وأسس الحماية القانونية

الأستاذ حساين عبود

قاضي لدي المحكمة الابتدائية بورززات

مقدمة

ينظم القانون العلاقات الأسرية كجزء من العلاقات الإنسانية وئاما وخلافا، سعيا لإقامتها على أمتن الدعائم، والالتزام فيها بحسن الصحبة وجميل المعاشرة، وإشاعة الرغد والسعادة داخل الأسرة، وهي الفضاء الذي يشبع فيه الفرد حاجياته المعنوية ومتطلباته المادية.

وتتجلى الحكمة في إحاطة العلاقات الأسرية بالتنظيم الدقيق، في عدم ترك الناس إلى طبائعهم إزاء واجباتهم ومسؤولياتهم العائلية، لما قد يدعو إليه من مفاسد عظيمة الخطر، بتخلص الأزواج من واجبهم نحو زوجاتهم، وقلة عناية الإباء بالأبناء وهم ضعاف في مسيس الحاجة إلى العناية بهم، وتملص الأبناء من الإحسان إلى آبائهم.

وتحظى النفقة في دائرة الواجبات الأسرية بأهمية بارزة، لتعلقها بمتطلبات معيشية ويومية أنية وملحة. ولأن مدونة الأسرة استلهمت مجمل أحكامها من الفقه الإسلامي، فإن التقيد بها لا تتحقق به فقط موافقتها والامتثال لها، وإنما كذلك غائية التعبد ونيل الثواب ديانة، لأن المال وسيلة للتراحم والتساند، وأمانة بيد صاحبه المستخلف فيه لاستعماله في منفعته ومنفعة ذويه بالمعروف، وإنفاقه في هذا الإطار دون إسراف ولا تقتير ينال به ثواب الصدقة، ولذلك فالمتزوج أكثر إقداما واندفاعا لتحصيل المال مقارنة بالأعزب شعورا منه بالمسؤولية.

وعندما يلف وشاح التراحم والتآزر الأسرة يتم أداء واجب الإنفاق بشكل تلقائي ورضائي، ويسعى الملزم إلى القيام بحاجياته وحاجيات من هم في ضمانه من زوجة وأبناء وآباء، إلا أنه إذا اضطربت الأمور وكان هناك تضييق أو تجاحد أو نزاع تدخل القضاء لرفع الظلم وإرجاع الأمور إلى نصابها.

وعالجت مدونة الأسرة ([1]) النفقة في أربعة أبواب تتوزع على 19 مادة، تشكل القسم الثالث من الكتاب الثالث المتعلق بالولادة ونتائجها. والملاحظ على مستوى التبويب أن المشرع أورد نفقة الزوجة والتي مصدرها الالتزام ضمن هذا القسم مع أنه لا علاقة لهما بالولادة ونتائجها. وسنتناول في مطلب أول أسباب النفقة وضوابط التقدير القضائي لها، على أن نتناول في مطلب ثان مظاهر الحماية القانونية للنفقة وإمكانية القضاء بالنفقة.

المطلب الأول: أسباب النفقة و ضوابط التقدير القضائي لها

لا يتقرر وجوب إنفاق الغير على الغير إلا لأسباب حددها القانون حصرا، والقضاء في تحديده وتقديره للنفقة الواجبة للغير يسترشد بالضوابط التي حددها القانون نفسه.

  • الفقرة الأولي: أسباب النفقة

حددت المادة 187 من مدونة الأسرة أسباب وجوب النفقة على الغير في الزوجية والقرابة والالتزام، وهو ما سنحاول الوقوف عنده في ما يأتي:

أولا: الزوجية

تترتب عن الزواج، الذي هو منشأ الأسرة، جملة من الحقوق والواجبات على عاتق كل واحد من الزوجين ومن ضمنها إنفاق الزوج على زوجته بما يحقق لها الكفاية من مأكل وملبس ومسكن ومتاع وفراش وتطبيب وعلاج وغير ذلك من ضروريات الحياة التي جرت بها العادة وتعارف الناس على أنها من مشتملات النفقة.

وإذا كانت أنواع النفقة الأخرى مقررة للصلة والمواساة والحاجة وحفظ حياة مستحقها، ولا وجوب لها إذا اندفعت الحاجة من مال المستحق لها، فإن نفقة الزوجة لازمة على الزوج في كل حال لا فرق في ذلك بين كونها فقيرة أو غنية مسلمة أو كتابية، وسواء كان الزوج الملزم بها فقيرا عاجزا عن الكسب أو مريضا أو موسرا أو محجورا عليه لجنون أو سفه.

ووجوب إنفاق الزوج على زوجته ثابت بالكتاب والسنة، إذ يقول الحق سبحانه في محكم تنزيله (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) ([2]). أما في الحديث فأحكام كثيرة واردة في هذا الباب منها ما جاء في قوله عليه السلام بحجة الوداع (… اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوار، لا يملكن لأنفسهن شيئا ولهن عليكم كسوتهن ورزقهن)، وبقدر ما اتفقت مذاهب الفقه الإسلامي في شأن مبدأ وجوب إنفاق الزوج على زوجته، فإنها متشعبة بخصوص تأصيل ذلك وعلة هذا الوجوب ([3])، فمنهم من جعلها جزاء الاحتباس لأن منفعة قرارها ببيت الزوجية عائد إلى الزوج فكانت كفايتها واجبة عليه، ومنهم من جعله مقابل الاستمتاع وتمكين الزوجة نفسها للزوج، والبعض الأخر أوجبها لمجرد العقد.

ومدونة الأسرة في مسلكها، اختارت وعن صواب عدم الخوض في هذا الأمر جاعلة إنفاق الزوج على زوجته واجبا مشروطا بالعقد عليها بعقد صحيح مستجمع الأركان، والبناء بها أو الدعوة إلى ذلك من جانبها، وتأسيسا على ذلك فإن الزوجة المعقود عليها لا تستحق أي نفقة عن المدة الفاصلة بين توثيق العقد والبناء بها مهما طالت وتراخت هذه المدة، غير أنه في أكثر من مناسبة اعتبر الاجتهاد القضائي ([4])، المطالبة القضائية بالنفقة بعد العقد بمنزلة الدعوة إلى البناء، والنفقة تبعا لذلك مستحقة لها من تاريخ المطالبة.

ومما تمتاز به نفقة الزوجة عن سائر النفقات الأخرى، أنها لا تسقط بمضي المدة، سواء كانت مفروضة بقضاء أو تراض أو لم تكن مفروضة، فهي لا تنقضي إلا بالوفاء بها كاملة أو الإبراء منها، ولا تسقط عن الزوج الملزم بها بطلاق لاحق لها ولا بموت الزوجة، وبموته تصير دينا متعلقا بذمته واجب الاستخلاص بالأولوية كدين قبل أيلولة التركة إلى الورثة. ويظهر أن موقف المدونة هذا من خلال المادة 195 منها محل نظر، لأن فيه مباغتة للزوج وإرهاقه بمبالغ باهظة دفعة واحدة تجمدت عن سنوات طوال تقاعست فيها الزوجة عن المطالبة بها بحسن نية أو نتيجة كيد، خصوصا في هذا الوقت الذي صار فيه اللجوء إلى القضاء غير جالب للمعرة والاستهجان، فكان حريا بالمشرع مسايرة بعض التشريعات المقارنة في قصر نفقة الزوجة الواجبة قضاء لا ديانة بمدة معينة سابقة عن اللجوء إلى القضاء، كما هو الحال في القانون المصري للأحوال الشخصية بتنصيصه على أنه لا تسمع دعوى نفقة الزوجة على مدة ماضية لأكثر من سنة نهايتها تاريخ إقامة الدعوى ([5]). والقانون السوري الذي حصر هذه النفقة في أربعة أشهر سابقة عن الادعاء، والقانون السوداني جعلها ثلاث سنوات بشرط يسر الزوج. وليس في تحديد سقف زمني معين للقضاء بنفقة الزوجة عن المدة السابقة للدعوى أي إضرار بها، إذ لها المبادرة لأخذ زمام المطالبة القضائية حتى لا تمضي هذه المدة.

ومن منطلق أن الزوجية تبقى حكما خلال عدة الطلاق الرجعي، فإن المطلقة رجعيا تستحق النفقة خلال مدة العدة، أما المطلقة طلاقا بائنا فلا نفقة لها خلال مدة العدة، ما لم تكن حاملا لقوله تعالى في الآية السادسة من سورة الطلاق: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).

وينبغي أن يكون الحمل محققا، وان قام الشك وجب اللجوء إلى أهل الخبرة للتأكد من الأمر، ومتى ظهر أن المرأة حصلت على النفقة وتبين لاحقا أن لا حمل بها جاز الرجوع عليها بما حصلت عليه دون موجب.

واستثناء من استمرار نفقة المعتدة الحامل إلى وضع حملها، فإن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها للحمل، لأنه بوفاة الملزم سقط الإنفاق، وصار ماله من مال تركة لورثته، وكذلك الملاعنة لانقطاع عصمتها باللعان، ولأن استمرار النفقة مشروط بلحوق الحمل بصاحب العدة وحمل اللعان لا يلحق بصاحبه ([6]).

والمعتاد في إنفاق الزوج على زوجته أن تقاسمه الإيواء والغذاء، ومتى نسبت إليه التضييق عليها وعدم الإنفاق كان لها أن تلجأ إلى القضاء لرفع الضرر عنها والحكم لها بمفروض تتولى به الإنفاق على نفسها.

وجدير بالإشارة إلى أن امتناع الزوجة عن الرجوع لبيت الزوجية تنفيذا لحكم قضائي صادر ضدها يسقط نفقتها، والأمر يتطلب صدور الحكم وصيرورته قابلا للتنفيذ ومسعى المحكوم له للتنفيذ وامتناع الزوجة عن التنفيذ، فهذا هو الجزاء الوحيد المتصور لمواجهة تعنتها، مادام أن إمكانية إرجاعها جبرا وقهرا غير متاحة قانونا، والمتابعات التي تثيرها بعض النيابات العامة ضد الزوجة في هذا الوضع لأجل تحقير مقرر قضائي غير مجدية ([7]) لأن الامتناع عن التنفيذ وحده غير كاف لقيام الركن المادي لهذه الجنحة. والملاحظ أن المدونة لم تميز بهذا الشأن بين الحامل وغير الحامل، عكس الفقه الإسلامي الذي استثنى الحامل من عدم استحقاق النفقة خلال مدة النشوز.

وبعض دعاوى الرجوع لبيت الزوجية تقترن بطلب إسقاط النفقة، والقضاء يعتبرها سابقة لأوانها، ولا يساير أصحابها في القضاء بها طالما أن الأمر يرتبط بموقف المحكوم عليها من التنفيذ لاحقا، وهو احتمال مانع من الحكم.

وعلى سبيل المقارنة فنفقة الناشز عند المالكية محل خلاف إلى أراء متشعبة، والأظهر أنه لا نفقة لها، لأن النشوز معصية من جانب الزوجة، ولا تقر على معصيتها، ما لم تكن حاملا فلا تسقط نفقتها ([8]). ومدلول النشوز فقها هو خروج الزوجة من بيت الزوجية أو رفضها تمكين الزوج من حقوقه وهذا هو النشوز الحكمي.

وتقدم من خلال ما سبق، أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بلا خلاف، وكلما أدى هذا الواجب لم يكن لأحد سلطان عليه، واذا امتنع عن ذلك رغم سابق فرضها قضاء، جاز للزوجة أن تطلب التطليق من القضاء، مصداقا لقوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) ([9])، وليس من الإمساك بمعروف إرغام الزوجة على البقاء في عصمة زوج لا ينفق عليها، ولقوله كذلك (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)([10]). ولا شك أن عدم الإنفاق إضرار يبرر تدخل القضاء لرفعه حتى بالطلاق؛ والتطليق الذي أساسه عدم الإنفاق وفقا للمادة 102 من مدونة الأسرة يستوجب إبداء بعض الملاحظات:

1-أن النفقة الواجبة الحالة هي التي تصلح أساسا لهذا الطلب، أما النفقة الماضية فتبقى دينا في الذمة يمكن أن تكون محلا لقواعد التنفيذ الجبري، ولا تعتمد في طلب التطليق قضاء لعدم الإنفاق،

2 -إذا كان للزوج مال يمكن تحصيل النفقة منه قررت المحكمة طريقة لذلك، ولا يستجاب حينئذ لطلب الفرقة، لأن مقصود الزوجة الذي هو الحصول على النفقة تحقق بالتنفيذ،

3-إذا أثبت الزوج العجز فإن المحكمة تمهله حسب اجتهادها مدة لا تتعدى ثلاثين يوما، مراعية في ذلك ما لا تتضرر به الزوجة، والقدر الذي يرجى للزوج الحصول على مال يقدر به على الإنفاق. فالحكمة من الإمهال هو أمل الحصول على المال، فإن يئس خلال الأجل المضروب له من طرف المحكمة قضت المحكمة بالتطليق، إلا إذا قام ظرف قاهر واستثنائي. ولدى المالكية فإن القاضي يطلق بعد التلوم لعدم الإنفاق لكن بعضهم حصر أجل التلوم في الأيام اليسيرة كالثلاثة وهذه رواية ابن حبيب عن مالك وبه قال ابن بشير قاضي الجماعة بقرطبة، ومنهم من قال بالشهر والشهرين، ورأي ثالث يرى الأخذ بالاجتهاد بقدر حاجة الزوجة وصبرها،

4 -إذا امتنع الزوج عن الإنفاق دون إثبات العجز، طلقت عليه المحكمة في الحال دون تأجيل، ويشترط في ذلك أن لا تكون نفقتها قد سقطت نتيجة حكم.

5 -أن الطلاق لعدم الإنفاق يكون رجعيا، استثناء من قاعدة أن كل طلاق قضت به المحكمة فهو طلاق بائن، أخذا بعين الاعتبار مصلحة الأسرة لأن حال المفارق قد تتغير ويصير مالكا لما ينفق به على زوجته خلال العدة، فالأصلح هو التئام الأسرة من جديد.

بقي في الأخير أن نتساءل حول وجوب إسهام المرأة العاملة في النفقة على الأسرة، في ظل الحديث عن المسؤولية المشتركة والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة؟

إن عمل المرأة المتزوجة خارج بيت الزوجية فتح لها أفاق الكسب والتوفر على المال وللاستقلال به، ولا سند في القانون يمنع المرأة من العمل خارج بيت الزوجية مقابل أجر. وإذا كان إقدام الزوجة على العمل خارج بيت الزوجية نقاشا متجاوزا، فإن إسهامها في تأمين حاجات أسرتها لم تتناوله المدونة بالتقنين، ففي الواقع تساهم الزوجة مع زوجها في تلبية متطلبات الأسرة وهذا من أنواع البر المندوب إليه ديانة ومن قيم ثقافة الإحسان والمكارمة. ومن الناحية القانونية غير ملزمة بذلك، إلا إذا اشترط عليها الزوج ذلك عند العقد أو تراضيا على ذلك بعده، أما إذا تطوعت دون اشتراط أو تراض فليس لها الرجوع على زوجها بما أنفقته، لأن كل ما لا يطلب إلا عند الشنان والخصام فهو محمول على الصلة والإحسان، والسكوت مادامت المودة قائمة دليل على أن ذلك للإحسان ولا يصلح أساسا للرجوع على الزوج، وعمل المرأة لا يمنع من الإنفاق عليها واشتراط ذلك من الشروط المناقضة لأحكام ومقاصد الزواج ولا يعتد به، ولا يصلح خروج المرأة للعمل سببا للمطالبة بسقوط نفقتها.

ثانيا: القرابة

إن مبدأ وجوب نفقة القريب على قريبه متفق عليه، ويبقى الاختلاف قائما بخصوص دائرة القرابة الموجبة للنفقة. والأظهر عند المالكية أنها تنحصر في الولادة المباشرة، فهي فقط للأبوين والأبناء المباشرين، وهو بذلك أضيق المذاهب الفقهية في نفقة القرابة، وعلى منواله سارت مدونة الأسرة بموجب المادة 197 والقاعدة العامة في نفقة القرابة أنها مقررة للحاجة والمواساة، وتتعلق بالمال لا بالذمة، لأنها تسقط بمضي المدة ما لم تكن محل حكم من القضاء، وغير واجبة إلا متى كان الملزم بها صاحب مال.

ومما تقدم يظهر أن القرابة الموجبة للنفقة يتم التمييز في إطارها بين النبوة والأبوة:

1-البنوة كأساس للنفقة:

يعتبر الحفاظ على النسل من غايات الزواج ومقاصده، فالأبناء هم ثمرته وزينته، وبميلادهم يتقرر على الأب واجب الإنفاق عليهم، وهذا الإنفاق مشروط بشروط وهي:

  • قيام رابطة النسب بين الابن مستحق النفقة والأب الملزم بها، فالنسب أقوى دعامة تقوم عليها الأسرة ونسيجها الذي لا تنفصم عراه، وبه يرتبط أفرادها برباط دائم من الصلة تقوم على أساسه وحدة الدم والجزئية، وبه يكون الولد جزء من أبيه. ولما يترتب عن النسب من حقوق والتزامات فقد حرص القانون على حماية صفائه على نحو يحصل به اليقين بخلوه من أي شبهة، والبنوة الشرعية بالنسبة للأب وحدها التي تصلح للحوق النسب وترتيب آثاره من وجوب إنفاق الأب على ابنه،
  • حاجة وفقر الفرع مستحق النفقة، فالأصل هو وجوب نفقة كل إنسان من ماله ولو كان صغيرا لأن نفقة القرابة مقررة للحاجة، وصاحب المال ولو كان صغيرا ليس ذا حاجة لأنها تندفع بماله، والمال المقصود هنا هو المال الظاهر الحاضر الممكن أخذ النفقة منه، والصغير صاحب المال ينفق عليه من له الولاية عليه من ماله، وانفاق الأب على أبنائه يستمر إلى حين بلوغهم سن الرشد القانوني، واذا كان الصغير يتكسب من عمله وهو دون سن الرشد لأن السن القانوني للشغل أقل من ذلك ارتفع عن الأب واجب الإنفاق.

وقد اعتبر القانون بلغ سن الرشد حدا يتحقق به القدرة على الكسب وهو غنى يرتفع به واجب النفقة إلا في الأحوال الاستثنائية، وهي الإصابة بإعاقة والعجز عن الكسب، والاشتغال بطلب العلم إلى غاية الخامسة والعشرين سنة.

وبالنسبة للأنثى فلا تسقط نفقتها عن الأب إلا بتوفرها على الكسب أو وجوب نفقتها على زوجها، فهي لا تجبر على الكسب، واذا اختارت العمل بإرادتها وحصل لها ما يكفي لنفقتها سقط عن الأب واجب الإنفاق عليها. والمدونة سايرت الفقه الإسلامي في اعتبار الأنوثة عجزا حكميا يستمر به الإنفاق حتى مع بلوغ سن الرشد القانوني.

ونفقة الفرع واجبة على الأصل لا فرق في ذلك بين قيام الزوجية بين والديه وبين انتهائها، وعندما تنفصم عرى الزوجية والصغير في حضانة أمه، فإنها بصفتها اليد الماسكة له لها أن تطالب والده بنفقته وفي ذلك قرر المجلس الأعلى “… لما كان من المقرر فقها وقضاء أنه لا يمكن للشخص أن يحمل في أن واحد صفة المدعي والمدعى عليه، فإنه أجيز للحاضنة أن تطالب الأب بنفقة أبنائه الذين لا يتوفرون على الأهلية القانونية لمباشرة حقوقهم كما في النازلة مادام الأمر يتعلق بجلب النفع لهم ولا يتعارض ذلك مع الولاية المخولة للأب … “([11]). واذا ظهر أن الحاضنة لا تنفق على المحضون مما تحصل عليه من الملزم بذلك، فإن شرط الأمانة مفتقد ويحق له أن يطالب بإسقاط حضانتها.

وعلى العكس مما ذكر فكلما كان الأبناء راشدين واستمر الإنفاق عليهم لموجب، فإنه ليس للأم أن تقاضي والدهم بشأن النفقة الواجبة لهم وفي ذلك قرر المجلس الأعلى ([12])” لما كان الأبناء المطلوبة نفقتهم قد بلغوا جميعا سن الرشد القانوني فإنه لا يجوز التقاضي نيابة عنهم دون توكيل، وان المطلوبة أمهم تقدمت بطلب نفقتهم نيابة عنهم دون وكالة يكون طلبها خارقا لمقتضيات الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية ” ،

  • قدرة الأب على الإنفاق، والقدرة على الإنفاق تتحقق هنا بواحد من أمرين بأن يكون موسرا غنيا أو قادرا على الكسب. والقاعدة أن الإنسان لا تجب عليه نفقة غيره إلا بعد أن يكون له نفقة نفسه والملاءة هنا مفترضة (المادة 188 ) تطبيقا لقاعدة تغليب الغالب على الأصل، لأن الأصل هو الفقر والعدم والغالب هو التكسب لتحصيل المال، ولذلك يحمل الناس على الملاءة، ووجوب النفقة هنا يقتصر في نطاق الكفاية والضروريات، كي لا تكون النفقة وسيلة لإرهاق الأب، وفي ذلك ذهب المجلس الأعلى ([13]) إلى القضاء على الأب بواجب تمدرس الابن بمدرسة حرة دون البحث في إمكانية تمدرسه في مدرسة عمومية تفاديا لمصاريف غير ضرورية بالنظر إلى دخل الأب موجب للنقض. ولعل في ذلك حفاظ على علاقة الأبناء بالإباء حيث يكون الابن قرة عين لوالده لا سببا لشقائه.

وعندما يعجز الأب عن الإنفاق على أبنائه يسقط عنه هذا الواجب، وكلما كانت الأم موسرة وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب – المادة 199- لكن هل لها الرجوع على الأب بما أنفقته؟

2-نفقة الفرع علي أصله

تجد نفقة الفرع على أصله في قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ([14])، وفي موضع آخر ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)([15])، فالأبناء مطالبون بمبادلة ما لقوه من آبائهم من عطف وشفقة وحنان ورعاية بالبر والإحسان وشكر صنيعهما، ومن الإحسان للوالدين الإنفاق عليهما عند الحاجة ولو كانا مخالفين له في الدين، لأن ترك الوالدين في الفاقة مع القدرة على دفعها هو ترك لمصاحبتهما بالمعروف.

والإنفاق على الأصول مشروط بما يلي:

  • فقر الأصل مستحق النفقة: يعتبر هذا الشرط أساسيا وهو مطلوب في سائر النفقات المقررة للقرابة، لأن غنى الأصل يتحقق به مبدأ إنفاق الشخص على نفسه من ماله، ولا فرق في ذلك أن يكون هذا الأصل أبا أو أما، لأن النفقة هنا مقررة للبر والمواساة والغني ليس أهلا للمواساة، واختلف الفقهاء في هذا الصدد حول القدرة على الكسب هل تغني عن وجوب إنفاق الفرع على أصله، فمنهم ([16]) من رأى أن العسر قائم حتى مع القدرة على الكسب، وأن الأب لا يجبر على التكسب، ورأي يقول بأن الأب يؤمر بالكسب ويجبر عليه حتى لا يكون عالة على غيره.

ومتى تزاحم الأب والأم كانت الأولوية لنفقة الأم ويرى الفقه أن نفقة الأم تستمر حتى في حالة تزويجها بالمعروف الإقلال والعدم وتبقى على الفرع بكاملها أو في حدود ما يتحقق به تمام الكفاية، ولا يدخل في نفقتها الإنفاق على زوجها،

  • غنى الفرع الملزم بالنفقة: يشترط في إنفاق الفرع على أصله أن يكون الفرع موسرا عنده ما يزيد على كفايته، لأن التكليف شرطه الإمكان كما يقول علماء أصول الفقه، لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير ولا الذكر ولا الأنثى. وتطبيقا لهذا الشرط ذهب المجلس الأعلى ([17]) إلى أن المحكمة لما قضت على الابن بالنفقة دون إجراء بحث في الموضوع للتأكد من ملاءة المحكوم عليه وقدرته المالية التي تمكنه من الإنفاق على نفسه وعلى غيره ولتبني حكمها على اليقين لم تجعل لقضائها أساسا.

واذا تعدد الأبناء الواجبة عليهم نفقة الأصل، فإنه عند المشاحنة والمخاصمة يكون إسهامهم فيها ذكورا وإناثا حسب يسرهم وقدرتهم المالية. وفي ذلك اختارت المدونة قول ابن المواز خلافا لابن الماجشيون الذي يرى أنها على العدد، ومن أنفق على والديه قبل المخاصمة ليس له أن يحاسب بقية إخوته على ما أنفقه قبل ذلك لأنها قبل المطالبة القضائية تطوع.

3-الالتزام كسبب للنفقة:

اعتبر القانون الالتزام سببا للإنفاق على الغير.

والالتزام بالإنفاق على الغير يعكس مظهرا من مظاهر التضامن والتكافل داخل المجتمع في غالب الأحيان، بالتطوع للقيام بحاجات بعض أفراد المجتمع وعدم ترك العاجزين بلا رعاية ولا نفقة.

وهو من جانب آخر واجب قانوني يرتبه الملتزم بذمته بإرادته عن طواعية واختيار ومن تم يشترط فيه أهلية الأداء، وخاصة إذا كان تصرفا ضارا ضررا محضا، كالالتزام بالنفقة على الغير دون مقابل، وقد يكون بمقابل كما إذا اختلعت المرأة من زوجها مقابل تحملها نفقة الأبناء.

وتتجسد أهم صور الالتزام بالنفقة في كفالة الأطفال المهملين إذا أوجبت المادة الثانية من القانون 15/01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين، على الكفيل رعاية الطفل المكفول وتربيته وحمايته والإنفاق عليه كما يفعل الوالد مع ولده.

والالتزام بالنفقة على الغير قد يكون لمدة محدودة ومعلومة، وقد يكون غير مقترن بأي أجل، وهنا للمحكمة الاعتماد على العرف في تحديد هذه المدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الأم لا يمكنها أن تلتزم بنفقة الأبناء مقابل فك عصمتها بالخلع إذا كانت معسرة، واذا خالعت وهي موسرة وبعد ذلك أعسرت بنفقة الأبناء، فإن هذه النفقة تجب على الأب الذي له كامل الحق في الرجوع عليها بما أنفقه حال عسرها. وهو ما عكسه الاجتهاد القضائي في قرار المجلس الأعلى ([18]) ذهب إلى أن التزام المختلعة بنفقة أولادها يسقط إذا أصبحت معسرة وتجب على والدهم، ومن جهة أخرى فإن وفاة الملتزم بالنفقة ينقضي به هذا الالتزام من خلال ما عكسه قرار للمجلس الأعلى ([19]) عندما قضى بأنه بوفاة الجد من جهة الأم الملتزم بالإنفاق على حفيدته يسقط هذا الالتزام ولا يواجه به الورثة.

  • الفقرة الثانية: ضوابط التقدير القضائي للنفقة

لم يحدد القانون مقدارا معينا للنفقة، وترك الأمر موكولا للقضاء الذي لا يتدخل إلا عند النزاع، وبيان عناصر النفقة بموجب المادة 189 ليس تحديدا حصريا لهذه العناصر وإنما يمكن أن يستوعب عناصر أخرى. والتقدير القضائي للنفقة ينبغي أن يتسع لكل مقومات العيش وضروراته بما يحقق الكفاية دون إسراف ولا تقتير وفي حدود القدرة المالية للملزم بها تقيدا بالضابط القرآني ([20]) (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)، ويكون ذلك بفرض أعيان النفقة من مواد غذائية وملابس وأفرشة وأدوية … أو بتحديد مبالغ مالية دورية كافية لاقتنائها وهو المعمول به قضاء.

واذا كان الطعام والملبس والسكن عناصر أساسية ضمن قائمة الحاجيات التي تشملها النفقة، فإن لها مدلولا مرنا يمكن أن يستوعب عناصر أخرى حسب الحالات ([21])، الأمر الذي كرسته المادة 189من مدونة الأسرة ببيان بعض العناصر على سبيل المثال. إلا أنه إذا كان الاختلاف في الدين بين المستحق لها والملزم بها أمر لا تأثير له على وجوب النفقة وتقديرها فيثور التساؤل حول إمكانية صرف المسلم لماله على من تلزمه نفقته في أمور لا تجيزها ديانته وجائزة في ديانة المستحق.

والتقدير القضائي للنفقة ليس جزافيا، ولا متروكا لمطلق إرادة القضاة، بل حدد له القانون ضوابط عامة استقاها من الفقه الإسلامي وفي ذلك يقول الشيخ خليل .”… بالعادة بقدر وسعه وحالها والبلد والسعر .، وهي ضوابط تسري على جميع النفقات ويجب التقيد بها، ويمكن إجمالها في ما يلي:

أولا: مراعاة التوسط و مستوى الأسعار:

إن تدخل القضاء في فرض النفقة وتقديرها لا يكون إلا عند النزاع، والإنسان مطبع على اللدد في الخصومات والميل إلى حماية مصلحته ولو بالمساس بمصالح الأخرين بما فيه أقرب الناس إليه. ومن الطبيعي بمناسبة النزاع أن يسعى طالب الإنفاق إلى الحصول على تقدير مرتفع ربما يفوق طاقة الملزم بها، ويسعى هذا الأخير إلى جحوده أو التقليل قدر الإمكان منه. وإحقاقا للتوازن أوجب القانون على المحاكم مراعاة التوسط في التحديد دون تبذير وقضاء بما هو فوق الحاجة ولا تقتير وتضييق على مستحق النفقة لقوله تعالى ([22])(َلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)، وان ما زاد عن التوسط تنعم في الملذات وكمال غير واجب، فضلا عن الأخذ بعين الاعتبار مستوى الأسعار غلاء ورخصا.

ثانيا: مراعاة دخل الملزم بالنفقة و حال مستحقها:

فالأصل في تقدير النفقة مراعاة الإمكانيات المادية للملزم بها وحال مستحقها، والتقدير القضائي لها يقتصر على الضروريات اللازمة للعيش دون الأمور الرفاهية التي يتطوع بها الملزم بها حال عدم النزاع، فلو لم يكن دخل الملزم بالنفقة محل تقدير لأدى ذلك أحيانا إلى التكليف بما يجاوز الوسع والحكم بما لا يطيقه.

فعندما يلف وشاح المودة والتراحم العلاقات الأسرية يكون الإنسان أميل إلى المكارمة والتوسعة على ذويه في النفقة والكد في إرضائهم، فيجود عليهم بأجود الأطعمة ورفيع اللباس وكماليات الحياة … التي هي من باب الإحسان والتفضل غير الملزم قضاء. وخلاف ذلك عند النزاع يعود الإنسان إلى حالته الطبيعية من تقتير وتشاح لقوله تعالى (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا)([23])، فيجحد حق المستحق للإنفاق أو التضييق عليه بالتذرع بالعسر ودعوته خصمه إلى إثبات اليسر الذي هو خلاف الأصل، والمشرع هنا جعل الملاءة مفترضة مجاراة للفقه الإسلامي الذي يقول بأن الأصل في الناس العسر، ولما غلب على الناس الملاء صدق مدعيه تقديما للغالب عن الأصل. ولا ينبغي تغييب حال مستحقها ومركزه الاجتماعي والظروف التي يعيش فيها، وتقيدا بهذا الضابط أوجبت المادة 85من المدونة على المحكمة عند تحديد مستحقات الأطفال مراعاة الوضعية المعيشية والتعليمية التي كانوا عليها قبل الطلاق، فالمناط إذن مراعاة حالة الملزم بها المادية يسرا وعسرا، واذا تغيرت هذه الحالة بين تاريخ استحقاق هذه النفقة وتاريخ القضاء بها فالمعتد به هو تقديرها وقت الاستحقاق لا وقت القضاء.

ثالثا: مراعاة العرف وعوائد الوسط الذي تفرض فيه النفقة:

إن العرف ملاذ يتحاكم إليه، والرجوع إليه أمر مقرر في الفقه الإسلامي، والأخذ به من قواعده الكلية، من باب التيسير والرفق بالناس وفع العنت عنهم. ولذلك فالقضاء مدعو إلى الإحاطة بواقع الناس وما يطبعه من خصوصيات وما يسوده من عوائد في الإنفاق، لتكون أحكامه موافقة له.

وللعرف دور معتبر في تحديد مشتملات النفقة وتقديرها، لأن ما يعتبر من عناصر النفقة في وسط معين قد لا يكون كذلك في وسط آخر، إلا أن التقيد بالوسط الذي تفرض به النفقة محل نظر، لأنه قد يختلف عن الوسط الذي يقيم فيه المستحق لها، خاصة وأن القانون أعطى لطالب النفقة الخيار في إقامة الدعوى أمام محكمته أو أمام محكمة المدعى عليه.

رابعا: إمكانية الاستعانة بالخبرة:

يجوز للمحكمة في تقدير النفقة والاطلاع على أحوال الطرفين أن تستعين بذوي الاختصاص العارفين بالأسعار والأعراف حسب الأوساط الاجتماعية، حتى يكون تقديرها على أسس سليمة. وقلما تفعل المحاكم هذه الإمكانية، لأن الاستعانة بالخبرة يتطلب مصاريف من الأولى إهلاكها في الإنفاق، وأن إنجاز الخبرة يتطلب وجوب حضورية الخبرة وأجالا لذلك، وما يصاحبها من تباطؤ في تصريف هذه القضايا، سيما وأن المحاكم مدعوة بصريح القانون إلى الإسراع فيها.

وفي الأخير نشير إلى أنه في بعض الأحيان، يعاب على القضاء التقتير في تقدير النفقة، وتكون أحكامه مثار تذمر وشكوى، بعلة عدم كفاية ما تفرضه من مبالغ لتلبية أساسيات الحياة لمستحقها، إلا أن أغلب دعاوى النفقة تخص الطبقات الدنيا في المجتمع ([24]) ذوات الدخل المحدود أو التي لا تتوفر عليه، وقلما يلجأ ميسورو الحال إلى التسوية القضائية لقضايا النفقة.

كما أن المحاكم نادرا لا تقوم أمامها أدلة وافية على الإلمام بدخل الملزم بالنفقة، خاصة وأنها لا تتوفر على إمكانية إجبار الخصوم لحضور جلساتها ولا تقديم بحوزتهم من أدلة ومستندات، ولا يسعها إلا أن تعتمد على الحالة الظاهرة وتجنح إلى القضاء بمبالغ مقدور عليها، لأن فرض مبالغ مرتفعة يفوت الغاية بتعذر التنفيذ.

وجدير بالتنويه أن المجلس الأعلى ([25]) في أكثر من مناسبة شدد على وجوب بيان قضاء المحكمة للعناصر التي اعتمدها في تحديد النفقة المحكوم بها، داعيا إياها لإجراء البحوث حتى يتأتى له الإحاطة بمختلف العناصر الواجب رعيها.

وتعكس العلاقات الأسرية نموذجا للعلاقات التي تنأى عن الإعداد المسبق للأدلة. ومن الأصول العامة للإثبات أن المدعي هو الملزم بالإثبات، واذا كانت نفقة القرابة يعتد في بدء استحقاقها بتاريخ المطالبة القضائية، ومن تم لا يطالب المدعي بشأنها بإثبات عدم الإنفاق في المدة السابقة عن الادعاء، فإن نفقة الزوجة ليست بهذه السهولة لعدم سقوطها بمضي المدة، وإمكان استحقاقها عن تاريخ سابق عن المطالبة القضائية. والزوجة هنا لأخذها مركز المدعي ملزمة بالإثبات واذا لم يتأت لها الإثبات أمكن اللجوء إلى اليمين، وفي ذلك ذهب الاجتهاد القضائي ([26]) إلى أن إعمال قاعدة القول قول الزوج الحاضر مدعي الإنفاق بيمينه إنما تطبق في حالة عدم وجود دليل يثبت الإنفاق أو العكس.

واليمين هنا تبنى على مظنة صدق الحالف لما فيها من ابتلاء واختبار له، لأن وازعه الديني يحجزه عن اقتحام النار بيمين فاجرة، فلا يجرؤ على الحلف وهو عالم بعدم صدق ما يحلف عليه.

وكلما ادعت الزوجة عدم الإنفاق وتمسك الزوج المدعى عليه بالإنفاق بخصوص نفس المدة فإن القول للزوج بيمينه، وهناك اختلاف حول طبيعة هذه اليمين فأقامها البعض مقام الشاهد، وجعلها البعض مجرد استظهار وتقوية لجانب الزوج، لأن المرء لا يمكن أن يكون شاهدا لنفسه ([27]). فإن حلف برئت ذمته وان امتنع انقلبت اليمين سبب الامتناع إلى خصمه وان نكل حكم للأول بنكول الثاني، لأن النكول بالنكول تصديق للناكل الأول دون يمين.

المطلب الثاني: الحماية القانونية للنفقة

تتجسد الحماية القانونية للنفقة في تخصيصها بمجموعة من المزايا التشريعية، وهو ما سنعرض له في الفقرة الأولى، وبعدها نتناول القضاء بالنفقة المؤقتة في فقرة ثانية.

  • الفقرة الأولي: المزايا التشريعية للنفقة:

يمكن إجمال أهم المقتضيات التي تمتاز بها النفقة فيما يلي:

أولا: المقتضيات المسطرية الحمائية للنفقة:

1-الاختصاص المكاني في دعاوي النفقة:

تجسيدا لمبدأ تقريب القضاء من المتقاضين، تتوزع الخريطة القضائية إلى عدة محاكم من نفس الطبقة، تكون لكل واحدة منهن دائرة نفوذ ترابي محددة تنظر في النزاعات الناشئة داخلها، ولأن ترك الأمر لمطلق مشيئة الأفراد في رفع الدعاوى أمام أي محكمة، يمكن أن يؤدي إلى تركيز القضايا لدى البعض من المحاكم دون البعض الآخر، وفوات الغاية التي لأجلها تقرر تعدد المحاكم، فكان لزاما وضع ضوابط ينتظم بها توزيع القضايا بين الجهات القضائية المتماثلة. ولقد كرس الفصل 27 من قانون المسطرة المدنية ضابطا عاما يقوم على إسناد الاختصاص المكاني لمحكمة موطن المدعى عليه أو محل إقامته، غير أن هذا المعيار ترد عليه استثناءات، روعي فيها تحقيق بعض المصالح الخاصة للأطراف، ومن ضمنها دعاوى النفقة، التي تقام أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه تماشيا مع الضابط الآنف الذكر، أو أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعي باختيار هذا الأخير.

واذا كان القانون 03/15 المغير للفصل الرابع من الظهير الشريف بمثابة قانون المتعلق بالتنظيم القضائي ([28]) للمملكة كرس من جديد، ثنائية القضاء الفردي والجماعي، وحتى على صعيد أقسام قضاء الأسرة، وجعل القضايا التي تنظر فيها هذه الأخيرة موكولا للهيأة الجماعية، فإنه استثنى النفقة وأسند النظر فيها للقاضي المنفرد، إلا أن طلب النفقة قد يقترن بطلبات هي من اختصاص الهيأة الجماعية، أو بمناسبة إقامة دعوى النفقة ترفع طلبات مقابلة، مما يضطر معه القاضي المنفرد إلى رفع اليد قصد الإحالة على الهيأة الجماعية، ويفوت بذلك مقصود المشرع من تصريف قضايا النفقة على وجه السرعة.

ويتعين على المحكمة بمناسبة نظر دعوى النفقة استيفاء محاولة التصالح بين الطرفين لوجوبه قانونا، فالصلح يوطد أواصر المودة ويحافظ للعائلة على استقرارها، لأن فيه تأليف للقلوب ورأب للصدع وصفاء للنفوس ومجال الأسرة أولى وأجدر بالحفاظ على تماسكه ووحدته، بينما الحكم قد يؤدي إلى تفاقم النزاع ويورث العداوة والى انفراط عقد الأسرة بكامله.

2 الإعفاء من أداء الرسم القضائي ومن الاستعانة من خدمات محام:

يعتبر الفصل في المنازعات بواسطة القضاء، وتيسير سبل اللجوء إليه من أخص واجبات الدولة، ولأداء هذا الواجب على الوجه الأمثل، تقرر التشريعات مبدأ مجانية القضاء، حتى لا تكون حرية اللجوء إلى القضاء غير ميسورة للمعوزين، وتأسيسا على ذلك فإن القيمين على شؤون القضاء لا يتلقون أجورهم من الخصوم، غير أن مجانية التقاضي لا تمنع من فرض رسوم وواجبات عن إجراءات التقاضي في إطار القدرة المالية لمن يتوقع أن يلجأ إلى القضاء. وهذه الرسوم ليست ثمن الخدمة التي تقدمها الدولة للمتقاضين، طالما أن الذي خسر الدعوى يتحملها في نهاية المطاف. واذا كان القصد من فرض هذه الرسوم هو مجرد التقليل من الدعاوى الكيدية، فإن وجوب الأداء المسبق لها قد يكون أحيانا حائلا دون اللجوء إلى القضاء، ولذلك ينص القانون على حالات للإعفاء منها، ومن جملتها دعاوى النفقة بمختلف أصنافها.

ومن جانب آخر، فإن الدعوى تهيمن عليها المسطرة الكتابية بضرورة القيام بالإجراءات على النحو الذي يحدده القانون وفي آجال محصورة، ولذلك أعطى القانون لذوي الدراية القانونية وحدهم صلاحية تمثيل الأطراف، وألزمهم بالاستعانة بخدماتهم، إلا أنه تدعيما للحماية القانونية للنفقة تعتبر قضاياها مستثناة من ضرورة الاستعانة بمحام والمسطرة بشأنها شفوية (الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية).

3 تقصير أجل الطعن بالاستئناف:

لقد كان ضروريا أن يضع المشرع لممارسة الطعون آجالا محددة، حتى لا تتأبد المنازعات بتراخي ذوي النيات السيئة في ممارستها للحيلولة دون استيفاء الأحكام للقابلية للتنفيذ، وتفريعا على ذلك حدد القانون آجالا لممارسة الطعون بانقضائها يسقط الحق فيها.

واذا كان التقاضي على درجتين بالنسبة لقضاء الموضوع يتجسد من خلال اللجوء بداية إلى المحاكم التي تحتل قاعدة الهرم القضائي، وبعدها إلى الطبقة التي تليها وتعلوها لتفصل فيه من جديد فإن ذلك رهين بتكريس الطعن بالاستئناف .

والقاعدة العامة في قانون المسطرة المدنية هي تحديد أجل الطعن بالاستئناف في ثلاثين يوما، ومن مستثنيات هذه القاعدة جعل أجل الطعن في قضايا الأسرة محددا في خمسة عشر يوما، ويتعين على كتابة الضبط توجيه مقال الاستئناف ومرفقاته إلى محكمة الدرجة الثانية خلال أجل 15 يوما من تقديمه. وتسري هذه المقتضيات على قضايا النفقة، والتي تنفرد بإمكانية استئناف أحكامها بموجب تصريح دون التقيد بشكليات المقال وبياناته وفقا لما ينص عليه الفصل 141 من قانون المسطرة المدنية بعد تتميمه بإضافة فقرة ثالثة له بموجب القانون 03/72 ومعلوم أن محكمة الاستئناف مقيدة بالنظر في الدعوى في حدود ما تضمنته المرحلة الابتدائية من طلبات ودفوع، ولا يجوز تقديم طلبات جديدة أمامها، ومع ذلك يمكن طلب ما تراكم من نفقات منذ صدور الحكم المستأنف رغم عدم سابق عرضه على المحكمة الابتدائية.

وفضلا عما ذكر فإن المحاكم ملزمة في الفصل في قضايا النفقة داخل أجل أقصاه شهر، إضافة إلى التنصيص على الفصل الفوري في القضايا وتصريفها بأسرع وقت ممكن، والقضاة ملزمون بذلك ديانة كلما أحاطوا بالنزاع لإيصال الحقوق إلى ذويها، لأن في التأخير غير المبرر مضيعة لها وهو باعث على الملل وصد الناس عن المطالبة بها.

4-الحجية الموقتة والأقران بالنفاذ المعجل:

إن من لوازم قطع دابر المنازعات ومنع تأبيدها، والحيلولة دون تعارض الأحكام في نفس القضايا وتعطيل تنفيذها، وما ينجم عن ذلك من التقليل من قدسية القضاء وتوقيره، تكريس قاعدة حجية الأمر المقضي به، فبمجرد صدور الحكم في نزاع معين، يعتبره القانون مطابقا للحقيقة وعنوانا لها ويمنع على طرفيه معاودة عرض ذات النزاع على القضاء للفصل فيه من جديد والتمسك بحجية الأمر المقضي به مقرر لطرفي الحكم ومن يقوم مقامهما، لا فرق في ذلك بين من كسب الدعوى أو خسرها.

وتختص الأحكام الصادرة في النفقة بالحجية المؤقتة ([29]) لأن أسباب استحقاق النفقة وظروف فرضها يطالها التغيير، ولذلك يمكن أن ترد طلبات الزيادة أو التخفيض على مفروض النفقة إذا توفرت الدواعي لذلك. وقد قيدت المادة 192 من مدونة الأسرة تقديم طلبات الزيادة أو التخفيض بضرورة مضي سنة، دون أن تبين تاريخ سريان التقدير الجديد أهو تاريخ المطالبة به أم تاريخ صدور الحكم أم تاريخ حصول الداعي إليه ؟ والذي نرجحه هو الأخذ بتاريخ تقديم الطلب.

وفي ذات السياق فإن تقدير النفقة قد يكون منشؤه إرادة الطرفين، ولا تمنع القوة الملزمة للعقد من ورود طلبات الزيادة أو التخفيض عليها مع التقيد بالشرط المنوه به سابقا. وقد يكون موجب الإنفاق هو الالتزام وفق تقدير حددته إرادة الملتزم فلا يجاب طلب الزيادة.

ومراعاة للطايع المعيشي للنفقة خصها المشرع بميزة النفاذ المعجل حيادا عن القاعدة العامة في التنفيذ، ومع ذلك فإن تعجيل التنفيذ. قبل أوانه العادي أحيانا يصير غير ذي جدوى، ومنها أن المشرع جعل النفقة كسائر الديون في إطار مساطر معالجة صعوبات المقاولة ولم يستثنها من الخضوع لمسطرة التصريح بالدين ولا وقف إجراءات التنفيذ.

ثانيا: المقتضيات الموضوعية الحمائية للنفقة:

1-النفقة دين ممتاز وغير قابل للحجز ولا المقاصة:

موازاة مع التعديلات التي عرفتها مدونة الأحوال الشخصية المنسوخة، أضيف بند إلى الفصل 1248 من قانون الالتزامات والعقود، بموجبه صارت النفقة دينا ممتازا. والامتياز حق عيني تبعي لا يتقرر إلا بنص القانون اعتبارا لسبب الدين، ويعطي صاحبه أولوية في التحصيل مقارنة مع باقي الدائنين. ويقتصر امتياز النفقة على نفقة الزوجة والأبناء والوالدين فقط دون النفقة التي سببها الالتزام.

وجدير بالإشارة أن هذا الامتياز مقصور على الأموال المنقولة للملزم بالنفقة وهو في نفس الرتبة مع مؤخر الصداق والمتعة، وقد توارى إلى الرتبة الرابعة بموجب المادة 382 من مدونة الشغل، التي أعطت للأجور والتعويضات الناجمة عن الفصل من العمل امتياز الرتبة الأولى خلافا لمقتضيات الفصل 1248 من قانون الالتزامات والعقود.

وإذا كانت القاعدة المكرسة بموجب الفصل 1245 من قانون الالتزامات والعقود، أن الدائنين الممتازة ديونهم وفي نفس الرتبة يستوفونها بالمحاصة فإن المادة 193 من مدونة الأسرة أوردت ترتيبا بموجبه تقدم الزوجة فالأولاد الصغار ذكورا وإناثا، ثم البنات، فالذكور، فالأم فالأب.

وعلى خلاف ما نوهنا به أعلاه فإن مشروع القانون العربي الموحد للأحوال الشخصية ([30]) كان قد قصر الامتياز على النفقة المستمرة، دون النفقة المتراكمة عن مدة سابقة، لأن تراخي صاحب المصلحة في المطالبة بها يبرر عدم جعلها مشمولة بالامتياز وهو مسلك جدير بالتأييد.

وتبقى النفقة ضرورة معيشية واجب كفالتها حتى ولو أدى ذلك إلى المساس بمصلحة المدين بها، ولهذه الغاية قرر القانون مناعتها ضد القابلية للحجز، وبهذا الخصوص للمشرع المصري موقف مخالف بإقرار جواز الحجز على مبالغ النفقة، إذا كان الدين المحجوز لأجله نفقة وفي حدود الربع.

كما أن النفقة لا تقبل المقاصة مع غيرها من الديون، رغم أهمية المقاصة كوفاء مزدوج يتحقق عند قيام دينين بذمة شخصين تتوفر في كل واحد منهما صفة الدائن والمدين، وقانون الالتزامات والعقود بمنعه المقاصة على الإطلاق إذا كان أحد الدينين نفقة (الفصل 365 ) يختلف عن المعول عليه لدى المالكية من جواز المقاصة لقول خليل وتجوز المقاصة بدينه إلا لضرر، والضرر هنا يتمثل في التضييق عليها والمشقة الحاصلة لها بحرمانها من النفقة، ولذلك نرى أنه متى تم التمسك بالمقاصة أمكن اعتمادها لأن الفقه المالكي واجب التطبيق بالأولوية.

2  تجريم الإمساك العمري عن أداء النفقة المحكوم بها:

مهما كانت فعالية الحماية القانونية للنفقة، فإن مقتضيات مدونة الأسرة وقانون المسطرة المدنية ذات الصلة بها غير كافية لضمان نجاعتها لافتقادها لخاصية الردع، ومن ثم كان لزاما أحيانا الاستعانة بأحكام القانون الجنائي لكفالتها ([31]) ومن حالات ذلك تجريم الإمساك العمدي عن أداء النفقة المحكوم بها بموجب الفصلين 480 و 481 من القانون الجنائي وحري بنا هنا إبداء بعض الملاحظات كالاتي:

– إن التجريم يقتصر على نفقة الزوجة والأبناء والأبوين ولا تشمل النفقة التي مصدرها الالتزام، وفي هذا الإطار لا يسوغ للقضاء الزجري إعمال القياس للعقاب عن حالة الامتناع عن أدائها.

وان التجريم يتناول فقط النفقة دون المتعة ومؤخر الصداق، ولذلك أحيانا تكون النفقة مقضي بها إلى جانب لوازم الطلاق الأخرى، فالنفقة وحدها تصلح أساسا للمتابعة،

– إلى جانب الاختصاص الثلاثي بشأن الاختصاص المكاني للمحاكم الزجرية، فإن جنحة إهمال الأسرة ينعقد فيها الاختصاص للمحكمة موطن مستحق النفقة كذلك،

– تحقق حالة العود يستوجب حتمية القضاء بالعقوبة الحبسية، وحالة العود تقوم في حالة سابق الامتناع عن أداء نفقة الزوجة والامتناع لاحقا عن نفقة القرابة مثلا،

– تتوقف المتابعة على وجوب تقديم الشكاية من جانب المحكوم له وضرورة إعذار المحكوم عليه وإمهاله من طرف الضابطة القضائية، وقضاء العقوبة لا تأثير له على استحقاق النفقة وينجم عنه سقوطها. وثمة مقتضى خاص بنفقة الأبناء فحواه أن الحرمان النهائي أو المؤقت من الحق في المعاشات التي تصرفها الدولة والمؤسسات العمومية يعتبر عقوبة إضافية تطبق حتما على كل محكوم عليه بالإعدام أو السجن المؤبد، ويجوز القضاء بها في حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية غير العقوبتين السالف ذكرهما طوال مدة تنفيذ العقوبة، غير أنه لا يمكن أن يطبق على الأشخاص المكلفين بالنفقة على طفل أو أكثر.

وفي الأخير نشير إلى أن نفقة الزوجة لها أحكام تختص بها عن سائر النفقات ومنها ما يلي:

* لا تسقط بمضي المدة واطلاق جواز المطالبة بالنفقة عن مدة سابقة مهما طالت محل نظر، لأن فيه مباغتة للزوج وإرهاقه بمبالغ باهظة ورفعة واحدة،

* في حالة كون النفقة الواجبة للزوجة واجبة الأداء شهريا لزم اقتطاع مبلغها بأكمله كل شهر من حصة الأجر غير القابلة للحجز -المادة 390 من مدونة الشغل،

* عدم الإنفاق على الزوجة يمكن أن يكون سببا للتطليق القضائي، وامتناعها عن الرجوع لبيت الزوجية يمكن أن يكون سببا لإسقاطها، بينما العقوق وسوء العلاقة بين الأقارب لا تأثير له في استحقاق النفقة.

  • الفقرة الثانية: القضاء بالنفقة المؤقتة

نظرا للطابع الاستعجالي لقضايا النفقة، فإن القانون أعطى للقضاء إمكانية القضاء بنفقة مؤقتة ريثما يصدر حكم في الموضوع دفعا لضرر طول إجراءات التقاضي، والعمل القضائي كان مختلفا بخصوص الجهة الموكول إليها اختصاص القضاء بها ([32]) فالبعض أعطى هذه الصلاحية لقضاء الموضوع والبعض أسندها للقضاء الاستعجالي، والذي نراه أن القضاء بالنفقة المؤقتة إمكانية مقررة لقضاء الموضوع، سواء منها المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف، وقد يتراءى للوهلة الأولى صعوبة تصور هذه الإمكانية أمام محاكم الاستئناف، بعلة أن الحكم المستأنف هو سند تنفيذي يمكن اعتماده لمباشرة التنفيذ وتحصيل النفقة بدل اللجوء إلى هذه الإمكانية، لكن قد يكون الحكم المستأنف رفض طلب النفقة وبمناسبة نشر النزاع أمامها يمكن تفعيل هذه الإمكانية.

ولا يمكن الاعتداد بقاعدة حظر تقديم الطلبات الجديدة في المرحلة الاستئنافية، لأن الأمر لا يتعلق بطلب جديد، وإنما هو تعجيل جزء من القدر المتوقع صدور الحكم بشأنه.

وعلى خلاف ما هو مقرر في القانون المصري من قصر إمكانية القضاء بالنفقة المؤقتة على نفقة الزوجة وصغارها من زوجها، فإن القانون المغربي أورد هذه الإمكانية عامة تسري على جميع أصناف النفقات سواء منها نفقة الزوج على زوجته أو نفقة الفرع على أصله، أو نفقة الأصل على فرعه، أو النفقة التي سببها الالتزام، وتسري حتى على نفقة الأم على أبنائها سواء كان لذلك لعجز الأب كليا أو جزئيا، أو لتحملها ذلك كبدل للخلع، وتسري حتى على حالة عودة الإنفاق إلى الأب على أبنائه بعد عسر أمهم التي اختلعت بالإنفاق عليهم.

واذا كانت إمكانية الحكم بالنفقة المؤقتة متروكة لتقدير المحكمة في ضوء كل حالة، فما هي شروط الحكم بها؟ وما هي حجية الحكم بالنسبة للمحكمة التي أصدرته؟ وهل يقبل الطعن بصورة مستقلة أم لا يقبله إلا مع الحكم الصادر في الموضوع؟

أولا: شروط القضاء بالنفقة المؤقتة:

إن دعاوى النفقة كغيرها من الدعاوى قد تتشعب لارتباطها بطلبات أخرى، وتستغرق وقتا طويلا، لا يستطيع خلالها طالب النفقة مواجهة ظروف الحياة ومتطلباتها الأنية والضرورية ولهذا الاعتبار كرس المشرع إمكانية الحكم بنفقة مؤقتة ريثما يصدر الحكم في الموضوع. فما هي شروط أعمال هذه الإمكانية؟ يشترط لذلك أن تكون في إطار دعوى النفقة وبناء على طلب من صاحب الشأن.

إن الحكم بالنفقة المؤقتة هو تعجيل لجزء من النفقة المتوقع صدور الحكم بشأنها، وليس للقاضي أن يقضي بها تلقائيا، وإنما ينبغي أن يطالب بها صاحب المصلحة صراحة سواء بإدراج هذا الطلب في صلب مقال افتتاح الدعوى أو بموجب طلب عارض، وتكفي المطالبة بها شفاهيا أمام المحكمة والتنصيص على ذلك في محضر الجلسة. ومتى أثير هذا الطلب أمام هيأة المحكمة تعين عليها الفصل فيه بالإيجاب أو الرفض، وينبغي أن تتوفر على ما يكفي من الحجج لتقدير صحة الطلب، واستكشاف الوضعية المادية للملزم بها وحال مستحقها، لأجل تقدير يراعي العناصر التي حددها القانون لأن المحكمة في تقدير هذه النفقة ملزمة بالتقيد بالعناصر التي حددتها المدونة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الحكم بالنفقة المؤقتة ينبغي أن يكون بمناسبة دعوى معروضة على المحكمة، والاختصاص بهذا الشأن يعود لقضاء الموضوع، وذات الهيأة المعروضة عليها الدعوى

ولا يمكن أن يكون موضع الدعوى هو طلب النفقة المؤقتة لوحده. ومتى رفع إلى المحكمة طلب النفقة المؤقتة لوحده وبصورة مستقلة إلا وكانت الدعوى معيبة غير جديرة بالقبول والقضاء بالنفقة قد يكون بمبلغ دوري يومي أو أسبوعي أو شهري أو مبلغا إجماليا، وهذا الفرض الأخير قد لا يلبي حاجة طالب النفقة إذا طالت الإجراءات، ولا مانع من تجديد الطلب بهذا الشأن.

وقد حدد المشرع أجل شهر واحد من تاريخ طلب النفقة المؤقتة للفصل فيها، وهذا الأجل أجل تحفيزي وتنظيمي لم يرتب القانون أي جزاء على مخالفته. ونشير هنا إلى أن الفقرة الأخيرة للمادة 190 من مدونة الأسرة حددت أجلا أقصاه شهر واحد للبث في قضايا النفقة، ومتى تأتى للمحكمة التقيد بهذا الأجل، فلا ضير عليها من البث دون تفعيل إمكانية الحكم بالنفقة المؤقتة، لأن مقصود للمشرع قد تحقق بذلك مع بيان علة صرف النظر عن الفصل في طلب النفقة المؤقتة، وحتى مع عدم بيان ذلك فلا مصلحة في الطعن في الحكم.

ومتى أثير أمام المحكمة طلب النفقة المؤقتة، تعين تبليغه للمدعى عليه، لتمكينه من الدفاع عن نفسه وبسط دفوعه وتدعيمها بما لديه من أدلة.

وعلى الرغم من أن النيابة العامة تعتبر طرفا أصليا في قضايا الأسرة، فإننا نرى أنه لا يمكن لها أن تتقدم بطلب النفقة المؤقتة لصالح أحد الأطراف في الدعوى.

ثانيا: ثبوت موجب من موجبات الإنفاق

يقتضي الحكم بالنفقة المؤقتة قيام سبب لاستحقاقها، والإنفاق على الغير له أسباب محصورة حددتها المادة 187 من مدونة الأسرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك فيما يلي: الزوجية والقرابة والالتزام .

وفضلا عما ذكر، ينبغي أن تتحقق المحكمة من مطل الملزم بالإنفاق وامتناعه، والحاجة الملحة لمستحقها، والالتجاء إلى القضاء قرينة بسيطة على هذه الحاجة، ومن القرائن الممكن اعتمادها في مظل الملزم بالنفقة غيابه وتخلفه عن الجواب رغم استدعائه بصفة قانونية، ولكنها بسيطة قابلة للدحض.

ووجه الاختلاف بين نفقة الزوجة ونفقة الأقارب، أن هذه الأخيرة، مقررة للحاجة، وعلى المحكمة أن تتأكد من عسر طالب النفقة، بينما الزوجة يكفي ثبوت العلاقة الزوجية للقضاء بها ولا أحد يشارك الزوج فيها كما هو الشأن بالنسبة لنفقة الأبناء، إذ لا أحد يشارك الأب في الإنفاق على أبنائه بينما نفقة الأصول قد يتم توزيعها على فروعه ومن المتصور صدور حكم بالنفقة المؤقتة في مواجهة مدعى عليهم متعددين، بل وقد يصدر الحكم بالنفقة المؤقتة في مواجهة أحد الفروع ويحصل تنفيذه، وفي نهاية المطاف يحكم على من هو أولى بالإنفاق على نفس الأصل.

وشفع الحكم بميزة التنفيذ الفوري لا يحتاج إلى طلب صريح من صاحب المصلحة، ولا يلزم أن تصرح به المحكمة، لأن ذلك مقرر بقوة القانون إلا أن الفصل لم يبين كما هو الشأن في القانون المصري، إمكانية طلب المحكوم عليه المقاصة بين المبلغ المقضي به في مواجهته والمبلغ الذي سبق أداؤه، وعلى المحكمة أن تتفادى ما يمكن أن يؤدي إلى الاستشكال في التنفيذ، فلا يقضى للطالب بالحق مرتين ولا يمكن أن تكون المحكمة سببا في تفويت مقصود المشرع من هذه الإمكانية.

ثالثا: حجية الحكم القاضي بالنفقة المؤقتة

إن الحكم بالنفقة المؤقتة يوفر للمحكوم له حماية قضائية وقتية بتعجيل جزء من النفقة المتوقع الحكم بها فهل هو حكم قابل للطمن بصورة مستقلة مع أنه حكم صادر قبل الفصل في الموضوع ؟ هل يتمتع هذا الحكم بالحجية وملزم للمحكمة التي أصدرته ؟ هل من الممكن مساءلة المنفذ له عن التنفيذ الحاصل على هذا الأساس ؟

1)قابلية الحكم القاضي بالنفقة المؤقتة للطعن بصورة مستقلة

شرعت وسائل الطعن لأطراف الحكم لأجل استدراك ما قد يكون القاضي وقع فيه من خطأ في القانون أو سوء فهم للواقع، وتتوخى إلغاء الحكم أو تعديله للتخلص من آثاره أو جزء منها وممارسته الطعون متروك لمشيئة الأفراد، لأنها جوازية لهم أن يستعملوها أو يعدلوا عنها والحكم الصادر بشأن النفقة المؤقتة هو حكم قضائي يتوفر فيه عنصري التقرير والإلزام.

ويجب أن تتوفر فيه البيانات المنصوص عليها في الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية، وهي نفسها المتطلبة في جميع الأحكام.

ومادام هذا الحكم متوفرا على مقومات الحكم القضائي فهل يجوز الطعن فيه باستقلال ؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن التساؤل عن قابليته للطعن من عدمه، عديم الفائدة، طالما أن الأمر يتعلق بسند واجب التنفيذ رغم الطعن، إلا أنه أحيانا قد تكون الدعوى متشعبة ومتضمنة لطلبات متعددة تتطلب التأني والدارسة العميقة، مما يستغرق وقتا طويلا، ويحق للمحكوم عليه أن يسعى للتخلص من أثار هذا الحكم وإلزامية تنفيذه عليه، وقد يقضي الحكم برفض الطلب، ويحق لطالب النفقة المؤقتة اللجوء إلى محكمة الدرجة الثانية من أجل الحصول على سند تنفيذي يمكنه من اقتضاء نفقته ريثما يصدر حكم في الموضوع وبالنسبة للقانون المصري الذي يأخذ بدوره بإمكانية القضاء بالنفقة المؤقتة فإن الفقه يرى أنه لا يجوز الطعن فيه بصورة مستقلة سواء كان بالقبول أو الرفض ([33]).

أما بالنسبة للقانون المغربي فإن الجواب يحتمل فرضيتين:

*الأولي هي عدم القابلية للطعن بصورة مستقلة إلا مع الحكم الصادر في موضوع الدعوى لأن قابلية الطعن قد تؤدي إلى تشعيب النزاع بين المحكمة التي أصدرت الحكم، لأنها لم تستنفذ ولايتها بشأن النزاع بصفة نهائية، وبين المحكمة المطعون أمامها،

*الثانية هي قابليته للطعن من منطلق أن عدم القابلية للطعن استثناء ينبغي أن يصدر به نص صريح، ومادام الأمر يتعلق بحكم قضائي له حجيته ومتوفرة فيه مقومات الحكم القضائي فإنه يقبل الطعن، وإن الطعن يتناول فقط النقطة التي حسمت فيها محكمة الدرجة الأولى دون جوانب النزاع الأخرى .

وتبقى الفرضية الثانية هي الأقرب للصواب، ولا يمكن مسايرة ما هو مكرس بالقانون المصري، لأنه كرس هذه الإمكانية بموجب حكم غير معلل ويكفي فيه منطوق الحكم.

بينما في ظل القانون المغربي يقضى بهذه النفقة بموجب حكم مستوف لبيانات الحكم القضائي وواجب التعليل.

2)حجية الحكم القاضي بالنفقة المؤقتة

إن الحكم بالنفقة المؤقتة هو حكم صادر عن جهة قضائية وفي إطار سلطتها القضائية وهو حكم فاصل في نزاع حول الأحقية في النفقة المؤقتة، إلا أنه صادر قبل للحسم النهائي في النزاع فهو حكم وقتي موضوعي ومادام الأمر يتعلق بحكم قضائي، فإنه له الحجية فيما بين الخصوم وبالنسبة لذات الحق محلا وسببا، وعليه لا يمكن إقامة طلب جديد أمام نفس المحكمة بشأن النفقة المؤقتة وعن نفس المدة التي شملها الحكم.

ولأنه حكم وقتي وتدبير لسد الحاجات الضرورية والعاجلة لطالب النفقة فإن مصدره مرتبط وجودا وعدما بالحكم الذي سيصدر في موضوع الدعوى، فإذا صدر بشأن الاستجابة لطلب النفقة فإن وجوده يتأكد، واذا صدر برفض الطلب صار عدما وزال مفعوله وأصبح الحكم القاضي برفض الطلب سندا تنفيذيا لإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ويكون ما تم تحصيله هو من باب الدفع غير المستحق.

والحكم بالنفقة المؤقتة غير ملزم للمحكمة التي أصدرته، فبعد القضاء بالنفقة المؤقتة يمكن أن يثار أمامها الدفع بعدم الاختصاص المحلي، وتتجلى له وجاهة الدفع ولا يمنعها ذلك من الحكم بعدم الاختصاص المكاني، ويبقى الحكم الصادر بشأن النفقة المؤقتة ساري المفعول إلى أن تصدر المحكمة المختصة والمحالة عليها الدعوى حكمها في الموضوع. كما أن التقدير الذي اعتمدته غير ملزم لها فيمكن لها أن تزيد في المبلغ أو تنقص منه حسب ما ظهر له من دراسة القضية ولها أن تقضي بالنفقة بعد رد النفقة المؤقتة ولها كذلك أن تقضي برفض الطلب بعد القضاء بالنفقة المؤقتة، وللمحكوم عليه إمكانية الرجع بما تم تحصيله تنفيذا للسند القاضي بالنفقة المؤقتة.

ونشير هنا إلى أن مفعول الحكم القاضي بالنفقة المؤقتة يطبعه التأقيت من تاريخ صدوره إلى حين صدور الحكم في موضوع الدعوى، حتى ولو لم تبين المحكمة ذلك، لأن هذا الأخير يحل محله، ولأنها شرعت كإمكانية لسد الحاجيات الضرورية فلا شأن له بالمدة الماضية، وتفريعا على ذلك فإن المحكمة عند جاهزية الدعوى للفصل فيها ينبغي لها أن تأخذ في الحسبان الحكم الذي أصدرته، وتراعي مدة الإنفاق التي يستغرقها، تفاديا للتحصيل المضاعف لها.

3)مسؤولية المنفذ له عن تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة المؤقتة

إن طلب النفقة المؤقتة كغيره من الطلبات يكسب مرتين أمام المحكمة، الأولى بمناسبة صدور الحكم، والثانية خلال مرحلة التنفيذ فما الفائدة من كسب هذا الطلب إذا لم يحصل المحكوم له من الفائدة المرجوة منه بترجمة منطوق الحكم إلى واقع ملموس ؟

إن الحكم بالنفقة المؤقتة هو حكم قضائي استجمع عنصري التقرير والإلزام، وتتوفر له مقومات السند التنفيذي، ويعتبر كافيا للشروع في اتخاذ إجراءات التنفيذ المحددة قانونا في مواجهة المحكوم عليه لإشباع حاجيات المحكوم له. فإذا تجاوب المحكوم عليه مع المنطوق بالتنفيذ الاختياري يحسم الأمر، أما إذا تعنت فإن للمنفذ له أن يلجأ إلى تفعيل عنصر الإلزام الكامن فيه لإجباره على التنفيذ.

وتنفيذ الحكم بالنفقة المؤقتة تكتنفه مخاطر من حيث إمكانية صدور الحكم في موضوع الدعوى برفض الطلب أو إلغائه من طرف محكمة الطعن، وبذلك تثار مسؤولية المنفذ له عن ما يكون قد استوفاه استنادا إلى الحكم المذكور.

فقد سبقت الإشارة إل أن مصير الحكم بالنفقة المؤقتة هو مصير قلق يرتبط بمآل الدعوى، والتنفيذ الذي يباشر على أساسه هو تنفيذ معلق على شرط فاسخ، فحواه عدم صدور الحكم على نحو مخالف له، أو أن لا يلغى في مرحلة الطعن، وعليه إذا تحقق الشرط تحققت معه الأحقية في التنفيذ العكسي، وزالت معه أحقية المنفذ له في التنفيذ وإعمالا للأثر الرجعي للشرط ينبغي إعادة الحالة إلى ما كانت عليه فالمنفذ عليه يتولد له الحق في استرداد ما سبق استيفاؤه منه، وله بدوره إعمال قواعد التنفيذ الجبري في مواجهة المنفذ له.

ومن جانب آخر فإن المبالغ التي تم تحصيلها على أساس الحكم بالنفقة المؤقتة، إذا صدر حكم في موضوع الدعوى برفض الطلب، يرتفع عنها طابع النفقة، وتصبح دينا قابلا للمقاصة، وقابلا للحجز، ويحق للغير الدائن للمنفذ عليه أن يجري حجزا بين يدي المنفذ له على هذه المبالغ.

كما أن التنفيذ الاختياري للحكم القاضي بالنفقة المؤقتة من جانب المنفذ عليه لا تأثير على أحقيته في الرجوع على المنفذ له.

ويثير تنفيذ الحكم بالنفقة المؤقتة إشكالات أكثر عمقا، ويولد عواقب أحيانا يصعب تداركها، فالامتناع عن التنفيذ هو إمساك عمدي عن نفقة مقضي بها يطاله التجريم، ويمكن أن يقضي المحكوم عليه عقوبات حبسية وفي نهاية المطاف يصدر حكم بعدم استحقاق النفقة، ويصير الحكم الذي على أساسه أجريت المتابعة عدما. وبصفة عامة فإن المتابعة أثيرت استنادا إلى حكم قضى بالنفقة واجب النفاذ، ومع ذلك فإن إمكانية تصور التقاضي الكيدي قائمة، ومتى تحقق ذلك فلا مانع من إثارة المسؤولية والمطالبة بالتعويض على هذا الأساس .

خاتمة

لقد حاولنا في عجالة الوقوف عند أحكام النفقة في ضوء مدونة الأسرة وبسط بعض مظاهر الحماية التشريعية لها، إلا أن نجاعتها أو عدمها أحيانا ترتبطان بأمور لا صلة لها بمقتضيات القانون ولا أحكام القضاء، كالمعاكسات والعناد من جانب الخصوم ومدى انخراط جهات أخرى في تفعيلها، وبعض الأحكام تعرف التلكؤ والتباطؤ في التنفيذ، وقد تكون إجراءات التنفيذ غير مثمرة بالجملة ولأن المعوز في ضمان المجتمع بوجه عام، لأجل ذلك وجب التفكير في آليات لمعالجة هذه المشكلة، على غرار ما هو معمول به في بعض القوانين المقارنة كالقانون التونسي الذي أحدث صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق، وحتى هذه الحماية بدورها لا تسلم من بعض المآخذ، واذا كان مقصود المشرع من المادة 179 مكرر من قانون المسطرة المدنية، هو توفير الحماية الوقتية لطالب النفقة بتمكينه من ما يواجه به متطلباته المعيشية استنادا إلى حكم صادر قبل الفصل في الموضوع، فإن القضاء مدعو للتعامل مع هذا الفصل في إطار هذه الغاية وإيجاد الحلول للعديد من الإشكاليات التي ستواكب تفعيله.


[1] جاءت مدونة الأسرة دقيقة في تناولها للنفقة مقارنة مع ما كان عليه الأمر في مدونة الأحوال الشخصية المنسوخة.

[2] سورة الطلاق، الآية 6

[3] للتفصيل في هذا الموضوع الرجوم إلى مقالة ذ. محمد فاروق النبهان، علة الإنفاق على الزوجة في نظر الفقه الإسلامي، مجلة القضاء والقانون، عدد مزدوج 141/140، ص 83 و ما بعدها.

[4] قرار المجلس الأعلى عدد 69 بتاريخ 8/5/1970،،مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 21 وقرار 384 بتاريخ 10/9/2003، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 54/53، صفحة 105.

[5] كانت المادة 99 من المرسوم بقانون لعام 1931 تجعلها في ثلاث سنوات، و استكثر المشرع المصري هذه المدة و قلصها إلى سنة واحدة بموجب القرار بقانون عدد 44 لعام 1979

[6] الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا، منشورات دار الكتب الجامعية، طبعة 97 المجلد الثاني، صفحة 101.

[7]ذ. عبد المجيد غميجة، موقف المجلس الأعلى من ثنائية القانون والفقه في مسائل الأحوال الشخصية، ص 142.

[8] أنظر تفصيل هذا الخلاف في مؤلف معين الحكام على القضايا والأحكام لابن عبد الرفيع، طبع دار الغرب الإسلامي، الجزء I، ص 359.

[9] سورة البقرة، آية 229

[10] سورة البقرة، آية 231.

[11] قرار عدد 121 بتاريخ 2007/2/21، أهم القرارات الصادرة عن غرفة الأحوال الشخصية والميراث، ص 293

[12] قرار عدد 172 بتاريخ 2007/3/31، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 68، ص 90 وما بعدها

[13] قرار عدد 552 بتاريخ 2008/9/27، منشور بمجلة الملف عدد 10، أبريل 2007، ص 181

[14] سورة الإسراء، آية 23

[15] سورة لقمان، آية 15

[16] أنظر تفصيل هذا الاختلاف في جواهر الإكليل في شرح مختصر خليل لعبد السميع الأبي الأزهري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1997، ص 577 الجزء الأول.

[17] قرار عدد 86 بتاريخ 2006/2/8 منشور بمجلة القصر، عدد 18، ص 155

[18] قرار عدد 384 بتاريخ 2003/9/17، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 61، ص 120

[19] قرار عدد 510 بتاريخ 13/9/2006، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 67، ص 154.

[20] سورة الفرقان، أية 15

[21] هناك نقاش في الفقه الإسلامي وجعل البعض من عناصرها استئجار المؤنسة إذا كانت الزوجة تقيم مع زوجها في مكان موحش وتكفين المستحق لها وتجهيزه عند الموت وتزويج المستحق لها إذا كان تائقا إلى الزواج والإنفاق على زوجة الأب واستئجار الخادم له عند الشيخوخة.

[22] سورة الفرقان، آية 67

[23] سورة الإسراء، آية 190

[24] ذ. محمد ابن معجوز، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، ص 117

[25] قرار عدد 326 بتاريخ 2008/6/25 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 70 ص 149، والقرار عدد 152 بتاريخ 2008/3/26 منشور بنفس المجلة، ص 139 والقرار عدد 381 بتاريخ 2005/7/20 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 54/53، ص 173.

[26] قرار المجلس الأعلى عدد 81 بتاريخ 2005/2/16، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 54/53، ص 152.

[27] تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية من خلال كتاب البهجة في شرح التحفة، الصادق بن عبد الرحمان الغرياني، طبع دار ابن حزم عام 2005، ص 125

[28] القانون منشور بالجريدة الرسمية عدد: 5170 ص 4240 بتاريخ 2003/02/18، ونص على دخوله حيز التنفيذ داخل أجل شهر من تاريخ النشر.

[29] ذ. احمد نصر الجندي، الحضانة والنفقات في الشرع والقانون، دار الكتب القانونية، طبعة 2004، ص 148

[30] المشرع منشور بالمجلة العربية للفقه والقضاء، العدد 02، السنة الثانية، أكتوبر 1985

[31] ذ. عبد الواحد العلمي ” المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي ” مطبعة النجاح الجديدة، الجزء الأول، ص 21.

[32] تفصيل هذا أشار إليه ذ. عبد المجيد غميجة، مرجع سابق، ص 329.

[33] ذ. احمد أنور الجندي، التقاضي في الأحوال الشخصية، عام 1990 ص 11

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading