الدكتور الجيلالي سبيع: باحث في الفقه والأصول

 جامعة محمد الأول وجدة :

بسم الله الرحمن الرحيم. لقد نصت مدونة الأسرة المغربية علي استقلال الذمة المالية لكلا الزوجين في المادة 49، كما يستفاد ذلك من ضمنا وتبعا من المواد 47 و 48 وحتى المادة 40، وكلها تتحدث عن الشروط التي يشترطها أحد الزوجين لنفسه أو كلاهما، وهي شروط ممهدة للحديث عن استقلال الذمة المالية للزوجين.

المادة 47: الشروط كلها ملزمة، إلا ما خالف منها أحكام العقد ومقاصده وما خالف القواعد الآمرة للقانون فيعتبر باطلا والعقد صحيحا.

اتفق الفقهاء علي صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلي بطلان الشروط التي تنافي المقصود من الزواج أو تخالف أحكام الشريعة، واتفق الحنفية والمالكية والحنابلة علي صحة الشروط التي يكون فيها تحقيق وصف مرغوب فيه، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار في فسخ الزواج، وأختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكما من أحكام الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كإشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ونحوها.

فقال الحنابلة: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها.

وقال الحنفية: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.

وقال المالكية: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.

وقال الشافعية: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.

ورأى الحنابلة هو الذي أخذت به المدونة ولهم أدلتهم في ذلك ([1]).

وأما عن تأثير الشرط الفاسد علي العقد, فذهب الحنفية إلي أن الشرط الفاسد لا يفسد العقد, وإنما يلغي الشرط وحده, ويصح العقد, ([2]) والحنابلة يوافقون الحنفية فيما ذكر إلا في بعض الشروط فإنها تبطل العقد ([3]), منها توقيت العقد واشتراط طلاق المرأة في وقت معين, وإشتراط الخيار في فسخ الزواج في مدة معينة وهذا هو النوع الثالث عندهم. أما عند الشافعية فإن الشرط الفاسد يفسد العقد ([4]) لكن قال المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة فإن دخل بها مضي العقد وألغى الشرط, وبطل المسمى, ووجب للمرأة مهر المثل ([5]).

إذن يتبين أن المدونة أخذت في حكم هذه المادة بقول الأحناف في الموضوع, حيث أعتبرت مثلهم صحة العقد وبطلان الشرط الفاسد.

وقد ألحقت المدونة في هذه المادة حكم الشروط التي تخالف القواعد الآمرة للقانون بحكم الشروط التي تخالف أحكام العقد ومقاصده, وهذا اجتهاد من المدونة في هذا الباب.

المادة 48: الشروط التي تحقق فائدة مشروعية لمشترطها تكون صحيحة وملزمة لمن التزم بها من الزوجين, إذ طرأت ظروف أو وقائع أصبح معها العيني للشرط مرهقا, أمكن للملتزم به أن يطلب من المحكمة إعفاؤه منه أو تعديله ما دامت تلك الظروف أو الوقائع قائمة, مع مراعاة أحكام المادة 40 أعلاه.

رأينا في المادة السابقة – المادة 40 – أن المدونة سارت مع مذهب الحنابلة الذي يرى إلزامية الشروط التي تكون من مقتضى العقد, ولكمها لا تنافي حكما من أحكام الزواج, وفيها منفعة لأحد العاقدين – وقد أصلنا لمذهب الحنابلة في هذه النقطة في المادة 40 ([6]).

المادة 49: لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر.

غير أنه لا يجوز لهما في إطار تدبير الأمور التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية.

الاتفاق على استثمارها وتوزيعها.

يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج:

يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر إذ لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة.

تطرقت هذه المادة إلي ثلاث نقاط تخص العلاقة المالية بين الزوجين, وسنناقش كل نقطة علي حدة:

1- لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر:

وهذا يعني أن كل واحد من الزوجين حر في التصرف في ماله, أما ذمة الزوج المالية المستقلة فلا غبار عليها ولا نقاش حولها, وتبقى الذمة المالية المستقلة للزوجة محل نقاش ([7]) وإن كان جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة في الرواية الراجحة عندهم يثبتون للمرأة الرشيدة ذمتها المالية المستقلة فتملك بذلك التصرف في مالها مله بالتبرع والمعارضة كيفما شاءت ([8]).

ودليل ما ذهب إليه الجمهور من الكتاب قوله تعالى ” فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ” ([9]).

وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف يعد إيناس الرشد وهو لفظ عام يستغرق الذكر, والأنثى ولا مخصص له.

كذلك يستدل بالآيات الآتية:

قوله تعالى: ” لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ ولِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ” ([10]).

وقوله أيضا: ” ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ واسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ”  ([11]).

وقوله تعالى:” ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ ولَدٌ فَإن كَانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ” ([12]).

قال الدكتور الحسن العبادي عند استدلاله بهذه الآيات ” وأصل هذه المسألة أن الإسلام مبني علي المساواة في تمام الأهلية بين الرجل والمرأة, فالمرأة مثل الرجل تتمتع بالحقوق كقرينها الرجل, فلها أن تكسب المال بأسباب الكسب الشرعية كالإرث في الآية الأولى, أو بجميع أنواع الكسب حيث إن الآية الثانية عامة لأنواع الكسب من تجارة وصناعة وفلاحة وجميع أنواع المعاملات المالية المشروعة ” ([13]).

أما الآية الثالثة فتدل علي نصيب الرجل في تركه زوجته وهذا يدل علي أن تلك التركة كانت ملكا لها خاصا.

وفي إطار مناقشة الدكتور العبادي لمسألة الذمة المالية المستقلة للزوجة, استدل أيضا بما سماه الأدلة الخاصة وهي إضافة إلي الآيات السابقة المستغرقة للذكور والإناث فقال: ” ومن الأدلة الخاصة في القرآن الكريم قوله تعالى: ” فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ” ([14]).

وهذه الآية تدل علي طلاق الخلع, فلو لم يكن لها مال تتصرف فيه, فلا تخلع نفسها من زوجها فتؤدي ثمن الخلع  ([15]).

أما أدلة استقلال الذمة المالية للزوجة من السنة المشرفة فمتعددة نذكر منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن ”  ([16]) وأنهن تصدقن, فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل.

وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها, باب في هبة المرأة لغير زوجها, أو عتقها إذا كان لها زوج, فهو جائز إذا لم تكن سفيهة, فإن كانت سفيهة لم تجز.

وكأنه بهذه الترجمة يرى أن الأصل في المرأة الرشيدة في التصرف في مالها حتى يثبت سفهها, قال ابن حجر, وأدلة ذلك في الكتاب والسنة كثيرة وهو مذهب الجمهور  ([17]).

كما أخرج البخاري في باب الهجرة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث), عن عوف بن مالك بن الطفيل أن عائشة حدثت أن عبد الله ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة رضي الله عنها: والله لتنتهين عائشة أو لأحرجن عليها, فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم, قالت: (هو له علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير ابدا).

وهكذا بقيت تتصرف في أموالها بالعطاء والبيع والعتق وغيرها دون رقيب عليها ”  ([18]).

وفي باب فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش قال أصحاب التراجم: ” وكانت امرأة صناع اليد أي حاذقة ماهرة لعمل اليدين, فكانت تدبغ الجلود وتخرز وتتصدق به في سبيل الله ”  ([19]).

قال الدكتور العبادي عقب استدلاله بهذه الأحاديث علي استقلالية الذمة للمرأة”  ([20]).

“وفي ضوء ما تقدم فإن المرأة المسلمة لها كامل الأهلية في التصرف في مالها كما تشاء, سواء في التبرعات أو المعاملات أو التنمية بجميع أشكالها, وما ذهب إليه الفقه المالكي من حجر الزوج عليها فيما زاد الثلث في التبرعات مبني علي حديث أخرجه أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا يجوز لامرأة في مالها عطية إلا بإذن زوجها ” ([21]).

وقد حمل كثير من الفقهاء هذا الاستئذان علي حسن المعاشرة, واستطابة نفس الزوج بذلك, وحتى فقهاء المالكية اختلفوا في ذلك, فقال الشيخ العدوي في ” حاشيته علي شرح الخرشي للمختصر ” وللمرأة الرشيدة المتزوجة أن تهب جميع مالها لزوجها, ولا اعتراض عليها في ذلك لأحد ”  ([22]).

2- استثمار وتوزيع الأموال المكتسبة خلال فترة قيام الزوجية:

بعد أن أثبت الشرع الذمة المالية المستقلة لكلا الزوجين أباح لهما التعاون, والتشارك في استثمار أموالهما بصفة مشتركة, مع الحرية في الإنفاق علي طريقة استثمارها وتوزيعها, ففيما يخص الاستثمار فلهما أن يستثمرا أموالهما كيفما شاءا مناصفة أو بنسب متفاوتة أو أحدهما بالمال والآخر بالمجهود والعمل وهكذا, وكذلك لهما الحرية في اختيار طريقة تقسيم وتوزيع تلك الأموال المكتسبة.

قال ابن عبد الرفيع التونسي في أجوبته: “مسألة: ذكر أن قضاة المصامدة وفقهائهم حكموا بشركة المرأة مع زوجها, لأن عرف بعض البلاد أن الزوجة مع زوجها يتعاونان في جميع الأشغال إلا ما ثبت أن الزوج استبد منه بصنعه, أو انفراد به من ميراث أو شراء يظهر أن المرأة لم يكن لها في شئ ”  ([23]).

فمذهب مالك ([24]) وغيره أن الشركة في الأموال والأبدان جائزة إجماعا, ولا تنعقد إلا باللفظ أو ما يقوم مقام الإذن بالتصرف فانعقد به.

ثم قسم ذلك إلي ثلاثة أوجه:

  • الأول: أن يكون لكل واحد منهما مال, فالقضية واضحة بينهما.
  • الثاني: أن يكون لا يكون لهما مال, فيكون الربح بينهما بقدر العمل, ونقل هنا كلام ابن شاس في ” عقد الجواهر ” وابن أبي زيد في ” مختصر النوادر ” وابن حبيب في الواضحة, وأشار إلي حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب في قضية عمرو ابن الحارث, وزوجته حبيبة بيت زريق التي ذكرت في ” منتخب الأحكام ” لابن أبي زمنين.
  • ثم ذكر الوجه الثالث: وهو أن يكون لأحدهما مال دون الآخر فينظر, فإن كان المال للزوجة فلا خلاف أن للزوج مؤونة سعيه وعنايته بمال زوجته, إذ ليس له أن يخدم مال زوجته باتفاق, وإن كان المال للزوج دون الزوجة, فالمشهور أنها لا تلزمها الخدمة الخارجة عن المنزل.

هذا وقد أباح الإسلام إقامة شراكة بين شخصين أو أكثر, بنصوص منها قوله صلى الله عليه وسلم, مبلغا عن ربه تعالى في الحديث القدسي: ” أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه, فإن خانه خرجت من بينهما فإذا خانه خرجت من بينهما ”  ([25]).

ومنها ما رواه البخاري وغيره عن ابي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير, فدعا له بالبركة قال: ” كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلي السوق فيشتري الطعام, فيلقاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهما, فيقولان له أشركنا, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا لك البركة, فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هي, فيبعث بها إلي المنزل  ([26]).

هذا ومن أجل ضمان حقوق كل طرف فإن المدونة دعت إلي توثيق هذا الاتفاق الهادف استثمار أموال الزوجين, ويكون هذا التوثيق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج, وهذا الأمر يعد أيضا من الإجراءات الاحتياطية التي تضمن حق كل طرف في وقت فسدت فيه كثير من الذمم, وكإجراء احتياطي آخر طلبت المدونة من العدلين إشعار طرفي الزواج بالأحكام السالفة الذكر, أي إشعار كل طرف أن له ذمة مالية مستقلة وأن له الحق في استثمار أمواله مشاركة مع الطرف الآخر, ولهما الحرية في اختيار طريقة القسمة والتوزيع.

3- حق الكد والسعاية:

وفي حال ما إذا لم يكن هناك أتفاق بين الزوجين أو عقد شركة لتنمية أموال الأسرة فإن المدونة ترد الأمر للقواعد العامة للإثبات, مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة, ويدخل في قواعد الإثبات من الشهود والبينة والإقرار.

والمقصود هنا أن يثبت كل طرف عند النزاع حول أموال الأسرة أنه شارك في تنمية تلك الأموال وأنه قدم مجهودات وتحمل أعباء في هذا السبيل, وهذا ما يجعل خروجه صفر اليدين من هذه المائدة ظلم, ومنه فإن الفقهاء أولوا لهذا الأمر أهمية كبيرة فأهتموا بسعاية وكد – المرأة خصوصا – ومساهمتها في تنمية أموال الأسرة وأثبتوا لها نصيبها حسب ما تستحقه وحسب ما بدلته من جهد.

قال الأستاذ المختار السوسي: ” ولذلك أعترف لها – أي المرأة الجزولية بالسعاية والكد ومشاركة الرجل في المداخيل والأرباح, فالجزوليين حين تخدم المرأة, يعطون لها نصيبا في كل ما يدخل إلي المنزل إذ شاركت في تحصيله بأي وجه بعد تقويم العرفاء, وبهذا يحكم قضاتهم ”  ([27]).

وقال ابن عرضون: ” إذا حدث ما يوجب الطلاق وطلقت بالفعل, يصبح للمرأة الحق في أن تطالب بحقها, يحكم لها القاضي بذلك, ويسمي هذا الحق لدي أهالي الجبال – بحق الشقا – ومعناه أن لها الحق في جميع الأعمال التي أدتها لزوجها, لا يختص بعمل دون الآخر ”  ([28]).

وهذا يخص الأموال المكتسبة خلال مدة الزواج, ولا يتناول ما كان يملكه كل واحد منهما قبل إبرام العقد وكذا كل مال استفاده خلال مدة الزواج من هبة أو صدقة أو ميراث ”  ([29]).

يقول الدكتور الحسن العبادي في كتابه ” عمل المرأة في سوس ” معرفا السعاية بقوله:” السعاية مأخوذة من فعل سعي يسعي سعيا وسعاية أي قصد وعمل وكسب لعياله…

ومن المعلوم أن طبيعة البلاد السوسية, خاصة القبائل الجبلية تجعل المرأة نشيطة عاملة تقوم بأعمال الحرث والحصاد وجني الثمار, والاحتطاب وجمع الحشائش, وتربية البهائم وسياستها بالعلف والسقي ورعاية النتاج وتربية الدواجن بالإضافة إلي القيام بصناعة أنواع النسيج والغزل كالزرابي والأكسية وغيرها الشئ الذي جعل الفقهاء النوازليين يعطون الأهمية الخاصة لعمل المرأة ”  ([30]).

هذه الأهمية الخاصة هي التي جعلتهم يفتون بحق المرأة في عملها وكدها, وذكر الدكتور العبادي نماذج كثيرة من أجوبتهم  ([31]) نذكر منها جواب سيدي داود بن محمد التملي التونلي (ت898هـ ), ففي أجوبته التي أجاب فيها علي اسئلة تلميذة سيدي حسين بن داود الرسموكي قال في جواب عن سؤال: ” من كانت عنده أخت أو غيرها تشتغل له بشغل يمكن توليه بنفسه أو بأمته أو زوجته ثم بعد ذلك قامت عليه تطلب الأجرة ؟ ألها ذلك أم لا ؟ “

فأجاب مستدلا بفتوى أبي إسحاق التونسي ” نعم لها الأجرة, وبه أفتى, ثم استدل بحكم عمر في قضية حبيبة بنت زريق عمرو بن الحارث ”  ([32]).

والسعاية ليست امرا محدثا وإنما لها أصلها كما جاء في هذه النازلة, حيث قضى بها سيدنا عمر بن الخطاب في قصة حبيبة بنت زريق التي كان زوجها عمر بن الحارث قصارا يتاجر في الأثواب, وكانت تساعده في ترقيعها حتى أكتسب مالا كثيرا فمات عمرو وجاء ورثته واستحوذوا علي مفاتيح المخازن والأحنة واقتسموا المال بينهم, فأقامت عليهم حبيبة دعوى بقسمة المال إلي نصفين أخذت منه حبيبة النصف, وشاركت الورثة في النصف الآخر بحقها منه كتركة تركها زوجها, ولهذا قال الدكتور العبادي مؤصلا للسعاية: ” قال أبو زيد الجشمي في منطوقه ” باب المهر والسعاية.

أما السعاية فأصل أمرها *** أم حبيبة قضي لخيرها

كما أتي عند الخليفة عمر *** ففي نوازل الجبال قد ظهر

وقد تم التأصيل للمسألة في رسالة في مسألة السعاية لعمر ابن عبد العزيز الكرسيفي الأرغي وغيرهم ([33]) وقضية أسماء بنت أبي بكر في سياسة فرس زوجها ([34]) وقضية سيدتنا فاطمة رضي الله عنها وشكواها مما تلقى من الرحى ([35]).

هذا إذن هو رأي الفقهاء وأدلتهم في مسألة استحقاق الأموال المكتسبة خلال فترة الزوجية ويبدوا أن المدونة أخذت فتاوى الكد والسعاية التي تعطي للزوجة, ولأي طرف متضرر الحق بالمطالبة بحقه في الأموال التي اكتسبتها الأسرة وكانت له مساهمة في تنميتها ليرسخ مبدأ استقلال الذمة المالية لطرفي الزواج.


[1] – أشارت المدونة إلي اشتراط الزوجة عدم التزوج عليها في المادة 40, وهو اختيار لمذهب الحنابلة في الموضوع, وفي تأصيل الأمر نقول:

– قال ابن قدامه عن الشروط التي تشترطها الزوجة علي زوجها: ” إنها شروط صحيحة ملزمة يجب الوفاء بها لأنها شروط للمرأة فيها منفعة ولا تمنع المقصود من النكاح وهو الاستمتاع بالوطء ” المغني ص 448/7, ط 1400هـ, 1980م, مكتبة الرياض الحديثة.

– قال ابن سلمون: ” وأما ما لا يفسد بها النكاح فمثل أن يتزوجها علي أن لا يتزوج عليها ولا يتسري معها ولا يخرجها من البلد وما أشبه ذلك, فلا يخلو أن تكون مطلقة أو مقيدة, فإن كانت مطلقة غير مقيدة استحب للزوج الوفاء بها, لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أحق الشروط أن توفوا ما ستحللتم به الفروج “. أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في المهر عند عقد النكاح, تحت رقم 2721, ص 546, ومخطوط ابن سلمونن ص 9.

– وقال ابن قدامه: ” هذا قول عدد من الصحابة منهم عمر وابن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم, فكان إجماعا “. المغني, ص 249/7.

غير أن الإجماع الذي يتحدث عنه ابن قدامة منخرم باعتراض المذاهب الباقية, وباعتبار تضارب رأي بعض الصحابة في المسألة ومنهم عمر المذكور سابقا, والذي صدر عنه رأي مخالف في المسألة حيث روي البيهقي أن رجلا تزوج امرأة علي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه علي شرط أن لا يخرجها, فوضع عنه عمر الشرط وقال المرأة مع زوجها ” أخرجه البيهقي في السنن الكبرى, باب الشروط في النكاح, ص 249/7.

[2] -بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع, ابن مسعود الكاساني الحنفي, ص: 175/5, ط2, 1402هـ, 1999م, دار الكتب العربي, بيروت.

[3] – المغني, ابن قدامه الحنبلي, ص 449/7.

[4] – مغني المحتاج, الشربيني, ص: 227/3.

[5] – البهجة في شرح التحفة علي الأرجوزة المسماة بتحفة الحكام, لأبي الحسن علي التسولي, ص: 435/1, ط 1418ه,ـ 1998م, دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان.

[6] -تنظر الصفحة 1و 2 قبله.

[7] – قال المالكية والحنابلة في رواية: ” يحجر علي المرأة المتزوجة الحرة الرشيدة لصالح زوجها في التصرف بغير عوض كالهبة والصدقة.. فيما زاد علي ثلث مالها قباسا علي المريض, ويكون تبرعا بزائد عن الثلث نافذا, حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه علي المشهور عند المالكية ” الشرح الكبير للدردير ص: 307/3 والقوانين الفقهية لابن جزى ص: 212, وكشاف القناع للبهوتي ص: 405/3, ط2, 1402هـ, 1982م, دار الفكر

[8] -المغني لابن قدامه, ص 464/2.

[9] -سورة النساء, الآية 6.

[10] – سورة النساء الآية:7.

[11] – سورة النساء الآية: 32.

[12] -سورة النساء الآية: 12.

[13] – عمل المرأة في سوس: الدكتور الحسن العبادي, ص: 14-15, ط1, 1425ه,ـ 2004م, طوب بريس نشر وزارة الأوقاف.

[14] -سورة البقرة, الآية: 230.

[15] –  عمل المرأة في سوس, د. العبادي, ص: 15.

[16] – أخرجه البخاري في كتاب الزكاة, باب الزكاة علي الأقارب حديث رقم 1462, ص: 291, ط1, 1417هـ, 1997م, دار ابن حزم.

[17] – فتح الباري بشرح صحيح البخاري, العسقلاني, ص 218/5, دار الفكر.

[18] – فتح الباري, ص: 533/6, وصحيح البخاري, باب الهجرة, رقم الحديث: 2725.

[19] – سيرة أعلام النبلاء, للحافظ شمس الدين الذهبي, تحقيق مصطفي عبد القادر عطا, ص: 341/3, ص:1, 1425هـ, 2004م, دار الكتب العلمية, بيروت.

[20] – عمل المرأة في سوس, د. العبادي, ص: 18.

[21] – أخرجه ابن ماجه في سننه, في كتاب الهبات, باب عطية المرأة بغير إذن زوجها, حديث رقم: 2388, ص: 57/4, سنن ابن ماجة, تحقيق بشار معروف, ط 1, 1418هـ, 1998م, دار الجيل بيروت.

[22] – الخرشي علي  مختصر سيدي خليل, وبهامشه حاشية الشيخ علي العدوي, ص 308/5. دار الفكر.

[23] – نقلا عن كتاب عمل المرأة في سوس, ص: 24 والذي نقل واختصر كلام ابن عبد الرفيع من مخطوطه الغير مرقم.

[24] – القوانين الفقهية لابن جزي, ص: 187 وحاشية العدوي علي متن الرسالة من ص: 186 إلي ص: 191/2.

[25] –  أخرجه الدار قطني في سننه في كتاب البيوع عن أبي هريرة, حديث رقم 139, ص: 35/3, سنن الدار قطني, تحقيق عبد الله اليماني, ط 1387هـ, 1966م. دار المعرفة بيروت.

[26] – أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الشركة, باب الشركة في الطعام وغيره, حديث رقم: 2502.

[27] – المعسول لمحمد المختار السوسي, ص 42/42, المغرب.

[28] – ابن عرضون الكبير، حياته وآثاره, أراؤه وفقهه, د. عمر الجيدي, ص 204 و 205, منشورات عكاظ.

[29] – الدليل العلمي لمدونة الأسرة لوزارة العدل, ص 44 و 45.

[30] – عمل المرأة في سوس, ص 22.

[31] –  أنظر ذلك في الكتاب المذكور من الصفحة 26 إلي 30.

[32] – عمل المرأة في سوس, ص 22.

[33] – عمل المرأة في سوس, د. العبادي ص: 20.

[34] – روي البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالتك ” تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال, ولا مملوك ولا شئ غير ناضح, وغير فرسه, فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه, وأدق النوي لناضحة وأعلفه, وأستقي الماء وأخرز غربه (أي دلوه), وأعجن وأنقل النوي من أرض الزبير علي رأسي… حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني ” أخرجه مسلم في كتاب السلام, باب إرداف المرأة الأجنبية, إذا أعيت في الطريق, حديث رقم 2182, ص: 1716/4, صحيح مسلم, تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي, ط2, 1972م, دار إحياء التراث العربي, لبنان.

[35] – عن علي كرم الله وجهه قال: ” كانت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أهله إليه وكانت عندي, وإنما جرت بالرحى حتى أثرت في يدها, واستقت بالقرية حتى أثرت في نحرها وقشت أي كنست البيت حتى أغبرت ثيابها وأوقدت القدر حتى دكنت – اتسخت – ثيابها وأصابها من ذلك ضر, فأتي النبي صلي الله عليه وسلم خدم فقلت: أو أتيت أباك فسألتيه خادما, فأتته فوجدت عنده حداثا – أناس يتحدثون – فرجعت, فأتاها من الغد فقال: ما كان ضر, حاجتك؟ فسكتت – فأخبره علي بأمرها – فقال: أتقى الله يا فاطمة, وأدي فريضة ربك, وأعملي عمل أهلك, وإذا أخذت مضجعك, فسبحي ثلاثا وثلاثين, وأحمدي ثلاثا وثلاثين, وكبرى أربعا وثلاثين, فتلك مائة فهو خير لك من خادم, قالت رضي الله عنها رضيت عن الله وعن رسوله, ولم يخدمها”, أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في التسبيح عن النوم حديث رقم: 5063 ص: 193-194/5, سنن أبي داود, تحقيق عزت الدعاس وعادل السيد, ط1, 1418هـ, 1997م, دار ابن حزم.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading