من الوثيقة الدستورية إلى القوانين التنظيمية
رشيد لبكر
كيف سيسهم النص القانوني في الدفع بالجماعات لترجمة أهداف الحكامة الترابية على أرض الواقع بفاعلية؟ سنحاول الإجابة على هذا السؤال، انطلاقا من الوقوف على أهم المقتضيات المضمنة في القوانين الجديدة في ارتباطها مع التوجيه الدستوري، ثم نبرز بعض المعيقات التي مازالت تعترض تفعيل هذه المقتضيات وكيف يمكن تجاوزها، قبل التطرق لبعض الوظائف الطلائعية التي نرى ضرورة مراهنة الجماعات الترابية عليها للارتقاء بأدوارها على النحو الذي نظرت له الوثيقة الدستورية وتتطلع له مختلف الشرائح المجتمعية.
إن الاهتمام بالمجال الترابي في ارتباطه بعمل الجماعات الترابية، سواء كانت محلية أو جهوية، يستمد روحه من الدستور الذي سطر في بابه التاسع منه تأطيرا دستوريا محليا، حدد المفاهيم وضبط المبادئ وجعل من الهندسة الترابية الجديدة أداة لتفعيل الحكامة الترابية الجيدة، بكل ما تحمله الكلمة من معاني النجاعة والمردودية والمسؤولية والمشاركة والمساءلة والمحاسبة وغيرها من المبادئ المنصوص عليها في منطوق الفصل 146 من الدستور. هذا الاهتمام تتجلى أبرز معالمه في القوانين التنظيمية الجديدة (1) ، والتي كرست نقلة نوعية للإدارة الترابية؛ أساسها تعميق الديمقراطية الانتدابية والتشاركية وتحقيق التنمية المستدامة والمندمجة، ومن خلالها الإسهام في تحديث تدبير هياكل الدولة والرفع من فعاليتها ونجاعة أدائها، كما أشارت إلى ذلك المذكرة التقديمية لمشاريع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية (2).
المبحث الأول: مستجدات القوانين الترابية الداعمة للحكامة
نقف أولا عند التطورات التي طالت التنظيم الجهوي، ثم نستعرض في النقطة الثانية لأبرز مستجدات التي عرفتها الجماعات حسب التعريف الذي أعطاه المشرع لما كان يعرف سابقا بالجماعات الحضرية أو القروية (3).
أولا– المقتضيات الجديدة المضمنة بالنص القانوني الخاص بالجهات
يتضمن الظهير الشريف رقم 1.15.83 الصادر في 20 من رمضان 1436 الموافق ل 07 يونيو 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات العديد من المقتضيات الهامة التي يمكن إدراجها في خانة التأسيس لفعل جهوي متقدم مقارنة مع التجارب الجهوية السابقة، لاسيما على مستوى النجاعة والحكامة الفعالة، يمكن الاستدلال على ذلك بجملة من المواد، نذكر بعضها كالتالي:
- المادة 99: خولت للمجالس الجهوية الحق في نهج سياسات التعاون والانفتاح لإنجاز مشروع أو نشاط ذي فائدة مشتركة مع غيرها من الجماعات الترابية، من خلال حثها على المساهمة في إحداث مجموعة الجهات أو مجموعات الجماعات الترابية أو الانضمام إليها. أو من خلال تمتيعها بأهلية إبرام اتفاقيات التعاون والشراكة مع القطاعين العام والخاص ومشاريع اتفاقيات التوأمة والتعاون اللامركزي مع جماعات ترابية وطنية أو أجنبية وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية في إطار احترام الالتزامات الدولية للمملكة، وذلك كله من أجل تفعيل الدبلوماسية الموازية، والتي أضحى الرهان معقودا عليها على نحو ما سنتطرق إليه في نقطة لاحقة من هذه الدراسة.
- المادتان 116 و117: من الباب الخامس؛ المعنون بـ “الآليات التشاركية للحوار والتشاور”، تحث مجالس الجهات، تطبيقا لأحكام الفصل 139 من الدستور، على إحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والمواطنات والجماعات في إعداد البرامج وتتبعها، إذ نصت المادتان على إحداث ثلاث هيئات استشارية لدى مجلس الجهة؛ الأولى تعنى بالشراكة مع المجتمع المدني لدراسة قضايا الجهوية المتعلقة بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، والثانية تعنى بقضايا الشباب، والثالثة تهتم بدراسة القضايا ذات الطابع الاقتصادي.
- المادة 118: تفتح المجال أمام المواطنين والمواطنات والجمعيات لتقديم العرائض، الهدف منها مطالبة المجالس بإدراج نقطة ضمن جدول الأعمال، على أساس أن تكون مدرجة في إطار صلاحياته، وهذا فيه فتح المجال أمام المواطنات والمواطنين للمشاركة في تدبير شؤونهم الجهوية والمطالبة بمعالجة بعض القضايا التي يرون أنها تستجيب لمصالحهم أو التنديد بالأخرى التي يرون فيها العكس، بناء على أسس قانونية، سليمة ومؤطرة.
- المادة 123: تنص هي الأخرى على إحداث إدارة لدى مجلس الجهة؛ تتكون من مدير ومصالح مديرية تابعة، غايتها مساعدة الرئيس على ممارسة صلاحياته على مستوى إدارة الجهة والسهر على شؤون الموظفين وتنسيق أعمال اللجن والسهر على أعمال المجلس وغيرها من المهام التي كانت في السابق تهدر الوقت وتستنزف مالية الإدارة الجهوية، بل كثيرا ما كانت السبب في الإخلال بنظام المجالس المنتخبة وانضباط التسيير الإداري في عدد منها، بسبب غياب مخاطب وحيد أمام موظفي الجهة، أو نتيجة تدخل الأعضاء في شؤون الأقسام والمصالح وغيره.. لذلك، فإن إحداث منصب مدير للجهة بصلاحيات قارة وإطار واضح يرسم حدود التدخل تحت إشراف وحماية الرئاسة، كان دائما من المطالب الملحة للفاعلين والباحثين، والذين طالما عابوا على التجارب السابقة، غياب إدارة جهوية فعالة، لاسيما في ظل محدودية وسائل العمل الموضوعة رهن إشارة الكتاب العامين للجهات وضعف وضعهم القانوني داخل المجالس، الشيء الذي كان يؤدي إلى التدخل في شؤونهم من طرف الأعضاء أحيانا أو تجاوزهم أحيانا أخرى، وغير ذلك من مسببات الخلل التي تتناقض في جوهرها مع مبادئ الحكامة.
- المادة 128: تنص هي الأخرى بدورها على إحداث وكالة جهوية لتنفيذ المشاريع داخل الحدود الترابية للجهات، غايتها مد المساعدة القانونية والهندسية والتقنية والمالية عند دراسة وإعداد المشاريع وبرامج التنمية وتنفيذها، صونا لمنهجية النجاعة وحسن التدبير في إدارة المشاريع؛ إذ غالبا ما كانت مشاريع الجهة تهدر نتيجة غياب منهجية التتبع والتقييم أو ربما تقبر المشاريع في مهدها، فضلا عما يحدث أثناء تنفيذ بعضها من تبذير للمال العام وضعف في الجودة وتمطيط في آجال التنفيذ ومحسوبية في منح الصفقات.
- المادة 223: تحث على اعتماد الشفافية والمساواة وضمان حقوق المتنافسين عند إبرام الصفقات من قبل الجهات والهيئات التابعة لها ومجموعات الجهات ومجموعات الجماعات الترابية، إرساء لقواعد الحكامة.
- المادة 229 : و تنص من الناحية الاقتصادية على إحداث صندوق التأهيل الاجتماعي من أجل سد العجز في مجالات التنمية البشرية والبنايات التحتية الأساسية والتجهيزات، ولاسيما فيما يخص الماء الصالح للشرب والكهرباء والسكن غير اللائق والصحة والتربية وشبكة الطرق والمواصلات… وذلك كله تفعيلا للفصل 142 من الدستور، والذي نص على أن إحداث هذا الصندوق، من أجل إحداث التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوت بين الجهات؛ كل هذه المبادئ الحديثة للحكامة خصها القانون المنظم بباب خاص؛ هو الباب الثامن الذي عنونه ب “قواعد الحكامة”، حيث عرفها بالتطبيق الأمثل للتدبير الحر، القائم على جملة مبادئ، منها: المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجهة، الاستمرارية في أداء الخدمات من قبل الجهات، وضمان جودتها، تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية لترسيخ سيادة القانون والمشاركة والفعالية والنزاهة.
- المادة 243: اعتمدت نص المادة 136 من الدستور، لفظا ومعنى؛ إذ دعت إلى ضرورة ارتكاز التنظيم الترابي الجهوي على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن، بما يؤمن مشاركة الساكنة في تدبير شؤونها المحلية. وعليه، فإن هذه المادة الواردة في النص الجهوي، لم تحد بدورها عن هذا التوجيه الدستوري، حيث أوضحت أن المدلول المراد بقواعد الحكامة، تطبيقا لمنهجية التدبير الحر، يتجلى في المبادئ التالية: المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجهة، الاستمرارية في أداء الخدمات من قبل الجهة وضمان جودتها، تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، ترسيخ سيادة القانون، التشارك والفعالية والنزاهة… وهي مبادئ تبدو متقدمة مقارنة مع النصوص الترابية السابقة، وإن كنا نعيب على بعضها، بقاؤها في العموميات وعدم الدقة وفق ما هو متعارف عليه في اللغة القانونية المضبوطة.
- المادة 244: نصت بدورها على عدد من الإجراءات الواجب اعتمادها في التنظيم الجهوي، إرساء وتحصينا لمبادئ الحكامة ومنها: احترام مقتضيات النظام الداخلي للمجلس، التداول في جلسات المجلس بكيفية ديمقراطية، شفافية المداولات، آليات الديمقراطية والتشاركية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، عدم استغلال التسريبات المحلية بالنزاهة الشريفة، التصريح بالممتلكات، عدم استغلال النفوذ أو تنازع المصالح، وغيرها من المقتضيات المنصوص عليها في القسم الثامن، ولاسيما المواد من 245 إلى 250؛ وكلها تؤكد على ضرورة اعتماد التقييم في أداء الجهة والمراقبة الداخلية والافتحاص وتقديم حصيلة تدبيرها وتقديم الحصيلة في جدول أعمال مجالسها ونشرها بجميع الوسائل كي يتاح للعموم للاطلاع عليها.
- المادة 250: حيث تم التنصيص على وضع مجموعة من الأدوات اللازمة لمواكبة ومساندة مجالس الجهة خلال مدة انتدابها لبلوغ الحكامة الجيدة في تدبير شؤونها وممارسة الاختصاصات المخولة إليها، من خلال دعم القدرات التدبيرية للمنتخبين ووضع أدوات تسمح للجهة بتبني أنظمة التدبير العصري، لاسيما مؤشرات التتبع والإنجاز والأداء وأنظمة المعلومات، إضافة إلى تمكين الجهة من المعلومات والوثائق الضرورية.
ثانيا– المقتضيات القانونية الخاصة بالجماعات
عند تصفح القانون التنظيمي المنظم للجماعات الترابية، سواء منه المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات أو المقاطعات، أو القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بمجالس العمالات والأقاليم، نجد أن أغلب مبادئ الحكامة التي تم التنصيص عليها في القانون التنظيمي للجهات، هي ذاتها المنصوص عليها في هذين القانوني. لذلك، لا نرى جدوى في إعادة الإشارة بتفصيل إلى هذه المبادئ، ما دامت متشابهة فيما تنص عليه من مقتضيات، باستثناء بعض الاختلافات الراجعة إلى التمايز القائم بين كلا القانونين، بحسب طبيعة كل واحد منهما وأهدافه وامتداده الترابي. لأجل ذلك، سنمر سريعا على بعض من هذه المبادئ:
- ارتكاز الجماعات على مبادئ التدبير الحر، والتي لا تختلف في جوهرها عما تنص عليه المادة 243 من قانون الجهات، بحيث يخول هذا التدبير للجماعة سلطة التداول في مقرراتها وفي كيفية تنفيذها بكيفية ديمقراطية؛
- ارتكاز النظام الجماعي على مبدأي التضامن والتعاون بين الجماعة أو الجماعات والجماعات الترابية الأخرى، من أجل بلوغ أهدافها، وخاصة إنجاز مشاريع مشتركة؛
- اعتماد مبدأ الاقتراع العلني عند انتخاب رئيس المجلس الجماعي، صونا للشفافية وتكافؤ الفرص؛
- استفادة الأعضاء من تكوين مستمر في المجالات المرتبطة بالاختصاصات المخولة للجماعة؛
- إسناد مهمة عزل أعضاء المجلس الجماعي أو التصريح ببطلان مداولات مجلس الجماعة إلى القضاء وليس إلى سلطة الوصاية كما كان في السابق، تفعيلا لدولة المؤسسات ولاستقرار واستقلالية المجالس وفرض هيبة القانون؛
- خلق هيئات استشارية لدى المجالس الجماعية كما هو الشأن بالنسبة للمجالس الجهوية، بالشراكة مع المجتمع المدني، لدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع…؛
- تقديم العرائض لمطالبة المجالس بإدراج نقط في جدول أعمال، ما دامت تدخل في إطار صلاحياته؛
- التنصيص على احترام جملة من المبادئ المؤطرة لقواعد الحكامة، تطبيقا لمبدأ التدبير الحر، والتي لا تخرج في روحها عن دائرة المبادئ ذاتها المنصوص عليها في القانون التنظيمي للجهات، والمتمثلة أساسا في المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجماعة؛ تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية؛ ترسيخ سيادة القانون؛ التشارك والفعالية والنزاهة؛ شفافية دورات المجلس؛ المقتضيات المتعلقة بالصفقات؛ التداول داخل المجالس بكيفية ديمقراطية…؛
يتضح من خلال هذا الجرد المختصر لبعض المقتضيات القانونية، الواردة سواء في القانون التنظيمي الخاص بالجماعات أو بمجالس العمالات والأقاليم، أن مبادئ الحكامة والتدبير الرشيد هي أهم ما يسعى المشرع إلى ترسيخه في الإدارة الترابية. لذلك، فلا غرابة أن يكون الرهان معقودا بشدة على جملة الأدوار الجديدة، والتي باتت هذه الوحدات التدبيرية الترابية تضطلع بها، وهل سيكون الفاعل الترابي في مستوى هذه المستجدات، عن طريق تطبيق كل هذه المبادئ الطموحة وتحويلها إلى واقع ملموس، ومن تم الارتقاء بجودة الخدمات والاعتناء بقضايا القرب على جميع المستويات، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية والبيئية والتعميرية… حسب حدود اختصاص كل مجلس منتخب على حدا.
المبحث الثاني: معيقات تعترض حسن تطبيق القوانين الترابية واقتراحات لتجاوزها
يقودنا الحديث عن التجربة المغربية، إلى اعتبارها تجربة لامركزية نموذجية على مستوى محيطها الإقليمي والقاري والعربي، وأنها تجربة تطورت على مراحل متعددة، بحيث دأب المغرب منذ الستينات على تنمية ممارسته اللامركزية، وكانت له عدة محطات، سواء على المستوى الجماعي أو الجهوي، راكم خلالها العديد من الممارسات التدبيرية المحلية، حتى وصل به المطاف إلى تشكيل هندسة ترابية جديدة، مؤطرة بمقتضى الوثيقة الدستورية ذاتها، حيث خص دستور2011 الجهات والجماعات الترابية بباب كامل؛ هو الباب التاسع، والذي اشتمل على 12 فصلا، اعتنت ببعض الجوانب الهامة في تنظيم هذه الوحدات الترابية، وبوأ الجهة مكان الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى. لكن دون أن يجعل منها إطارا رأسيا على غيرها من الوحدات الإدارية اللامركزية الأخرى، ونعتقد أن ذلك، يعد وفاء للوثيقة الدستورية التي أعلنت في ديباجتها بأن “المملكة المغربية، دولة موحدة وذات سيادة كاملة”، وبالتالي، فإن الجهوية المتقدمة التي نتكلم عنها الآن، والتي ستطبق في 12 جهة كما هو معلوم، هي نموذج آخر للجهات المطبقة في إطار الدول الموحدة؛ بمعنى آخر، أن الجهات في المغرب رغم تبوئها لمكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، من حيث إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، فهي لا تمارس وصايتها عليها (المادة 143 من الدستور الحالي) ، أضف إلى ذلك، أن الجهة، وإن كان لها أساس دستوري ببلادنا، فإن تنظيمها قد أسند إلى قانون عادي؛ وهو القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، والذي جعل من الكيانات الجهوية، تنظيمات لامركزية وأحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، لها اختصاصات هامة تمارسها في مجالها الترابي، ولكن في إطار من الوحدة الوطنية واحترام للقوانين التي تنظم كل وحدة إدارية محلية على حدا، على اعتبار أن لكل هيئة في الهرم الترابي مجال وحدود تدخلها؛ فالمجلس الجماعي، سواء في القرية أو الحاضرة، له اختصاصات يمارسها على مستوى حدود تراب جماعته الترابية؛ هذا التراب يتقاسم مع جماعات ترابية أخرى (حضرية و/ أو قروية) رقعة ترابية أكبر؛ هي الإقليم )أو العمالة( والذي يتوفر على مجلس منتخب، له نظرة شمولية وعامة على مجموع التراب الذي تتقاسم أجزاءه كل الجماعات المشكلة لهذا الإقليم، تكون مهمته تدبير المجالات المشتركة بين هذه الجماعات، وفق ما ينص عليه القانون من اختصاصات، ثم هناك إطارا ترابيا آخر، أكبر وأشمل من الإقليم والعمالة؛ وهو الإطار الجهوي الذي يضم في مجاله عددا من الأقاليم والعمالات والجماعات؛ حضرية كانت أو قروية، وبالتالي ذو نظرة أوسع وأشمل. لذلك، جعله المشرع في موقع الصدارة وأعطاه مهمة وضع الرؤية العامة والمشتركة بين كل هذه المكونات الترابية، وضبط اتجاهات نمائها المستقبلي وتشخيص إكراهاتها وتثمين مؤهلاتها، كل ذلك في إطار وثيقة ترابية هامة من المفروض أن تشرف الجهة الترابية على إنجازها؛ وهي التصميم الجهوي لإعداد التراب، الذي سيمنح بلا شكل، رؤية متوسطة المدى لمستقبل أي جهة، وكذا لنوعية التمفصلات والتقاطبات التي ستكون بين مكوناتها الداخلية، أو مع المكونات الأخرى؛ أي باقي الجماعات الترابية غير المنتمية ترابيا للجهة المعنية.
وعليه، فقد جردت الهندسة الترابية الجديدة أي صبغة وصائية لوحدة لامركزية على أخرى، لكي يبقى لكل كيان اعتباره واستقلاله، على أساس أن بتفعيل مبادئ الحكامة الجيدة المنصوص عليها في المادة 146 من الدستور، ولاسيما تلك الرامية إلى تشجيع التعاون بين الجهات، سيؤدي ذلك إلى دخول هذه الوحدات في منطق الاعتماد المتبادل بينها، الشيء الذي ستكون له انعكاسات إيجابية على الشأن المحلي، شريطة تحلي النخب المحلية بالكفاءة وبروح الوطنية والغيرة على المجال وتطوير الآداء.
وحري بنا في هذا المقام، التذكير، بأن ملك البلاد، كان من المؤسسين نظريا لهذه الهندسة، بدليل الخطاب الذي ألقاه عند انطلاقة ورش الإصلاح الجهوي في مارس2011، حيث أعلن فيه عن قرار المراجعة الدستورية وعن نتائج تقارير اللجنة الاستشارية التي سبق أن أمر بتشكيلها انطلاقا من مراكش يوم الأحد 3 يناير 2010 بهذا الخصوص، كما أفصح في هذا الخطاب عن نظرته الخاصة للجهوية، في ارتباط بباقي الجماعات بالقول: “لن تكون مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة”. لذلك، فقد دعا هذه اللجنة إلى: “الاجتهاد في إيجاد نموذج مغربي – مغربي للجهوية، نابع من خصوصيات بلدنا” وبعيدا عن “اللجوء للتقليد الحرفي، أو الاستنساخ الشكلي للتجارب الأجنبية”، محددا بالتالي أربع مرتكزات لبناء هذا التصور وهي:
-1التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها في وحدة الدولة والوطن والتراب؛
2 -الالتزام بالتضامن، حتى لا تختزل الجهوية في مجرد توزيع جديد للسلطات بين المركز والجهات؛ إذ التنمية الجهوية، في نظر ملك البلاد، لن تكون متكافئة وذات طابع وطني، إلا إذا قامت على تلازم استثمار كل جهة لمؤهلاتها، على الوجه الأمثل، مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق، في مغرب موحد؛
3 -اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات، وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها، بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات؛
4 – انتهاج اللاتمركز الواسع، والذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله، في نطاق حكامة ترابية ناجعة، قائمة على التناسق والتفاعل.
هذه النظرة المتكاملة، هي التي تدفع إلى القول بأن القوانين الترابية التي عرفها المغرب بعد دستور2011، شكلت نقلة نوعية في الممارسة الإدارية المحلية، لاسيما وأن مقتضياتها تنهل من القاموس التدبيري الحديث، كما هو متعارف عليه في الدول ذات التجارب الرائدة؛ إذ على الرغم من بعض المآخذ المسجلة عليه، فلا بد من الاعتراف بأنها ساهمت، في التقليل إلى حد كبير من حجم الوصاية الدولتية على ممثلي المواطنين، كما تبنت بعضا من المفاهيم المعاصرة؛ ومنها مثلا مبدأ التدبير الحر ومبدأ التفريع وحق تقديم العرائض والاعتراف بمكانة المجتمع المدني وتخصيص الجماعات بأدوار جديدة، ستكون لها وبلا شك نتائج إيجابية، لو عرفت طريقها نحو التفعيل الحقيقي، لاسيما على مستوى الانفتاح على الخارج، والبحث بالتالي عن تمويلات لمشاريعها من قبل الصناديق المانحة أو الترويج للقضايا الوطنية الكبرى، في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الموازية، على النحو الذي سنتطرق إليه بالتفصيل لاحقا، فضلا عن التنصيص على تمويلات مالية إضافية من طرف ميزانية الدولة لفائدة الجهات، غير أن التطورات الإيجابية، لا تعفينا من القول بأن هناك بعض المعيقات التي مازالت الضرورة تدعو إلى تجاوزها أو إيجاد حلول لها في أقرب الآجال، حتى تسير عجلة التدبير الترابي في مسارها الصحيح. سنحاول التعريف بأبرز هذه المعيقات، والحلول المقترحة لتجاوزها، سواء ما تعلق منها بالجانب الجهوي، أو الجانب الجماعي.
أولا– على المستوى الجهوي
اجتهد العديد من الباحثين في إيجاد مقاربات موضوعية، حاولت تقديم نقد تحليلي لبعض بنود القوانين الترابية الأخيرة، من خلال إبراز بعض الإشكالات العالقة، نوردها مجملة في النقط التالية، مع بعض المحاولات للجواب عنها:
- تضمن القانون التنظيمي 111.14 الخاص بالجهة العديد من المقتضيات الهادفة إلى معالجة الاختلالات واللاتوازن بين سلطتي الرئيس والوالي، لم تصل إلى مستوى تجسيد استقلالية السلطة التنفيذية الجهوية؛ إذ أنه فتح المجال أمام الوالي لمتابعة كل صغيرة وكبيرة في مهام المجلس والرئيس في مجالات متعددة، كالنظام الداخلي، جدول الأعمال، الحضور الفاعل في دورات المجلس، طلب الاستفسار، الدورة الاستثنائية، توقيف المجلس… كل هذا، يعد تراجعا عن الطموح المعلن من قبل. وبالتالي، فالضرورة تدعو إلى التخفيف من هذا الحضور، عن طريق إعطاء مزيد من الاستقلالية للجهة ورئيسها، لتتحمل مسؤولية أعمالها أمام الناخبين، بعد أن أصبحوا ينتخبون أعضاءها بكيفية مباشرة (4)؛
- عدم حسم القانون التنظيمي للجهة في مشكل محدودية الموارد الجهوية؛ إذ رغم تنصيصه على الزيادة في الموارد من خلال الزيادة في نصيب الجهة من الضريبة على الشركات (5%)، ومن الضريبة على الدخل (5%)، ومن رسوم التأمين (5%)، فإن الأمر، وبالنظر إلى حجم الانتظارات، ينذر مرة أخرى بمحدودية هذه الموارد، لاسيما في ظل افتقار المشروع لتصور قادر على حل المشاكل العالقة: خزينة ترابية تعوزها الموارد البشرية الكافية والمؤهلة، عجز بنيوي في تجاوز مشكل الباقي استخلاصه، غياب إحصاء حقيقي للملك العمومي المتسم أصلا بضعف المردودية… (5)؛
- عدم اشتراط مستوى تعليمي لتولي مهام الرئاسة يطرح السؤال عن أي نوع من الحكامة )أو التدبير الحر( تلك التي لا تفترض حدا أدنى من التكوين؛ (ملاحظة عامة بالنسبة لكل الوحدات الترابية؛ أي سواء كانت جهات أو جماعات أو مقاطعات أو مجالس عمالات أو أقاليم)؛
- الإحالات المتكررة على النصوص التنظيمية، تنبئ عن خلفية إعدادها على نار هادئة، بعيدا عن مناقشة ومراقبة البرلمان، وبالتالي تكريس عقلية الضبط والتحكم (6) (ملاحظة عامة بالنسبة لكل الوحدات الترابية، سواء كانت جهات أو جماعات أو مقاطعات أو مجالس عمالات أو أقاليم)؛
- عدم مواكبة سياسة اللاتمركز للتطورات الحاصلة على مستوى تطوير اللامركزية، تدعو إلى المطالبة بضرورة تأهيل العمل الترابي ورفعه إلى مستوى “الاحتراف”، عن طريق تنظيم العلاقة بين اللامركزي واللاتمركز على أساس تعاقدي، يحدد لكل طرف مجال تدخله، وفق حدية أفقية، لا يمارس فيها طرف وصايته الكاملة على الطرف الآخر وكأنه جهاز قاصر (7)؛
- غياب أية آلية قانوينة لضبط عبارة الموارد الذاتية، من حيث علاقتها بالموارد الإجمالية، يؤدي إلى القول بوجود مراقبة إدارية قبلية بخلفية وصائية، حيث إن المقررات والقرارات المالية لا تدخل حيز التنفيذ بمجرد اتخاذها، بل بعد التأشير عليها. ولتجاوز هذا الوضع الوصائي والمعرقل أحيانا، تدعو الضرورة إلى التركيز على المراقبة البعدية، خصوصا مراقبة المحاكم المالية؛ وهو التوجه الذي نهجه التشريع الفرنسي، حيث تعتبر مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية من طرف الغرف الجهوية للحسابات في التجربة الفرنسية، بديلا جيدا عن الوصاية الإدارية التي كانت تمارسها السلطات المركزية في مجال البت في الخلافات المتعلقة بالتأخر في التصويت على الميزانية، أو المصادقة على الحساب الإداري للجماعات المحلية؛ (ملاحظة عامة بالنسبة لكل الوحدات الترابية؛ أي سواء كانت جهات أو جماعات أو مقاطعات أو مجالس عمالات أو أقاليم) (8)؛
- عدم حسم القانون التنظيمي بشكل واضح في عدد من القضايا؛ منها مثلا: عدم تسطير حدود بينة للاختصاصات (اختصاصات ذاتية ومنقولة ومشتركة وفي كيفية ممارستها)؛ الإحجام عن تفسير المقصود من المبادئ المؤطرة لهذه الاختصاصات (ولاسيما مبدأ التفريع، مبدأ التدبير الحر، مبدأ التدرج والتمايز …)؛ عدم توضيح مستوى العلاقة بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية والتشاركية، وما هي حدود هذه العلاقة فيما بين الجماعات الترابية؛ فهذه كلها أسئلة مشروعة، تدفعنا إلى إعادة طرح نفس السؤال الذي سبق طرحه من قبل أحد الباحثين المهتمين بالمسألة الترابية، عندما تساءل: ما الجدوى أصلا من التنصيص على مبادئ جوهرية، قد لا تكون مناسبة لواقع الدولة المغربية البسيطة في شكلها الدستوري (مبدأ التفريع، مبدأ التدبير الحر، مبدأ التدرج …) ؟ ما المفهوم الذي يتبناه المشرع من مبدأ التفريع، وما هي شروطه وفلسفته؟ هل ينسجم ويتعايش مع منطق الرقابة والوصاية؟ كيف يمكن التوفيق بين هذه المبادئ ونظام الوصاية (الرقابة الإدارية) ؟ (9). نعتقد أن هذه الأسئلة التي تسري حقيقة على جميع القوانين الترابية، تدعو المشرع، انطلاقا من اختصاصاته الثابتة دستوريا، إلى الإسراع بإصدار قوانين تفسيرية مستعجلة، تجيب بشكل واضح عن كل هذه الأسئلة، قطعا لدابر الخلاف، وحتى لا يسهب المدبر في التأويل، إلى درجة قد يذهب فيها اجتهاده إلى عكس الهدف الذي يرمي إليه المشرع ذاته من المقتضيات المنصوص عليها، وهو ما يشكل خطرا على التجربة الترابية الحالية برمتها؛
- بخصوص التمفصلات العضوية التي يجب أن تسود بين كل المكونات الترابية (جهة وجماعات)، يبقى التساؤل بدوره قائما حول الكيفية التي ستعمل على ضوئها كل هذه المكونات، لضمان الانسجام والتعاون بينها بدل الانكماش والتقوقع؛ فلو نظرنا إلى نموذج جهة الدار البيضاء مثلا، قد نطرح السؤال حول عن نوعية التبادل الممكن بين الدار البيضاء الجماعة (أي المدينة) بقوتها المالية والاقتصادية مع جماعة فتية كسيدي بنور مثلا أو حتى برشيد أو سطات؛ بمعنى آخر، مَن سيستفيد من مَن؟ وكيف؟
- وأخيرا، لا بد من طرح السؤال أيضا حول دور النخب الحالية؛ هل هي قادرة على تحمل مسؤوليتها وفي مستوى الحدث وواعية تماما بالرهان الملقى على عاتقها وتحمل تصورا ورؤية بخصوص كيفية التعاون مع غيرها من مكونات؟
ثانيا– على المستوى الجماعي
من جانبه، لم يسلم القانون 113.14 المتعلق بالجماعات والمقاطعات من عدد من الانتقادات والملاحظات، التي لا تضرب صراحة في جوهر العملية الإصلاحية التي سطرها القانون التنظيمي وبشر بها الدستور، بقدر ما تمس بعضا من جوانبه العالقة، والتي تحتاج إلى التوضيح تجويدا للنص ذاته، وتوفيرا لكل الظروف المناسبة التي من شأنها مساعدته على الرقي بالعمل الجماعي.
من هذه الملاحظات، يمكن إبداء إيراد ما يلي:
- إثقال كاهل رئيس الجماعة باختصاصات جديدة في مجال الشرطة الإدارية، من قبيل مراقبة الملك العمومي واختصاص تنظيم ومراقبة نشاط الباعة المتجولين، لكن دون تمتيعه بوسائل الردع المناسبة، والتي تتوفر لدى السلطة التي كان يرجع إليها في الأصل هذا الاختصاص (10) ؛ الشيء الذي يدعو إلى الإسراع بوضع آليات التنسيق والتعاون بين ممثلي السلطة وممثلي السكان على الصعيد المحلي، بما يضمن تجاوز حالات التصادم والتشنج، والتي كثيرا ما كانت تلقي بظلالها على العلاقات بين الجانبين وتكون ذات نتائج وخيمة مجاليا وترابيا؛
- تضخم مبدأ الوصاية وإمعان المشروع فيه، من خلال كثرة حالات التدخل (أكثر من 58 حالة)، وتعدد المتدخلين (العامل والوالي ووزارة الداخلية)، مما يؤشر على استمرار منطق التحكم من طرف وزارة الداخلية، حيث جاءت اختصاصات العمالات والأقاليم في المشروع، فضفاضة وعامة ومتضاربة، الشيء الذي قد يفتح الباب مشرعا للتأويل وللتدخل من جديد في اختصاصات المجالس المنتخبة (11)؛
- إبقاء المشرع على المقتضى الذي يخصص العمل بنظام المقاطعات حصريا في ست مدن؛ وهي البيضاء، الرباط، سلا، مراكش، فاس، طنجة، دون ذكر المعيار الذي ارتكز عليه المشرع في هذا الحصر، وكأنه ينطلق من افتراض أن توسع المدن متحكم فيه وأنها لن تعرف تمددا محتملا؛ وهو ما لا يستقيم منطقا ولا قانونا. وبالتالي، فالضرورة تقتضي الرجوع إلى معيار التعداد السكني الذي كان معمولا به بمقتضى ظهير 2002 لتصنيف المدن الكبرى؛ وهو 500 ألف نسمة، على اعتبار أن إحصاء سنة 2014 الخاص بالسكان، قدم تصنيفا جديدا للمدن، صعدت بموجبه مدينة مكناس إلى مصاف المدن الكبرى بالمملكة، بتعداد سكني يصل إلى 632 ألف نسمة؛ أي أنها فاقت تعداد ساكنة الرباط، وهي 577 ألف سنة؛ فبأي منطق يتم تمتيع الرباط بمجالس القرب أي المقاطعات، و تحرم منه مدينة في حجم مكناس، وهل سيكون مجلس جماعي واحد قادر على إدارة شأن جماعة بهذا الحجم!
- إبقاء المشرع على تسمية جماعات القرب بالنسبة “للمقاطعات” سيؤدي إلى إحداث ارتباك لدى المواطن في فهم واستيعاب خصوصيات هذه الوحدات الإدارية، على اعتبار أن المقاطعة ترسخت لديه، باعتبارها جهاز المخزن بامتياز وليست بجماعة منتخبة، وبالتالي يكون من الأفضل تغيير هذه التسمية حتى تكون “المقاطعات” أكثر قربا من فهم المواطنين؛
- ضرورة تفعيل ” ندوة رؤساء مجالس المقاطعات” التي أهمل تفعليها في التجارب السابقة، رغم أهميتها البالغة، زيادة على ضرورة الإسراع بإخراج كل النصوص التنظيمية التي مازالت لم تصدر بعد، وإجراء تقنين عام لكل القوانين المتعلقة بالتسيير الجماعي، حتى لا تبقى مشتتة، وبالتالي يسهل الاطلاع على مقتضياتها وتسهيل مواكبتها؛
- غياب الاستقلال المالي للجماعات يطرح إشكالية مدى تمتع الجماعة بالشخصية المعنوية المكرسة بموجب الدستور، ويحولها بالتالي إلى جماعة مستهلكة للميزانية وليست جماعة مبادرة وقادرة على تحقيق التنمية؛
- الإبقاء على الوصاية القبلية على المقررات المالية في القانون التنظيمي الخاص بالجماعات الترابية يعكس نوعا من استمرار هاجس عدم الثقة بالمنتخب المحلي. أكثر من ذلك، يلاحظ أن أغلب الأنشطة الاقتصادية المحلية ما زالت خاضعة لضرورة تأشير الدولة، كما أن كل المداولات المهمة أو التي هي على درجة كبيرة من الأهمية في المجال الاقتصادي أو المالي تكون خاضعة لإعادة القراءة من طرف سلطات الوصاية؛ وهو ما يؤكد الحضور القوي الذي ما زال قائما من طرف ممثل وزارة الداخلية، وقد يؤثر على مفهوم التدبير الحر الذي أكد عليه الدستور واعتمدته القوانين التنظيمية (12)؛
- قرار الرفع من المخصصات المالية المقررة للمقاطعات، تنفيذا لمنطوق المادة 245 من القانون التنظيمي، والذي ألزم المجلس الجماعي على تمويلها بمخصص مالي إجمالي، باعتباره نفقة إجبارية، توزع وفق شروط منصوص عليها في المادة 246، هو مستجد هام، لاسيما أنه يشترط عدم نزول نسبة المخصصات الإجمالية الممنوحة للمقاطعات عن 10 في المائة من ميزانية الجماعة؛ وهو المقتضى الذي سيساهم في الرفع من ميزانية هذه المقاطعات. لكن السؤال المطروح، يتعلق بالكيفية التي سيتم بواسطتها تدبير هذه المخصصات وتبويبها وتنفيذها وتتبع طرق تنفيذها، في ظل غياب العديد من المراسيم والقوانين المصاحبة، التي مازالت لم تصدر لحد الآن، وبالتالي يطرح غيابها العديد من الإشكاليات، لاسيما على مستوى التبويب الجديد المقرر لميزانية المقاطعة (13)؛
- يصبح من قبيل “اللامعنى” الحديث عن كل التطورات التي شهدها الجانب المالي المتعلق بنظام المقاطعات في ارتباطه بالمجلس الجماعي، في ظل استمرار غياب المقتضيات القانونية المنتظر صدورها، الشيء الذي يؤدي راهنا إلى الارتباك وعدم الوضوح والتردد في تدبير الميزانيات، علما أن عدد هذه المقتضيات يصل إلى حوالي 16 نص قانوني، موزعة ما بين قانونين هما: النظام الأساسي الخاص بالموارد البشرية العاملة بإدارة الجماعة الترابية ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية (الذي تنص عليه المادة 129)، ثم نظام الأملاك العقارية للجماعة والقواعد المطبقة عليها (209)، و6 مراسيم هي: مرسوم لائحة الجماعات التي يمكنها التوفر على مديرية عامة للمصالح (المادة 126)، ومرسوم كيفيات إدراج توازنات الميزانية والميزانيات الملحقة والحسابات الخصوصية في بيان مجمع (المادة 154)، ومرسوم مضمون البرمجة الممتدة على ثلاث سنوات وكيفيات إعدادها (المادة 183)، ومرسوم الوثائق المرافقة للميزانية (المادة 185)، ومرسوم كيفيات تحضير القوائم المحاسبية المالية (المادة 190)، ومرسوم شروط وكيفيات القيام بتحويلات للاعتمادات (المادة 201)، ومرسوم كيفيات وشروط حصر النتيجة العامة للميزانية (المادة 203)، وأخيرا (المادة 214) المتعلقة بتحديد صلاحيات هيئة التدقيق (14) ؛
- على مستوى السياسة التعميرية، على الرغم من تخصيص القانون التنظيمي للجماعات الترابية هذا المجال بحوالي 11 مادة مخصصة كليا أو جزئيا لهذا المجال، فإن قطاع التعمير لا زالت تعتريه، على المستوى المحلي، العديد من الاختلالات التي تساهم في تشويه المجال الحضري؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: عدم كفاية الجزاءات لردع المخالفين والتصدي لظاهرة الزحف العشوائي للإسمنت؛ غياب منهج إجرائي صارم وفعال للتدخل في إعادة هيكلة التجزئات غير القانونية؛ سكوت المشرع عن الجهة التي تعود لها صلاحية رخصة البناء، إذا ما كان العقار المراد بناؤه يوجد في جماعتين أو عدة جماعات (15)؛
- إذا كانت الجماعات الترابية تستفيد من ميزانيات أصلية وأخرى ملحقة، ومن حسابات خصوصية، تمول بموارد جبائية وغير جبائية لتغطية النفقات بشقيها التسييري والتجهيزي، فإن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، قد أقرت إصلاحات مالية، همت اعتماد ميزانية إستراتيجية، من خلال الربط بين الميزانية والمخطط والبرمجة المتعددة السنوات، لغاية ألا تبقى الميزانية حبيسة الوظيفة التقليدية، ومجرد أداة لتوقع وتقدير حجم المداخيل والنفقات اللازمة لتأمين سير المرافق خلال سنة مالية واحدة، وإنما يجب أن تكون كذلك آلية للتدخل الاقتصادي والاجتماعي في الأمد المتوسط، وربطها بالتخطيط والبرمجة التنموية. لكن، إذا كان من المفروض بالنسبة لميزانية الجماعة أن تقدم بشكل صادق مجموع مواردها وتكاليفها، وأن يتم تقييم صدقية هذه الموارد والتكاليف، بناء على المعطيات المتوفرة أثناء إعدادها والتوقعات التي يمكن أن تنتج عنها، فإن ذلك يتطلب تأهيلا بشريا مختصا وذا كفاءة، فضلا عن القيام بإصلاح جبائي يطال مكونات الجماعات الترابية، بما يوفق بين العدالة الضريبية ويجنب الضغط على العائلة الجبائية ذاتها (16).
- إذا كان تحقيق التنمية في وقتنا الحالي يتطلب تعبئة الموارد التي أصبحت تتميز بالندرة، فإن سوء التدبير يحول دون الوصول إلى هذه الأهداف المتوخاة. لذلك، فمن الواجب، اعتماد آليات حديثة في حماية المال العام وضمان حسن صرفه، ومنها التشديد في تطبيق الفصل 36 من الدستور، والذي يدعو إلى معاقبة كل الانحرافات التي تطال الأموال العمومية، ومنها كيفية إبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، حماية لها من كل احتكار أو هيمنة أو مسا بمبادئ المنافسة الحرة، وعليه، يجب التفكير في وضع خطط محكمة لصون الصفقات من كل الاختلالات التي تشوبها، عبر مختلف المراحل التي مر منها، بدء من تحديد الحاجيات ومرورا بمسطرة الإبرام وانتهاء بالتسليم، كل ذلك، حتى نحقق التنمية و نضمن مصداقية الفعل العمومي ويحصل الرضا لدى المواطن (17).
المبحث الثالث: من الدستور إلى القوانين التنظيمية
آفاق جديدة للعمل تنتظر الجماعات الترابية
سنتطرق في هذا المبحث لثلاثة من هذه الآفاق، تبدو لنا، من حيث أهميتها، وراهنيتيها، وقوتها المستمدة من نص الدستور ذاته، من الأوراش الجديدة، التي يمكنها أن تلهب إبداع المدبرين الترابيين، وتدفعهم إلى اختراق مجالات اشتغال أخرى، من المؤكد، أنها ستكون ذات نتائج إيجابية جدا على الآداء العام.
وعليه، سنقف، عند ثلاث نقط أساسيه، نخصص كل واحدة منها، للحديث عن أحد من الإشكاليات التالية: التمفصلات الترابية، المجتمع المدني، والدبلوماسية الموازية.
أولا– في البحث عن التمفصلات الترابية
كان التقسيم الجهوي ل 17 غشت 1997، والذي قسم التراب المغربي إلى 16 جهة، محط العديد من الانتقادات، جوهرها، أنه تقسيم أملته مقاربات أمنية وتحكمية من طرف الدولة، ولم ينبن على الخيارات التنموية القادرة على تأهيل المجال الترابي، كما لم يراع في عمومه، المعطيات البشرية والطبيعية القائمة، بل أحدث شرخا بين الجهات وأهدر مطلب التكامل بينها، وبالتالي خلق وضعا غير متجانس بين المكونات الترابية، الشيء الذي ساهم في عرقلة سياسات القرب الإداري وفي تعميق الخلل المجالي. لذلك، تقوت الفكرة الداعية إلى ضرورة تصحيح هذا التقسيم منذ2001؛ تاريخ إجراء الحوار الوطني حول إعداد التراب، والذي شكل المنطلق الفعلي لورش الإصلاح المجالي وإعادة الاعتبار لسياسة إعداد التراب، من خلال مداخل جديدة، تقطع مع السائد وتؤسس لعهد التأهيل الترابي، القائم على النجاعة والفعالية والمصالحة. ومنذ ذلك التاريخ، تطور النقاش حول هذا الموضوع، وطفت على السطح مفاهيم التدبير الحديث، القائم على التكامل والاندماج والتفاعل والاعتماد المتبادل والتقاطب، وغيره من مصطلحات كانت بمثابة القيم التي ألهمت التفكير المشترك حول ضرورة الإصلاح الجهوي بين كل المهتمين، وعبدت الطريق أمام الخطاب الملكي ل 3 يناير2010، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، والذي أعلن فيه عن تشكيل اللجنة الاستشارية للجهوية، التي انطلق عملها بمشاورات موسعة، انتهت بإصدار تقرير موضوعاتي هام، تضمن تشخيصا دقيقا لكل معوقات التنمية الجهوية بالمغرب وتوصيفا شاملا لكل التوصيات الكفيلة بإقرار تقسيم جهوي صحيح، يتجاوز الأعطاب المسجلة.
فعلى ضوء عمل اللجنة الاستشارية إذن، جاء مشروع التقسيم الجهوي الجديد الذي خصص هو الآخر نقاشا موسعا وتوافقا بين كل المكونات الفاعلة بالبلاد، من أحزاب وجمعيات، وكان من نتائجه إصدار وزير الداخلية الحالي لمرسوم التقسيم الجديد الذي خفض عدد الجهات بالمغرب إلى 12 جهة، بناء على أسس جديدة، يمكن ملامسة تجلياتها من خلال اللغة التي صيغت بها توطئة المرسوم، حيث جاءت مشبعة بمفاهيم التدبير الحديث؛ من مثل: الفعالية والنجاعة والاندماج والقطبية الحضرية والولوجية وسياسة القرب وغيره… يمكن القول عموما، أن المقاربة التي اعتمدت في التقسيم، كانت مقاربة علمية من الناحية النظرية، موضوعية وتشاورية ومستجيبة لمبادئ الحكامة (18).
فهل ساهم هذا التقييم في إيجاد حل للتمفصلات التي نتحدث عنها؟ يمكن مقاربة الجواب من خلال نموذج تطبيقي، يتعلق بجهة الدار البيضاء الكبرى – سطات؟
نعتقد أن أقاليم: الجديدة والنواصر ومديونة وبنسليمان وبرشيد وسطات وسيدي بنور، فضلا عن عمالة المحمدية، شكلت ولسنوات، متنفسات حقيقية للميتروبول البيضاوي؛ فالضغط الذي أضحت تعيشه هذه المدينة دفعها إلى خيارات متعددة؛ ومنها الاعتماد على هذه الأقاليم المحيطة، ولا ننسى أن ارتباطها بالدار البيضاء، عبر شبكة هامة ومتنوعة من الطرق، دفع بالكثير من البيضاويين إلى البحث عن فرص سكن أخرى بها، بعيدا عن الميتروبول، ولكن أيضا قريبة من مراكز نشاطهم، بالاعتماد على مسلك الذهاب والإياب اليومي. نفس الشيء نجده على مستوى انتقال بعض الخدمات والأنشطة الصناعية والتجارية.. الشيء الذي ساهم في اتساع رقعة المدن داخل هذه الأقاليم المحيطية، ودفع بمجالسها المنتخبة إلى تخصيص ميزانيات مضاعفة، تتجاوز إمكانياتها أحيانا، لمواكبة وتيرة التمدن المتسارعة بها، كما أحدث خللا في بنياتها الإنتاجية عبر الإجهاز على العديد من المناطق الفلاحية لمواجهة الخصاص العقاري نتيجة فتح مناطق جديدة للتعمير، هذا إلى جانب انتعاش أنماط جديدة من السكن السري والعشوائي، في أقاليم مثل مديونة والنواصر والمحمدية، التي نشطت بفعل عدم استطاعة الباحثين عن السكن مسايرة أسعار العرض السكني الملتهبة، لاسيما من النازحين نحو الدار البيضاء للبحث عن فرص عمل أخرى.
هكذا، أحدثت هذه التغيرات ضغطا مضاعفا على حاجات مدن هذه الأقاليم في التطهير والطرق والصحة.. و ساهمت في إنتاج اختلالات كبرى مست جودة العيش بها. ورغم المجهودات التي بذلت، فإنها ظلت غير كافية بسبب محدودية الإمكانات المالية والتدبيرية.
هذا الوضع، أفرز منطقة وسطى، إن جاز هذا التعبير، تجمع بين الدار البيضاء والأقاليم المحيطة. منطقة غير منسجمة، مشوهة العمران، مختلة التنظيم والتوزيع، لا يجمع بين المتدخلين فيها أي رابط موجه أو قيادة تتولى التنسيق والتنظيم وتتكلف بوضع تصور عام يجمع بين مكوناتها الترابية وفق نموذج حضاري وعمراني موحد؛ أو بمعنى آخر، كانت هذه الأقاليم مفتقرة لمشروع عمراني جامع وواضح المعالم، بسبب تفكك محاورها وانعدام ترابطها المفصلي، بسبب توزعها بين عدة جهات ترابية، لم يسجل وجودها فائدة فعلية على المجالات الترابية لهذه الأقاليم.
غير أنه، وبالنظر لما أضحت تتمتع به الجهة من مكانة في الدستور الحالي، الذي جعلها في قمة الهرم الترابي، ومتعها بصلاحيات متقدمة، سيصبح لهذه المنطقة الوسطى، المسماة الآن بجهة الدار البيضاء الكبرى/ سطات، مجلس جهوي موسع، ستكون له رؤية شاملة وموحدة بين جميع هذه المكونات الترابية وقدرة على إخراجها من وضعية الشتات، وبالتالي الدفع في اتجاه تأهيل الجهة، عبر مدخل الاستناد على الشبكة الإدارية للعمالات والأقاليم الحالية، بقصد البناء على التراكم القائم والتقليص من الفوارق.
يمكن القول، إن الرؤية الاستشرافية لدى المجلس المرتقب، أضحت ممكنة، وإمكانات التكامل والتبادل كذلك أصبحت ميسرة؛ فالدار البيضاء بإمكانها الاستفادة من الأرصدة العقارية لدى هذه الأقاليم لتخفيف الضغط. وهذه الأخيرة، سيكون بمقدورها الانتفاع أكثر من الإمكانات المالية والتجارية الهائلة التي يوفرها السوق البيضاوي، باعتباره سوقا استهلاكية هامة؛ هي الأولى في المغرب، فضلا عن استفادة ساكنة هذه الأقاليم من عامل القرب الإداري. وعليه، فالعلاقة بين كل هذه المكونات ستغدو علاقة اعتماد متبادل، مؤسس على مشروع عمراني واضح الرؤية، تتكامل فيه كل الأقاليم وتتضامن، بلا إقصاء ولا تهميش لأي مكون.
بقي على الدولة، من جهتها، أن تقوم بجهد مضاعف، لتطوير سياستها على مستوى اللاتمركز، حتى تستطيع هذه الجهة – وحتى غيرها من الجهات – مواكبة دينامية هذا التطور من خلال وضع معالم إدارة قريبة وذات قابلية لاتخاذ القرار على المستوى المحلي، مع الأخذ بعين الاعتبار وضعية الموظفين الذين قد يشملهم قرار إعادة الانتشار، والمرتقب تماشيا مع هذه المستجدات، بما يكفل لهم الاندماج الفعلي والفعال في دينامية هذا التغيير الإيجابي وأن لا يكونوا هم ضحاياه.
المجتمع المدني : إمكانية جديدة للتعاقد – ثانيا
ابتدأت الإرهاصات الأولى لمجتمع مدني منظم بالمغرب منذ 1958، تاريخ صدور ظهير الحريات العامة الذي أعطى لكل مواطن الحق في إنشاء جمعية، لكن المغرب لم يعرف الانطلاقة الحقيقية لعمل جمعوي منظم حقيقي إلا بعد سنة 1992، مباشرة بعد قمة الأرض في مؤتمر ريو ديجانير، والتي أعطت للعمل الجمعوي بعدا مؤسساتيا جديدا، مبينا على قيم حديثة أكثر تطورا وراهنية؛ كان من نتائجه، تبني المغرب لإستراتيجية جديدة في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة، ترمي إلى إدماج البعد البيئي في مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد من خلال إنعاش الاستثمار وتأهيل النسيج الإنتاجي ومحاربة الفقر وتنمية العالم القروي ودعم المبادرات التطوعية (19).
إلا أنه، ومع انطلاق برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بدأ المجتمع المدني يأخذ شكلا آخر، بعد أن أخذت الجمعيات تفرض نفسها أكثر، كشريك أساسي لأجهزة الدولة في مناقشة القضايا المحلية والوطنية والترافع من أجلها، لاسيما أن ظهير 2002 الخاص بالتنظيم الجماعي (الذي عوض بقانون 112.14)، جعل من المجتمع المدني، أحد المكونات الرئيسية لللجن الفاعلة في مجالس جماعات المدن الكبرى.
هذا التوجه الانفتاحي سيتضح أكثر بمناسبة ما اصطلح عليه بالربيع العربي في2011، حيث أبان المجتمع المدني على قوته الكبيرة في الحشد والتأطير وتعبئة الجماهير، وهو ما دفع بالملك محمد السادس إلى التحرك العاجل لاحتواء الوضع، من خلال الإعلان عن مراجعة شاملة لدستور 1996 الذي أعطى مكانة هامة للمجتمع المدني.
الآن، وحسب آخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، فإن عدد الجمعيات التي حصلت على الترخيص قد وصل إلى أكثر من 110 ألف جمعية، تنشط في عدد من المجالات الحيوية التي تشمل: التربية والمجال الاجتماعي والصحة والثقافة والرياضة والترفيه والدفاع عن الحقوق والتنمية والسكن (20).
هكذا، لم تبق المشاركة المدنية الجمعوية مجرد مطلب حقوقي، بل غذت شريكا قانونيا قائم الذات، ومخاطبا رئيسيا في كل عمليات التنمية التي يشهدها التراب، ولاسيما المحلي منه، معتمدة في تثبيت هذه المكانة على العديد من المرتكزات؛ يمكن تصنيفها إلى ثلاث مرتكزات أساسية:
- المرتكز الدستوري:
- الفصل 12: ينص على مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحددها القانون. وهذا يؤشر على وعي المشرع الدستوري بالقدرات الهائلة التي يمتلكها المجتمع في الرصد الميداني، من خلال قربه من الساكنة ودرايته بحاجياتها التي يجب على السياسات العمومية أن تعالجها وتلبيها.
- الفصل 13: يدعو السلطات العمومية إلى إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها؛ فالنص الدستوري حدد أربعة مراحل لتدخل المجتمع المدني في الشأن العام والمحلي؛ وهي المراحل المعروفة في إنتاج السياسات العمومية: مرحلة الإعداد والتفعيل والتنفيذ والتقييم، ويمكن لهذا التدخل أن ينعكس إيجابيا على مردوديتها، ويكون دافعا قويا لإنجاحها ويخفف من العبء الاجتماعي الملقى على الدولة.
- الفصل 14: يمنح للمواطنين والمواطنات، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع.
- الفصل 15: يمنح للمواطنين والمواطنات، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.
- الفصل 33: يحث السلطات العمومية على اتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد ومساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، كما ينص على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي؛ من مهامه تحفيز الشباب على الانخراط في الحياة الوطنية بروح المواطنة المسؤولة.
- الفصل 139: يلزم مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى على تثبيت آليات تشاركية للحوار والتشاور، قصد تيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وإعدادها.
- المرتكز القانوني:
تفعيلا لمقتضيات الدستور، جاءت القوانين التنظيمية هي الأخرى، متضمنة لعدد من البنود التي تسير في اتجاه فتح آفاق تعامل بناء وتعاون جاد وفعلي مع جمعيات المجمتع المدني؛ يتجلى ذلك من خلال:
- على مستوى القانون التنظيمي رقم 14 . 111 المتعلق بالجهات:
- المادة 04: تعطي للجهة حق تدبير شؤونها، انطلاقا من مبدأ التدبير الحر، الذي يخول لها حق التداول الديمقراطي في قراراتها، وفي كيفية تنفيذ هذه القرارات، ما دامت مندرجة في إطار القانون؛
- المادتان 116 و117: من الباب الخامس، المعنون بـ”الآليات التشاركية للحوار والتشاور”، التي تحث مجالس الجهات، تطبيقا لأحكام الفصل 139 من الدستور، على إحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنين والمواطنات والجماعات في إعداد البرامج وتتبعها، بحيث تنص المادتان على إحداث ثلاث هيئات استشارية لدى مجلس الجهة:
- هيئة تعنى بالشراكة مع المجتمع المدني، لدراسة قضايا الجهوية المتعلقة بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع.
- الثانية؛ تعنى بقضايا الشباب.
- الثالثة؛ تهتم بدراسة القضايا ذات الطابع الاقتصادي.
- المادة 118 وما بعدها: تفتح المجال أمام المواطنين والمواطنات والجمعيات لتقديم العرائض؛ الهدف منها مطالبة المجالس بإدراج نقطة ضمن جدول الأعمال، على أساس أن تكون مدرجة في إطار صلاحياته؛ وهذا فيه فتح المجال أمام المواطنات والمواطنين للمشاركة في تدبير شؤونهم الجهوية والمطالبة بمعالجة بعض القضايا التي يرون أنها تستجيب لمصالحهم أو التنديد بالأخرى التي يرون فيها العكس، بناء على أسس قانونية، سلمية ومؤطرة؛
- المادة 244: وتنص على عدد من الإجراءات الواجب اعتمادها في التنظيم الجهوي، إرساء وتحصينا لمبادئ الحكامة السابق الإشارة إليها؛ ومنها اعتماد آليات الديمقراطية والتشاركية.
- على مستوى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والمقاطعات:
- ارتكاز الجماعة على مبادئ التدبير الحر، والتي لا تختلف في جوهرها عما تنص عليه المادة 243 من قانون الجهات، بحيث يخول هذا التدبير للجماعة سلطة التداول بكيفية ديمقراطية وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها؛
- خلق هيئات استشارية لدى المجالس الجماعية، كما هو الشأن بالنسبة للمجالس الجهوية، بالشراكة مع المجتمع المدني، لدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع… ؛
- تقديم العرائض لمطالبة المجالس بإدراج نقط في جدول أعمال، تدخل في إطار صلاحياته 121؛
- التنصيص على احترام جملة من المبادئ المؤطرة لقواعد الحكامة، تطبيقا لمبدأ التدبير الحر، وفق ما سبق التوضيح.
يبدو من خلال هذا الجرد المختصر لبعض المقتضيات الدستورية والقانونية، أن جمعيات المجتمع المدني قد أضحت اليوم، بموجب القانون الأساسي والقوانين الرئيسية، شريكا فعليا للجهات والجماعات الترابية، ومن المؤكد أن الاهتمام بها سيشكل رافدا اقتراحيا هاما للفعل الجماعي، وأداة ترافعية، من المفروض أن تضع يدها في يد المجالس، للدفاع عن القضايا الملحة للمجال الذي تنتمي إليه لدى الهيئات المانحة وطنيا وخارجيا. وفي هذا الإطار، نعتقد بأن الحوار الوطني الذي عرفه المغرب مؤخرا والخاص بالمجتمع المدني، دليل على الأهمية التي بات يحتلها هذا المكون الهام، حيث ينتظر أن تكلل الجهود التي بذلت في النقاش والحوار على مدى سنة من عمر الحوار وعبر كل مناطق البلاد، بصياغة نص قانوني خاص بالعمل الجمعوي، وداعم للمشاركة المجتمعية، من أجل بناء السياسات العمومية، وفق قيم جديدة، قوامها الديمقراطية التشاركية والحكامة المصححة والترافع المؤسس (21).
بهذه القيم، سنجعل من المجتمع المدني شريكا أساسيا في التشريع وتقييم السياسات العمومية، من أجل مزيد من المصداقية؛ فالمصداقية وحدها التي ستمنح المجتمع المدني راهنيته وأهميته واستقلاليته في كل القطاعات التي يشتغل فيها، وعلى رأسها القطاعات الاجتماعية المندرجة في إطار ما يعرف بالعهد الثالث من الحقوق الإنسانية؛ ومنها الحق في الماء والتطهير والتشجير والطرق والنظافة والعلاج والرعاية الصحية والسكن اللائق والتربية البدنية.. وغيرها من قضايا القرب التي تدخل في صميم الاختصاصات الملقاة على عاتق الجماعات.
دبلوماسية المدن – ثالثا
تندرج دبلوماسية المدن أو الدبلوماسية الحضرية، ضمن ما يعرف بالدبلوماسيات البديلة أو الموازية للسياسات الدبلوماسية الرسمية، والتي تعتمدها الدول لإدارة شؤونها الخارجية وتسوية قضاياها العالقة مع غيرها من الدول؛ فهي دبلوماسية مسنودة نظريا إلى الجهات غير الرسمية الفاعلة في مجال السياسة الخارجية؛ ونعني وزارة الخارجية وما يتبعها من سفراء وغيرهم من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتبرين.
يسعى هذا النوع من الدبلوماسية إلى استغلال ما يتوفر لدى المنخرط فيها من القنوات التواصلية والشبكات ذات التأثير، فضلا عن تحرره من التعقيدات البروتوكولية الرسمية، من أجل إقامة جسور التعاون مع مسؤولي دول أخرى في كل المجالات الفنية والرياضية والأكاديمية والاقتصادية… إلخ
واستنادا إلى هذا، أضحى هذا النوع من الدبلوماسية الموازية معروفا في الحقل الدولي تحت العديد من المسميات منها: السياسة الخارجية دون الوطنية أو المحلية أو الإقليمية… وعلى حسب القطاع الذي تنشط فيه، يمكن الحديث عن الدبلوماسية البيئية، الدبلوماسية البرلمانية، التعاون اللامركزي أو دبلوماسية المدن… فهو إذن نوع من الفعل العابر للدولة الوطنية تقوم به الجماعات الترابية المحلية أو المنظمات غير حكومية من أجل دعم القضايا السيادية للدولة الأم أو الترويج لها أو التعريف بها وحشد تأييد الموالين لها.
إذا كان الفقه يعرف الدبلوماسية الرسمية بأنها: “فن تمثيل الحكومات ومصالح الدولة قبل الحكومات والبلاد الأجنبية ومراقبة حقوق الوطن ومصالحه وكرامته، حتى لا تمس في الخارج وكذلك إدارة شؤونه الدولية وإدارة المفاوضات الدبلوماسية وتتبعها وفق للتعليمات الصادرة بشأنها” (22)، فإن الدبلوماسية الموازية بدورها لا تحيد عن هذا الإطار، لكن الفرق بينهما، هو أن أشخاص الأولى؛ هم الدول وممثليها، أما أشخاص الثانية؛ فينتمون إلى الدولة فعلا، ولكنهم لا يحظون بصفة التمثيل الدبلوماسي؛ أي الرسمي لها.
نخلص إذن إلى أن الدبلوماسية الموازية؛ آلية تفاوضية، تسعى إلى تقريب وجهات النظر خارجا عن القنوات الرسمية، ولكن دون أن تكون منافسة لها؛ هدفها فتح آفاق أخرى للنقاش، من أجل الدفع في اتجاه حل النزاعات بأقل الخسائر، وإشاعة السلم ونصرة القضايا العادلة للدولة ولشعوبها والدفاع عن حق الإنسان في العيش داخل مجال حضري آمن وكريم وضامن كل حقوق العيش الممكنة؛ من أمن واستقرار وحاجات اجتماعية مكفولة بمقتضى المواثيق والعهود الدولية…
فكيف تم تعريف هذا المفهوم؟ وكيف نشأت “دبلوماسية المدن” وتطورت؟ وما مكانتها اليوم في دائرة القرار الدولي؟ وكيف يمكن للمغرب أن يستفيد من آفاقها الواعدة؟
- دبلوماسية المدن/ النشأة والتطور:
أمام تنامي دور المدن وجماعاتها المحلية، بدأت تستأثر باهتمام الباحثين، وتحولت الظاهرة المدينية ذاتها إلى مادة للاشتغال العلمي والبحث الفكري. ونذكر هنا، المجهود النظري الكبير الذي بذله الباحث الأمريكي المعروف “ساسكيا ساسين”، الذي حاول رفع المدن إلى مستويات نظريات جديدة، في إطار ما أسماه بالمدن المعولمة، حيث قارب تعريفها في بحث نشر له سنة1991، باعتبارها مراكز للتحكم الاقتصادي العالمي Centres de commande ، مبرزا أهمية الظاهرة الحضرية الناهضة، في إطار ما أسماه بالمدينة / الدولة، حيث أكد أن مدنا مثل شنغهاي، لوس أنجلس، نيويورك، ميكسيكو، طوكيو، باريس ولندن… أضحى بإمكانها لعب أدوار خاصة في الاقتصاد العالمي، يتجاوز أحيانا دور الدول ذاتها، وبالتالي امتلاكها القدرة على الدخول في علاقات دبلوماسية موازية مع غيرها من مدن في دول أخرى.
هكذا، بدأ الباحثون في تغيير نظرتهم إزاء المدن، لاسيما بعد انعقاد قمة الأرض بريو سنة 1992، وجوهانسبورغ سنة 2002، والمنتدى العالمي للماء وقمة كوبنهاغن وريو + 20؛ وكلها منتديات كانت سباقة إلى لفت انتباه العالم إلى المشاكل الحضرية التي باتت تهدد السلم داخل المدن وتهدد مستقبل الكائن البشري داخلها، لاسيما على مستوى تراجع المؤشر البيئي وازدياد معدلات التهميش والإقصاء والهشاشة. تبعا لذلك، دعا هؤلاء الباحثون إلى ضرورة الاهتمام بالظاهرة الحضرية، في ظل تزايد دور المدن و قدرة الجذب الكبيرة التي أضحت تميزها، بدليل ما أكدته المعطيات التي جاء بها الخبراء المشاركون في هذه المنتديات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن 50% من الساكنة العالمية أضحت تعيش بالمدن وأن 75 % من الناتج الداخلي الخام العالمي يأتي من المدن وأن 70% من أهداف الألفية مرتبطة مباشرة بالاختصاصات التي تعين على المدن ممارستها لصالح ساكنيها (23) ؛ فلا غرابة إذن من إقدام المهتمين بالمدن على إطلاق أسماء أخرى على المدن الكبرى، من مثل المدن المعولمة Villes- mondes وكذا المدن الشمولية Villes- globales(24).
يمكن الإشارة في هذا الإطار، إلى هيئتين:
- المؤتمر العالمي Global Forum (وهو شبكة من المدن)، أصدر سنة 2003 دراسة حول المناطق المعولمة، حاول من خلالها إبراز العلاقة بين العولمة (الثورة المعلوماتية والتقنيات الحديثة في التواصل) من جهة، والحقائق المحلية من جهة ثانية، وأوصى المؤتمر في ختام دراسته بضرورة إقامة نظام جيد من الحكامة في الجماعات المحلية من خلال العمل على إقرار نوع من المساواة بينها بهذا الخصوص، وحيث المدخل الأساسي لهذه المساواة، هو ربط اللامركزية بالتعاون بين المدن.
- اللجنة الدبلوماسية للمدن DCC؛ وهي مؤسسة أنشأت سنة 2005، ودعت في تقريرها الهام الذي أصدرته خلال نفس السنة إلى ضرورة حفظ الأمن وإشاعة حقوق الإنسان في المدن والجماعات المحلية. في هذا التقرير، عرفت دبلوماسية المدن بأنها آلية بيد الجماعات الحضرية، يمكن توظيفها لغاية دعم السلم وحل النزاعات وإعادة بناء مخلفات الحروب، من أجل بيئة سالمة ومحيط مستقر ينعم فيه المواطن بالأمن وبالاستقرار وبالحق في العيش الكريم.
هكذا، ومع توالي المحطات، ترسخت القناعة في الأخير بأهمية الدور الذي يمكن للمدن أن تلعبه في إطار ما يعرف بدبلوماسية المدن، والتي طفت عند البدء بمسميات عديدة، منها: دبلوماسية المقاطعاتDiplomatie municipale ، دبلوماسية المواطنينDiplomatie des citoyens ، الدبلوماسية المدينية – البينية Diplomatie Inter-villes، إلى أن انعقد مؤتمر لاهاي الذي كان بمثابة الإعلان الرسمي عن هذه الآلية الهامة من آليات التبادل بين المدن ومساعدة الدول على حل مشاكلها (25).
- مؤتمر لاهاي: التحضيرات الأولى:
قبل مؤتمر لاهاي الخاص بدبلوماسية المدن، انعقدت عدة مؤتمرات واجتماعات تحضيرية، كان أهمها الاجتماع الذي دعت إليه التنسيقية الإيطالية للسلطات المحلية من أجل السلم وحقوق الإنسان، بمدينة بلوز سنة 2006، حيث نظر إلى هذا النوع من الدبلوماسية على أنه: “وسيلة بيد الجماعات الترابية وجمعياتها من أجل مساعدة المدن الأخرى في حالة نزاع مسلح أو حروب، على أساس إرساء دعائم تعاون واضح بين مدينة ومدينة، غايته إرساء الاستقرار الذي سيمكن كل المواطنين من العيش في السلم، منعمين بالديمقراطية والكرامة”
بعد ذلك، سيتم تبسيط هذا التعريف وتدقيقه في مؤتمر مراكش من نفس السنة، الذي عرفه بأنه: ” أداة بيد الجماعات الترابية، من أجل حفظ الوئام الاجتماعي والحد من الصراعات وإعادة بناء ما خلفته الحروب، عن طريق دعم التعاون اللامركزي الذي يشيع السلم ويحفظ السلام”.
وفي سنة 2007، ستنشر المؤسسة الأيرلندية للعلاقات الدوليةClingendael تقريرا بحثيا مخصصا لدبلوماسية المدن، حيث عرفها ب: “جملة المسارات التي تلزم المدن بتقريب أهدافها مع تلك التي يرمي إليها الفاعلون الرسميون في مسرح السياسة الدولية”.
قدمت هذه الوثيقة، تحديدا لمجال اشتغال الدبلوماسية المدينية؛ مكونا من ست مواضيع هي: الأمن، التنمية، الاقتصاد، الثقافة، الشبكات والتمثيلية، السلم باعتباره جزء من البعد الأمني؛ وقد جاء تفصيلها على النحو التالي:
- الأمن.
- التنمية؛ عن طريق تدعيم مفهوم التعاون اللامركزي.
- العمل الاقتصادي؛ أي دعم الإنعاش الترابي.
- العمل الثقافي؛ لتمكين المدن من تنمية مجالها الترابي وبناء هويتها الخاصة عن طريق المشاركة واحتضان التظاهرات العالمية.
- خلق شبكات الجماعات المحلية.
- الدفاع عن مصالحها المتقاربة مع الدول وغيرها من باقي الفاعلين الدولتيين ولاسيما الجمعيات غير الحكومية (26).
- مؤتمر لاهاي: إعلان التأسيس:
انعقد في الفترة ما بين 11 و17 يونيو من سنة 2008 ب”لاهاي” أول مؤتمر عالمي حول دبلوماسية المدن تحت شعار: “دور الجماعات الترابية في الحد من النزاعات المسلحة وإعادة بناء مخلفات الحروب وإقرار السلام”.
خلال هذا المؤتمر، دافع السيد “أميشيا فرانسو ألبيز” عمدة “تريشفيل”(Treichville) عن ضرورة الارتقاء بعمل المنظمة العالمية للحكومات المحلية والمدن Organisation des gouvernements locaux et des cités ، المعروفة اختصارا ب “CGLU “، كي تتمكن من دعم السلام في بلد “هوفييت بوانيي ” الذي واجه الحرب لمدة 5 سنوات، وأكد أن: “من واجب المدن العمل على إزاحة النزاعات، حماية لحقوق الإنسان وضمانا للأمن والسلام والعدالة في العالم”. وفي تقييمه لأشغال هذا المؤتمر، أكد – العمدة ألبيز- أن: ” المؤتمر نجح في وضع الميكانيزمات الأولى لسياسة دبلوماسية المدن، حتى بات ينظر إليها على أنها آلية مهمة، غير دولتية، لخدمة المدن والمقاطعات الترابية عبر العالم، للحيلولة دون المواجهات المسلحة والوصول إلى حل للمشاكل المهددة للإنسان وللسلم العالميين ولمطلب احترام التنوع داخل المدن” (27).
جاء انعقاد هذا المؤتمر متزامنا مع تنامي المد المعولم، ومعبرا عن رغبة أعضاءه في تقوية قيم التعدد والتنوع، لاسيما بعدما لوحظ ازدياد في درجة انخراط الجماعات الترابية في شتى المسلسلات الداعية إلى السلم، وأضحى دورها المتزايد يوما بعد آخر، محط العديد من النقاشات عبر العالم. لذلك، فقد كانت نقطة تثمين أركان دبلوماسية المدن، كمفهوم وبرنامج عمل، من أهم البنود التي دافع عليها مؤتمر لاهاي الذي أشرفت عليها المنظمة العالمية للحكومات المحلية والمدن “CGLU ” (تأسست في باريس سنة 2004، وتعد شبكة موحدة للعديد من الوحدات التحت دولتية عبر العالم وهيئاتها) وقدمت خلاله أجندة العمل خلال السنوات القادمة، والمرتكزة على ما يلي:
- تنمية مبادرات دعم الأمن في الحكومات المحلية.
- التعريف بدور الحكومات المحلية في مسلسل دعم السلم.
- إغناء دبلوماسية المدن.
- ترسيخ ثقافة السلام.
- مساعدة الحكومات المحلية على مواجهة الصراعات المسلحة.
عند افتتاحه لأشغال المؤتمر، قال السيد “جورج سامبيا”؛ الممثل الكبير لدى الأمم المتحدة للتقارب بين الحضارات: “لا يجب النظر إلى هاتين الدبلوماسيتين؛ الرسمية والمدينية، على أساس أنهما في تنافس أو صراع، ولكن النظر إليها باعتبارهما محركين مختلفين، يمشيان على نفس الطريق ويخطبان نفس الاتجاه”.
حاليا، ما زال يعمل ممثلو الدول في المنظمة العالمية للمدن والحكومات المحلية، على تحديد هوية مشتركة وخاصة لدبلوماسية المدن على الصعيد الدولي، وإعطاء معنى أكثر جاذبية وشرعية لنشاطهم، عن طريق المطالبة بإدماج دبلوماسية المدن في برامج الهيئات الجهوية الدولتية؛ مثل الاتحاد الأوروبي، وإبراز دورها الهام في مجال وضع شراكات مع مؤتمرات الجماعات المحلية والجهوية في جهات الاتحاد الأوروبي”. وفي هذا الصدد، أعلنت “لجنة دبلوماسية المدن” في منظمة المدن والحكومات المحلية السابق الإشارة إليها، عن التزامها بوضع لوبي سياسي في بروكسيل؛ هدفه وضع صناديق أوروبية لدعم المدن، ومن تم المطالبة بإدماج دبلوماسية المدن لدى الهيئات الدولية الكبرى؛ كالبنك العالمي والهيئات التابعة للأمم المتحدة.
وقد أصدرت هذه اللجنة، لائحة تضم مجمل الأنشطة والمبادرات ذات البعد الدولي، والتي يمكن لدبلوماسية المدن أن تنشط فيها:
- مبادرات للرفع من تنافسية المدن.
- دعم السلام وحل النزاعات.
- تشجيع التوأمة ونهج شراكات متعددة الأطراف في شبكات المدن والجمعيات.
- تشكيل قوى ضاغطة لدى الهيئات الصانعة للقرار على المستوى الدولي والقاري والجهوي، من أجل جلب أموال وكسب مواقع مؤثرة.
- المشاركة في برامج ممولة من الهيئات الجهوية المانحة؛ كالاتحاد الأوروبي أو في شراكات مع مدن أو فاعلين آخرين.
- التضامن مع دول الجنوب، لاسيما في مجال التعاون اللامركزي.
- دعم السياسات عبر وطنية، من أجل تنمية مستدامة ومحاربة الفقر ودعم حقوق الإنسان (28).
- الديبلوماسية الموازية بالمغرب: من التوجيه الملكي إلى التنصيص الدستوري:
عند مراجعة الترسانة القانونية المنظمة للعمل الجماعي بالمغرب، نجد أن الدبلوماسية المدينية حاضرة في وعي المشرع، وخصها بنصوص قانونية متنوعة، حسب قوة هذه النصوص ذاتها. صراحة، هو لم يشر إليها تصريحا، لكن من السهل جدا إدراك مغزاها بعد الاطلاع على مضمون بعض المواد التي تتفق، فيما تدعو إليه، مع كل المبادئ التي ارتكز عليها المنظرون في شتى المحافل العلمية والدولية – التي أشرنا إليها سابقا- من أجل صياغة تعريف لمفهوم دبلوماسية المدن وإبراز دورها الهام.
- الخطب الملكية: إذا كانت الخطب الملكية بالمغرب تكتسي أهمية كبيرة في توجيه العمل التشريعي وتقعيد النص القانوني؛ فإننا سنكتفي للاستدلال بجزء من الخطاب الملكي الذي ألقاه محمد السادس عند افتتاح ملتقى الجماعات المحلية بأكادير في 12 دجنبر 2006، حيث قال: “وإن طموحنا لكبير في جعل المدن والجماعات المحلية، تشكل، إلى جانب الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، شريكا حقيقيا في مسلسل التنمية الشاملة ببلادنا، وقوة اقتراحية، لتفعيل مختلف الاستراتيجيات الوطنية. وبما أن الحكامة الجيدة، أصبحت عنصرا أساسيا في تدبير المدن الكبرى، كان لزاماً على مدننا التوجه نحو نظام يمكن من فتح المجال لمبادرات، تقوم على مقاربة تعاقدية وتشاركية، بين الدولة والمدن، ومن انخراط مختلف الفعاليات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وإشراك المواطنين في مختلف مراحل إنجاز البرامج المحلية”… يتضح إذن، أن هذا الخطاب المؤسس كان واعيا بالدور الكبير الذي يمكن للمدن أن تلعبه، لاسيما، عندما اعتبرها شريكا أساسيا في مسلسل التنمية وقوة اقتراحية لفائدة المدبر المحلي… ودعا، تبعا لذلك، إلى فتح مجال المبادرة أمامها، ودفعها إلى اعتماد المقاربات التعاقدية والتشاركية، وهذا كله من المرتكزات الأساسية التي تستند عليها فلسفة دبلوماسية المدن كما أسلفنا.
- الدستور: باعتباره القاعدة الأسمى في هرمية القوانين بالمغرب، ومنه تستمد روحها وشرعيتها، نجد دستور2011 ينص في تصديره على ما يلي: “وتأسيسا على هذه القيم والمبادئ الثابتة، وعلى إرادتها القوية في ترسيخ روابط الإخاء والصداقة والتعاون والتضامن والشراكة البناءة، وتحقيق التقدم المشترك، فإن المملكة المغربية، الدولة الموحدة، ذات السيادة الكاملة، المنتمية إلى المغرب الكبير، تؤكد وتلتزم بما يلي :
- العمل على بناء الاتحاد المغاربي، كخيار استراتيجي؛
- تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة؛
- تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، ولاسيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء؛
- تعزيز روابط التعاون والتقارب والشراكة مع بلدان الجوار الأورو- متوسطي؛
- توسيع وتنويع علاقات الصداقة، والمبادلات الإنسانية والاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية مع كل بلدان العالم؛
- تقوية التعاون جنوب- جنوب؛….”
يلاحظ إذن، الاعتماد المكثف للدستور على بعض المصطلحات؛ كالشراكة والتعاون والتضامن والصداقة والجوار؛ وهي المرتكزات ذاتها التي تنبني عليها هذه الدبلوماسية، بل أكثر من ذلك، سيعمد المشرع الدستوري في المادة 31 على تحميل الجماعات الترابية – يعني المدن بالدرجة الأولى – مسؤولية تعبئة كل الطاقات المتاحة لتلبية حاجات المواطنين، تحقيقا للعيش الكريم، ولعلنا سبق أن أشرنا أن غاية المدن في دبلوماسيتها؛ هو توفير السبل الكفيلة بتحقيق هذا العيش ومد جسور التعاون والدعم للمساعدة على تحقيق بعض، إن لم نقل غالبية، الأهداف المشار إليها في هذه المادة التي تحث الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:
- العلاج والعناية الصحية؛
- الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛
- الحصول على تعليم عصري، ميسر الولوج وذي جودة؛
- التنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة؛
- التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية؛
- السكن اللائق؛
- الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي؛
- ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛
- الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة؛
- التنمية المستدامة.”
- بالنسبة للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية:
نجد في كل من الماد 86 (113.14) من القانون التنظيمي الخاص بالجماعات؛ أو في الفقرة 7 من المادة 82 من القانون التنظيمي الخاص بالجهات (111.14) ما يبيح لكل من الجهة والجماعة إمكانية: ” إبرام اتفاقيات مع فاعلين من خارج المملكة، في إطار التعاون الدولي وكذا الحصول على تمويلات في نفس الإطار، بعد موافقة السلطات العمومية، طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل…”؛ وفي نفس الإطار، تخول المادة 94 من القانون التنظيمي رقم (112.14) الخاص بمجالس العمالات والأقاليم أهليته لتداول في القضايا المتعلقة ب: “… مشاريع اتفاقيات التوأمة والتعاون اللامركزي مع جماعات ترابية وطنية أو أجنبية؛ الانخراط والمشاركة في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية؛… كل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية، بعد موافقة عامل العمالة أو الإقليم، وذلك في إطار احترام الالتزامات الدولية للمملكة “.
وفي موقع آخر، نجد التنصيص أيضا في كل من المادة 149 في الباب الخامس المتعلق من اتفاقيات التعاون والشراكة في القانون التنظيمي الخاص بالجماعات (113.14)؛ أو في المادة 162 في الباب السادس من القانون التنظيمي الخاص بالجهات (111.14) ، والمعنون أيضا باتفاقيات التعاون والشراكة؛ ثم في المادة الباب الخامس من القانون التنظيمي رقم (112.14) الخاص بالعمالات والأقاليم في المادة 141، تكرارا لنفس المقتضى الذي يبيح لكل واحدة منها، في إطار الاختصاصات المخولة لها، أن تبرم فيما بينها أو مع جماعات ترابية أخرى أو مع الإدارات العمومية والمؤسسات العمومية أو الهيئات غير الحكومية الأجنبية، أو الهيئات العمومية الأخرى أو الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، اتفاقيات للتعاون أو الشراكة، من أجل إنجاز مشروع أو نشاط ذي فائدة مشتركة لا يقتضى اللجوء إلى إحداث شخص اعتباري يخضع للقانون الخاص أو العام.
يتضح إذن، أن مضمون هذه المواد قد أباح بصراحة للجهات الجماعات الترابية عموما، أهلية الدخول في علاقات شراكات مباشرة مع هيئات التعاون الدولي والأجهزة المانحة – من غير الدول طبعا-من مساعدة لهذه الوحدات الترابية على إنجاز البرامج والمشاريع الداخلة في نطاق اختصاصاها…
يمكن القول، إن الإطار القانوني بالمغرب- وعلى اختلاف درجاته- قد جعل الباب مشرعا أمام الجماعات الترابية لتكثيف عملها الدبلوماسي الموازي، لاسيما في ظل ما تعد به هذه القناة من فرص للتمويل والدعم والمساعدة أولا، وثانيا، بالنظر إلى الحاجات الملحة التي تعرفها المدن، بالنظر إلى لما اعتراها من مشاكل وإكراهات. وثالثا، لأن ما دعا إليه صاحب الجلالة، وما جاء مضمنا، سواء في الدستور أو الميثاق الجماعي، يلتقي تماما مع أهداف وانشغالات الدبلوماسية المدينية، على النحو الذي نظر له روادها الأولون.
بعدما أضحى العالم، أكثر وعيا بالإشكالات الحضرية، سارعت غالبية الدول إلى وضع عدة آليات لفتح قنوات التعاون والمساعدة، من أجل مواجهة هذه الأخطار؛ ولعل دبلوماسية المدن من أبرز هذه الآليات وأهمها – على النحو الذي بسطنا- نظرا لما توفره من إمكانات، وحيث إن المغرب، يعيش هو الآخر على شفا هذا الخطر المحدق (29)، وله مرجعياته القانونية والدستورية التي تسمح للجماعات (ولاسيما الحضرية منها) بلعب دورها الكامل على الصعيد الدولي؛ فإن الوقت قد حان فعلا، إلى تمكين مدننا من كل الوسائل المادية والمعنوية التي تسمح لها بممارسة دبلوماسيتها على الوجه الأصح.
تكفي الإشارة في هذا الصدد، إلى بعض من هذه الشبكات الحضرية الواعدة، التي يجدر بالمدن المغربية المبادرة إلى ربط الاتصال بها، من أجل الاستفادة منها ومن تدخلاتها:
- “لجنة الجهات” في أوروبا، والتي تضم شبكة مكونة من حوالي 300 مدينة وجهة في أوروبا، وتستشار من قبل الاتحاد الأوروبي حول عدة قضايا تمس الحياة الحضرية.
- مشروع “ميغا سيتي” الذي ينشط منذ 1988، ويجمع 21 مدينة كبيرة عبر العالم، ويضم في عضويته العديد من المسيرين الحضريين وممثلين عن الجماعات والعلماء والباحثين وممثلين عن المنظمات غير الحكومية، ورجال الأعمال والإعلاميين… ويمنح مساعدات هامة للمدن عبر الوسائل التقليدية أوالبديلة.
- شبكة “أورو سيتي” التي تضم 100 مدينة أوروبية.
- منظمة المدن والجماعات الترابية “سيغلو” التي تعد اليوم أكبر وأهم شبكة عالمية للمدن والجماعات الترابية؛ وقد أسست سنة 2004، إثر التحام كل من الفيدرالية العالمية للمدن المتحدةFMCU بفرانكفورت والاتحاد الدولي للجماعات المحليةIULA الفرانكفوني.
أخيرا، يجب الاعتراف، أن هناك إحساسا فعليا بهذه الدبلوماسية من طرف مسيري بعض المدن – ولو على المستوى النظري- لكن استعمالها يبقى استثنائيا ومحدودا في الزمن والمكان، مثل اللقاء التفاعلي الذي سبق تنظيمه من طرف إحدى الجماعات بالمغرب حول دبلوماسية المدن، حيث راجت فيه العديد من الأفكار الهامة التي تثبت ارتفاع الوعي بهذه القضية؛ كالتي أدلى بها وزير الخارجية المغربي الأسبق، حيث عبر صراحة عن حاجة المغرب لدبلوماسية محلية قوية، تروج مواقفه بخصوص النزاعات المشتعلة في مناطق متعددة في العالم، ضاربا المثل بقضية النزاع في الأراضي الجنوبية، حيث ركز على أن تكون للجماعات الترابية نظرة استباقية حيال مزاعم خصوم وحدة المغرب الترابية؛ ورغم تأكيد هذا المسؤول، على أهمية هذه الآلية الدبلوماسية، فقد اعترف بقصورها، نظرا ما يعتري عملها من شوائب؛ ومنها: ثقل سلطة الوصاية وتعقد المساطر الإدارية، فضلا على كون الدبلوماسية المحلية، تتطلب حد أدنى من الخبرة والمعرفة والمهارة وضرورة توفير موارد بشرية مؤهلة (30).
نخلص إلى أن هناك نية لدى الدولة المغربية في بناء صرح لا مركزي، قوي ومنسجم، ابتدأ مع النص الدستوري وساير نموه مع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.
ورغم ما يعتري هذه النصوص من أعطاب ونقائص، وفق ما بيناه على مختلف أطوار هذه الدراسة، يجب الاعتراف، بأن الإدارة المحلية بالمغرب، سائرة في درب إنضاج التجربة، وأنها بالشكل الحالي، تعد نموذجا إقليميا متقدما، ومحطة متطورة، مقارنة مع التجارب اللامركزية السابقة التي عرفها المغرب منذ 1960 (31).
تبعا لذلك، يمكن القول، بأن تفعيل هذه القوانين، وإن كان مندرجا ضمن اختصاصات المنتخبين بالدرجة الأولى، ولاسيما أعضاء ورؤساء المجالس المسيرة، فإن الواقعية تلزما القول أيضا، بأن تفعيلها على الوجه الصحيح وترميم ما يعتريها من ثغرات، شأن مشترك بين كل من الدولة والمواطن والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، كل من موقعه وحسب مسؤولياته:
- فمن مسؤولية الدولة السهر على تطوير سياسة اللاتمركز ومنح صلاحيات أكبر للمحيط، حتى يكون في مستوى التطور الذي تعرفه سياسة اللامركزية، وإلا أفرغت كل النصوص من محتواها؛ فالمجالس الجماعية تتعامل أساسا مع المصالح غير الممركزة، وكل تباطؤ أو روتين بيروقراطي، سيسهم في فرملة عجلة التنمية وعرقلة الأداء. كما أن من واجب الدولة إعادة تأهيل الخريطة القضائية الإدارية؛ لاسيما في ظل الاختصاصات الجديدة التي أنيطت بها المحاكم الإدارية.
- أما المواطن؛ فمسؤوليته تتجلى، في انخراطه الإيجابي في مراقبة الشأن المحلي ومتابعته، سواء عبر المشاركة في صناديق الاقتراع لاختيار من يراه المناسب أو الأصلح، أو من خلال استغلال كل الآليات القانونية المتاحة أمامه الآن، ولاسيما تقديم العرائض والاطلاع على المحاضر والالتزام باليقظة الدائمة، في كل ما يخص المجال الذي ينتمي إليه.
- أما الأحزاب السياسية؛ فمسؤوليتها كبيرة هي الأخرى، وتتجلى أساسا في اختيار المرشحين باسمها وإلى أي مدى تتوفر فيهم شروط النزاهة والأمانة والوطنية. كما أنها مسؤولة على جعل صراعاتها داخل المجالس، صراعات إيجابية من أجل خدمة الصالح العام ونكران الذات وخدمة المواطنين والمجال، وليس من أجل الحساسيات السياسية الضيقة وإهدار الفرص وشد الحبل على الفراغ، وغيرها من تصرفات، لم تزد إلا في نفور المواطن مع الشأن السياسي.
- المجتمع المدني؛ بدوره أضحى لبنة أساسية في البناء الترابي؛ فبفضل المكانة التي خوله إياها الدستور والمقتضيات المتعددة التي قوت من وضعه، فقد أضحى شريكا أساسيا لا محيد عنه، بالنسبة لكل الجماعات الترابية، وأداة قانونية في يد المواطنين، لتقديم العرائض وتنظيم المرافعات، للدفاع عن كل القضايا العادلة التي تهم المجال الترابي الذي ينتمون إليه.
وأخيرا، فإن التعاقد الذي دعا إليه الدستور، وضمنته القوانين التنظيمية في عدد من بنودها، كما أوضحنا، يجب أن يغدو ثقافة راسخة في التدبير، لدى الفاعل الترابي، باعتباره الآلية الكفيلة لتجاوز علاقة المركز بالمحيط ومجابهة كل الإكراهات؛ قانونية كانت أو إدارية أو مالية أو حتى تواصلية أحيانا. ومن تم، الارتقاء بالمحلي إلى مصاف الشريك الفعلي.
وللوصول إلى هذا التطلع، لا بد من ثلاث مقومات: مقوم التمكين الذاتي؛ ونعني به القدرة على تملك مقومات الفعل والمبادرة والانجاز، من خلال التقطيع الترابي الناجع والموارد المالية الملائمة…؛ مقوم التمكن السياسي؛ ويقصد به تمتيع الوحدات الترابية بأطر وقيادات محلية، تتميز بكفاءة سياسية واحترافية في التعاطي مع الشأن المحلي؛ مقوم التعاقد الترابي؛ ومعناه تعزيز دور الجهة، كإطار ترابي، لتحقيق التجانس المجالي، وتنسيق التدخلات بين مجموع الفاعلين الترابيين.
أما شروط نجاح آلية التعاقد الترابي، فيمكن تلخيصها في مبادئ التدبير الحر، المبنية على حرية التعاقد، بالاستناد على خمسة مرتكزات أساسية؛ وهي : مجلس منتخب ذو صلاحيات فعلية، ويتوفر على سلطة تنظيمية واستقلال مالي محصن بتدابير للمراقبة والتدقيق وقدرة تدبيرية على إبرام العقود وإقرار نظام داخلي خاص، من أجل حفظ الشخصية الترابية؛ ضمانات قانونية وعملياتية للتحفيز على التعاقد؛ التطبيق الجيد لمبدأ التفريع القاضي بتكريس واقع التعاون الأفقي بين الجماعات؛ تحديد أمثل للصلاحيات، عبر تجاوز العبارات الفضفاضة في تحديد الاختصاصات (32).
هوامش:
- يتعلق الأمر بالقوانين التنظيمية المنشورة بالعدد 6380 من الجريدة الرسمية الصادر في 06 شوال 1436 الموافق ل 23 يوليوز 2015 وفق الترتيب الآتي:
- الظهير الشريف رقم 1.15.83 الصادر في 20 من رمضان 1436 الموافق ل 07 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.
- الظهير الشريف رقم 1.15.84 الصادر في 20 من رمضان 1436 الموافق ل 07 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون التظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم.
- الظهير الشريف رقم 1.15.58 الصادر في 20 رمضان 1436 الموافق ل 07 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
- أنظر في هذا الصدد، عروض السيد وزير الداخلية، المتعلقة بمشاريع القوانين التنظيمية أمام مجلس النواب ومجمل أعمال المناقشة والتصويت التي تلت هذه العروض؛ منشورة بالجريدة الرسمية للبرلمان؛ نشرة مداولات مجلس النواب، المدة النيابية 2011/2016؛ السنة التشريعية الرابعة، دورة أبريل 2015؛ العدد 03/ السنة الرابعة؛ الصادرة بتاريخ 01 شعبان 1436 الموافق ل 20 ماي 2015؛ الصفحات من 146 إلى 157 المخصصة لتوثيق مناقشة مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجهات؛ ومن 186 إلى 259 المخصصة لتوثيق مناقشة مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجماعات ومجالس العمالات والأقاليم .
- في القانون السابق رقم 78.00 الصادر سنة 2002، وحتي بعد إجراء بعض التعديلات عليه بمقتضى القانون رقم 17.08 الصادر في فبراير 2009، كان المشرع يصنف الجماعات الترابية وفق المادة 1 إلى جماعات حضرية وأخرى قروية، حيث كان ينص على أن : “الجماعات هي وحدات ترابية داخلة في حكم القانون العام، تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي، وتنقسم إلى جماعات حضرية وجماعات قروية…”، في حين نجده قد تغاضى عن هذا التصنيف في القانون الجديد 113.14 المتعلق بالجماعات، الشيء الذي قد يطرح مشكل الخلط في التسمية عند تصنيف الجماعات ما بين قروية وحضرية؛ راجع في هذا الصدد المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، حيث لا نجد أي تصنيف، ويكتفي المشرع بالتنصيص على ما يلي: “تشكل الجماعة أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، وهي جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي”.
- د الشريف الغيوبي “استقلالية الجهاز التنفيذي من خلال مشروع القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمه فريق بحث تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، حول موضوع: مشاريع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، أية حلول لتجاوز إشكالات التنظيم الترابي اللامركزي؛ وذلك برحاب نفس الكلية بتاريخ 19 ماي 2015، أجزاء من أشغال هذا اليوم نشرته جريدة المساء المغربية في ملف خاص، تضمنه العدد 2692 من الجريدة، والصادر بتاريخ 27 ماي 2015.
- د عبد النبي أضريف “أي جديد لتجاوز محدودية موارد الجهات في ظل مشروع القانون التنظيمي للجهات؟”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمه فريق تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- د مكاوي نصير” قراءة في مشروع القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف فريق البحث قي تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- دة نجاة عماري “آفاق العمل اللاممركز في ظل الإدارة الترابية المرتقبة”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف فريق البحث قي تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- د محمد حيمود “أية مستجدات تدبيرية من خلال مشاريع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف فريق البحث قي تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- د نجيب الحجيوي “قراءة في مستجدات القانون التنظيمي للجماعات”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمته مقاطعة سيدي البرنوصي/ مدينة الدار البيضاء بالشراكة مع مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية؛ حول موضوع : مشاريع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، أية حلول لتجاوز إشكالات التنظيم الترابي اللامركزي؛ وذلك بالمركب الثقافي حسن الصقلي بتراب نفس المقاطعة، بتاريخ 09 دجنبر 2015، أجزاء من أشغال هذا اليوم نشرته جريدة المساء المغربية في ملف خاص، تضمنه العدد 2869 من الجريدة، والصادر بتاريخ 13 دجنبر 2015.
- د خالد مبروكي “وضعية رئيس الجماعة بين القانون الحالي ومشروع القانون التنظيمي”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف فريق البحث قي تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- د نصير مكاوي ، مرجع سباق
- دة جميلة دليمي“إشكالية الاستقلال المالي للجماعات على ضوء مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف فريق البحث قي تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.
- د عبد الله لوزاد، مخصصات المقاطعة: أية رهانات؟، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمته مقاطعة سيدي البرنوصي/ مدينة الدار البيضاء بالشراكة مع مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية؛ مرجع سابق.
- د عبد الله لوزاد؛ مرجع سابق.
- د أحمد المالكي “المستجدات في المادة التعميرية”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمته مقاطعة سيدي البرنوصي/ مدينة الدار البيضاء بالشراكة مع مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية؛ مرجع سابق.
- د أحمد حضراني “التنظيم المالي للجماعات والحكامة المحلية”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمته مقاطعة سيدي البرنوصي/ مدينة الدار البيضاء بالشراكة مع مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية؛ مرجع سابق.
- د حفيظ يونسي “الصفقات العمومية والتنمية المحلية”، عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمته مقاطعة سيدي البرنوصي/ مدينة الدار البيضاء بالشراكة مع مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية؛ مرجع سابق.
- المرسوم رقم 2.15.40 الصادر بتاريخ 20 فبراير 2015 والذي يحدد عدد الجهات وتسمياتها ومراكزها والعمالات والأقاليم المكونة لها. الجريدة الرسمية عدد 6340 بتاريخ 5 مارس 2015.
- يمكن الاطلاع على محاور هذه الإستراتيجية من خلال الاتصال بالرابط http://www.environnement.gov.ma/ar/strategies-programmes-ar
- كشفت الدراسة التي أشرفت عليها وزارة الداخلية ونشرتها في دجنبر 2016 حول النسيج الجمعوي في المغرب، عن تسارع إيقاع خلق الجمعيات ابتداء من 2005، إذ ارتفع عدد الجمعيات من حوالي 4000 جمعية في بداية التسعينات إلى حوالي 116 ألف و836 جمعية بداية 2015، وأوضحت الدراسة أن الجمعيات موزعة بشكل غير متساو على التراب الوطني، إذ أن المؤشر العددي، يجعل جهات سوس-ماسة- درعة ( حسب التقسيم القديم في غياب إحصاءات محينة) هي صاحبة الصدارة ب ( 19 ألف و 417 )، ثم مراكش – تانسيفت- الحوز (12 ألف و 209)، والدار البيضاء الكبرى (12 ألف و 148)، وبالتالي يمكن اعتبار هذه الجهات هي الأقطاب الأكثر أهمية في ما يتعلق بتمركز الجمعيات، باستحواذها لوحدها على 38 في المائة من مجموع الجمعيات في المغرب. الدراسة تم نشرها على نطاق واسع في أغلب وسائل الإعلام الوطنية.
أنظرالرابط http://www.quid.ma/societe/societe-civile-au-maroc-effectif-effectivite
- يتعلق الأمر بالتقرير التركيبي الهام المتوج لأشغال الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، أبريل 2014، أنظر الفصل الثاني في التقرير الخاص بالتوجهات الكبرى والتوصيات، الجزء الخاص بالتوجهات، النقطة الثالثة المعنونة ب” نحو تكريس ثقافة المبادرة وتقوية حضور المجتمع المدني في المجتمع وفي مراقبة السياسات العمومية”، الصفحة 47 / ( يطلب من وزارة المجتمع المدني والحكامة) .
- د عز الدين فوده “ما الدبلوماسية؟”، سلسلة المكتبة الثقافية، العدد 269، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر التابعة لوزراة الثقافة، القاهرة 1971، الصفحة 12.
- – Bertrant Gallet « Diplomatie des villes : le combat pour la légitimité » ; intervention au séminaire «La diplomatie des autorités locales et régionales, un outil au service du dialogue et de la paix » ; organisée par I ‘institution nationale spécialisé d’études territoires (INSET), sous la direction de Patrick Debut, édition AVERTI ; Angers, France ; Juin 2012 ; p 64
- – Yves Viltard «Diplomatie des villes » ; intervention au séminaire « La diplomatie des autorités locales et régionales, un outil au service du dialogue et de la paix » ; Op cit ; p 09
- – Alexandra Sizoo et Arne Musch «La diplomatie des villes, le rôle des collectivités dans la prévention de la paix et reconstruction post-conflit »; article publié dans l’ouvrage collective intitulé : «La diplomatie des villes», sous la direction de : Arne Musch, Chriss der valk, Alexandra Sizoo, Tian Tajbakhch ; une publication de VNG international, impression Deltatrage ; Lahey ; Nederland ; Juin 2008, p : 10
- – Yves Viltard «Diplomatie des villes » ;op cit ; p 08
- – Voir à ce sujet le lien : http://www.koffi.net/koffi/actualite/51260-Conference-mondiale-sur-la-diplomatie-des-villes-a-La-Haye-Amichia-invite-les-maires-a-soutenir-la-paix.htm
- – A- ce propos , consultez: L’AGENDA DE LA HAYE SUR LA DIPLOMATIE DES VILLES ( 13 juin 2008) a travers le lien : http://www.uclg.org/sites/default/files/FR_590_fin_french_the_hague_agenda_on_city_diplomacy13june.pdf
- -المغرب بدوره معني بالإشكالات الحضرية المتزايدة التي تعرفها مدنه، ولاسيما الكبرى منه، يكفي الإشارة في هذا الصدد، إلى أنه سبق لعاهل البلاد أن قام بتشريح دقيق لأزمة المشهد الحضري المغربي، في خطابه الذي ألقاه بأكادير، بمناسبة الملتقى الوطني للجماعات المحلية بتاريخ 12 دجنبر 2006، جاء فيه: “لقد عرفت مدننا، نمواً ديمغرافياً ملحوظاً، وتوسعاً عمرانياً كبيراً، نتج عنه اختلاط ضواحي المدن بالمجال القروي، وتنامي حاجيات السكان، إلى التجهيزات التحتية والمرافق الضرورية، وذلك ما يتطلب اعتماد رؤية شمولية، تستهدف استباق أبعاد التوسع العمراني، والتحكم فيه، وفتح مناطق جديدة للتمدن، وخلق توازن بين المدينة والمراكز القروية المجاورة لها. غايتنا المثلى، ليس فقط تحقيق مدن بلا صفيح، ولا استبدالها بمساكن أشبه بعلب الإسمنت عديمة الروح الاجتماعية، وإنما بالأحرى، جعل مدننا ترتقي إلى فضاء للتساكن والعيش الكريم، ومجال للاستثمار والإنتاج، في حفاظ على طابعها الحضاري المتميز. وبالرغم من توفر الجماعات المحلية على عدة صلاحيات قانونية، لتدبير الشأن المحلي، فإن جولاتنا التفقدية، لمختلف ربوع المملكة، قد مكنتنا من الوقوف الميداني، على التفاوت الحاصل بين متطلبات النمو الاقتصادي، والتجهيزات الحالية، ببعض المناطق..”، بعد ذلك، أي بمرور حوالي 6 سنوات على هذا الخطاب، شهد المغرب تنظيم أطوار الحوار الوطني حول سياسة المدينة، والذي أشرفت عليه وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة ، حيث قدم معطيات رسمية تؤشر على تغييرات عمرانية كبيرة يعرفها المشهد الحضري الوطني ، بعضها يدعو فعلا إلى القلق، منها إقرار التقرير بالظواهر التالية: انتشار السكن غير اللائق، التوسع العشوائي للهوامش الحضرية، ضعف فرص الشغل واتساع دائرة الفقر الحضري، نقص البنيات والتجهيزات الأساسية، نفاذ الاحتياط الحضري، غلاء الأثمنة العقارية، تدهور البنيات والبيئة الحضرية، ضعف في التدبير الحضري…أنظر الخلاصات العامة للورشات التشاورية حول سياسة المدينة، يونيو 2012 ( لم يصدر لحد الآن أي تقرير تركيبي بمجمل هذه الخلاصات التشاورية، لكن يمكن طلب ملخص للتقارير التشاورية من الوزارة ذاتها ).
- – يتعلق الأمر بالندوة التي نظمتها الجماعة الحضرية لتطوان بتاريخ 07 يونيو 2014 حول موضوع “تطوير دور الجماعات المحلية عبر إعمال الدبلوماسية المحلية الموازية”، ومن تأطير وزير الخارجية المغربي الأسبق، سعد الدين العثماني.
- -يتعلق الأمر بصدور أول نص قانوني يتعلق بتنظيم الانتخابات، وهو الظهير الشريف رقم 162-59-1 في فاتح شتنبر 1959، وبمقتضاه أجريت أول انتخابات للمجالس البلدية والقروية يوم 29 ماي 1960، كما صدر أول نص قانوني لنظام الجماعات، وهو الظهير الشريف رقم 315-59-1 في 23 يونيو 1960.
- -د خالد بهالي”أية قراءة للبعد التعاقدي في مشروع القانون التنظيمي للجهات؟”؛ عرض قدم خلال أشغال اليوم الدراسي الذي نظمه فريق تقييم السياسات العمومية بكلية الحقوق بسلا، مرجع سابق.


