الأستاذ محمد بن الماحي
عضو مجلس هيأة المحامين بمكناس سابقا
مقدمة عامة:
يقول تبارك وتعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ([1]) ومن المصطلح عليه أن العدل تطبيق القانون من خلال الإنصاف المتساوي كما يقول فقهاء الشريعة الإسلامية ([2]).
كما يقول عز من قائل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) ([3]) ويذهب الفقهاء إلى أن مفهومي العدل والإحسان يشملهما معا مفهوم العدالة، إذ يعتبرونها فوق العدل وأرحم وألطف منه، وإليها يلجأ القاضي لتطبيق القانون كما يقول أرسطو ([4]).
ويعتبر القضاء حصنا حصينا لها ومرتبطا بها باعتبارها هدفا ووسيلة له للقيام بدوره الإجتماعي النبيل، وباندماج الوسيلة والهدف يتحقق التطابق بين القضاء والعدالة ([5]).
ولا يمكن تصور قضاء تكون العدالة هدفا ووسيلة له دون أن يكون مستقلا، ذلك أن جوهر القضاء ومصدر وجوده حسب هذا المفهوم هو استقلاله.
ذلك أن استقلال القضاء أحسن ضمانة لتطبيق القانون تطبيقا سليما ولحماية المشروعية، من خلال حماية النظام القانوني وضمان حقوق وحريات الأفراد والجماعات بما فيها الحقوق الاقتصادية والإجتماعية والتي تدخل ضمنها الرياضة.
ولتحقيق هذا الهدف تنص جل الدساتير على ضمانات حماية هذا الإستقلال وحماية حق التقاضي ([6]).
ويترتب على ذلك قيام علاقة ترابط وتكامل خاصة بين القضاء والدفاع باعتبار أن لا غنى لأحدهما عن الآخر.
فالقاضي لا يمكن أن يؤدي واجبه المقدس ويصدر أحكامه مرتاح الضمير إلا في ظل حرية الدفاع الكفيلة بحماية حقوق الأفراد والجماعات.
كما أن المحامي لا يمارس عمله منعزلا بل في إطار ومن خلال القضاء ([7]).
ولا شك أن نوعية العلاقة الناجمة عن قوة الترابط ووحدة الهدف بين هيئتي القضاء والدفاع هي التي جعلت مختلف المواثيق الدولية والتشريعات الداخلية تعتبر دور الدفاع أساسيا في حسن سير جهاز القضاء ونشر العدالة في المجتمع كما سبق.
كما أنه من الصعب تصور تنظيم مهنة المحاماة منفردة عن قضايا المواطنين أو أن تتعد في تنظيمها عن هذه التنظيمات، ولا يمكن أن يلحق بها ضرر دون أن يتعرض النظام القضائي برمته إلى الإرتجاج ودون أن تمس حقوق الدفاع وحقوق وحريات المواطنين ([8]) الذي نص عليها الباب الثاني من دستور المملكة.
وفي هذا الإطار فإن الرياضة التي تعتبر ظاهرة وجودية وقيمة سامية لا يمكن الاستغناء عنها، ولم يعد ينظر إليها كمجرد وسيلة للترفيه فقط بل أصبح مفهومها واسعا يتداخل فيه ما هو ترفيهي-صحي بما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي وهو ما يجعلها محورا فاعلا ومؤثرا بين مختلف الفاعلين في المجتمع.
1/ دور المحامي في التكريس
الدستوري للرياضة
إن التكريس الدستوري للرياضة المغربية اليوم ما هو إلا اعتراف لدورها الهام في حياة الشعوب وهو دعوة صريحة لتعزيز المسار الرياضي المغربي وتقويته.
- دور الرياضة
إن اعتبار الرياضة من القطاعات الحيوية لكل بلد يرجع لدورها الهام سواء على الصعيد الفردي أو الوطني أو العالمي.
أولا: على المستوى الفردي
إن الرياضة هي التي بإمكانها أن تعزز من قدرات الفرد الشخصية وتجعله يتحكم في ذاته، فممارستها تعتبر الوسيلة والأداة الأمثل لغرس مجموعة من القيم ولا سيما تلك المتعلقة بالتضامن والتسامح والحس الجماعي واحترام قواعد النظام العام واحترام الآخرين والتي لا يمكن غرسها بطريقة سلسة إلا بالتعاطي للرياضة.
ثانيا: على الصعيد الوطني
تساهم الرياضة بشكل واضح في النمو الاقتصادي والاجتماعي فلا أحد يشك في دورها في تعزيز التعاون بين قطاعات المجتمع المدني والرياضي، فالدولة من صلاحياتها المساهمة في تأطير وتطوير الهيئات الرياضية المحلية والوطنية على تنفيذ مبادرات شراكة بهدف دعم مشاريع التنمية المستندة إلى الرياضة وذلك من أجل تحقيق أهداف الألفية الثالثة للتنمية.
إن تحقيق أهداف الألفية الثالثة مرهون. بمساهمة كذلك العنصر النسوي في قاطرة التنمية، ومن هذا المنطلق فإن الرياضة تعتبر أداة مهمة لتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من الاندماج في المجتمع عبر الممارسة الفعلية للرياضة.
ثالثا: على الصعيد العالمي
تساهم الرياضة في التقريب بين المجتمعات والانفتاح على الثقافات عبر التظاهرات الرياضية الكبرى مما يساعد على تذويب كل مظاهر الاختلافات العرقية والدينية بين الدول ويساعد على الحفاظ على السلم العالمي وبالتالي تحقيق نمو اقتصادي عالمي قوي مبني على خلق شراكات استراتيجية بين الدول.
وهذا الدور لا يمكن القيام به إلا من طرف المحامي.
- واقع الرياضة المغربية
تعتبر الرياضة المغربية ورشا أولويا في السياسة المغربية العامة، حيث عرفت عدة إصلاحات جوهرية على مستوى القوانين والتجهيزات الرياضية والحكامة والموارد المالية الخاصة بتطوير الرياضة على جميع أشكالها.
خير دليل على ذلك فالمغرب يعتبر أول بلد إسلامي عربي وإفريقي عمل على دسترة الرياضة والتربية البدنية كحق من حقوق المواطنين تمشيا مع مضامين ميثاق المنظمة العالمية للتربية والثقافة (UNSCO)، كما أن المملكة المغربية خصت القطاع الرياضي بقانون جديد رقم 30.09 المتعلق بالرياضة والتربية البدنية والذي عمل على تدارك نقط ضعف القانون السابق 87.06 المتعلق بالرياضة والتربية البدنية، ناهيك على أن قوانين الجماعات المحلية والترابية تنص في فصولها (41) وما بعد على مساهمة هذه الهيئات في تطوير الشأن الرياضي المحلي والجهوي، وتدعيمه.
إلا أن أهم ما ميز هذه الآلية هي المناظرة الوطنية الثانية “حول الرياضة ” لسنة 2008، والتي كانت بمثابة خارطة طريق، وكان من بين ثمارها بروز مشروع الرياضة ذات المستوى العالي في عدة رياضات والذي بفضله يستمر المغرب رائدا على الصعيد العالمي، وحاضرا بوزن ثقيل على مستوى الرياضات الفردية، بحيث تمكنت عدة جامعات من التأهل إلى الألعاب الأولمبية لندن 2012: الدراجات، التيكواندو، السباحة، التزحلق، الملاكمة…. .
الشيء الذي يؤكد أن الرياضة محتاجة إلى المضي قدما في هذه البادرة والإستمرار في تدعيمه وانفتاحه تدريجيا على باقي الرياضات خصوصا الجماعية: كرة السلة، كرة القدم، كرة اليد، كرة الطائرة. . .
وحيث أن الرياضة تعتبر من أهم أوراش التنمية البشرية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ سنة 2005 وبالرغم من تنصيص الميثاق الجماعي (الفصل 41) على وجوب إحداث لجنة رياضية ضمن اللجن الدائمة للجماعة، فإن ذلك لم يكن كافيا لإحداث إقلاع حقيقي للرياضة الوطنية.
أمام هذا الواقع المرير الذي تعيشه الرياضة الوطنية جاءت الرسالة الملكية الموجهة للمناظرة الوطنية للرياضة التي انعقدت بالصخيرات سنة 2008 لتدق ناقوس الخطر وتثير الانتباء إلى ما تعانيه الرياضة الوطنية. ويكفي الاستناد على ما عبر عنه جلالته حينما قال حفظه الله في شأن المناظرة الوطنية حول الرياضة “تأتي في وقت تشهد فيها الرياضة المغربية تراجعات تجسدها النتائج الهزيلة والمخيبة للآمال، وهو ما لا نرضاه لبلدنا، ولا يقبله كل ذي غيرة وطنية، ولا يمكن أن تحجبه بأي حال من الأحوال بطولة أو تألق بعض المواهب الفردية “.
منتقدا ما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور مطالبا بضرورة إعادة تأهيل الرياضة المدرسية والجامعية اعتبارا لدورها الريادي في الاكتشاف المبكر للمواهب.
- الارتقاء بالرياضة إلى مستوى الحق الدستوري
إن ملامسة الرياضة للشريحة الأكبر في المجتمع ألا وهي فئة الشباب تجعل منها بيت الداء الذي يجب علاجه وإصلاح أعطابه. فالارتقاء بالرياضة إلى مستوى الحق الدستوري ما هو إلا اعتراف من المشرع الدستوري على الأهمية الكبرى للشباب في تقدم المجتمع ورفاهيته.
إن هذه المرتبة الدستورية تأتي تماشيا مع ما وصلت إليه تشريعات الدول المتقدمة في هذا المجال وفي خضم الحراك الشعبي الذي يشهده العالم بصفة عامة والعربي بصفة خاصة في إطار ما يصطلح عليه الربيع العربي. فالمنظمات الدولية كاليونسكو UNESCO تعمل على جعل الرياضة وسيلة لتوطيد الروابط وتعزيز القيم العليا للسلام والأخوة التضامن وبعبارة أوسع فهي تسعى إلى تسخير الرياضة من اجل التنمية والسلام. الجمعية العامة للأمم المتحدة جعلت الرياضة في صلب برامج التنمية على مختلف الأوجه وأساسا للتضامن والتعاون والشراكات بين مختلف قطاعات المجتمع المدني.
وهكذا فبعد أن أشار المشرع المغربي في الفصل 26 من الدستور الجديد إلى ضرورة أن تدعم السلطات العمومية النهوض بالرياضة وتطويرها بأسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة شأنها شأن القطاعات الثقافية والفنية والبحث العلمي، دعا الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية إلى تعبئة الوسائل المتاحة بغية تيسير أسباب استفادة جميع المواطنين على قدم المساواة من الاستفادة من مجموعة من الحقوق من بينها التربية البدنية (الفصل 31)، كل هذا دون إغفال تذكير الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتيسر ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة (الفصل 33).
بهذا التنصيص أصبحت الرياضة تتوفر على المكانة اللائقة بها في الهرم التشريعي المغربي وإذا أضفنا إلى كل هذا كون المغرب أصبح مطالبا بالعمل ضمن جميع الهيئات والمنظمات الدولية وملزماً بتطبيق جميع الاتفاقيات الدولية خصوصا بعد تنصيصه بصراحة على سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها على القانون الوطني.
- دور المحامي والفعاليات الوطنية في تنزيل مضامين الدستور
إن تنزيل مضامين الدستور المتعلقة بالرياضة له أهمية كبرى لا تقل عن القطاعات الأخرى ويقتضي توافر إرادة حقيقة لدى كل المسؤولين المعنيين بهذا القطاع. إن المحامي يتوفر على فرصة نادرة للرقي بالرياضة الوطنية إلى مصاف الدول المتقدمة، خصوصا وأنه المعنى الأول بوضع القوانين التنظيمية الكفيلة بتنزيل مقتضيات الدستور المتعلقة بالرياضة.
إن توفير شروط الإقلاع الحقيقي لهذا القطاع يقتضي إشراك جميع الفعاليات المتخصصة والغيورة في إعداد السياسات الحكومية في هذا المجال وما يفرضه ذلك من إطلاع على تجارب بعض الدول التي نجحت في الوصول بالرياضة إلى فاعل أساسي ومؤثر في المجتمع سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.
كما أن تأكيد البرنامج الحكومي على التزام الحكومة بإرساء سياسة رياضية شاملة تستجيب لحاجيات المجتمع يقتضي إرادة سياسية فعلية واقعية عن طريق وضع برامج واضحة المعا لم بإمكانها إخراج الرياضة الوطنية من النفق المظلم الذي تتخبط فيه.
إن تنزيل مقتضيات الدستور على أرض الواقع يقتضي اعتماد نوع من الشفافية وتفعيل مبدأ الحكامة في تدبير هذا القطاع، فبدون هذين المبدأين فإنه من الصعب الكشف عن مكامن الخلل في تدبير هذا القطاع.
إن هذه اللحظة تستدعى الإسراع بتفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالرياضة وذلك من أجل النهوض بهذا القطاع الذي يهم الشريحة الكبرى من المجتمع المغربي ألا وهي الشباب، كما تستدعي إشراكا حقيقيا للمجلس! الاقتصادي والاجتماعي والمقاولات المغربية على اعتبار أن الرياضة تعتبر من بين أهم الأنشطة ذات البعد التربوي الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.
إن النهوض بهذا القطاع يقتضي توافر عدة عوامل مادية وفنية وبشرية، فالعوامل المادية تقتضي الرفع من الميزانية المخصصة لوزارة الشباب والرياضة وما يتناسب ووضعها القانوني الجديد، لهذا نقترح تخصيص نسبة 5 % من ميزانية الدولة لهذا القطاع. أما على المستوى المحلي فنقترح جعل 10% من ميزانيات الجماعات الترابية تخصص وجوبا للقطاع الرياضي على المستوى المحلي والجهوي.
وأخيرا فإن السلطة الرابعة لها دور كبير في هذا الإقلاع الحقيقي الذي عبر عنه البرنامج الحكومي، فالإعلام الاحترافي العقلاني والمتوازن هو الكفيل بمواكبة صنع أبطال حقيقيين، فالإعلام مطالب بأن يعطى الاهتمام لجميع الرياضات، وأن يكون متخصصا في الميدان والأنواع الرياضية وأن يساير الرياضة مسايرة احترافية.
ومن أجل النهوض الحقيقي بالرياضة يجب تشطير برامج على المدى المتوسط والبعيد، من خلال القيام بتكوين وإعداد أبطال المستقبل عبر إحداث وتمويل مراكز جهوية، على الأقل 4 في كل اختصاص رياضي ذكورا وإناثا، بالإضافة إلى أكاديميات وطنية في كل رياضة.
كما أن تكوين اطر متخصصين حسب الفئات العمرية في كل الرياضات هو الكفيل بتقدم الرياضة المغربية بصفة مستمرة ودائمة.
إعادة النظر في دور الرياضة المدرسية باعتبارها خزانا للطاقات والمواهب في جميع التخصصات ومن واجبها التنقيب وصناعة الأبطال.
2/ التشريع الرياضي بالمغرب
وعلاقة المحامي بالقانون الرياضي
لقد عرف تاريخ المملكة المغربية ترسانة كبيرة من القوانين التي تهدف إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية مع حماية حقوق الأشخاص. وقد مكنت هذه القوانين بلادنا من التطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي المتكامل.
وفي إطار هذه الدينامكية عرفت القوانين المنظمة للحقل الرياضي تطورا هاما يهدف إلى الارتقاء بالممارسة الرياضية بالمغرب كان أخرها دستور المملكة لسنة 2011 الذي ارتقى بالرياضة إلى حق من أسمى حقوق الإنسان المغربي على غرار الدول المتقدمة (الفصل 26، 31 و32). غير أنه يلاحظ غياب كمي لرجال القانون من محاميين وأساتذة جامعيين وغيرهم كأطر إدارية تتكلف بالتسيير المعقلن للرياضة وتحدد العلاقات بين مختلف الفاعلين الرياضيين والحفاظ على حقوق كل طرف منهم. حيث اتسمت القوانين الرياضية المنظمة للرياضة المغربية بتغييرات مهمة بعيدا عن تدخل ومشاركة رجال القانون واشتراكه في تحديدها وتفعيلها وتطويرها وهو ما يجعلنا مقصرين في حق المجتمع المدني ومتخاذلين عن خدمة الرياضة التي تجلب النفع لشبابنا ولاقتصاد بلدنا.
وفي هذا السياق، أكد خبير الاقتصاد الفرنسي جان فرنسوا بورغ أن الرياضة أصبح رقم أعمالها العالمي يقدر بــ 400 مليار دولار أمريكي بينها 4.3 مليار دولار لكرة القدم وحدها وبذلك أصبحت الرياضة نشاطا اقتصاديا شأنه في ذلك شأن بقية القطاعات الأخرى الشيء الذي يفسر ضرورة انخراط المحامي في إعادة تنظيم هذا المجال حول قيم قانونية. الشيء الذي دفع بالمشرع المغربي إلى إحداث غرفة تحكيمية رياضية ضمن القانون 30.09 المنظم للرياضة والتربية البدنية.
وغير خاف أنه لم يكن هذا التوسع والاهتمام ليكبر لولا وسائل الإعلام. التي عرفت طفرة قوية في الميدان مع انتشار البث عبر الأقمار الاصطناعية حيث أصبح التلفزيون مستهلكا كبيرا للعروض الرياضية التي تدر أموالا كثيرة وتستلزم مقاربة قانونية لتدبيرها.
وأمام هذا التطور أصبح وجود رجل القانون يشكل ضرورة ملحة لتقنين التعاملات. لكن الغريب في الأمر هو عزوف المختصين بالقانون عن الاهتمام والتسيير الشأن الرياضي المغربي وهو ما يخلق متاعب كبيرة أمام تطور هذا القطاع
ببلادنا.
وقد أدت عائدات الرعاية الناجمة عن النقل التلفزي إلى ارتفاع كبير في عائدات الرياضيين كما أن سوق المستلزمات الرياضية التي يروج لها أبطال أمثال نجوم كرة السلة الأمريكية أو نجوم المستديرة أمثال رونالدو بيكهام ومن قبل زيدان وغيرهم من مختلف الرياضات والبلدان، عرفت ارتفاعا مضطردا. وباتت كرة القدم وغيرها من الرياضات تزحف على كل شيء وبلغت أسهمها التجارية مبالغ خيالية تتداول في البورصات كاي شركات إنتاجية وأصبحت الأموال تتدفق على النجوم من كل اتجاه الشيء الذي أصاب الرياضة وأصحابها بعدة آفات قد تكون قاضية عليها في المستقبل كالفساد المالي والعنف وتناول المنشطات. وتتعالى حاليا أصواتا منادية بإعادة تنظيم الرياضة مع مطلع الألفية الثالثة وفى حال لم يتم ذلك فقد تتعرض الرياضة إلى مهزلة بفقدانها أدبياتها والمبادئ التي أنشأت من أجلها وهذا ما أصبح يتضح جليا خلال المنافسات حيث أصبح العديد من الأبطال يلجئون إلى استعمال المنشطات لتحقيق نتائج خيالية تضمن لهم استمرار العقود التي تربطهم بمحتضنيهم وتدفق الأموال عليهم ما دامت النتائج التي يحققونها تساعدهم على فرض شروطهم على أي أراد الاستفادة من اسمهم لأغراض تجارية. وقد أصاب هذا الداء الرياضة المغربية حيث يلاحظ باستمرار ثبوت تعاطى أبطال مغاربة للمنشطات وهو ما يطرح ضرورة تدخل رجال الطب من جهة ورجال القانون من جهة ثانية لحماية الأبطال المغاربة والحفاظ على سلامتهم وسمعتهم.
وكما هو معلوم فإن القانون هو مجموعة من القواعد التي تنظم علاقة السلطات العامة بالإفراد، وكما هو مفترض بأن هناك قوانين جامدة وقوانين مرنة، وكما أننا نتناول القضايا والمسائل القانونية مع مجتمعات ونظم تساير عصر التقنية والقوانين المستحدثة، وكما أننا نتعاطى مع ما يسمى بدول المؤسسات والقانون، فإننا لا بد أن نناقش قضية مهمة تمس مجالا يعد واحدا من أهم المجالات وهى الرياضة، فضلا عن وجود طائفة كبيرة في المجتمع تدخل في نطاق هذا المجال، وهي طائفة الشباب، ناهيك عن أن الرياضة باتت تعد مقياسا لتطور المجتمعات والحضارات في عصرنا الحديث.
ومما تقدم فان محور الحديث عن التشريع الرياضي يقضى الالتفات إلى كل القضايا والمشاكل التي تعترضه والتي انتشرت بشكل كبير في المحيط الرياضي المغربي، بل وأصبحت تمثل جوهره ومنها الاحتراف الرياضي والمنشطات والاستشهار والعنف بالملاعب وقضايا الرشوة للتلاعب في نتائج المباريات والاتفاقيات الرياضية … مما يلزم القطاع الرياضي بإعادة صياغة قوانينه وبلورة قوانين جديدة تسد الفراغ الحاصل في القوانين المتقادمة والتي تعود جذورها إلى سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. ومن القوانين التي يجب تحيينها ما يتعلق بقوانين الخدمة الرياضية والشركات التجارية والخصخصة الرياضية والضرائب ومكافحة المنشطات والعقود التجارية التي تتم أيضا في الصفقات التجارية من خلال بيع وشراء اللاعبين والمدربين ونحو ذلك تضيف أبعادا أخرى للمجال الرياضي والمجال الاقتصادي وما يسري على هذه العقود من أنواع مختلفة كالتأمين والاحتكار وحقوق البث الإعلامي والدعاية والإعلان. وما نحو تلك من ذات الصلة، فإن هذا الدور يرتكز على مزج الجانب المدني في الحق الرياضي بتلك القوانين المتصلة بالجانب التجاري وهو ما يلزم المحامي المغربي إلى الأخذ بجدية ملف الرياضة المغربية وقوانينها وكذا التعرف على القوانين الدولية التي تنضم الرياضة العالمية ليساهموا في تأهيل الممارسة الرياضية بالمملكة ووضعها في إطارها الصحيح.
ويظهر الدور الفعال والأساسي لرجل القانون في الرياضة المغربية كشريك متمكن وملم بمختلف القوانين الرياضية الوطنية والدولية من خلال تحكمه وتقنينه لعقود التسويق الرياضي دون استغلال الأندية المغربية أو اللاعب أو المتفرج من
طرف مؤسسات أجنبية، وذلك بإشرافه على صياغة عقود شراكة واتفاق دون إجحاف حق أحد وبالتفاهم وعدم الاستغلال السيئ والمبالغ فيه لأحد الأطراف بعيدا عن الارتجالية والأخطاء التي يخلقها المتطفلون على التشريع الرياضي.
ومن هذا المنطلق لا يجب على رجال القانون المغاربة (محامون وقضاة وأساتذة جامعيون) اعتبار القطاع الرياضي كمجال ثانوي أو هامشي، حيث يعد المنخرطون فيه من أسرتنا على رؤوس الأصابع، وهو ما يعبر بوضوح على نفور رجال القانون من هذا القطاع الهام والحساس. وهو ما يتيح أيضا الفرصة للمفسدين والانتهازيين بالتلاعب بمصير الرياضة والرياضيين واختلاس الأموال العمومية والإفلات من العقاب نتيجة عدم تواجده أو محدوديته في التسيير الرياضي.
إن وجود رجل القانون داخل الهيئات الرياضية يعتبر لبنة أساسية لتطوير الممارسة الرياضية وذلك بضمانه وحمايته وإنصافه للرياضي أو النادي الذي ينتمي له، فالتقارير الأدبية والمالية للجمعيات والأندية والعصب والجامعات تظهر بجلاء عشوائية التسيير والنهب السافر للميزانيات وانتهاك حقوق الممارسين من لاعبين ومدربين وإفلات المتورطين في سوء التدبير والفساد المالي واستنزاف الموارد من العقاب وهو نتيجة طبيعية لغياب رجال القانون في الرياضة المغربية.
ومن خلال هذه المعطيات يكون الهدف الأول من هذا الملتقى هو تسليط الضوء على القوانين المنظمة للرياضة المغربية عبر جرد مبسط لمختلف النصوص القانونية التي قننت الممارسة الرياضية. ثم التساؤل عن سبب غياب رجال القانون في الحقل الرياضي، رغم أن القلة التي انخرطت في هذا الميدان أثبتت جدارتها وقيمتها وأصبحت رموزا وطنية في التسيير الرياضي.
ويظهر جليا من هذا التقديم مدى الأهمية البالغة التي تكتسيها الرياضة في الساحة الدولية والوطنية ومن تم يجب على المهتمين بالقطاع القانوني وخصوصا المحاميين المغاربة الاهتمام أكثر بهذا الجهاز والتخصص في القانون الرياضي الذي يقنن ويحدد مسؤوليات وواجبات وحقوق كل المتدخلين في القطاع الرياضي من لاعبين وأطر تقنية وطبية ومسيرين وجمهور وفاعلين اقتصاديين وغيرهم.
ورغبة منا في تحسيس المختصين في القانون المغربي بمدى أهمية وتشعب وتداخل الرياضة بالقانون وغيره من القطاعات وأيضا إبراز غنى وإيجابيات القوانين الرياضية من جهة وكذلك سلبياته وتقادم بعض مواده وفصوله. فإننا نطمح من خلال هذا الملتقى وداخل المحور الخاص بالتشريع الرياضي ودور المحامي في أوراشه ولا سيما:
- القوانين المنظمة للجمعيات والأندية الرياضية.
- حقوق الرياضيين.
- الطب والتطبيب الرياضي.
- الرياضة بين الهواية والاحتراف.
- الأعلام والتواصل الرياضي.
- قانون مكافحة المنشطات.
خاتمة
بسبب ما تشهده الساحة الرياضية الوطنية في السنوات الأخيرة من نزاعات وخلافات بين اللاعبين والمدربين والأندية والجامعات، في قضايا أصبحت تثير الجدل ويسمع صداها في الوسط والشارع الرياضي المغربي وخارج ارض الوطن باللجوء إلى الهيئات الرياضية الدولية، أصبح دور المحامي مهما في القيام بإصلاح ومراجعة قوانين الرياضة ضرورة أكيدة الشيء الذي سيكون له انعكاسات ومردوديات إيجابية في مجال الإدارة والعدالة الرياضية في المملكة، وذاك بــــ:
- إشراك المحامي في تدبير المحكمة الخاصة بالمنازعات الرياضية
- إحداث تأمين طبي واجتماعي للفاعلين الرياضيين “التقاعد، التعويضات والتغطية الصحية… “.
- مراجعة القوانين الرياضية وإعادة بلورتها.
- سن قوانين رياضية تساير مستويات ومجالات الممارسة الرياضية ولاسيما محاربة استعمال المنشطات.
- تنفيذ القوانين وإعادة مراجعتها وتحيينها وفق واقع ومستجدات الممارسة الرياضية بكل المجالات.
[1] سورة النساء.
[2] جمعية المحامين الكويتية في دراسة حول استقلال القضاء ضمانة أساسية لتعزيز حقوق الأفراد والجماعات في الوطن العربي قدمت لندوة استقلال العدالة المنعقدة. بمراكش أيام 8-10 نوفمبر 1988 في اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب.
[3] سورة النحل.
[4] جمعية المحامين الكويتية مرجع سابق.
[5] تجدر الإشارة إلى أن مصطلح العدالة في اللغة الفرنسية يطلق على القضاء، ويظهر أن هذا الإصطلاح لم يأت عبثا.
[6] ذلك أن مصادرة أو خرق حق التقاضي من خلال منع القضاء من النظر في قضايا معينة يعد إخلال بمبدأ المساواة بين جميع المواطنين.
[7] وذلك مع بعض الإستثناءات البسيطة التي تعتبر ثانوية بالنسبة للنشاط الرئيسي للمحامي وهو مشاركة القضاء ومساعدته في القيام. بمرفق العدالة.
[8] الأستاذ محمد التبر مجلة المحاماة العدد 13 ص 15.


