وفقا ً للاتفاقيات الدولية والقانونين المصري والفرنسي
إعداد
دكتور / هشام فضل
أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد
كلية الحقوق ـ جامعة المنوفية
حائز على جائزة الدولة في القانون التجاري
مقدمة
1- التعريف بالحجز التحفظي:
يقصد بالحجز التحفظي ذلك الحجز الذي كون هدفه الوحيد مجرد وضع بعض الأموال المنقولة التي يملكها المدين تحت يد القضاء، لمنعة من التصرف فيها تصرفاً يضر بالحاجز([1]).
ويفترض الحجز التحفظي عن الحجز التنفيذي أساساً([2])، في أن الأخير يعد المرحلة الأولي من مراحل التنفيذ بنزع الملكية، ويجب أن يتوفر فيمن يطلبه من الدائنين الحق في التنفيذ الجبري، أي أن يكون مع الدائن سند تنفيذي مثبت لحق معين المقدار وحال الأداء عند الحجز، كما أنه يجب أن يقوم طالب هذا الحجز قبل إجرائه بإعلان السند التنفيذي، وتكليف المدين بالوفاء.
أما الحجز التحفظي، فهو يثبت للدائن حتى إن لم يكن له حق في التنفيذ الجبري([3])، إذ قد يمضي وقت قبل أن يتمكن الدائن من اقتضاء حقه تجاه المدين، ويكون من مصلحته الحجز على أموال المدين أو بعضها، حتى يحول بين المدين والقيام بأي تصرف مادي أو قانوني، من شأنه تهديد الضمان العام للدائن، سواء أكان ذلك بإهلاك المال أم أتلافه أم إخفائه أم تهريبه أم التصرف فيه([4]).
بناء على هذا نظم المشرع حجزا يستطيع الدائن إجراءه بغير أن يكون لديه الحق في التنفيذ الجبري ودون أن يسبقه إعلان للسند التنفيذي أو تكليف للمدين بالوفاء يطلق عليه الحجز التحفظي ولا يؤدي إلى التنفيذ إلا بتوفر شروط معينة تنقصه عن الحجز التنفيذي، فإذا توفرت هذه الشروط، انقلب الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي([5]).
2- أهمية الحجز التحفظي بوصفه أداة ضغط تحمي حقوق الدائن من الضياع:
تبدو أهمية الحجز التحفظي في أنه يؤدي وظيفتين: أولاهما: ضمان حقوق الدائن في مواجهة مدينة، والثانية: حث المدين على الوفاء([6])، وذلك على النحو التالي:
3- أولاً: ضمان حقوق الدائن :
يعد الحجز التحفظي آلية قانونية تضمن حماية حقوق الدائن من الضياع، بإجراء سريع يتم به إخضاع المال محل الحجز لنظام قانوني خاص تتقيد وتتقلص بمقتضاه سلطات المدين المالك على هذا المال.
هذه الآلية تمكن الدائن الحاجز من ضبط المال وحبسه بوضعه تحت يد القضاء بشروط وإجراءات ميسرة مقارنة بالحجز التنفيذي، وبذلك يتفادى مخاطر قيام المدين بإهلاك أمواله أو إتلافها أو إخفائها أو تهريبها أو التصرف فيها.
4- ثانياً: حث المدين على الوفاء بالالتزام :
لا يعد ضبط الأموال ووضعها تحت يد القضاء الغاية النهائية لهذا الحجز، ولا يكفي لإشباع رغبة الدائن الذي يهمه اقتضاء حقه، فالأمر بعد توقيع الحجز التحفظي لا يخرج عن أحد احتمالين([7]): الأول: أن يؤدي ضبط الأموال وتقييد سلطات المدين عليها إلى حثه على الوفاء([8])، أو تقديم ضمان للوفاء، حتى يسترد أمواله المحبوسة، ويتفادى أضرار تجميدها، وهنا ينبغي رفع الحجز بعد تحقق الغاية منه، والثاني: أن يظل المدين على موقفه برفض الوفاء، وهنا يبرز دور الحجز التنفيذي، حيث يستطيع الدائن بيع الأموال الموجودة تحت يد القضاء، بعد تحول الحجز التحفظي إلى تنفيذي، متى توفرت الشروط المتطلبة لذلك.
5- ثالثاً: أفراد تنظيم خاص للحجز التحفظي على السفينة:
لم يتعرض المشرع الفرنسي في تقنين التجارة الصادر في سنة 1807 لتنظيم الحجز التحفظي على السفينة، وإنما اكتفى بتنظيم الحجز لتنفيذي، تاركاً الحجز التحفظي للقواعد العامة في قانون المرافعات، وعلي النهج نفسه سار المشرع المصري في قانون التجارة البحري الملغى، حيث اقتصر على تنظيم الحجز التنفيذي على السفن في الفصل الثاني منه دون الحجز التحفظي عليها([9]).
وانتبهت التشريعات الوطنية مؤخراً إلى ضرورة إفراد تنظيم خاص بالحجز التحفظي على السفينة، فتدخل المشرع الفرنسي وهو بصدد تنقيح نصوص الكتاب الثاني من تقنين التجارة الفرنسي وتعديلها، لتنظيم الحجز التحفظي والتنفيذي على السفن بمقتضي المادتين 70، 71 من القانون رقم 5 لسنة 1967، واللتين تسريان على نوعي الحجز، كما صدر المرسوم بقانون رقم 967 لسنة 1967، لينظم الحجز على السفن بأحكام عامة وردت في المواد 26 – 27 – 28 وأحكام خاصة بالحجز التحفظي على السفينة رصد لها المرسوم المادتين 29، 30، ولم يرد على هذه النصوص أية تعديلات سوي تعديل المادة 29 من المرسوم بقانون بموجب المرسوم رقم 161 لسنة 1971 الصادر في 24 فبراير 1971، وعندما صدر القانون رقم 650 لسنة 1991 بشأن إصلاح الإجراءات المدنية للتنفيذ، لم يقترب من مواد الحجز في القانون البحري الفرنسي([10]).
أما في مصر قد نظم قانون التجارة البحرية الجديد رقم 8 لسنة 1990 الحجز التحفظي على السفن، في المواد من 59 حتى 66 بأحكام تتفق في مجملها مع ما جاء بالمعاهدة الدولية الخاصة بتوحيد بعض القواعد المتعلقة بالحجز التحفظي على السفن والموقع عليها في بروكسل بتاريخ 10 مايو 1952.
والي جانب الحجز التحفظي على السفينة تعرف التشريعات الوطنية تطبيقات، مثل الحجز التحفظي على الطائرات والحجز التحفظي على المصنفات المقلدة والحجز التحفظي الإيجاري وغيرها، ويكون إلى رصد قواعد خاصة للحجز في تلك الحالات وعدم الاكتفاء بالقواعد العامة الواردة في قانون المرافعات اعتبارات عديدة: يتصل بعضها بطبيعة المال محل الحجز، أو تباين الأهداف التي يرمي لها المشرع من تلك الحماية الخاصة، ويتعلق بعضها الآخر بالسعي إلى تحقيق توازن خاص بين المصالح المتعارضة والمتصلة بمحل الحجز وغيرها، وهنا يثار التساؤل حول الأسباب التي دفعت التشريعات الوطنية في مصر وفرنسا وغيرها من الدول إلى التنبه مؤخراً إلى ضرورة إفراد تنظيم خاص بالحجز التحفظي على السفينة؟
يذهب الرأي المعتمد إلى أن تلك الأسباب تتجسد في طائفتين: الأولي: تتعلق بطبيعة السفينة محل الحجز، والثانية: تتصل بالحرص على تفادي التأثير السلبي للحجز التحفظي على نشاط التجارة البحرية.
6- أولاً: طبيعة السفينة محل الحجز :
السفينة هي منشأة عائمة، مخصصة للملاحة البحرية، ذات طبيعة منقولة، وتتعرض عادة لمخاطر البحر([11])، وتنص الفقرة الأولي من المادة الأولي من قانون التجارة البحرية على أن ” السفينة هي كل منشأة تعمل عادة أو تكون معدة للعمل في الملاحة البحرية، ولو لم تهدف إلى الربح”.
وتتميز السفينة بصفات خاصة، فهي من الأموال المنقولة، لأنها ليست معدة للاستقرار إذ هي تجوب البحار، وهو ما يعني أنها معدة بطبيعتها للانتقال من مكان إلى آخر، ومع أنها منقول فلا تخضع لقاعدة الحيازة في المنقول سند الحائز، ومرد ذلك أن السفينة من المنقولات كبيرة القيمة تقوم بدور مهم في التجارة البحرية، والاقتصاد القومي.
وقد خص قانون التجارة البحرية المصري الجديد السفينة بأحكام مميزة تباعد بينها وبين سائر المنقولات، كاقتضاء وقوع التصرفات التي يكون موضوعها إنشاء أو نقل أو انقضاء حق الملكية و غيره من الحقوق العينية على السفينة في محرر رسمي، واقتضاء شهر هذه التصرفات لنفاذها في مواجهة الغير، وجواز رهنها رهنا رسمياً.
وتستلزم التشريعات الوطنية تفريد السفينة باسم خاص وموطن معلوم وجنسية واحدة، مع بيان حمولتها، وتظهر كل هذه البيانات في السجل الذي تقيد فيه السفينة والذي يعد تكريساً لقاعدة أن السفينة مال له ذاتية.
وحرصا على تشجيع أعمال الاستثمار البحري وحماية لحقوق الدائنين البحريين، رصدت التشريعات الوطنية نظاماً قانونياً للسفينة يجعلها وحدة اقتصادية منفصلة ومستقلة بحقوقها والتزاماتها([12]). فقررت حقوق امتياز بحرية ترتبط بالثروة البحرية ذاتها والتي محورها السفينة، ونزولا على ذلك، فإن حق الدائنين مستقل عن صفة المجهز الذي يستغل السفينة، فلا يهم أن يكون مالكا للسفينة أو غير مالك فالسفينة على هذا النحو أصبحت الضمان العيني لحقوق الدائنين.
ولذا كان منطقيا أن تنعكس آثار فكرتي ذاتية السفينة وعينية الالتزام البحري على التنظيم الخاص للحجز التحفظي على السفينة، وهو ما يستبين من المادتين 61 – 62 من قانون التجارة البحرية اللتين تجيزان الحجز على السفينة التي تعلق بها الدين والسفينة المستأجرة.
7- ثانياً: تفادي التأثير السلبي على نشاط التجارة البحرية:
تخضع السفينة بوصفها منشأة عائمة مخصصة للملاحة البحرية لمخاطر عديدة من بينها الحوادث، والتلوث، والإرهاب لذا يكون منطقياً ألا نضيف إلى هذه الأخطار خطراً جديداً يهددها، ومن ثم يؤثر على التجارة البحرية، إذا أجيز الحجز على السفينة تحفظيا من دائني مالكها، بشروط وإجراءات مبسطة([13]).
وإذا صدر أم بتوقيع الحجز التحفظي على السفينة، فإنه يمتنع أن تغادر ميناء الحجز، وهو أمر يسبب للمجهز أضراراً كثيرة مرتبطة بتوقف السفينة عن العمل، أهمها عدم تنفيذ عقود نقل البضائع وتحمل أجور الربان والبحارة([14]). هذه النتائج يمكن أن تسبب عزوف السفن الأجنبية عن الرسوبي موانئ بعض الدول، متى تساهلت تشريعاتها في السماح للدائنين بالحجز التحفظي على السفن([15]).
إن خضوع الحجز التحفظي لقواعد خاصة أمر مرده تحقيق التوازن بين مصلحتين متعارضتين: الأولي هي مصلحة المجهز البحري في ألا يؤدي الحجز إلى تعطيل حركة السفينة بوصفها تثمل ثروة المجهز البحرية، ومن ثم التأثير على حسن سير وانتظام الملاحة البحرية([16])، والثانية هي مصلحة الدائن البحري في استرداد حقوقه دون مخاطرة، لاسيما وأن بعض السفن الأجنبية ترسو فترة وجيزة، ثم ترحل وقد لا تعود مرة أخرى، مخلفة وراءها أصحاب حقوق نشأت لهم نتيجة تعاملهم مع ربان السفينة، كموردي المؤن أو الوقود أو من قاموا بإصلاح السفينة وغيرهم([17]).
وقد كان الحفاظ على الاستثمار البحري وتشجيعه أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت المشرع المصري إلى أفراد تنظيم خاص بالحجز التحفظي على السفينة، وتعبر عن ذلك المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التجارة البحرية بأن الحرص على انتظام الملاحة البحرية([18])، وتفادي تهديد الاستثمار البحري، والحسم السريع لوضع السفينة، كان الدافع وراء رصد العديد من المواد القانونية المتعلقة بتنظيم الحجز التحفظي على السفينة([19]).
8- ثنائية مصادر التنظيم القانوني للحجز التحفظي على السفينة:
تتميز الروابط القانونية التي ينظمها القانون البحري بأنها تتضمن غالباً عنصراً أجنبياً كثيراً ما يثير التنازع بين القوانين، نظرا لأن الملاحة البحرية تتم بين دول متعددة تتباين في تشريعاتها الداخلية([20])، لذلك اتجه التفكير إلى توحيد قواعد الحجز التحفظي على السفينة، ابتغاء القضاء على حالات التنازع، وحرصا على حسن سير وانتظام حركة الملاحة التجارية الدولية.
وقد أثمرت الجهود الدولية في هذا الشأن عن توقيع الاتفاقية الخاصة بتوحيد بعض القواعد المتعلقة بالحجز التحفظي على السفن في بروكسل في العاشر من مايو سنة 1953، وقد انضمت مصر إلى هذه الاتفاقية بالقانون رقم135 لسنة 1995، وبالتحفظين الواردين في المادة العاشرة منها، وقد أصبحت الاتفاقية سارية في حقها ابتداء من 24 فبراير سنة 1956.
وتنطبق أحكام المعاهدة في كل دولة متعاقدة على كل سفينة تحمل علم دولة متعاقدة (م8/1)، على أن الحجز على السفينة في الدولة التي ترفع علمها ينطبق عليه القانون الداخلي لهذه الدولة، بشرط أن يكون للحاجز محل إقامة معتاد أو مركز رئيسي في هذه الدولة (م9/4).
ويجوز في كل دولة متعاقدة توقيع الحجز على سفينة تحمل علم دولة غير متعاقدة، إما لأحد الديون البحرية المنصوص عليها في الاتفاقية، وإما بسبب أي دين آخر يجوز الحجز بمقتضاه، وفقا لقانون الدولة المتعاقدة، أي التي يوقع فيها الحجز (م8/3).
وتطبيقا للأحكام السابقة، يخضع الحجز على سفينة مصرية في مصر من شخص له محل إقامة معتاد أو مركز رئيسي في مصر لأحكام القانون المصري الداخلي، أما الحجز الواقع على سفينة مصرية في مصر من شخص مقيم في الخارج، وكذلك الحجز على السفن الأجنبية في مصر، فيخضع لأحكام المعاهدة([21]).
ويقصد بأحكام القانون المصري في تنظيم الحجز التحفظي على السفينة المواد من 59 إلى 66 من قانون التجارة البحرية الجديد رقم 8 لسنة 1990، وفي حالة خلو الأخير من حكم ينظم المسألة محل البحث، يتعين الرجوع إلى قانون المرافعات باعتبار أن أحكامه تمثل الشريعة العامة للحجوز التحفظية في المواد المدنية والتجارية([22]). ويكون هذا الرجوع بالطبع بالقدر الذي لا يصطدم بخصوصية القانون البحري من ناحية، وبالطبيعة الخاصة للمال المحجوز عليه وهو السفينة من ناحية أخرى.
9- موضوع البحث: التطورات الحديثة في الحجز التحفظي على السفينة:
بعد مضي ما يقرب من الخمسين عاماً على توقيع اتفاقية بروكسل 1952 أدركت الجماعة الدولية أهمية وضع اتفاقية دولية جديدة تواكب التطورات والمستجدات التي صاحبت نشاط النقل البحري، وتلعب دورا في تيسير وتسهيل النقل البحري والتجارة العالمية.
ومن ثم عهد إلى فريق خبراء دولي بإعداد مشروع اتفاقية دولية جديدة لحجز السفن تحفظيا في إطار تكفل حماية مصالح ملاك البضاعة وملاك السفن، عن طريق ضمان حرية حركة السفن وحظر حجزها، بسبب دعاوي لا مبرر لها، أو لا تتصل بتشغيل السفن، مع الأخذ في الحسبان تحقيق التوحيد الدولي في هذا المجال عملاً على حسن سير وانتظام الملاحة البحرية الدولية وتنشيط التجارة الدولية([23]).
ولم تكن هذه المهمة يسيرة، لاختلاف النهج المتبع في دول القانون العام (common law) الذي لا يجيز حجز سفينة إلا بمطالبة بحرية معينة تتعلق بها والفلسفة التي تتبعها دول القانون المدني (Civil law) والتي تجيز للمدعي حجز أي سفينة، بسبب حقوق تجاه مالكها بقطع النظر عن طبيعة تلك الحقوق ومدي ارتباطها بالسفينة المراد الحجز عليها([24]).
وبعد جهد شاق اقر المؤتمر الدبلوماسي المشترك بين الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية في 12 مارس 1999 بقصر الأمم بجنيف ـ وبحضور مصر ـ اتفاقية جديدة للحجز التحفظي على السفينة([25]).
وتضع الاتفاقية قواعد دولية جديدة في مجال حجز السفينة تراعي التطورات التي تتصل بنشاط النقل البحري، لذا رأينا أهمية تناول هذه الاتفاقية بالبحث والدراسة، تحليلا وتأصيلا مع المقارنة بأحكام اتفاقية بروكسل 1952 والتشريعات الداخلية في مصر وفرنسا، سواء ما يتصل منها بالقانون البحري الداخلي. والذي يعكس خصوصية السفينة كمحل للحجز، أو بقانون المرافعات مع إبراز ما طرأ على هذه التشريعات من تعديلات في الفترة الأخيرة.
ولا تقتصر دراستنا على تناول التطورات الحديثة في مجال حجز السفينة تحفظيا من خلال بحث اتفاقية جنيف 1999 فحسب، بل تمتد أيضا إلى عرض الاجتهادات والتفسيرات القضائية والفقهية الجديدة للاتفاقيات الدولية والقانونين المصري والفرنسي وتحليلها.
10- تقسيم :
يبين من دراسة الحجز التحفظي على السفينة أن أحكامه تتوزع على قسمين: الأول: يتعلق بنطاق الحجز التحفظي، من حيث محل الحجز، وسببه، والرابطة التي تجمع بين المحل والسبب وهي موضوعات تتصل بالحجز التحفظي على السفينة في حالة الثبات أو الكمون، والثاني: يتصل بآليات الحجز التحفظي، من حيث بيان القواعد المنظمة لتوقيع الحجز وتحديد مركز السفينة في فترة الحجز، ووضع الأطر الكفيلة بتفادي أضرار الحجز مسبقا وجبرها بعد حصولها، وهذه الموضوعات تعد تعبيراً عن الحجز التحفظي في حالة الحركة.
وعلي هذا رأينا تقسيم هذا البحث إلى قسمين على النحو التالي:
الباب الأول: التطورات الحديثة ونطاق الحجز التحفظي على السفينة ” الحجز التحفظي في حالة الثبات”.
الباب الثاني: التطورات الحديثة وآليات الحجز التحفظي على السفينة “الحجز التحفظي في حالة الحركة”.
الباب الأول
التطورات الحديثة ونطاق الحجز التحفظي على السفينة
الحجز التحفظي في حالة الثبات
الباب الأول
التطورات الحديثة ونطاق الحجز التحفظي على السفينة
1- شروط الحجز بين قانون المرافعات والقانون البحري :
ينشأ الحق في الحجز التحفظي للدائن ولو لم يكن لديه الحق في التنفيذ الجبري، ونظرا لأن هذا الحجز يرتب آثار الحجز التنفيذي([26])، ويؤثر على حسن سير وانتظام التجارة البحرية([27])، فإن المشرع البحري لم يشأ أن يمنح الحق في إجرائه للدائن في جميع الأحوال أو بغير شروط لذا قيد من نطاقه بقيود متعددة.
هذه القيود، والتي تنقل الحجز التحفظي على السفينة، لا تتطابق مع مثيلاتها في قانون المرافعات المدنية والتجارية، فأحيانا تكون أقل شدة منها، ومثال ذلك اكتفاء اتفاقية بروكسل والقانون البحري المصري بمجرد الادعاء بدين في مواجهة المدين لتوقيع الحجز على السفينة، دون اشتراط صفات أخرى في الدين، وفي أحيان أخرى، تتجه أحكام الحجز التحفظي على السفينة إلى التضييق من حقوق الدائن طالب الحجز، فلا تجيز له الحجز المتعدد أو المتكرر أو المستند إلى دين غير بحري والأمر في الاتجاهين سواء الموسع أو المقيد بعكس خصوصية أحكام القانون البحري.
لذا، رأينا توزيع هذا الباب الذي يرسم نطاق الحجز التحفظي على السفينة على ثلاثة فصول على النحو التالي :
الفصل الأول : النطاق والسفينة محل الحجز.
الفصل الثاني : النطاق والدين سبب الحجز .
الفصل الثالث : النطاق والرابطة بين المحل والسبب.
الفصل الأول
النطاق والسفينة محل الحجز
12- مظاهر تفرد المال محل الحجز :
ينفرد محل الحجز في هذا البحث بسمتين هامتين: أولا: أن المنشأة العائمة وهي المال المحجوز عليه، لا يمكنها اكتساب وصف السفينة، وبالتالي خضوعها لأحكام مستقلة وخاصة بالحجز التحفظي، إلا باستجماع شروط وأوضاع محددة (المبحث الأول)، ثانياً: أن الاتفاقيات الدولية في مجال الحجز التحفظي على السفينة تعتمد في تحديد نطاق تطبيقها والقواعد المنظمة للحجز على العلم الذي ترفعه السفينة (المبحث الثاني).
المبحث الأول
النطاق وأوصاف السفينة
المطلب الأول
أو صفات السفينة والنطاق الايجابي للحجز
13- أولاً: التعريف بمحل الحجز التحفظي :
تختلف المنشأة العائمة في القانون البحري عنها في جنيف 1999، وذلك على النحو التالي:
14- أ– خصائص المنشأة العائمة في القانون البحري المصري :
لم يتضمن القانون البحري المصري الملغي تعريفا للسفينة ، وقد استقر الفقه([28])، والقضاء ([29]) على تعريف السفينة بأنها المنشأة العائمة التي تقوم بالملاحة البحرية أو تخصص للقيام بها على وجه الاعتياد، وبهذا التعريف أخذ القانون البحري الجديد في المادة 1/1 منه التي جاء بها: ” السفينة هي كل منشأة تعمل عادة أو تكون معدة للعمل في الملاحة البحرية ولو لم تهدف إلى الربح”.
ويستفاد من التعريف السابق أنه يشترط لإسباغ وصف السفينة (navire) على المنشأة العائمة أن تكون صالحة للملاحة البحرية من ناحية، وأن تخصص بصفة معتادة للقيام بالملاحة البحرية من ناحية، وأن تخصص بصفة معتادة للقيام بالملاحة البحرية من ناحية أخري.
ولا ينظر عند إسباغ وصف السفينة على المنشأة إلى حمولتها أو حجمها أو طريقة بنائها أو إبعادها أو نوع إداناتها المسيرة لها شراعية كانت أو بخارية أو ذرية، وكذلك لا ينظر إلى الغرض من الملاحة البحرية التي تقوم بها المنشأة وهل هو تحقيق الربح من عدمه.
وعلي ذلك لا تعد سفنا للمنشأة العائمة التي لا تكون مخصصة للملاحة البحرية كالعوامات، والمدارس العائمة، والأرصفة العائمة، والكباري العائمة، والزحافات الهوائية، أو التي لا تكون قادرة على الملاحة بوسائلها الخاصة كقوارب الإنقاذ التابعة للسفينة، أو تلك التي تعمل داخل الميناء دون أن تقوم بملاحة بحرية كسفن الإرشاد وقوارب الغطاسة والكراكات، وكذلك لا تعد سفينة المنشأة التي تخصص للملاحة النهرية أو الداخلية، كالمركب (bateau) ، حتى ولو قامت بملاحة بحرية على سبيل الاستثناء، فإن هذا لا يرفع عنها وصف المركب، ويضفي عليها وصف السفينة ما دامت لا تقوم بالملاحة البحرية على وجه الاعتياد([30]).
ولا يعد سفينة المنشأة العائمة التي تحولت إلى حطام وفقدت بالتالي القدرة على الملاحة البحرية، حتى لو أمكن انتشالها، واحتفظت بقدرتها على الطفو، فهذا لا يكفي لاستيفاء مسمي السفينة لتلك المنشأة، ما دامت قد فقدت القدرة على الملاحة البحرية بقدراتها الذاتية([31]).
ولا يصدق وصف السفينة على المنشأة، وهي في طور البناء، إذ لا تتوفر له الصلاحية للملاحة، ومع ذلك فإنها تخضع لأحكام القانون البحري على سبيل الاستثناء، كما هو الحال بالنسبة للرهن البحري طبقا للمادة 44 من قانون التجاري البحري الجديد([32]).
ومتى ثبت للسفينة الأوصاف السابقة، انطبقت الأحكام الخاصة بالحجز التحفظي في قانون التجارة البحرية عليها دون الأحكام العامة الواردة في قانون المرافعات، ولا تسري القواعد الخاصة بحجز السفن على حجز البضائع المنقولة بحرا([33]).ً
15- ب – خصائص المنشأة العائمة في بروكسل 1952 وجنيف1999:
لم تبين اتفاقيتا بروكسل 1952 وجنيف 1999 المقصود بالمنشأة العائمة التي يمكن أن تكون محلا للحجز، مما يعني تطبيق أحكام القانون الداخلي في هذا الشأن.
بيد أن المادة العشرة من جنيف 1999 المتعلقة بالتحفظات تجيز في مادتها الثانية للدولة المتعاقدة، عندما تكون أيضا طرفا في معاهدة معنية بشأن الملاحة في المجاري الداخلية، أن تعلن، عند توقيع هذه الاتفاقية، أو التصديق عليها، أو قبولها، أو الموافقة عليها، أو الانضمام إليها أن القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي والاعتراف بقرارات المحاكم وتنفيذها المنصوص عليها في هذه المعاهدات سوف يكون لها الأسبقية على القواعد الواردة في المادة السابعة من الاتفاقية، وكان الدافع إلى تضمين الاتفاقية هذا النص مطالب بعض الدول التي تعتمد في ملاحتها البحرية على استخدام الأنهار([34]).
ويري البعض([35])، تعليقا على هذا النص، أن الاتفاقية تسري، على هذا النحو، على سائر أشكال المنشأة العائمة (batiment) سواء كانت مخصصة للملاحة البحرية (batiment de mer) أم كانت مخصصة للملاحة الداخلية، أم النهرية، ما لم تستخدم الدولة المتعاقدة حقها في إبداء التحفظ الوارد في المادة العاشرة ولذلك يكون الرجوع إلى أحكام القانون الداخلي لبيان المقصود بالسفينة محل الحجز مقيدا بحكم المادتين السابعة والعاشرة من اتفاقية جنيف 1999 عند سريانها.
16- ثانيا: امتداد وصف السفينة إلى ملحقاتها:
تتكون السفينة من أجزاء متعددة ومتباينة، لو فصل بينها لعاد لكل منها ذاتيتيه واستقلاله، ولكن هذه الأجزاء تفقد ذاتيتها ما بقيت على ترابطها واندماجها في وحدة واحدة يطلق عليها اسم السفينة، ومثال أجزاء السفينة أو أعضائها، البدن والدقة والصواري والمحركات وغيرها([36]).
وتفترق أجزاء أو أعضاء السفينة عن ملحقاتها أو توابعها، كالأهداف والسلاسل والروافع والأجهزة المختلفة الموجودة على متنها، فالأجزاء يرتبط بعضها مع بعض ارتباطا ماديا وثيقاً، بحيث لا يمكن فصلها دون إتلاف السفينة، أما الملحقات فهي كل ما يلزم لخدمة السفينة،أي ملاحتها واستغلالها، ولا يترتب على فصلها ماديا عنها أي إتلاف مادي لها([37]).
ولا تعد أجرة النقل من ملحقات السفينة، وإنما من عناصر الثروة البحرية، إلا إذا نص القانون أو اتفق الأطراف على اعتبارها كذلك([38]).
وقد نص قانون التجارة البحرية المصري الجديد في المادة 1/2 على اعتبار ملحقات السفينة اللازمة لاستغلالها جزءا منها، وتطبيقا لذلك يسري على الملحقات ما يسري على السفينة، فترهن برهنها، وتحجز بحجزها، وتباع ببيعها، ما لم يوجد نص أو اتفاق يخالف ذلك.
17- ثالثاً: جواز الحجز على وقود السفينة (sontes)
إذا لم يكن ثمن بيع السفينة كافيا للوفاء بحق الدائن الحاجز، فإنه يجد من مصلحته أن يحجز على وقودها، وهنا يثار التساؤل أما مدى جواز الحجز على الوقود، استنادا إلى الأحكام الخاصة بالحجز التحفظي على السفينة.
رأت محكمة النقص الفرنسية أن الوقود يعد عنصراً (element) من عناصر السفينة ، ويخضع للقواعد الخاصة بالحجز عليها([39])، ويرد الفقه هذا الحكم إلى قاعدة تبعية الفرع للأصل التي تقضي بها الأحكام العامة في القانون المدني([40]).
18- رابعاً: جواز الحجز على السفينة ولو كانت متأهبة للسفر:
كان القانون البحري في مصر([41]) وفرنسا([42])، يحظر الحجز على السفينة المتأهبة للسفر، مرجحاً بذلك المصالح المرتبطة بالرسالة البحرية على مصلحة الدائن الذي تقاعس عن توقيع الحجز حتى اللحظة الأخيرة لرحيل السفينة([43])، ويظل الحظر قائما أثناء الرحلة البحرية([44]).
وقد عدل قانون التجارة البحرية عن ذلك، مقتفياً في ذلك أثر القانون الفرنسي الصادر في 1967، فأجاز في المادة 59 الأمر بتوقيع الحجز التحفظي، ولو كانت السفينة متأهبة للسفر، ويرجع هذا التعديل إلى سببين: الأول: عدم السماح للسفن الأجنبية بالهروب من دائنيها المصريين, والثاني: تحقيق التجانس وتوحيد القواد بين القانون البحري الذي كان يحرم الدائنين الخاضعين لأحكامه من الحجز على السفن المتأهبة للسفر، واتفاقية بروكسل 1952 والتي كانت تجيز هذا الحجز(م3/1) ([45]).
ويستمر حق الدائن في الحجز قائما أثناء السفر، في ضوء إطلاق عبارات المادتين 59 من القانون البحري المصري، و3/1 من اتفاقية بروكسل([46])، ويري البعض أن الدائن الحاجز ـ في هذه الحالة ـ يكون معرضا لمخاطر انعقاد مسئولية لسوء استخدام حق الحجز، في ضوء الظروف والملابسات التي تكتنف مباشرته لهذا الحق.
ولدي مناقشة مشروع اتفاقية 1999، تباينت الآراء حول الإبقاء فقط على حكم المادة 3/1 من اتفاقية بروكسل بشأن جواز الحجز على السفينة، ولو كانت متأهبة للسفر، أو إضافة حالة جديدة تتضمن عدم جواز الحجر على السفينة أثناء إبحارها، فذهب البعض إلى أن الحجز على السفينة أثناء رحلتها البحرية أمر يلاقي صعوبات عملية، وحبذ البعض الآخر هذا المبدأ الجديد، لاسيما وأن المادة 28 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 تجيز الحجز على السفينة، وهي مبحرة فعلاً، طالما كانت في نطاق المياه الإقليمية للدولة([47]).
وإزاء الاختلافات العميقة بين وفود الدول، رؤي ترك مسألة حجز السفينة أثناء تأهبها للسفر أو أثناء إبحارها للتشريعات الوطنية([48]).
المطلب الثاني
أوصاف السفينة والنطاق السلبي للحجز
19- أولاً: عدم جواز الحجز على سفن الدولة :
لم تتعرض اتفاقية بروكسل 1952، لمسالة مدى تمتع السفن المملوكة للدولة للحصانة من إجراءات الحجز، ومع ذلك، فإن مبدأ الحصانة كان مقررا بمقتضي معاهدة بروكسل 1926 التي تفرق بين نوعين من السفن التي تملكها الدولة، النوع الأول: السفن الحربية والسفن المخصصة لخدمة عامة، النوع الثاني: السفن التجارية المملوكة للدولة، وتخضع المعاهدة النوع الأول فقط للحصانة([49]). وتنص المادة 2 من قانون التجارة البحرية الجديد على أنه:” عدا المجالات التي ورد بشأنها نص خاص لا تسري أحكام هذا القانون على السفن الحربية والسفن التي تخصصها الدولة أو أحد الأشخاص العامة لخدمة عامة ولأغراض غير تجارية”.
أما اتفاقية جنيف 1999 بشأن الحجز التحفظي على السفينة، فقد تعرضت لمبدأ حصانة سفن الدولة في المادة 8/2 والتي تنص على أنه “لا تنطبق هذه الاتفاقية على أية سفينة حربية، أو سفن حربية مساعدة، أو سفن أخري، تمتلكها أو تشغلها الدولة وتستخدمها، مؤقتاً، في خدمات عامة غير تجارية فقط”.
ولا تقتصر الحماية التي تسبغها اتفاقية 1999 على سفن الدولة على تلك المملوكة للأخيرة، وإنما تمتد إلى تلك التي تستخدمها الدولة وتشغلها، ولا تكون مملوكة لها، شريطة أن يكون الاستعمال والتشغيل مؤقتا في خدمات عامة غير تجارية.
20- ثانياً: عدم جواز الحجز على الأدوات اللازمة لمباشرة الحرفة
أو المهنة:
تقضي القواعد العامة في قانون المرافعات، في مصر([50])، وفرنسا([51])، بعدم جواز الحجز على الأدوات اللازمة لممارسة المدين لمهنته وحرفته، وقد ثار التساؤل في فرنسا عن مدى تطبيق هذا النص على السفن المملوكة لأصحاب حرفه الصيد.
يري الفقه([52])، أن النصوص العامة الواردة في قانون المرافعات يتعين تطبيقها على السفن المستخدمة بصفتها أداة لمباشرة حرفة الصيد، ولا تعد خصوصية وتميز أحكام القانون البحري مانعا من هذا التطبيق، طالما لم يرد نص يحول دون ذلك، ويذهب البعض ـ في دفاعه عن هذا المبدأ ـ إلى أن النصوص المانعة للحجز على أدوات المهنة أو الحرفة هي نصوص ذات طابع إنساني واجتماعي، يكون أصحاب حرفة الصيد في أمس الحاجة إلى مظلة حمايتها أكثر من غيرهم([53])، وقد أيد القضاء الفرنسي هذا الاتجاه([54]).
ويكون استفادة المدين بقاعدة عدم جواز الحجز على أدوات المهنة أو الحرفة في إطار الأحكام العامة المنصوص عليها في قانون المرافعات.
المبحث الثاني
النطاق وعلم السفينة
من الأهمية بمكان تحديد القانون الواجب تطبيقه على الحجز التحفظي وهل هو اتفاقية بروكسل 1952 أو القانون الداخلي، إذا أن نطاق وشروط وآثار الحجز في كليهما مختلف([55]). فالاتفاقية تستلزم أن يكون الدين سبب الحجز بحرياً، بينما قد
لا يستلزم ذلك القانون الداخلي في دولة متعاقدة، كما أن الحالات التي أحصتها المعاهدة للديون سبب الحجز قد تختلف عن الحالات التي يتضمنها قانون وطني([56]).
وتعتمد اتفاقية بروكسل في تحيد نطاق تطبيقها والقواعد المنظمة للحجز على العلم الذي ترفعه السفينة، وهل يخص دولة متعاقدة أو دولة غير متعاقدة، لذا نصت المادة الثامنة على أنه: “1- تسرى أحكام هذه الاتفاقية في جميع الدول المتعاقدة على كل سفينة تحمل علم احدي الدول المتعاقدة.
2- ويجوز توقيع الحجز على أي سفينة تحمل علم دولة غير متعاقدة في دولة متعاقدة بسبب أحد الديون المبنية بالمادة الأولي أو بسبب أي دين أخر يجيز توقيع الحجز وفقا لقانون هذه الدولة”، وتسري أحكام القانون الداخلي في غير تلك الحالات، أما اتفاقية 1999 الموقعة في جنيف، فلم تتبن هذه التفرقة.
لذا ـ وفي ضوء التفرقة التي أقامتها اتفاقية بروكسل ـ رأينا تقسيم هذا الفصل إلى مطلبين يظهران نطاق تطبيق كل من الاتفاقية والقانون الداخلي على نحو دقيق.
المطلب الأول
النطاق والسفن التي ترفع علم دولة متعاقدة
22- المبدأ العام :
يعتمد تحديد القانون الواجب التطبيق وفقا للمادة 8/1 من اتفاقية بروكسل 1952 على جنسية السفينة، وليس على جنسية مجهزها، فتنطبق الاتفاقية في كل دولة متعاقدة على كل سفينة علم دولة متعاقدة، لذا فإن السفينة التي ترفع علم دولة متعاقدة لا يمكن أن تكون محلا للحجز في دولة متعاقدة إلا على أساس اتفاقية 1952، فالاتفاقية، على هذا النحو، تسمح بتوحيد شكل الضغط المتولد من الحجز التحفظي على المستوي الدولي، من خلال المساواة بين الدائنين في الحقوق والالتزامات([57])، وتعد جنسية السفينة أحد العوامل التي يرتبط بها نطاق تطبيق بروكسل، ولذلك فلا تغني عن الشروط الأخرى، ومن بينها طبيعة الحق سبب الحجز، والارتباط بين محل الحجز وسببه في بعض الأحوال.
وقضي قضي في فرنسا اتفاقية بروكسل 1952 تأتي في التطبيق في مرتبة متقدمة على القانون الداخلي، ولذلك لا يجوز تطبيق الأخير إذا توفرت شروط سريان الاتفاقية([58]).
وقد أغفلت المادة الثامنة من المعاهدة تحديد المقصود بالدولة المتعاقدة فهل هي الدولة الموقعة على المعاهدة أو هي فقط تلك المصدقة عليها أو المنضمة إليها؟ ويأخذ الفقه([59])، في هذا الصدد بالحل الذي ورد في بروتوكول لاهاي الموقع في 28 سبتمبر 1955 في شأن تعديل بعض أحكام اتفاقية وارسو، ومقتضاه أن الدولة لا تعتبر متعاقدة، لمجرد توقيعها على المعاهدة، بل تعد كذلك بتصديقها على أو انضمامها إليها.
23- الاستثناءات:
يبين من قراءة اتفاقية بروكسل 1952 أن المبدأ العام السابق يخضع للعديد من الاستثناءات، بمعني أن اتفاقية لا تنطبق في عدة حالات ـ كليا أو جزئيا ـ رغم أن السفينة ترفع علم دولة متعاقدة، هذه الاستثناءات، رصدتها الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة الثامنة والمادة الثانية من الاتفاقية، وهو ما سنبينه في السطور التالية:
24- أولاً: م8/3 وسلطة دولة ميناء الحجز تجاه الدائن الحاجز :
إعمالاً لهذا الاستثناء الذي يتصل بشخص الدائن الحاجز، تنص المادة 8/3 من اتفاقية على أنه ” ومع ذلك فلكل دولة متعاقدة أن ترفض منح كل مزايا هذه الاتفاقية أو بعض مزاياها لدولة غير متعاقدة أو لأي شخص ليس له يوم الحجز محل إقامة معتاد أو مركز رئيسي في احدي الدول المتعاقدة، وتطبيقا لذلك، إذا لم يكن لطالب الحجز محل معتاد أو مركز رئيسي في احدي الدول المتعاقدة فإن كل أو جزء من مميزات الاتفاقية يمكن أن تكون مستبعدة من التطبيق، ومثال تلك الامتيازات: المزايا الممنوحة للدائن من جواز الحجز على السفينة المستأجرة لدين يتعلق بها نشأ في ذمة مستأجرها في فرنسا التي لا يجيز قانونها الداخلي الحجز إلا على أموال المدين على خلاف أحكام الاتفاقية.
وتمد الاتفاقية المركز القانون للدائن طالب الحجز فيما يتعلق بمحل إقامته المعتاد أو مركزه الرئيسي إلى كل شخص يحل محله، لذا تنص الفقرة الخامسة من المادة الثامنة على أن ” كل شخص غير المدعي الأصلي يتمسك بدين بحري بسبب حلوله محل الدائن يتعلق بتطبيق نصوص هذه الاتفاقية أن له نفس محل الإقامة المعتاد أ, المركز الرئيسي الذي للدائن الأصلي، وتطبيقا لذلك، فإنه إذا كانت بعض أو كل مزايا الاتفاقية لم تمنح لأحد الدائنين الحاجزين بسبب أن محل إقامته المعتاد يقع في احدي الدول غير المتعاقدة، فإن ذلك الحكم لا يتغير إذا كان خلفه الخاص بطريق الحواله أو الحلول أو غيرهما مقيما في احدي الدول المتعاقدة.
ولا يقتصر حكم المادة 8/3 على الدائن الحاجز الذي لا يثبت له محل إقامة معتاد في احدي الدول المتعاقدة، بل يمتد إلى الدولة غير المتعاقدة نفسها([60])، ويري البعض أن هذا النص يسري على الدولة غير المتعاقدة التي تكون مالكة للسفينة وفي الوقت نفسه لا تتمتع هذه السفينة بالامتيازات والحصانات المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية الموقعة عام 1926([61])، حينئذ يمكن حرمان الدولة من التمتع بمميزات اتفاقية 1952 أو بعضها، إذ أن مميزات الاتفاقية لا تقصر على الدائنين، وإنما تمتد إلى ملاك السفن في إطار تحقيق التوازن بين مصالح الطائفتين الذي انتهجته الاتفاقية.
ويذهب الفقه الفرنسي إلى عدم جواز ترك مسألة استبعاد مميزات تطبيق الاتفاقية المنصوص عليها في 8/3 إلى القضاة، حتى لا تتعرض نصوصها للتغيير والتبديل من حالة في 8/3 إلى القضاة، حتى لا تتعرض نصوصها للتغير والتبديل من حالة لأخرى([62])، وإنما يجب أن تعبر السلطة المختصة داخل الدولة المتعاقدة عن إراداتها في الاستبعاد، ولا يتقيد استعمال هذه المكنة بميعاد محدد، مثلما هو الحال في إبداء التحفظات المنصوص عليها في المادة العاشرة والمرتبط بوقت توقيع الاتفاقية أو إيداع وثائق التصديق عليها أو الانضمام إليها، وإنما يكون ذلك في أي وقت تراه الدولة المتعاقدة مناسبا شريطة إخطار بلجيكا باعتبارها العضو الذي يحتفظ بوثائق المعاهدة([63]).
25- ثانياً: م8/4 ومناط اختصاص القانون الداخلي:
يبين الاستثناء أو القيد الثاني على مبدأ خضوع سفن الدول المتعاقدة لأحكام الاتفاقية من تصفح المادة 8/4 والتي تقرر أنه: “ليس من شأن نصوص هذه الاتفاقية أن يترتب عليها تعديل أو تأثير في نصوص القانون الداخلي للدولة المتعاقدة يما يتعلق بتوقيع حجز على سفينة تحمل علم هذه الدولة في دائرة اختصاصها من أي شخص يكون محل إقامته المعتاد أو مركزه الرئيسي في هذه الدولة”.
ثمة ثلاثة شروط متطلبة إذن لتطبيق المادة سالفة الذكر، وهي تعلق محل الحجز وجنسية السفينة ومحل إقامة الدائن أو مركزه الرئيسي بدولة متعاقدة واحدة([64])، ولذا فإن الحجز الموقع من مصري مقيم في السعودية، وليس له موطن أو مركز أعمال رئيسي في مصر على سفينة مصرية ـ في سيناء ميناء الإسكندرية ـ يخضع لأحكام المعاهدة، وليس للقانون الداخلي المصري، لتخلف المعيار الثالث لتطبيق القانون الداخلي، وهو إقامة الدائن في مصر، وعلي العكس فإن الحجز الموقع من فرنسي له محل إقامة معتاد بمصر على سفينة مصرية في ميناء الإسكندرية يخضع للقانون المصري لارتباط المعايير الثلاثة المحددة لاختصاص القانون الداخلي بدولة متعاقدة واحدة هي مصر.
ولم تقم المادة 8/3 وزنا لمحل إقامة المدين اكتفاء بتعلق جنسية السفينة بالدولة المتعاقدة التي يوقع فيها الحجز، ويفسر ذلك في ضوء خصوصية القانون البحري الذي يجعل السفينة وحدة اقتصادية منفصلة ومستقلة بحقوقها والتزاماتها، يرتبط بها حق الدائنين، وما دام الرجوع لاقتضاء الحق أصبح ذا طبيعة عينية، فمن الطبيعي أن يرتبط نطاق التطبيق بجنسية المال محل الحجز الذي يمثل الضمان العيني للدائنين، وليس بجنسية المدين مالك المال أو حائزه”([65]).
ولم تبين المادة 8/4 من الاتفاقية الوقت الذي ينظر إليه عند تحديد محل إقامة الدائن الحاجز ويري البعض ضرورة إتباع الحل الوارد في المادة 8/3، بالنظر ـ عند هذا التحديد ـ إلى يوم توقيع الحجز([66])، وتنطبق ذات القاعدة عند تحديد جنسية السفينة([67]).
ولم تغير اتفاقية 1999 في هذا الشأن ما ورد في اتفاقية بروكسل، بيد أنها تضمنت دمجا للحكمين الواردين في الفقرتين الرابعة والخامسة، من المادة الثامنة من بروكسل([68])، لذا جاءت صياغة م 8/6 من جنيف، 1999، على النحو التالي: “… ليس في هذه الاتفاقية ما يعدل أو يمس أحكام القانون الساري في الدول الأطراف فيما يتعلق بحجز السفينة ماديا في دائرة ولاية دولة علم السفينة الذي حصل عليه شخص يقيم عادة في تلك الدولة أو يتخذ فيها المقر الرئيسي لأعماله، أو حصل عليه أي شخص آخر انتقلت إليه المطالبة من هذا الشخص عن طريق الحلول أو الحوالة”.
وينتقد البعض تبني اتفاقية جنيف 1999 للحكم نفسه الوارد في اتفاقية بروكسل ـ باستبعاد تطبيق الاتفاقية وترك الاختصاص للقانون الداخلي في حالة اتصال العناصر المشار إليها بدولة متعاقدة واحدة..، إذ أ، هذا المبدأ يتعارض مع الاتجاهات الحديثة التي تميل إلى التطبيق الجماعي للاتفاقيات الدولية بقواعد مادية موحدة([69]).
26- المادة الثانية وعدم المساس بحقوق سلطات الدولة في مواجهة السفن المخالفة:
تنص المادة الثانية من اتفاقية بروكسل 1952 على أنه: “… ومع ذلك فلا يجوز أن يحمل أي نص من نصوص هذه الاتفاقية على أنه توسع أو تضييق في الحقوق والسلطات التي تستمدها الدول والجهات العامة وسلطات الموانئ من قوانينها الداخلية أو لوائحها بالحجز على السفينة في دائرة اختصاصها أو بحبسها أو يمنعها من الابحار”.
بموجب هذا النص تستطيع السلطات العامة في الدولة المتعاقدة أن تحجز السفن التي تخالف أحكام القانون ولوائحه، دون أن تحاج بضرورة وجود حق بحري، ومثال ذلك السفن التي تخالف قواعد الملاحة ومكافحة التلوث وكذلك التي تخرق قوانين الجمارك.
وبناء على ما سبق، إذا تسببت احدي السفن في تلوث المياه البحرية بسبب سقوط نفايات أو أشياء ضارة بالبيئة، يمكن لسلطات الدولة أن تقوم بضبطها وحجزها إعمالا لقوانين حماية البيئة من التلوث وهذه السلطة تفترق عن حق الجهات العامة في الرجوع على تلك السفينة بقيمة التعويضات عن الأضرار التي تسببت فيها، وعن حقها في طلب حجزها تحفظياً، بغرض إجبارها على الوفاء بما هو مستحق في ذمتها، فمؤدي المادة الثانية من بروكسل 1952 أن أحكام الحجز التحفظي تنطبق في الحالات الأخيرة فقط.
وتبنت م8/3 من اتفاقية 1999 ذات الحكم، بيد أنها ضاقت إلى المصادر القانونية التي تستمد منها الدولة سلطتها الجديدة في حجز السفينة مصدرا جديدا يتمثل في الاتفاقيات الدولية، فقضت بأنه: ” لا تمس هذه الاتفاقية أي حقوق أو سلطات عائدة لأي حكومة أو إدارات تابعة لها، أو لأي سلطة من سلطات الأحواض أو المرافئ بموجب أ] اتفاقية دولية أو بموجب أي قانون محلي أو لائحة محلية، لتوقيف أو منع إبحار أي سفينة في دائرة ولايتها”.
عدم جواز المساس بنظام وقواعد تنظيم الإفلاس:
وفقا للمادة 8/4 من اتفاقية جنيف 1999 لا يجوز المساس بسلطة الدولة أو محاكمها في إصدار أوامر تنصب على كامل أصول ذمة المدين، وتتعلق هذه المادة بالمدين المفلس أو المتوقف عن سداد ديونه، ويخضع لنظام إجراءات جماعية أو غيره من النظم والإجراءات المشابهة التي تختلف من دولة لأخرى([70]).
وبموجب هذه المادة، فإن خضوع المدين لنظام الإفلاس أو الإجراءات الجماعية أو غيره يحول دون تمتع الدائن بحق توقيع الحجز التحفظي وعلي الرغم من أن اتفاقية بروكسل لم تتضمن حكما مشابها للمادة 8/4، فإن القضاء الفرنسي كان يسير على هذا المبدأ، فقضت محكمة استئناف (aix – en – provence) بعدم جواز توقيع الحجز التحفظي على سفن المدين المفلس([71]).
ولا يسري الحظر إلا على السفن التي تدخل في الذمة المالية للمدين المفلس، ولذلك يجوز الحجز على السفينة المستأجرة بسبب دين نشأ في ذمة المستأجر المفلس، لأن السفينة التي يراد الحجز عليها لا تدخل في ذمته المالية([72]).
المطلب الثاني
النطاق والسفن التي لا ترفع علم دولة متعاقدة
28- جدل وخلاف حول طبيعة المادة 8/2 من اتفاقية بروكسل وتفسيرها:
لا تسري اتفاقية بروكسل 1952 على السفن التي ترفع علم دولة متعاقدة فقط، وإنما تمتد إلى سفن الدولة غير المتعاقدة أيضا، لذا قضت المادة 8/2 من الاتفاقية بأنه: ” يجوز توقيع الحجز على أية سفينة تحمل علم دولة غير متعاقدة في دولة متعاقدة، بسبب أحد الديون المبنية بالمادة الأولي أو بسبب أي دين آخر يجيز توقيع الحجز، وفقا لقانون هذه الدولة”.
ويذهب أغلب الفقه([73])، إلى أن الاتفاقية، على هذا النحو، تفتح باب الاختيار أمام الدائن الحاجز بين طائفتين من الديون يجوز الحجز استنادا لأيهما إذا كانت السفينة المحجوزة ترفع علم دولة غير متعاقدة: الأولي: الديون البحرية المنصوص عليها في المادة الأولي من الاتفاقية، والثانية: الديون التي يجيز القانون الداخلي الحجز استنادا إليها، ولذلك فإن الدائن الحاجز لسفينة دولة غير متعاقدة في أحد الموانئ الفرنسية قد يجد من مصلحته الحجز، استنادا إلى القانون الفرنسي الذي لا يشترط أن يكون الدين المحجوز من أجله بحرياً.
ويري بعض آخر أن المادة 8/2 لم تضع أمام الدائن الحاجز اختيار بين الحالات التي تمثل سبب للحجز والواردة في كل من الاتفاقية والقانون الداخلي، وإنما وسعت من نطاق حقه في الحجز إذا كانت السفينة ترفع علم دولة غير متعاقدة في إقليم دولة متعاقدة([74]).
ويعزي حكم المادة 8/2 من اتفاقية بروكسل إلى قصد واضعي الاتفاقية في حرمان سفن الدول غير المتعاقدة من الاستفادة، أمام محاكم الدول المتعاقدة، بوضع أفضل من سفن الدولة المتعاقدة([75]).
ويصف بعض الفقهاء حكم المادة 8/2 بالغرابة، لأنه لا يبيح الحجز على السفن الأجنبية التابعة لدولة غير متعاقدة في دولة غير متعاقدة، بسبب الديون البحرية المنصوص عليها في المعاهدة وغيرها من الديون المنصوص عليها في القانون الداخلي لدولة القاضي([76])، ويذهب البعض الآخر إلى القول بأن هذا الحكم الغريب يهدف إلى حث الدول على الانضمام للمعاهدة حتى لا تخضع سفنها لمخاطر الحجز التحفظي على نطاق واسع استناداً إلى تطبيق المعاهدة والقانون الوطني معا([77]).
ويري البعض أن حكم المادة 8/2 لا يعدو أن يكون تطبيقا لقواعد القانون العام، فالمعاهدة تسري فقط في العلاقات بين الدول المتعاقدة، أما في العلاقة مع دولة غير موقعة على الاتفاقية فإن الدول تطبق قانونها الوطني شاملاً أحكام المعاهدة التي تم الانضمام إليها، باعتبارها جزءا من النظام القانوني للدولة([78])، ولذا لا يعد حكم المادة 8/2 بمنزلة سريان المعاهدة على دولة غير متعاقدة.
وينتقد البعض هذا التخريج، لأنه يعطي مفهومين متغايرين لتعبير واحد هو القانون الداخلي، علاوة على أن الاتفاقية لم تقصر تطبيق القانون الداخلي على سفن الدول غير المتعاقدة، وإنما حرصت على الإشارة الصريحة إلى الجمع بين أحكام القانون الداخلي وأحكام الاتفاقية مما يقطع بعدم شمول القانون الداخلي للأخيرة([79]).
ونري أن اتساع نطاق الديون التي يجوز الحجز استنادا إليها، إذا كانت السفينة التي يراد حجزها تحمل عام دولة غير متعاقدة، لا يعد شكلا من أشكال إلزام دولة غير متعاقدة بحكم اتفاقية هي أجنبية عنها، فالمخاطب بأحكام الاتفاقية في هذا الفرض الدولة المتعاقدة، وليس الدولة غير المتعاقدة، أما سفن الأخيرة فلا تمثل سوي محل أو موضوع للحجز الذي تنظمه الاتفاقية في نطاق اختصاص دولة متعاقدة، وهذا الاتجاه بإخضاع السفن التي ترفع علم دولة غير متعاقدة في نطاق اختصاص دولة متعاقدة أخذت به أيضا المادة 8/1 من اتفاقية جنيف 1999.
أما التفرقة بين سفن الدول المتعاقدة وسفن الدول غير المتعاقدة عند تحديد الدين سبب الحجز، فهو أمر منتقد في رأينا، لأن إضافة الديون البحرية وينصب التحفظ على خضوع الدولة غير المتعاقدة لأحكام الاتفاقية أو عدم الخضوع، وكان مشروع الاتفاقية يعطي شكلاً آخر للتحفظ الذي تبديه الدولة المتعاقدة، فيجوز للأخيرة أن تحتفظ لنفسها بالحق في تطبيق الأحكام المتعلقة بتعيين الدين سبب الحجز في الاتفاقية أو القانون الداخلي على الدولة غير المتعاقدة.
ولا تقيد المادة 10 من الاتفاقية احتفاظ الدولة لنفسها بالحق في عدم تطبيق الاتفاقية على سفن الدول غير المتعاقدة بميعاد محدد يتعين إبداء التحفظ خلاله، فيجوز أن يكون ذلك عند توقيع الاتفاقية، أو التصديق عليها، أو قبولها، أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها، أو أي وقت آخر، وكان مشروع الاتفاقية يستبعد الحالة الأخيرة من النطاق الزمني لإبداء التحفظ.
وتطبيقا لما سبق، فإنه في حالة عدم استعمال الدولة المتعاقدة لحقها في إبداء التحفظ، فإن الحجز التحفظي على السفن التي ترفع علم دولة غير متعاقدة في دائرة اختصاصها يكون خاضعاً فقط لأحكام المعاهدة، وفي حالة إبداء التحفظ يخضع الحجز لأحكام القانون الداخلي بمفرده في القانون الداخلي للديون البحرية المنصوص عليها في المادة الأولي في حالة حجز سفن الدول غير المتعاقدة حكم يتعارض مع أهداف الاتفاقيات الدولية في توحيد القواعد المطبقة في كل الدول المتعاقدة، ويترتب على المادة 8/2 من بروكسل اختلاف أسباب الحجز من دولة لأخرى، وفقا للمفهوم الذي يتبناه قانونها الداخلي.
29- تفادي اتفاقية جنيف 1999 لمثالب المادة 8/2 من اتفاقية بروكسل 1952:
حرصت اتفاقية جنيف 1999 على تلافي العيوب والانتقادات الخاصة بالمادة 8/2([80])، لذا استنت قاعدة مزدوجة، فمن ناحية أخضعت كل السفن لأحكام الاتفاقية، بقطع النظر عن العلم الذي ترفعه، ودون تفرقة بين الديون سبب الحجز الواردة في الاتفاقية أو في القانون الداخلي، إذا كانت واقعة في نطاق الاختصاص لدولة متعاقدة([81])، ومن ناحية أخري حرصت الاتفاقية على جذب الدول الرافضة لهذه القاعدة للتوقيع عليها، فأجازت لها أن تحتفظ بحقها في عدم تطبيق الاتفاقية على السفن التي لا ترفع علم دولة طرف([82]).
الفصل الثاني
النطاق والدين سبب الحجز
30- نطاق للاستيعاب ونطاق للاستبعاد :
يتطلب المشرع البحري في الدين المحجوز من أجله شروطا معينة تلزم لتوقيع الحجز التحفظي على السفينة، هذه الشروط تنقسم إلى طائفتين:
الأولي: شروط ايجابية تتعلق تارة بأوصاف الدين، وتارة أخري بالعلاقات والوقائع التي ينتمي إليها ويندرج في إطارها، الثانية: شروط سلبية لا يصلح مع توافرها الدين أن يكون سببا للحجز رغم استجماعه الشروط المتطلبة قانوناً.
لذا رأينا توزيع هذا الفصل على مبحثين هما:
المبحث الأول: النطاق الايجابي للدين سبب الحجز.
المبحث الثاني : النطاق السلبي للدين سبب الحجز.
المبحث الأول
النطاق الايجابي للدين سبب الحجز
31- معياران:
لا يجوز توقيع الحجز التحفظي على السفينة إلا إذا كان الدين سبب الحجز ديناً بحرياً ينتمي إلى التعداد الوارد في الاتفاقيات الدولية والقانون الداخلي ( المطلب الأول)، وقد أثير التساؤل حول مدى تطلب أوصاف أخري في هذا الدين البحري؟ (المطلب الثاني)
المطلب الأول
النطاق وتسمية الدين
الفرع الأول
تسمية الدين في اتفاقية بروكسل
32- تسميات محددة ترتد إلى ثلاثة أقسام :
لا تسري أحكام اتفاقية بروكسل 1952 بشأن الحجز التحفظي على السفينة إلا إذا كان الدين سبب الحجز دينا بحرياً، يستوي في ذلك أن يكون هذا الدين عادياً أو ممتازا، وتظهر هنا خصوصية أحكام القانون البحري المتعلقة بالحجز التحفظي على السفينة، مقارنة بالمبادئ العامة في قانون المرافعات المتصلة بالحجز التحفظي على المنقول، فنصوص الحجز التحفظي على السفينة لا تعرف طريقها للتطبيق إلا إذا كان للحق رابطة بالنشاط البحري، هذا الأمر يجعل من السفينة شكلا من إشكال الذمة المخصصة patrimonies d’affectation فهي تفلت من وعاء الحجز إذا كان الدين المحجوز من أجله ليس بحرياً([83]).
ويعد الدين بحرياً بخصوص تطبيق اتفاقية بروكسل، إذا كان يقصد به الادعاء بحق أو دين مصدره أحد الأسباب السبعة عشر التي عددتها المادة الأولي من الاتفاقية على سبيل الحصر([84]).
ويمكن توزيع الديون المحصورة في اتفاقية بروكسل على ثلاثة أقسام: القسم الأول([85]): ويشمل الديون المتولدة من الأعمال القانونية المرتبطة باستغلال السفينة
(faits juridiques lies a l’ exploitation du navire) ويندرج
تحته “الأضرار التي أحدثتها السفينة، بسبب التصادم أو غيره (م1 – أ)، الخسائر في الأرواح أو الإصابات البدنية التي تسببها السفينة أو التي تنشأ عن استغلالها (م1– ب)، الخسائر البحرية المشتركة ( م1 – ز )، هلاك البضائع والأمتعة التي تنقلها السفينة أو تلفها (م1 – و). القسم الثاني: الديون التي يرجع مصدرها إلى حق الملكية والحقوق العينية الأخرى.
( la propriety ou autres droits reels)
وتتضمن المنازعة في ملكية السفينة (م1 – س)، المنازعة الخاصة بالملكية الشائعة للسفينة أو بحيازتها أو باستغلالها أو بالحقوق في الأرباح الناشئة عن استغلال السفينة على الشيوع (م1- ع)، كل رهن بحري أو غاروقة (م1-ف). القسم الثالث: ويشمل الأسباب التي يرتد مصدرها إلى الحقوق الشخصية ذات الطبيعة العقدية
droits personnel’s de narure contractually) ) وينطوي في إطار هذا القسم العقود الخاصة باستعمال السفينة أو استئجارها بمقتضي مشارطة أو غيرها (م1-د)، سحب السفينة أو قطرها (م1—ط)، الإرشاد (م1-ي)، توريد المنتجات أو المهمات اللازمة لاستغلال السفينة وصيانتها في أي جهة كانت (م1-ك)،إنشاء السفينة أو إصلاحها أو تجهيزها ومصاريف التخزين (م1- ل)، المبالغ التي صرفها الربان أو الشاحنون أو المستأجرون أو الوكلاء لحساب مالكها (م1-ن).
وقد قضي بأن الدين الناشئ عن عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المترتبة على عقد بيع السفينة لا يعد دينا بحريا في مفهوم الاتفاقية، لأنه لا يدخل ضمن أحد الأسباب التي عددها المادة 1/1 على سبيل الحصر([86])، وبأن الدين الناشئ عن منح قرض لتمويل أعمال إصلاح سفينة لا يعد دينا بحريا([87])، وبأن الحق الناشئ للمؤمن على حمولة السفينة ضد المتسبب في الخطأ في حالة الخسارات البحرية المشتركة يدخل في نطاق المادة 1/1 – ز([88])، وبأن الدين الناشئ عن قسط التأمين لا يعد ديناً بحرياً([89]).
ولا يجوز إضافة ديون أخري للتعداد الوارد في المادة الأولي من اتفاقية بروكسل ومع ذلك، فإن العبارات المستخدمة في تسمية وتعيين الديون تعد فضفاضة إلى حد ما، بحيث تستوعب تطبيقات كثيرة أمام القضاء، وقد قضي بأن الأضرار التي أحدثتها السفينة تستوعب المصروفات التي تنفقها أجهزة الدولة للبحث في المياه عن الحاويات الغارقة التي تحوي مواد ضارة وانتشالها([90])، وبأن الديون الناشئة من عقد مقاولة أبرم لتحول سفينة يدخل ضمن الديون المنصوص عليها في المادة 1 – 1 – ل المتعلقة بإنشاء السفينة أو إصلاحها أو تجهيزها([91])، وبأن الدين يعد بحرياً، حتى ولو كان متعلقا بتلك الصفة جزئياً([92]).
وتتطابق الحالات التي وردت في المادة 60 من قانون التجارة البحرية مع التعداد الوارد في اتفاقية بروكسل 1952، باستثناء ثلاثة أسباب أضافها المشرع المصري تتمثل في : أ- رسوم الموانئ والممرات المائية. ب- مصاريف إزالة أو انتشال أو رفع حطام السفينة والبضائع، ج- التأمين على السفينة، ويرجع إضافة تلك الأسباب إلى حرص المشرع المصري على تمكين هيئات الموانئ وهيئة قناة السويس من الحجز على السفن لاستيفاء رسوم الموانئ والممرات المائية، وتمكين الإدارة من استرداد ما تتكبده من نفقات لإزالة عوائق الملاحة، وتمكين المؤمن البحري من استيفاء إقساط التأمين على السفينة من الأخطار التي تتعرض لها([93]).
وأجازت المادة (60) فقرة (س) توقيع الحجز على السفينة ليس فقط لاستيفاء أجور الربان والضباط والبحارة، كما فعلت بروكسل، وإنما أيضا لاستيفاء أجور الوكلاء البحريين، ضمانا لحصول هؤلاء الوكلاء على أجورهم، لاسيما من السفن الأجنبية التي قد تغادر البلاد بلا رجعة([94]).
وأسقط المشرع القروض البحرية من التعداد الوارد في المادة 60 من قانون التجارة البحرية، ويرجع ذلك إلى أن هذه القروض تكون مضمونة برهن بحري يدخل أساسا على التعداد الذي رصده المشرع([95])، هذا فضلاً عن اختفاء القرض ذي المخاطر الجسيمة من الحياة البحرية([96])، وجدير بالذكر أن المشرع قد عد المبالغ التي ينفقها الربان أو الشاحنون أو المستأجرون أو الوكلاء البحريون لحساب السفينة أو لحساب مالكها دينا بحرياً، وهي صور متعددة للقرض البحري تغني عن وضعه في التعداد([97]).
الفرع الثاني
تسمية الدين في معاهدة 1999
33- تبني نهج اتفاقية 1952 مع إضافة أسباب جديدة للحجز:
عند تحديد الدين البحري سبب الحجز في معاهدة 1999 عرض ثلاث اقتراحات: الأول: يري إتباع نفس المنهج الوارد في اتفاقية بروكسل 1952 بالنص على بيان حصري للديون سبب الحجز، وقد رفض هذا الطلب على أساس ظهور أشكال جديدة من الديون البحرية يتعين إضافتها إلى هذا البيان الثاني: يذهب إلى السماح بالحجز للدائنين بدين بحري، دون تسمية هذه الديون، اكتفاء بوضع تعريف عام للمقصود بهذا الدين، وقد رفض هذا التعريف حرصا على التوحيد الدولي للأحكام المطبقة في مختلف الدول، الثالث: يتحه إلى رصد تعريف عام للدين البحري سبب الحجز، مع اقترانه بسرد لبعض الحالات على سبيل المثال، ولم يلق هذا الاقتراح قبولاً للسبب نفسه الذي رفض الاقتراح الثاني من أجله([98]).
وانتهي الرأي إلى تبني القاعدة نفسها الواردة في اتفاقية بروكسل بسرد الحالات التي يعتبر فيها الدين بحريا على سبيل الحصر مع إضافة بعض الأسباب الجديدة للحجز، لذا نصت المادة (1) المتعلقة بالتعاريف في فقرتها الأولي على أن المطالبة البحرية تعني أية مطالبة بحق ينشأ عن واحد أو أكثر من الأسباب التالية ..”، ثم أحصت اثنتين وعشرين حالة هي:
- الهلاك أو التلف الناجم عن تشغيل السفينة،
- الوفاة أو الضرر البدني الذي يحدث ويكون له صلة مباشرة بتشغيل السفينة.
- عمليات الإنقاذ أو أي اتفاق إنقاذ، بما في ذلك، عند الانطباق، التعويض الخاص المتصل بعمليات إنقاذ لسفينة كانت تمثل هي نفسها أو بضاعتها ضررا محدقا بالبيئة.
- الضرر الذي تلحقه أو قد تلحقه السفينة بالبيئة أو الشريط الساحلي أو المصالح المتصلة بهما، والتدابير المتخذة لتفادي أو تقليل أو إزالة هذا الضرر، والتعويض عن هذا الضرر، وتكاليف التدابير المعوقة له المتخذة فعلاً أو التي يتعين اتخاذها لإعادة البيئة إلى ما كانت عليه، والخسارة التي يتكبدها أو يرجح أن يتكبدها الغير بشأن هذا الضرر، والأضرار أو التكاليف أو الخسائر التي تماثل في طبيعتها ما ورد ذكره تحديدا في هذه الفقرة الفرعية(د).
- التكاليف أو المصاريف المتعلقة برفع السفينة الغارقة، أو المحطمة، أو الجانحة، أو المتخلي عنها، أو نقلها، أو استعادتها، أو تدميرها ، أو إبطال أذاها، بما في ذلك أي شيء يكون أو كان على متن هذه السفينة، والتكاليف أو المصاريف المتعلقة بالمحافظة على السفينة المتخلي عنها وإعالة طاقمها.
- أي اتفاق يتعلق باستخدام أو استئجار سفينة، سواء ورد في مشارطة إيجار أو في غيرها.
- أي اتفاق يتعلق بنقل البضائع أو الركاب على متن سفينة، سواء ورد في مشارطه إيجار أو في غيرها .
- الهلاك أو التلف الذي يصيب البضائع ( بما في ذلك الأمتعة ) المنقولة على متن السفينة، أو الذي يتصل بهذه البضائع
- العوارية العامة.
- القطر.
- الإرشاد.
- البضائع أو المواد أو المؤن أو الوقود، أو المعدات (بما في ذلك الحاويات) التي زودت بها السفينة أو الخدمات التي أديت للسفينة من أجل تشغيلها، أو إدارتها، أو المحافظة عليها، أو صيانتها.
- تشييد، أو إعادة تشييد، أو إصلاح، أو تحويل، أو تجهيز السفينة.
- رسوم وأعباء الموانئ والقنوات والأحواض والمرافئ وغيرها من المجاري المائية.
- الأجور وغيرها من المبالغ المستحقة لربان السفينة، وضابطها، وسائر العاملين عليها بمناسبة عملهم على متنها، بما في ذلك نفقات العودة إلى الوطن، واشتراكات التأمين الاجتماعي المستحقة الدفع عنهم.
- المدفوعات المؤداة نيابة عن السفينة أو مالكها.
- أقساط التأمين ( بما في ذلك اشتراكات التأمين التبادلي) الخاصة بالسفينة، الواجبة الدفع من مالك السفينة أو مستأجرها عارية أو نيابة عنهما.
- أي عمولات أو مصاريف وسلطة أو وكالة، واجبة الدفع عن السفينة من مالك السفينة أو مستأجرها عارية أو نيابة عنهما.
- أي نزاع حول ملكية السفينة أو حيازتها.
- أي نزاع بين الشركاء في ملكية السفينة بشأن استخدام السفينة أو بشأن عوائدها.
- رهن أو رهن غير حيازي أو عبء ذو طبيعة مماثلة على السفينة.
- أي نزاع ينشأ عن عقد بيع السفينة.
وبمقارنة التعداد الواردة باتفاقية بروكسل بنظيره الوارد في معاهدة 1999 يبين أن الأخيرة تحوي حالات جديدة لم ترد في الأولي، فعلي سبيل المثال تنص المادة الأولي في الفقرة (د) على أن المطالبة البحرية تشمل الدين الناشئ عن الضرر الذي تلحقه السفينة أو قد تلحقه بالبيئة أو الشريط الساحلي أو المصالح المتصلة بهما، والتدابير المتخذة لتفادي أو تقليل أو إزالة هذا الضرر، والتعويض عن هذا الضرر، وتكاليف التدابير المعقولة المتخذة فعلا أو التي يتكبدها أو يرجح أن يتكبدها الغير بشأن هذا الضرر، والأضرار والتكاليف والخسائر التي تماثل في طبيعتها ما ورد ذكره تحديدا في هذه الفقرة.
ويندرج في الأسباب الجديدة للمطالبات البحرية أقساط التأمين (م1/1-ف)، عمولات ومصاريف الوساطة والوكالة (م1 – 1 – ص)، النزاع الناشئ عن عقد بيع السفينة (م 1 – 1 – ت ).
المطلب الثاني
النطاق وأوصاف الدين
الفرع الأول
أوصاف الدين في قانون المرافعات
تنص المادة 319 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أنه ” لا يوقع الحجز التحفظي …. إلا اقتضاء لحق محقق الوجود وحال الأداء”. ويستفاد من هذا النص أن الشروط المتطلبة لتوقيع الحجز التحفظي على المنقول تنحصر في شرطين: الأول: أن يكون الحق المحجوز من أجله محقق الوجود، والثاني: أن يكون هذا الحق حال الأداء.
ووفقا للقانون المصري الحالي، فللدائن الحجز التحفظي على منقولات مدينه في حالت محددة نص عليها، والي جانب هذه الحالات أوردت المادة 316/2 تنظيمياً عاما لحجز تحفظي يمكن توقيعه ولول لم تتوفر حالة من الحالات التي ينص عليها القانون.
هذا التنظيم القانوني لأوصاف الدين يبين في الفقرات التالية:
35- أولاً: شرط تحقق الوجود:
إذا لم يكن مع طالب الحجز التحفظي سند تنفيذي أو حكم قضائي([99])، فإن الحجز يوقع استنادا إلى أمر وقتي يصدره القاضي المختص، بناء على العريضة التي تقدم إليه، هذا الأمر يصدر أساسا في غيبة الخصوم، وأساس منحه الاستعجال، لذلك فإنه يخضع للنظام القانون للقضاء الوقتي، ومن ثم يكفي لكي يكون الحق محقق الوجود أن يكون هناك سبب ظاهر يدل على رجحان وجوده في ذمة المدين، ولا يشترط أن يكون هذا السبب ورقة عرفية معينة أو أن يكون مصدر حق الدائن هو القانون أو العقد أو أي مصدر آخر من مصادر الالتزام([100]).
وينبني على ما تقدم أنه إذا كان الظاهر يدل على أن الحق محل شك كبير أو محل نزاع جدي أو كان موجودا ولكنه انقضي قبل الإذن بالحجز أو كان مبنيا على مجرد تصور وهمي اعتبر غير محقق الوجود ولم يجز الإذن بتوقيع الحجز([101]).
وتخضع مسألة تحديد مدلول تحقق الوجود على النحو السابق لتقدير القاضي المختص الذي يتحسس الأمر من ظاهر المستندات، ويصدر أمرا وقتيا لا يقيد محكمة الموضوع([102]).
36- ثانياً: شرط حلول الأداء:
يتعين أن يكون حق الدائن طالب التنفيذ مستحق الأداء، ولهذا فإنه إذا كان هذا الحق احتماليا أو مقيدا بأي وصف، فلا يصلح للحجز بمقتضاه، ويجب توفر هذا الشرط عند توقيع الحجز، وليس قبل ذلك([103]).
37- ثالثاً: عدم اشتراط تعيين المقدار :
إذا كان حق الدائن محقق الوجود وحال الأداء، فله طلب توقيع الحجز التحفظي ولو لم يكن معين المقدار، ويذهب الفقه في تبرير ذلك إلى أن تعليق توقيع الحجز التحفظي على تعيين المقدار يمكن الميدان من تهريب أمواله في هذه الأثناء، وهو ما يتعارض مع هدف هذا الحجز([104]).
على أنه إذا لم يكن الحق معين المقدار، فإنه يجب على الدائن قبل توقيع الحجز فعلاً الالتجاء إلى قاضي التنفيذ لتقدير حقه تقديرا مؤقتاً([105])، وحكمه تطلب هذا الشرط هو تمكين المدين المحجوز عليه من استخدام الآليات التي منحها إياه القانون للتخلص من آثار الحجز، كالالتجاء إلى الإيداع والتخصيص([106])، أو تقديم طلب بقصر الحجز([107])، فالاعتصام بهذه الوسائل يتطلب تعيين مقدار حق الدائن([108]).
38- رابعاً: شرط الاستعجال أو خطر استيفاء الدين بالطرق المعتادة:
تنص المادة 316/2 مرافعات على أن للدائن أن يوقع الحجز التحفظي على منقولات مدينة في كل حالة يخشي فيها فقد الضمان لضمان حقه، وينصرف الضمان هنا إلى الضمان العام الذي يثبت للدائن على أموال مدينة، أما الخشية فهي الخوف من فقد الدائن لهذا الضمان، بسبب ظروف محددة يقع على الدائن طالب الإذن بالحجز التحفظي إثباتها([109]).
والي جانب التنظيم العام للحجز التحفظي على منقولات المدين، يجوز للدائن الحجز التحفظي على منقولات مدينة في حالات محددة ورد النص عليها في قانون المرافعات([110])، أو في بعض القوانين الخاصة([111])، ويعفي الدائن طالب الإذن في الحالات المنصوص عليها في القوانين الخاصة من عبء إثبات خشية فقد ضمان حقه، إذ يفترض القانون توفر الخشية في كل حالة ورد النص عليها صراحة([112]).
الفرع الثاني
أوصاف الدين في القانون البحري
39- أولاً: اتفاقية بروكسل 1952 والانحياز لمصلحة الدائن الحاجز:
تكتفي الاتفاقية ممن يطلب توقيع الحجز الادعاء بحق أو بدين مصدره أحد الأسباب التي عددتها، دون أن تتطلب منه أي دليل على جدية إدعائه أو أن يكون ثابتا من حيث المبدأ([113])، وقضي بأنه ما دام طالب الحجز يستند إلى حق بحري، فإن على القاضي المختص أن يتحقق من أن هذا الحق ينتمي إلى التعداد الوارد في الاتفاقية للحقوق البحرية، دون أن يكون له أن يثبت من شرط تحقق الوجود([114])، وبأن مجرد الادعاء بالحق يكون كافيا لقبول الحجز([115])، وقد انتهجت معاهدة 1999 ذات الاتجاه.
40- ثانياً: القانون البحري المصري والتأثر بأحكام بروكسل1952:
اكتفي قانون التجارة البحرية المصري شأنه شأن الاتفاقية ممن يطلب توقيع الحجز التحفظي الادعاء بدين بحري مصدره أحد الأسباب التي عددها، حيث نصت المادة 61/1 منه على أنه ” يجوز لكل من يتمسك بأحد الديون المذكورة في المادة السابقة أن يحجز على السفينة التي يتعلق بها الدين([116]).
وحسنا فعل المشرع المصري، لأن الأوصاف المتطلبة في الحق كتحقق الوجود وحلول الأداء وفقا لأحكام قانون المرافعات تتنافي مع طبيعة الحجز التحفظي على السفينة، كإجراء يهدف إلى الحفاظ على حقوق الدائن على منقول يتمثل في سفينة تستطيع أن تمخر عباب البحر تاركه ميناء الحجز بلا عودة في فترة وجيزة جدا، لذا، أجاز القانون لكل من يدعي حقا ظاهر الجدية أن يطلب توقيع الحجز التحفظي على السفينة قبل أن يفلت ضمانه من يده([117]).
ولا يشترط للاذن بالحجز أن يثبت الدائن وجود خطر يخشي معه فقدانه لضمان حقه، إذا أن النص الخاص في المادة 59 بجاوز توقيع الحجز التحفظي على السفينة، يعني وجود قرينة قاطعة على هذه الخشية([118]).
41- ثالثاً: القانون الفرنسي ومرحلة وسطي بين اشتراط تحقق الوجود ومجرد الادعاء بالحق:
تقرر المادة 48/1 من قانون 12 نوفمبر 1955 أنه للإذن بتوقيع الحجز التحفظي يجب أن يكون الدين ظاهر الوجود في أساسة (creance paraissant fondee en son principe).
ويذهب الفقه في فرنسا إلى أن المشرع بهذه الصياغة تخطي كثيرا موقف القضاء الفرنسي الذي كان يستلزم ـ فيما مضي ـ تحقق وجود الدين وليس فقط أن يكون ظاهر الوجود وقائما على أساس([119])، بيد أن النص في نظر آخرين يتضمن مخاطر إساءة استعماله لأن كل من يزعم بأنه دائن سيسارع إلى توقيع الحجز الذي يترتب عليه عدم نفاذ تصرفات من يزعم أنه مدينه في أمواله([120]).
ويري البعض أنه يخفف من مخاطر هذه الصياغة أن الرقابة القضائية المسبقة أمر ضروري وبذلك فإن القاضي يقدر جدية مزاعم الدائن، ومن ناحية ثانية فإنه يجوز للقاضي أن يعلق إذنه على كفالة يودعها الدائن، وأخيرا فإن الأمر بالحجز التحفظي منوط دائما بتوفر حالة الاستعجال([121]).
وكانت المادة 29/2 من المرسوم الفرنسي الصادر 1967 بشأن تنظيم الحجز التحفظي على السفينة تشترط أن يكون الدين مؤكداً (CERTAINE) من حيث وجوده وليس فقط ثابتا من حيث المبدأ أو المظهر، وهو تقنين للقضاء الفرنسي في مرحلة ما قبل صدور قانون 1955.
ولما كان هذا الشرط المتطلب في الحق المحجوز من أجله يخلق تعارضا بين القانون العام للإجراءات المدنية والقانون الخاص بالحجز على السفينة، فقد تدخل المشرع بتعديل المادة 29 من مرسوم 1967 بمرسوم 24 فبراير 1971، وأصبح يكفي لتوقيع الحجز التحفظي على السفينة أن يكون الدين ثابتا من حيث المبدأ([122])، واستمر المشرع الفرنسي على وفائه لهذا الشرط في تعديلات قانون الإجراءات المدنية الفرنسي عام 1991([123]).
وفي ضوء تلك القاعدة، قضي أمام المحاكم الفرنسية بأن الحق المحجوز من أجله ليس ثابتا من حيث المبدأ لأن الأضرار موضوع التعويض كانت مغطاه بحجز سابق لسفن ثلاث([124])، وأن الحساب المفتوح بين طرفي عقد استئجار سفينة كان جاريا لم يصف على نحو لا يسمح بالقول بأن الحق معين من حيث المبدأ([125])، وعلي العكس فإن الحق الناشئ عن إخلال بائع السفينة بالتزامه بالمطابقة يعد ثابتا من حيث المبدأ([126]).
وحكم بأن الحق الناتج من فشل المفاوضات المتعلقة ببيع سفينة ليس ثابتا من حيث المبدأ، غذ إن مسئولية ملاك السفينة والأضرار التي أصابت طالب الحجز كلتاهما غير واضحتين([127]).
المبحث الثاني
النطاق السلبي للدين سبب الحجز
42- عدم صلاحية الدين كأساس للحجز رغم توفر الاشتراطات المتطلبة:
قد يندرج الدين في التعداد المنصوص عليه للديون البحرية، وتتوفر فيه الأوصاف المشترطة قانوناً، ومع ذلك لا يصلح أساسا للحجز، ومرد ذلك إلى التحفظات التي يحق للدولة إبداؤها (المطلب الأول)، والي القيود الواردة على حق الدائن الحاجز في تكرار الحجز وفي تعدده (المطلب الثاني).
المطلب الأول
استعمال الحق في التحفظ
43- خروج الدين البحري من الاتفاقية إلى القانون الوطني :
تقضي المادة العاشرة من معاهد بروكسل لسنة 1952 بأنه” يجوز للدول المتعاقدة عند توقيع الاتفاقية أو إيداع وثائق التصديق عليها أن تحتفظ لنفسها إما: بالحق في عدم تطبيق أحكام الاتفاقية على الحجز الذي يوقع على السفينة بسبب الديون البحرية المنصوص عليها في الفقرات (س) و (ع) من المادة الأولي وتطبيق قانونها الوطني على هذا الحجز. (ب)…” ([128]).
ويعني النص سالف الذكر أن الدول التي تأخذ بالتحفظ الأول يكون لها الحق في تطبيق قانونها الوطني دون أحكام المعاهدة على الحجز الذي يوقع على السفينة بسبب الديون أو الحقوق البحرية الناشئة عن المنازعة في ملكية السفينة، وعن المنازعة الخاصة بالملكية المشتركة للسفينة أو باستغلالها وبالحقوق الناشئة عما يتحصل من استغلال السفينة، وقد كان انضمام مصر إلى المعاهدة مقترنا بالأخذ بهذا التحفظ، ومن بين الدول التي أخذت بهذا التحفظ ألمانيا، إيطاليا، كوبا، يوغسلافيا.
وتقضي المادة العاشرة من اتفاقية جنيف 1999 بأنه ” يجوز لأي دولة عند توقيع الاتفاقية أو التصديق عليها أو قبولها أو الموافقة عليها، أو الانضمام إليها، أو في أي وقت لاحق، أن تحتفظ بالحق في عدم تطبيق الاتفاقية على أي من الحالات التالية أو كلها: أ-……..، ب-………..، ج. المطالبات بموجب الفقرة 1(ق) من المادة1″.
ويقرر البعض أن الفقرة (ج) تتعلق بالمنازعات الخاصة بملكية أو حيازة السفينة، وأن النزاع في هذه الحالة لا يدور حول الوفاء بمبلغ من المال يدعيه طالب الحجز ضد المدين، بل ينصب حول الادعاء بملكية السفينة أو حيازتها، في هذه الحالة، يجوز للدائن في بعض الدول طلب الحجز التحفظي استنادا إلى هذا الادعاء، واحتراما للنظم القانونية المغايرة في الدول الأخرى والتي تسمح بالحجز ـ فقط ـ اقتضاء لمبلغ نقدي، أجازت الاتفاقية للدولة المتعاقدة أن تحتفظ بالحق في عدم تطبيق أحكامها وتطبيق قانونها الوطني([129]).
وتختلف التحفظات المنصوص عليها في المادة العاشرة من اتفاقية بروكسل 1952 عن التحفظات المرصودة في المادة العاشرة من جنيف 1999 من حيث وقت إبداء التحفظ، وموضوعه.
فمن حيث وقت إبداء التحفظ، قيدت اتفاقية بروكسل 1952 هذا الحق بميعاد معين هو: لحظة توقيع الاتفاقية أو إيداع وثائق التصديق عليها أو الانضمام إليها (م.1 من بروكسل)، أما اتفاقية جنيف فقد حررت هذا الحق من قيوده فأجازت إبداء التحفظ عند توقيع الاتفاقية أو التصديق عليها أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها أو في أي وقت لاحق.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاقية بروكسل 1952 تتعلق بطائفتين من التحفظات: الأولي: التحفظات التي اشرنا إليها والمتعلقة بحق الدولة في تطبيق قانونها الوطني بدلا من الاتفاقية على الحجز الذي يوقع على السفينة بسبب الديون أو الحقوق الناشئة عن المنازعة في ملكية السفينة أو المنازعة الخاصة بالملكية المشتركة للسفينة أو بحيازتها أو باستغلالها أو بالحقوق الناشئة عما يتحصل من استغلال السفينة. الثاني: هي حق الدولة في عدم تطبيق حكم الفقرة الأولي من المادة الثالثة من المعاهدة الخاص بعدم جواز توقيع الحجز إلا على السفينة التي يتعلق بها الدين، دون أية سفينة أخري يملكها المدين وقت نشأة الدين، وذلك على الحجز الذي يقع في إقليمها، إذا كان الدين الذي يحجز من أجله مضمونا برهن بحري (م10 من الاتفاقية) وسنتعرض لمضمون هذا التحفظ عند حديثنا عن نطاق الحجز والارتباط بين محل الحجز وسببه.
وتنقسم التحفظات في اتفاقية جنيف 1999 إلى ثلاثة أنواع، يجوز للدولة المتعاقدة استنادا إلى أحدها إبداء التحفظ بعدم تطبيق أحكام الاتفاقية، واستبعادها من نطاق الحجز وهي: أولاً: السفن التي لا تعمل في البحار، ثانياً: السفن التي ترفع علم دولة طرف، ثالثاً: المطالبات التي تتعلق بالمنازعات حول ملكية السفينة أو حيازتها (م10/1 من جنيف 1999) .
وتضيف اتفاقية جنيف 1999 إلى التحفظات نوعا رابعاً لا ينصب على استبعاد الاتفاقية من نطاق التطبيق، بل على وقوعها في مرتبة تالية للاتفاقيات الدولية المعينة بشأن الملاحة في المجاري المائية، وذلك عند تطبيق القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي والاعتراف بقرارات المحاكم وتنفيذها (م10/2 من جنيف 1999).
المطلب الثاني
عدم جواز تكرار الحجز وتعدده
44- الحجز الثاني على نفس السفينة والحجز على سفن أخري للمدين عينه:
من المتصور أن تقل قيمة المال المحجوز وهو السفينة عن قيمة الدين سبب الحجز، فهل يجوز للدائن اقتضاء لحقه مباشرة الحجز على سفن أخري للمدين؟ وهو أمر قد يرغبه الدائن ـ أيضاً ـ حتى ولو كان قيمة المال كاف، طمعا في مباشرة ضغط أكثر فاعلية لحث المدين على الوفاء، علاوة على ذلك قد يسعي الدائن إلى مباشرة إجراءات الحجز الثاني على ذات السفينة التي كانت محلا للحجز الأول المقام منه، فهل يجوز له ذلك.
القاعدة في القانون المصري أن جميع أموال المدين ضامنة لكل دين من ديون9 ( المادة 234/1 مدني)، فللدائن أن ينفذ على أي مال للمدين، ولهذه القاعدة أثران: الأول: عدم اشتراط التناسب بين حق الدائن وقيمة المال المحجوز، فللدائن بمبلغ بسيط أن يحجز ما يشاء من أموال مدينة، لا يقيده في ذلك إلا قيد عدم التعسف في استعمال حقه، الثاني: عدم اشتراط البدء بالتنفيذ على مال معين فللدائن أن يحجز على أي مال للمدين دون أن يعترض عليه بأن للمدين مالا أخر يصلح محلا للحجز([130]).
أما اتفاقية بروكسل فقد قيدت من حق الدائن في توقيع الحجز أكثر من مرة حتى لا يؤدي ذلك إلى التأثير على النشاط البحري لمدينة([131])، لذا قضت المادة 3/3 منها الآتي ” لا يجوز لمدع واحد وفي نفس الدين أن يقوم بالحجز على سفينة أو يطلب تقديم كفالة أو ضمان عنها أكثر من مرة واحدة في دائرة اختصاص دولة أو أكثر من الدولة المتعاقدة، وإذا وقع الحجز على سفينة أمام قضاء احدي هذه الدول أو قدمت كفالة أو ضمان لرفع الحجز أو لتجنبه وجب رفع كل حجز لاحق آخر وقعه المدعي على هذه السفينة أو على أية سفينة أخري مملوكة للمالك نفسه، بسبب نفس الدين البحري.
وتأمر المحكمة أو أية جهة قضائية أخري مختصة في هذه الدولة بالإفراج عن السفينة ما لم يثبت المدعي للمحكمة أو لأية سلطة قضائية أخري مختصة إبراء الضمان أو الكفيل نهائيا قبل توقيع الحجز اللاحق أو وجود سبب صحيح آخر يبرر بقاء الحجز”.
ووفقا لهذا النص، والذي لم يرد نص مماثل له في قانون التجارة البحرية المصري، لا يجوز للدائن البحري تكرار الحجز بأن يباشر إجراءات الحجز الثاني على نفس السفينة، كما لا يجوز له مباشرة الحجوز المتعددة بأن يطلب الحجز على سفينة أخري لنفس المدين، ويشترط لتطبيق هذا الحكم أن يكون المدعي هو نفسه في حالة تكرار الحجز أو تعدده، وأن يكون الدين هو ذاته في كل حالة.
ويجوز للدائن البحري ـ استثناءً ـ أن يباشر الحجز المتعدد أو المتكرر في حالتين: الأولي: أن يثبت للمحكمة إبراء الضمان أو الكفيل نهائيا قبل توقيع الحجز اللاحق، الثانية: أن يثبت للمحكمة وجود سبب صحيح يبرر بقاء الحجز.
ونظراً لعدم وجود تعريف قانوني منضبط للأسباب الصحيحة التي تبرر بقاء الحجز في بروكسل 1952، الأمر الذي يعني ترك الأمر كلية للقضاء بما يحمله ذلك من اختلافات عميقة من دولة لأخرى([132])، تدخلت اتفاقية جنيف 1999 برصد القاعدة العامة في عدم جواز الحجز المتكرر أو المتعدد والاستثناءات الواردة على تلك القاعدة بطريقة واضحة وصريحة.
وبالرجوع للمادة 5/1 من جنيف 1999 يتبين أنها أرست القاعدة في عدم جواز الحجز المتكرر فقررت أنه ” إذا سبق حجز السفينة في أي دولة ثم رفع الحجز عنها أو سبق تقديم ضمان بشأن تلك السفينة لكفالة مطالبة بحرية، فلا يعاد حجز تلك السفينة أو يحجز عليها بشأن نفس المطالبة البحرية”.
ويرد على القاعدة السابقة ثلاث استثناءات تتمثل في الحالات الآتية: أولاً:
إذا كانت طبيعة أ مقدار الضمان المتعلق بتلك السفينة والسابق تقديمه بشأن نفس المطالبة غير كاف، بشرط ألا يتجاوز المقدار الكلي للضمان قيمة السفينة، ثانياً: إذا كان الشخص الذي سبق أن قدم الضمان غير قادر، أو يحتمل ألا يكون قادراً على الوفاء ببعض أو كل التزامات ذلك الشخص ثالثا: إذا رفع الحجز عن السفينة أو أفرج عن الضمان السابق تقديمه([133]).
ورصدت الفقرة 1 – ج من المادة الخامسة حالتين لا يكون فيهما رفع الحجز أو الإفراج عن الضمان مانعا من طلب الحجز المتكرر: أولاهما: إذا كان الإفراج أو الرفع بطلب أو موافقة من طالب الحجز استنادا إلى أسباب معقولة، ويقصد بها رغبة الطالب في تجنيب المدين أضرار الحجز توقعا منه بأن يفي بوعده بتقديم الضمان أو الكفالة([134])، والثانية: إذا كان طالب الحجز لم يستطع أن يتخذ خطوات معقولة، تحول دون رفع الحجز أو الإفراج عن الضمان، ومن بين تطبيقات الاستثناء الأخير أن ترفع هيئات الميناء الحجز لأسباب تتعلق بتأمين وإدارة الميناء ولم يستطع الدائن مع هذا السلوك([135]).
وحتى لا يستفيد المدين من غشه حددت المادة 5/2 المقصود برفع الحجز الذي يمنع الحجز المتكرر بأنه لا يشمل أي رفع له أو إفلات منه بطريق غير قانوني.
ورصدت المادة 5/2 من جنيف 1999 مبدأ عدم جواز الحجز المتعدد فقررت أنه “لا تحجز أي سفينة أخري تكون عرضه للحجز لسبب أخر بشأن نفس المطالبة البحرية”، ثم عددت ذات الاستثناءات الواردة في المادة 5/1 والتي يجوز عند توفر إحداها مباشرة الحجز المتكرر، إلا أنها لم تشترط عدم تجاوز المقدار الكلي للضمان قيمة السفينة.
الفصل الثالث
النطاق والرابطة بين المحل والسبب
45- إنشاء ذمة إضافية تربط السفينة محل الحجز بالدين البحري سبب الحجز:
القاعدة المعتمدة في القانون أن من ألزم نفسه فقد ألزم أمواله (conquer s’oblige oblige ses biens)، ولا يقتصر الإلزام على مال معين من أموال المدين، وإنما يمتد ليشمل جميع الأموال التي تدخل في ذمته المالية، فهذه الأموال في مجموعها تمثل الضمان العام لالتزامات المدين، وقد كرست المادة 234/1 من القانون المدني المصري ـ وتقابلها المادة 3092 مدني فرنسي ـ هذه القاعدة، بتقريرها أن “أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه”([136]).
وإذا كانت الأموال التي تشكل العناصر الايجابية لذمة المدين المالية تعد ضمانا عاما لديونه، فإنه يترتب على ذلك قيام حق الدائن في اختيار ما يشاء منها لتتكون محلا للتنفيذ الذي يجريه اقتضاء لماله من حقوق وفقا للضوابط المحددة في قانون المرافعات، مع التزامه بعدم التعسف في استعمال الحق([137])، وتطبيق لذلك تنص المادة 316/2 من قانون المرافعات على أن: ” للدائن أن يوقع الحجز التحفظي على منقولات مدينة .. في كل حالة يخشي فيها فقد الدائن لضمان حقه”.
وإذا كانت تلك هي القاعدة في القانون، فماذا عن موقف المشرع البحري والاتفاقيات الدولية منها بشأن الحجز على السفينة؟
هذه القاعدة تعرف في نطاق الحجز التحفظي على السفينة استثنائيين يتمثلان في : أولاً : أن السفينة كأحد العناصر الايجابية لذمة المدين لا يجوز حجزها إلا لاقتضاء دين بحري، أما الديون الأخرى فلا تصلح أساسا للحجز، ولذلك فهي تخرج من الضمان العام للدائنين خلا أصحاب الحقوق البحرية، ثانياً: وإذا كانت السفينة تخرج في الفرض السابق من الضمان العام لدائني المدين، وبالتالي من وعاء الحجز، على الرغم من أنها تثري ذمته المالية، فإنها تدخل في فرض آخر في نطاق الحجز، علي الرغم من أنها تمثل عنصرا من عناصر الذمة المالية لغير المدين، ويتحقق ذلك في الأحوال التي يجيز فيها المشرع الحجز على السفينة لديون مستأجرها.
وفي الحقيقة، فإن الاستثناء الأخير يجسد مبدأ الرجوع إلى أساس الدعوي العينية (in rem)، تطبيقا للفكرة الأنجلو ـ أمريكية التي تجعل السفينة وحدة اقتصادية منفصلة ومستقلة بحقوقها والتزاماتها، ومن ثم يكون هناك ارتباط وثيق بين الدين البحري سبب الحجز والسفينة محل الحجز التي تعلق بها الدين، وهو رجوع لا ينفي الرجوع على أساس الدعوي الشخصية التي لا يرتبط بها سبب الحجز بمحله([138]).
في ضوء ما سبق، يتضح أن الدائن الحاجز يباشر الحجز التحفظي بوصفه وسيلة للضغط على عميله في نطاق الرجوع الشخصي على ذمة المدين (in personam) (المبحث الأول)، وفي نطاق الرجوع العيني على السفينة التي تعلق بها الدين (in rem) (المبحث الثاني).
المبحث الأول
الحجز التحفظي في إطار مبدأ شخصية الالتزام
المطلب الأول
مظاهر مبدأ الشخصية
46- حق الاختيار بين وعائيين للحجز: السفينة وذمة المدين البحرية:
جمعت اتفاقية بروكسل والقانون البحري المصري بين مبدأي عينية الالتزام وشخصيته عند تحديد محل الحجز، لذا يكون للدائن الخيار، عند توقيع الحجز، بين وعائيين: السفينة أو ذمة المدين (م3 بروكسل، م61 – 62 مصري).
فوفقاً لمبدأ عينية الالتزام، يجوز الحجز على السفينة، دون نظر الشخص مالكها، شريطة أن يتعلق بها الدين سبب الحجز (م 3/1 بروكسل، م61/1 مصري)، وتطبيق لذلك يجوز الحجز على سفينة المستأجر أو أي شخص خلاف مالك السفينة يكون ملزما بدين بحري يتعلق بهذه السفينة([139]). (م3/4 بروكسل، م62 بحري)، والأصل هو الرجوع في ضوء مبدأ العينية (المذكرة الإيضاحية للقانون المصري).
وينضاف إلى السفينة التي تعلق بها الدين وعاء آخر للحجز هو الذمة البحرية للمدين المجهز (patrimoine de mer de debiteur) فيجوز الحجز على السفن المملوكة للمدين المجهز، أيا كانت صفته بالنسبة للسفينة التي تعلق بها الدين، مستأجرا كان أم غير مستأجر([140]). (م3/1 – 4 بروكسل،/ م61-62 مصري) ([141]).
وتظهر الأحكام السابقة لتحديد محل الحجز الطبيعة الخاصة للدين البحري فهو دين ذو طبيعة مزدوجة: إذا يستقر في ذمة المدين صاحب الصفة في إبرام التصرف، وفي الوقت نفسه يرتبط ويتعلق بالسفينة محور الثروة البحرية، لذا، يكون منطقيا أن تضع القواعد المنظمة لوعاء الحجز أمام الدائن الحاجز الخيار بين السفينة والمدين المجهز، وتطبيقا لذلك يجوز للدائن الحجز على السفينة للمستأجرة التي تعلق بها الدين البحري، أو الحجز على ذمة المستأجر البحرية والمتمثلة في السفن التي يملكها وقت نشوء الدين.
ويتقيد حق الدائن في الاختيار بين السفينة والذمة البحرية للمدين المجهز في حالة واحدة ورد نصها في عجز المادة 3/1 بروكسل ـ وتقابلها م (6/2 مصري ـ التي تقرر بأنه: “لا يجوز الحجز على أية سفينة بسب) دين من الديون المنصوص عليها في الفقرات ( س، ع، ف) من المادة الأولي ـ فيما عدا السفينة التي يقع عليها الدين”، وبموجب هذا الحكم، لا يتاح للدائن الحاجز إلا وعاء وحيد للحجز متمثل في السفينة التي تعلق بها الدين، وذلك إذا نشأ الأخير عن أحد الأسباب الآتي: “س- المنازعة في ملكية السفينة . ع- المنازعة الخاصة بملكية السفينة المشتركة أو بحيازتها أو باستغلالها أو بالحقوق الناشئة عما يتحصل من استغلال السفينة. ف- الرهن البحري والغاروقة”.
ومرد هذه القاعدة أن تلك الديون تتولد عن حقوق عينية مقررة على السفينة، فمن المنطقي أن تتحمل وحدها نتائج التخلف عن أدائها([142])، وأجازت الاتفاقية للدول المتعاقدة، بموجب المادة العاشرة(ب)، أن تتحفظ على هذا الحكم، فلا تطبقه على الحجز الذي يوقع في إقليمها متى كان الدين الذي بحجز من أجله مضمونا برهن على السفينة.
وفي حالة توقيع الحجز على سفينة مستأجرة تعلق بها الدين، لا يجوز الحجز على سفينة أخري للمالك بمقتضي ذلك الدين (م3/44 بروكسل ـ م62/1 مصري)، وهي قاعدة منطقية، إذ أن السفينة الأخرى لا يتعلق بها الدين الذي يقل ذمة مستأجر الأولي فقط.
47- وضوح النهج في اتفاقية 1999:
اتبعت اتفاقية 1999 نهجاً أكثر وضوحاً من اتفاقية 1952، عند تحديد محل الحجز، فرصدت المادة 3/1 حالات الحجز التحفظي على أساس مبدأ عينية الالتزام، وهو القاعدة في الاتفاقية، وبينت المادة 3/2 حالات الحجز التحفظي في ضوء مبدأ شخصية الالتزام، ولم تسمح المادة 3/3 من الاتفاقية بتوقيع الحجز التحفظي إلا إذا كان قانون الدولة التي يوقع فيها الحجز يسمح بتحوله من تحفظي إلى تنفيذي.
فوفقاً لمبدأ عينية الالتزام، نصت م3/1 من الاتفاقية على أن ” يجوز حجز أي سفينة قدمت بشأنها مطالبة بحرية : إذا كان الشخص الذي يملك السفينة عند نشوء المطالبة البحرية مسئولا عن تبعة المطالبة وكان مالكا للسفينة عند توقيع الحجز، أو (ب) إذا كان مستأجر السفينة عارية عند نشوء المطالبة البحرية مسئولا عن تبعة المطالبة وكان مستأجرا للسفينة عارية أو مالكا لها عند توقيع الحجز أو. (ج) إذا كانت المطالبة تستند إلى رهن أو رهن غير حيازي أو عبء ذي طبيعة مماثلة على السفينة، أو (د) إذا تعلقت المطالبة بملكية أو حيازة أو السفينة، أو (هـ) إذا كانت المطالبة في مواجهة مالك السفينة أو مستأجر السفينة عارية، أو مديرها، أو مشغلها، وكانت مضمونة بامتياز بحري منح أو نشأ بموجب قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز”.
وبالإضافة إلى الحالات السابقة القائمة على أساس عيني، أخذت الاتفاقية في المادة 3/2 بجواز الحجز على أساس مبدأ شخصية الالتزام، لذا قضت بأنه” يجوز أيضا حجز أي سفينة أو سفن أخري تكون عند توقيع الحجز مملوكة للشخص المسئول عن تبعة المطالبة البحرية، والذي كان عند نشوء المطالبة: مالكا للسفينة التي نشأت بشأنها المطالبة البحرية، أو(ب) مستأجرا لتلك السفينة عارية، أو لمدة معينة، أو لرحلة معينة، ولا ينطبق هذا الحكم على المطالبات المتعلقة بملكية أو حيازة السفينة”.
وتقيد الفقرة الثالثة من المادة الثالثة توقيع الحجز التحفظي بقابليته للتحول إلى تنفيذي في الدولة التي طلب منها توقيع الحجز، لذا قضت بأنه: “على الرغم من أحكام الفقرتين 1 و 2 من هذه المادة، لا يجوز حجز سفينة ليست ملكا للشخص المسئول عن تبعة المطالبة، إلا إذا جاز، في قانون الدولة التي طلبت فيها توقيع الحجز، إنفاذ حكم بصدد تلك المطالبة ضد تلك السفينة عن طريق بيعها بيعاً قضائياً أو جبرياً”.
المطلب الثاني
نطاق مبدأ الشخصية
48- الشخصية المعنوية وإفلات بعض السفن من وعاء الحجز:
إذا كانت الأموال التي تشكل العناصر الايجابية لذمة المدين المالية تشكل ضمانا عاما لديونه، فإن مؤدي ذلك قيام حق الدائن في اختيار ما يشاء منها لتكون محلاً للحجز التحفظي بيد أنه في نطاق القانون البحري لا يجوز الحجز على السفينة إلا وفاء لدين بحري، أما الديون الأخرى فلا تصلح سبباً للحجز.
وتقضي اتفاقية بروكسل بأنه تعتبر السفن مملوكة لنفس الشخص إذا كانت جميع حصص الملكية فيها مملوكة لنفس الشخص أو لنفس الأشخاص (م3/3)، وعند تطبيق هذا النص، طرح أمام القضاء الفرنسي تساؤل مهم حول مدى جواز الحجز على سفينة تخص شخص معنوي اقتضاء لدين بحري يخص شخص معنوي آخر، وهو ما يتحقق في الفرضين التاليين:
49- أولاً: حجز السفن الظاهرة:
يلجأ بعض المجهزين إلى إنشاء عدة شركات تمتلك كل منها سفينة واحدة single ship companies، بغرض الاستفادة من الآثار المترتبة على استقلال شخصيتها المعنوية في درء التضامن الذي يمثل كل سفينة، إذا اجتمعت في شركة واحدة
ومع ذلك، فإن مبدأ استقلال الشخصية المعنوية لم يقف حائلاـ في البداية ـ أمام القضاء الفرنسي، لحماية مصالح الدائنين الحاجزين، فقضي بأن السفن تعتبر مملوكة لنفس الشخص إذا كان ظاهر الحال يوحي بالوحدة الاقتصادية بين عدة شركات تمتلك كل منها سفينة واحدة، ويكفي لتبرير الحجز في هذه الحالة الدفع بوجود خلط ظاهر بين شركتين يثير وحدة التبعية الإدارية والمالية([143]).
ويستند القضاء الفرنسي([144])، إلى عدة معايير تكشف عن فكرة الظاهر الموحية بوحدة التبعية بين شركتين: الأولي منهما تمتلك السفينة التي يراد الحجز عليها، والثانية تمتلك السفينة التي يتعلق بها الدين سبب الحجز، من بين هذه المعايير: انتماؤها إلى شركة واحدة، مباشرتهما النشاط من خلال مكان واحد، حيازتهما لخطوط اتصالات مشتركة، رفعهما علم دولة واحدة، التوقيع إلى المستندات والأوراق المستلمة في مقرهما من شخص واحد، وتطبيقا لذلك، يجوز الحجز على السفينة التي تمتلكها الشركة (ب) لاقتضاء دين يخص السفينة (ج) التي تملكها الشركة (د)، إذا كان الظاهر يوحي بوجود وحدة اقتصادية ومصالح مشتركة بين الشركتين (ب)، (د).
ولا يقف أمام الحجز على السفينة المملوكة لشخص معنوي لاقتضاء حق يرتبط بسفينة يتعلق بها الدين مملوكة لشخص معنوي أخر نص المادة 3/2 من اتفاقية بروكسل 1952، بتعريفه الضيق للذمة المالية التي يمكن أن تكون وعاء للحجز، لذا قضت محكمة النقض الفرنسية بأنه “إذا كانت جميع حصص الملكية فيها مملوكة لنفس الشخص أو لنفس الأشخاص، فإن هذا النص لا يستبعد إقامة الدليل على أن سفينة تخص شخصا واحدا أ, عدة أشخاص، على الرغم من أن حصص الملكية لا تخصه أو تخصهم كاملة”([145]).
وينتقد البعض([146])، قضاء النقض على أساس أنه يستبدل عند تحديد وعاء الحجز ميزانا مادياً واقتصادياً متمثلا في الوحدة الاقتصادية بين شركتين بالميزان القانوني والشكلي الذي رصدته بروكسل 1952 والمتجسد في ملكية الحصص أو الأسهم.
وفي مرحلة لاحقة أصبح قضاء النقض([147])، أكثر ميلا لاحترام آثار استقلال الشخصية المعنوية، عند تحديد محل الحجز، فلم يأخذ بنظرية السفن الظاهرة أساسا للحجز، وإنما تطلب إثبات صورية الشركة الذي يمكن استنتاجه من غياب نية المشاركة، حتى يمكن الحجز على السفينة المملوكة لها، اقتضاء لدين يخص سفينة تمتلكها شركة أخري، وأن إنشاء شركة لتملك سفينة واحد لا يعد بذاته تصرفا ينطوي على غش، إضرارا بمصالح الدائنين، وإثبات الصورية ليس عسيرا، بل فقط أكثر صعوبة من الإثبات في حالة الأخذ بنظرية السفن الظاهرة([148])، ولا تزال بعض أحكام قضاة الموضوع على ولائها للنظرية الأخيرة متجاهلة قضاء النقض([149]).
50- ثانياً: مبدأ استقلال الشخصية المعنوية وملكية الدولة للسفن:
تثار صعوبة متعلقة بالحجز على السفن المملوكة لشركات أو مؤسسات وطنية تابعة للدولة، وبخاصة في دول الاقتصاد المركزي، فهل يقف استقلال الشخصية المعنوية لكل شركة حائلاً دون الحجز على السفن المملوكة لشركات أخري بحسبان أنها جميعاً تابعة لدولة واحدة؟([150]).
ذهب اتجاه في القضاء الفرنسي إلى صحة الحجز الموقع من دائن لإحدى الشركات الوطنية الرومانية على سفينة مملوكة لشركة وطنية أخري، تأسيسا على انتفاء استقلال الشركات الوطنية الرومانية عن الدولة فهذه الشركات محض أدوات لإدارة الأموال، منبثقة عن الدولة التي أنشأتها، لاسيما في ظل امتلاكها للأموال ووسائل الإنتاج، حتى ولو كانت تتمتع على الصعيد الداخلي بالشخصية المعنوية([151]).
بيد أن قضاء النقض الفرنسي الوفي لقاعدة استقلال الشخصية المعنوية للشركة([152])، رفض المبدأ السابق مقررا أن الزعم بأن الدولة تهدف من خلال تأسيس شركات متعددة تقييد حق الضمان العام المقرر لدائنيها البحريين لا يؤكد بذاته ـ ودون أدلة أو قرائن أخرى ـ أن هذه الشركات صورية، وأنها لا تعدو أن تكون قبساً من الدولة (emanation d’etat)، ما دام يتمتع كل منها بذمة مالية مفترقة عن الآخر([153]).
المبحث الثاني
الحجز ال تحفظي في إطار مبدأ عينية الالتزام
المطلب الأول
حجز السفينة المستأجرة
51- القانون الفرنسي والسماح بالحجز استثناءً:
هل من الجائز حجز السفينة لدين يتعلق بها نشأ في مواجهة مستأجرها، وليس في مواجهة المؤجر المجهز؟
أجاب القضاء الفرنسي عن هذا التساؤل بالنفي، على أساس أن النصوص الخاصة بالحجز التحفظي على السفينة لم تضع قاعدة مغايرة لأحكام قانون المرافعات التي تجعل نطاق التنفيذ محصورا في أموال المدين([154])، وأجاز استثناء الحجز على سفينة مؤجرة بمشارطة إيجار زمنية، إذا كان الظاهر يوحي بأن الدائن يتعامل مع مالك السفينة لا مستأجرها، ولا تطبق أحكام الظاهر إلا إذا كان الدائن حسن النية وقدم برهانا على أنه تعامل في ظروف تبرر تصرفه بعدم التحقق من سلطات الربان وأسلوب استغلال السفينة([155]).
وقضي ـ إضافة إلى الحالات المتعلقة بالوضع الظاهر ـ بحجز السفينة المستأجرة في دعوي كان الدين المحجوز من أجله ديناً بحرياً وفي الوقت نفسه يندرج ضمن الامتيازات البحرية المنصوص عليها في المادة 31/6 من القانون الفرنسي الصادر في 3 يناير 1967، وهي المتعلقة بالديون الناشئة عن العقود التي يبرمها الربان والعمليات التي يجريها في حدود سلطاته القانونية، لحاجة فعلية تقتضيها صيانة السفينة أو متابعة السفر([156]).
ويستند الاتجاه السابق إلى أن الامتيازات البحرية ترتبط بالثروة البحرية التي محورها السفينة، وأن حق الدائنين أصحاب الامتياز ينشأ في مواجهة السفينة، نتيجة للصفة العينية لحقوق الامتياز، ما دامت السفينة مخصصة لضمان الدائنين الممتازين، بسبب استغلالها، ويجوز لهم حق تتبعها في أي يد تكون فلهم ـ بالتالي ـ حق حجزها تحفظياً، بقطع النظر عن صفة المجهز الذي يستغل السفينة سواء أكان مالكا لها أم غير مالك([157]).
52- اتفاقية بروكسل والقانون المصري وتوسيع دائرة الحجز :
وعلي عكس القانون الفرنسي الذي لا يجيز الحجز إلا على أموال المدين، فإن اتفاقية بروكسل 1952 وقانون التجارة البحرية المصري يجيزان الحجز على السفينة لدين يتعلق بها نشأ في مواجهة مستأجرها وليس مالكها، لذا تنص المادة 3/4 من اتفاقية بروكسل 1952 (ويقابلها م62/1 مصري) على أنه ” إذا أجرت السفينة إلى مستأجر تولي إدارتها الملاحية، وكان وحدة مسئولاً عن دين بحري متعلق بها، جاز للمدعي توقيع الحجز على هذه السفينة”، فجميع الدائنين الذين تعاملوا مع هذا المستأجر، ونشأت ديونهم بمناسبة استغلاله للسفينة، مثل إبرام عقود توريد وإصلاح أو عمل.. الخ يحق لهم الحجز على السفينة موضوع الاستغلال.
ويشترط لتطبيق المادة 3/4 من اتفاقية بروكسل 1952 أن يتعلق الحق البحري سبب الحجز بالسفينة المراد الحجز عليها، من ناحية، وأن يكون مستأجر السفينة مسئولاً بمفرده عن الدين البحري من ناحية أخري.
وتضيف اتفاقية 1999 شرطاً إضافيا للحجز على السفينة المستأجرة، فلا يجوز بمقتضي المادة 3/3 الحجز على سفينة ليست ملكا للمدين إلا إذا جاز في قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز السير في إجراءات التنفيذ، عن طريق بيعها قضائيا أو جبرياً، لذا، فإنه لا يجوز الحجز على السفينة المستأجرة إلا إذا كان القانون الوطني يتيح من خلال دعوي الدين وصحة الحجز بيع السفينة، أي إن قابلية تحول الحجز التحفظي إلى تنفيذي تعد شرطاً أساسياً لتوقيع الحجز التحفظي([158]).
ولا يقتصر تطبيق أحكام المادة سالفة الذكر على حالة استئجار السفينة مع انتقال إدارتها الملاحية للمستأجر، إذ تنص المادة 3 / 4 وتقابلها م 62 / 1 من قانون التجارة البحرية المصري ـ على سريان أحكامها على كل شخص أخر سوي مالك السفينة يصبح مديناً بدين بحري، ولذلك يجوز حجز السفينة لدين يتعلق بها نشأ في مواجهة مستأجرها بمشارطة إيجار زمنية (l’affretement a temps) أو مشارطه إيجار بالرحلة (l’affretment au voyage)، ولا تجيز اتفاقية جنيف 1999 الحجز على السفينة لدين يتعلق بها نشأ في مواجهة مستأجرها إلا إذا كان الأخير مسئولا عن إدارتها الملاحية([159]).
أما بالنسبة للحجز على سفينة أخري غير التي يتعلق بها الدين، فيتعين أن تكون السفينة مملوكة للمدين، اتساقا مع قاعدة شخصية الالتزام، لذا لا يجوز توقيع الحجز على سفينة أخري مملوكة لمالك السفينة المؤجرة، من أجل دين على مستأجرها، لأن ذمته ليست مشغولة بهذا الدين (م3/4 من الاتفاقية). وعلي العكس يجوز الحجز على أية سفينة للمستأجر عن الديون البحرية التي أبرمها ( م 3 / 4 من الاتفاقية) ([160])، وعلي هذا النحو يكون المشرع قد جمع في المادة 3 / 4 بين عينية الالتزام، حيث سمح بالحجز على سفينة لا تخص المستأجر وشخصية الالتزام، فلم يكتف بذمة السفينة التي تعلق بها الدين، فأضاف إليها الذمة المالية للمستأجر، لتكون خيارا متاحا أمام الدائن الحاجز.
53- النطاق الزمني لحجز السفينة المستأجرة:
وثار التساؤل عن مدى جواز الحجز على السفينة لدين يتعلق بها نشأ في مواجهة مستأجرها، بعد انتهاء فترة الإجارة وتسليمها إلى المؤجر.
تذهب بعض المحاكم الفرنسية إلى أن اتفاقية بروكسل 1952 تستند في السماح بالحجز على السفينة لدين المستأجر إلى قاعدة عينية الالتزام (in rem) ([161])، لاسيما أن الاتفاقية لم تقيد حق الدائن الحاجز بنطاق زمني متعلق بفترة سريان عقد الإيجار ولذلك لا يجوز التخصيص عند إطلاق النص، بما مؤداه جواز الحجز على السفينة حتى بعد انتهاء فترة الإجارة([162])، في حين يذهب قضاء أخر إلى أنه يبين من القراءة المتأنية المادة 4 / 3 أن حجز السفينة المستأجرة لدين نشأ في ذمة مستأجرها يكون مرتبطا ليس فقط بالسفينة التي تعلق بها الدين، وإنما أيضاً بشخص المدين، ولذلك يقتصر حق الدائن الحاجز على السفينة المستأجرة على فترة الإيجار، ولا يمتد إلى الأحوال التي يتم فيها تسليم السفينة لمالكها([163]).
ويتجه الفقه في فرنسا([164])، إلى أن المادة 4 / 3 من اتفاقية بروكسل تضع أمام الدائن الحاجز خيارين: الأول: السفينة المستأجرة التي تعلق بها الدين والثاني: السفن الأخرى المملوكة للمستأجر، ولذلك فإن الهدف من هذه الصيانة هو تحديد وعاء الحجز في الأموال المملوكة للمدين المستأجر أو التي توضع تحت تصرفه، وحرصت الاتفاقية على حماية المالك بالنص على عدم جواز حجز أي سفينة تكون مملوكة له خلاف السفينة المستأجرة ويستطرد أصحاب هذا الاتجاه بالقول: أن الحجز لدين المستأجر بمفرده يرتبط بالمدين لا بالسفينة.
ولذلك يقتصر الحجز على فترة سريان الإيجار، أما القبول بالرأي العكسي فيؤدي إلى مسئولية المالك عن دين غيره، وهو المستأجر، بعد نهاية عقد الإيجار ورد السفينة المستأجرة له.
وتري محكمة استئناف (aix – en – revenue) أن المادة التاسعة تنص على أنه ” لا يعتبر أي نص من نصوص هذه الاتفاقية منشئا لحق في دعوي غير موجودة، طبقا للقانون الواجب التطبيق أمام المحكمة التي عرض عليها النزاع، وذلك في غير الحالات المنصوص عليها في هذه الاتفاقية، ولا تخول الاتفاقية الحالية المدعين أي حق تتبع غير الذي يعطيه لهم هذا القانون الأخير أو الاتفاقية الدولية بشأن الامتيازات والرهون البحرية إذا كانت نصوص هذه الاتفاقية هي الواجبة التطبيق”، ولذلك فلا يجوز الحجز على السفينة المستأجرة لدين تعلق بها نشأ في مواجهة المستأجر، بعد إعادة تسليمها إلا إذا كان هذا الدين يندرج ضمن الامتيازات البحرية.
وأجازت المحكمة ـ في الطعن الماثل ـ الحجز بعد تسليم السفينة استنادا إلى دين بحري ممتاز، يتمثل في المكافآت المستحقة، نظير الإنقاذ وحصة السفينة في الخسارات المشتركة، يتيح للدائن حق التتبع بموجب أحكام القانون الفرنسي الصادر في 3 يناير 1967([165]).
54- اتفاقية 1999 وتقييد مبدأ العينية لصالح مبدأ الشخصية :
وتجيز المادة 3/1 – أ من اتفاقية جنيف 1999 الحجز على السفينة المستأجرة التي تعلق بها الدين، استنادا إلى مبدأ عينية الالتزام، الأمر الذي يبين من عبارات المادة والتي تقرر أنه: ” إذا كان مستأجر السفينة عارية عند نشوء المطالبة البحرية مسئولا عن تبعة المطالبة وكان مستأجر للسفينة عارية أو مالكا لها عند توقيع الحجز”. ولذلك فالنص يشترط أن يكون مستأجر السفينة المسئول عن الدين البحري عند نشأته هو المستأجر أو المالك لها أيضا عند توقيع الحجز، وأن تكون السفينة التي تعلق بها الدين مستأجرة عارية.
ووفقا لمبادئ شخصية الالتزام، أجازت اتفاقية 1999، بالإضافة إلى السفينة التي تعلق بها الدين، الحجز على الذمة البحرية للمستأجر، والمتمثلة في السفن المملوكة له عند توقيع الحجز، اقتضاء لدين يتعلق بسفينة يستأجرها عند نشأة الدين، لذا تنص المادة 3/2 ـ ب على أنه ” يجوز أيضا حجز أي سفينة أو سفن أخري تكون عند توقيع الحجز مملوكة للشخص المسئول عن تبعة المطالبة البحرية، والذي كان عند نشوء المطالبة: … (ب) مستأجر لتلك السفينة عارية، أو لمدة معينة أو لرحلة معينة، ولا ينطبق هذا الحكم على المطالبات المتعلقة بملكية أو حيازة السفينة”.
ولا يشترط للحجز على السفن المملوكة للمستأجر أن تكون السفينة التي تعلق بها الدين مستأجرة عارية، فيجوز الحجز حتى ولو كانت مستأجرة بمشارطة إيجار زمنية أو بالرحلة (م2 – ب )، والاتفاقية، على هذا النحو، تقيد من الرجوع على أساس عينية الالتزام، فلا تجيز الحجز على السفينة المستأجرة التي تعلق بها الدين إلا إذا كان عقد إيجارها يتضمن انتقال إدارتها الملاحية للمستأجر، أما إذا كان الرجوع إلى الذمة البحرية للمستأجر، وهو الأصل وفقا لقواعد القانون المدني فإن النطاق يتسع ليشمل عقود إيجار السفينة التي تعلق بها الدين عارية أو لرحلة معينة أو لمدة معينة، وفي الفرض الأخير لا تشكل السفينة التي تعلق بها الدين وعاء للحجز ويكون الدين الذي تعلق بها سبباً للحجز على ذمة المدين.
ولا تجيز اتفاقية جنيف 1999 حجز السفينة المستأجرة بعد انقضاء فترة الإيجار إلا إذا كان الدين البحري الذي تعلق بها يندرج ضمن الامتيازات البحرية([166])، لذا تجري نصوص المادة 1 / أ ـ على أنه ” لا يجوز حجز أي سفينة قدمت بشأنها مطالبة بحرية :… (هـ) إذا كانت المطالبة في مواجهة مالك السفينة، أو مستأجر السفينة عارية، أو مديرها، أو مشغلها، وكانت مضمونة بامتياز بحري منح أو نشأ بموجب قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز”.
ويشترط لحجز السفينة المستأجرة وفقا للمادة 3/3 من اتفاقية 1999 أن يكون قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز يسمح بتحول الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي([167]).
المطلب الثاني
حجز السفينة بعد بيعها
55- هل الحجز التحفظي تابع سلبي لحق الملكية؟
قررنا فيما سبق أن اتفاقية بروكسل ربطت بين الحق والسفينة، في إطار ما يسمي بعينة الرجوع أو بعينية الدعوي، وهنا ثار التساؤل حول مدى جواز حجز السفينة تحفظيا بين يدي مالكها الجديد لديون متعلقة بالمالك القديم، أو بمعني آخر هل نقل الملكية يطهر السفينة من الحق في الحجز الذي تعلق بها؟ وهذا التساؤل يتعلق بإشكالية أكبر تتصل بمدي جواز الحجز التحفظي على السفينة التي تخص غير المدين([168]).
في ظل تطبيق أحكام اتفاقية بروكسل 1952، تصدي القضاء الفرنسي لتفسير المادة 3/1 من هذه الاتفاقية وهل تجيز حجز السفينة بعد بيعها بين يدي المالك الجديد، فقررت محكمة استئناف روان أنه يجوز لصاحب الحق البحري أن يحجز على السفينة التي تعلق بها دينه، وأنه لا يقف عقبة أمام الحجز أن تكون ملكية تلك السفينة انتقلت للغير، وأيدت محكمة النقض الفرنسية([169])، قضاء الاستئناف مقررة أنه بمقتضي المادة 3/1 من اتفاقية بروكسل يجوز لكل مدع أن يحجز على السفينة التي تعلق بها دينه، لذا يجوز لصاحب الحق البحري أن يحجز على السفينة التي تعلق بها دينه، على الرغم من أن المالك عند الحجز لم يكن هو مالكها عند نشأة الحجز، فنقل ملكية السفينة التي تعلق بها الدين لا يحول دون توقيع الحجز التحفظي.
بيد أن القضاء الفرنسي([170]). في مرحلة لاحقة قيد حق الدائن في الحجز التحفظي على السفينة بالأحكام الواردة في المادة التاسعة من اتفاقية بروكسل والتي تشترط للحجز ـ في هذه الحالة ـ أن يكون للدائن حق التتبع، وتقر محكمة استئناف أكس أن بروفانس أن الحجز التحفظي تطبيقا لاتفاقية بروكسل يتسم بالطبيعة العينية، ويكون جائزا ومقبولا دون الاعتداء بشخص مالك السفينة، متى كان الحق المحجوز من أجله ملتصقا بالسفينة المحجوزة بيد أن باستعمال الحق في الحجز لا يقوم إلا مع احترام الأحكام الواردة في المادة التاسعة من اتفاقية بروكسل والتي تقضي بأن نصوص الاتفاقية لا تعد منشئة لحق في دعوي غير موجودة، طبقا للقانون الواجب التطبيق أمام المحكمة التي عرض عليها النزاع، وذلك في غير الحالات المنصوص عليها في هذه الاتفاقية، ولا تخول اتفاقية بروكسل المدعيين أي حق تتبع غير الذي يعطيه لهم هذا القانون الأخير أو الاتفاقية الدولية بشأن الامتيازات والرهون البحري إذا كانت نصوص هذه الاتفاقية هي الواجبة التطبيق.
في ضوء هذا الاتجاه يتعين لقبول الحجز على السفينة بين يدي المالك الجديد أن يكون القانون الواجب التطبيق على النزاع يجيز حق التتبع لطالب الحجز.
ولا تثور المشكلة عند تطبيق معاهدة جنيف 1999، فالمادة الثالثة المنظمة للحجز على أساس مبدأ عينية الالتزام تنص على أنه ” 1- يجوز حجز أي سفينة قدمت بشأنها مطالبة بحرية: إذا كان الشخص الذي يملك السفينة عند نشوء المطالبة البحرية مسئولاً عن تبعة المطالبة وكان مالكا للسفينة عند توقيع الحجز، أو (ب) إذا كان مستأجراً للسفينة عارية أو مالكاً لها عند توقيع الحجز، أو … ” فالنص صريح وواضح بضرورة أن يكون مالك السفينة عند توقيع الحجز هو المسئول عن الدين البحري عند نشأته”.
وتتبني الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة جنيف 1999 نفس القاعدة في الرجوع على أساس مبدأ شخصية الالتزام فتنص على أنه:” 2- يجوز أيضا حجز أي سفينة أو سفن أخري تكون عند توقيع الحجز مملوكة للشخص المسئول عن تبعة المطالبة البحرية، والذي كان عند نشوء المطالبة: مالكاً للسفينة التي نشأت بشأنها المطالبة البحرية، أو (ب) مستأجراً لتلك السفينة عارية، أو لمدة معينة، أو لرحلة معينة، ولا ينطبق هذا الحكم على المطالبات المتعلقة بملكية أو حيازة السفينة.
ومع ذلك، فإن المادة 3/1 – هـ تنص على أنه ” إذا كانت المطالبة في مواجهة مالك السفينة أو مستأجر السفينة عارية، أو مديرها، أو مشغلها، وكانت مضمونه بامتياز بحري منح أو نشأ بموجب قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز”. ويري الفقه الفرنسي([171])، أن الفقرة (هـ) تواجه فرض بيعه السفينة بعد نشأة الحق، إذ لا تشترط على عكس الفقرات ( أ ـ ب ) السابقة عليها ـ أن يكون الشخص الملزم بالدين مالكا للسفينة يوم توقيع الحجز عليها، وبموجب هذه المادة، لا يجوز حجز السفينة التي بيعت للغير إلا إذا كانت مثقلة بامتياز بحري.
وفي رأينا أن الحكم السابق يمتد إلى حالة توقيع الحجز على سفينة لدين يتعلق بها، بعد استرداد مالكها الحيازة من مستأجرها لحظة نشوء الدين.
وفضلاً عما سبق فإن اتفاقية 1999 تضع شرطا تكميليا يتعلق بحجز السفينة بين يدي مالكها غير المدين بقيمة الحق سبب الحجز([172])، هذا الشرط ورد في المادة 3 من معاهدة جنيف، ويقضي بأنه لا يجوز حجز سفينة ليست ملكا للشخص المسئول عن تبعة المطالبة، إلا إذا جاز في قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز إنفاذ حكم بصدد تلك المطالبة ضد مالك السفينة، عن طريق بيعها قضائيا أو جبرياً.
والمعاهدة على هذا النحو تكون قد أرست قاعدة عدم جواز الحجز التحفظي إذا لم يكن القانون الوطني يتيح تحوله إلى حجز تنفيذي توطئه لبيع السفينة.
الباب الثاني
التطورات الحديثة وآليات الحجز التحفظي على السفينة
الحجز التحفظي في حالة الحركة
الباب الثاني
التطورات الحديثة وآليات الحجز ال تحفظي على السفينة
56- التوفيق بين حق الدائن في الحجز وحق المدين في استمرار نشاطه البحري:
إذا استجمع الدائن البحري الذي يريد توقيع الحجز الشروط المتطلبة قانوناً يحق له مباشرة الحجز التحفظي على السفينة، وهنا يكون التساؤل مطروحا عن كيفية مباشرة ذلك الحق؟ وعن الوسائل والآليات التي يوفرها القانون لهذا الدائن؟
وفي المقابل، فإن سعي الدائن البحري إلى حقه يجب ألا يؤثر على حق مدينه في استمرار نشاطه البحري، لذا يحرص المشرع على توفير الضمانات والإجراءات والوسائل التي تحمي حقوق المدين، ومن ثم تحد من الآثار السلبية للحجز على حسن سير وانتظام التجارة البحرية.
لذا رأينا تخصيص الباب الثاني الذي يعالج الحجز التحفظي وهو في حالة النشاط، لبيان الوسائل التي يوفرها القانون لتوقيع الحجز من ناحية وللحد من آثاره السلبية من ناحية أخري هذه الوسائل والآليات تظهر من خلال دراسة ثلاثة موضوعات رئيسية: الآليات وتوقيع الحجز (الفصل الأول)، المركز القانوني للسفينة المحجوز (الفصل الثاني)، المسئولية والحجز التحفظي (الفصل الثالث).
الفصل الأول
الآليات وتوقيع الحجز
المبحث الأول
توقيع الحجز بين التحكيم والقضاء
57- مسألتان:
قد تتضمن العقود التي تجمع بين الدائن البحري ومدينة شرطا بالالتجاء للتحكيم، لفض ما يثار من منازعات، وقد يتم الاتفاق على ذلك بعد أن ينشأ الخلاف، وهذا يطرح تساؤل مهم: هل يجوز أن يلجأ الدائن للقضاء طالبا توقيع الحجز التحفظي على السفينة أم أن الأثر المانع لاتفاق التحكيم بصورتيه وسلب القضاء، سلطة نظر الموضوع يمتد ليشمل أيضا منعه من الأمر باتخاذ الإجراءات التحفظية؟ وهل تختلف الإجابة في حالة وجود شرط قاطع في دلالته على اتجه نية الأطراف إلى استبعاد تدخل القضاء، سواء أكان في الموضوع أو في اتخاذ الإجراءات التحفظية وترك الأمر برمته لهيئة التحكيم، كما لو نص الشرط التحكمى على استئثار الهيئة بالفصل في الموضوع وفي الأمور المستعجلة والإجراءات التحفظية والوقتية؟([173]).
وتوصلا للإجابة عن هذا التساؤل رأينا في تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول: شرط التحكيم واختصاص قضاء الدولة بالحجز.
المطلب الثاني: شرط التحكيم واستبعاد الاختصاص.
المطلب الأول
شرط التحكيم واختصاص قضاء الدولة بالحجز
58- من القواعد العامة في الاتفاقيات والقوانين إلى القواعد الخاصة في اتفاقية جنيف 1999:
تفحص الاتفاقيات الدولية يكشف عن إقراراها لحق الأطراف في الالتجاء إلى قضاء الدولة بطلب اتخاذ الإجراءات الوقتية أو التحفظية، مثل الحجز التحفظي، على الرغم من وجود اتفاق التحكيم (أولاً)، وقد تبنت معاهدة 1999 بشأن الحجز التحفظي على السفينة هذا الاتجاه (ثانياً)، وكذلك القانون المصري (ثالثاً).
59- أولاً : تعداد الاتفاقيات الدولية :
يجوز للأطراف توقيع الحجز التحفظي على السفينة، باللجوء إلى قضاء الدولة، على الرغم من وجود اتفاق على التحكيم فالاتفاقيات الدولية المطبقة على التحكيم لا تحظر ذلك، ونسوق بعضا من تلك الاتفاقيات للتدليل على هذا المبدأ.
60- أ– معاهدة نيويورك الموقعة في 18 يونيه 1958:
تنص المادة 2/3 من معاهدة نيويورك على أنه ” على محكمة الدولة المتعاقدة التي يطرح أمامها نزاع حول موضوع كان محل اتفاق من الأطراف بالمعني الوارد في هذه المادة، أن تحيل الخصوم، بناء على طلب أحدهم إلى التحكيم، وذلك ما لم يتبين للمحكمة أن هذا الاتفاق باطل لا أثر له أو غير قابل للتطبيق”.
ويبين من هذا النص أن معاهدة نيويورك لم تعالج أثر اتفاق التحكيم على الإجراءات الوقتية والتحفظية، كما لم نتطرق لمسألة مدى جواز طرح الطلبات الوقتية والتحفظية على هيئة التحكيم بحسبان أن اتفاق التحكيم يشملها أو على العكس انعقاد الاختصاص بشأنها لقضاء الدولة، لخروجها عن نطاق الطلبات الموضوعية الخاضعة لسلطة بصفة التحكيم، ويفسر الرأي المعتمد([174])، هذا الإغفال من جانب المعاهدة على أنه استمرار للمبدأ المستقر في جواز اللجوء إلى القضاء الوطني بطلب اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية، بما في ذلك الحجز التحفظي، دون أن بعد ذلك مساسا باتفاق التحكيم أو نزولا عنه وأقر القضاء الفرنسي لطالب الحجز التحفظي على السفينة اللجوء إلى القضاء الوطني في نزاع يحكمه اتفاق تحكيم، مستندا في ذلك إلى أن اتفاقية 1958 تعطي الاختصاص بنظر النزاع بين طرفيه إلى هيئة التحكيم في حالة وجود شرط تحكيمي، دون أن تنتقص من سلطة القضاء الوطني في الأمر باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية([175]).
61 – ب– معاهدة جنيف الموقعة في 21 ابريل 1961:
أخذت معاهدة جنيف الموقعة في 21 ابريل 1961 في مادتها الرابعة موقفاً صريحاً وواضحاً لمصلحة إمكانية اختصاص قضاء الدولة بالأمر باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية، على الرغم من وجود اتفاق على التحكيم([176]).
62- ج – القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي :
تنص المادة 9 من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي على أنه
” لا يعتبر مناقضا لاتفاق تحكيم أن يطلب أحد الطرفين قبل بدء إجراءات التحكيم أو في أثنائها من احدي المحاكم الآن تتخذ إجراء وقائيا وأن تتخذ المحكمة إجراءا بناء على هذا الطلب” والقانون ـ على هذا النحو ـ يقر بحق الخصوم في اللجوء للقضاء الوطني بطلب اتخاذ الإجراءات الوقتية التحفظية، على الرغم من وجود اتفاق تحكيم”.
63- د– معاهدة واشنطن الموقعة في 18 مارس 1965:
نصت المادة 26 من معاهدة واشنطن على أنه ” تعتبر موافقة الأطراف على التحكيم في ظل هذه الاتفاقية موافقة على استبعاد أي وسيلة أخري من وسائل الرجوع ، ما لم ينص على خلاف ذلك، ويجوز لأي طرف متعاقد المطالبة باستبعاد كافة سبل التسوية القانونية المحلية والإدارية كشرط لازم لقبول التحكيم في ظل هذه الاتفاقية”.
وقد ثار خلاف شديد في تفسير النص المتقدم، فهل استبعاد أي وسيلة أخري يفيد عدم اختصاص القضاء الوطني بنظر المسائل التحفظية، أم ينصرف فقط إلى تعطيل قدرة الأطراف في الالتجاء إلى القضاء الوطني لدول أخري أو على تحكيم مؤسسي آخر أو إلى تحكيم حر؟.
وحسمت محكمة النقض الفرنسية هذا الخلاف وقررت أن رضاء الأطراف بالخضوع للتحكيم، وإن كان يحمل على أنه تنازل عن وسائل الرجوع الأخرى ما لم يوجد نص مخالف، فإنه لا يحول دون لجوء الأطراف إلى قضاء الدولة، من أجل طلب اتخاذ الإجراءات التحفظية التي تهدف إلى ضمان حكم التحكيم المحتمل صدوره مستقبلا في ضوء ذلك ذهب قضاء النقض إلى أن سلطة محاكم الدولة في اتخاذ الإجراءات التحفظية ـ في ظل تطبيق معاهدة واشنطن ـ لا يمكن استبعادها إلا بناء على اتفاق صريح أو ضمني يستفاد من تبني الأطراف للائحة تحكيمية تشمل مثل ذلك التنازل([177]).
هذا وقد تم تعديل قواعد التحكيم الخاصة بالمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، فأجازت الفقرة الخامسة من المادة 39 للأطراف اللجوء إلى قضاء الدولة بطلب اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية، شريطة الاتفاق صراحة على ذلك في اتفاق التحكيم، ودون هذا الاتفاق، لا يجوز للأطراف اللجوء إلى القضاء لطلب اتخاذ تلك الإجراءات والاتفاقية، على هذا النحو، ما زالت تأخذ بالاختصاص القاصر لهيئة التحكيم في إصدار الإجراءات الوقتية والتحفظية ما لم يتفق الأطراف صراحة على غير ذلك([178]).
64- ثانياً: معاهدة جنيف 1999 بشأن الحجز التحفظي على السفينة:
أجازت معاهدة جنيف 1999 بشأن الحجز التحفظي على السفينة اللجوء إلى القضاء الوطني بطلب الحجز التحفظي على الرغم من وجود اتفاق مسبق على التحكيم، فنصت المادة 2 من الاتفاقية على أنه : ” يجوز حجز السفينة بغرض الحصول على ضمان، حتى ولو كان هناك شرط يتعلق بالاختصاص القضائي أو بالتحكيم في أي عقد ذي صلة بالموضوع أو في غيره يقضي بأن يفصل في المطالبة البحرية التي وقع الحجز بشأنها، في دولة أخري غير الدولة
التي وقع فيها الحجز،أو عن طريق التحكيم، أو أن يفصل فيها وفقا لقانون دولة أخري”.
هذه القاعدة التي عبرت عنها معاهدة جنيف تعبيرا صريحا كانت مستفادة ضمنا من المادة 7/2 في معاهدة بروكسل 1952 التي تنص على أنه: ” إذا كانت المحكمة التي وقع الحجز على السفينة في دائرة اختصاصها غير مختصة بالفصل في الموضوع، فإن الكفالة أو الضمان الذي يقدم لرفع الحجز طبقا للمادة الخامسة يجب أن يضمن تنفيذ كل الأحكام اللاحقة التي تصدر من المحكمة المختصة بالفصل في الموضوع…”.
فالفرض الذي تعالجه اتفاقية بروكسل بعكس ضمنا موقفها من رصد الاختصاص بتوقيع الحجز لمحكمة مكان الحجز، حتى ولو كانت غير مختصة بنظر الموضوع([179]).
65- ثالثاً موقف القانون المصري :
أخذ قانون التحكيم المصري رقم 270 لسنة 1994 بمبدأ الاختصاص المشترك لكل من قضاء الدولة وقضاء التحكيم في اتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية الذي تبنته الاتفاقيات الدولية، بيد أنه جعل قضاء الدولة هو صاحب الاختصاص الأصيل باتخاذ تلك التدابير (م9) ، فلا يجوز اللجوء إلى هيئة التحكيم بطلب اتخاذ إجراء وقتي أو تحفظي إلا إذا كان الأطراف قد اتفقوا على ذلك صراحة (م24/1)، سواء أتم ذلك في اتفاق التحكيم نفسه أم في اتفاق لاحق، ولو بعد إجراءات التحكيم([180])، ولا يعد الالتجاء إلى القضاء تنازلاً عن التحكيم أو إسقاطاً للاتفاق نفسه([181]).
المطلب الثاني
توقيع الحجز واستبعاد الاختصاص
66- أشكال الاستبعاد:
من المستقر عليه أن للأطراف الحق دائما في الاتفاق على استبعاد الإجراءات الوقتية والتحفظية من نطاق اختصاص هيئة التحكيم وقصرها على القضاء وحده، وذلك نتيجة منطقية للطبيعة الاتفاقية لشرط التحكيم([182])، ولكل هل يكون لإرادة الأطراف القدرة على استبعاد هذا الاختصاص المقرر لقضاء الدولة بشأن هذه الإجراءات ومنحه لقضاء التحكيم.
يذهب البعض([183])، إلى أن القاعدة في القانون المقارن أن لإرادة الأطراف الصريحة أو الضمنية مكنه سلب الاختصاص باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية من قضاء الدولة وجلبه لهيئة التحكيم، هذه القاعدة ـ في نظرهم ـ يرد عليها استثناءان: الأول: يسري في الأنظمة القانونية التي ترصد هذا الاختصاص لقضاء الدولة رصدا قاصراً، ومن ثم لا تجيز للأطراف الاتفاق على استبعاد هذا الاختصاص ورصده فقط لهيئة التحكيم، والثاني: يطبق في الأنظمة القانونية التي تأخذ بالاختصاص المشترك للقضاء والتحكيم، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ تري أن ثمة أشكالا من الإجراءات الوقتية والتحفظية تحتم طبيعتها ضرورة تدخل قضاء الدولة.
ويذهب القضاء الفرنسي([184])، إلى أ، سلطة محاكم الدولة في اتخاذ الإجراءات التحفظية لا يمكن استبعادها إلا بناء على اتفاق صريح من قبل الأطراف، أو ضمني يستفاد من تبني الأطراف للائحة تحكمية تتضمن مثل هذا التنازل، ويري الفقه الفرنسي ضرورة وضع قيود على هذا المبدأ، فلا يجوز سلب اختصاص قضاء الدولة، إذا كانت ضرورات السرعة والاستعجال تفرض تدخله، ومثال ذلك عدم تشكيل هيئة التحكيم، أو إذا تعلق الإجراء المطلوب اتخاذه بالنظام العام([185]).
وفي النظام القانوني المصري، يري البعض([186])، أن النص في اتفاق التحكيم على اختصاص هيئة التحكيم ـ وحدها ـ بالنظر في اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية بسلب القضاء الوطني ولايته في النظر في هذه المسائل، ما لم تكن هناك ضرورة لذلاك .. كما إذا كانت هيئة التحكيم لم يتم تكوينها بعد وكان الإجراء المطلوب مما لا يحتمل التأخير ـ أو كان الإجراء المطلوب اتخاذه لا يدخل أصلا في نطاق ولاية المحكم في النظر في الأمور المستعجلة، أو كان الإجراء المطلوب اتخاذه لا يدخل أصلاً في نطاق ولاية المحكم، أو كان هذا الإجراء مخالفا للنظام العام.
ونميل هنا إلى الاتجاه([187])، الذي يري بطلان الاتفاق على نزع اختصاص قضاء الدولة بشأن هذه الإجراءات وجلبه لهيئة التحكيم فقط، إذ أن المادة 14 من قانون التحكيم وردت صريحة في منح القضاء سلطة اتخاذ تلك التدابير، دون اشتراط اتفاق الأطراف على هذا المنح، هذا على خلاف المادة 24 من القانون نفسه والتي تشترط ضرورة اتفاق الأطراف صراحة مسبقا على اختصاص هيئة التحكيم بذلك، حتى يكون للأخيرة النظر في هذه المسائل فالمشرع المصري ـ على هذا النحو ـ يعد قضاء الدولة صاحب الولاية العامة في اتخاذ هذه التدابير، وهي ولاية تتصل أوثق الاتصال بالنظام العام، ومن ثم لا يجوز الاتفاق على نزعها من صاحب الاختصاص([188]).
المبحث الثاني
توقيع الحجز والنظام الإجرائي
67- تحديد الاختصاص والإجراءات المنظمة للحجز :
يعد الحصول على إذن القضاء المختص لإجراء الحجز التحفظي شكلية جوهرية يتحقق بها التوازن بين مصالح الدائن الذي تتعرض حقوقه للخطر ومصالح المدين الذي تخضع أمواله للحجز والذي يكون أحيانا تعسفياً أو غير مبرر([189])، ولذلك حرصت اتفاقية بروكسل على النص على عدم جواز الحجز على السفينة أو رفع الحجز عنها إلا بأمر يصدر من محكمة أو من أية سلطة قضائية أخري مختصة لدى الدولة المتعاقدة التي يقع الحجز في دائرتها([190])، وأخذت معاهدة 1999 بالقاعدة عينها([191]).
ولم تعالج اتفاقية بروكسل 1952 مسألة إجراءات توقيع الحجز التحفظي على السفينة، وذلك تجنبا للاختلاف القائم بين القوانين الوطنية في تنظيم الحجز التحفظي، وقد أحالت المادة 6/2 من الاتفاقية إلى قانون الدولة المتعاقدة التي يوقع الحجز فيها أو يطلب في دائرتها لتنظيم قواعد المرافعات الخاصة بحجز السفينة، أو بالحصول على الأمر بالحز المنصوص عليه في المادة الرابعة من الاتفاقية، أو بالمسائل العارضة التي تنشأ عن الحجز، وتبنت معاهدة 1999 ذات المبدأ في المادة 2/4 بالنص على أنه” مع مراعاة أحكام هذه الاتفاقية، يحكم قانون الدولة التي يوقع فيها الحجز، أو يطلب توقيعه فيها الإجراءات المتعلقة بحجز السفينة أو رفع الحجز عليها([192]).
ويتمشي النهج السابق مع القواعد القانونية المستقرة في القوانين الوضعية الحديثة والتي تخضع الإجراءات لقانون القاضي الذي تتبع الإجراءات أمامه، وهي القاعدة التي كرستها المادة 22 من القانون المدني المصري بنصها على أنه ” يسري على قواعد الاختصاص وجميع المسائل الخاصة بالإجراءات قانون البلد الذي تقام فيه الدعوي أو تباشر فيه الإجراءات([193]).
ثمة مسألتان متصلتان بتحديد النظام الإجرائي لتوقيع الحجز أولاهما: الاختصاص القضائي بتوقيع الحجز (المطلب الأول)، والثانية: النظام القانوني لأمر الحجز (المطلب الثاني).
المطلب الأول
الاختصاص القضائي بتوقيع الحجز
68- أولاً : الاختصاص النوعي:
يتطلب بحث الاختصاص النوعي لتوقيع الحجز على السفينة رصد هذا الاختصاص وفقا للقواعد العامة بداءة:
أ – القاضي المختص وفقا للقواعد العامة :
حماية للمدين من توقيع حجز تحظى على أمواله دون مسوغ تطلب القانون صدور إذن من القاضي المختص، بيد أنه إذا كان مع الدائن سند تنفيذي أو حكم قضائي غير نافذ، أي حكم غير حائز قوة الأمر المقضي وغير نافذ معجلا، فيمكنه توقيع الحجز التحفظي دون حاجة لإذن من القضاء (م319/2 وم327/1 من قانون المرافعات المصري)، وتعليل ذلك أن السند التنفيذي أو الحكم القضائي يحتوي ضمنا على إذن بتوقيع الحجز التحفظي([194]).
وإذا كانت دعوي المطالبة بالدين مرفوعة من قبل أمام محكمة الموضوع، فللدائن الخيار بين طلب الإذن بتوقيع الحجز من رئيس الهيئة التي تنظر دعوي المطالبة بالدين أو من قاضي التنفيذ (م319/4 مرافعات) .
وإذا توافرت في الدين المطالب به شروط استصدار أمر أداء، فإن المختص بالإذن بتوقيع الحجز هو وحدة القاضي المختص بإصدار أمر الأداء وهو المحكمة الجزئية أو الابتدائية، بحسب القواعد العامة في الاختصاص (م210 مرافعات).
69-ب – القاضي المختص في قانون التجارة البحرية :
يختص بإصدار الإذن رئيس المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامة (م 65 بحري)، وورد إسناد الاختصاص لرئيس المحكمة الابتدائية بصيغة عامة ومطلقة، لذا يلزم الحصول على هذا الإذن، حتى ولو كان بيد الدائن سند تنفيذي أو حكم قضائي غير نافذ، كما يختص رئيس المحكمة الابتدائية بإصدار الإذن حتى لو كانت هناك دعوي مرفوعة من قبل، للمطالبة بقيمة الدين سبب الحجز أمام محكمة الموضوع، أو كان هذا الدين تتوفر فيه شروط استصدار أوامر الأداء.
وفي القانون الفرنسي، يختص رئيس المحكمة التجارية بإصدار أمر الحجز التحفظي على السفينة، وفي حالة غيابه يكون الاختصاص للقاي الجزئي، أيا كانت قيمة الحق سبب الحجز وقيمة السفينة محل الحجز([195])، ويلزم الحصول على أمر الحجز، حتى ولو كان بيد الدائن سند تنفيذي، على الرغم من نص المادة 28 من قانون 9 يوليه 1991 التي تعفي الدائن عامة من الحصول على هذا الإذن، إذا كان بيده سند تنفيذي، ويرجع الفقه هذه القاعدة إلى الطبيعة المستقلة لأحكام القانون البحري، ورغبة المشرع في الحد من الحجز التعسفي على السفن([196]).
70- ثانياً: الاختصاص المحلي:
تختلف أحكام الاختصاص المحلي بإصدار أمر الحجز في القانون المصري عنه في القانون الفرنسي على النحو التالي:
71- أ – في القانون المصري:
لم يضع قانون التجارة البحرية قواعد الاختصاص المحلي القاضي المختص بإصدار الأمر بالحجز التحفظي وبالرجوع للقواعد العامة في قانون المرافعات،يتضح أن المشرع المصري لم يحدد كذلك الاختصاص المحلي لقاضي التنفيذ، إلا أن المستقر عليه أن المادة 276 مرافعات المنظمة لحالة وجود حجز تنفيذي تنطبق على الحجوز التحفظية أيضا، لتشابه إجراءات الحجزين التنفيذي والتحفظي، من ناحية، ولوحدة الغاية البعيدة منهما، من ناحية أخري([197]).
وبموجب المادة 276 مرافعات يختص بإصدار الإذن بالحجز قاضي التنفيذ المختص بالإشراف على إجراءات التنفيذ، فإذا كان يراد الإذن بالحجز التحفظي على منقولات لدى المدين، فيطلب الإذن من قاضي التنفيذ لمحكمة التنفيذ التي يقع المنقول في دائرتها، وإذا كان الإذن متعلقا بالحجز على ما للمدين لدى الغير، يطلب الإذن من قاضي التنفيذ لمحكمة التنفيذ التي يتبعها موطن المحجوز لديه([198]).
ويبين مما سبق أن المشرع قد اتخاذ من مكان وجود المال المنفذ عليه الضابط الذي يحدد على أساسه قاضي التنفيذ المختص محليا، وهذا أمر واضح تماماً بالنسبة للحجز على العقار والحجز على المنقول، وهو الأمر الغالب بالنسبة لحجز ما للمدين لدى الغير، حيث تكون الأموال التي يراد حجزها واقعة بنفس موطن المحجوز لديه([199]).
ونعتقد أن الأحكام السابقة واجبة التطبيق بوصفها تمثل الشريعة العامة في القانون الإجرائي في الحدود التي لا تصطدم بخصوصية القانون البحري من ناحية، وبطبيعة المال المحجوز عليه، وهو السفينة، من ناحية أخري، ولما كانت القاعدة المستقرة أن مكان وجود المال المنفذ عليه هو المعيار في تحديد الاختصاص المحلي لمحكمة الحجز، لذا يكون الاختصاص منعقدا محليا في إصدار أمر الحجز التحفظي على السفينة لمحكمة ميناء الحجز التي في دائرتها ترسو السفينة التي يراد الحجز عليها([200]).
وتعليق هذه القاعدة في حالة حجز ما للمدين لدى الغير، إذا أن المحكمة التي أسند المشرع الإجرائي بمقتضاها لمحكمة التنفيذ التي يتبعها موطن المحجوز عليه الاختصاص المحلي، لإصدار أمر الحجز، وهي وجود الأموال غالبا في هذا الموطن تعد منتفية في الحجز على السفينة، فمحل الحجز، وهو السفن يوجد دائما في المواني: يؤكد هذه الطبيعة الخاصة للاختصاص المحلي لمحكمة ميناء الحجز أن المشرع المصري عندما حدد الاختصاص المحلي للمحكمة المختصة بنظر دعوي ثبوت الدين وصحة الحجز خرج عن القواعد العامة في تحديد الاختصاص لموطن المدعي عليه، وعقد الاختصاص المحكمة الابتدائية التي وقع الحجز في دائرتها( محكمة ميناء الحجز)، نزولاً على الطبيعة الخاصة للمال المحجوز عليه، وبوصفها أكثر المحاكم قرب للمال المحجوز عليه، وهو السفينة.
ب– في القانون الفرنسي:
لم تتضمن نصوص القانون الفرنسي، مثل القانون البحري المصري، أحكاما تحدد الاختصاص المحلي لقاضي الحجز التحفظي على السفينة، وبالرجوع للقواعد العامة في قانون المرافعات الفرنسي يتبين أن المادة 211 من اللائحة الصادرة في 31 يوليه 1992 تنص على أن القاضي المختص بقبول الحجز التحفظي، إذا كان إجراء التحفظ يثير اختصاص القضاء التجاري، هو رئيس المحكمة التجارية التي يقع بها موطن المدين، وهو اختصاص يتصل بالنظام العام([201]).
وقد انتقد الفقه الفرنسي([202])، هذا النص بشدة، على أساس أنه ينتزع الاختصاص القضائي بتوقيع الحجز من القاضي الفرنسي، إذا كان المدين مقيما خارج فرنسا، وهو أمر يجعل الحجز التحفظي مستحيلا عمليا في المواني الفرنسية، إذا كان المدين الذي يراد الحجز على ماله مقيما بالخارج، وقد حاولت محكمة النقض الفرنسية([203])، الالتفاف على نص المادة 211، ووجدت ضالتها المنشودة في المادتين 4، 5 من اتفاقية بروكسل 1952سش، فبمقتضي المادة 4 لا يجوز الحجز على السفينة إلا بأمر يصدر من محكمة أو من أية سلطة قضائية أخري لدى الدول المتعاقدة التي يقع الحجز في دائرتها، وبموجب المادة 5 تأمر المحكمة أو السلطة القضائية المختصة التي توقع الحجز على السفينة في دائرة اختصاصها برفع الحجز إذا قدمت كفالة, ضمانا، وهو ما يعني انعقاد الاختصاص ـ في حالة انطباق اتفاقية بروكسل ـ للمحاكم الفرنسية. باعتبارها المحاكم التي يراد التنفيذ في دائرتها، بقطع النظر عن موطن المدين، سواء أكان واقعاً في فرنسا، أم خارجها.
وعلي الرغم من أن الفقه لا يقبل بعضه([204])، الأساس القانوني الذي استندت إليه محكمة النقض في قضائها بإسناد أمر الحجز لقاضي ميناء الحجز، فإنه يري أن المحكمة التي يراد الحجز في دائرتها هي الأنسب لإصدار أمر الحجز ويذهب البعض([205])، الآخر إلى ضرورة تعديل القانون الفرنسي بإسناد الاختصاص المحلي بإصدار أمر الحجز لمحكمة ميناء الحجز أو المحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدين الذي يراد الحجز على أمواله.
المطلب الثاني
النظام القانون لأمر الحجز
73- القواعد المنظمة للأمر على عريضة:
ويدخل الأمر بالحجز التحفظي على السفينة في طائفة الأوامر على عرائض التي ينظمها قانون المرافعات في المواد من 194 وحتى 200([206])، ولا تخضع إجراءات استصدار تلك الأوامر لمبدأ المواجهة، فيصدر الأمر دون تكليف أي مدى عليه بالحضور وانعدام المواجهة يحقق الهدف من صدور الأمر، غذ يرمي الدائن بالحصول عليه إلى مباغته المدين بتوقيع الحجز على السفينة قبل تهريبها([207]).
ويقوم الخصم ـ الذي يريد استصدار أمر على عريضة ـ بتحريرها ويضمنها طلبه، ويقدمها إلى القاضي المختص، وتكون من نسختين متطابقتين، ويذكر في العريضة وقائع الطلب وأسانيده وموطن مختار للطالب في البلدة التي بها مقر المحكمة، وتشفع بها المستندات المؤبدة لها([208]).
ولا يجب أن يقدم الطلب من محام، فيمكن تقديمه من نفس الخصم، كما لا يلزم توقيع محام على الطلب، ولا تعلن العريضة إلى أي خصم، ولا يكلف أحد بالحضور أمام القاضي، ولهذا ينظر الطلب دون حضور طالب الأمر أو من يراد صدوره ضده، وينظر القاضي الطلب في غير جلسة دون حضور كاتب المحكمة([209]). وعليه أ، يفصل في الطلب في اليوم التالي لتقديم العريضة على الأكثر([210])، ومن المقرر أن هذا الميعاد تنظيمي لا يترتب على مخالفته بطلان([211]).
ولا يلتزم القاضي، سواء أكان ذلك في قبول الطلب أم في رفضه بتسبيب قراراه إلا إذا أصدر أمراً مخالفاً لأمر سبق صدوره، فعندئذ يجب أن يبين أسباب عدوله عن الرأي السابق، وإلا كان الأمر باطلاً([212]).
وللقاضي السلطة التقديرية الكاملة في قبول الطلب أو رفضه على أنه ليس للقاضي إصدار الأمر بتوقيع الحجز على السفينة إلا بتوفر الشروط المتطلبة لذلك والمبينة في الباب الأول من هذا البحث.
ويثبت القاضي قراراه كتابة على احدي نسختي العريضة، وعلي قلم الكتاب تسليم الطالب النسخة الثانية من العريضة مكتوباً عليها صورة الأمر في اليوم التالي لصدوره على الأكثر([213])، وهو ميعاد تنظيمي لا يترتب على مخالفته سقوط الأمر([214]).
ويكون الأمر الصادر على العريضة واجب النفاذ معجلاً بقوة القانون، دون حاجة إلى طلبه أو النص عليه في العريضة، كما يكون هذا التنفيذ بغير كفالة، إلا إذا نص على لك في الأمر([215]).
ويسقط الأمر الصادر على عريضة، إذا لم يقدم للتنفيذ خلال ثلاثين يوما من صدوره([216])، لأن الأمر هو عمل ولائي بإجراء تحفظي لا يصح أن يبقي سلاحا مسلطا بشهره من صدر له الأمر في وجه خصمه في أي وقت يشاء، مع احتمال تغير الظروف الداعية إلى إصدار وزوال الحاجة الملحة له([217])، وهذا السقوط يتعلق بمصلحة من صدر ضده الأمر أو من ينفذ ضده، فله وحدة التمسك به([218])، على أن هذا السقوط لا يمنع من صدر لمصلحته الأمر من أن يستصدر أمراً جديداً([219]).
المبحث الثالث
توقيع الحجز والدعوي الموضوعية
يتطلب إلقاء الضوء على الدعوى الموضوعية بحث ثلاثة مسائل تتمثل في: تعريفها (المطلب الأول)، الاختصاص بنظرها (المطلب الثاني)، والنظام القانون للدعوى الموضوعية (المطلب الثالث).
المطلب الأول
التعريف بالدعوي الموضوعية
74- السعي إلى تحقيق غرضين :
لا يعدو الحجز التحفظي أن يكون إجراءً وقتياً، فهو ليس هدفا في حد ذاته، بل مرحلة أولية لتجميد الأموال المملوكة للمدين خشية تهريبها أو إنقاص قيمتها حتى يتسنى للدائن أن يستصدر حكما نهائياً يؤكد حقه، وبموجبه يستطيع أن يوالي إجراءات التنفيذ الجبري، لذا يتعين على الدائن الحاجز أ، يسعي إلى تحويل هذا الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي، حتى يمكنه اقتضاء حقه جبرا عن مدينة([220]).
وللحصول على سند تنفيذي وتعيين مقدار الحق، نظم المشرع دعوي خاصة تسمي دعوى الدين وصحة الحجز، وهي دعوى يرفعها الحاجز على المحجوز عليه بموجب أحكام المادة 65 من قانون التجارة البحرية، وذلك خلال الثمانية أيام التالية لتسليم محضر الحجز إلى الربان أو من يقوم مقامه، وترفع الدعوي أمام المحكمة الابتدائية التي وقع الحجز في دائرتها بغرض ثبوت الحق وصحة الحجز، إذا كان قد أجري بموجب إذن من القضاء المختص، فإذا لم توقع خلال هذا الأجل، عد الحجز كأن لم يكن([221]).
وترمي هذه الدعوي إلى تحقيق غرضين: الأول: الحصول على حكم إلزام ضد المحجوز عليه يتضمن تأكيد حق الحاجز وتعيين مقداره، الثاني الحكم بصحة إجراءات الحجز التحفظي([222]).
وفي فرنسا، قضت محكمة النقض بأنه يتعين على الدائن ـ الذي يباشر إجراءات الحجز التحفظي على السفينة، وفقا للشروط المنصوص عليها في المادتين 29،30 من اللائحة رقم 967/67 الصادرة في 27 أكتوبر 1967 ـ أن يتابع إجراء الحصول على السند التنفيذي إذا لم يكن معه تطبيقا لنصوص المادتين 70 من اللائحة رقم 650/91 الصادر في 9 ليوليه 1991، و 215 من اللائحة رقم 755/92 الصادر في 31 يوليه 1992 التي تسري على حجز السفن، وإلا عد الحجز باطلاً([223]).
المطلب الثاني
الاختصاص بنظر الدعوي الموضوعية
75- أولاً: الاختصاص في اتفاقية بروكسل 1952:
اتخذت اتفاقية بروكسل موقفاً وسطاً بين القوانين البحرية التي يتجه بعضها إلى إسناد الاختصاص بنظر الدعوي الموضوعية إلى محكمة محل الحجز، في حين يذهب بعضها الآخر إلى ترك الاختصاص للمحكمة المختصة أساساً بنظر الموضوع، لذا تبنت في المادة 7/1 منها معيارا مزدوجا لتحديد الاختصاص، فلا تكون محاكم دولة محل الحجز مختصة إلا إذا كان ذلك الاختصاص منعقدا لها بمقتضي قوانينها الداخلية، أو إذا وجدت حالات أخري معينة تتوافر فيها علاقة بين محل الحجز والدين، ومن أمثلة ذلك أن يكون للمدعي محل إقامة أو مركز عمل رئيسي في الدولة التي وقع فيها الحجز، أو إذا نشأ الدين في هذه الدولة، أو إذا كان الدين البحري قد نشأ، أثناء رحلة تم توقيع الحجز التحفظي خلالها، أو كان الدين ناشئا عن تصادم أو أعمال المساعدة والإنقاذ، أو كان مضمونا برهن بحري على السفينة المحجوز عليها.
وإذا كانت المحكمة التي وقع الحجز في دائرة اختصاصها غير مختصة بالفصل في الموضوع، فإن الكفالة أو الضمان الذي يقدم لرفع الحجز طبقا للمادة الخامسة من الاتفاقية يجب أ، يضمن تنفيذ كل الأحكام اللاحقة التي تصدر من المحكمة المختصة بالفصل في الموضوع، وتحدد المحكمة أو السلطة القضائية التي وقع الحجز في دائرتها الميعاد الذي يجب على المدعي أن يرفع فيه الدعوي أمام المحكمة المختصة (م27/2).
وإذا أفق الخصوم على أن يكون الاختصاص لمحكمة أخري أو اتفقوا على عرض النزاع على محكمين، جاز للمحكمة أن تحدد الميعاد الزمني الذي يجب على الحاجز أن يرفع فيه دعواه الموضوعية (م7/3).
فإذا لم يرفع المدعي دعواه في الميعاد الذي حددته المحكمة في الحالتين السابقتين المتعلقتين بعدم توفر شروط اختصاصها بنظر الدعوي الموضوعية المنصوص عليها في المادة 7/1 أو وجود شرط سالب للاختصاص أو شرط تحكيم، فإنه يجوز للمدعي عليه أن يطلب رفع الحجز أو إعفاء الكفيل (م7/4).
أما في حالة اختصاص محكمة محل الحجز بنظر موضوع النزاع، فإن الاتفاقية قد سكتت عن تنظيم مسألة تحديد الميعاد الذي يتعين على المدعي رفع دعواه خلالها، بيد أنه إعمالاً للمادة 6/2 من الاتفاقية فإن المسائل الإجرائية المتعلقة بحجز السفينة ينظمها قانون الدولة المتعاقدة التي وقع الحجز أو طلب في دائرتها([224])، ولذلك، فإذا كان الحجز قد وقع في أحد الموانئ المصرية فإن دعوي صحة الحجز تكون واجبة الرفع خلال مدة ثمانية أيام تالية لتسليم محضر الحجز إلى الربان أو من يقوم مقامه (م65 من قانون التجارة البحرية)، أما إذا كان الحجز قد وقع في أحد الموانئ الفرنسية فإن الميعاد يصبح شهرا من تاريخ توقيع الحجز (م215 من لائحة 31 يوليه 1992).
ويري البعض([225])، أنه في حالة اختلاف دولة محل الحجز عن دولة محكمة نظر الموضوع، تقوم المحكمة التي وقع الحجز في دائرتها بتحديد الميعاد الذي يرفع فيه المدعي دعواه، وهذا التحديد يكون إجبارياً في حالة وجود شرط سالب للاختصاص أو شرط تحكيمي نزولا على صياغة المادة 7/3، وفي الحالتين فإن عدم مراعاة المدعي لتلك المواعيد يتيح للمدعي عليه طلب رفع الحجز أو إعفاء الكفيل، وفي حالة غياب هذا الرفع، يستمر الحجز في توليد آثاره ومن بينها قطع التقادم، ولا يكون البطلان محل.
ونعتقد أ، الرأي السابق يرجع إلى أن العبارة المستخدمة في اتفاقية بروكسل 1952 في حالة عدم مراعاة المواعيد هي رفع الحجز (La Mainlevee) بناء على طلب المدعي عليه، في حين أن التشريعات الداخلية تستخدم غالبا عبارة اعتبار الحجز كأن لم يكن([226])، أو بطلان الإجراء([227]).
وتحليل مصطلح رفع الحجز يكشف أنه نتيجة وأثر متولد لافتقاد الإجراء التحفظي لعناصر استمراره لأسباب عديدة من بينها: بطلان الحجز لعدم رفع الدعوي الموضوعية في الميعاد، إلغاء الأمر على عريضة الصادر بالحجز، انقضاء الإجراء التحفظي لقيام المدين بتنفيذ الالتزام سبب الحجز، بطلان الحجز التحفظي لتوقيعه على أموال المدين المفلس، وإذا كانت بعض التشريعات تستخدم مصطلح البطلان أو اعتبار الإجراء كأن لم يكن، فإن الجزاءات الأخيرة تشمل ضمناً القضاء برفع الحجز([228]).
ويقرر البعض([229])، أن رفع الحجز، وفقا للمادة 7/4 من اتفاقية بروكسل، يكون استنادا إلى بطلان الإجراء التحفظي لعدم رفع الدعوي الموضوعية في الميعاد، ولكن لا يكون للمحكمة أ، تقضي به إلا بناء على طلب مقدم من المدعي عليه.
76: ثانياً: الاختصاص في جنيف 1999:
وضعت معاهدة 1999 مبدأ عاماً بمقتضاه ينعقد الاختصاص لمحكمة محل الحجز (م7/1)، دون حاجة لنص في القانون الداخلي يقبل هذا الاختصاص، وبصرف النظر عن الارتباط بين الدين سبب الحق ومحكمة محل الحجز، بيد أن الاتفاقية خرجت عن هذا المبدأ في حالتين: أولهما: اتفاق الأطراف على عرض النزاع على التحكيم أو على محكمة تابعة لدولة أخري تقبل ذلك الاختصاص (م7/1) ثانيهما: رفض محاكم الدولة التي يوقع فيها الحجز أو يقدم فيها الضمان مباشرة ذلك الاختصاص، متى جاز ذلك الرفض في قانون تلك الدولة وقبلت محكمة تابعة لدولة أخري ذلك الاختصاص (م7/2).
وفي الحالتين المستثنيتين من القاعدة التي وضعتها المادة السابعة من المعاهدة، يجوز لمحكمة محل الحجز، ويجب عليها عند الطلب، أن تأمر بمهلة يقوم الطالب خلالها بمباشرة إجراءات رفع الدعوي أمام محكمة مختصة أو هيئة تحكيم (م7/3)، فإذا لم تباشر إجراءات رفع الدعوي في خلال هذه المهلة، يتعين حينذاك، بناء على طلب صاحب المصلحة، الأمر برفع الحجز عن السفينة المحجوزة أو بالإفراج عن الضمان المقدم (م7/4).
وتقضي الفقرة الخامسة من المادة السابعة من المعاهدة بأنه: “إذا بوشرت إجراءات رفع الدعوي في غضون المهلة المأمور بها وفقا للفقرة 3 من هذه المادة أو إذا بوشرت إجراءات رفع الدعوي أمام محكمة مختصة أو هيئة تحكيم في دولة أخري في حالة عدم صدور هذا الأمر، يتعين حينذاك الاعتراف بأي قرار نهائي يصدر في الدعوي وتنفيذه على السفينة المحجوزة أو على الضمان المقدم لرفع الحجز على السفينة بشرط: أن يكون المدعي عليه قد أخطر على وجه معقول بهذه الإجراءات ومنح فرصة معقولة لتحضير الدفاع في الدعوي. ب- وأن لا يكون هذا الاعتراف خالفا للنظام العام”.
77- ثالثاً: الاختصاص في القانون المصري :
أستقر القضاء المصري([230]) ـ قبل صدور قانون التجارة البحرية ـ على أن مجرد توقيع الحجز على السفينة الأجنبية في المياه المصرية لا يستتبع اختصاص المحاكم المصرية بنظر الموضوع إلا إذا كانت مختصة وفقا للمادة 30 من تقنين المرافعات، وكان هذا الاتجاه القضائي منتقدا لأنه يحمل الدائن الذي وقع حجزا في مصر على سفينة أجنبية على إقامة دعواه أمام محكمة تمهيدا للحصول على سند تنفيذي بما في ذلك من مشقة وصعوبة([231])، فضلاً عن ذلك، فإنه لا يتصور تسليم المحاكم المصرية بحجية حكم أجنبي يقضي بصحة أو بطلان إجراءات تمت في مصر([232]).
لذا تبني المشرع المصري القاعدة السائدة في معظم القوانين البحرية بإسناد اختصاص دعوي الدين وصحة الحجز إلى المحكمة الابتدائية التي وقع الحجز في دائرتها([233])، وصحيح أن هذا الاختصاص يؤدي إلى إلزام طالب الحجز بالمثول أمام قضاء قد لا يحظي بثقته، وقد لا يمت النزاع بصلة لمحاكم دولة ميناء الحجز، إلا أن الأخيرة تكون أكثر تأهلاً لنظر الدعوي الموضوعية في معظم الأحوال([234])، فضلاً عما سبق، فإن المبدأ السائد في القواعد العامة للمرافعات المدنية والتجارية أن المحاكم المصرية تختص بالدعاوي المرتبطة بالحجز الذي تم توقيعه في مصر ولو كانت هذه الدعاوي موضوعياً لا تدخل في الأصل في ولايتها([235]).
وفي فرنسا، وفي ظل الغياب التشريعي([236])، استقر القضاء في الفترة من 1979 وحتى 1995 على اختصاص محكمة محل الحجز (forum arresti) بنظر دعوي الدين وصحة الحجز، وقضي بأنه إذا كانت المحاكم الفرنسية مختصة بإصدار أمر الحجز التحفظي على السفينة، فإنها تكون مختصة أيضا بدعوي ثبوت الدين سبب الحجز، وهي مسألة أولية لازمة للفصل في صحة إجراءات الحجز([237])، بيد أن محكمة النقض الفرنسية أرست في 17 يناير 1995 مبدأ جديدا مؤداه عدم اختصاص المحاكم الفرنسية بنظر الدعوي الموضوعية استنادا إلى محل الحجز، ما لم تسمح قواعد الاختصاص الدولي المنصوص عليها في القانون الفرنسي بمباشرتها لتلك الدعوي([238]).
المطلب الثالث
النظام القانوني للدعوي الموضوعي
78 – ربط دعوي صحة وثبوت الحجز بالقواعد العامة للمطالبة بالحق:
تهدف دعوي صحة الحجز إلى الحصول على سند تنفيذي وتعيين مقدار الحق، لذا فإنه لا يلزم رفعها إلا عند الحاجة لتحقيق هذه الغاية، فترفع إذا لم يكن مع الحاجز سند تنفيذي أو كان معه سند تنفيذي ، ولكنه لا يعين مقدار الحق، ويعامل الحكم القضائي غير النافذ معاملة السند التنفيذي، والعلة في ذلك أن الحكم غير واجب النفاذ لا يلبث أن يصبح سنداً تنفيذياً، ويحوز قوة الأمر المقضي بانقضاء مواعيد الطعن فيه، أو يلغي من محكمة الطعن، وفي الحالين لا يبرر رفع دعوي صحة الحجز، وإلا حكم بعدم قبولها لسبق الفصل في موضوع الدين([239]).
وإذا كان قد سبق رفع دعوي موضوعية بالحق، فإنه يجب أن ترفع دعوي صحة الحجز بدعوي أصلية مبتدأه أمام المحكمة التي تنظر الدعوي الموضوعية، نظرا لوحدة الاختصاص والارتباط بين الدعويين ومنعا لتضارب الأحكام في نفس الموضوع([240])، وهو ما تقضي به المادة 321 من قانون لمرافعات التي تنص على أنه : “إذا كانت الدعوي بالحق مرفوعة من قبل أمام محكمة أخري قدمت دعوي صحة الحجز إلى نفس المحكمة لتنظر فيهما معاً.
وقضي بأنه يجب رفع دعوي صحة الحجز أمام المحكمة التي تنظر دعوي ثبوت الحق ولو كانت تلك المحكمة هي المحكمة الاستئنافية دون أم يمثل ذلك اعتداءً على مبدأ التقاضي على درجتين لوحدة موضوع دعوي الحق، إذ أن الموضوع الأساسي في دعوي صحة الحجز هو طلب الحكم بثبوت حق الحاجز وإلزام المدين المحجوز عليه بالوفاء به، ولهذا فإنها تعد تطبيقاًُ لفكرة الارتباط وتأثيره على القواعد التقليدية في الاختصاص([241]).
وترفع الدعوي، وفقا للإجراءات العادية لرفع الدعوي، وذلك خلال ثمانية أيام من تسليم محضر الحجز إلى الربان أو من يقوم مقامه، فإذا لم ترفع خلال هذا الميعاد، عد الحجز كأن لم يكن (م65 بحري)، وترجع حكمة تطلب هذا ميعاد القصير إلى التأكد من جدية الحاجز وتفادي استعمال الحجز التحفظ بوسيلة كيدية([242]).
وهي مدة مماثلة للمدد المنصوص عليها في قانون المرافعات المصري، ولكنها تفترق عنها في الواقعة التي يبدأ منها احتساب الميعاد، إذ ويكون إجراء توقيع الحجز في حالة الحجز على المنقول لدى المدين (م320/مرافعات)، وتكون إعلان ورقة الحجز إلى المحجوز لديه في حالة حجز ما للمدين للغير (م330 مرافعات)، ولا يلزم أن تعلن صحيفة الدعوي في هذا الميعاد فيكفي إيداع صحيفة الدعوي قلم الكتاب فيه، ولو أعلنت بعد ذلك([243])، وفي القانون الفرنسي، فإن الميعاد المحدد لرفع دعوي صحة الحجز شهر يبدأ من توقيع الحجز([244]).
وإذا توافرت في الدين سبب الحجز شروط استصدار أمر أداء، نعتقد أن تقديم طلب الأداء يقوم مقام رفع الدعوي([245])، ولا يلتزم الدائن الحاجز بتكليف المدين المحجوز عليه بالوفاء بالدين، قبل تقديم عريضة أمر الأداء، وفقا للمادة 202 مرافعات([246])، فالمشرع يعد الحجز تكليفا للمدين بوفاء الدين وإجراء كافيا لإعلانه بهذا التكليف في ذات الوقت([247]).
وترفع دعوي صحة الحجز من الحاجز ضد المحجوز عليه، غذ هو خصمه في الحجز الموقع على ماله، فلا يلزم اختصام المحجوز لديه، إذا كان الحجز يقع على ما للمدين لدى الغير، كسفينة مستأجرة وكان الحجز لدين في ذمة المدين مؤجر السفينة ومالكها، على أنه إذا كان لا يجب اختصام المحجوز لديه، فليس هناك ما يمنع من رفع الدعوي عليه أيضا، إما ابتداء أو بإدخاله في الدعوي والحاجز مصلحة في ذلك، إذ يصبح الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه فلا يستطيع يعده المنازعة في صحة الحجز([248]).
الفصل الثاني
المركز القانوني للسفينة المحجوزة
79- توقيع ورفع وتحول الحجز:
متى حصل الدائن البحري على إذن بإجراء الحجز التحفظي على السفينة، فإن التساؤل يكون مطروحاً عن كيفية تنفيذ هذا الإذن، وعن الآثار المترتبة على هذا التنفيذ من ناحية، وعن حقوق المدين الذي يريد توقي أو رفع هذا الحجز من ناحية أخري، وإذا لم ينجح الحجز التحفظي في حث المدين على الوفاء، فما هي الشروط المتطلبة لتحول الحجز من تحفظي إلى تنفيذي؟
يمكننا، من خلال الإجابة على تلك الأسئلة، أن نرسم الخطوط العريضة ونضع المبادئ الأساسية التي تلقي الضوء على المركز القانوني للسفينة لمحجوزة.
ينقسم الفصل الثالث، إذن، إلى ثلاثة مباحث، على النحو التالي:
المبحث الأول: السفينة وتوقيع الحجز.
المبحث الثاني: السفينة ورفع الحجز.
المبحث الثالث : السفينة وتحول الحجز.
المبحث الأول
السفينة وتوقيع الحجز
المطلب الأول
نشأة الحجز التحفظي
80- محضر الحجز وخصوصية أحكام القانون البحري:
إذا تحقق السبب الشكلي لإجراء الحجز، بأن حصل الدائن على إذن من القضاء بتوقيع الحجز، فإن المحضر المختص يستطيع التحرك نحو إجراء الحجز([249])، ويستوجب القانون ضرورة تحرير محضر للحجز تسلم صورة منه لربان السفينة أو من يقوم مقامه، وصورة ثانية للجهة البحرية المختصة بالميناء الذي وقع فيه الحجز، لمنع السفينة من السفر، وصورة ثالثة لمكتب التسجيل بالميناء المذكور([250])، ويسري على انتقال المحضر وتوقيع الحجز وتحرير محضر الحجز وتسليمه القواعد العامة في قانون المرافعات بما لا يصطدم بالطبيعة الخاصة لحجز السفينة، وتبدأ آثار الحجز المختلفة بالقيام بإجراء الحجز وهو ذكر السفينة محل الحجز ووصفها في محضر الحجز([251]).
ولم يتطلب المشرع إعلان المدين أو مالك السفينة بمحضر الحجز أو الأمر الصادر به بتسليم ربان السفينة صورة من محضر الحجز، ولا يجوز القول بوجوب إعلان مالك السفينة أو المدين بالإضافة إلى إعلان الربان لعدة أسباب: الأول: أن الربان نائب قانوني عن المجهز، وفقا لأحكام المادة 99 من قانون التجارة البحرية، ويقصد بالمجهز كل من يستغل السفينة لحسابه بوصفه مالكاً أو مستأجراً لها، ويعد المالك مجهزا حتى يثبت غير ذلك (م78 بحري)، ويبدو أن المشرع البحري يتعامل مع السفينة بوصفها مالاً له ذاتية حتى ولو كان في حيازة غير مالكه، والثاني: أن الحفاظ على حقوق الدائن البحري فرضت، على المشرع تبسيط إجراءات الحجز بالاكتفاء بتسليم صورة محضر الحجز إلى الربان، دون حاجة إلى إعلان آخر، والثالث: أن القواعد العامة في الحجز التحفظي على المنقول لدى المدين تخلو من إجراء تسليم صورة من محضر الحجز للمدين وتستوجب فقط إعلانه بصورة من محضر الحجز والإذن الصادر من قاضي التنفيذ بتوقيعه([252])، وهو ما يعني أن تسليم صورة محضر الحجز للربان إجراء ذو أثر قانوني يقوم مقام الإعلان، لاسيما أن المشرع يحسب من هذا التاريخ بدء ميعاد رفع دعوي صحة الحجز.
وتقضي المادة 64/1 من قانون التجارة البحرية بتسليم صورة من محضر الحجز لمكتب التسجيل بالميناء للتأشير به في سجل السفن، وذلك لإحاطة الغير علما بتوقيع الحجز التحفظي على السفينة، ويترتب على عدم التأشير بهذا الحجز عدم نفاذ الحجز في مواجهة الغير، فالنشر قرينة قاطعة على العلم بالواقعة محل النشر([253]).
ولا يوجد التزام على مكتب التسجيل بإخطار مكتب تسجيل السفينة، إذا كانت أجنبية، أما إذا كانت مصرية، فيقوم المكتب بإخطار المكتب المسجلة فيه السفينة للتأشير بالحجز في الصفحة المخصصة لها في سجل السفن (م64/2)، ويفترض هذا اختلاف ميناء الحجز عن ميناء التسجيل، كما لو وقع الحجز على سفينة مسجلة في ميناء بورسعيد، أثناء رسوها في ميناء دمياط([254]).
المطلب الثاني
خضوع السفينة محل الحجز لنظام قانوني خاص
81- السفينة بوصفها مجموعاً مستقلاً:
يترتب على الحجز التحفظي أن تعزل السفينة وملحقاتها عن بقية أموال المدين، وتكون مجموعة مستقلة ومتميزة خاضعة لنظام قانوني خاص([255])، يتكون من العناصر الآتية:
82- أولاً: منع السفينة من التحرك:
يترتب على إيقاع الحجز التحفظي على السفينة منعها من التحرك من الميناء، وقد بينت م2/2 من معاهدة بروكسل أن المقصود بالحجز التحفظي على السفينة منعها من التحرك بإذن من السلطة القضائية المختصة ضمان لدين بحري، أما المادة 2/2 من اتفاقية جنيف 1999، فقد قررت أن الحجز يعني توقيف السفينة أو تقييد تنقلها بأمر من محكمة، ضمانا لمطالبة بحرية، وتنص المادة 64/1 من قانون التجارة البحرية على أنه يتعين تسليم صورة من محضر الحجز للجهة البحرية المختصة بالميناء الذي وقع فيه الحجز، لمنع السفينة من السفر.
ويجيز القانون الفرنسي لرئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للأمور المستعجلة أن يأذن برحيل السفينة المحجوزة .. سواء أكان الحجز تحفظيا أم تنفيذيا ـ لرحلة واحدة أو عدة رحلات أخري محددة مقابل تقديم ضمان كاف([256]).
وتكمن الحكمة من ذلك في زيادة ملاءة المدين على نحو يمكنه من الوفاء بحقوق دائنيه، ومن بينهم الدائن الحاجز([257]).
ولم يقصر المشرع الفرنسي حالات الإذن للسفينة بالقيام برحلتها البحرية على تلك التي يكون فيها سبب الحجز متعلقا بملكية السفينة أو بملكيتها على الشيوع أو حيازتها أو استغلالها أو بالحقوق الناشئة عن استغلال السفينة على الشيوع، كما فعلت اتفاقية بروكسل 1952([258])، وقد تبنت المادة 63/2 من قانون التجارة البحرية اتجاه اتفاقية بروكسل، فلم تجز للقضاء أن يأذن لحائز السفينة باستغلالها أو إدارتها، مقابل تقديم ضمان، إلا في الحالات الواردة في البندين (ف) ، (ص) من المادة 60.
ويقضي القانون الفرنسي بأنه إذا لم تعد السفينة إلى ميناء الحجز في نهاية المدة المحددة لذلك، يستحق للدائنين المبلغ المودع ضماناً([259])، وإذا كان عدم عودة السفينة راجعا إلى كارثة حاقت بالسفينة المحجوزة وليس إلى إهمال من جانب المدين أو خطئه، فإن قيمة التأمين المستحق يدفع إلى الدائنين الحاجزين وليس للمالك المؤمن له([260]).
82- ثانياً: سلطات المالك:
لا يحجب الحجز التحفظي ملكية السفينة عن صاحبها أو يحرمه من سلطاته كاملة عليها، ولهذا يجوز له التصرف فيها بجميع أنواع التصرفات القانونية، بما فيها البيع أو الرهن، بيد أن هذه التصرفات لا تنفذ في حق الدائنين الحاجزين، إذ لهم أن يباشروا التنفيذ عليها واستيفاء حقوقهم من ثمنها، فالحجز التحفظي لا ينشئ للدائن الحاجز حقاً عينياً على السفينة المحجوز عليها([261]).
84- ثالثاً: استمرار عقد العمل للربان والبحارة:
لا يؤدي توقيع الحجز التحفظي على السفينة إلى انقضاء عقد العمل للعاملين عليها، ويلتزم المجهز بالوفاء بأجورهم وحقوقهم التي يرتبها القانون([262])، وتستفاد هذه القاعدة ـ بمفهوم المخالفة ـ من المادة 77 من قانون التجارة البحرية التي تنظم الحجز التنفيذي على السفينة والتي تقرر أنه: ” إذا بيعت السفينة نتيجة للحجز عليها فلا يلتزم الراسي عليه المزاد بعقود عمل ربان السفينة أو البحارة الذي يعملون عليها”
المبحث الثاني
السفينة ورفع الحجز
85- تنوع الأسباب المتاحة للمدين:
تتنوع وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى رفع الحجز عن السفينة، فقد يكون ذلك راجعاً إلى قيام المدين بتقديم ضمان كاف للوفاء بدينه (المطلب الأول)، أولي إلى المنازعة في إجراء توقيع الحجز (المطلب الثاني)، أو إلى عدم رفع الدعوي الموضوعية أو خسارتها (المطلب الثالث).
المطلب الأول
رفع الحجز وتقديم الضمان المالي
86- أولاً: فكرة الضمان ونطاقه:
يؤدي الحجز التحفظي على السفينة إلى تقييد سلطات المدين المحجوز عليه على السفينة محل الحجز، على نحو يؤثر على انتظام سير الملاحة البحرية، لذا أتاحت اتفاقية بروكسل السبيل أمام رفع الحجز الموقع على السفينة، شريطة أن يقدم المدين كفالة
أو ضماناً كافيا للوفاء بالدين (م5 من الاتفاقية وتقابلها للمادة 63/1 من قانون التجارة البحرية).
وإذا كانت المحكمة التي وقع الحجز على السفينة في دائرة اختصاصها غير مختصة بالفصل في الموضوع، فإن الكفلة أو الضمان الذي يقدم لرفع الحجز، طبقا للمادة الخامسة يجب أ، يضمن تنفيذ كل الأحكام اللاحقة التي تصدر من المحكمة المختصة بالفصل في الموضوع ( م7/2 من بروكسل).
ويحقق هذا النظام التوازن بين مصالح طرفي الحجز: فالمدين المحجوز عليه يستطيع أن يستمر في مباشرة نشاطه البحري باستغلال السفينة المحجوز عليها، والدائن الحاجز يمكنه أن يحصل مقابل رفع الحجز على ضمان كاف للوفاء بالدين سبب الحجز([263]).
وإذا كان قصد الحاجز الوصول إلى ملكية السفينة، وهو ما يتحقق في الحالات المنصوص عليها في المادة الأولي فقرتي س ـ ع من اتفاقية بروكسل، وفي المادة 60 فقرتي ف ـ ص من قانون التجارة البحرية، فلا يجوز الأمر برفع الحجز مقابل تقديم ضمان أو كفالة (م5 من بروكسل ـ م63/2 من قانون التجارة البحرية)، ومرد هذا الاستثناء أن الدائن الحاجز لا يبغي من وراء حجزه اقتضاء دين بحري، بل يهدف إلى المطالبة بالسفينة نفسها محل الحجز([264]).
وفي الحالة الأخيرة، يجوز لرئي المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامه الإذن لحائز السفينة باستغلالها، إذا قدم ضماناً كافياً أو بتنظيم إدارة السفينة، خلال مدة الحجز بالكيفية التي قررها الإذن (م5 من بروكسل ـ م63/2 من قانون التجارة البحرية).
ولم تغير اتفاقية جنيف 1999 من الأسس العامة لرفع الحجز، مقابل تقديم ضمان، فنصت المادة 5/1 منها على أن: “يرفع الحجز على السفينة المحجوز عليها عند تقديم ضمان كاف في شكل مرض، إلا في الحالات التي تحجز فيها السفينة بشأن أي من المطالبات البحرية المعدودة ـ في الفقرتين (1) (ق) و (ر) من المادة الأولي، ويجوز للمحكمة في هذه الحالات أن تبيح للشخص الحائز للسفينة مواصلة تشغيل السفينة إذا قدم هذا الشخص ضماناً كافياً، أو أن تعالج على نحو آخر أمر تشغيل السفينة أثناء فترة الحجز”.
87- ثانياً: صور الضمان:
تتعدد أشكال الضمان المالي، فيمكن أن يكون كفالة مصرفية([265])، أو خطاباً من نادي الحماية والتأمين (p & I club) ([266])، أو إيداع خزينة المحكمة مبلغا نقدياً([267])، أو غير ذلك من الصور، كما يعد ضماناً مالياً قيام المدين لمحجوز عليه بإنشاء صندوق تحديد المسئولية المنصوص عليه في المادة 11 من اتفاقية لندن 1976 الخاصة بتحديد مسئولية ملاك السفن.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة 359/د من قانون التجارة البحرية تستبعد من نطاق مسئولية المؤمن التعويضات المستحقة بسبب الحجز والكفالة المقدمة لرفع الحجز.
ونعتقد أن نظام الضمان المالي المنصوص عليه في اتفاقية بروكسل وقانون التجارة البحرية هو شكل خاص من إشكال الإيداع والتخصيص المنصوص عليه في المادتين 302، 303 من قانون المرافعات ينسجم مع الطبيعة الخاصة للسفينة محل الحجز، ولذلك لا يجوز تطبيق نظام الإيداع المنصوص عليه في قانون المرافعات فيظل سريان أحكام رفع الحجز مقابل الضمان المنصوص عليها في اتفاقية بروكسل وقانون التجارة البحرية، إعمالا لمبدأ أن الخاص يقيد العام، ومع ذلك فإن أحكام الإيداع والتخصيص تعد الشريعة العامة في نظام الكفالة فيما لم يرد بشأنه نص خاص.
88- ثالثاً: كفاية الكفاية أو الضمان:
اشترطت اتفاقية بروكسل ـ وكذلك القانون المصري ـ لرفع الحجز أن يكون الضمان كافياً للوفاء بحق الدائن الحاجز، دون تحديد للمقصود بكفاية الضمان، وقد اختلف الفقه والقضاء حول هذا المفهوم: فهل يجب أن يكون الضمان معادلاً لقيمة الدين سبب الحجز أو يتعين أو يساوي قيمة السفينة محل الحجز؟ وتبدو أهمية هذا التساؤل حينما يكون الدين سبب الحجز يفوق كثيرا قيمة السفينة.
تنص المادة الخامسة من اتفاقية بروكسل على أنه في حالة عدم اتفاق الخصوم على مقدار الكفالة أو الضمان، تحدد المحكمة أو السلطة القضائية المختصة نوعها وقيمتها، وهو أمر مؤداه إعمال هذا الاتفاق قبل لجوء القاضي إلى تقدير هذه القيمة، وهذه القاعدة تفرضها القواعد العامة، ولذلك فهي واجبة التطبيق في حالة سريان أحكام قانون التجارة البحرية، على الرغم من غياب نص مماثل للمادة الخامسة.
وفي غياب هذا الاتفاق، فإن بعض المحاكم تفضل ترك الأمر لمطلق تقدير القضاء([268])، في حين يذهب اتجاه آخر إلى أن المحجوز عليه لا يستطيع أن يحصل على رفع الحجز إلا عند تقديم كفالة تعادل مبلغ الدين بأكمله([269])، ويري البعض([270])، أن الضمان الكافي هو القيمة الأقل بين قيمتين: الأولي للسفينة محل الحجز، والثانية للحق سبب الحجز، ومن جانبنا ننحاز للاتجاه الذي يري أن قيمة الضمان يحددها القاضي، بما لا يتجاوز قيمة السفينة للأسباب الآتية:
أولاً: أن نظام الضمان تغيير لمحل الحجز، ولا يمكن أن يتجاوز الضمان المالي قيمة الضمان العيني المتمثل في السفينة محل الحجز([271])، ثانياً: أن قيمة الدين البحري قيمة تحكمية لا يمكن القطع بها إلا بع الفصل في الدعوي الموضوعية([272])، ثالثاً: أنه في حالة تحول الحجز التحفظي إلى تنفيذي، فإن الدائن الحاجز لا يمكنه أن يحصل على أكثر من قيمة السفينة، إذا كانت قيمة الحق تتجاوز القيمة الأخيرة، ولذلك تكون قيمة السفينة الحد الأقصى للضمان الكافي قبل تحول الحجز([273]).
وقد أخذت اتفاقية جنيف 1999 بالاتجاه الأخير، فقررت أنه إذا لم يتفق الأطراف على كفاية الضمان وشكله، تحدد المحكمة طبيعة هذا الضمان ومقداره بما لا يتجاوز قيمة السفينة المحجوزة (م4/3)، ويجوز للشخص الذي قدم هذا الضمان أن يطلب من المحكمة في أي وقت تخفيض هذا الضمان أو تعديله، أو إلغاءه (م4/6).
89- رابعاً: رفع الحجز وصندوق تحديد المسئولية:
تقضي المادة 11 من اتفاقية لندن الصادرة في 19 نوفمبر 1976 والخاصة بتحديد المسئولية عن الديون البحرية أنه يجوز لأي شخص يكون عرضه للمسئولية أن ينشئ صندوقا لدى لمحكمة أو السلطة المختصة في أي دولة متعاقدة تباشر فيها دعوي متعلقة بالدعوي الخاضعة للتحديد، ويتكون الصندوق في حدود المبالغ المذكورة في المادتين (6)، (7) بالنسبة للديون التي يمكن أن يسال عنه هذا الشخص، فضلاً عن الفوائد المستحقة من تاريخ الحادث المنشئ للمسئولية وحتى تاريخ إنشاء الصندوق.
وينشأ الصندوق إما بإيداع المبلغ، وإما بتقديم ضمان مقبول، وفق التشريع الدولة المتعاقدة التي أنشئ فيها الصندوق وتعتبره المحكمة أو أي سلطة أخري مختصة مناسباً (م11/2 من اتفاقية لندن).
ويجوز لشخص المسئول تحديد مسئولية بغير إنشاء صندوق ومع ذلك فيجوز لأي طرف في الاتفاقية أن تشترط في تشريعها الوطني لجواز تمسك الشخص المسئول بتحديد مسئوليته أن يكون قد أنشئ صندوق تحديد وفقا لأحكام الاتفاقية أو أن ينشئه عند التمسك بتحديد المسئولية (م10/1 من اتفاقية لندن)، ولم يأخذ المشرع المصري ـ خلافا للمشرع الفرنسي ـ بفكرة صندوق تحديد المسئولية وهو بصدد تنظيمه لأحكام تحديد مسئولية مالك السفينة في قانون التجارة البحرية المصري الجديد([274]).
ويعد إنشاء الصندوق أسلوبا يقدم به الشخص المسئول الضمان للمبالغ القصوى للتعويضات التي قد يلتزم بها، ومع ذلك، فإنه متى أنشئ الصندوق يمتنع على أي شخص له حق قبل هذا الصندوق أن يتخذ بمقتضاه أية إجراءات على أموال أخري لمن أنشأ هذا الصندوق أو لمن أنشئ هذا الصندوق لحسابه (م13/1 من اتفاقية لندن).
ويخول إنشاء الصندوق للمدين المطالبة برفع الحجز الموقع على أية سفينة أو أية أموال أخري له، من أجل الديون الداخلة في هذا الصندوق، بل يتعين الأمر برفع الحجز إذا ما أنشئ الصندوق في :
- الميناء الذي وقع فيه الحادث أول في أول ميناء توقفت فيه السفينة إذا وقع الحادث خارج الميناء.
- في ميناء الوصول بالنسبة للديون الناشئة عن الوفاء أو الأضرار البدنية
- في ميناء الشحن بالنسبة للديون الناشئة عن الأضرار التي تلحق بالبضاعة.
- في الميناء الذي وقع فيه الحجز (م13/2).
ويثار التساؤل حول كيفية تحديد مدى كفاية الضمان للحكم في الحجز التحفظي على السفينة، في حالة تكوين صندوق تحديد المسئولية، يذهب البعض ـ في إشكالية مماثلة ـ إلى أنه يتعين التفرقة بين فرضين: الفرض الأول: يكون فيه قيمة الحق سبب الحجز أقل من حدود المسئولية، وفي هذه الحالة تكون هذه القيمة هي الضمان الكافي للدائن الحاجز مقابل رفع الحجز، الفرض الثاني يكون فيه قيمة الحق أعلي من حدود المسئولية، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين الضمان الكافي إلا بعد تحديد مدى نفاذ حدود المسئولية في مواجهة الدائن الحاجز، فإذا كانت نافذة، فإن الضمان يقتصر على حدود المسئولية، وإذا لم تكن نافذة، فإن الضمان يغطي قيمة السفينة والأجرة وتوابعها([275]).
90- خامساً: آثار تقديم الضمان:
يؤدي رفع الحجز عن السفينة المحجوز عليها مقابل تقديم ضمان أو كفالة إلى تغيير محل الحجز، فيزول الحجز عن السفينة، وينتقل إلى الضمان المقدم الذي يعد مخصصا للوفاء بدين الدائن الحاجز، كما يسترد المحجوز عليه سلطاته المقيدة على السفينة، ولا يعد تغيير محل الحجز تجديداً له، ولذلك يحتفظ الحجز بصفته وبطبيعته([276]).
ولا يفسر أي طلب برفع الحجز عن السفينة عند تقديم الضمان على أنه اعتراف بالمسئولية أو على أنه تنازل عن أي دفاع أو أي حق في الحد من المسئولية (م5 من بروكسل، م 4/3 من جنيف 1999)، وهي قاعدة بديهية، لذا تجنب قانون التجارة البحرية النص عليها.
وتقضي المادة 4/4 من اتفاقية جنيف 1999 أنه إذا حجزت السفينة في دولة غير طرف ولم يرفع عنها الحجز على الرغم من تقديم ضمان بشأن تلك السفينة في دولة طرف بشأن المطالبة نفسها، فإنه يتعين الأمر بالإفراج عن ذلك الضمان، عند الطلب من المحكمة في الدولة الطرف.
كما تنص المادة 4/5 من اتفاقية جنيف 1999 على أنه إذا رفع الحجز عن السفينة في دولة غير طرف عند تقديم ضمان مرض بشأن تلك السفينة فإنه يتعين الأمر بالإفراج عن أي ضمان قدم في دولة طرف بشأن المطالبة نفسها، إذا تجاوز المبلغ الإجمالي للضمان المقدم في الدولتين الاثنتين: (أ9 المطالبة التي حجزت السفينة لأجلها، أو (ب) قيمة السفينة.
المطلب الثاني
رفع الحجز والمنازعة القضائية
الفرع الأول
رفع الحجز والتظلم من الأمر الصادر على عريضة
91- القواعد المنظمة للتظلم من أمر حجز السفينة :
يحق للمدين الصادر ضده الأمر بالحجز على السفينة، وكذلك كل ذي مصلحة في إلغاء الأمر أو تعديله التظلم منه([277])، خلال ميعاد عشرة أيام، ويبدأ هذا الميعاد من إعلان الأمر بالنسبة لمن أعلن به أو من تاريخ البدء في تنفيذه لمن بدأ في التنفيذ في مواجهته([278])، وبديهي ألا يكون للتظلم محل إذا كان أمر الحجز قد سقط، لعدم تقديمه للتنفيذ خلال ثلاثين يوماً من صدوره([279]).
ويكون التظلم أمام القاضي الأمر بالحجز، وهو رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرتها ميناء الحجز، أو أمام المحكمة التي يتبعها هذا القاضي، وهي المحكمة الابتدائية المشار إليها([280]). وليس هناك من حرج في التظلم أمام نفس القاضي الآمر، ولا يعد ذلك خروجاً على قاعدة أن القاضي لا يسلط على قضائه، إذا لم يكن دفاع المتظلم مطروحا أمامه عند إصدار الأمر([281])، على اختيار أحد طريقي التظلم، يسقط حق المتظلم في الاعتصام بالطريق الآخر([282])، ولا يمنع من التظلم قيام الدعوي الأصلية المتعلقة بالنزاع حول الدين سبب الحجز أمام المحكمة([283])، أما صدور حكم في هذه الدعوي فيمنع قبول التظلم، فالتظلم هو دعوي وقتية ينتهي أثرها بصدور الحكم في الدعوي الموضوعية([284]).
ويرفع التظلم بصفة أصلية، وفقا للإجراءات المعتادة لرفع الدعوي، أو بصفة فرعية تبعا للدعوي الأصلية التي صدر الأمر متعلقا بها، وذلك في أية حالة تكون عليها الدعوي، بشرط أن يكون ذلك قبل قفل باب المرافعة([285])، ويجب أن يكون التظلم مسبباً وإلا كان باطلاً([286]).
وللمحكمة ـ أو القاضي ـ التي تنظر التظلم أن تقضي إما بتأييد الأمر أو بتعديله أو بإلغائه([287])، وقضت محكمة النقض الفرنسية بأنه للقاضي أن يحم برفع الحجز أو استبدال سفينة أخري بذات الميناء بالسفينة التي حجز عليها، على أساس أن إجراء الاستبدال يبقي ضمانات الدائن الحاجز في مواجهة مدينه على حالها دون تغيير([288]).
ويعد الحكم الصادر في التظلم حكما وقتيا لا يفيد محكمة الموضوع، عند نظر الدعوي الموضوعية التي يتعلق بها الأمر، كما أنه يكون قابلاً للطعن فيه بالاستئناف دائماُ، بصرف النظر عن قيمة الدعوي الموضوعية([289]).
الفرع الثاني
رفع الحجز ومنازعة التنفيذ
92- آليات متعددة لمنازعة التنفيذ:
حرصاً على تحقيق التوازن بين مصلحة الدائن في إجراء التنفيذ ومصلحة المدين أو الغير في الاعتراض على التنفيذ غير العادل أو الباطل، رصد المشرع المصري في قانون المرافعات العديد من النصوص القانونية المنظمة لمنازعات التنفيذ.
والمنازعة في التنفيذ هي دعوي أمام القضاء تتعلق بالتنفيذ الجبري، سواء أتعلقت بالحق الموضوعي الذي يؤكده السند التنفيذي أم بالحق في التنفيذ الجبري أم بإجراء من إجراءاته أم رفعها، ويؤدي الحكم فيها بقبولها إلى التأثير في التنفيذ الجبري أو في سير إجراءاته([290])، والمنازعة في التنفيذ قد تكون موضوعية، وهي التي يطلب فيها الحكم بإجراء يحسم النزاع في أصل الحق، وقد تكون وقتية، وهي التي يطلب فيها الحكم بإجراء وقتي لا يمس أصل الحق([291]).
ولا خلاف على سريان الأحكام المتعلقة بمنازعات التنفيذ في قانون المرافعات المصري على الحجز التحفظي على السفينة بوصفه يمثل الشريعة العامة في التنفيذ الجبري فيما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون التجارة البحرية، وبما لا يتعارض مع الطبيعة الخاصة لهذا القانون، ومع السمات المتفردة للسفينة محل الحجز، لذا يكون لصاحب المصلحة الاعتراض على الحجز التحفظي على السفينة غير العادل أو الباطل، من خلال نظام منازعات التنفيذ([292])، وباستعمال احدي الآليات الآتية:
93- أولاً: دعوي رفع حجزها للمدين لدى الغير :
يوقع الحجز التحفظي على السفينة بأمر على عريضة صادر من رئيس المحكمة الابتدائية المختصة أو من يقوم مقامة (م59 من قانون التجارة البحرية)، ويستطيع المدين المحجوز عليه الاعتراض على الحجز، سواء أكان بطريق التظلم من أمر الحجز أم باستعمال حقوق المدعي عليه في دعوي صحة الحجز، وفضلاً عما تقدم، فإن للمدين ـ في جميع الأحوال ـ أن يرفع دعوي مبتدأه منازعا في الحجز الموقع على ماله، استنادا للمادة 335 من قانون المرافعات، تسمي دعوي رفع الحجز([293]).
ويستطيع المدين المحجوز عليه بموجب هذه الدعوى أن ينازع في الحجز، أيا كان سبب منازعته له، سواء أتعلق بالحق الموضوعي أم بالحق في الحجز أم بالسفينة محل الحجز أم بإجراءات الحجز.
وإذا تبين انقضاء حق الحاجز الموضوعي أو عدم استناد سند الحجز، وهو أمر القاضي إلى شرائطه القانونية، أو كان الحجز قد وقع على ما لا يجوز الحجز عليه، أو تم بإجراءات معيبة، قضت المحكمة برفع الحجز أو زوال أثره من المال المحجوز، ويكون الحكم قابلاً للطعن بالاستئناف، وفقا لقواعد الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الموضوعية([294]).
94- ثانياً: دعوى استرداد المنقولات المحجوزة :
دعوي الاسترداد هي المنازعة الموضوعية التي يرفعها شخص من الغير يدعي ملكية المنقولات المادية المحجوزة أو أي حق يتعلق بها، ويطلب فيها تقرير حقه على هذه المنقولات ووقف بيعها، لتعارضه مع حقه عليها([295]).
وتستند هذه الدعوي إلى المواد 320، 393، 394، 395، 396، 397، من قانون المرافعات.
وبموجب هذه الدعوي، يمكن للغير الذي يدعي ملكية السفينة المحجوزة أن يرفع دعوي استرداد السفينة المحجوزة على كل من الحاجز والمحجوز عليه، ويقبل الحكم الصادر فيها الطعن بالاستئناف، وفقاً للقواعد العامة في منازعات التنفيذ الموضوعية.
95- ثالثاً: دعوي عدم الاعتداد بالحجز:
نظم المشرع في المادة 351 مرافعات دعوي عدم الاعتداد بالحجز، وبمقتضاها يجوز الالتجاء إلى قاضي التنفيذ في الحالات التي يكون فيها الحجز الذي وقع ظاهر البطلان، لكي يحكم دون أن يمس بالموضوع، بعدم الاعتداد به ورفع ما رتبه من آثار، ومن ثم يدفع الضرر الذي وقع فعلاً من جراء الحجز الباطل([296]).
والحكم بعدم الاعتداد بالحجز ـ بوصفه حكما صادراً في دعوي مستعجلة ـ لا تكون له حجية أمام قاضي التنفيذ عند نظره في موضوع النزاع([297]).
وتطبيقاً لما سبق، يجوز الحكم بعدم الاعتداد بالحجز، إذا كان الحجز موقعا لدين غير بحري، أو لدين انقضي بالتقادم قبل توقيع الحجز، أو بناء على طلب شخص لا صفة له، أو ضد شخص لا تظهر المستندات أنه المدين، أو وقع على سفينة يحظر القانون البحري الحجز عليها.
الفرع الثالث
رفع الحجز والدعوي الموضوعية
96- ربط استمرار الحجز بدعوي الدين:
للحصول على سند تنفيذي وتعيين مقدار الحق نظم المشرع دعوي خاصة تسمي دعوي الدين وصحة الحجز، وهي دعوي يرفعها الحاجز على المحجوز عليه بموجب أحكام المادة 65 من قانون التجارة البحرية، وذلك خلال الثمانية أيام التالية لتسليم محضر الحجز إلى الربان أو من يقوم مقامه أمام المحكمة الابتدائية التي وقع الحجز في دائرتها، فإذا لم ترفع خلال هذا الأجل عد الحجز كأن لم يكن، ووجب رفع الحجز التحفظي الموقع على السفينة.
ويشمل الحكم بصحة الحجز الأمر بالبيع وشروطه واليوم المعين لاجرائه والثمن الأساسي (م66/1 بحري)، ويجوز استئناف الحكم أيا كان مقدار الدين، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدوره، وإذا رفضت الدعوي الموضوعية تعين رفع الحجز التحفظي.
المبحث الثالث
السفينة وتحول الحجز
97- التحول وأهداف الحجز التحفظي:
تقضي الطبيعة الوقتية للحجز التحفظي بعدم استمراره بصفته تلك، إذ هو مرحلة أولية بتجميد الأموال المملوكة للمدين خشية تهريبها أو إنقاص قيمتها، حتى يتسنى للدائن أن يتحصل على سند تنفيذي يستطيع الدائن أن يوالي إجراءات مباشرة الحجز التنفيذي باتخاذ مقدمات التنفيذ.
ومع ذلك، فإن قضاء النقض المصري والدستورية العليا قد استقر على أن استعمال الحق في توقيع الحجز التحفظي على السفينة غير مرتبط بدعوي الوفاء بالحق، وأن هذا الحجز ليس له هدف سوي إيقاف السفينة إلى أن يتم الحصول على كفالة للوفاء بالدين، وهو ما يعني توقف الحجز التحفظي عند هذه المرحلة وعدم تحوله إلى حجز تنفيذي([298]).
ومن ثم فإن دراسة تحول الحجز التحفظي إلى تنفيذي تقتضي بحث مسألتين مهمتين: أولاهما تتعلق بالإجراءات اللازمة للتحول (المطلب الأول)، والثانية تتصرف إلى دراسة علاقة الحجز التحفظي بدعوي الوفاء بالحق (المطلب الثاني).
المطلب الأول
إجراءات التحول
98- قانون التجارة البحرية وإعفاء الحاجز من استيفاء مقدمات التنفيذ:
لا يتحول الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي إلا بالحصول على حكم نافذ بصحة الحجز([299])، واستيفاء مقدمات التنفيذ، وهي إعلان السند التنفيذي وهو الحكم وتكليف المدين بالوفاء وانقضاء ميعاد التنفيذ([300])، ويوجب القانون إجراء بيع المنقول خلال ثلاثة أشهر من توقيع الحجز، وإلا سقط الحجز نفسه (م375 مرافعات).
ونعتقد أن يقام المشرع في المادة 66 من قانون التجارة البحرية برصد حكم خاص ربط فيه بين السند التنفيذي وبين الأمر ببيع السفينة، بالنص على أن يشمل الحكم بصحة الحجز الأمر بالبيع وشروطه واليوم المعين لإجرائه والثمن الأساسي إنما هو أمر مؤداه إعفاء الحاجز من استيفاء مقدمات التنفيذ.
ويستفاد هذا الإعفاء أيضا من عبارات المذكرة الإيضاحية التي تقرر صراحة أن الحكم بصحة الحجز والأمر بالبيع يحول الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي، في حين أن هذا التحول لا يتم وفقا للقواعد العامة إلا باستيفاء مقدمات التنفيذ.
المطلب الثاني
الحجز ال تحفظي على السفينة ودعوي الوفاء بالحق
99- مدى ضرورة التحول :
أستقر قضاء النقض والدستورية العليا([301])، في مصر على أن استعمال الحق في توقيع الحجز التحفظي على السفينة غير مرتبط بدعوي الوفاء بالحق، وأن هذا الحجز ليس له هدف سوي إيقاف السفينة إلى أن يتم الحصول على كفالة الوفاء وصدر هذا القضاء في دعاوي كان الدين المحجوز من أجله متعلقا بالسفينة المحجوز عليها نشأ في مواجهة مستأجرها، وهذا يثار التساؤل هل يعد الحجز التحفظي على السفينة نوعا من أنواع الحجوز التحفظية المتطلبة لذاتها، وأن هدفه ليس سوي الضغط على المدين بالحق ليتم الوفاء بها وإذا كان للدائن الحق في تحول الحجز من تحفظي إلى تنفيذي، فهل سعيه إلى مباشرة الضغط على المدين بالحق بإيقاف السفينة إلى أن يتم الحصول على كفالة، دون نظر إلى دعوي الوفاء بالحق، هو سعي مشروع يحميه القانون أم لا؟
نعتقد أن للإجابة عن هذا التساؤل المهم يتعين دراسة تطور أحكام الحجز التحفظي على السفينة في ظل القانون البحري القديم وكذلك الجديد مع بحث علاقتهما بالاتفاقيات الدولية المنظمة لهذا الحجز.
100- أولاً: دعوي الوفاء بالحق في ظل القانون البحري القديم واتفاقية بروكسل:
في ظل القانون البحري القديم الصادر سنة 1883 لم يكن المشرع المصري ينظم أحكام الحجز التحفظي على السفينة، وهو ما استوجب الرجوع إلى أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية([302])، الذي يشترط ملكية المدين بالحق للمال المحجوز عليه.
وقد انضمت مصر إلى معاهدة بروكسل 1952 بشأن توحيد بعض القواعد المتعلقة بالحجز التحفظي على السفينة بمقتضي القانون رقم 135 لسنة 1955 وأجازت الاتفاقية توقيع الحجز على السفينة التي تعلق بها الدين حتى ولو كانت غير مملوكة للمدين بالحق سبب الحجز، ومن أمثلة ذلك جواز الحجز على سفينة المستأجر([303])، وأقترن هذا الحكم بقاعدتين مهمتين: أولهما: أن الاتفاقية لا تخول أي حق تتبع لا يمنحا القانون الواجب التطبيق أمام المحكمة التي عرض عليها النزاع، ولا يعد منشأ لحق في دعوي غير موجودة طبقا لهذا القانون([304])، والثانية أن قواعد المرافعات الخاصة بحجز السفينة، والمسائل العارضة التي يمكن أن تنشأ عن الحجز تخضع لقانون الدولة المتعاقدة التي توقع الحجز أو طلب في دائرتها([305]).
في ظل هذا الوضع لا يكون جائز تحول الحجز من تحفظي إلى تنفيذي، إذا أن اتفاقية بروكسل لم تنظم الحجز التنفيذي، ولم تعد الحجز التحفظي منشئا لدعوي غير موجودة في القانون الواجب التطبيق على النزاع أو لحق تتبع لا يعطيه القانون أو الاتفاقية الدولية بشأن الامتيازات والرهون البحرية، إذا كانت واجبة التطبيق، وبالرجوع لأحكام القانون المصري يتبين أنها لا تقبل تحول الحجز من تحفظي إلى تنفيذي إلا إذا كان المدين مالكا للمال محل الحجز التنفيذي، ولذلك يكون الحجز التحفظي ـ في هذه الحالة ـ متطلباً لذاته، وليس له هدف سوي إيقاف السفينة إلى أن يتم الحصول على كفالة للوفاء بالحق.
وإذا كان الدين البحري سبب الحجز يندرج في نطاق الحقوق البحرية الممتازة، فإنه ينشأ للدائن حق امتياز على السفينة وأجرة النقل الخاصة بالرحلة التي نشأ خلالها الدين وعلي ملحقات كل من السفينة وأجرة النقل المكتسبة منذ بدء الرحلة([306])، ويكون له حق تتبعها، وإذا لم يستوف دينه، يكون له الحق في أن يطلب من القضاء الترخيص له في بيع الشيء محل الامتياز أو تملكه، وفقا للأحكام الواردة في القانون المدني.
في الفرض الأخير، لا يكون الحجز التحفظي قابلا للتحول لحجز تنفيذي، على أساس أن المال محل الحجز غير مملوك للمدين، ولكن الطبيعة الخاصة للدين سبب الحجز تخول لصاحبه اقتضاء حقه جبراً ، وفقا لأحكام القانونين المدني والبحري المنظمة للامتيازات البحرية.
101- ثانياً: دعوي الوفاء بالحق في ظل القانون البحري الجديد واتفاقية جنيف 1999:
عندما صدر القانون البحري الجديد نظم في المواد من 59 إلى 66 أحكام الحجز التحفظي على السفينة، وأجازت المادتان 61 ، 62 منه الحجز على السفينة التي يتعلق بها الدين ولو كان المسئول عن الدين غير مالك لها، وأعطت تطبيقا لذلك بالحجز التحفظي على السفينة المستأجرة، ثم رصد المشرع البحري المادتين 65، 66 لأحكام دعوي الوفاء بالدين وبيع السفينة جبرا، فألزم الدائن في جميع الحالات برفع دعوي الوفاء بالدين، خلال مدة ثمانية أيام من تسليم محضر الحجز للربان، من ناحية، ودمج مرحلتي الحصول على صيغة تنفيذية وبيع السفينة جبرا في إجراء واحد تضمنته المادة 16/1 التي تقضي بأن يشمل الحكم بصحة الحجز الأمر بالبيع وشروطه واليوم المعين لإجرائه والثمن الأساسي، من ناحية أخري.
في ظل هذا الوضع الجديد يكون إجراء الحجز التحفظي في جميع صورة مرتبطاً بدعوي الوفاء بالحق، ويكون قابلا للتحول إلى حجز تنفيذي.
ويجوز للدائن البحري بدين ممتاز أن يستوفي أيضا حقه جبرا، استنادا لأحكام الامتيازات البحرية، حتى ولو كانت السفينة وموضوع الامتياز غير مملوكة للمدين، وقد حرصت المادة 40 من قانون التجارة البحرية على تقرير هذا الحكم فقض ت بأنه “تسري أحكام المواد من 29 إلى 39 من هذا القانون على السفن التي استغلها المجهز المالك أو المجهز غير المالك أو المستأجر الأصلي”.
ولم تقبل اتفاقية جنيف 1999 فكرة أن الحجز التحفظي غير قابل التحول إلى حجز تنفيذي، حرصا على تحقيق الانسجام بين أحكامها والقوانين الوطنية، وعلي توحيد الحلول في جميع الدول المتعاقدة، لذا نصت المادة 3/3 منها على أنه: “لا يجوز حجز سفينة ليست ملكا للشخص المسئول عن تبعة المطالبة، إلا إذا جاز، في قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز، إنفاذ حكم بصدد تلك المطالبة ضد تلك السفينة، عن طريق بيعها قضائياً أو جبرياً([307]).
الفصل الثالث
المسئولية والحجز التحفظي
102- مظهران للمسئولية :
تأخذ المسئولية الناشئة عن الحجز التحفظي شكلين أو مظهرين مختلفين: الأول ينشأ عن سوء استعمال الحق في توقيع الحجز التحفظي (المبحث الأول)، والثاني يتولد من الأضرار التي تلحق بالسفينة أو تلحقها السفينة بالغير أثناء مباشرة الحجز التحفظي (المبحث الثاني).
المبحث الأول
المسئولية واختيار طريق الحجز ال تحفظي
103- نوعان مرتبطان من الحماية: سابقة ولاحقة:
يؤدي الحجز التحفظي على السفينة إلى نشوء تعارض بين مصلحتين متعارضتين: الأولي تتمثل في مصلحة الدائن الذي يسعي إلى استخدام حقه في التنفيذ الجبري، بهدف حمل المدين على الوفاء، والثانية تتجسد في مصلحة المدين الذي يؤدي تعطيل حركة السفينة بعد حجزها إلى التأثير سلبا على نشاطه التجاري([308])، والي إلزامه بتعويض الشاحنين عن الأضرار التي تلحق بهم من جراء تلف البضائع أو تأخر وصولها.
وحماية لمصالح المدين الذي تتهدد استثماراته البحرية من جراء الحجز، حرصت اتفاقية جنيف 1999 على الترخيص للقاضي المختص بتوقيع الحجز باشتراط تقديم ضمان قبل إصدار الأمر بالحجز على ذمة الوفاء بالتعويضات المستحقة للمدين والناتجة من سوء استعمال الحق في الحجز لذا نصت المادة 6/1 منها على أنه “يجوز للمحكمة كشرط لحجز السفينة أو لإجازة الإبقاء على الحجز الذي سبق توقيعه أن تفرض على المطالب الذي يسعي لحجز السفينة أو الذي حصل على حجز السفينة، الالتزام بتقديم ضمان من نوع وبمقدار وبشروط تحددها تلك المحكمة، إزاء أية خسارة قد يتكبدها المدعي عليه، نتيجة للحجز، إذا تبين أن المطالب هو المسئول عنها، وهذا يشتمل ولكن لا يقتصر على الخسائر أو الأضرار التي تلحق بالمدعي عليه نتيجة: أ- حدوث الحجز تعسفيا أو دون مبرر، أو (ب) الإفراط في تقدير الضمان المطلوب والمقدم”.
ويقوم هذا الترخيص على مبدأ مؤداه أنه إذا كان للدائن الحاجز مباشرة طريق الحجز التعسفي اكتفاء بالادعاء بحق بحري دون طلب شروط أخري، فإن تحقيق التوازن بين مصالح طرفي الحجز يقتضي الترخيص للقاضي بإلزام الدائن بتقديم كفالة، وتضاف تلك الآلية لحماية مصالح المدين المحجوز عليه إلى آليات أخري تسير في الطريق نفسه، من بينها تقييد حق الحاجز في الحجز المتعدد والمتكرر، ورفع الحجز كليا أو تنظيم إدارة السفينة واستغلالها خلال مدة الحجز إذا قدم المدين ضماناً كافياً([309]).
وبينت المادة السادسة أن هذا الضمان المالي يخصص للوفاء بالتعويضات الجابرة لمسئولية الدائن الحاجز، ثم رصدت بعضا لضرر هذه المسئولية من بينها: الحجز التعسفي، الحز غير المبرر، الإفراط في تقدير الضمان المطلوب والمقدم، والضمان، هنا، يقوم بدورين مهمين: الأول: الحد من الإفراط في استعمال الحق في الحجز التحفظي، والثاني: الوفاء بقيمة التعويضات الجابرة لمسئولية الحاجز، فالحماية السابقة والمتمثلة في اشتراط تقديم ضمان ترتبط إذن بالحماية اللاحقة والمتجسدة في مبدأ تقرير التعويض عن المسئولية، فالأولي توفر الفعالية الثنائية.
وتختص محاكم الدولة التي يوقع فيها الحجز بتحديد مدى مسئولية الدائن الحاجز (م6/2 من جنيف 1999)، التي يحكمها قانون الدولة التي يوقع فيها الحجز (م6 من بروكسل 192، م6/2 من جنيف 1999).
ولم تتضمن اتفاقية بروكسل 1952([310])، وقانون التجارة البحرية المصري نصاً مقابلاً، وفي القضاء الفرنسي تميل بعض المحاكم([311])، إلى إلزام طالب الحجز بتقديم ضمان، قبل الأمر بالحجز، لأسباب عديدة، من بينها عدم وجود أموال ظاهرة للدائن في فرنسا تتيح للمدين الرجوع عليه في حالة ثبوت انحرافه عن استعمال الحق في الحجز.
104- أساس المسئولية عن الإساءة وشروطها :
علاوة على الحماية السابقة على توقيع الحجز، يتوفر للمدين حماية أخري لاحقة تتمثل في حق الرجوع على الدائن بالتعويضات الجابرة لمسئوليته عن إساءة استعمال الحجز التحفظي، وهنا يثار التساؤل عن أساس هذا الرجوع وشروطه في مجال الحجز على السفينة.
يخلو القانون المدني الفرنسي الصادر عام 1804 من نصوص منظمة لنظرية التعسف في استعمال الحق، غير أن القضاء الفرنسي وأمام الحاجة العملية ابتدع نظرية التعسف في استعمال الحق، مستندا في ذلك إلى المادتين 1382 ، 1383 المتعلقتين بالمسئولية عن الخطأ أو التقصير أو الإهمال، ويتضمن قانون المرافعات الفرنسي العديد من التطبيقات الخاصة بنظرية التعسف في استعمال الحق، من بينها م22 من القانون رقم 650 لسنة 1991 الصادر في 9 يوليه 1991 التي تقضي بحق الدائن في اختيار إجراءات التنفيذ التي يراها مناسبة لحصوله على حقه أو حفظه أو حمايته، شرطية ألا تتجاوز ما هو ضروري للوصول إلى الوفاء بالالتزام، ويكون لقاضي التنفيذ سلطة الأمر برفع أي إجراء تعسفي أو غير مجد والحكم على الدائن بالتعويضات في حالة سوء استخدامه الحق في الحجز.
وفي مصر تقرر المادة الرابعة من القانون المدني المصري أن من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسئولا عما ينشأ عن ذلك من ضرر، وتقضي المادة الخامسة بأنه يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال التالية إذا لم يقصد به سوي الأضرار بالغير (ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها (ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.
ويجري الفقه([312])، والقضاء([313])، في مصر على اعتبار نظرية إساءة استعمال الحق من المبادئ الأساسية التي تنظم جميع نواحي القانون الموضوعي أو الإجرائي، وتجيز المادة الثالثة من قانون المرافعات للمحكمة عند الحكم بعدم قبول الدعوي لانتفاء شرط المصلحة أن تحكم على المدعي بغرامة لا تزيد قيمتها على خمسمائة جنية، إذا تبينت أن المدعي قد أساء استعمال حقه في التقاضي وتقضي المادة 188 مرافعات يجوز الحكم بالتعويضات مقابل النفقات الناشئة عن دعوي أو دفاع قصد بهما الكيد، وكذلك الحكم بالغرامة على الخصم الذي يتخذ إجراء أو يبدي طلباً أو دفاعاً بسوء نية.
وإذا كان للمضرور من إجراء الحجز التحفظي التعسفي أن يطلب التعويض عن الإجراءات التعسفية، وفقا لقواعد القانون المدني وقانون المرافعات، فإن التساؤل يكون مطروحا حول عناصر المسئولية عن سوء، استعمل الحق الإجرائي في هذه الحالة.
يذهب الرأي المعتمد أن عناصر المسئولية عن التعسف في استعمال الحق الإجرائي تتمثل في الانحراف عن الغاية المشروعة للحق الإجرائي، ورجحان الأضرار على مصلحة صاحب الحق، وعلاقة السببية بينهما، ويتحقق الانحراف عن الغاية المشروعة للحق في العديد من الصور والأشكال، من بينها: استعمال الحق الإجرائي مع انعدام المصلحة في الاستعمال، أو استعماله بيئة الأضرار بالغير أو استعماله على خلاف ما هو مقدر له، لتحقيق مصلحة غير مشروعة أو مصلحة لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر([314]).
وقضت محكمة استئناف (pau) بمسئولية الدائن الحاجز لتعسفه في استعمال الحق في الحجز التحفظي على سفينة لا تخص مدينة، وقررت أن الدائن الحاجز لا يجوز له أن يحتج بحسن نيته والمتمثل في الجهل باسم مالك السفينة، إذا كان يمكنه بقدر بسيط من العناية أن يعمل إلى اسم مالك السفينة المحجوزة([315]).
وفي دعوي أخري رفضت محكمة الاستئناف العليا بالكويت انعقاد مسئولية الدائن الحاجز، لقيامه بإجراء الحجز التحفظي على غير سفينة المدين إذ كان لديه عند توقيع الحجز ما يكفي للاعتقاد بأن السفينة المحجوز عليها ما زالت على ملك المدين المحجوز عليه، ولم تنتقل ملكيتها للغير، وهو ما يجد صداه في كون التوكيل الملاحي للبائعة والمشترية للسفينة المحجوز عليها واحداً، وفي أن البيع قد انعقد في وقت معاصر لصدور الأحكام المنفذ بها([316]).
وفي إحدى الدعاوي قضت محكمة استئناف (aix – en – provence) بمسئولية الدائن الحاجز، لقيامة بحجز سفينة محملة بالركاب والسيارات تستعد لرحيل في نهاية يوم عمل يعقبه عطلة أسبوعية، وهو يوم الجمعة، دون ضرورة، في الوقت الذي يملك فيه المدين المحجوز علية سفينة أخري ترسو في الميناء نفسه([317]).
وقضت محكمة النقض الفرنسية بمسئولية الدائن الحاجز الذي وقع حجزا على سفينة وفاء لحق تقل قيمته بكثير عن قيمة السفينة، وطلب نظير الموافقة على رفع الحجز وديا سداد المدين مبلغ باهظاً لا يتناسب البتة مع قيمة الحق([318])، ونعتقد أن السفن المحجوزة تكون دائما مرتفعة القيمة، مقارنة بالديون البحرية التي تكون أقل منها بكثير، لذا فإن اشتراط التناسب بين قيمة الحق وقيمة المال المحجوز أمر يتعين بحثه، في ضوء الطبيعة الخاصة للحجز التحفظي على السفينة، لاسيما أن الدائن الحاجز لا يجد أمامه غالبا من أموال المدين الأجنبي غير سفينته التي توشك أن ترحل، وقد لا تعود مرة أخرى.
المبحث الثاني
المسئولية ومباشرة طريق الحجز التحفظي
105- ضرر السفينة والضرر من السفينة :
إذا أصاب السفينة ضرر أو هلاك أو تسببت في ضرر للغير، دون أن يكون ذلك راجعاً إلى خطأ من حارسها، فإن التساؤل يكون مطروحاً حول تحديد الشخص المسئول عن ذلك.
ويذهب الفقه والقضاء إلى أن سلطات الميناء لا تنعقد مسئوليتها عن الأضرار التي تلحق بالسفينة، أثناء فترة حجزها، إذ لا يدخل في اختصاصها الاضطلاع بحراسة السفينة([319])، وأن حارس السفينة يكون مسئولا عن الأضرار الحاصلة لها من جراء إهماله في القيام بالتزاماته، وهو ما أدي إلى فقد السفينة، فلا يمكن نسبة هذا الالتزام للمدين المحجوز عليه الذي سلبت منه الحيازة([320]).
وأن تعيين حارس للسفينة لا يعفي الدائن الحاجز من واجبة في إعطاء تعليمات للحارس، لتجنب حصول الأضرار، وفي الاضطلاع بنفسه بالإجراءات اللازمة لحماية السفينة المحجوز عليها وصيانتها([321])، وأن المدين المحجوز عليه يكون مسئولا عن الحفاظ على المال المحجوز عليه، إذا لم يعين حارساً عليه([322]).
خاتمة
106- مظاهر تجديد أحكام الحجز التحفظي في اتفاقية جنيف 1999:
بعد مضي ما يقرب من الخمسين عاماً على توقيع اتفاقية بروكسل 1952 أدركت الجماعة الدولية أهمية وضع اتفاقية دولية جديدة تواكب التطورات والمستجدات التي صاحبت نشاط النقل البحري، وتلعب دوراً في تيسير النقل البحري والتجارة العالمية”.
ووفقا لهذا الغرض، أقر المؤتمر المنعقد في قصر الأمم بجنيف في 12 مارس 1999 اتفاقية دولية جديدة في مجال حجز السفينة تحمل العديد من مظاهر التجديد والتحديث للقواعد المنظمة للحجز التحفظي، ومن بينها الأحكام التالية:
107- أ– اتساع نطاق تسمية الدين سبب الحجز :
تبنت اتفاقية جنيف 1999 القاعدة نفسها الواردة في اتفاقية بروكسل 1952 بسرد الحالات التي يجوز الاستناد إليها لطلب الحجز على سبيل الحصر، إلا أنها أضافت حالات جديدة لم ترد في اتفاقية 1952 ومن بينها المطالبات البحرية الناشئة عن أقساط التأمين (م1/1-ف) وعمولات ومصاريف الوساطة والوطالة (م1–1–ص)، والنزاع المتولد من عقد بيع السفينة (م1–1ت)، والأضرار التي تلحقها السفينة بالبيئة أ, الشريط الساحلي أ, المصالح المتصلة بهما( م1-1-د).
وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية الجديدة لجأت إلى تحديد المقصود بالدين سبب الحجز في بعض الحالات المشتركة بينها وبين اتفاقية بروكسل 1952، الأمر الذي ترتب عليه اتباع نطاق تطبيق الاتفاقية الجديدة.
وتدليلاً على ذلك، فإننا لو طالعنا المادة الأولي من اتفاقية بروكسل 1952 يبين لنا أنها قد أوردت ضمن أسباب الحجز حالتين جاء النص عليهما بعبارة قصيرة ومقتضية هما: مصاريف المساعدة والإنقاذ (م1/1-ج) وأجور الربان والضباط وأفراد الطاقم (م1/1-م)، في حين أن اتفاق جنيف عرضت لهاتين الحالتين على نحو أكثر تفصيلاً وتوضيحاً، فقررت أن من بين أسباب الحجز التحفظي: عمليات الإنقاذ أو أي إنقاذ بما في ذلك، عند الانطباق التعويض الخاص المتصل بعمليات إنقاذ لسفينة كانت تمثل هي نفسها أو بضاعتها ضررا محدقا بالبيئة (م1-1-1ج)، والأجور وغيرها من المبالغ المستحقة لربان السفينة وضباطها، وسائر العاملين عليها بمناسبة عملهم على متنها، بما في ذلك نفقات العودة إلى الوطن، واشتراكات التأمين الاجتماعية المستحقة الدفع عنهم([323]).
108- ب– تطبيق أحكام الاتفاقية دون النظر إلى علم السفينة:
تعتمد اتفاقية بروكسل 1952 في تحديد نطاق تطبيقها والقواعد المنظمة للحجز على العلم الذي ترفعه السفينة، وهل يخص دولة متعاقدة أم دولية غير متعاقدة، لذا نصت المادة الثانية على أن ” 1- تسري أحكام هذه الاتفاقية في جميع الدول المتعاقدة على كل سفينة تحمل علم احدي الدول المتعاقدة، 2- ويجوز توقيع الحجز على أية سفينة تحمل علم دولة غير متعاقدة في دولة متعاقدة بسبب أحد الديون المبينة بالمادة الأولي أو سبب أي دين آخر يجيز توقيع الحجز وفقا لقانون هذه الدولة”. أما اتفاقية جنيف 1999 فقد أخضعت كل السفن لأحكام الاتفاقية بغض النظر عن العلم الذي ترفعه، ودون تفرقة بين الديون سبب الحجز الواردة في الاتفاقية أو في القانون الداخلي، إذا كانت وقعة في نطاق الاختصاص لدولة متعاقدة([324]).
109- وقت إبداء التحفظات ومضمونها:
قيدت اتفاقية بروكسل 1952 الحق في إبداء التحفظ بميعاد معين هو: لحظة توقيع الاتفاقية أو إيداع وثائق التصديق عليها أو الانضمام إليها (م1 من بروكسل)، أما اتفاقية جنيف فقد حررت هذا الحق من قيوده فأجازت إبداء التحفظ عند توقيع الاتفاقية أو التصديق عليها أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها أو في أي وقت لاحق.
وتتعلق اتفاقية بروكسل 1952 بطائفتين من التحفظات: الأولي: هي حق الدولة في تطبيق قانونها الوطني بدلاً من الاتفاقية على الحجز الذي يوقع على السفينة بسبب الديون أو الحقوق الناشئة عن المنازعة في ملكية السفينة أو المنازعة الخاصة بالملكية المشتركة للسفينة أو بحيازتها أو باستغلالها أو بالحقوق الناشئة عما يتحصل من استغلال السفينة، الثانية: هي حق الدولة في عدم تطبيق حكم الفقرة الأولي من المادة الثالثة من الاتفاقية المتعلقة بعدم جواز توقيع الحجز إلا على السفينة التي يتعلق بها الدين دون أية سفينة أخري يملكها المدين وقت نشأة الدين وذلك على الحجز الذي يقع في إقليمها إذا كان الدين الذي يحجز من أجله مضمونا برهن بحري (م10 من الاتفاقية).
وتنصرف التحفظات في اتفاقية جنيف 1999 إلى ثلاثة أنواع يجوز للدولة المتعاقدة استنادا إلى إحداها إبداء التحفظ بعدم تطبيق أحكام الاتفاقية، واستبعادها من نطاق الحجز وهي: أولاً: السفن التي لا تعمل في البحار، ثانياً: السفن التي ترفع علم دولة طرف، ثالثاً: المطالبات التي تتعلق بالمنازعات حول ملكية السفينة أو حيازتها (م10/1 من جنيف 1999).
وتضيف اتفاقية جنيف 1999 إلى التحفظات نوعاً رابعاً لا ينصب حول استبعاد الاتفاقية من نطاق التطبيق بل وقوعها في مرتبة تالية للاتفاقيات الدولية المعنية بشأن الملاحة في المجاري المائية، وذلك عند تطبيق القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي والاعتراف بقرارات المحاكم وتنفيذها (م10/2 من جنيف 1999) ([325]).
110- د– شروط الحجز التحفظي وفكرة تحول الحجز:
لم تقبل اتفاقية جنيف 1999 فكرة الحجز التحفظي غير قابل للتحول إلى حجز تنفيذي حرصا على تحقيق الانسجام بين أحكامها والقوانين الوطنية، وعلي توحيد الحلو في جميع الدول المتعاقدة، لذا نصت المادة 3/3 منها على أنه: “لا يجوز حجز سفينة ليست ملكا للشخص المسئول عن تبعة المطالبة، إلا إذا جاز، في قانون الدولة التي طلب فيها توقيع الحجز، إنفاذ حجكم بصدد تلك المطالبة ضد تلك السفينة عن طريق بيعها قضائياً أو جبرياً([326]).
111- هـ– اختصاص محكمة محل الحجز بنظر الدعوي الموضوعية:
استندت اتفاقية بروكسل 1952 في المادة 7/1 معياراً مزدوجاً لتحديد الاختصاص بنظر الدعوي الموضوعية، فلا تكون محاكم دولة محل الحجز مختصة إلا إذا كان ذلك الاختصاص منعقدا لها بمقتضي قوانينها الداخلية أو إذا وجدت حالات أخرى معينة تتوافر فيها علاقة بين محل الحجز والدين سبب الحجز.
أما معاهدة جنيف 1999 فقد وضعت مبدأ عاما بمقتضاه ينعقد الاختصاص لمحكمة محل الحجز، دون حاجة لنص في القانون الداخلي يقبل هذا الاختصاص، وبصرف النظر عن الارتباط بين الدين سبب الحق محل الحجز (م7/1 من جنيف 1999) ([327]).
112- و– سلطة القضاء في ربط إصدار الأمر بتقديم ضمان :
حماية لمصالح المدين الذي تتهدد استثماراته البحرية من جراء الحجز، حرصت اتفاقية جنيف 1999 على الترخيص للقاضي المختص بتوقيع الحجز باشتراط تقديم ضمان قبل إصدار الأمر بالحجز على ذمة الوفاء بالتعويضات المستحقة للمدين والناتجة من سوء استعمال الحق في الحجز([328]).
مراجع البحث
أولاً
المراجع باللغة العربية
- أحمد إبراهيم عبد التواب، النظرية العامة للتعسف في استعمال الحق الإجرائي، دراسة تأصيلية مقارنة، دار النهضة العربية، 2006.
- أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، منشأة المعارف.
- أحمد أبو الوفا، إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، منشأة المعارف.
- بهجت عبد الله قايد، الحجز التحفظي على السفن (دراسة مقارنة)، مركز البحوث بكلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، 1988.
- حفيظة الحداد، الحجز التحفظي على السفينة، دراسة مقارنة لأحكام معاهدة بروكسل 1952 ومشروع المعاهدة الدولية بشأن الحجز على السفينة الموقعة في 12 مارس 1999 وقانون التجارة البحرية المصري الجديد، بحث مقدم للمؤتمر الدولي الأول للقانون البحري والقانون الجوي المصري والمقارن، 2000.
- حفيظة السيد الحداد، مدى اختصاص القضاء الوطني باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية في المنازعات الخاصة الدولية المتفق بشأنها على التحكيم، دار الفكر الجامعي، 1996.
- عزمي عبد الفتاح، قواعد التنفيذ الجبري في قانون المرافعات، دار الفكر العربي، 1989 – 1990
- عز الدين الناصوري وحامد عكاز، التعليق على قانون المرافعات الجزء الثاني، الطبعة الثانية عشر.
- على جمال الدين عوض، القانون البحري، دار النهضة العربية، 1987.
- فاطمة صلاح الدين رياض يوسف، دور القضاء في خصومة التحكيم، دار النهضة العربية، 2010.
- فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف 2006.
- فتحي والي، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة العربية 1995.
- فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية 2001.
- رفعت فخري، الوجيز في قانون التجارة البحرية المصري الجديد،1998.
- رفعت فخري، في تحديد مسئولية مالك السفينة، دراسات في القانون البحري والجوي، الدار الجامعية بيروت، 1992، ص83.
- زكي زكي العشماوي، القانون البحري، الجزء الأول ـ السفينة، دار النهضة العربية، 1989.
- محمد فريد العريني، القانون الجوي، النقل الجوي الداخلي والدولي ـ دار المطبوعات الجامعية، 2001.
- محمد عبد الخالق عمر، مبادئ التنفيذ، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة 1978.
- محمد على راتب ـ محمد نصر الدين كامل ـ محمد فاروق راتب، قاضي الأمور المستعجلة، عالم الكتب، الطبعة السابعة، 1985.
- محمود مختار بريري، التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1999.
- محمود مختار بريري، قانون التجارة البحرية، دار النهضة العربية، 1999.
- محمود مصطفي يونس، النظام القانوني للحجز التحفظي القضائي، دار النهضة العربية، 1993.
- محمود الشرقاوي، القانون البحري، دار النهضة العربية، 2008
- مصطفي الجمال وعكاشة عبد العال، التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والداخلية، الطبعة الأولي 1998.
- مصطفي كمال طه، القانون البحري الجديد، دار الجامعة الجديدة للنشر، 1995.
ثانياً: المراجع باللغة الأجنبية:
26- Achard (R.), note sous trib. Com. Saint-Nazaire 25 nov. 1988, DMF 1992, P. 257.
27- Achard (R.), note sous CA Rouen 16 juin 1988, DMF 1988, P. 304.
28- Achard (R.), obs. Sous cass. Com. 22 fev. 1983, DMF 1984, P. 333.
29- Arnaud (A.), note sous T. com. Marseille 16 nov. 1990,, DMF 1992, P. 129.
30- Audit (B.), note sous cass. Civ. 18 nov. 1986, Rev. crit. DIP. 1987, P. 760.
31 – Berlingieri (F.), Arrest of ships, Lioyd’s of London Press, 1992.
32- Berlinghieri (F.), Analyse de la convention du 12 Mars 1999 sur la saise conservatoire des iiavires, DMF, 1999, P. 403.
33- Bonassies (P.), Le droit positif en 1987, DMF 1988, P. 77.
34- Bonassies (P.), Le droit positif en 1995, DMF, 1996, (hors serie).
35- Bonassies (P.), Le droit positif en 1997, DMF, 1998, (hors serie).
36- Bonassies (P.), Le droit positif en 2000, DMF, 2001, (hors serie).
37- Bonassies (P.), Le droit positif en 1998, DMF, 1999, (hors serie).
38- Bonassies (P.), Le droit positif en 1999, DMF, 2000, (hors serie).
39- Bonassies (P.), note sous CA Aix-en-Provence 18 mars 1983, DMF 1984, P. 608.
40- Bonassies (P.), note sous CA Aix-en-Provence 18 mars 1983, DMF 1984, P. 608.
41- Bonassies (P.), obs. sous. CA Rouen 16 juin 1988, DMF 1988, P. 304.
42- Bonassies (P.), obs. sous cass, com. 12 fev, 1991, DMF 1991,315, 1992,84.
43- Bonassies (P.), obs. sous CA Aix-en-Provence 6 dec. 1985, DMF 1998, P. 47.
44- Bonassies (P.), note sous CA Aix-en-Provence 28 fev, 1996, DMF 1987, P. 34.
45- Bonassies (P.), obs. sous cass, com. 3 fev, 1991, DMF 1998, P.260.
46- Bonassies (P.), note sous CA Douai 24 sep, 1998, DMF 1988,1049.
“47- Corbier (I.), note sous CA Rennes 15 janv, 1997, DMF
1997,584. 48- Delebecque (ph.) obs. sous CA Aix-en-Provence 22 mai 1997, DMF 1998, P. 692.
49- Gauthier (G.), note sous CA Douai 12 sep. 1996, DMF
1997, P. 36.
50- Grellois (C), note sous conseil d’Etat 20 janv. 1989, D. 1989,619.
51- Guerin (M), obs. Sous CA Montpellier 19 mars 1992, BTL 1992, P. 671.
52- Jarosson (ch.) et Remond-Gouillaud (M.), note sous cass. Civ. 18nov. 1986, DMF 1987, P. 697.
53- Lequette (Y.), note sous sous cass. Civ. 17 janv. 1995, Rev. crit. DIP 1996, 133.
54- Molfessis (N), obs. sous cass. Com. 22 juin 1999, DMF 2000,719.
55- Marchand (M.), note sous CA Montpellier 19 oct. 1978, DMF 1979, P. 337.
56- Marguet (B.), note sous CA Rouen 15 avril 1982, DMF 1982, P. 744.
57- Menjucaq (M.), note sous cass. com. 22 juin 1999, jcp 2000, II 10266.
58- Mercadal (B.), obs. sous cass. com. 23 nov. 1999, D. 2000, somme. 269.
59- Mercadal (B.), obs. sous cass. com. 23 nov. 1999, DMF. 2000,719.
60- Mousse (T.), obs. sous cass. com. 14 oct. 1994, Gaz. Pal.
1998, P. 142.
61- Muir-watt (H.)5 note sous cass, civ. 17 janv 1995. jcp 1995. 11,22430.
62- Muir-watt (H.), note sous cass, civ. 18 nov. 1986, Rev. crit. DIP. 1986, P. 773.
63- Navarre-Laroche (C), La saisie conservatoire des navires, these, Bordeaux 4, 1999.
64- Ndende (M.), La problematique de la saisie des aoutes: La restouration de L’autorite du droit maritime, DMF 1998, P. 771.
65- Perrot (R.), obs. sous cass. com. 14 oct, 1997, RTD. civ. 1988,483.
66- Perrot (R.), obs. sous cass. com. 14 oct, 1997, RTD. civ. 1998,483.
67- Pestel-Debord (P.), obs. Sous CA Aix-en-Provecne 15 fev. 1986, DMF 1987, 164.
68- Pontavice (Emmanuel du), Le statut des naviroes, Litec, 1976.
69- Pontavice (E.) et Cordier (P.), Navire et autres bailments de merjur. class. Com, Fasc. 1045, 1984.
70- Recine (j.-B.), Navire (saisie et vente publique), Rep, Com. Dalloz, sep. 2001.
71- Remery (j,-P.), rapp. Cass. Com. 14 oct. 1997, DMF 1998, P. 24.
72- Remond-Gauilloud (M.), “L’emanations Maritime” ou comment faire ceder 1’ecran de la personnalite morale d’un armementd’Etat, DMF 1986,333.
73- Remond-Gauilloud (M.)3 obs. Sous cass. Com. 9 mai 1990, D. 19990, somm. 271.
74- Rodiere (R.) et Pontavice (E.), Droit maritime, Dalloz, 1996.
.75- Rossi (A.), La nature d?une saisie conservatoire de navire, these, Parix 1,2004. la saisie conservatoire des navires, imatique de la saisie des aoutes: La
76- Tantin (G), note sous CA Rennes 23 sep. 1992, DMF, 1995, P. 30.
77- Tassel (Y.), note sous cass. Com. 15 nov. 1994, DMF 1995, 135.
78- Tassel (Y.), obs. sous CA Aix-en-Provence 6 d^cembre 1995, DMF 1997, P. 591.
79- Tassel (Y.), obs. sous CA Aix-en-Provence 28 fev. 1996, DMF 1997, P. 594.
80- Tassel (Y.), obs. sous CA Aix 14 nov. 1996, DMF 1997,608. 81 – Tassel (Y.), obs. sous com. 27 oct. 1998, DMF 1999, 51.
82- Tassel (Y.), saisie conservatoire du navire, juris-classeurs, commercial, Fasc. 1128, 1993.
83- Thery (P.), note sous. com. 14 oct. 1994, Rev. arb. 1998, 369.
84- Vialard (A.), La saisie conservatoire du navire pour dette de a temps. DMF 1995, P. 582.
85- I’al Tresseur Vialard (A.), Les insaisissables: fant-il faire une croix sure la bannière étranger? DMF 1993, 28.
86- Vialard (A.), Droit maritime, PUF, 1997.
87- Vialard (A.), La saisie des navires: La jurisprudence Actuelle et la future Convention, Rev. de droit commercial, Maritime, Aérien et des transports, 1997, P. 103.
88- Vialard (A.), Le projet de convention sur la saisie conservatoire de navires, DMF 1997, P. 563.
89- Vialard (A.), note sous cass. Com. 5 janv. 199, DMF 1999, 160.
90- Vialard (A.), obs. sous cass. Com. 21 janv. 1997, DMF 1997,612.
بيان بمحتويات البحث
| الموضوع | رقم الصفحة |
| – مقدمة ………………………………………………… | 201 |
| – التعريف بالحجز التحفظي ……………………………….. | 201 |
| – أهمية الحجز التحفظي ……………………………………. | 202 |
| – ثنائية مصادر التنظيم القانوني للحجز التحفظي على السفينة ……. | 208 |
| – موضوع البحث: التطورات الحديثة في الحجز التحفظي على السفينة | 210 |
| – تقسيم | 211 |
| الباب الأولالتطورات الحديثة ونطاق الحجز التحفظي على السفينة | 213 |
| الفصل الأول: النطاق والسفينة محل الحجز ……………….. | 217 |
| المبحث الأول: أوصاف السفينة والنطاق الايجابي للحجز ………… | 217 |
| المطلب الأول: أوصاف السفينة والنطاق الايجابي للحجز ………… | 217 |
| المطلب الثاني: أوصاف السفينة والنطاق الايجابي للحجز …………. | 224 |
| المبحث الثاني: النطاق وعلم السفينة ………………………….. | 226 |
| المطلب الأول: النطاق والسفن التي ترفع علم دولة متعاقدة …….. | 227 |
| المطلب الثاني: النطاق والسفن التي لا ترفع علم دولة متعاقدة …….. | 234 |
| الفصل الثاني: النطاق والدين سبب الحجز …………………….. | 239 |
| المبحث الأول: النطاق الايجابي للدين سبب الحجز ……………… | 239 |
| المطلب الأول: النطاق وتسمية الدين ………………………… | 240 |
| الفرع الأول: تسمية الدين في اتفاقية بروكسل ………………… | 240 |
| الفرع الثاني: تسمية الدين في معاهدة 1999 …………………. | 244 |
| المطلب الثاني: النطاق وأوصاف الدين ………………………. | 247 |
| الفرع الأول: أوصاف الدين في قانون المرافعات ……………… | 247 |
| الفرع الثاني: أوصاف الدين في القانون البحري ………………. | 251 |
| المبحث الثاني: النطاق السلبي للدين سبب الحجز ………………. | 254 |
| المطلب الأول: استعمال الحق في التحفظ ……………………… | 254 |
| المطلب الثاني: عدم جواز تكرار الحجز وتعدده ………………… | 257 |
| الفصل الثاني: النطاق والرابطة بين المحل والسبب ……………….. | 261 |
| المبحث الأول: الحجز التحفظي في إطار مبدأ شخصية الالتزام ……. | 263 |
| المطلب الأول: مظاهر مبدأ الشخصية ………………………… | 263 |
| المطلب الثاني: نطاق مبدأ الشخصية ………………………….. | 266 |
| المبحث الثاني: الحجز التحفظي في إطار مبدأ عينية الالتزام ……….. | 270 |
| المطلب الأول: حجز السفينة المستأجرة ………………………. | 270 |
| المطلب الثاني: حجز السفينة بعد بيعها ……………………….. | 277 |
| الباب الثانيالتطورات الحديثة وآليات الحجز التحفظي على السفينة | 281 |
| الفصل الأول: الآليات وتوقيع الحجز …………………………. | 285 |
| المبحث الأول: توقيع الحجز بين التحكيم والقضاء …………….. | 285 |
| المطلب الأول: شروط التحكيم واختصاص قضاء الدولة بالحجز ….. | 286 |
| المطلب الثاني: توقيع واستبعاد الاختصاص …………………….. | 291 |
| المبحث الثاني: توقيع الحجز والنظام الإجرائي …………………… | 293 |
| المطلب الأول: الاختصاص القضائي بتوقيع الحجز ……………… | 295 |
| المطلب الثاني: النظام القانوني لأمر الحجز …………………….. | 300 |
| المبحث الثالث: توقيع الحجز والدعوي الموضوعية ……………… | 302 |
| المطلب الأول: التعريف بالدعوي الموضوعية …………………… | 302 |
| المطلب الثاني: الاختصاص بنظر الدعوي الموضوعية …………….. | 304 |
| المطلب الثالث: النظام القانون للدعوي الموضوعية ……………… | 310 |
| الفصل الثاني: المركز القانوني للسفينة المحجوزة | 314 |
| المبحث الأول: السفينة وتوقيع الحجز | 314 |
| المطلب الأول: نشأة الحجز التحفظي | 314 |
| المطلب الثاني: خضوع السفينة محل الحجز لنظام قانوني خاص | 316 |
| المبحث الثاني: السفينة ورفع الحجز | 319 |
| المطلب الأول: رفع الحجز تقديم الضمان المالي | 319 |
| المطلب الثاني: رفع الحجز والمنازعة القضائية | 326 |
| الفرع الأول: رفع الحجز والتظلم من الأمر الصادر على عريضة | 326 |
| الفرع الثاني: رفع الحجز ومنازعة التنفيذ | 328 |
| الفرع الثالث: رفع الحجز والدعوي الموضوعية | 332 |
| المبحث الثالث: السفينة وتحول الحجز ……………………….. | 333 |
| المطلب الأول: إجراءات التحول | 333 |
| المطلب الثاني: الحجز التحفظي على السفينة ودعوى الوفاء بالحق …. | 334 |
| الفصل الثالث: المسئولية والحجز التحفظي ……………………. | 339 |
| المبحث الأول: المسئولية واختيار طريق الحجز التحفظي …………. | 339 |
| المبحث الثاني: المسئولية ومباشرة طريق الحجز التحفظي …………. | 344 |
| خاتمة | 346 |
| مراجع البحث | 351 |
| المحتويات | 358 |
[1] عزمي عبد الفتاح، قواعد التنفيذ الجبري في قانون المرافعات، دار الفكر العربي، 1989 – 1990، ص386.
[2] ويري الفقه عدم وجود خلاف في الطبيعة بين الحجز التنفيذي والحجز التحفظي، غذ أن آثارهما واحدها وهدفهما واحد: فكلاهما يترتب عليه تحديد أموال المدين والمحافظة عليها ومنع المدين من التصرف فيها، إضرارا بالدائن، وكلاهما يهدف إلى تمكين الدائن في الوقت المناسب من الحصول على حقه، والفارق الحقيقي بين الحجز التنفيذي والحجز التحفظي أن الأول يستند إلى دعوي تنفيذية والثاني إلى دعوي وقائية، أنظر مؤلف محمد عبد الخالق عمر، مبادئ التنفيذ، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، 1978، ص215.
وإن كلا النوعين من الحجز يرمي مباشرة إلى تقييد سلطة المدين على مال معي، حسابه لحق الحاجز، وإنما يختلفان في أن للحجز التنفيذي وظيفة أخري يرمي إليها مباشرة هي نزع ملكية الأموال المحجوزة، لكي يقتضي الحاجز حقه منها أو من ثمنها.
راجع فتحي والي، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، 1995، ص279.
وأنظر في التفرقة بين الحجز التحفظي والحجر التنفيذي.
Rossi (a.), La Nature D’une Saisie Conservatoire De Navire, these, Paris 1, 2004, p. 1 – 2.
[3] فتحي والي، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، المرجع السابق، ص178.
[4] محمود مصطفي يونس، النظام القانوني للحجز التحفظي القضائي، دار النهضة العربية،1993، ص21.
[5] فتحي والي، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، المرجع السابق، ص178 – 179.
[6] Rossi (A.), la nature d’une saisie conservatoire de navire, op. Cit, p. 2ets.
[7] عزمي عبد الفتاح، قواعد التنفيذ الجبري في قانون المرافعات، المرجع السابق، ص389.
[8] Rossi (A.), la nature d’une saisie conservatoire de navire, op. cit., p.3-4
Racine (j. – B.), navire (saisie et vented publique), Rep. Com. Dalloz, sep. 2001, no 115.
[9] رفعت فخري، الوجيز في قانون التجارة البحرية المصري الجديد، 1998، ص 163 – 164.
[10](2) Racine (j. – B.), navire (saisie et vente publique), op. it., no 4.
[11](1) vialard (A.) droit maritime, PUF, 1997 no 276: rodiere (R.) et Du pontavice (E.), droit maritime, dalloz, 1996 no 31, p.40.
[12] رفعت فخري، الوجيز في قانون التجارة البحرية المصري الجديد، 1998، ص79.
[13](1) Rossi (A.), la nature d’une saisie conservatoire de navire, op. cit.,p.6 -7
[14] محمود مختار بربري، قانون التجارة البحرية، دار النهضة العربية، 1999، ص 158.
[15](3) Rossi (A.), op. Cit., p.7
[16](4) Rossi (A.), op. Cit., p.7.
[17] محمود مختار بربري، قانون التجارة البحرية، المرجع السابق، ص158.
[18] ورد في المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التجارة البحرية ما نصه: ” وحرصا على انتظام الملاحة البحرية أجازت المادة 63 لرئيس المحكمة أو من يقوم مقامه أن يأمر برفع الحجز التحفظي إذا قدم المدين ضماناً ـ شخصياً أو عينياً ـ كافيا للوفاء بالدين، ويستثني من ذلك إذا كان الدين الذي يوقع الحجز بمقتضاه متعلقا بمنازعة في ملكية السفينة أو بمنازعة تدور حول ملكيتها على الشيوع، غذ لا يجوز في هذين الفرضين الأمر برفع الحجز، لأن المنازعة تهدد الاستثمار ذاته وتفوض تبعا لذلك علة رفع الحجز، ومع ذلك ظل المشروع حريصا حتى في هذين الفرضين على انتظام الاستثمار فرخص لرئيس المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامه في أن يأذن لحائز السفينة بالاستمرار في استثمارها مع تقديم ضمان أو في أن ينظم إداراتها خلال مدة الحجز بالكيفية التي يراها مناسبة”.
[19] ورد في المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التجارة البحرية ما نصه :” حددت المادة 65 ميعاداً ضيقا( ثمانية أيام من يوم تسليم محضر الحجز إلى الربان)، لإقامة دعوي صحة الحجز، وذلك لكيلا يظل وضع السفينة قلقاً لفترة طويلة.
[20] مصطفي كمال طه، القانون البحري الجديد، دار الجامعة الجديدة للنشر، 1995، ص23.
[21] د. على جمال الدين عوض، القانون البحري، دار النهضة العربية، 1987، ص629، مصطفي كمال طه، القانون البحري الجديد، دار الجامعة الجديد للنشر، 1995، ص105.
ويلاحظ أن المادة 8/3 تنص على أنه لكل دولة متعاقدة أن ترفض منح كل مزايا هذه الاتفاقية أو بعض مزاياها لدولة غير متعاقدة أو لأي شخص ليس له يوم الحجز محل إقامة معتاد أو مركز رئيسي في احدي الدول المتعاقدة
[22] نقض 18 مايو 1999، مجموعة المكتب الفني، س50، ق136، ص683، عزمي عبد الفتاح، قواعد التقنين الجبري في قانون المرافعات، دار الفكر العربي، 1989 – 1990، ص391.
وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية وجوب الرجوع إلى الأحكام العامة في الحجز في قانون المرافعات، في حالة خلو النصوص والقوانين الخاصة من تنظيم للمسألة محل البحث:
Cass. Com. 14 oct. 1997, bull. Civ. Iv., no 259, DMF 1998. 24, rapp. J. – p. remery: rev arb 1998. 369. note thery (p.): RTD civ. 1998, 483, obs. Perror (R.), bonassies (p.), le droit positif en 1998, DMF 1999 (hors serie). No 56.
[23] انظر تقرير المؤتمر الدبلوماسي المشترك بين الأم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية بشأن حجز السفن المعقود في قصر الأمم في الفترة من 1 إلى 12 مارس 1999.
[24] أنظر التقرير الدبلوماسي سالف الإشارة إليه.
[25] انظر في اتفاقية 1999:
Vialard (Antoine), la saisie des navies: la jurisprudence actually et la future convention, revue de droit commercial, maritime, aerien et des transports, 1997, p. 103 et s.,: le projet de convention sur la saisie conservatoire des navires, DMF 1997, p. 563 et S., berlingieri (F.), analyse de la convention du 12 mars 1999 sur la saisie conservatoire des navires, DMF, 1999, p. 403 et S.
[26] فتحي والى، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، المرجع السابق، ص280.
[27](2) Rossi (A.), la nature d’un


