة  15). ويواجه هذا النص فرضًا مختلفًا عن الفرضين السابقين، فموضوع الطلب ليس الحصول على معلومات عن النظام الإداري الأجنبي أو حتى الحصول على صور من المستندات والوثائق المتوافرة لدى السلطات الأجنبية، وإنما القيام بإجراء من إجراءات التحقيق الإداري في مواجهة أي شخص مقيم في دولة التنفيذ، ولذلك[32]:

  1. قيل في سبيل مقارنة هذا النص بالنصين السابقين: إن المادتين 13 و14 تمثلان الوجه الساكن L’aspect statique لطلب المساعدة، باعتبار أن موضوعهما ينصب على طلب معلومات متوافرة أساسًا لدى جهة التنفيذ، في حين يمثل نص المادة 15 الوجه الحركىL’aspect dynamique لطلب المساعدة الذي يتطلب لتحققه ضرورة قيام جهة التنفيذ خصيصًا بإجراء مادي وإيجابي للحصول على معلومات أو مستندات جديدة غير متوافرة لديها من حيث المبدأ، وإن كان ذلك يتقرر دون استخدام أية وسيلة من وسائل الجبر.

والحقيقة أننا لا نرى أي مبرر للتحفظ على استخدام القوة الجبرية لإنجاز التحقيق المطلوب، ما دام أن القائم بالتحقيق هو سلطات دولة التنفيذ. ما الفرق بين إجراء التحقيق لخدمة دعوى قائمة أمام القضاء الوطني وبين إجرائه لخدمة دعوى قائمة أمام القضاء الأجنبي، طالما أن المحقق في الحالتين هو نفس السلطة؟ قد يكون مبررًا أن ترفض الدول استخدام جهة أجنبية للقوة الجبرية على أراضيها، ولكن ماذا يكون الحكم لو كان مستخدم القوة هو الدولة الوطنية ذاتها؟ لا شك أن التحفظ على استخدام القوة الجبرية في مثل هذه الفروض ليس مقنعًا. إن تقرير التعاون القضائي الفعال على المستوى الدولي يقتضى مباشرة كل دولة لأي إجراء من إجراءات التحقيق كما لو كان موجهًا لخدمة دعوى قائمة أمام محاكمها، ولاسيما أن هذا التعاون سيتقرر –وفقًا للاتفاقية- بناء على مبدأ المعاملة بالمثل، فبمقدار ما تغرم الدولة ستستفيد.

  1. يتسع مصطلح «التحقيق» ليشمل جميع الإجراءات المنصوص عليها في قوانين الدول الأعضاء ولو لم يكن بعضها داخلاً في المفهوم الفني التقليدي لهذا الاصطلاح، مثل المعاينة او التحقيقات السلوكية أو الاجتماعية وكذلك الأبحاث الإدارية.
  2. يلزم –على أي حال- لإجراء التحقيق المطلوب استنادًا للمادة 15:
  1. تقديم طلب من الجهة طالبة المساعدة.
  2. أن يكون الهدف من الطلب تحقيق مصلحة إدارية لهذه الجهة.
  3. أن يتم تنفيذ الإجراء في الشكل المقرر في قانون دولة التنفيذ.
  4. عدم استخدام القوة الجبرية.

وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن تطبيق هذه الشروط يتقرر في ضوء القواعد والأحكام المتبعة في تفسير وتطبيق المادة 13.

الفرع الثاني

آليات تقرير التعاون في تبادل المعلومات والوثائق

ريما يكون منطقيًا –بعد استعراض الأحكام السابقة- أن يقتصر دور السلطة المركزية على استقبال طلبات المساعدة القضائية وإحالتها إلى الجهات المختصة، حتى تتولى هذه الأخيرة القيام بالتنفيذ، سواء كان موضوع الطلب الحصول على معلومات عن النظام الإداري للدولة، أو الحصول على صور من المستندات والوثائق أو حتى إجراء تحقيق بشأن واقعة معينة، وهو ما يستبعد في جميع الأحوال أي دور إيجابي للسلطة المركزية في هذا الصدد. وليس في ذلك أي خرق للفلسفة المسيطرة على إنشاء السلطة المركزية، التي يمكن تشبيه دورها بالدور الذي تلعبه قاعدة الإسناد في إطار النظرية العامة لتنازع القوانين. فإذا كان معلومًا أن دوره قاعدة الإسناد يقتصر على الإرشاد عن القانون الأجنبي واجب التطبيق على موضوع النزاع، دون الاهتمام بمضمون هذا القانون، فإن دور السلطة المركزية يقتصر على الإرشاد عن الجهة المختصة بتنفيذ المساعدة القضائية، دون الاهتمام بالطريقة التي يتم بها هذا التنفيذ، بل وحتى دون ممارسة أي دور رقابي على الجهة القائمة بالتنفيذ. ورغم ذلك فقد سلكت الاتفاقية الأوربية بشأن المساعدة القضائية في المسائل الإدارية قد سلكت مسلكًا آخر، قوامه المنصوص عليه في مادتها السابعة عشر التي تنص على أنه «1- للسلطة المركزية أن تتولى بنفسها إذا كانت مختصة، الإجابة على طلب المساعدة أو إحالته إلى الجهة المختصة لتتولى الإجابة عليه. 2- للسلطة المركزية، في الأحوال التي تتطلب ذلك، أو لأسباب تتعلق بالتنظيم الإداري للدولة، وبعد موافقة الجهة طالبة المساعدة، أن تحيل طلب المعلومات المنصوص عليه في المادة 13 إلى هيئة خاصة أو قانوني متخصص للإجابة عليه». ومطالعة هذا النص توحى بأن هناك طريقتين مختلفتين للتنفيذ: الطريقة الأولى: تتمثل في تنفيذ طلب المساعدة في إطار الهيكل الإداري للدولة. والطريقة الثانية: تتجسد في تنفيذ الطلب خارج إطار الهيكل الإداري للدولة.

الطريقة الأولى: تنفيذ طلب المساعدة في إطار الهيكل الإداري للدولة

يتسع نطاق هذه الطريقة –وفقًا للمادة 17/1- ليشمل تنفيذ كل طلبات المساعدة –المقررة في الباب الثاني- أيًا كان نوعها، أي سواء كان موضوع الطلب:

  • الحصول على معلومات عن النظام الإداري للدولة وفقًا للمادة 13 أو:
  • الحصول على صور من المستندات والوثائق تطبيقًا للمادة 14 أو:
  • إجراء تحقيق على نحو معين استنادًا للمادة 15.

وإذا كان نطاق هذه الطريقة يتسع ليشمل مختلف أشكال التعاون المقررة في الباب الثاني من الاتفاقية، فإنه من المتصور مع ذلك –طبقًا لنص المادة 17- أن يتم تنفيذ التعاون بأسلوبين مختلفين:

  1. تولى السلطة المركزية ذاتها الإجابة على طلب المساعدة إذا كانت مختصة بذلك. ولم يحدد النص حالات اختصاص السلطة المركزية بطلب المساعدة، كما لم يحدد أي معيار لتعيين هذا الاختصاص، وبالتالي يعود لقانون كل دولة مهمة تحديد الحالات التي تختص فيها السلطة المركزية بالإجابة على طلبات المساعدة.
  2. إحالة طلب المساعدة إلى الجهة المختصة. ويعد هذا الإجراء هو العادي والمألوف في نظام المساعدة القضائية، فالغرض الأساسي من إنشاء السلطة المركزية هو كفاية الجهة الأجنبية عناء البحث عن الجهة المختصة، لتتحمل هي عبء القيام بهذه المهمة وفقًا للأصول المقررة في القوانين الداخلية للدولة التي تمثلها، على أن تقوم الجهات المختصة –فيما بعد- بتنفيذ طلب المساعدة، وهو ما ينفى قيام السلطة المركزية بأدوار إيجابية ملموسة في هذا الفرض.

الطريقة الثانية: تنفيذ طلب المساعدة خارج إطار الهيكل الإداري للدولة

لا تعد هذه الطريقة –استنادَا للمادة 17/2- أسلوبًا عامًا في تقديم المساعدة القضائية، وإنما يقتصر نطاقها فقط على طلبات المساعدة المحررة وفقًا للمادة 13 دون تلك الموجهة استنادًا للمادتين 14 و15. ورغم ذلك يعد هذا الحكم –أيضًا- من مستجدات الاتفاقية الأوربية، حيث أجاز أن تقوم جهة أخرى –من غير الجهات التابعة للدولة كمكتب محاماة أو قانوني متخصص- بتنفيذ طلب المساعدة القضائية، ولذلك كان نص المادة 17/2 واضحًا في تقرير مجموعة من الشروط والضوابط التي تكفل حسن تقديم المساعدة القضائية في مثل هذه الأحوال:

  1. أن يكون الطلب محررًا وفقًا لنص المادة 13، ويكون الطلب محررًا وفقًا لنص المادة 13 إذا كان موضوعه طلب معلومات عن القانون الإداري أو اللوائح أو العادات للدولة الأجنبية. وتأسيسًا على ذلك يخرج عن إطار تنفيذ المساعدة القضائية بهذه الطريقة الطلبات التي يكون موضوعها الحصول على صور من المستندات والوثائق استنادًا للمادة 14، وكذلك الطلبات التي يكون موضوعها إجراء تحقيق معين على أراضى الدولة بالتطبيق للمادة 15، وهو ما يجعل من تنفيذ المساعدة القضائية خارج إطار الهيكل الإداري للدولة طريقًا استثنائيًا لا يتم اللجوء إليه إلا بخصوص طلبات المساعدة المحررة وفقًا للمادة 13.
  2. أن تتطلب طبيعة النظام الإداري للدولة إحالة طلب المساعدة إلى هيئة خاصة أو قانون متخصص، وهو ما يعنى عدم اللجوء إلى هذه الطريقة إلا في أضيق الحدود. فإذا كان نص المادة 17/2 قد أجاز للسلطة المركزية إحالة طلب المساعدة إلى هيئة خاصة كـ«مكتب محاماة» أو قانوني متخصص كـ«أستاذ قانون إداري»، فإن هذه الإمكانية لا تمارس إلا في أحوال معينة. وقد عين النص هذه الأحوال بالأوضاع التي تقتضى فيها طبيعة التنظيم الإداري للدولة أن يكون القائم بالتنفيذ شخصًا أو جهازًا خاصًا، ويعود لكل دولة مهمة تحديد الأحوال التي يمكن فيها تنفيذ المساعدة القضائية بواسطة الأجهزة الخاصة بدلاً من تنفيذها بواسطة الأجهزة الإدارية للدولة.
  3. الموافقة المسبقة للجهة طالبة المساعدة، إذ لا يحق للسلطة المركزية إحالة الطلب إلى جهاز خاص بمجرد تلقيها إياه، دون الحصول على موافقة الجهة طالبة المساعدة. وبعبارة أخرى «لا يجوز للسلطة المركزية أن تحيل طلب المساعدة بصفة آلية إلى هيئة خاصة، دون الموافقة المسبقة للجهة طالبة المساعدة. ويتأسس هذا الحكم على الرغبة في عدم نشوء اختلال في التوازن المالي لتطبيق الاتفاقية، بسبب التنفيذ الخاص للمساعدة القضائية. ومع ذلك يمكن التغاضي عن هذا الشرط في الأحوال التي لا تنوى فيها السلطة المركزية مطالبة الجهة طالبة المساعدة بالمبالغ المستحقة بسبب التنفيذ الخاص لطلب المساعدة»[33].

ورغم أن التنفيذ يتم وفقًا للطريقة الأخيرة خارج إطار الهيكل الإداري للدولة، فإنه –مع ذلك- يسير في طريق الاعتراف بالمزيد من الأدوار الإيجابية للسلطة المركزية. فلا شك أن تحمل هذه الأخيرة عبء تقدير تنفيذ الطلب بواسطة جهاز خاص، بالإضافة إلى البحث عن أفضل العناصر الخاصة لتنفيذ الطلب يعد دورًا إيجابيًا جديدًا يخرج بهذه السلطة عن إطار الدور التقليدي كوسيط بين الجهتين المنيبة والمنابة. وأكثر من ذلك، فإنه في الأحوال التي يتقرر فيها تنفيذ المساعدة بواسطة هيئة أخرى غير السلطة المركزية –سواء كانت هذه الهيئة هي الجهة المختصة أساسًا بالتنفيذ أو كانت ممثلة في جهاز خاص- فإن ذلك لا يعنى «إنجاز السلطة المركزية لالتزاماتها بمجرد إحالة الطلب إلى أي من هاتين الجهتين، وإنما تظل هذه السلطة مسئولة عن دورها الرقابي بشأن جودة تنفيذ المساعدة، خاصة في الأحوال التي يتم فيها التنفيذ خارج إطار الهيكل الإداري للدولة تطبيقًا للمادة 17/2»[34].

المطلب الثالث

الإنابة القضائية في المسائل الإدارية

تقسيم: ورد تنظيم الإنابة القضائية في المسائل الإدارية commission rogatoire en matière administrative في الباب الثالث من الاتفاقية. وقد اشتمل هذا الباب –فقط- على أربع مواد، هي المواد من 19 إلى 22، حيث خصصت كل مادة تقريبًا لتنظيم ناحية معينة من النواحي المختلفة للإنابة. ورغم ذلك يمكن تأصيل موضوع هذه المواد في مسألتين أساسيتين: تنفيذ الإنابة بواسطة الدول الأجنبية (الفرع الأول)، والتنفيذ المباشر للإنابة بواسطة أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية (الفرع القاني).

الفرع الأول

تنفيذ الإنابة بواسطة السلطات الأجنبية

تقسيم: آلية تنفيذ الإنابة بواسطة السلطات الأجنبية (أولاً) والقانون الواجب التطبيق (ثانيًا) وحالات رفض هذا التنفيذ (ثالثًا) ثلاث مسائل تشكل محور دراسة هذا الفرع.

أولاً: آلية تنفيذ الإنابة

تنص المادة 19/1 من الاتفاقية الأوربية على أنه «للمحاكم الإدارية أو لأي جهة أخرى تباشر وظيفة قضائية في المجال الإداري أن تطلب، وفقًا لأحكام قانونها، وبمقتضى الإنابة القضائية، من السلطة المركزية لأي دولة طرف أن تباشر بواسطة الجهات المختصة أي إجراء من إجراءات التحقيق بشرط ألا يتعارض هذا الإجراء مع الأحكام المقررة في قانون هذه الدولة». ولا يخرج النص في فلسفته عن الأحكام العامة في الإنابة. فالفرض أن هناك دعوى قائمة أمام القضاء الإداري –أو أمام أية سلطة أخرى تباشر وظيفة قضائية في المجال الإداري- يتطلب الفصل فيها ضرورة القيام أولاً بإجراء معين من إجراءات التحقيق على أراضى إحدى الدول الأعضاء، فهنا يمكن للجهة التي تنظر الدعوى أن تلجأ للإنابة، لمطالبة القضاء الأجنبي بالقيام بهذا الإجراء مع خضوع الحق في طلب الإنابة لقانون الدولة المنيبة.

ولم يعط النص للسلطة المركزية أي دور إيجابي في تنفيذ الإنابة، وإنما يقتصر دور هذه السلطة على مجرد استقبال طلبات الإنابة وإحالتها –طبقًا للأحكام المتعلقة بالاختصاص- للجهة المختصة بالتنفيذ. ويبدو هذا الحكم مؤكدًا بالنص السابق الذي يقرر أن طلب الإنابة وإن كان يوجه –كما هو معتاد- للسلطة المركزية، فإن تنفيذها يتم «بواسطة الجهات المختصة». ولا شك أن مباشرة السلطات المركزية لعملها في تعيين الجهات المختصة يتحدد في ضوء أحكام الاختصاص المقررة في القوانين الداخلية للدول الأعضاء. وقد اشترط النص من ناحية أخرى عدم تعارض الإجراء موضوع الإنابة مع الأحكام المقررة في قانون الدولة المنابة. وليس هذا هو الموضع الصحيح لمثل هذا الشرط، فضلاً عن أنه لا يحمل إلا تكرارًا –غير مبرر- لأحكام الامتناع عن تنفيذ المساعدة المقررة في مواضع أخرى من الاتفاقية.

وربما يتبادر إلى الذهن أن هناك تعارضًا بين نصوص الاتفاقية، إذ كيف يمكن التوفيق بين مسلكها عندما أجازت القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق استنادًا للمادة 15 السابق بيانها، وبين القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق ولكن وفقًا للإنابة القضائية، تطبيقًا للمادة 19/1 محل الحديث؟ لماذا يتقرر اللجوء إلى الإنابة القضائية في حين أنه يمكن طلب التحقيق مباشرة، وربما بوسيلة قد تعتبر أسرع وأبسط وفقًا للمادة 15؟ ولماذا إعادة النص على الإنابة القضائية؟ وهل تعتبر الإنابة القضائية طريقًا احتياطيًا أم مكملاً للمادة 15؟

للإجابة على مختلف هذه التساؤلات، يجب أولاً إدراك فارقين جوهريين بين نصي المادتين 15 و19/1:

  1. التحقيق الذي يراد إجراؤه طبقًا لنص المادة 15 يتقرر تنفيذه دون استخدام القوة الجبرية، ومن هنا يتوقف القيام به على مدى مثول الأطراف محل التحقيق أمام سلطات التنفيذ، وذلك بعكس التحقيق الذي يطلب إنجازه بمقتضى الإنابة القضائية، حيث يمكن للسلطات المنابة استعمال القوة الجبرية[35].
  2. يتسع موضوع التحقيق المطلوب القيام به استنادًا للمادة 15 ليشمل –كما سبقت الإشارة- بعض الإجراءات التي لا تدخل في المفهوم الفني للاصطلاح مثل إجراء التحقيقات السلوكية والاجتماعية والأبحاث الإدارية، ومن ثم قد لا تعتبر مهمة التحقيق مهمة قانونية وفقًا للمعنى التقليدي لهذا المصطلح. في حين يتسع التحقيق موضوع الإنابة –الذي يتقرر باستخدام القوة الجبرية- ليشمل مختلف الإجراءات القانونية مثل تحليف اليمين، أو استجواب الشهود، أو إحالة الطلب لخبير لإبداء الرأي… إلخ[36].

يتضح مما سبق أن موضوع التحقيق الوارد في المادة 15 موجه أكثر إلى نواح معينة، على النحو الذي يسع الإجراءات المشار إليها في حين يتوجه التحقيق الوارد في المادة 19 ليشمل وجهة أخرى، وهى الإجراءات التي من المفترض أن تشكل موضوعًا للإنابة من حيث المبدأ. ويدفعنا هذا الدور التبادلي إلى التأكيد على الطابع التكميلي الذي يحكم العلاقة بين المادتين المذكورتين، حيث تكمل كل منهما الأخرى. ورغم ذلك فقد تكون المادة 19 طريقًا احتياطيًا للمادة 15، وذلك في الأحوال التي يطلب فيها إجراء تحقيق معين وفقًا لها، مع رفض أطراف التحقيق –حيث لا تبيح هذه المادة استخدام القوة الجبرية- المثول أمام سلطات التنفيذ، إذ تضطر هنا الجهة طالبة المساعدة إلى اللجوء إلى الإنابة القضائية للقيام بذات الإجراء من جديد، ولكن استنادًا لنص آخر، هو نص المادة 19/1. وبذلك تحتفظ الإنابة بذاتيتها كإجراء أصيل يتمتع بسلطة الجبر لإكراه الأطراف على المثول أمام سلطات التنفيذ.

وإذا كان يشترط في حكم النص السابق عدم تعارض موضوع الإنابة مع القوانين الداخلية لدولة التنفيذ، فإنه لا يمكن –بالإضافة إلى ذلك- «المطالبة بأي إجراء من إجراءات التحقيق للحصول على أدلة الإثبات إلا بخصوص الدعاوى القائمة فعلاً أو المتصور حدوثها في المستقبل»[37]. وينطوي تطبيق هذا الشرط على «منح دولة التنفيذ لسلطات إضافية في رقابة استخدام الإنابة في الدول الأجنبية، بحيث توجه نتائجها فعلاً لدعوى قائمة أو محتملة. ورغم ذلك سيلقى هذا النص مساحة ضئيلة في التطبيق، إذ من النادر أن تلجأ هيئة قضائية للمطالبة بالإنابة لمجرد الفضول par simple curiosité دون أن يكون هناك نزاع قائم أو متصور حدوثه في المستقبل»[38].

ثانيًا: القانون الواجب التطبيق

بينت المادة 20 من الاتفاقية الأحكام المتعلقة بتحديد القانون الواجب التطبيق على النحو التالي:

  1. تخضع الإنابة من حيث الشكل لقانون الدولة المنابة. وليس هناك من تعليق أكثر من القول باتفاق هذا الحكم مع القواعد العامة التي تقضى بخضوع الشكل للقانون الذي يجرى في ظله العمل القانوني.
  2. يحدد قانون الشكل كذلك وسائل الجبر التي يمكن اللجوء إليها من أجل تنفيذ الإنابة.
  3. يحق للجهة المنيبة أن تطلب تنفيذ الإنابة في شكل خاص بشرط عدم تعارض هذا الشكل مع قانون وعادات دولة التنفيذ، ومع الإخلال –من ناحية أخرى، حسبما تقرر المادة 21- بضرورة تحمل هذه الجهة للنفقات الخاصة التي يتطلبها تنفيذ الإنابة في هذا الشكل.

ويتضح من هذا النص سكوت الاتفاقية عن بيان القانون الواجب التطبيق على موضوع الإنابة، ولا مناص لملء هذا الفراغ إلا باللجوء لقانون الدولة المنابة، الذي يجتمع له –في هذا الخصوص- الاختصاص الكامل بحكم الإنابة القضائية في المسائل الإدارية، شكلاً وموضوعًا. ويتعين –رغم ذلك- على سلطات التنفيذ أن تأخذ في اعتبارها أن التحقيق موضوع الإنابة «يعتبر دائمًا بمثابة إجراء تابع للدعوى الأصلية، ومن ثم يجب تلافى أي تنافر بين هذا الإجراء التابع والدعوى الأصلية، بما يعنى ضرورة إجراء الإنابة في ضوء فلسفة قانون الدعوى الأصلية وأهدافه»[39].

ثالثًا: عدم تنفيذ الإنابة

يتضح من استعراض نصوص الاتفاقية أنها فرقت بين طائفتين من الأسباب لعدم تنفيذ الإنابة: الطائفة الأولى تتعلق برفض التنفيذ في حين تتناول الطائفة الثانية الامتناع عن التنفيذ:

  1. رفض تنفيذ الإنابة: للجهة المنابة أن ترفض التنفيذ إذا كان موضوع الإنابة لا يدخل في اختصاص الهيئات المكونة لقضائها الإداري أو في اختصاص أية هيئة أخرى تمارس وظيفة قضائية ذات طابع إداري (المادة 19/ 3). ويعد هذا هو السبب الوحيد في مفهوم النص المذكور لرفض تنفيذ الإنابة في المسائل الإدارية. وربما يبدو مستغربًا لدى البعض عدم تحفظ النص على أحكام النظام العام كسبب لرفض تنفيذ الإنابة. وسرعان ما تتبدد هذه الدهشة إذا تذكرنا نص المادة 7/1-السابق بيان قواعدها في الأحكام العامة- والتي تضمنت مجموعة أخرى من أسباب رفض التنفيذ، حيث عددت في هذا الخصوص، أربعة أسباب، تستطيع السلطات المنابة الارتكان –فقط- إلى أحدها لرفض القيام بالإجراء المطلوب. وقد كان من بينها ثلاثة أسباب تعد في حقيقتها –وإن كانت بعبارات مختلفة- ترجمة لأحكام النظام العام. ويبدو هذا الحكم مؤكدًا بالتقرير الذي أعده المجلس الأوربي عن الاتفاقية، إذ ورد فيه أن الحكم الوارد في المادة 19/3 «رفض تنفيذ الإنابة لعدم دخولها في اختصاص القضاء الإداري للدولة» يعد «حكمًا مكملاً لأحكام المادة 7/1»[40]. وتأسيسًا على ذلك تتعدد أسباب رفض تنفيذ الإنابة القضائية في المسائل الإدارية لتشمل –بالإضافة إلى السبب الوارد في المادة 19/3- الأسباب المنصوص عليها في المادة 7/1، لتصير في النهاية كالتالي:
  • خروج موضوع الإنابة عن مجال تطبيق الاتفاقية حسبما قررته المادة الأولى.
  • عدم دخول موضوع الإنابة في اختصاص القضاء الإداري للدولة المنابة.
  • تعارض تنفيذ الإنابة مع أحكام النظام العام بصوره المختلفة التي عددتها المادة 7/1، الانتهاك من سيادة أو أمن الدولة، النيل من الحقوق أو المصالح الأساسية للأفراد، التعارض مع القوانين والعادات الداخلية لدولة التنفيذ.
  1. الامتناع عن التنفيذ: للسلطات المنابة أن تمتنع عن التنفيذ –وفقًا للمادة 20/3- إذا كان الشخص موضوع الإنابة معفى من القيام بهذا الإجراء:
  • سواء وفقًا لقانون الدولة المنابة أو:
  • وفقًا لقانون الدولة المنيبة.

وإذا كانت الاتفاقية قد حاولت التوفيق قدر الإمكان بين قانوني الدولة المنابة والمنيبة فيما يتعلق بشكل الإنابة –حيث قررت خضوعه بصفة أساسية لقانون الدولة المنابة مع إمكان خضوعه لقانون الدولة المنيبة- فها هي تحاول من جديد التوفيق بين هذين القانونين بشأن الإعفاء من تنفيذ الإنابة، وذلك باتباع مذهب التطبيق الجامع أو المشترك، بالامتناع عن التنفيذ إذا كان الشخص موضوع الإنابة معفى من القيام بهذا الإجراء وفقًا لقانون أي من الدولتين المنيبة أو المنابة.

الفرع الثاني

التنفيذ المباشر للإنابة القضائية

بواسطة الدبلوماسيين والقنصليين

فصلت اتفاقية لاهاي لعام 1970 بشأن الحصول على أدلة الإثبات في الخارج في بيان الأحكام المتعلقة بالاستفادة من أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية في جمع أدلة الإثبات المدنية والتجارية، حيث ميزت في هذا الخصوص بين دور الفئات المذكورة في الحصول على أدلة الإثبات في مواجهة رعايا الدولة الوطنية، وبين دورهم في الحصول على هذه الأدلة في مواجهة رعايا دولة التنفيذ أو رعايا دولة ثالثة[41]. وإذا كانت الاتفاقية الأوربية قد قررت اللجوء إلى هذه الوسيلة لجمع أدلة الإثبات، فإن هذا اللجوء قد جاء مقتضبًا، وبمقتضى نص واحد فقط، هو نص المادة 22 التي تنص على أنه «لا تمنع أحكام هذا الباب –أي الباب الثالث وموضوع الإنابة القضائية في المسائل الإدارية- الدول الأطراف من الاستعانة بأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية للقيام بالتنفيذ المباشر لإجراءات التحقيق، ما لم يكن قانون دولة التنفيذ يمنع القيام بهذا الإجراء». ويتضح حرص النص على ضرورة عدم معارضة قانون دولة التنفيذ لأسلوب الاستعانة بأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية في جمع أدلة الإثبات. وخلاف ذلك، لم يحدد النص أي شروط أو ضوابط أخرى لتنفيذ الإنابة القضائية بواسطة هذه الفئات، حيث لم يحدد مثلاً: هل تتسع سلطة الفئات المذكورة لتشمل تنفيذ الإنابة في مواجهة رعايا جميع الدول؟ أم تقتصر فقط على رعايا الدولة الوطنية؟ هل يلزم الحصول على إذن مسبق من سلطات دولة أم تتم الإنابة مباشرة دون إذن؟ هلى يحق لأعضاء هذه الفئات الاستعانة بالقوة الجبرية؟

سكت النص عن بيان حكم مختلف هذه المسائل، ومع ذلك فقد ورد في تقرير المجلس الأوربي عن هذا النص ما يكفى لتصحيح هذه الأوضاع[42]:

  1. إن الهدف من هذا النص هو التسهيل –قدر الإمكان- من تنفيذ الإنابة القضائية في الخارج، عن طريق تقرير وسيلة اختيارية ومفيدة، دلت عليها التجربة العملية، ومنصوص عليها في اتفاقيات أخرى مثل اتفاقية لاهاي بشأن الإثبات في المسائل المدنية والتجارية الموقعة في 18 مارس 1970، والاتفاقية الأوربية المتعلقة بالموظفين القنصليين التي تم توقيعها في 11 ديسمبر 1967.
  2. إذا كان النص قد علق تنفيذ الإنابة القضائية –وفقًا لهذا الأسلوب- على عدم التعارض مع قانون دولة التنفيذ، فإنه –بالمقابل- لم يحدد أي معيار لهذا التعارض، ولذا يمكن القول بأنه من المتصور –بصفة عامة- رفض تنفيذ الإنابة القضائية بواسطة المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين إما بسبب طبيعة الإجراء موضوع الإنابة أو بسبب جنسية الشخص محل التحقيق، كأن يكون منتميًا لدولة التنفيذ مثلاً.
  3. يخضع التنفيذ المباشر للإنابة القضائية بواسطة أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية بين الدول الأعضاء –من الناحية العملية- لشرط الحصول على الإذن المسبق قبل القيام بالتنفيذ.
  4. تجدر الإشارة إلى أن معظم الدول الأوربية لا تقبل التنفيذ المباشر للإنابة القضائية –بواسطة البعثات الدبلوماسية والقنصلية- إلا – فقط – في مواجهة رعايا الدول التي ينتمون إليها، وهو ما يعنى عدم إمكان تنفيذ الإنابة –باتباع هذا الأسلوب- في مواجهة رعايا دولة التنفيذ أو حتى في مواجهة رعايا دولة ثالثة.
  5. تأسيسًا على ما سبق، ستشهد إمكانية التنفيذ المباشر للإنابة القضائية مقارنة بالتنفيذ غير المباشر «بواسطة سلطات الدولة الأجنبية» قدرًا ضئيلاً في التطبيق، خاصة وأن أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية لا يمكنهم الاستعانة بالقوة الجبرية اللازمة للتنفيذ ولو حتى في مواجهة رعايا دولهم.

المطلب الرابع

أحكام عامة

تضمنت الاتفاقية –في بابها الرابع والأخير- مجموعة من الأحكام الختامية، يعتبر بعضها جديدًا على نحو قد يندر معه وجود مثل هذه الأحكام في اتفاقية أخرى. وذلك على النحو التالي:

أولاً: تحديد الإقليم أو الأقاليم التي تسرى عليها الاتفاقية

تكتسب أي معاهدة –بعد التصديق عليها- القوة القانونية للتشريعات العادية، حيث تصير قانونًا ملزمًا لكل سلطات الدولة، مع سمو أحكامها في ذات الوقت على مختلف القواعد التي تقضى بها القوانين الداخلية، باعتبار أن كل دولة مطالبة بتعديل تشريعاتها الوطنية بما يتفق مع التزاماتها الدولية. وإذا كان ذلك كذلك، وإذا كان من المفترض أن تسرى الاتفاقية على كل الأجزاء المكونة لإقليم الدولة، فإنه يمكن وفقًا للاتفاقية الأوربية بشأن الإثبات في المسائل الإدارية «لكل دولة طرف لحظة التوقيع أو التصديق أو الانضمام إلى الاتفاقية أن تحدد الجزء أو مجموعة الأجزاء من مساحتها الكلية التي تسرى عليها أحكام هذه الاتفاقية» (المادة 26/1).

ومن عجب أن يتقرر التعاون القضائي مع الدول الأجنبية بطريقة جزئية، بأن يُتصور تنفيذ الإنابة القضائية في الإقليم الشمالي مثلاً في حين لا يمكن القيام بذلك في الإقليم الجنوبي، أو يتصور القيام بهذه المهمة في مجموعة من الولايات أو المقاطعات المكونة للدولة في حين لا يمكن القيام بذلك في باقي الولايات أو  المقاطعات المكونة لها. ربما يكون الدافع وراء هذا النص هو تحفيز الدول على الانضمام للاتفاقية، لاكتساب المزيد من الأنصار.

ثانيًا: مدى إمكانية التحفظ على أحكام الاتفاقية

تتجه الكثير من الاتفاقيات الدولية –خاصة المعاهدات التي تتناول بعض الموضوعات الحساسة- إلى تقرير آلية التحفظ على بعض أحكامها، وهى الأحكام التي تشكل أهمية خاصة بالنسبة لبعض الدول، على النحو الذي قد تعتبر معه هذه الأحكام عقبة أمام انضمامها إليها، وهو ما يدفع واضعي الاتفاقية إلى تفضيل التضحية ببعض الأحكام، بدلاً من التضحية بعضو أو مجموعة من الأعضاء، حيث يتأسس هذا المسلك على تحفيز الدول على الانضمام للاتفاقية، لاكتساب المزيد من الأنصار.

ولاشك أن التعاون القضائي في المسائل الإدارية؛

بطلب معلومات عن القانون الإداري الأجنبي أو:

الحصول على صور من المستندات والوثائق أو:

طلب إجراء تحقيق إداري أو:

اللجوء إلى الإنابة القضائية في المسائل الإدارية أو:

التنفيذ المباشر للإنابة بواسطة المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين،

يعتبر من المستجدات التي قد تثير قلق الدول إزاء الحساسية التي تتمتع بها هذه الموضوعات. ولا يظن ظانٌ أن الاتفاقية قد استسلمت لهذا الاعتبار، وأجازت التحفظ على أحكامها، بل إنها سلكت في ذلك مسلكًا عكسيًا عندما قضت بأنه «لا يمكن بأي حال أن تكون الأحكام التي تتضمنها الاتفاقية محلاً لأي تحفظ، عدا الحكم الوارد في المادة 16/2[43].

وهكذا كفلت الاتفاقية –باستثناء الحكم المشار إليه- النفاذ لكل أحكامها، فكل ما تضمنته من نصوص ومواد، تعتبر –من بدايتها إلى نهايتها- واجبة التطبيق في حق كل الدول الأعضاء، عدا حكم الفقرة الثانية من المادة السادسة عشرة. ويتعلق موضوع هذه الفقرة ببيان القواعد التي يتعين على الجهة طالبة المساعدة الالتزام بها عند استخدام المعلومات وصور المستندات والوثائق والتحقيقات التي تم الحصول عليها من الدول الأعضاء. ويتطلب حسن الفهم لهذا الحكم ضرورة التعرض –شيء من التفصيل- لنص المادة السادسة عشرة، والذي تضمن ثلاث فقرات على النحو التالي:

الفقرة الأولى: لا يمكن، بناء على طلب السلطة المركزية، أن تستخدم الجهة طالبة المساعدة المعلومات وصور المستندات والوثائق التي يتم الحصول عليها تطبيقًا لأحكام الاتفاقية في غير الأغراض المنصوص عليها في طلب المساعدة.

الفقرة الثانية: لكل دولة أن تتحفظ، في أية لحظة، على الحكم الوارد في الفقرة الأولى، إذا تعارض مع الأحكام التي تقضى بها قوانينها الداخلية أو عادتها الإدارية.

الفقرة الثالثة: للسلطة المركزية أن ترفض، في أية لحظة، وبصدد كل حالة على حدة، تنفيذ الطلبات المرسلة من الدولة التي تحفظت على الحكم الوارد في الفقرة الأولى.

والذي تريد هذه المادة تقريره هو ترشيد وتوظيف المعلومات والمستندات التي يتم الحصول عليها من الدول الأعضاء، بحيث لا يتم استخدامها إلا بخصوص الدعوى الأصلية التي تقررت المساعدة من أجلها «الفقرة الأولى». وإذا كان هذا الاستعمال المقيد قد لا يروق لبعض الدول، فإنه يمكنها التحفظ عليه على النحو الذي يمكنها من استخدام المعلومات والمستندات – ليس فقط في الدعوى الأصلية – وإنما بخصوص أي غرض آخر يحقق مصلحة من مصالحها الإدارية «الفقرة الثانية». وقد لا يلقى هذا الحكم بدوره قبولاً لدى الدولة التي قدمت المساعدة، لذا أجازت الاتفاقية للسلطة المركزية في هذه الدولة أن ترفض تنفيذ طلبات المساعدة المرسلة من الدول التي ترغب في استخدام المعلومات والوثائق محل التعاون استخدامًا موسعًا، بحيث لا يقتصر فقط على الدعوى الأصلية، وإنما يمتد ليشمل جميع الأحوال التي تتحقق فيها مصلحة من مصالحها الإدارية «الفقرة الثالثة».

وبالتأمل في أحكام المادة 16 نجد أنها تقرر –مع فقرتيها الأولى والثانية- الآلية والآلية المضادة. آلية التحفظ على حكم الفقرة الأولى، بحيث يمكن استغلال التعاون في غير الدعوى الأصلية، والآلية المقابلة لهذا التحفظ، وقوامها تحديد الجزاء المناسب، وهو تعرض طلب المساعدة القضائية لعدم التنفيذ. وقد يثنى هذا الأسلوب الدول الأعضاء عن ممارسة رخصة التحفظ على حكم الفقرة الأولى، حتى لا تتعرض طلبات المساعدة المرسلة منها لجزاء عدم التنفيذ، وهو ما يؤدى في النهاية إلى ندرة استعمال رخصة التحفظ على هذا الحكم. وهكذا يمكننا أن نقرر –وهو أمر يحسب للاتفاقية الأوربية بشأن الإثبات في المواد الإدارية- أن الاتفاقية محل الحديث قد كفلت –وحسنًا فعلت- التنفيذ لمختلف أحكامها، دون تقرير أية رخصة حقيقية للتحفظ، اللهم إلا في هذا الإطار بالغ الضيق المقرر في المادة 16.

ثالثًا: دعوة الدول الأوربية غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي للانضمام للاتفاقية

يعد الاتحاد الأوربي منظمة إقليمية تسعى دائمًا إلى تطوير كافة أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بغرض الوصول إلى قوة سياسية وقانونية حقيقية، تحاول إيجاد التوازن في عالمنا المختل. وإذا كانت كل الدول المكونة للقارة الأوربية ليست أعضاء في الاتحاد الأوربي، وإذا كانت اتفاقية الإثبات في المسائل الإدارية لعام 1978 قد أبرمت في رحاب هذا الاتحاد، فمن الطبيعي أن تقتصر إمكانية اكتساب عضويتها على الدول المكونة له، دون تلك المكونة للقارة الأوربية. بيد أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي راعت بُعدًا آخر أكثر أهمية، وهو تحقيق التعاون القضائي بين مختلف دول القارة ولو لم يكن بعضها عضوًا في هذا الاتحاد، ولهه الأسباب تحمل المادة 25 من الاتفاقية عنوان «انضمام دولة غير عضو في المجلس الأوربي»، وتنص على أنه «1- يتولى مجلس وزراء الدول الأوربية، بعد دخول الاتفاقية حيز النفاذ، دعوة أية دولة غير عضو «في الاتحاد الأوربي» للانضمام إليها، وذلك بأغلبية ثلثي أعضاء الاتحاد، على أن تتضمن هذه الأغلبية إجماع الدول الأطراف في الاتفاقية. 2- تكتسب الدولة الجديدة عضوية الاتفاقية بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع وثيقة الانضمام لدى السكرتير العام للاتحاد الأوربي». وبهذا النص فتحت الاتفاقية أمام أحكامها السبيل لغزو النظم القانونية لكل دول أوربا، متجاوزة بذلك حدود المجلس الأوربي، لتجوب أرجاء الإطار القاري للقارة الأوربية. ودون خوض في الكثير من التفاصيل، يشترط لاكتساب الدول الأوربية غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي عضوية الاتفاقية ضرورة توافر الشروط التالية:

  1. أن تواجه إليها الدعوة من مجلس وزراء الدول الأوربية. ولا يمنع هذا الشرط –من وجهة نظرنا- قيام الدول غير الأعضاء بالمطالبة بالانضمام للاتفاقية في حالة عدم توجيه الدعوة إليها، ذلك أن اكتساب عضوية الاتفاقية سيتوقف في النهاية على موافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي.
  2. موافقة ثلثي أعضاء المجلس الأوربي على اكتساب الدولة الجديدة لعضوية الاتفاقية.
  3. أن تتضمن أغلبية الثلثين إجماع الدول الأعضاء في الاتفاقية. وهنا يتعين التفرقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي والدول الأعضاء في الاتفاقية، حيث لم يقنع نص المادة 25 بأية أغلبية للثلثين، وإنما تطلب – احترامًا لإرادة الدول الأعضاء في الاتفاقية- ضرورة موافقتها جميعًا، وبالإجماع على دخول ذلك العضو الجديد –غير الطرف في الاتحاد الأوربي- حتى لا يفرض عليها فرضًا من لا تريد تقرير التعاون القضائي معه. وبهذه المثابة لا يكفى لانضمام دولة غير طرف في الاتحاد الأوربي مجرد موافقة ثلثي أعضاء هذا الاتحاد، وإنما ينبغي أن تحتوى هذه الأغلبية على موافقة الدول الأعضاء في الاتفاقية.

ولا يترتب على تحقق الشروط الثلاثة السابقة اعتبار الدولة الجديدة عضوًا في الاتفاقية بصفة آلية، وإنما لا يترتب هذا الأثر إلا بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع وثيقة الانضمام لدى السكرتير العام للمجلس الأوربي. وقد يستغرب البعض موقف الاتفاقية بتحديد الشروط اللازمة لاكتساب الدول الأوربية غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي لعضوية الاتفاقية دون أن تهتم بتحديد الشروط اللازمة لاكتساب باقي الدول الأوربية الأعضاء في الاتحاد الأوربي لهذه العضوية، ولكن سرعان ما تتبدد هذه الدهشة إذا علمنا أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مدعوة –بصفتها- للانضمام لجميع الاتفاقيات المبرمة في رحاب الاتحاد الأوربي دون قيد أو شرط.

رابعًا: الدول الأعضاء في الاتفاقية

وقعت الاتفاقية الأوربية بشأن الإثبات في المسائل الإدارية –كما ذكرنا- في مدينة استراسبورج بتاريخ 15 مارس 1978. ورغم وجاهة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها فإنها لم تدخل حيز النفاذ إلا في يناير 1983، أي بعد خمس سنوات تقريبًا من تاريخ التوقيع عليها[44]. وعلى غير المعتاد في العالم الأوربي، لم تنل هذه الاتفاقية حظًا كبيرًا من اهتمام الدول الأوربية، حيث لم توقع عليها –حتى 18 مايو 2006- إلا ثمان دول فقط، كما أنها لم تدخل حيز النفاذ إلا في ست دول من بين هذه الثمانية، وذلك على النحو التالي:

الموقف حتى 18مايو2006[45]

ماسم الدولةتاريخ التوقيعتاريخ التصديقتاريخ الدخول حيز النفاذ
1سويسرا15/3/1978
2البرتغال10/5/197923/7/19811/1/1983
3تركيا5/9/1979
4ألمانيا6/11/197924/9/19821/1/1983
5بلجيكا18/11/19808/7/19821/1/1983
6إيطاليا23/2/198116/10/19841/2/1985
7لوكسمبور9/11/19826/2/19851/6/1985
8أذربيجان28/3/20001/7/2000

العدد الإجمالي: ثماني دول.

عدد الدول التي صدقت على الاتفاقية ودخلت فيها حيز النفاذ: ست دول.

عدد الدول التي لم تصدق على الاتفاقية ولم تدخل فيها حيز النفاذ: دولتان.

ويلاحظ أن دولة كسويسرا كانت أول من وقع على الاتفاقية، وتحديدًا في نفس يوم إبرامها، ورغم ذلك فإنها لم تصدق عليها، ولم تدخل –بالتالي- حيز النفاذ فيها.


 دكتوراه في القانون من جامعة ديجون-فرنسا، أستاذ مساعد، وقائم بأعمال رئيس قسم القانون الدولي الخاص، كلية الحقوق – جامعة القاهرة.

 دكتوراه في القانون من جامعة ديجون-فرنسا، أستاذ مساعد، وقائم بأعمال رئيس قسم القانون الدولي الخاص، كلية الحقوق – جامعة القاهرة.

[1] حديث شريف.

[2] المادة الأولى من قانون الإثبات المصري، الجريدة الرسمية – العدد 22 في 30 مايو 1968.

[3] انظر: د. جميل الشرقاوي، الإثبات في المواد المدنية، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1990، رقم1، ص3.

[4] Look: A. Huet, Les conflits de lois en matière de prevue, Paris< Dalloz, 1965, no 39, p. 51.

[5] انظر المرجع السابق، رقم 41، ص53، حيث يستشهد الكاتب بهذه العبارة نقلاً عن كتاب آخرين.

[6] د. هشام صادق، في تقديمه لرسالة الدكتور صالح المنزلاوى، القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الإلكترونية، دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية، 2006، ص أ.

[7] لمزيد من التفاصيل عن هذه الاتفاقية راجع مؤلفنا بعض أوجه الإثبات الدولي، دراسة في إطار القانون الدولي الخاص المقارن، دار النهضة العربية، 1428هـ-2007م، رقم 12 وما يليها، ص 12 وما يليها.

[8] انظر هذه الاتفاقية منشورة على الموقع التالي:

http://conventions.coe.int/Treaty/FR/Treaties/Html/100/.htm

[9] انظر التقرير الذي أصدره المجلس الأوربي عن هذه الاتفاقية بعنوان:

Rapport explicatif, convention européenne sur l’obtention à l’étranger d’information et de preuves en matière administrative, http://conventions.coe.int/Treaty/fr/Reports/Html/100. htm, no1.

[10] تعتبر دولة كفرنسا –على سبيل المثال- طرفًا في 46 اتفاقية دولية هدفها تحقيق المساعدة القضائية في مجال الإثبات في المسائل المدنية والتجارية، من ذلك اتفاقياتها مع انجلترا، هولندا، ألمانيا، السويد، بلجيكا، النمسا، بلغاريا، ساحل العاج، النيجر، مالي، المغرب، الكاميرون وغيرها. انظر:

T. H. Groud, La prevue en droit international privé, Presses universitaires d’Aix- Marseille, 2000, p. 241, note 740 et s.; Huet, Les conflits de lois en matière de prevue, op. cit., p. 352, note 75 et.

[11] انظر تقرير المجلس الأوربي عن الاتفاقية، المرجع السابق، رقم 2 وما يليها.

[12] «Sous la présidence du professeur J. Voyame (Suise) et la vice-présidence de M. L. Chatin (France) », Rapport explicatif, op. cit., no 4.

[13] «Présidé par M. L. Chatin et composé de M. K. Berchtold (Autriche), M. B. lynaes (Danemark), M. St. Cantona Di Ceva (Ikalie) et M. J. S. Dixon (Royaume uni)», ibide.

[14] تقرير المجلس الأوربي عن الاتفاقية، المرجع السابق، رقم 7.

[15] انظر على سبيل المثال:

C. Gavalda, Les commission rogatoires internationales en matière civile et commerciale, Rev. crit., 1964 no 8 et no 21; L. Chatin, Régime des commissions rogatoires internationales de droit privé, Rev. crit., 1977. P. 616.

[16] لمزيد من التفاصيل حول هذه الأفكار انظر رسالتنا للدكتوراه:

Abdel Moneem Zamzam, Les lois de police dans la jurisprudence étatique et arbitrale, Etude comparée Franco-Egyptienne, Dijon, 2003, no 545 et s., p. 255 et s.

ومن الجدير بالذكر أنه قد تم إعادة طبع ونشر هذه الرسالة بواسطة جامعة ليل 3، انظر الموقع التالي:

http://www.anrtheses.com.fr./ThesesCarte/Scat_3654.htm

[17] د. أحمد عبد الكريم سلامة، القواعد ذات التطبيق الضروري وقواعد القانون العام في القانون الدولي الخاص، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1985، رقم 138، ص 146 وما يليها؛ وانظر أيضًا في رفض هذه الأفكار وتفنيدها د. عكاشة عبد العال. الإنابة القضائية في نطاق العلاقات الخاصة الدولية، دراسة تحليلية مقارنة في القانون المصري والقانون المقارن، دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية، 1994، ص105 وما يليها.

[18] انظر في عرض مختلف آراء الفقه الإسلامي في هذا الصدد: د. محمود مصطفى، الإنابات القضائية في إجراءات التقاضي والتنفيذ، دراسة تحليلية وتطبيقية مقارنة في القانون المصري والقانون المقارن والشريعة الإسلامية الغراء، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2002، رقم 65 وما يليها، ص121 وما يليها.

[19] تقرير المجلس الأوربي عن الاتفاقية، المرجع السابق، رقم 9.

[20] وهذا هو المسلك المتبع من قِبل بعض الاتفاقيات الثنائية، فقد أبرمت دولة كفرنسا العديد من الاتفاقيات الثنائية بهدف تحقيق التعاون القضائي في المجال الإداري ولكن مع استثناء المسائل المالية مثل اتفاقياتها مع سويسرا، بلغاريا، بنين، الكاميرون، ساحل العاج، مالي، مدغشقر، النيجر، السنغال، تشاد، توجو، انظر:

Chatin, Régime des commissions rogatoires internationales de droit privé, op. cit., p. 613.

[21] انظر في مختلف هذه الأحكام: Rapport explicatif, op. cit., no 14 et 15.

[22] لمزيد من التفاصيل حول الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية، وتواريخ دخولها حيز النفاذ بالنسبة لكل منها انظر لاحقًا رقم 57.

[23] تقرير المجلس الأوربي المشار إليه سابقًا، رقم 17.

[24] انظر تقرير المجلس الأوربي المشار إليه، رقم 22.

[25] تقرير المجلس الأوربي، رقم 41.

[26] تقرير المجلس الأوربي، رقم 29.

[27] تقرير المجلس الأوربي رقم 57.

[28] يلاحظ الاختلاف بين النفقات المستحقة للمترجمين أو الخبراء وفقًا للبندين أ، ج، حيث يعالج كل منهما فرضًا مختلفًا عن الآخر، إذ عرفت الاتفاقية صورتين للمساعدة كل منهما مستقلة عن الأخرى. وتتمثل الأولى في مجرد طلب المزيد من المعلومات عن النظام الإداري للدولة في حين تتجسد الثانية في تنفيذ الإنابة القضائية بصورتها المعروفة ولكن في المسائل الإدارية.

[29] رقم 40.

[30] تقرير المجلس الأوربي عن الاتفاقية، المرجع السابق، رقم 43 وما يليها.

[31] المرجع السابق رقم 48.

[32] تقرير المجلس الأوربي، المرجع السابق، رقم 49.

[33] تقرير المجلس الأوربي، المرجع السابق، رقم 55.

[34] المرجع السابق، رقم 27. كنا قد ذكرنا أن الباب الثاني من الاتفاقية يتضمن ست مواد، هي المواد من 13 إلى 18. وها نحن قد تناولنا في المتن المواد 13 و14 و15 و17، وكنا قد تناولنا سابقًا حكم المادة 18 المتعلق بالمصاريف، ومن ثم لا يتبقى من أحكام هذا الباب إلا نص المادة 16 الذي يتضمن بعض الأحكام المتعلقة بكيفية استخدام المعلومات والمستندات والتحقيقات محل التعاون.

[35] تقرير المجلس الأوربي، رقم 59.

[36] المرجع السابق، رقم 60.

[37] المادة 19/2.

[38] تقرير المجلس الأوربي، رقم 61.

[39] Look: Goldman, De l’obtention des preuves à l’étranger, Rapport au congrès de l’International Bar Association, 1954, cité par Gavalda, Les commissions rogatoires internationales en matière civile et commerciale, op. cit., p. 39; v. aussi, Chatin, Régime des commissions rogatoires internationales de droit privé, op. cit., p. 611; Groud, La prevue en droit international privé, op. cit., no 340, p. 245.

[40] انظر التقرير المشار إليه، المرجع السابق، رقم 62.

[41] وقد وردت مختلف هذا الأحكام في فصل كامل، هو الفصل الثاني من الاتفاقية، الذي تضمن ثماني مواد، هي المواد من 15 إلى 22. لمزيد من التفاصيل راجع مؤلفنا بعض أوجه الإثبات الدولي، دراسة في إطار القانون الدولي الخاص المقارن، المرجع السابق، رقم 61 وما يليها.

[42] تقرير المجلس الأوربي، المرجع السابق، رقم 70 وما يليها.

[43] المادة 27/1.

[44] والسبب في ذلك أن الاتفاقية تتطلب تصديق ثلاث دول على الأقل كشرط مبدئي لدخولها حيز النفاذ. وقد كان التصديق الثالث من نصيب ألمانيا، فهذه الدولة رغم أنها وقعت على الاتفاقية في 6/11/1979، فإن تصديقها قد تأخر إلى 24/9/1982، انظر الجدول المشار إليه في المتن، وانظر كذلك نص مادتها 23.

[45] انظر هذه القائمة منشورة على شبكة الإنترنت على الموقع التالي:

http://conventions.coe.int/Treaty/Commun/ChercheSig.asp?NT=100&CM=8&DF=5/18/2006&CL-FRE

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading