حمري سعيد

باحث في ماستر الحكامة القانونية والقضائية كلية الحقوق المحمدية

مقدمة:

إن تحصيل الدين الضريبي و استخلاصه يكتسي أهمية كبرى بالنظر الى أنه يشكل تتويجا لمجموعة من الإجراءات المتعلقة بتأسيس و تصحيح الضريبة.

و المبدأ في الدين سواء كان خاصا أو عاما أنه يعتبر واجب الأداء بمجرد حلول أجله، إلا أن الدين الضريبي و بالنظر الى أنه يدخل في طائفة القرارات الإدارية، فان الحصول على وقف تنفيذه بصفة مؤقتة يبقى واردا متى توفرت شروط ذالك.

و يختلف نظام وقف التنفيذ عن نظام وقف الأداء من مجموعة من النواحي، على اعتبار أن هذا الأخير مسطرة إدارية، منظمة بنصوص خاصة في مدونة تحصيل الديون العمومية. زيادة على أنها تدخل في إطار السلطة التقديرية للمحاسب.في حين أن مسطرة إيقاف التنفيذ مسطرة قضائية، يتطلب سلوكها إتباع الإجراءات المقررة في القانون الإجرائي.

و ضمانا لحقوق الإدارة الضريبية، اشترط المشرع في المادة 242 من المدونة العامة للضرائب و المادة 117 من قانون 15.97، ضرورة توفير الضمانات المحددة في المادة المذكورة. فإلى أي حد ينسجم التنظيم القانوني لهذه الآلية مع هدف المشرع إعطاء الملزم ضمانة تمكنه من تفادي الآثار السلبية الناتجة عن التنفيذ على أمواله و في نفس الوقت حماية حقوق الإدارة ؟ و ما موقف القضاء الإداري من شرط الضمانة ؟

المطلب الأول: التنظيم القانوني لمسطرة وقف التنفيذ و إشكالاته:

نظم المشرع المغربي وقف تنفيذ الضرائب تحت شرط تقديم الضمانة بمقتضى المادة 242 من المدونة العامة للضرائب و المادة 117 من قانون 15.97 . و تنص الفقرة الرابعة من  المادة 242 بعد التعديل المدخل عليها بمقتضى قانون المالية لسنة 2009 و قانون مالية 2016 على أنه ” بالرغم من جميع الأحكام المخالفة، لا يمكن إيقاف تنفيذ تحصيل الضرائب و الواجبات و الرسوم المستحقة اثر المراقبة ضريبية إلا بعد وضع الضمانات الكافية كما هو منصوص عليها في المادة 118 من القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية”. في حين تنص المادة 117 م.ت.د على أنه ” بصرف النظر عن أي مطالبة أو دعوى، ينبغي على المدينين أن يؤدوا ما بذمتهم من ضرائب و رسوم و ديون أخرى، طبقا للشروط المحددة في هذا القانون.إلا أنه يمكن للمدين الذي ينازع كلا أو بعضا في المبالغ المطالب بها،أن يوقف أداء الجزء المتنازع فيه، شريطة أن يكون قد رفع مطالبته داخل الأجال المنصوص ضمانات  عليها في القوانين و الأنظمة الجاري بها العمل، و أن يكون قد كون ضمانات من شأنها أن تؤمن تحصيل الديون المتنازع فيها.

عند عدم تكوين ضمانات أو عندما يعتبر المحاسب المكلف بالتحصيل الضمانات المعروضة عليه غير كافية،فانه يتابع الإجراءات الى حين استيفاء الدين“.

و قد أثارت المقتضيات الجديدة التي جاء بها قانون مالية 2009 مجموعة من الإشكالات:

أولا: الإشكال المتعلق بنوع الضرائب المعنية بالضمانة:

بالرجوع الى المادة 117 يتضح أنها جاءت عامة و شاملة للضرائب المتنازع فيها، دون اعتداد بالمساطر المتبعة في فرض الضريبة أو التمييز بين الضرائب الناتجة على اثر مسطرة التصحيح أو تلك الصادرة على اثر الفرض التلقائي. كما أنها لم تميز بين طبيعة المنازعة و ما إذا كانت تستهدف وعاء الضريبة أو تحصيلها. و بناءا على ذالك فسواء تم فرض الضريبة بناءا على إقرار الخاضع أو بناءا على سلوك الإدارة الضريبية لمسطرة التصحيح أو الفرض التلقائي، فان الملزم يقدم الضمانة في حال المنازعة. بخلاف هذه المقتضيات حصرت المادة 242 م.ع.ض شرط الضمانة في الضرائب الصادرة على اثر مسطرة التصحيح. بمعنى أن الضمانة غير إلزامية في باقي الضرائب، سواء المفروضة على اثر سلوك الإدارة لمسطرة الفرض التلقائي أو تلك التي تهم المنازعة في الرسوم و الضرائب غير الصادرة على اثر سلوك الإدارة لمسطرة التصحيح. من خلال هذه المقارنة بين المادة 242 و المادة117 يتضح التعارض الذي يطبع مقتضياتهما. ففي الوقت الذي وسعت فيه المادة 117 من نطاق الضرائب المعنية بالضمانة، حصرت المادة 242 نطاق الضمانة في الضرائب الناتجة على اثر المراقبة.الأمر الذي يمكن القول معه أن هذه الأخيرة لم تأتي بجديد مادامت المادة 117 من قانون 97-15 جاءت شاملة و عامة لجميع الضرائب.

ثانيا: الضمانة في علاقتها بمالية الدولة و بالعدالة الضريبية:

بغض النظر عن الأهمية التي تكنسيها الضمانة كشرط لوقف تنفيذ الضرائب، إلا أنها تخفي جوانب سلبية. على اعتبار أن الضمانة في كثير من الحالات تؤدي الى تأجيل عملية تحصيل موارد المالية مهمة لفائدة خزينة الدولة، لمجرد أن المقاولة تتوفر على عدة ضمانات.بالإضافة الى أن الخاضعين للضريبة بخاصة الأثرياء يجيدون فيها وسيلة لعرقلة عملية تحصيل الضريبة، عبر إثارة منازعة قد لا تكون جدية في بعض الأحيان. و يهدفون فقط الى المماطلة و التسويف في أداء الضريبة.

من جهة و ارتباطا بعلاقة الضمانة بالعدالة الضريبية، نشير الى أن تقديم الضمانة يطرح صعوبة كبيرة بالنسبة للخاضعين الذين لا يتوفرون على ضمانات كافية الأمر الذي يجعل من الضمانة أداة لخدمة فئة ميسورة من الخاضعين.

المطلب الثاني: موقف القضاء الإداري من الضمانة:

لاستجلاء موقف القضاء الإداري من الضمانة كشرط لوقف تنفيذ الضرائب نميز بين مرحلتين.

أولا: قبل سنة2009:

قبل تدخل المشرع الضريبي لتعديل أحكام المادة 242 بموجب قانون المالية لسنة2009 لم تكن الأوامر و القرارات القضائية المتعلقة بموضوعنا تخرج عن حالتين:

  1. حالة اشتراط تقديم الضمانة: و تتعلق هذه الحالة بالأساس بالمنازعات التي لا تشمل جميع المبلغ الضريبي.و هذا ما جسده قرار عدد187 المؤرخ في 30-11-2000 في الملف الإداري عدد 585/4/1/1999 حيث اعتبر المجلس الأعلى- محكمة النقض- أن اشتراط إيداع الضمانة لطلب إيقاف إجراءات الاستخلاص يخص الحالة التي تكون فيها المنازعة في الضريبة جزئية.و نفس التوجه تم التأكيد عليه في قرارها عدد 563 الصادر بتاريخ 27/09/2001.
  2. حالة عدم اشتراط تقديم الضمانة: القضاء الإداري لا يشترط تقديم الضمانة في مجموعة من الحالات:
  1. المنازعة في مسطرة ربط الضريبة: ورد في تعليل قرار121 الصادر في 847/4/1/2001 عن المجلس الأعلى- محكمة النقض-“إن الفرض التلقائي للضريبة دون احترام مسطرة الربط الضريبي المنصوص عليها قانونا حسب الحالة الظاهرة لمعطيات القضية يجعل عنصر الجدية متوافرا في النازلة و بتالي مبررا لاستجابة لطلب إيقاف التنفيذ.
  2. المنازعة في مشروعية الضريبة: في هذا الإطار جاء في قرار عدد 1150 الصادرة عن المجلس الأعلى-محكمة النقض- بتاريخ 1997/07/10 “إذا كانت المنازعة تخص مشروعية الضريبة نفسها و تنصب على مبدأ فرضها كأن يتمسك المعني بالأمر بأنه غير ملزم بأداء هذه الضريبة….إمكانية الأمر بتأجيل تنفيذ أداء الضريبة بدون كفالة”.

ثانيا: بعد سنة 2009:

بعد التعديلات المدخلة على المدونة العامة للضرائب بمقتضى قانون مالية سنة 2009 .عرف العمل القضائي نوعا من الارتباك، ظهر ذالك من خلال تضارب في القرارات الصادرة عن المحاكم.ففي الوقت الذي حافظت فيه محكمة النقض على التوجه القديم، و ذالك ما يظهر من خلال القرار عدد 382 الصادر بتاريخ 20/05/2010 الذي اعتبر أن المطلوبة في النقض و مادام أنها تنازع في الغرامات المفروضة عليها من طرف إدارة الضرائب فإنها لا تكون ملزمة بتقديم الضمانة. و على مستوى استئنافية الرباط يلاحظ تغير في توجهها السابق، بحيث لم تكن تشترط إيداع الضمانة إذا تعلق الأمر بمنازعة في الصفة. بحيث اعتبرت في قرارها عدد 145 الصادر بتاريخ 27/06/2011 أن منازعة الشركة في صفتها كملزمة بالضريبة على الشركات برسم سنة 2006 على اعتبار أن وجودها القانوني ابتدأ في سنة2009 يعفيها من تقديم الضمانة.

إلا أنها سرعان ما تراجعت عن ذالك، بحيث أصبحت تشترط ضرورة تقديم الضمانة متى تمسكت الإدارة بكون الضرائب موضوع الطلب ناتجة عن سلوك الإدارة لمسطرة المراقبة و ذالك ما تجسد في قرارها عدد05 الصادر بتاريخ 02/01/2012.

أما محاكم الأدنى درجة و تأثرا منها بالتوجه الجديد لمحكمة الاستئناف الإدارية. أصبحت في الغالب تتصدى للمقالات الرامية لإيقاف إجراءات التحصيل الضريبة الصادرة على اثر المراقبة الضريبية بعدم القبول. على الرغم من تضمن كثير من المقالات لأسباب جدية كالمنازعة في صفة الخاضع للضريبةأمر رقم 721 الصادر عن رئيس محكمة الإدارية بتاريخ 19/9/2013).أو المنازعة في شرعية مسطرة التصحيح (أمر رقم 962 بتاريخ 29/7/2011).

انطلاقا مما سبق يمكن القول أن التوجه الجديد الذي بات ينتهجه القضاء ألاستعجالي أصبح يضيق الخناق على الملزم و يحرمه من الاستفادة من ضمانة تشريعية مهمة تحميه من مواجهة جميع إجراءات التحصيل الجبري.

قائمة المراجع:

  • يونس مليح الضمانات المسطرية للملزم في مواجهة الإدارة الضريبية، سلسلة مغربية للعلوم و التقنيات الضريبية،العدد التاسع،مطبعة الأمنية،الرباط،توزيع مكتبة الرشاد سطات.
  • العمل القضائي و المنازعات الضريبية ،أشغال اليومين الدراسيين 28و29 مارس2005،دفاتر المجلس الأعلى،عدد8/2005 مطبعة اليت.
  • لعسري جواد قراءة في المادة 242 م.ع.ض جريدة المساء عدد 1581و 1582-24 و 25 أكتوبر2011.
  • دفاتر المجلس الأعلى عدد9/2005.
  • أحكام و قرارات:
    • أمر استعجالي إدارية الرباط رقم 962 ملف عدد 909/1/2011 بتاريخ 29/7/2011.
    • أمر صادر عن رئيس محكمة الإدارية بالرباط 721 ملف عدد 636/7101/2013 بتاريخ 19/9/2013.
    • قرار المجلس الأعلى سابقا رقم 187 ملف إداري عدد 585/4/1/1999 بتاريخ 30/11/2000.
    • قرار المجلس الأعلى رقم 05 إداري 275/2011/2 بتاريخ 02/01/2012.
    • قرار المجلس الأعلى 382 ملف إداري 373/4/1/2010 بتاريخ 20/05/2010.
    • قرار المجلس الأعلى عدد 121 ملف إداري 847/4/1/2001 بتاريخ 02/11/2000.
    • 1150  قرار المجلس الأعلى عدد 1150 ملف إداري 483/5/1/1997 بتاريخ 10/07/1997.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading