الدكتور إدريس الفاخوري
أستاذ التعليم العالي
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة
للزوج الحق في أن يوكل شخصا على أن يقوم بطلاق زوجته أمام الشاهدين العدلين فيطلقها الوكيل بمقتضى هذه الوكالة ما دام الزوج لم يعفه منها، فإذا أعفاه انتهت مهمة وكالته.
وقد نصت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة على الوكالة في الطلاق في الفصل 424، فكما تجوز الوكالة في الزواج تجوز أيضا في الطلاق، والتوكيل في الطلاق جائز في الفقه الإسلامي.
أما مدونة الأسرة لسنة 2004 فلم يرد نص ينظم الوكالة في الطلاق كما فعلت عند تنظيمها للوكالة في الزواج بمقتضى المادة 17، ولذلك اختلف الفقه حول الموضوع بين مؤيد ومعارض كما أن القضاء يتشدد أحيانا. بمنع الوكالة في الطلاق خاصة ما تعلق بمسطرة الصلح بين الزوجين التي هدف المشرع من وراءها الحضور الشخصي لكليهما من أجل التأثير عليهما للعدول عن إنهاء الرابطة الزوجية واحيانا أخرى يتساهل القضاء في هذه الوكالة وهذا ما نشير إليه في الفقرتين التاليتين:
الفقرة الأولى: الاتجاه الرافض للوكالة في الطلاق
يرى أنصار هذا الاتجاه بأن الوكالة في الطلاق تتنافى مع استقرار الحياة الزوجية من حيث أنها تجعل مشيئتها بيد شخص غريب([1]) والراي الرافض للوكالة في الطلاق يرتكز على أساس كون المدونة ألزمت المحكمة قبل الحصول على الإذن بالإشهاد على الطلاق بضرورة القيام بمحاولة الصلح مع الاستعانة بالمؤسسات المرصدة له وهذا يتطلب الحضور الشخصي للزوجين معا حتى يتسنى الحوار المباشر ومما لا شك فيه أن الوسيط لن يكون أبدا مؤثرا في جلسة الصلح لأنه ناقل لإرادة الطرف الآخر ليس إلا، هذه الإرادة قابلة للتغيير بفعل الحوار والمناقشة والغوص في جوهر الخلاف الذي قد يجد سبيله للحل أمام المحكمة أو الحكمين أو مجلس العائلة أو أي شخص آخر ترى المحكمة بأنه سيساعد على إعادة الدفء إلى عش الزوجية وإرجاع المياه إلى مجاريها، وفي هذا الصدد يرى أحد الباحثين في الشأن الأسري([2]) بأنه وحتى إن تم فرض أنه من الممكن إبرام عقد الزواج بواسطة وكيل فإن الفسخ ليس كالإبرام إذا يترتب عنه تحطيم عائلة والتفريق بين الزوجين وبالتالي تشتيت الأبناء وهذا الرأي نادى به ابن حزم في المحلى([3]) عندما قال “لا تجوز الوكالة على الطلاق ولا عتق ولا على تدبير ولا على رجعة ……. ولا على صلح، لأن كل ذلك إلزام حكم لم يلزم قط وحل عقد ثابت ونقل ملك بلفظ، فلا يجوز أن يتكلم أحد على أحد إلا حيث أوجب ذلك نص ولا نص على جواز الوكالة في شيء من هذه الوجوه”. ومما لا شك فيه أن الحضور الشخصي في العملية الصلحية له أهمية قصوى من أجل استرشاد القاضي بالتفسيرات التي قد يبديها الزوجين والتي تكون لها أهمية خاصة، وهذا ما أكده أيضا الدليل العملي لمدونة الأسرة بالنص على “أن محاولة الصلح إجراء جوهري ولا يمكن إنجازه في غياب الزوجين المعنيين ولذلك أوجب المشرع حضورهما الشخصي في جلسة المصالحة التي يجب فيها على المحكمة بذل كل المجهودات لإصلاح ذات البين”([4]).
وبالنسبة للعمل القضائي المؤيد لهذا الاتجاه المانع للوكالة في الطلاق نجد الحكم التالي: “….. وحيث انه قد وكلت الزوجة والدها …… مما تقرر معه رفض الوكالة وقد تم أشعارها عن طريق النيابة العامة بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في الطلب في غيبتها”([5])، وفي نفس المنحى ذهبت محكمة التعقيب التونسية حيث اعتبرت حضور المدعي بنفسه أمر ضروري ولا يمكن الاكتفاء بحضور وكيل، وعللت المحكمة حكمها بأن الجلسة الصلحية تهدف تمكين الحاكم الصلحي من مخاطبة شعور المدعي وأحاسيسه على أن يرجع عن طلب الطلاق ([6]).
الفقرة الثانية: الاتجاه المؤيد للوكالة في الطلاق
ويرى أنصار هذا الاتجاه بأن الوكالة جائزة شرعا وقانونا وأن سبب مشروعيتها هي حاجة الناس إليها لقضاء مصالحهم وتسهيل التصرفات القانونية حينما يتعذر القيام بهذه التصرفات بأنفسهم لأسباب وجيهة وهذا ينطبق على التوكيل في الطلاق أيضا أسوة بالمعاملات المدنية الأخرى لأنه في الواقع العملي هناك طلبات ملحة تتطلب السماح بالتوكيل في إجراءات الطلاق ([7]) ويرى البعض بأن “… فهي (الوكالة في الطلاق) لا شك تجلب هذه المصلحة في حالات استثنائية كلما ثبت تعذر حضور احد الأطراف لجلسة محاولة الصلح لظروف قاهرة على الأقل، ولا شك أن هذا الحكم سيساهم في حل العديد من مشكلات الجالية المغربية المقيمة بالخارج خاصة التي تعيش ظروف هجرة خاصة”([8]).
فالضرورات العملية أبانت عن وجود حالات يتعذر على الزوجين أو أحدهما الحضور شخصيا لجلسة الصلح، وعدم قبول الوكالة يلحق ضررا بأحدهما أو بهما معا خاصة، أن المذاهب الفقهية تجيز الوكالة في الطلاق خاصة مذهب الإمام مالك الذي أحالت عليه مدونة الأسرة في المادة 400 ([9]). وبالنسبة للعمل القضائي المؤيد لإعمال الوكالة في الطلاق نجد بعض أقسام قضاء الأسرة يأخذ بها ويسير نحو التسيير وتسهيل مسطرة الإنهاء للرابطة الزوجية حيث جاء في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالناظور ما يلي: ” … حيث قررت المحكمة الإذن للزوج … بواسطة وكيله بتوثيق عقد الطلاق على زوجته”([10])، وورد عن نفس المحكمة “وحيث أدرجت القضية بجلسة الصلح لــــــ 13/03/2007 حضرتها المدعية، حضر وكيل المدعى عليه وادلى بوكالة وموافقة على التطليق مصحتي الإمضاء في قنصلية المملكة المغربية ببروكسيل”([11]) ونفس التوجه يسلكه قسم قضاء الأسرة بطنجة حيث يعمل على قبول الوكالة خاصة في الطلاق الاتفاقي والطلاق قبل البناء وكذا مراعاة الوكالة عندما يكون الزوجان بالخارج ([12]).
وذهبت ابتدائية الناظور في سردها لوقائع إحدى القضايا “… أنه بجلسة 4/11/2004 حضر وكيل الزوج الأستاذ … بوكالة خاصة للطلاق ملتمسا اعتماد محضر محاولة الصلح على ذمة ملف سابق بين الزوجين طالما أن موكله يستحيل عليه الحضور لغدر قاهر لارتباطه بعمل بالخارج … وانه في نفس الوقت مصر على الطلاق …
وحيث أن الزوجة التي واكبت أطوار هذه المسطرة التمست اعتماد المحضر المذكور خصوصا وأنها في وضعية لا تحسد عليها فلا هي مطلقة ولا هي متزوجة، كما صرحت طالما أن الزوج الذي حضر على ذمته ملف سابق يستحيل عليه الحضور بمناسبة هذا الملك كما صرح بذلك وكليه بمقتضى وكالة خاصة للطلاق … فإنه لا يسع المحكمة إلا أن تأخذ معطيات المحضر المذكور بعين الاعتبار…”([13]).
وعلى ضوء كل ما سبق نرى بأن منع الوكالة في الطلاق بصفة نهائية قد يسبب ضررا لأحد أطراف العلاقة الزوجية الراغبة في الإنهاء خاصة عندما تكون هناك مبررات معقولة ومستساغة وموضوعية تستدعي الإنابة كما أن السماح بالوكالة مطلقا عند إنهاء الرابطة الزوجية تتنافى مع فلسفة المدونة الهادفة إلى التقليص قد المستطاع من حالات انحلال ميثاق الزوجية بالنص صراحة في المادة 73 على أنه لا ينبغي اللجوء إلى حل ميثاق الزوجية بالطلاق أو التطليق إلا استثناء وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين لما في ذلك من تفكيك الأسرة والإضرار بالأطفال، كما أن الوكالة في الطلاق تجعل من الصلح الذي أصبح ضروريا في قضايا الإنهاء أمرا شكليا ليس إلا عندما ما نسمح لأحد الزوجين أو لكليهما بالغياب في الجلسات الصلحية ومن هنا نؤيد الاتجاه الوسط الذي يرى بأن “المشرع قد أحسن صنعا عندما نص على الاستدعاء الشخصي للطرفين لحضور جلسة الصلح حتى يفضي كل طرف بما لديه من أسباب والتي قد يفندها أو يؤيدها الطرف الآخر، وهو ما لا قد يكون في مقدور الوكيل، لكن إذا تعدى طلب الإذن بالطلاق مرحلة الصلح … وما دامت المحكمة قد استخلصت من جلسة أو جلسات الصلح ثبوت السبب الدافع لطلب الإذن بالطلاق …”([14])، ويتعين أيضا تسهيل مسطرة الوكالة في الطلاق كلما كان هناك عذر مقبول وموضوعي يقدره القاضي كما هو الشأن بالنسبة للجالية المغربية المتواجدة بالخارج عندما تكون هناك أسباب معقولة للوكالة.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون الجزائري لم يشر بدوره إلى الطلاق عن طريق الوكالة ولا عن طريق التفويض. كما أنه ألغى الوكالة في الزواج بمقتضى تعديلات 2005 ([15]).
[1]صلاح الدين زكي: أحكام الأسرة في الفقه الإسلامي والتشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، طبعة 1985، ص. 223
محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، الجزء الأول: الزواج، طبعة 2006، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، ص . 66.
[2]ساسي بن حليمة: المحاولة الصلحية على معنى الفصل 32 من مجله الأحوال الشخصية التونسية، المجلة القانونية التونسية، العدد الثاني، سنة 1976، ص. 29.
[3]ابن حزم: المصلى، منشورات الكتب التجارية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الجزء الثاني، ص. 245.
[4]ينظر الدليل العملي لمدونة الأسرة، إعداد وزارة العدل، ص. 65.
[5]حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة ببركان عدد 119 في الملف رقم 83/08 بتاريخ 28/3/2009 أوردته الباحثة أمال الناجي في رسالتها التي أعدتها تحت إشرافنا تحت عنوان: حدود التوكيل في المادة الأسرية بين التشريع والتطبيق، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعقمة بوحدة التكوين والبحث في تشريعات الأسرة والهجرة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول بوجدة، الموسم الجامعي 2008/2009، ص. 98.
[6]قرار محكمة التعقيب التونسية رقم 8914 المؤرخ في 8 ماي 1973، نشرية محكمة التعقيب، السنة 1973، ص. 136، أورده الأستاذ ساسي بن حليمة، المرجع السابق، ص. 30.
[7]عبد الله روحمات: الوكالة في صلح الزوجين بين النص القانوني والواقع العملي، مجلة الإشعاع، العدد 27، السنة 2003، ص. 120.
[8]عبد الله روحمات، مرجع سابق، ص. 120
[9]راجع رسالة الباحثة أمال الناجي: المرجع السابق، ص. 97. وكذلك رسالة الباحث محمد الفلاقي: الصلح والطرق البديلة لتسوية النزاعات الأسرية (الوساطة الأسرية نموذجا)، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في تشريعات الأسرة والهجرة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، ص. 43 وما بعدها.
[10]حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالناظور عدد 20 في الملف عدد 69/07 بتاريخ 7/02/2007، (غير منشور).
[11]حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالناظور عدد: 275 في الملف رقم 575/07 بتاريخ 15/05/2007، (غير منشور).
[12]جاء في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة ما يلي: “قررت المحكمة الإذن للزوج بواسطه وكيله قبل البناء لتوثيق عقد الطلاق”.
حكم عدد 96 في الملف رقم 92/07 بتاريخ 07/11/2007″، (غير منشور).
وفي حكم آخر (التمس الزوج إعفاءه من الحضور أمام المحكمة وبعد المداولة قرر إعفاءه من الحضور شريطه إسناد التوكيل للغير).
حكم عدد 79 في الملف رقم 454/06 بتاريخ 24/07/2006، (غير منشور).
[13]حكم المحكمة الابتدائية بالناظور رقم 547/04 بتاريخ 30/12/2004، (غير منشور).
[14]أحمد عصبة: الإذن بالطلاق الذي لا يتم توثيقه من طرف الطالب المأذون له، مقال منشور ضمن أشغال الندوة الوطنية المنعقدة بكليه العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة من طرف مجموعة البحث في القانون والأسرة يومي 17 و18 فبراير 2005، سلسلة الندوات رقم 1، ص. 197 وما بعدها.
[15]راجع زميلنا الدكتور بن شويخ الرشيد: شرح قانون الأسرة الجزائري المعدل، دراسة مقارنة لبعض التشريعات العربية، الطبعة الأولى 2008، مطبعه دار الخلدونية بالجزائر، ص. 72.


