إعداد: عبد المنعم إبراهيم عباس

التنظيم الإداري في الفكر الوصفي يتجسد في توزيع الوظائف والأعمال أما في النظم الإسلامية يدور في فلك التنظيم الرباني

مفهوم التنظيم الإداري والفلسفة التي يرتكز عليها في النظم الإسلامية

هناك اختلافاً جذرياً بين مفهوم التنظيم الإداري في كل من الفكر الإسلامي والفكر الوضعي. فالتنظيم الإداري في الفكر الوضعي يتجسد في كونه توزيع الوظائف والأعمال اللازمة لتحقيق هدف معين على أجزاء أو وحدات عمل تتدرج فيما بينها في تسلسل هرمي بحيث تكون متسقة مع بعضها البعض وتكمل كل منها الأخر هذه الأجزاء أو تلك الوحدات تضم عدد من العمال لكل منهم سلطات مستمدة من مسئوليات محددة ويجمع بينهم الرغبة في المساهمة والتعاون على تحقيق أهداف المنظمة. أما مفهوم التنظيم الإداري في الفكر الإسلامي يدور في فلك تنظيم أعم تنظيم دقيق في معناه أمثل في صورته إنه التنظيم الرباني للكون بأكمله ذلك التنظيم الذي يؤكد على وجود وعظمة ووحدانية الله سبحانه وتعالى تنظيم يضمن لهذا الكون البقاء والاستمرار دون خلل أو توقف أو تأخر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها “يقول المولى عز وجل وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (38) والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40). وإذا كان التنظيم الإداري في النظم الإسلامية يدور في تلك التنظيم الرباني فإنه يستمد والحال هكذا من عظمة خالقه ومن رسول مالكة أسس ومعطيات وكيفية تسييره فيكون بذلك تنظيماً قويماً تتمكن الأمة عن طريقه من درء المفاسد وجلب المنافع وهي أسس غاية لأية منظمة إدارية في هذا الوجود لأي فكر إداري على هذه الارض، بل وهي تسعى إليه المجتمعات العصرية جمعاء وتحاول جاهدة أن يبرزه بالدراسات الفقهية أو النظرية ولكنها لا ولن تصل إليه في الواقع العملي دون أن تتخذ من الإسلام نوراً ومن تعاليمه السمحة هداية وطريقاً. ففي عهد النبوة حيث كان المجتمع صغيراً وحاجياته محدودة وكان التنظيم تبعاً لذلك بسيطاً ومحدوداً فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر إدارة المجتمع الإسلامي بذاته وبمعاونة الذين كان يحسن اختيارهم ويدقق في صفاتهم. فقد قال رسول الله عليه وسلم <<إذا أراد الله بقوم خيراً ولى عليهم خلفاءهم وقضى بينهم علماؤهم وجعل المال في سماحتهم وإذا أراد بقوم شراً ولى عليهم سفهاءهم وقضى بينهم جهالهم وجعل المال في نجلائهم>>. وعندما تولى الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمر المسلمين فقد وجد لزاما عليه أن يسير على خطى المنهج المحمدي في إدارة شئون الدولة مع التعديل الذي أقضاه بطبيعة الحال إعادة توزيع العمل لمواجهة ما أستجد من أعباء جسام ظهرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي عهد عمر عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فكان لزاماً أن يتطور مفهوم التنظيم الإداري لتلك الدولة ليساير الأوضاع الجديدة ويتلاءم معها لذلك فقد فصل عمر بن الخطاب رضي الله عنه السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وذلك بإسناد مهمة القضاء إلى قضاة مستقلين عن ولاه الإمارات والولايات الإسلامية كما اعتنى بتنظيم الإدارة وأنشأ الدواوين التي تساعده على ذلك.

في عهد عمر بن الخطاب.. فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وأسند مهمة القضاء إلى قضاة مستقلين عن الولاة

هذا وقد سار كل من عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما على ذات منهج عمر بن الخطاب. أما في عهد الدولة الأموية والدولة العباسية حيث وصلت الدولة الإسلامية إلى أقصى درجة من الاتساع فقد امتدت سلطاتها شرقاً وغرباً حتى شملت ولايات مختلفة ومتباعدة مما جعل المسلمين يختلطون بأجناس وشعوب أخرى ذات ميول متنوعة وديانات متعددة وعادات وتقاليد مغايرة لذلك فقد ظهرت الحاجة إلى إعادة التنظيم الإداري وذلك بإنشاء العديد من الدواوين واستحداث كثير من الوظائف لمواجهة المتغيرات. ومع ذلك تجدر الملاحظة إلى أن المغايرة التي نحن بصددها لا تمتد إلى الأسس الكبرى التي يستند إليها التنظيم الإداري في الإسلام إذا يبقى ذلك التنظيم في كافة مراحله في الدولة الإسلامية مستنداً إلى القيم والمباديء والمفاهيم التي أرست دعائمها الشريعة الغراء المتمثلة في القرآن الكريم (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)) وما خطه رسولنا الإنساني من سنه وسلوك إذ يقول المولى عز وجل (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ). كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما معناه “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ابدا بعدهما كتاب الله وسنه نبيه”. والإسلام كما هو معروف نظام شامل للحياة دين ودولة عقيدة وشريعة علم وعمل منهج وسلوك وذلك على عكس التنظيم الإداري في الفكر الوضعي المستمد من نظريات بشرية وعلوم كونية تهدف بالدرجة الأولى إلى كيفية الارتقاء بإنتاجية المنظمة مع محاولة دمج الإنسان في التنظيم وإلغاء شخصيته الفردية كما نجد أيضًا أن تستند إلى عدد من الافتراضات غير الواقعية عن الطبيعة الإنسانية تجافي ما جاءت به الشرائع السماوية في هذا الخصوص إذا اعتبرته من ناحية مجرد آلة يعمل وفق ما يقدم له من تعليمات وتلغي بالتالي نعمة العقل الإنساني الذي ميز الله به خلقه كما اعتبرته من ناحية أخرى أنه بطبعه خامل لا يريد تحمل المسئولية أو أنه كسول لا يحب العمل وبهذا فقد أخفقت كل النظريات الوضعية في إيجاد نظرة شاملة متكاملة تشرح وتفسر وتقوم السلوك الإنساني أو تهدف إلى الفهم العميق للنفس البشرية. وهذا هو ما حققه المنهج الإسلامي في مفهومه للتنظيم الإداري حيث نظر إلى الإنسان من زواية أنه إنسان فرد له خصائص ومكونات شخصية بل ومميز على سائر المخلوقات (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) كما نظر إليه في ذات الوقت من زواية أنه اجتماعي بما له من علاقات في المجتمع الذي يعيش فيه (والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فهو إذا منهج يحقق التوازن والتوافق بين صالح كل من الفرد والجماعة في آن واحد بحيث لا يسمح بطغيان أحدهما على الأخر، فلا فردية مطلقة ولا جماعة مطلقة أو بمعنى أخر لا يهتم بالإنتاجية على حساب العوامل الإنسانية ولا يتهم بإسعاد الفرد على حساب الإنتاج ويوازن بين الأمرين.

خصائص التنظيم الإداري في الإسلام

أوضح د أنس المختار أستاذ إدارة الأعمال بتجارة الأزهر خصائص التنظيم الإداري في الإسلام في الأتي: الدين الإسلامي دين الفطرة دين بني على أدق وأروع الأساليب التنظيمية فلو نظرنا إلى خلق السموات والأرض، الليل والنهار، الشمس والقمر الكل في فلك يسبحون طبقًا لنظام إلهي محكم ليتبين لنا أن الكون يدار من قبل الخالق سبحانه وتعالى في إدارة منظمة قوية وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: (وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا (1) والْقَمَرِ إذَا تَلاهَا (2) والنَّهَارِ إذَا جَلاَّهَا (3) واللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا (4) والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا (5) والأَرْضِ ومَا طَحَاهَا (6) ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا (7)).

وقد حدد خصائص التنظيم الإداري في الإسلام فيما يلي: التنظيم الإداري في الإسلام جزء من نظام كلي يتطلب بنجاح تطبيقه بيئة إسلامية حتى يحقق أهدافه فلابد من وجود نظام اقتصادي إسلامي مترابط مع نظام اجتماعي وثقافي إسلامي محكوم بنظام حكم إسلامي ونظام للتعليم إسلامي ونظام لقضاء إسلامي كل تلك الأنظمة الفرعية تعمل بالتعاون مع بعضها تؤثر وتتأثر ببعضها من أجل تحقيق هدف كل منها.

التنظيم الإداري في الإسلام يحقق التوازن والتوافق بين صالح الفرد والجماعة ولا يسمح بطغيان أحدهما على اللآخر

التنظيم الإداري في الإسلام هو تنظيم إلهي أساس كتاب الله وسنة رسوله حيث أن مصدر التنظيم الإداري في الإسلامي هو الله سبحانه وتعالى فالشريعة الإسلامية مرجعها إلى الله عز وجل. مشروعية المجال في إقامة التنظيمات الإدارية والتي تهدف إلى تحقيق هدف شرعي: حيث لا يعتبر التنظيم هدف في حد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق هدف معين ومن وجهة نظر الشريعة الإسلامية يجب أن يكون مجال التنظيم وهدفه مشروعًا من الوجهة الدينية. التنظيم الإداري في الإسلام تنظيم يؤكد على أهمية العنصر البشري: حيث يؤكد الإسلام على أهمية العنصر البشري ودوره في الإنتاج فهو العنصر المؤثر في فاعلية التنظيم كما أنه العنصر الذي لا يمكن التحكم فيه وفي ذلك يقول الله عز وجل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ). يقوم التنظيم الإداري في الإسلام على المساواة والعدل: لقد أقر الإسلام مبدأ المساواة والعدل بين المسلمين لما لذلك من أثر كبير في استقرارهم الوظيفي وراحتهم النفسية وانعكاس ذلك على سلوكهم في العمل فالمعيار الوحيد للمفاضلة بين أدائهم هو العمل الجيد الصالح ويؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). التنظيم الإداري في الإسلام تنظيم مرن: يستند التنظيم الإداري في الإسلام إلى مباديء عامة تعكس أحكام الشريعة الإسلامية المرنة السمحة هدفها هو تحقيق المصلحة العامة لكل زمان ومكان استجابة لمتطلباتها.

مباديء التنظيم الإداري في النظم الإسلامية

المبدأ الأول: وحدة القيادة والتوجيه

إذا كان مبدأ وحدة القيادة والتوجيه من المباديء التي يحرص عليها وينادي بها رواد الفكر الوضعي كأساس هام للتنظيم الإداري الناجح أو السليم فإننا نجد أن هذا المبدأ أو ذلك التوجيه إنما هو من المباديء المسلم بها في النظم الإسلامية كأساس ليس فقط لكل تنظيم إداري ناجح أو سليم وإنما أيضًا كأساس لصلاح وفلاح الكون كله بل وللحفاظ على وحدة وتماسك المجتمع الإسلامي في مجموعة فقد سبق الذكر أن من أولى مكونات أو معطيات مضمون الفلسفة التي يرتكز عليها التنظيم الإداري في النظم الإسلامية، الإيمان بأن الهيمنة والحاكمية لله سبحانه وتعالى أي الإيمان بأن الله واحد في ذاته الإيمان بأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فالإسلام في الواقع دين التوحيد والوحدة في كل شيء، دين يكره التنازع والفرقة والشقاق والتشرذم. ومن هنا كانت دعوته إلى ضرورة أن يكون المجتمع أو أن تكون الأمة الإسلامية أمة واحدة تعيش دائمًا متضامنة ورابطها رابط واحد هو العقيدة والدين وتجمعها وحدة الإيمان… فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لقيادة وتوجيه الكون كله من أقصاه إلى أقصاه وكذلك بالنسبة للمجتمع والأمة الإسلامية وأن من أولى مباديء ذلك التنظيم ومن أولى قواعده وحدة قيادته تلك القيادة التي تمثلت باديء ذي بدء في الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه السلام هو السلطة العليا في الجهاز الإداري المنوط به تنفيذ ما جاء في القرآن الكريم من أوامر وكذلك في حسم كافة الأمور التي لم يرد بشأنها ذكر القرآن الكريم بل كان الرسول عليه السلام حريصًا على وحدة القيادة إذ يقول صلى الله عليه وسلم “من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه”. وهذا ما أنتهجه الخلفاء الراشدون وساروا على هداه من لحظة مفارقة النبي عليه السلام لهم. ولهذا أجمع المسلمون عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على ضرورة أن يكون لهم قائداً وإمام بل وعلى عدم بقاء موقع الرسول الكريم بعد وفاته شاغراً ولو يوم واحد. فها هو عمر بن الخطاب يستغل مؤتمرات الحج ويوضح فيها لولائه في مختلف وحدات الجهاز الإداري للدولة السياسية التي يجب أن تتبع في إدارة تلك الوحدات وكيفية معاملة المنتفعين بخدماتها إذ يقول في أحد خطبه “ألا واني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدي بكم فأدروا على المسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم… أيها الناس إني أشهدكم على أمراء الأمصار، إني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس دينهم ويقسموا عليهم فيهم ويحكموا بينهم فإن أشكل عليهم شيء رفعوه” إضافة إلى ذلك فإن القائد الأعلى للتنظيم الإداري في النظم الإسلامية كان أحيانا أخرى يحدد سياسة إدارية معينة لأحد أوليائه ويوجه إليه خطاب بهذا الخصوص ويوضح له فيه كيفية تنفيذ ومراعاة تلك السياسات وهكذا نخلص إلى أن مبدأ وحدة القيادة والتوجيه كان مطبقًا في الإسلام سواء على مستوى الجهاز الإداري ككل أم على مستوى الوحدات الإدارية التي يتكون منها هذا الجهاز.

المبدأ الثاني: نطاق الرقابة في النظم الإسلامية

يقصد بنطاق الرقابة أن يسند إلى كل قائد أو رئيس المهام التي تتلاءم وقدراته واستعداداته والمعيار المعتبر لدى فقهاء الإدارة العامة في هذا الخصوص هو عدد المرؤوسين الخاضعين للرقابة أو الإشراف إذ كلما كان هذا العدد متناسبا مع قدرات الرئيس الفعلية كلما أمكنه مباشرة اختصاصاته بكفاءة وفاعلية وذلك لما يترتب على هذا التناسب من نتائج أهمها سهولة ووضوح ومرونة الاتصالات وكذلك إمكانية تحديد عدد مستويات الهرم الإداري أو ما يسمى بالسلم الإداري بشكل ملائم أو متناسب هذه هي خلاصة مبدأ الرقابة والإشراف في الفكر الوضعي. ولكن في المنهج الإسلامي المبدأ الذي نحن بصدده فحسب إنما يعرف أيضًا الأساس الذي بني عليه والذي يعد محور كافة النظريات والفلسفات التي قيل بها في العصر الحديث، هذا الأساس يتمثل في محدودية طاقة الإنسان وقدراته العقلية والجسمية بل وفي ضعفه بصفة عامة يقول المولى عز وجل (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا). ومن هنا كان نتيجة منطقية كان التوجية القرآني الحكيم المبدأ الإنساني العظيم ألا يكلف الإنسان فوق طاقته وألا يسند إليه عمل يجلب إليه المشقة والحرج قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). وترتيباً على ذلك يمكننا القول بكل فخر وإعتزاز أن الإسلام قد عرف مبدأ نطاق الرقابة والإشراف قبل غيره من علماء الإدارة.

المبدأ الثالث: تقسيم العمل والتخصص فيه

هذا المبدأ وفقاً لمبدأ التنظيم الوضعي هو تقسيم العمل والتخصص فيه يطبق على مستوى التنظيم ككل بحيث يتم تجميع الوظائف أو الأنشطة المتشابهة في كلٍ متكامل واستنادها إلى تنظيم معين يباشرها دون سواها ثم يطبق بعد ذلك على مستوى كل وظيفة من الوظائف التي يشتمل عليها هذا التنظيم وذلك بأن يخصص لكل منها عدد محدود من الأعمال التي تدخل في إطار هذه الوظائف أو تلك الأنشطة على أن يسند هذا العمل بعد ذلك إلى الموظف المتخصص في مباشرته فإذا اتجهنا صوب المنهج الإسلامي في التنظيم الإداري وجدنا أنه كان يعتنق أيضًا مبدأ التخصص وتقسيم العمل ولا أدل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من آيات على ذلك إذ يقول الله سبحانه وتعالى (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ففي هذه الآية يوجب الإسلام احترام مبدأ التخصص وتقسيم الأعمال إذا تنادي بضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة فيما اختص من مسائل باعتبارهم الأقدر من غيرهم على تقديم المشورة أو الرأي السديد. ولهذا نجد أن سيدنا يوسف عليه السلام يطلب أن يعين وزيرًا للخزانة عندما طلب منه عزيز مصر أن يتولى ما يشاء من الوظائف فقد قال <<أجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم>> فهو قد أختار تلك الوظيفة احترامًا لمبدأ التخصص وتقسيم العمل حيث تتوافر فيه شروط شغلها ومن الآيات الدالة على احترام المنهج الإسلامي لمبدأ التخصص وتقسيم العمل قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ). هذا وتجدر الأشارة أنه بجانب التخصصات المحددة كان هناك من هو ذو اختصاص عام أمثال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حيث كانا يباشران مختلف الأعمال بل وكانا يلازمان الرسول عليه السلام في كل شيء كيفما يكون وحسبما يوجد لما روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله لأبي بكر وعمر <<لو اجتمعتما في مشورة ما خلفتكما>>. بل وإعمالا لمبدأ التخصص وتقسيم العمل في أجمل صورة فقد وضع عمر بن الخطاب الدواوين في الدولة الإسلامة تلك الدواوين التي يباشر كل منها اختصاصاً أو نشاطًا معينًا حيث أنشأ ديوان المالية وأخر للجند وديواناً للعطاء وديواناً للإنشاء أي لحفظ الوثائق. وجماع القول أن الوقائع التطبيقية التي حدثت في صدر الإسلام أو في عهوده الأولى تدلنا على مدى التزام المنهج الإسلامي في التنظيم الإداري باحترام مبدأ التخصص وتقسيم العمل بشكل كفل نمو المجتمع وتقدمه في شتى المجالات خاصة أن أعمال هذا المبدأ كان نابعًا عن إيمان وعقيدة تدعو إلى إقامة العدل والمساواة بين المسلمين وهما من معطيات الفلسفة التي كان يرتكز عليها التنظيم الإداري في الإسلام.

المبدأ الرابع: تلازم وتوازن السلطة والمسئولين في النظم الإسلامية  

إذا كان الفكر الوضعي ينسب هذا المبدأ إلى فريدريك تايلور عالم الإدارة المعروف فإنه لا يسعنا في هذا المقام إلا القول بأن هذا الفكر إنما هو فكر مصاب بخواء وإفلاس ديني فكر جانبه الصواب وضل طريقه الصحيح إذ يكفي أن نقرأ قول الله سبحانه وتعالى: (ومَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) وقوله سبحانه وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا). فالسلطة الإدارية في النظام الإسلامي مقيدة إذاً بالشريعة الإسلامية مصدرها الأول الكتاب والسنة ذلك المصدر الذي يعد والحال هكذا بمثابة الإطار أو النطاق الدستوري لما يصدر عنه هذه السلطة من لوائح وقوانين إدارية بحيث لا يستطيع الخروج عليها أو تغيير أي من أحكامه أو تبديل من نصوصه. ان النظام الإسلامي يقوم على ضرورة عدم اقتصار السلطة في التنظيمات الإدارية على الجانب الرسمي وحده وإنما يجب أيضًا أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب النفسي والسيكولوجي للمرؤوسين حتى نجد صدى وأذانا صاغية لأوامرها وتعليماتها بما يجعل التزامها تجاه مرءوسيها نابعًا من موقفها الإيجابي واحترامها لشريعة الإسلام التي تقوم على رحمة الإنسان بالإنسان رحمة يشع نورها وعدلها بين الناس.

المسئولية في الإسلام 

إذا منحت لرجل الإدارة سلطة معينة دون أن يكون مسئولاً عن تبعات هذه السلطة فإن سلوكه غالبًا ما يتسم بالتسلط والاستبداد ومن هنا كان المبدأ سالف الذكر الذي يقضي بإنه لا سلطة دون مسئولية. حقيقة أن رجل الإدارة في عالم اليوم إذ يحاول اغتنام كافة المكاسب المترتبة على السلطة المنوطة له فإنه يحاول أيضًا وفي ذات الوقت التهرب من مسئوليات تلك السلطة كلما وجد لذلك سبيلاً. وهذا على عكس رجل الإدارة في الإسلام الذي كان يؤكد مسئولياته قبل أن يباهي أو يفاخر بسلطاته فها هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق أجمعين يقول <<لا تطروني كما أطرت النصاري عيسى بن مريم>> وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عندما تولى الخلافة <<إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني>> والفاروق عمر بن الخطاب يقول <<والله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله يوم القيامة لم لا تمهد لها الطريق يا عمر وهكذا بقية الخلفاء الراشدين وهكذا لم يكن هناك من هو بمنآي عن المسئولية في التنظيم الإداري الإسلامي فكل فرد أيًا كان موقعه في ذلك التنظيم إبتداءًا من القمة وحتى القاعدة كان مسئولاً عن أفعاله وأقواله دون تمييز بين غني أو فقير أو شريف ووضيع أو رئيس ومرءوس فالجميع سواء أمام القانون ليس فقط أمام السلطة الرئاسية في التنظيم الإداري إنما أيضًا أمام الله عز وجل.

التوازن بين السلطة والمسئولية في النظم الإسلامية

لقد أقام النظام الإسلامي وهو النظام القائم على العدل والمساواة القائم على نظام دقيق من المعادلات والموازنات التي تجمع بين الدين والدنيا أقام توازنا بين السلطة والمسئولية فلم يكن يجيز منح سلطات دون أن تقابلها مسئوليات معادلة لما قد يترتب على هذه السلطات من تبعات كما أنه لم يكن يجيز مساءلة أحد دون أن تكون له سلطات تسمح بتلك المساءلة يقول الحق سبحانه وتعالى (وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ) ويقول جل شأنه (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) فهذه كلها آيات تدل على عدالة السماء في إقامة التوازن الذي نحن بصدده. ومن التطبيقات العملية لهذا التوازن أنه عندما كلف الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه أسامة بن زيد قيادة جيش المسلمين في حرب الروم ومنحه السلطة المطلقة في إدارة الجيش لم يستطيع أبو بكر بعد ذلك أن يستبقي عمر بن الخطاب (وقد كان عمر أحد جنود جيش أسامة) لمعاونته في إدارة شئون المسلمين إلا بعد أن أستاذن أسامة بوصفه القائد المسئول عن الجيش. وهكذا نخلص إلى القول بأن النظام الإسلامي عرف مبدأ تلازم وتوازن السلطة والمسئولية بشكل يصعب- إن لم يكن يستحيل- أن نجد له مثيلاً في عالم اليوم عرفه على أساس من التشريع الإلهي والهدى النبوي والتطبيق السوي ولهذا فقد أتى محكومًا بجوانب خلقية وإيمانية أسبقت عليه ذاتية تميزه عن تلك النظم الوضعية.

المبدأ الخامس: التفويض في الاختصاصات الإدارية في النظم الإسلامية:

إن التفويض ليس في الواقع نظاماً غريبًا عن التنظيمات الإدارية الإسلامية حيث كان يتم على أساس ما تتضمنه النظرية الحديثة في التفويض من قواعد وأحكام. كذلك إذا كان من عوامل نجاح التفويض ضرورة تحديد الاختصاصات المفوضة على وجه الدقة فإن المنهج الإسلامي لم يغفل هذا العامل إذ أوجب على الإمام أو رئيس الدولة أن يحدد اختصاصات كل موظف من موظفي الدولة على وجه الدقة أي النطاق الجغرافي الذي يجب عليه أن يباشره في حدوده تلك الاختصاصات. إن أحكام التفويض في الإسلام هي لا تخرج عن تلك الأحكام التي تقول بها النظرية الحديثة في هذا الخصوص اللهم فيما كان يسود بين المفوض والمفوض إليه من علاقات أساسها الإيمان والأخلاق الحميدة والصدق في المعاملة وكذلك النظر إلى الوظيفة العامة على أنها أمانة يحاسب عليها المرء أمام الله يوم القيامة فقد قال الرسول عليه السلام لأبى ذر حين طلب منه أن يفوض اليه مباشرة احدى الوظائف “يا أبا زر انها أمانة وانها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها”.

المبدأ السادس: مركزية السلطة ولامركزيتها في النظم الإسلامية:

تعريف اللامركزية الإدارية بإنها توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية وهيئات مستقلة إقليمية أو مصلحية تباشر وظائفها تحت رقابة الدولة. لقد عرفت الدولة الإسلامية في مختلف قراراتها أسلوب اللامركزية الإدارية وتطبيقًا على ذلك: في فترة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانت الدولة صغيرة مكونة من رؤساء وشيوخ القبائل يباشرون استقلالً عن الحكومة المركزية في المدينة مثل جباية الأموال وما فرض على المسلمين من صدقات ويعلموا الناس القرآن وتبشيرهم بالخير وتثقيفهم في الدين

في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي اتسعت في عهده رقعة الدولة الإسلامية استوجبت تقسيمها إلى عشرة ولايات وتم تطبيق مبدأ المشاركة الشعبية في مسائل الحكم والإدارة. كما قيل أن سيدنا عثمان بن عفان كان شديد الإيمان باللامركزية لدرجة أنه كان يمنح الوالي كامل الحرية للتصرف في ولايته مع الحرص في ذات الوقت على توصيته بضرورة استشارة الصحابة وأهل السابقة والقدم في الإسلام.

الخلاصة

أن الفلسفة التي يرتكز عليها التنظيم الإداري الإسلامي تتسم بالأصالة والثبات حيث تستمد من دستور سماوي أي من مباديء وعناصر إلهية سامية مثل الإيمان بأن الهيمنة والحاكمية لله سبحانه وتعالى (الشورى- العدل- المساواة) وهذه كلها كما هو واضح مباديء وعناصر صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان صالحة كأسباب حقيقية للنهوض والرقي في كافة المجالات ولذا فما أحوجنا اليوم إلى التمسك بها إذا أردنا للبشرية جمعاء رفعة وازدهارا في حين أن فلسفة التنظيم الإداري في الفكر الوضعي حيث تستمد من أمور دنيوية مثل العوامل الجغرافية والديمقراطية والاجتماعية وغيرها وهي أمور قابلة للتغيير والتبديل فإنها تفتقر في واقع الأمر إلى إطار وفلك عام تسبح عليها نوع من الأصالة أو الذاتية ولهذا فقد أصبحت فلسفة خاوية المضمون لا يشعر الفرد في ظلها لا بأمن ولا أمان مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن القول بإن التنظيم الإداري في الإسلام يرتكز على فلسفة تتسم بالأصالة والثبات لا يعني على الإطلاق أن هذا التنظيم تنظيم جامد لا يعرف المرونة أو القدرة على المواءمة أو التكيف مع مستجدات الأحداث أو ما يطرأ على الحياة الإدارية من تطور. وأخيراً وليس آخراً فإن القيادة الإدارية قد اعتبرها الإسلام ضرورة اجتماعية حتمية أي ضرورة تلازم الوجود الاجتماعي وتدور معه وجوداً وعدما حفاظاً على تماسك الجماعة وبقائها أو لكونها كما يقول علماء المسلمين وسيلة لحراسة الدين وسياسة الدنيا ولحمل الكافة على النظر في أمورهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها وفقًا لمقتضيات الشريعة.

المراجع 

الإدارة في الإسلام د. أحمد إبراهيم أبو سن.

نظم الإدارة في الإسلام د. القطب محمد طبلية.

الإدارة في الإسلام أ. د. أنس المختار أحمد أستاذ إدارة الأعمال بتجارة الأزهر.

أصول التنظيم الإدارية في النظم الوضعية والإسلامية للدكتور/ رمضان محمد بطيخ.

عبقرية عمر: عباس محمود العقاد.

التنظيمات الإدارية في الإسلام: د. محمد محمد جاهين.

الإدارة الإسلامية في عز العرب: محمد كرد علي.

الهوامش

1- سورة يس الآيات من 37- 40.

2- محمد محمد جاهين- التنظيمات الإدارية في الإسلام.

3- محمد كرد علي- الإدارة الإسلامية في عز العرب.

4- سورة المائدة الآيات رقم 15- 16.

5- سورة الحشر آية رقم 7.

6- سورة الإسراء الآية رقم 70.

7- سورة التوبة الآية رقم 71.

8- سورة الشمس الآيات من 1 حتى 7.

9- سورة آل عمران الآية رقم 159.

10- سورة الحجرات الآية رقم 13.

11- سورة النساء الآية رقم 28.

12. سورة البقرة الآية رقم 286.

13- سورة النحل الآية رقم 43.

14- سورة النساء الآية رقم 59.

15- سورة فصلت الآية رقم 46.

16- سورة البقرة الآية رقم 286.

17- عباس محمود العقاد (عبقرية عمر).

18- سورة الرحمن الآية رقم 9.

19- سورة الطور الآية رقم 21.

20- سورة المدثر الآية رقم 38.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading