محمد يسف
بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة المغربية الرباط، في
المجلس العلمي الأعلى
الكتابة العامة
نص الجواب
المتضمن للرأي الفقهي بشأن سؤال وزارة الداخلية
حول وضع المرأة داخل الجماعة السلالية
وحرمانها الاستفادة من التعويضات المادية التي يستفيدها الرجل
إثر العمليات العقارية التي تجرى على بعض الأراضي الجماعية
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
“ربنا أتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا“
وبعد ، فقد تدارست لجنة من هيأة الإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى موضوع السؤال المشار إليه ، قصد إبداء الرأي فيه من الوجهة الشرعية ، وذلك على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، ومن خلال منظورها وتكريمها للإنسان ، وما قررته له من حقوق إنسانية واجتماعية ثابتة، رجلا كان أو امرأة ، وخلصت إلى الرأي الفقهي المتضمن للفتوى الشرعية الآتية:
أولا: تتوجه المؤسسة العلمية للمجلس العلمي الأعلى بالشكر والتقدير لوزارة الداخلية على التوجه إليها بموضوع السؤال ، قصد دراسته ، وإفادتها بما يتعلق به من المنظور الشرعي.
ثانيا: اطلع المجلس على رسالة وزارة الداخلية المتضمنة للسؤال عن وضع المرأة داخل الجماعات السلالية وحرمانها في ذلك من الاستفادة مما يستفيد منه الرجل من التعويضات المادية والعينية ، التي تحصل عليها هذه الجماعات إثر العمليات العقارية التي تجري على بعض الأراضي الجماعية ، وعن موقف الشريعة الإسلامية من ذلك.
واطلع أيضا على نصوص الظهائر الشريفة المنظمة لذلك ، وعلى نصوص المراسيم والدوريات الموضحة له.
وبعد استماع لجنة من هيئة الإفتاء إلى الإفادات والتوضيحات التي قدمها بعض السادة من الأطر العليا المسؤولين عن القطاع بوزارة الداخلية.
وبعد النظر في كل ذلك وعرضه على نصوص الشريعة الإسلامية وأصولها وقواعدها العامة ، ومقاصدها الحكيمة، خلصت إلى الآتي:
إن الشريعة الإسلامية لا تمنع المرأة أن تستفيد مما يستفيد منه الرجل داخل الجماعات السلالية ، وأن تأخذ مما يناله من المكاسب المادية إثر العمليات العقارية التي تجري على أراضي الجموع ،وأنه لا وجه لاستثنائها من ذلك ، ولا مبرر لحرمانها منه كليا ، للأدلة النقلية الاتية:
- عمومات نصوص الشريعة الإسلامية ، ومنها
- عموم قوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (س، النساء/32) .
- عموم قوله النبي صلى الله عليه وسلم : ” النساء شقائق الرجال ” ( أي في الأحكام الشرعية العامة ، إلا ما خص به الشرع أحد الجنسين ).
- عموم قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستشهده من بعض الصحابة على عطية أعطاها لأحد أولاده دون بقيتهم : “أكل ولدك نحلته”، ( أي هل أعطيت عطية لجميع أولادك ؟ ) فأنكر عليه تخصيص أحد أولاده بها دون الأولاد الآخرين ، ذكورا كانوا أم إناثا ، ولم يقل أن يشهد عليها.
2 – حين برزت في المجتمعات الإسلامية ظاهرة حرمان البنات من التبرعات بعطايا الهبات وغيرها ، كان ذلك انحرافا عن منهج الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل الذي جاءت به وأقرته من أحكامها ، فتصدى العلماء لهذه الظاهرة ، وبينوا مخالفتها للشرع الإسلامي الحكيم.
وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين ، في مقدمة من أنكر حرمان الإناث من تبرعات الاباء، و كانت ترى في إخراج النساء من العطاء واستثنائهم منه ، أنه فعل من أفعال الجاهلية ، وهو ما كان يراه الإمام مالك رحمه الله.
وأن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه مات حين مات ، وهو يريد أن يرد صدقات الناس ، التي أخرجوا منها النساء، كما جاء ذكر ذلك والتنصيص عليه في المدونة.
3- تغير العرف الذي بني عليه في الجماعات السلالية قصر الاستفادة على الرجال وتخصيصهم بها دون المرأة ، على اعتبار أن الرجل كان مصدر الحماية في القبيلة والرعاية في العشيرة ، وغير ذلك من الذرائع العرفية ، التي إن صحت وكانت مقبولة فيما مضى من الزمان ، فإنه لم تعد اليوم واقعا يمكن قبوله والاستناد إليه ، فقد زال هذا العرف وصارت الدولة بقوانينها ومؤسساتها هي الحامية للقبائل والعشائر ، والراعية لشؤونها وشؤون غيرها من مكونات المجتمع المغري وعناصره الحضرية والقروية المتماسكة ، ومن المعلوم أن الحكم الشرعي المبني على عرف ، يتغير بتغيره كما هو مقرر عند الفقهاء .
4- القاعدة الاستصحابية : أن الأصل المساواة بين الرجال والنساء فيما بينهم ، وبين الرجال فيما بينهم ، وبين النساء فيما بينهم ، حتى يثبت دليل بخلاف ذلك ، وليس هناك دليل في تخصيص الرجال بالاستفادة دون النساء من أرضي الجموع .
5- المتتبع لنقل الحقوق المالية في الشريعة الإسلامية يجد أنها لم تفرق بين الرجال والنساء في هذا النقل ، وأنها كما أجازت وشرعت نقلها للرجال شرعت ذلك للنساء أيضا، كما هو الحال في الإرث والوقف والهبة والشفعة والعمرى والرقبى ، وغير ذلك من وجوه الحقوق المالية وتناقلها من السلف إلى الخلف.
6- دلت نصوص الشريعة في عمومتها على أن إحياء الأرض الموات ( التي لا مالك لها) وذلك بالقيام باستصلاحها وخدمتها أو الانتفاع بمنتوجها)، يوجب تملكها للرجال والنساء معا ، ولم تخص في ذلك الرجال دون النساء.
والأصل فيه من الوجهة الشرعية الحديث الصحيح عند الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من أحي أرضا ميتة فهي له ” ، وقال : ” من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها ” .
7- قيام الحاجة إلى إشراك النساء في الاستفادة من منفعة أراضي الجموع ومنتوجها الفلاحي باعتبارها من الأسرة ومندمجة في الجماعة أثناء الانتفاع بتلك الأراضي واستغلالها الزراعي ، ومن التعويضات والعائدات المالية حين حصول شيء من البيع والتفويت فيها ، لأن منهم المعيلات لأصولهن وفروعهن وغيرهم من قرابتهم وذويهن، فضلا عن استوائهن من الرجال في العمل وبذل الجهد وخدمة العشيرة والقرابة ، وقد تفوق بعض النساء الرجال في ذلك.
فيكون ما تستحقه المرأة من ذلك وتستفيده بمثابة الأجر على ما قامت به من عمل غير مطلوب منها شرعا لفائدة الأسرة ، وبذلته من مجهود بدني إلى جانب الرجل لإعانته على تقوية الإنتاج الفلاحي ومضاعفة محصوله الزراعي ، أو جنيه حين الإنتاج والنضج ، مما يصطلح عليه فقها بعبارة ” الكد والسعاية “، ويعتبر من قبيل العوض المادي عن ذلك، كما يراه بعض فقهاء المغرب في شأن من يقوم بمثل تلك الأعمال من نساء البادية ، لا من قبيل الإرث والتوارث الشرعي ، الذي له أسبابه وأحكامه الشرعية الخاصة به ، كما هي مفصلة في كتاب الله وسنة نبيه ، وأجمع عليها العلماء الفقهاء سلفا وخلفا.
وقد نصت مدونة الأسرة في المادة (49) على أنه : “إذا لم يكن هناك اتفاق ( أي بين الزوجين في تدبير أموالهما التي تكتسب أثناء قيام الحياة الزوجية ) فيرجع للقواعد العامة للإثبات ، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين ، وما قدمه من مجهودات ، وما تحمله من أعباء لتنمية الأسرة .
وخلاصة الرأي الفقهي بشأن وضع المرأة في الجماعات السلالية ، ومطلب استفادتها من بعض المكاسب المادية والاجتماعية التي يستفيدها الرجل داخلها.
استنادا لكل ما تقدم من الأحكام الشرعية و القواعد الفقهية العامة ، والإشارة إلى الظهائر الشريفة المتعلقة بالموضوع ، والمنظمة لتفاصيل أحكامه؛
فإن الرأي الفقهي الذي خلص إليه المجلس ويراه هو أن مسألة حرمان المرأة من بعض الحقوق المالية والمكاسب الاجتماعية في مثل هده الحال ،هي حال كان عليها أهل الجاهلية قبل الإسلام ، فجاء الدين الإسلامي الحنيف بتكريم المرأة وإنصافها ، وتمتيعها بالحقوق المالية التي شرعها لها ، بدءا من حقها في الإرث من قريبها المتوفي ، وفق القسمة الشرعية، وفي غير ذلك من الحقوق الأخرى . فأبطل الإسلام تلك الأعراف والعوائد التي كانت تحرم المرأة من حقوقها الإنسانية وتعتبرها إنسانا ناقص الأهلية ، وحسم في الأمر وأنصف المرأة ، وأعطاها حقوقها المشروعة على التفصيل المبين في كتاب الله تعالى وسنة نبيه المصطفى وكلام السلف الصالح من أئمة العلماء الفقهاء سلفا وخلفا.
وأنه لكل ذلك من حق المرأة في الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من الانتفاع بالأراضي الجماعية ومنتوجها داخل الأسرة والجماعة ، خلال حصول الانتفاع بها، ومن كل تقسيم للمنفعة إذا حصل تقسيم فيها ، ومن العائدات المالية التي تحصل عليها الجماعة إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية ، (علما بأن ظهير 12رمضان 1382 (6 فبراير 1963 ينص على أن الأراضي الجماعية غير قابلة للتقادم ولا للتفويت والحجز) .
وأن يكون ذلك بمعايير عادلة ، يتبين على أساسها من يكون جديرا بتلك الاستفادة وأحق بها ، وتعطي لكل ذي حق حقه في اطمئنان من رجال ونساء تلك الجماعات ، إنصافا للمرأة في مثل هذه الأحوال من المكاسب المادية والعطاءات الاجتماعية والتبرعية ، بنا ء على تلك المعايير الموضوعية المنصفة ، وتحقيقا للعدل التي جاء بها شرع الإسلام ، وجعله من أسس وتجليات تكريم الإنسان ، رجلا كان أو امرأة ، والمأمور به في عموم قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (سورة المائدة :8)
والله تعالى أعلم وأحكم
وهو سبحانه من وراء القصد
وولي التوفيق والهادي إلى الرشاد وأقوم سبيل.
عن المجلس العملي الأعلى
الكاتب العام للمجلس العملي الأعلى


