الإدريسي وفاء

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية  سلا

 

إذا نظرنا إلى السجين فسوف نجد أن لمدة ولظروف الاعتقال والحبس أثر في قواه الجسمية، وبنيانها، وفي قواه النفسية، وحالته المعنوية.

فإذا كانت كلتا الناحيتين سواء البدنية، أو السيكولوجية منهارة “مخربة”، فالتأهيل من جديد لن يكون بالأمر السهل بل سيكون عملية تكتنفها كثير من الصعوبات، إلا إذا أحسن التعامل مع هذا السجين المحطم بدرجات نسبية قد تعظم، وقد تقل خطورته ([1]).

إنها عملية بناء أو بالأحرى إعادة بناء الكيان الآيل للسقوط والانهيار، وهذا طبعا يتطلب حرص من المؤسسة السجنية على توفير شروط ومتطلبات ضرورية ([2]) من شأنها أنسنة ظروف الاعتقال من خلال جعل هذه المؤسسات، مؤسسات إصلاح وإعادة إدماج بناء علي معايير بيداغوجية، وأساليب تقنية، وبرامج مركزة ذات أهداف ومرامي تراعي فيها الجوانب الاجتماعية والإنسانية ([3]).

إلا أن هذا الوعي بمدى أهمية توفير شروط الاعتقال بالمؤسسة السجنية، وما لتأثيره المباشر على تأهيل السجين، لم يمنع في نظر البعض ([4]) من وجود اختلالات بهذه المؤسسات تضرب الأرض بقواعد معاملة السجناء، وبالمواثيق الدولية الخاصة بهم، وبحقوق الإنسان عامة.

ومن هذه الاختلالات المتداولة نجد ظاهرة الاكتظاظ، وسوء التغذية، (المحور الأول)، إضافة إلى ضعف الرعاية الصحية، ومستوى النظافة (المحور الثاني).

المحور الأول: ظاهرة الاكتظاظ وسوء التغذية

رغم تزايد الاهتمام بالمؤسسة السجنية كفضاء لإعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع، فإن جوانب القصور لا زالت تقف دون بلغ ذلك، وترتب انعكاسات سلبية على سياسة إصلاح السجين المتبعة من قبل الإدارة السجنية.

ومن أبرز تجليات هذا القصور نجد كلا من ظاهرة الاكتظاظ (الفرع الأول)، وسوء التغذية (الفرع الثاني).

الفرع الأول: ظاهرة الاكتظاظ بالسجون

تعد ظروف الحياة في السجن من أهم العوامل التي تحدد شعور المسجون بالكرامة وتقدير الذات، فمعرفة أين ينام؟ وكيف يأكل؟ وهل يسمح له بتنظيف نفسه؟ وهل له الحق في العلاج؟ …هي مسائل ذات تأثير على الصحة العقلية، والجسمانية للسجين ([5]).

فغالبية وثائق حقوق الإنسان تؤكد على الحق في الكرامة الإنسانية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يؤكد على هذا الحق في مادته الأولى، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي جاء فيه بالمادة 10 “يعامل جميع الأشخاص المحرومين من حرياتهم معاملة إنسانية، مع احترام الكرامة المتأصلة في الإنسان”.

وتتضمن القواعد الأساسية لمعاملة السجناء الشروط الواجب توفرها فيما يخص إيواء نزلاء السجون، ومنها المساحة الأرضية المخصصة لكل نزيل، وفي هذا الإطار جاء في القاعدة 10 منها ” يجب أن تلبى جميع الغرف المعدة لاستخدام المسجونين ولاسيما حجرات النوم ليلا جميع الشروط الصحية، مع الحرص على مراعاة الظروف المناخية، خصوصا من حيث حجم الهواء، والمساحة الدنيا المخصصة لكل سجين، والإضاءة، والتدفئة، والتهوية”.

أما في المغرب فقد أكد القانون ([6])، أن الاعتقال يجب أن يتم في ظروف ملائمة ([7]) للصحة والسلامة سواء فيما يتعلق بتهيئة البنايات، أو صيانتها…

وأكدت المادة 114 ([8]) أن فضاءات الاعتقال يجب أن تستجيب لمتطلبات الصحة، والنظافة مع الأحد بعين الاعتبار نوع المناخ، والحيز الهوائي، والمساحة الدنيا المخصصة لكل معتقل، والتدفئة، والإنارة، والتهوية …

إلا أنه وبالرغم من كل هذه التوصيات والمواثيق والقوانين مازالت المؤسسات السجنية تعاني من جملة من المشاكل، وعلى رأسها مشكل الاكتظاظ ([9])، الذي هو ليس خاصية الدول المتخلفة فقط، بل ظاهرة اكتسحت جل دول العالم، والتي أصبحت تسعى إلى حدها بالبحت عن أنجع السبل لتصريف السجون، وبالطبع تختلف الوسائل من دولة لأخرى.

وهكذا تسعى السياسات الجنائية المعاصرة، إلى الحد من هذه الآفة التي تعوق تطبيق أي برنامج للإصلاح نتيجة ضعف الإمكانيات ([10]).

وفي المغرب فالإحصائيات تشير إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية للسجون بكثير إذ بلغ عدد المعتقلين في سنة 2014، 70099 ([11]) سجين مع أن الطاقة الاستيعابية للسجون لا تتجاوز 48000 ألف سجين فقط. ([12]) فارتفاع عدد السجناء خلال الخمس سنوات الأخيرة، زاد من حدة مشكل اكتظاظ السجون.

المصدر: المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج

فمن خلال المعدلات أعلاه، ورغم تفاوت هذه المعطيات من سنة لأخرى، نلاحظ أن أهم ميزة وملاحظة يمكن رصدها هو الارتفاع الكبير لعدد نزلاء المؤسسات السجنية، مقارنة مع الطاقة الاستيعابية لهذه الأخيرة،

وبالرجوع إلى المعايير الدولية بخصوص المساحة التي من الواجب توفرها للسجين هي ستة أمتار مربعة وفي المعدل ثلاثة أمتار مربعة (هناك من الدول التي تصل فيها المساحة إلى تسعة أمتار مربعة).

إلا أن المعايير المعمول بها من قبل المؤسسات السجنية لا تصل حتى المعدل في رأي البعض، إذ سبق للتقارير الرسمية أن صرحت بان المساحة المخصصة لكل سجين هي متر مربع ونصف (1.5) أي أنها ناقص عن المعدل الدولي ب 50 %، وأن القائمين على السجون سيسعون إلى بلغ مترين مربع للسجين ([13]). ومشكل الاكتظاظ مرتبط أساسا بنمو الظاهرة الإجرامية بسبب الظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية التي تدفع بالمنحرفين إلى البحث عن وسائل غير مشروعة لتلبية حاجاتهم ودوافعهم الشخصية .([14])

ويترتب عن هذا الاكتظاظ جملة من المشاكل التي تتراكم على الإدارة مثل سوء التغذية، ضعف الرعاية الصحية …

الفرع الثاني: سوء التغذية بالسجون

جاء في القاعدة 20 من القواعد الدنيا لمعاملة السجناء ضرورة “توفير الإدارة السجنية في الساعات المعتادة، وجبة طعام ذات قيمة غذائية كافية للحفاظ على صحته وقواه، جيدة النوعية، وحسنة الإعداد والتقديم”.

إذن يفهم من منطوق القاعدة أن التغذية هي حق لكل سجين على الإدارة السجنية ([15])، ومن الواجب عليها توفيره له وفق كافة الشروط المتطلعة للحفاظ على صحة هذا السجين من حيث القيمة والجودة والنوعية.

فهذا الغذاء يجب أن يكون كافيا من أجل المحافظة على صحة السجناء، بحيث يبعدهم عن الأمراض، والعلل النفسية، وينمي لديهم الشعور بالارتياح والرضي، ويحثهم على التقيد بالإرشادات الصحية الضرورية لحياة الإنسان.

وتقتضي القواعد الحديثة تقديم غذاء خاص للنساء الحوامل، والمرضعات، والمرضى الذين يعالجون في مستوصفات السجون والمستشفيات. ([16])

إلى جانب هذا، هناك عوامل أخرى مرتبطة بعملية الغذاء تنضاف إلى جودته من حيث النوع، والكم، وهي التي تتصل بمجال تحضير هذه الأطعمة، إذ على أفراد طاقم السجن أن يبذلوا كل الجهود لضمان أن تكون الأوعية المستخدمة نظيفة، وتتفق ومستلزمات الصحة.

وباعتراف الإدارات السجنية عموما تعتبر شكاوي الطعام من حيث الكمية ومن حيث النوع، هي من أكثر الشكاوي شيوعا ([17]).

ومن جهة أخرى تبقى للسجناء إذا رغبوا في ذلك، وفي الحدود التي تتفق مع حسن تسيير النظام في المؤسسة، أن يأكلوا ما يريدون على نفقتهم بأن يحصلوا على طعامهم من الخارج، إما بواسطة الإدارة أو بواسطة أسرتهم، أو أصدقائهم، فإذا لم يطلبوا ذلك، على الإدارة أن تتكفل بإطعامهم ([18]).

وتجدر الإشارة أن عملية الغذاء لا تقتصر على تقديم أطعمة جيدة، بل تشمل كذلك الحرص على توفير ماء صالح للشرب، وذلك حسب منطوق القاعدة 20من القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، وفيما يخص قانون السجون المغربي رقم 23/98 نجده قد أكد على أهمية التغذية السليمة لنزلاء المؤسسات السجنية، وذلك حسب المادة 76من المرسوم التطبيقي لهذا القانون ([19]) (الصادر في 3 نونبر 2000)، إذ جاء فيها أن إدارة المؤسسة السجنية تتكفل بتغذية المعتقلين وفق نظام غذائي متوازن يستجيب لضرورة الحفاظ على صحتهم، إذ يشتمل على 3 وجبات يومية تحدد كميتها ونوعيتها من طرف الإدارة السجنية المركزية، بعد استشارة المصالح المختصة بوزارة الصحة.

وتحدد أنظمة خاصة بالمعتقلين المرضى، والنساء الحوامل، والمرضعات، والرضع، والأطفال صغار السن.

كما أشارت المادة 78 إلى إمكانية توصل المعتقلين بالمؤونة من طرف ذويهم، تحدد إدارة المؤسسة السجنية مواعد تقديمها، وفي هذا سياق، أكدت المادة 80من نفس المرسوم على ضرورة توفر كل سجين على الماء الصالح للشرب بصفة دائمة.

لكن وبالرجوع إلى بعض التقارير المنشورة بخصوص التغذية وبرامجها بعدد من السجون ([20])، نجدها تفتقد إلى الشروط المطلوبة المنصوص عليها من قبل القواعد الدولية الخاصة بذلك.

إذ رغم تصريحات الإدارة السجنية المركزية (ودائما حسب ما هو وارد في التقارير المعنية بمجال السجون) بأن التغذية بالسجون قد تحسنت بالنظر لرفع الميزانية المخصصة لكل سجين يوميا من 5 إلى 14 درهم للفطور والغداء والعشاء، -وهو طبعا مبلغ ضئيل لثلاث وجبات -، فإن الواجبات المقدمة تبقى عاجزة عن توفير صحة متوازنة للنزلاء، وجزء كبير من النزلاء يعتمد إما على إمدادات العائلة، خصوصا منهم الذين يكونون في وضعية اعتقال احتياطي قرب أسرهم، أو على الحولات التي يتوصلون بها من ذويهم، ويقتنون ما يحتاجون إليه من بعض الدكاكين الموجودة ببعض السجون.

فغالبا تفيد شكايات نزلاء المؤسسات السجنية، عدم التزام المؤسسات السجنية بمواعيد تقديم أنواع الأطعمة (اللحوم البيضاء، والحمراء..).

ومن جملة السمات التي تميز الغذاء بالسجون نذكر:

  • عدم جودة احترام الحصص المقدمة من حيث الوزن، والانتظام.
  • عدم جودة المواد التي يحضر بها الغداء للسجناء بأغلب السجون، ويتعلق الأمر باللحوم، أو الخضر، والقطاني، و الدقيق الذي يحضر به الخبز في بعض السجون وهوما يتسبب في أمراض صحية
  • ارتفاع الأسعار في الدكاكين الموجودة ببعض السجون مقارنة بأماكن البيع العمومية ([21]).

لكن وبالرغم من كل هذا، يبقى مشكل سوء التغذية مرتبط أشد الارتباط بظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها المؤسسات السجنية.

المحور الثاني: ضعف الرعاية الصحية ومستوى النظافة

تعتبر الصحة الجسمانية والعقلية للمسجونين هي أكثر الجوانب حيوية وأهمية، وتبعا لهذا ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثانية أن “لكل فرد حق في الحياة والحرية وسلامته الشخصية “. وتنص المادة 5 منه أيضا على أنه “لا يعرض أي إنسان للتعذيب، ولا للعقوبات، أو المعاملات القاسية، أو الوحشية، أو الإطاحة بالكرامة” ([22]).

ونتيجة لذلك تحظى كل من الرعاية الصحية، (الفرع الأول) والنظافة، (الفرع الثاني) بأهمية كبيرة للمسجونين، وتعطى لصحتهم في السجن الأولوية، إذ يجب أن تكون هذه الرعاية، وهذه النظافة في السجن متساوية على الأقل مع المستوى الموجود في المجتمع خارج السجن.

الفرع الأول: ضعف الرعاية الصحية

من أجل ضمان الصحة الجسمانية والعقلية للمسجونين، أكدت المواثيق والعهود الدولية على أهمية الرعاية الصحية للمسجونين ([23]).

كما اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصحة الجسمانية، والعقلية للمسجونين هي حق نصت عليه المادة 25 منه التي جاء فيها “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته …”

فهذه المادة استعملت كلمة “حق” وبالتالي تقر ضمنيا باحتفاظ السجناء بنوع من المسؤولية فيما يتعلق بصحتهم، ويجب على مستخدمي السجون أن يذكروا المسجونين بذلك، ويشجعوهم على ممارسة هذه المسؤولية مثل ممارسة الرياضة، النظافة …([24])

وقد أفردت القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء جانبا مهما من قواعدها للجانب الصحي وحددت الخدمات الطبية اللازم توفيرها، مشيرة بذلك إلى الوظائف والدرجات التي تتعلق بأطباء السجون، فهذه القواعد التي حددتها القواعد الدولية لمعاملة السجناء، استمدها قانون 23/98 ونص عليها، لإدراكه أن مسألة الرعاية الصحية بالنسبة للسجين أمر في غاية الأهمية، وتدخل في صلب أهم الحقوق التي تقررها المواثيق الدولية، فالباب الثامن منه يتضمن الخدمات الصحية (المواد من 23إلى 128)، ومهام أطباء المؤسسات السجنية ( المواد من 129 إلى 135)، والاستشفاء ( المادتين 136 و 137).

فكل مؤسسة سجنية تتوفر على طبيب، أو عدة أطباء، ومساعدين طبيين بصفة دائمة أو منتظمة، كما أنها تستعين في عدة حالات بأطباء متخصصين، وذلك للمساعدة على فحص وعلاج النزلاء.

ويلتزم طبيب المؤسسة السجنية بالتقييد بأحكام، وآداب المهنة، والتشريع، والتنظيم المطبقين، وكذا التوجهات التقنية الصادرة عن وزارة الصحة، وتحدد مهامه في القيام بصورة منتظمة بتقديم النصح لمدير المؤسسة، ومعاينة مجموعة من الجوانب من بينها:

  • كمية الغذاء ونوعيته وإعداده.
  • مدى إتباع القواعد الصحية والنظافة في السجن، وكذلك لدى السجناء.
  • حالة المرافق الصحية، والتدفئة، والإنارة، والتهوية، في السجن.
  • نوعية ونظافة ملابس السجناء.
  • مدى التقييد بالقواعد المتعلقة بالتربية البدنية والرياضة. ([25])

كما يقوم بتتبع الأحوال الصحية لمرضاه المسجونين سواء في جانبها المادي أو المعنوي، حيث يراقب عن كتب تحسين أوضاعهم الصحية.

وهكذا فهو يقوم بفحص الحالة الصحية للسجناء الجدد، والسجناء الذين أشعر بمرضهم، أو الذين صرحوا بذلك، والسجناء الموضوعين في زنازن التأديب، والموضوعين كذلك في العزلة لأسباب أمنية وصحية، والموجودين بمصحة المؤسسة السجنية ([26]).

واستنادا إلى الإدارة السجنية المركزية، فقد عرفت الخدمات الطبية المقدمة للسجناء تحسنا ملحوظا بفعل جهود الأطر الطبية والإدارية، بتعاون مع القطاع الوصي.

لكن رغم كل هذه المجهودات المبذولة من قبل الإدارة السجنية المركزية، فهي غير كافية لتوفير فضاء المعالجة، والتطبيب الواجب للسجناء، والذي مازال يعاني من بعض العوائق نذكر منها:

  • غياب الفحص الوقائي للسجناء، بمجرد وصولهم السجن لأول مرة لتحديد الأمراض التي يحملونها معهم.
  • ضعف الميزانية المرصودة للصحة بالسجون.
  • الزيارات التباعدية لبعض الأطباء المتخصصين المتعاقد معهم.
  • عدم توافر أطباء متخصصين في معظم السجون، وخاصة في مجال الطب النفسي ([27]).

الفرع الثاني: ضعف مستوى النظافة

من المهم لكل سجين أن يكون بإمكانه الحفاظ على نظافته بصورة لائقة، ومن المهم بصفة خاصة أن تستطيع المؤسسة السجنية أن توفر مستلزمات النظافة لفائدة المسجونين.

إذ يجب أن تتوفر منشآت الاستحمام والاغتسال، ليكون في مقدور كل سجين أن يستحم ويغتسل بدرجة حرارة متكيفة مع الطقس، وبالقدر الذي تطلبه الصحة العامة، تبعا للفصل والموقع الجغرافي للمنطقة، على ألا يقل ذلك عن مرة في الأسبوع ([28]).

كما يجب أن تكون جميع الأماكن التي يتردد عليها السجناء بانتظام في المؤسسة مستوفاة الصيانة والنظافة في كل حين ([29])، وهنا يطلب من المسجونين أن يحتفظوا بزنازينهم نظيفة، حيث يوفر لهم السجن مواد النظافة الضرورية مثل الصابون، والمكانيس…([30])

وفي سبيل توفير هذا الفضاء النقي، تفرض على السجناء العناية بنظافتهم الشخصية، إذ تعد قدرة الفرد على أن يكون نظيفا، من أحد العوامل التي تساعد النزلاء على الاحتفاظ بكرامتهم وإحترام الذات، ولكن ولتحقيق ذلك لا بد من تزويد السجين بالإضافة إلى الماء والصابون، معجون الأسنان، والفوط على أقل تقدير ([31]).

وعندما يسمح للمسجونين بتسليم أو شراء هذه الأشياء من خارج السجن، فإن هذا الأخير يظل مسؤولا عن توفيرها بالنسبة للنزلاء المحدودي القدرة المالية.

ووعيا بأهمية النظافة بالنسبة للمسجونين ([32])، فقد نص القانون على أن كل معتقل يهيء فراشه، ويعنى بزنزانته أو المكان المخصص له ليكون نظيفا باستمرار ([33]).

وينظف المعتقلون المكلفون بالأشغال يوميا المعمل، والعنابر، وقاعات الطعام، والممرات، والمحلات الأخرى، ذات الاستعمال المشترك والمخصصة للعمل العام، كما يتم تعقيم المحلات والمرافق الصحية بشكل دوري.

ويفرض على جميع المعتقلين القيام بنظافتهم الشخصية، التي يجب أن تراقب باستمرار ([34])، وفي سبيل ذلك تخول للمعتقل إمكانية الاستحمام عند دخول المؤسسة، ويتعين على إدارة هذه المؤسسة وعند الاقتضاء إجباره على ذلك، وفي هذا السياق يفرض على كل معتقل الاستحمام مرة في الأسبوع على الأقل ([35]).

إلا أن هذا لم يمنع من وجود انتقادات كثيرة وجهت للإدارة السجنية في مجال النظافة، بسبب انتشار الرائحة الغير لائقة في الأماكن المخصصة للاعتقال أو من السجناء، إلا القليل الذين تسمح إمكانياتهم بالتغلب على ذلك بوسائلهم الخاصة، ويرجع ضعف مستوى النظافة هذا إلى عدة أسباب نذكر منها:

  • قلة الوسائل المعتمدة للنظافة (جافيل، مبيدات الحشرات …)، مما يحول الفضاءات السجنية من زنازن، وغرف، وممرات، ومساحات، ومرافق صحية، إلى فضاءات لا تتوفر على الحد الأدنى من النظافة
  • الفترات التي تقوم فيها الإدارات السجنية بتسليم السجين قطعة صابون (صابون الحجرة)، والتي لا يتعدى وزنها 100 غرام لكافة الاستعمالات.
  • ضعف، أو انعدام تقديم وسائل النظافة الخاصة بالمرأة والأطفال.
  • تعطل عدد من الحمامات بالسجون، وضعف الحصص المخصصة للاستحمام ([36]).

من خلال ما سبق يتضح أن كل هاته المشاكل التي تعاني منها المؤسسات السجنية، لها ارتباط وثيق ببعضها، ويشكل الاكتظاظ البؤرة الأساسية لانطلاقتها.

فبالرغم من الجهود المبذولة من قبل الدولة لتحسين وضعية السجناء، من بناء سجون جديدة، واهتمام بالوضعية المادية لإيواء المعتقلين، وتحسين ظروف إقامتهم، والعناية بتغذيتهم، وتطوير برامج التكوين والتعليم وفتح المؤسسات السجنية في وجه المجتمع المدني….

فهذه الجهود تصطدم بعائق أساسي وإن لم يكن الوحيد، وهو الاكتظاظ، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حول الأسباب الكامنة وراء هذه المعضلة؟

رغم غياب إحصائيات دقيقة حول حالة العود إلى الإجرام، يبدو أن السياسة العقابية المبنية على الإفراط في اللجوء إلى تدبير الاعتقال الاحتياطي من جهة، وعلى قسوة العقوبات التي تحكم بها المحاكم من جهة أخرى لا تؤتي أكلها ([37])، وتساهم بشكل كبير في تدهور وضعية المؤسسات السجنية.

  • الإفراط في الاعتقال الاحتياطي

يعد الاعتقال الاحتياطي تدبير استثنائي، يلجأ إليه القاضي ليضمن إحضار المتهم في جميع مراحل المتابعة القانونية، إلى جانب حماية هذا الأخير من انتقام الضحية وذويها ([38])، وكذا حماية المجتمع من تمادي المتهم في ارتكاب جرائم أخرى، ووضعه تحت الحراسة ([39]).

وقد أثبتت الإحصائيات الأخيرة، مدى المعدلات المرتفعة للمعتقلين الموجودين رهن هذا الاعتقال، إذ بلغت خلال الستة اشهر الأولى من سنة 2014، 34408 شخص رهن الاعتقال الاحتياطي في مقابل 35691 شخص محكوم نهائيا ([40]) فقط.

فرغم إقرار قانون المسطرة الجنائية لبعض بدائل الاعتقال الاحتياطي، لاسيما تدابير المراقبة القضائية، بالإضافة إلى نظام الكفالة المالية أو الشخصية، وإقرار نظام الصلح الجنائي، يلاحظ أن كثيرا من المعتقلين يوجدون في إطار اعتقال احتياطي من أجل جنح بسيطة وأحيانا في غياب حالة التلبس، ورغم توفر ضمانات كافية للحضور هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن هذا التدبير القاسي الذي يعتبره القانون تدبيرا استثنائيا، من المفروض أن لا يلجأ إليه إلا استثناءً، وبعد توفر الشروط القانونية لاتحاده، وأن يكون ضروريا لأمن المجتمع وسكينته، أو الحفاظ على سلامة الأموال والأشخاص من أي تهديد خطير ([41]).

  • عقوبات قاسية:

من الملاحظات المتداولة في المجتمع الحقوقي المغربي، أنه بالإضافة إلى الشدة التي تتميز بها العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي والقوانين الزجرية المغربية الأخرى، فإن الأحكام التي تصدرها المحاكم تميل هي الأخرى إلى الشدة والقسوة ([42]).

العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي ([43])

النسبة المئويةالمجموعةالعقوبات
35.68%35.68%147الغرامات أو الحبس أقل من سنتين
8.74%363 سنوات
12.36%885 سنوات
64.32%7.52%3210 سنوات
12.14%5020 سنة
3.88%1630 سنة
5.10%21السجن المؤبد
5.58%23الأعوام
100%412المجموع

فمن خلال الجدول الأعلى نجد أن النسبة المئوي للجرائم المعاقب عليها بالغرامة أو الحبس بأقل من سنتين تصل حوالي 35.68 % من المجموع العام للجرائم، في حين تشكل نسبة الجرائم التي يمكن وصفها بالخطيرة والتي يتراوح حدها الأقصى ما بين 3 سنوات والإعدام حوالي 64.32 %، وهي طبعا نسبة كبيرة تعكس الوضعية التي ستكون عليها المؤسسات العقابية.

وبالتالي نواة الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية يمكن ربطه مباشرة بارتفاع معدلات الظاهرة الإجرامية ككل، وبكيفية تعامل السياسة الجنائية معها والتي تعتبر المؤسسات العقابية جزء منها فقط.


[1] أحمد بنعمو، خصائص وحاجيات إعادة تأهيل السجناء، مجلة إدماج، العدد 5، مطبعة نداكم للإعلام والصحافة، الرباط، 2003 ص 32.

[2]abdallah hanaa, Les prisons marocaines s’ouvriront bientôt aux missions des ONG, la vie économique, N°3938, vendredi 17 octobre 1997,p.31.

[3] عبد الله درميش، مختلف أشكال بدائل العقوبات السالبة للحرية، مجلة المحاكم المغربية، عدد 86، يناير 2001، ص 13.

[4] التقرير السنوي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان لسنة 2011.

– تقرير المرصد المغربي للسجون لسنتي 2009 و 2010.

– تقرير لجنة التنسيق حول السجون لسنة 2009.

– التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[5]شريف زبفر هلالي، واقع السجون العربية بين التشريعات الداخلية والمواثيق الدولية، دراسة مقارنة، سلسلة البحث القانوني وحقوق الإنسان، مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء 2000. ص 33.

[6]المادة 113 من المرسوم التطبيقي رقم 2.00.485 الصادر بتاريخ 3 نونبر 2000

[7]الدورة التكوينية الثانية التي نظمتها وزارة العدل، بتعاون مع مركز حقوق الإنسان و مؤسسة فريديش نومان، تحت عنوان ” التربية على حقوق الإنسان لفائدة المنظمات الحكومية والمراقبين المربين بمراكز الإصلاح والتهذيب ومؤسسات إعادة التربية” أيام 19.18.17 أبريل، 2003.

[8]من المرسوم التطبيقي رقم 2.00.485 الصادر بتاريخ 3 نونبر 2000 .

[9]تقرير المرصد المغربي للسجون لسنتي 2009 و 2010.

[10]لطيفة مهداتي، الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، مطبعة الشركة الشرقية، الطبعة الأولى، الرباط، 2005، ص 66.

[11]مشروع ميزانية المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج برسم سنة 2015.

[12]معطيات حول عدد الساكنة السجنية، إدماج، عدد 13، مطبعة نداكم ديزاين، الرباط، 2011، ص 13.

[13]التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[14]قراءة في التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون، مجلة إدماج عدد 3، شعبة نداكم للصحافة والإعلام الرباط، 2004، ص 20.

[15]Reynoud, les droits de l’homme dans les prisons, par les éditions du conseil de l’Eroupe, 1995,P .44.

[16]على محمد جعفر، فلسفة العقاب والتصدي للجريمة، شركة طبارة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى بيروت، 2006، ص 263.

[17]الدليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، إصدارات المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي، 1997، ص 66.

[18]الدليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، نفس المرجع، ص 67.66.

[19]مرسوم رقم 2.00.485 الصادر في 6 شعبان 1421 (3 نوفمبر 2000) المحدد لكيفية تطبيق القانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية

[20]التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[21]التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[22]الدليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، مرجع سابق، ص 69.

[23]في كازاخستان، تحت Alparata تم التنصيص على الرعاية الصحية بشكل واسع من طرف ممثلي 134 دولة مجتمعين في إشراف المنظمة العالمية للصحة بتاريخ 22 شتنبر 1978.

[24]الدليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، مرجع سابق، ص 71.

[25]أحمد التقي، أحمد التقي، المقاربة الصحية بالمؤسسة السجنية من خلال قانون 98.23، مجلة إدماج، عدد 7، ندكوم للصحافة والإعلام، الرباط 2004، ص 44.

[26]أحمد التقي، نفس المرجع، ص. 44.

[27]التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[28]القاعدة 13 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء.

[29]القاعدة 14 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء.

[30]الدليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، مرجع سابق، ص. 62.

[31]القاعدة 15 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء.

[32]نصت كل من المادتين 113 و 114 من قانون 23 / 98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، على أهمية الالتزام بقواعد النظافة، والحرص على توفيرها في الفضاء الإعتقالي.

كما نصت المادة 84من المرسوم التطبيقي لقانون 23/ 98 السالف الذكر على ضرورة استجابة محلات الإقامة للمتطلبات الصحية، من خلال توفير مرافق صحية نظيفة وموزعة بشكل متناسب وعدد المعتقلين.

[33]المادة 85 من المرسوم التطبيقي لقانون 98/23.

[34]المادة 86 من المرسوم التطبيقي لقانون 23/98.

[35]المادة 88من المرسوم التطبيقي لقانون 23/98.

[36]التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لسنة 2009.

[37]jacques verin,prison et organisation judiciaire ,R ev .sc. crim. dre. pen. com .oct. dec,1985,p869 .

[38]مصطفى مجدي هرجة، الحبس الاحتياطي والإفراج، دار ربيع القانونية، (بدون ذكر اسم المدينة) 1994، ص.3.

[39]عبد الرحيم الدحوتي، البدائل عن الاعتقال الاحتياطي، مجلة إدماج، عدد 9، مطبعة نداكم للإعلام والصحافة، الرباط، 2004، ص. 48.

[40]مشروع ميزانية المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج برسم سنة 2015.

[41]محمد عبد النباوي، تأملات في السياسة الجنائية بالمغرب، مداخلة منشورة في السياسة الجنائية بالمغرب واسع وآفاق المجلد الثاني، أشغال المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 و 10 و 11 دجنبر 2004، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، عدد 4، الطبعة الأولى الرباط 2005. ص. 135.

[42]محمد عبد النباوي، نفس المرجع. ص. 136.

[43]الطيب الشرقاوي، السياسة الجنائية، مجلة إدماج، عدد 10، مطبعة نداكم للصحافة والإعلام، الرباط، 2005، ص 23.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading