صابر دراج
باحث في القانون الخاص.
باحث بسلك الماستر العلوم القانونية أكدال الرباط.
مقدمة:
يعرف المجال الرياضي بالمغرب العديد من المشاكل، فإلى جانب ظاهرة المنشطات نجد ظاهرة التلاعب بالنتائج وظاهرة الشغب الجماهيري التي أصبحت واسعة الانتشار في الملاعب الرياضية، نهيك عن المنازعات الرياضية التي أخذت في التوسع والتكاثر بشكل مطرد في السنوات الأخيرة.
فأمام هذا الزخم الواقعي من المشاكل خاصة تلك المرتبط بالنزاعات الرياضية،[1] يطرح تساؤل عريض فحواه ألم يحن الأوان لكي نفكر مليا في التأسيس لجهة قضائية رياضية بالمغرب ؟ صحيح أن المشرع المغربي سبق له وأن قنن هيئة للبت في النزاعات الرياضية أطلق عليها اسم غرفة التحكيم الرياضي الموجود مقرها بالرباط بمقتضى المرسوم التطبيقي رقم 2.10.628 المتعلق بتطبيق القانون 30.09،[2] إلا أن هذه الغرفة لم تشرع بعد في عملها رغم تنصيب وزير الرياضة والشباب لأعضائها من الشخصيات القانونية والقضائية التي لها دراية بالمجال الرياضي، فحتى وإن باشرت مهامه واختصاصها الوارد في المرسوم المذكور فإن قراراتها ستبقى مجرد قرارات تحكيمية وليست قرارات قضائية ولو تم تذييلها بصيغة التنفيذية، علاوة على أنها ستبقى ملجأ اختياري للمتنازعين، الأمر الذي لن يخدم بتاتا النظام العام الرياضي ببلادنا.
للاعتبارات أعلاه سنحاول بناء هذا الموضوع حول إشكالية مفادها مدى حاجة الرياضة بالمغرب إلى قضاء متخصص يفصل في ما تولده الرياضة من منازعات، ولتحليل هذه الإشكالية والإجابة عنها سنحاول أولا تبيان المبررات المستند إليها في المطالبة بإنشاء قضاء متخصص في المجال الرياضي بالمغرب، على أن نقف فيما بعد حول الأهمية المفترضة للقضاء الرياضي بالمغرب.
المطلب الأول: مبررات نشوء القضاء الرياضي بالمغرب:
إن لنشأة القضاء الرياضي بالمغرب مبررات تستخلص من الخصوصية التي تمتاز بها النزاعات الرياضية وطبيعة الأنشطة الرياضية، علاوة على أن غياب التخصص القضائي في المجال الرياضي يعد دافعا قويا نحو المطالبة بالعمل على خلق المحاكم الرياضية وعلى الأقل غرف وأقسام رياضية داخل المحاكم العادية.
الفقرة الأولى: طبيعة الأنشطة الرياضية:
لا يوصف أي نشاط بأنه رياضي، ما لم يكن مرتبطا بالرياضة، والرياضة كنشاط ينبغي أن تمارس وفق ثلة من الضوابط، منها ما تقتضيه طبيعة الرياضة، ومنها ما يقتضيه طبيعة التنظيم ذاته، ومن أهم هذه الضوابط، أن يؤدي النشاط بطبيعته إلى إفساح المجال للمسائلة القانونية.
صحيح أن المسائلة القانونية في المجال الرياضي موجودة، إلا أنها ليست بتلك المساءلة الناجعة التي نبتغيها بفعل غياب محاكم متخصصة، كما لا يخفى الكلفة الباهظة التي تنتج عن النزاعات الرياضية، لكونها في الغالب الأعم تتم أمام مؤسسات دولية في إطار التحكيم الرياضي المفروض وليس القضاء الرياضي، وبالتالي إن الرياضة ببلادنا هي في حاجة ماسة إلى قضاء متخصص، قضاء بإمكانه مسايرة الظاهرة الرياضية المتسمة بالسرعة والتطور، والمعروفة بكثرة ما تحتويه من نزاعات.
كما أن الرياضة فن وأخلاق لذلك يجب على المنتمين للحقل الرياضي التحلي بالأخلاق الرفيعة واحترام قانون اللعبة والانضباط للتحكيم، فالخروج عن النص القانوني في الأمور الرياضية سيفتح المجال إذ ذاك للمحكمة الرياضية وبقوة القانون التدخل العاجل للفصل في كل القضايا العالقة بسرعة وحيادية وإصدار أحكام مناسبة لكل حالة. والأكيد أن ذلك سيساهم بشكل كبير في تهذيب الكثير من الأمور المرفوضة في الوسط الرياضي، بل إن إرساء معالم المحاكم الرياضية سيساهم بشكل كبير في تنمية وتطوير مختلف الأنشطة الرياضية، وإتاحة الوسائل الممكنة لمراقبة الجامعات والجمعيات والشركات الرياضية وكل ما يلزم من إجراءات لتدبير المجال الرياضي.
الفقرة الثانية: غياب قضاء متخصص في المجال الرياضي:
في الأمس القريب التخصص لم يكن من متطلبات العصر، أما اليوم أصبح تخصص من موجبات التقدم والتطور، إذ أصبح ضرورة ملحة، حتى أن هذا التخصص جاء يغزو فروع التخصص نفسه، القاضي لم يعد يبت في جميع القضايا، أيضا المحامي لا يتولى جميع النوازل، فإلى جانب المحامي العقاري نجد محامي يختص في ما هو تجاري فقط، فضلا عن وجود محامين يختصون في النزاعات الرياضية، هكذا حتى اجتاح هذا التخصص عالم العدالة وصولا إلى عالم الرياضة عندما تتقاطع مع القانون.
إن القاضي في الوقت الحالي يواجه العديد من النزاعات التي تتطلب منه معرفة كبيرة ومعمقة، لذلك فإن الاتجاه السائد حاليا يتجه نحو ضرورة تخصص القاضي، فكما يوجد قاضي لحسم النزاعات المدنية والتجارية والإدارية، فإنه بات من الضروري وجود قاضي متخصص في المجال الرياضي أيضا، ولاسيما في ظل الانتشار المهول والتطور الكبير الذي تشهده الرياضة بكافة أنواعها، حيث إنها أصبحت تدر أموال طائلة وتساهم في بناء الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل ومكافحة البطالة، ودعم السياحة والتجارة، وتشهد إقبال جماهيري كثيف لا يوجد في غيرها من الميادين.
إن وجود قضاء متخصص في المجال الرياضي بالمغرب سيساهم بشكل كبير في التسيير المحكم للجمعيات والشركات الرياضية، حيث إن المسيرين سيشعرون بسيف المساءلة القضائية يحوط برقابهم، مما سيجعلهم أكثر حرص ودقة فيما يتخذون من قرارات مصيرية في حياة الكيان الذي يسهرون عليه، بل إن وجود هذا الاختصاص سيشعر الرياضيين المحترفين المتعاقدين مع الشركة والجمعية بالاطمئنان على حقوقهم في حال حدوث أي طارئ.
الفقرة الثالثة: خصوصية النزاعات الرياضية:
إن النزاعات الرياضية في الغالب تكون نتيجة مخالفة وعدم احترام قواعد اللعبة، وفي هذه الحالة يتم حسم النزاع بتدخل الحكم في اللعبة، عن طريق توقيع الجزاء المناسب على مرتكب المخالفة، إلا أن النزعات الرياضية قد تأخذ بعدا أخر لا يقتصر على ممارسة اللعبة الرياضية وإنما قد يتعلق النزاع الرياضي بإدارة وإشراف وتنظيم الأنشطة الرياضية والعلاقات القائمين عليه وبين ممارسيها، كما هو الحال بالنسبة للعقوبات التي تفرضها الأندية والجامعات الرياضية على اللاعبين وغيرهم، والنزاعات التي تتعلق بالعقود الرياضية كعقد الاحتراف، حيث أصبحت الرياضة في العصر الحالي ظاهرة ذات قيمة اقتصادية، تتجلى في وجود عقود ذات قيمة مالية عالية تثير العديد من المسائل القانونية المعقدة وتتسبب في منازعات كثيرة.[3]
كما أن النزاعات الرياضية لا تتحمل وجود إجراءات طويلة وبطيئة بسبب تعلق الحقوق والقرارات الحاسمة بها، حيث إن مصير لاعب وجمعية رياضية وعقد رياضي يتوقف على حسم هذه المنازعة مما يتطلب أن تحسم في أسرع وقت وبأقل أجرة ممكنة، وهذا يقتضي وجود قواعد قانونية خاصة تلائم الأنشطة الرياضية وتتطلب وجود جهات قضائية متخصصة.
المطلب الثاني: أهمية إنشاء قضاء رياضي وطني:
مما لا جدال فيه أن القرارات الصادرة عن الجهات التحكيمية في إطار المنازعات الرياضية دائما ما تلقى تعنت كبير في التنفيذ من طرف المحتكمين، مما يجعل التقاضي أمام التحكيم يتسم بعدم الفعالية والنجاعة التي تتطلبها خصوصية النزاعات الرياضية، كما أن اللجوء إلى التحكيم الرياضي يستدعي دفع المقابل مقابل الخدمات التحكيمية، من أتعاب ومصاريف وغيرها من الإجراءات المطبقة قبل صدور الحكم التحكيمي.
بناءا على ما سبق نرى أن إنشاء المحاكم الرياضية من شأنه تذليل تلك الصعوبات وجعلها في خبر كان، لاسيما إذا علمنا أن التقاضي أمام المحاكم الوطنية موسوم بالمجانية ، فضلا عن أن أحكام القضاء بالمغرب هي أحكام ملزمة وقابلة لتنفيذ جبرا إذا لم تنفذ طوعا.
الفقرة الأولى: قابلية تنفيذ أحكام القضاء الرياضي:
إن الغاية الأساسية التي يبتغيها كل متقاضي يلجأ إلى القضاء الرسمي والبديل هي الحصول على حكم قابل لتنفيذ منطوقه تبعا للصيغة التنفيذية المذيلة به، وعدم تحقيق هذه النتيجة يفقد الأحكام القضائية هيبتها فينحدر بها إلى مصاف القرارات المنعدمة المفعول، ما من شأنه أن ينعكس سلبا على ضبط العلاقات بين الممارسين في المجال الرياضي، والمساهمة في تعطيل استفادة المتقاضين من الحقوق المقررة لفائدتهم بواسطة القانون.
والمبدأ المتعارف عليه في مجال التنفيذ هو لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له، كما أن عدم التنفيذ والتأخير فيه يلحق ضررا جسيما بالمحكوم له، ويؤثر بالتالي على مصداقية الأحكام الصادرة في المجال الرياضي، ومن المؤكد أن قرارات المحكمة الرياضية ستكون حتما قابلة للتنفيذ المباشر وفي الحال، اللهم إذا ما تم الاستئناف[4] والتعرض[5] لكون هذين الطريقين من طرق الطعن العادية يوقفان التنفيذ كقاعدة عامة في التشريع المدني الإجرائي المغربي.
ولما كانت الأحكام التحكيمية الصادرة في المجال الرياضي تلقى تعنت كبير في التنفيذ من الطرف المحكوم عليهم، فإننا نرى أن من مزايا إحداث القضاء الرياضي هو القضاء على هذه الظاهرة وقطع الصلة معها، على اعتبار أن تفعيل الأثر القانوني والواقعي المقرر بموجب الحكم القضائي يقتضي توظيف كل الوسائل القانونية الممكنة لتنفيذه، ومن جملتها تسخير القوة العمومية كما يحث على ذلك الفصل 126 من دستور 2011، علاوة على أن المشرع الدستوري اعتبر في الفصل السالف الذكر أن القرارات القضائية تكون ملزمة للجميع، وهي كما يقال عنوان للحقيقة وغاية كل طارق لباب القضاء.
الفقرة الثانية: مجانية التقاضي أمام القضاء الرياضي:
في إطار إجراءات التحكيم الاعتيادي فإن الأطراف يقومون بدفع أجور المحكمين ونفقاتهم والنفقات المتعلقة بالشهود والخبراء والمترجمين، الأمر الذي يشكل ثقلا بالإمكان تجاوزه في إطار التقاضي أمام المحكمة الرياضية، حيث لا مجال للحديث عن تلك النفقات، اللهم المصاريف والرسوم القضائية الملزمة لإجراءات الدعوى من تبليغات وما تتطلبه إجراءات التحقيق من مصاريف للمعاينات والخبرة، التي سيدفعها أصحاب المصلحة تفاديا للتقاضي بسوء نية، والتي تجد لها سندا قانونيا في كل من قانون المسطرة المدنية وقانون الرسوم القضائية.
ومجانية التقاضي أمام المحاكم المغربية بما في ذلك القضاء الرياضي المأمول إنشائه لها علاقة بمبدأ دستوري هام يتمثل في الحق في التقاضي،[6] ولها علاقة بالمهمة الموكولة دستوريا إلى القضاء كسلطة ثالثة داخل الدولة إلى جانب البرلمان والحكومة، إذ من المنطق أن تتكفل الدولة بأداء رواتب القضاة لا المتقاضين حفاظا على مبدأ استقلال القضاء وتلافيا للانحياز، كما أن القضاء يعد مظهرا من مظاهر سيادة الدولة، والقاضي يطبق قانون الدولة لا قانون الأطراف. ومما يجب الإشارة إليه هو أن المجانية في التقاضي تنحصر معناها في كون أن القاضي لا يتقاضى أجره من المتقاضين، حتى لا يحكم لصالح من يدفع له أكثر على حساب من دفع أقل، ولا تتسع إلى ما يؤدى من مصاريف قضائية جراء رفع كل دعوى.
وحيث إن مجانية التقاضي لها علاقة وطيدة مع مبدأ المساعدة القضائية، فإن المبدأ الأخير سيكون له حضور قوي أمام المحاكم الرياضية خاصة عندما سيتعلق الأمر بنزاع محله عقد الرياضي، فالمادة 14 من القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة اعتبرت العقد الرياضي بمثابة عقد شغل وأخضعته لأحكام القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، بمعنى أن الرياضي يعتبر بمثابة أجير في علاقته بالجمعية والشركة الرياضية، ومن تم سيستفيد من المساعدة القضائية أمام المحاكم الرياضية بقوة القانون ولن يقدم أي طلب أمام النيابة العامة من أجل ذلك، لأنه يدخل في خانة الأجراء الذين متعهم القانون بالمساعدة القانونية بقوة القانون لا بناءا على طلب، ومن الآثار القانونية لهذه المساعدة هو الحق في الاستعانة بمحامي، يتم تعيينه من طرف نقيب هيئة المحاماة[7] والدولة هي التي تتحمل أتعابه،[8] ثم الإعفاء من المصاريف والرسوم القضائية، بل إن مفعولها يمتد إلى أعمال وإجراءات التنفيذ الواجب القيام بها.[9]
خاتمة:
و إن كانت من نتيجة يمكن الخروج بها في نهاية موضوعنا هذا، هي أن القضاء المتخصص في المجال الرياضي بالمغرب، أصبح ضرورة لها ما يبرره وليس فقط مجرد مطلب غير مبني على أساس، فمن شأن إحداث هذا التخصص إعطاء الرياضة القيمة التي تستحق كمجال أضحى يسيل لعاب المستثمر في شتى بلدان المعمور، فهذا الأخير قيل عنه أنه جبان ولا يطمئن إلا حيث يجد الأمن والأمان، ولما كان الأمن ينبثق بدرجة أولى من مؤسسات الدولة فان القضاء الرياضي كمظهر من مظاهر سيادة مؤسسات الدولة من شأنه تحقيق الشعور بالأمن القضائي لدى المستثمر سواء أكان وطني وأجنبيا فيما يخص الاستثمار في المجال الرياضية، ثم المساهمة ما أمكن في تخليق الرياضة من الشوائب وتجويد المنتوج الذي تقدمه لجمهور المستهلكين الشغوفين والمتيمين بها. وفي الأخير لم يبقى أمامنا سوى أن نحث من موقعنا هذا على إحداث أقسام رياضية بمحاكمنا العادية ولما لا إحداث قسم ثامن بعد السابع المرتقب بمحكمة النقض.
[1] يمكننا تعريف النزاع الرياضي بكونه كل نزاع وخلاف قانوني بصدد علاقة قانونية ذات طابع رياضي من أي نوع كانت، وبذلك فإن الكثير من المنازعات يمكن تصنيفها في إطار النزاع الرياضي، وعلى الأخص الخلافات الناشئة حول تنفيذ عقود احتراف اللاعبين بالأندية، والطلبات التي تقدم للتعويض والمقامة من طرف اللاعبين ضد نواديهم بشأن التعسف في استعمال الجزاء في حقهم والنزاعات القائمة فيما بين الأندية…إلخ
[2] الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5997 بتاريخ 24 ذو الحجة 1432 (21 نوفمبر 2011)
[3] محمد سليمان الأحمد، زبير حسين يوسف، القضاء الرياضي البديل للقضاء العادي في النزاعات الرياضية ذات الطابع المالي، ص 15.
[4] المادة 134 من قانون المسطرة المدنية.
[5] المادة 132 من قانون المسطرة المدنية.
[6] الفصل 118 من الدستور: “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”.
[7] المادة 40 من القانون رقم 28.08 المتعلق بالقانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، المنشور بالجريدة الرسمية رقم 5680 بتاريخ 6 نوفمبر 2008.
[8] المادة 41 من قانون مهنة المحاماة.
[9] الفصل الثاني من المرسوم الملكي رقم 514.65 الصادر بتاريخ 16 نونبر 1966، المتعلق بالمساعدة القضائية.


