الأستاذ الرافة وثاب
رئيس مصلحة كتابة الضبط
بالمحكمة الابتدائية ببرشيد- سابقاً-
ممارسة إجراءات التنفيذ قد تعترضها صعوبات([1]) واقعية أو قانونية تحول دون وصول المحكوم له إلى حقوقه.
وتعرض المشرع لهذه الصعوبات في الفصول 26 و148 و436 و468 و482 و483، وهي تبعاً لذلك إما صعوبات وقتية لا تتعلق بجوهر النزاع وإنما تهدف إلى تأجيله مؤقتاً ويبث فيها القضاء الاستعجالي لوجود عوارض واقعية أو قانونية تحول دون تنفيذ الحكم([2]) أو صعوبات موضوعية والتي تعرض على قضاء الموضوع لها ارتباط بالمنازعة في السند التنفيذي أو أطراف التنفيذ([3]).
وتعد دعوى الاستحقاق للمنقولات المحجوزة وكذا دعوى استحقاق العقارات المحجوزة وينظمهما معا الفصلان 468 و482 من قانون المسطرة المدنية، من أكثر المساطر سلوكاً بمناسبة صعوبات التنفيذ الموضوعية من الناحية العملية.
لذلك سنركز خلال هذا المقال على مدى استحقاق العقار المحجوز، من خلال مبحثين نخصص أولهما لمفهومها وشروطها والإجراءات المسطرية الواجب إتباعها لسلوك هذه الدعوى على أن نتطرق لآثارها في مبحث ثان.
المبحث الأول: مفهوم دعوى استحقاق العقارات المحجوزة وقواعدها الإجرائية
إن دراسة هذا الموضوع، يقتضى بالضرورة التعريف بدعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات المحجوزة، وسبيل اللجوء إليها وبيان الشروط اللازم توافرها فيها، فضلاً عن الإجراءات المسطرية الواجب إتباعها. وهو ما سنخصص له مطلبان:
المطلب الأول: في تحديد دعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات
المحجوزة وشروطها
أولاً: تعريف دعوى الاستحقاق الفرعية للعقار:
تناول المشروع هذه الدعوى من خلال الفصلين 482 و483 من قانون المسطرة المدنية. غير أنه بإطلاعنا على هذين الفصلين نلاحظ أنه لم تستعمل مصطلح “الاستحقاق الفرعية” شأنه في ذلك شأن المشرع الفرنسي، للقول أن وصف الدعوى بالفرعية هو ابتكار الفقه وخاصة المصري على اعتبار أنها متفرعة عن إجراءات التنفيذ وأن طلب سلوكها يسعى إلى البطلان. كما أخذ المشرع المصري بنفس التسمية من خلال المواد 454 إلى 458 في الفرع السادس من قانون المرافعات.
وهذا يعني أن دعوى الاستحقاق الفرعية، إنما توصف بأنها فرعية، لأنها تتفرع عن الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الحجز والبيع بالمزاد العلني، وبوصفها وسيلة من وسائل إيقاف التنفيذ ولو تمت مواصلته لأضر بصاحب الحق أو من يزعم أن له حقا في الشيء أو العين المحجوزة، ولذلك فهي أداة لإثارة صعوبة مادية أو موضوعية تجاه إجراءات التنفيذ، يتعين الفصل فيها قبل الاسترسال في مسطرة الحجز وإعلان البيع بالمزاد العلني([4]). فبعد تحديد وصف الدعوى بالفرعية فما المقصود منها؟
تعرف دعوى الاستحقاق الفرعية، بأنها الدعوى التي يرفعها شخص من الغير إلى محكمة الموضوع المختصة مدعياً ملكية العقار الذي وقع حجزه ولم تنته إجراءات المزايدة النهائية الأخيرة طالباً رفع الحجز([5]).
كما قيل بأنها هي المنازعة الموضوعية التي يرفعها شخص من الغير مدعياً ملكية العقار الذي تم البدء في التنفيذ عليه، وذلك بعد بدء التنفيذ عليه وقبل تمامه، ويطلب فيها تقرير حقه على العقار وبطلان إجراءات التنفيذ([6]).
يتضح من هاذين التعريفين، أنه لكي تعتبر الدعوى دعوى استحقاق فرعية للعقار أو العقارات المحجوزة، يجب أن تتوافر من الشروط، بنينها من خلال النقطة الموالية.
ثانياً: شروط الدعوى:
يشترط في هذه الدعوى: 1) أن ينصب الحجز على العقار 2) أن ترفع بعد البدء في التنفيذ على العقار وقبل المزايدة النهائية 3) إدعاء الغير ملكية العقار المحجوز 4) أن يطلب هذا الغير بطلان إجراءات التنفيذ.
1- أن ينصب هذا الحجز على العقار:
فهو شرط قبول هذه الدعوى عملاً بمقتضيات الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية، فإذا لم ينصب الحجز التنفيذي على عقار فإنه تبعاً لذلك تكون مصلحة المعنى بالأمر منعدمة.
والحجز التنفيذي للعقار هو وضع هذا العقار بين يدي القضاء استعداد لبيعه بالمزاد العلني فهو على هذا النحو يغل يد المنفذ عليه من التصرف فيه بكل أنواع التصرفات التي من شأنها أن تضربه وتنقص في قيمته.
فهذا الشرط ضروري لصحة هذه الدعوى، بحيث إذا لم يكن هناك حجز تنفيذي واقع على عقار، فإن مصلحة طالب الاستحقاق تنعدم، وبالتالي تكون دعواه غير مقبولة شكلاً([7]).
2- أن ترفع البدء في التنفيذ على العقار وقبل المزايدة النهائية
فالبدء في التنفيذ على العقار يكون بمجرد مباشرة إجراءات التنفيذ ولو تعلق الأمر بالحجز التحفظي، فهي تبعاً لذلك تعتبر فرعية أيا كانت المرحلة التي وصلتها مسطرة التنفيذ على العقار. مما يستفاد منه وبمفهوم المخالفة، أنه إذا رفعت قبل البدء في التنفيذ وبعد تمامه فتبقى دعوى استحقاق عادية لا فرعية لأنها لا تتفرع عن التنفيذ.
ودعوى الاستحقاق الأصلية تقبل ولو بعد حكم إيقاع البيع، لأن هذا الحكم لا ينقل للمشتري أكثر مما للمحجوز عليه، وإنما لا تخضع هذه الدعوى للأحكام الخاصة بدعوى الاستحقاق الفرعية. وإذا رفعت دعوى الاستحقاق عن عقارات بدئ في التنفيذ عليها وحكم إيقاع بيع بعضها دون البعض الآخر فإنها تعتبر دعوى استحقاق أصلية بالنسبة للعقارات التي بيعت وفرعية بالنسبة للعقارات التي لم تبع بعد([8]).
مما نستبين منه أن تحديد العلاقة بين المسطرتين يوجب تفصيل خاصيات كل حالة، فإذا كانت دعوى استحقاق جارية وقت حجزها، فإنه يتعين على طالب الاستحقاق، لكي يستفيد من آثار دعوى الاستحقاق الفرعية، إدخال الدائن الحاجز في الدعوى ويكيف تبعاً لذلك دعواه مع مقتضيات الفصل 483 من قانون المسطرة المدنية([9]).
3- إدعاء الغير ملكية العقار المحجوز:
فالمدعي في هذه الدعوى هو غير، ويراد به من ليس طرفاً في إجراءات التنفيذ المباشرة، مما يستفاد منه أنه يمكن لمن كان طرفاً في عملية التنفيذ رفع دعوى الاستحقاق الفرعية بإبطال الحجز الذي أنصب على عقارات يملكها.
لكن يمكن تصور الجمع بين الصفتين معاً بحيث يكون المدعي هنا طرفاً في التنفيذ بصفة وغيرا بصفة ثانية. كما لو حجز على شخص صفته ولياً على ابنه وهو يدعي ملكية العقار بصفته الشخصية، أو حجز عليه بصفته وارثاً وهو يدعي ملكية العقار له بصفته الشخصية ففي مثل هذه الحالة يجوز للشخص بناء على صفته الثانية كغير أن يرفع دعوى الاستحقاق الفرعية([10]).
فالمدعي هنا يطلب خلال دعوى الاستحقاق الحكم له بإبطال الحجز المنصب على عقار يملكه، ويدعم إدعائه بملكية العقار التي تباشر عليه إجراءات التنفيذ ككل أو لجزء منه.
وذلك لا يعني أن الموضوع يجب أن يتناول حق الملكية بكل عناصره، بل يلزم فقط أن ينصب على حق من نفس طبيعة الحق محل الحجز([11]).
ونتيجة لذلك فإن من لم يدع حقاً على العقار غير حق الملكية كحق الارتفاق أو حق الانتفاع لا يرفع هذه الدعوى إذ لا مصلحة له في ذلك مادام البيع العقاري يقع على الحقوق التي يملكها المدين بالحالة التي هي عليها ولا يزيل الحقوق المتعلقة بها ولكن ما لم يرد التنفيذ وينصب على حق الانتفاع فله في هذه الحالة رفع دعوى الاستحقاق الفرعية للمطالبة بالحق المنفذ عليه([12]).
4- أن يطلب هذا الغير بطلان إجراءات التنفيذ:
فالمدعي في دعوى الاستحقاق يطلب خلال دعواه إبطال إجراءات الحجز لأنه إذا ما طلب الحكم بملكية العقار فحسب دون البطلان، فلا تكون دعوى استحقاق فرعية كما يتجلى ذلك في مقتضيات الفصل 482 من قانون المسطرة المدنية([13]) ومثاله لو رفعت الدعوى أثناء إجراءات التنفيذ ثم زالت هذه الإجراءات سواء بزوال الحاجز عنها أو بأي سبب آخر، فلا محل هنا لبطلانها لتتحول الدعوى في هذه الحالة إلى دعوى استحقاق أصلية.
وعليه فبتوافر الشروط الأربع التي ذكرنا نكون أمام دعوى الاستحقاق الفرعية بما ينتج عنها من آثار، وإذا ما تخلف أحد هذه الشروط فلا حديث عن هذه الدعوى وذلك على النحو الذي بيناه سابقاً.
فما هي إذن الإجراءات المسطرية المتبعة لسلوك دعوى الاستحقاق الفرعية؟
المطلب الثاني: القواعد الإجرائية لدعوى الاستحقاق
أولاً: المحكمة المختصة بنظر دعوى الاستحقاق الفرعية:
تعتبر هذه الدعوى من منازعات التنفيذ الموضوعية من خلال إدعاء أحد الأغيار أن الحجز أنصب على عقار مملوك له، مما يفيد تخلف الشرط الموضوعي المتعلق بأن يكون العقار الذي بوشرت إجراءات الحجز بشأنه مملوكاً للمنفذ عليه.
وعلى خلاف الفصل 468 في قانون المسطرة المدنية، الذي نص على تقديم طلب استحقاق المنقولات المحجوزة إلى مكان التنفيذ، فإنه في المقابل الفصل 482 من نفس القانون لم يحدد المحكمة المختصة بالنظر في دعوى الاستحقاق الفرعية للعقار، الأمر الذي نتساءل معه حول ما إذا كانت محكمة التنفيذ أو المحكمة الابتدائية التي يوجد بها العقار المحجوز؟
بالرجوع للقواعد المتعلقة بالاختصاص المحلي يبدو أنها هي الواجبة التطبيق في هذا الصدد. كما يتضح ذلك من مقتضيات الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية في فقرته الأولى التي تخول للمحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرتها العقار المطلوب استحقاقه حق النظر في دعوى الاستحقاق العقارية. لكن هذا الحل لم يعد مجانبا للصواب في ظل إحداث المحاكم الإدارية والتجارية التي قد تباشر أمامها إجراءات التنفيذ ويدعي الغير ملكية العقار المحجوز له لهذه المحاكم للبث في هذه الدعوى أم لا؟
الملاحظ أن موقف القضاء من ذلك محل خلاف، فقد ذهبت بعض المحاكم إلى اعتبار أنها مؤهلة للبث في دعوى الاستحقاق الفرعية على أساس أن الطلب لا يعدو أن يكون منازعة متفرعة عن التنفيذ وأن المحكمة التي تباشر مسطرة التنفيذ تملك صلاحية البث فيه بالتبعية لإجراءات التنفيذ، في حين ذهب رأي آخر إلى أن الاختصاص لا ينعقد لكلا المحكمتين (لا التجارية ولا الإدارية) بعلة أن الاختصاص محدد حصراً لهذه المحاكم، ولا تندرج ضمنه المنازعات الرامية إلى استحقاق عقار([14]).
ونرى على ضوء هذين الرأيين أنه لا ينعقد الاختصاص للمحكمة المباشرة لإجراءات التنفيذ للبث في منازعات استحقاق العقارات المحجوزة، وذلك للاعتبارات التالية:
- غياب إشارة صريحة إلى ذلك ضمن الاختصاص النوعي بكل من المادتين 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية و8 في القانون المحدث للمحاكم الإدارية،
- كما تشير المادة 23 في القانون المحدث للمحاكم التجارية في فقرتها الأخيرة إلى أنه:
“تطبق لدى المحاكم التجارية المقتضيات المتعلقة بالقواعد العامة للتنفيذ الجبري للأحكام الواردة بالباب الثالث من القسم الرابع في قانون المسطرة المدنية ما لم يوجد نص مخالف”. وفي غياب نص مخالف يسند الاختصاص للمحاكم التجارية في هذا الصدد، تبقى المحكمة الابتدائية هي المختصة للنظر في مثل هذه المنازعات،
- وأنه طبقاً للفصل 18 من قانون المسطرة المدنية، تبقى المحاكم الابتدائية صاحبة الولاية العامة.
وعلى مستوى القانون المقارن، فقد نصت المادة 454 ص قانون المرافعات المصري على أنه الاختصاص بهذه الدعوى يثبت لقاضي التنفيذ، ومحكمة التنفيذ المختصة هي المحكمة التي يقع بدائرة نفوذها العقار موضع الحجز أو أحد العقارات المحجوزة في حالة تعددها.
ثانياً: مسطرة دعوى الاستحقاق الفرعية:
ترفع هذه الدعوى وفق الإجراءات العادية للدعوى، بمقال مكتوب من الغير مؤدى عنه الرسم القضائي، يودع بكتابة ضبط المحكمة المختصة وفق البيانات المنصوص عليها بالفصلين 31 و32 من قانون المسطرة المدنية، معززاً طلبه بالمستندات المؤيدة له أو على بيان دقيق لأدلة الملكية يبدو منها أنها صحيحة ودقيقة أو وقائع الحيازة التي ترتكز عليها الدعوى.
وتوجه ضد المنفذ عليه والدائنين الحاجزين جميعا تحت طائلة عدم القبول، اعتبارا لهدف هذه الدعوى وآثارها.
وبالرجوع إلى التشريع المصري، فإنه طبقاً للمادة 455 من قانون المرافعات إلى جانب مصاريف الدعوى، ينبغي أن يودع هذا الغير مبلغا بصندوق المحكمة- خزانة المحكمة- يقدره علم الكتاب- كاتب الضبط قصد الوفاء بمقابل أتعاب المحاماة والمصاريف اللازمة لإعادة الإجراءات عند الاقتضاء، وهو مقتضى لا نجد ما يماثله في القانون المغربي.
ويقصد بهذه المصاريف ما يلزم لإعادة الإعلان عن البيع بعد أن يحكم بوقفه ثم ترفض دعوى الاستحقاق، والغرض من الإيداع هو ضمان الوفاء بهذه المبالغ كما أن إلزام المدعي بدفعها مقدما يضمن جدية هذه الدعوى ويؤدي عدم إتباع البيانات العامة في صحيفة هذه الدعوى إلى البطلان وفق القواعد العامة، أما عدم بيان الأدلة أو المستندات أو عدم الإيداع، فإنه لا يؤدي إلى البطلان وإنما إلى عدم ترتيب الدعوى آثرها في وقف التنفيذ([15]).
فأمام غياب هذا المقتضى بالنص المغربي، نرى أنه بالرجوع للقواعد العامة المقدرة لطلب التعويض، فإنها تشفع للمتضرر من عدم جدية دعوى الاستحقاق الفرعية اللجوء للقضاء للمطالبة بالتعويض عن الضرر الناجم عنها.
فطالب الاستحقاق الذي رفض طلبه يعاقب بمواصلة إجراءات التنفيذ دون أن ننسى دعوى التعويض التي يمكن ممارستها ضده في المحجوز عليه أو الدائن الحاجز([16]).
المبحث الثاني: آثر رفع دعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات المحجوزة
إذا توافرت الشروط السالفة الذكر في هذه الدعوى واستوفيت الإجراءات المطلوبة، فإنه يترتب على رفع دعوى الاستحقاق الفرعية وقف مسطرة الحجز غير أنه بالرجوع إلى مقتضيات الفصلين 483 و484 من قانون المسطرة المدنية فإن هذا الإيقاف لا يحدث بقوة القانون كما هو الحال بالنسبة لدعوى استرداد المنقولات المحجوزة([17])، وذلك بالنظر إلى الصياغة غير الواضحة للفصلين المذكورين أعلاه، مما انقسمت بشأنه الآراء الفقهية بين من ذهب للقول بالوقف التلقائي لإجراءات التنفيذ دونما حاجة لصدور حكم في حين ذهب اتجاه آخر إلى ضرورة صدور حكم بذلك، فوقف التنفيذ هنا ليس أثراً يترتب بقوة القانون على مجرد رفع الدعوى. هذين الاتجاهين يشكلان محور المطلب الأول من هذا المبحث على أن أخصص المطلب الثاني لإبداء وجهة نظري بهذا الخصوص.
المطلب الأول: موقف الفقه والقضاء من الإشكالية
كما مر معنا أنه ثمة رأيين حول الأثر المترتب على رفع دعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات المحجوزة، سنحاول أن نعرض لهما تباعاً:
أولاً: فقد ذهب رأي القول بالوقف التلقائي لمسطرة البيع الجبري بخصوص العقارات موضوع الاستحقاق بمجرد توصل عون التنفيذ بنسخة مؤشر عليها في المقال دونما اللجوء لرئيس المحكمة لوقف هذه الإجراءات.
لذلك فإذا واصل عون التنفيذ الإجراءات بالرغم من استظهار الغير له بنسخة من مقال الدعوى، فإنه يحق لمطالب الاستحقاق اللجوء إلى قاض المستعجلات في إطار اختصاصه العام ليأمر بوقف التنفيذ([18]). فإذا أقام المدعي دعوى الاستحقاق وكان المقال الافتتاحي للدعوى معروضاً على المحكمة المختصة ومعززاً بالوثائق والمستندات المشار إليها في نهاية الفصل 482 من قانون المسطرة المدنية، فإنه يجوز إيقاف إجراءات الحجز والبيع في أي مرحلة كانت عليها إلى أن تفصل المحكمة في عدم الدعوى([19]).
جاء في هذا الصدد الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء أنه: “اعتباراً لتقديم الدعوى الرامية إلى إبطال الإنذار العقاري، وأنه تطبيقاً لأحكام الفصل 484 الذي يحيل على الفصل 483 من قانون المسطرة المدنية فإن هذه الدعوى توقف إجراءات التنفيذ تلقائياً، وأن محكمة الموضوع هي التي ستأمر بمواصلة إجراءات التنفيذ إذا اعتبرت أنه لا موجب لوقف الحجز العقاري، ولنا فإنه يتعين إصدار أمر إلى عون التنفيذ، بأن يوقف هذه الإجراءات في انتظار صدور حكم من المحكمة في شأن بطلان التنبيه العقاري”([20]).
فالمحكمة المختصة بدعوى الاستحقاق ليست هي من تقوم بالمراقبة الأولية لتحقق شرط صحة أساس الوثائق المرفقة بالدعوى، والتي بناء عليها يتم إيقاف إجراءات البيع العقاري بقوة القانون، وإنما هي تراقب توفر موجب ذلك الوقف بعدما يكون قد حصل وتحقق قبل الاعتراض عليه أي أن صحة أساس الوثائق تراقب مرتين: مرة لوقف إجراءات البيع بقوة القانون ومرة للنظر قضائياً في الاعتراض عليه([21]).
هذا وإن كان البعض([22]) يلاحظ أنه بالنسبة للاستحقاقات، فالتنفيذ لا يتأتى إيقافه إلا بعد تقديم دعوين الأولى موضوعية بالاستحقاق، والثانية بإيقاف التنفيذ لدى رئيس المحكمة أو القاض المشرف على التنفيذ مع أن رفع الدعوى بترتب عليه وقف مسطرة التنفيذ.
غير أن أنصار هذا الاتجاه اختلفوا حول كيفية مواصلة إجراءات التنفيذ التي توقفت بقوة القانون بموجب دعوى الاستحقاق الفرعية. فهل يعرض المتضرر من ذلك الأمر على القضاء الاستعجالي أم على قضاء الموضوع؟
اعتبر البعض أنه في غياب نص مماثل لما هو عليه الأمر بالفصل 468 من قانون المسطرة المدنية المتعلق بدعوى استحقاق المنقولات المحجوزة، يدل على أنه لا مجال للقضاء الاستعجالي للأمر بمواصلة التنفيذ، لأن المشرع أراد توفير أكثر الضمانات حفاظاً على استقرار المعاملات العقارية بشكل عام([23]).
بينما خوله البعض الآخر هذه الصلاحية لقاضي المستعجلات الذي يعرض عليه المتضرر من وقف الإجراءات الأمر في شكل صعوبة في التنفيذ يلتمس منه تفحص الوثائق وتقدير جديتها من عدمه والأمر تبعاً لذلك بالاستمرار في التنفيذ أو بإيقافه([24]) في حين يرى آخرون على أنه إذا كانت الإجراءات تتوقف تلقائياً بمجرد تقديم دعوى استحقاق فرعية للعقار المحجوز المدعى فيه بالاستحقاق، فإن المحكمة المعروض أمامها النزاع تتولى تلقائياً تقييم الدعوى والحجج المدلي بها لتصدر تبعاً لذلك حكماً أوليا يقضي بمواصلة التنفيذ متى رأت لا مبرر لوقف إجراءاته([25]).
ثانياً: أما الرأي الثاني فهو الذي يقرن إيقاف التنفيذ بضرورة صدور حكم نتيجة طلب في الموضوع للمحكمة، فمجرد تقديم طلب دعوى الاستحقاق الفرعية للعقار المحجوز لا يوقف إجراءات التنفيذ تلقائياً وإنما يبقى الأمر متروكاً للمحكمة لاتخاذ ما تراه مناسباً بشأنه.
إذن فتقديم الطلب على ضوء هذا الاتجاه تبرره الصيغة التي اعتمدها المشرع في الفصلين 482 و483 من قانون المسطرة المدنية. ذلك أن الفصل الأول يقضي بأن دعوى “الاستحقاق يترتب عليها وقف مسطرة التنفيذ” لكن ليس تلقائياً وإنما بشرط، ذلك لما أورد أداة الشرط “إذا”، أي إذا كانت مصحوبة بوثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح، فتبعاً للفصل 483 فإنه يجب على طالب الاستحقاق لوقف إجراءاته أن يقدم دعوى بذلك- دعوى وقف الإجراءات- كدعوى موازية لدعوى الاستحقاق أمام المحكمة المختصة ويودع دون تأخير وثائقه ويستدعى المحجوز عليه والدائن الحاجز إلى أقرب جلسة ممكنة لإبداء اعتراضه([26]) وكيفما كان الحال إذا رأت المحكمة أنه لا موجب لإيقاف التنفيذ- مسطرة الحجز العقاري- أي إيقاف المتابعات، كان قرارها قابلاً للتنفيذ المعجل رغم كل تعرض أو استئناف([27]).
لكن ما الجهة المختصة النظر في طلب وقف إجراءات التنفيذ؟
لقد أفرز العمل القضائي موقفين:
- يذهب الموقف الأول إلى أن اختصاص وقف إجراءات التنفيذ معقود أصلاً لرئيس المحكمة بصفته قاضياً للمستعجلات، لتوفر شرطي الاستعجال وعدم المساس بجوهر الحق. فقد جاء في أمر صادر عن رئيس المحكمة التجارية بمراكش أن “مقتضيات الفصل 482 من قانون المسطرة المدنية توجب على قاضي المستعجلات وقف مسطرة التنفيذ إذا أثبت الطالب أنه رفع دعوى استحقاق العقار الذي انصب عليه الحجز في الحالة التي تكون فيها هذه الدعوى مصحوبة بوثائق مبنية على أساس صحيح مما يتعين معه الاستجابة للطلب”([28]).
- وخلافا لما سبق، يذهب الفريق الثاني إلى اعتبار أن محكمة الموضوع هي المؤهلة بنظر هذه الدعوى وهذا ما جاء به أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء بقوله أنه: “على من يقدم دعوى الاستحقاق أو دعوى الطعن بالبطلان أن يقدم دعوى مستقلة أمام نفس المحكمة- محكمة الموضوع- التي تنظر في دعوى الاستحقاق أو دعوى الطعن بالبطلان لالتماس الحكم بإيقاف إجراءات الحجز العقاري وهذه المحكمة هي وحدها المختصة للحكم بوقف الإجراءات إلى أن تبت في دعوى الاستحقاق أو البطلان أو برفض الطلب وليس قاضي المستعجلات طبقاً لمقتضيات الفصلان 482 و483 من قانون المسطرة المدنية”([29]).
إذن فبعد محاولة بسط أثر دعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات المحجوزة من خلال مواقف الفقه والقضاء ومختلف الإشكالات المرتبطة بالموضوع، سوف ننتقل إلى معالجة النقطة الثانية من هذا الأثر في خلال إبداء وجهة نظر بخصوص ذلك.
المطلب الثاني: تقييم الاتجاهين
كما صرحنا أن الأثر المترتب عن دعوى الاستحقاق الفرعية للعقارات المحجوزة هي محل خلاف، إذا انقسمت الآراء بصددها إلى اتجاهين أحدهما يقول بالوقف التلقائي لمسطرة البيع الجبري بخصوص العقارات موضوع الاستحقاق، والثاني يقرن الإيقاف بضرورة صدور حكم بناء على طلب في الموضوع إلى المحكمة.
وعلى ضوء ما استعرضنا من حجج ومؤيدات كل فريق، فإننا نميل إلى الرأي القائل بالوقوف التلقائي لإجراءات التنفيذ بمجرد تقديم دعوى استحقاق العقار المحجوز وسندنا في ذلك الاعتبارات التالية:
- ينص الفصل 483 على أنه “…. إذا اعتبرت المحكمة أنه لا موجب لوقف إجراءات الحجز العقاري كان حكمها مشمولاً بالتنفيذ المعجل رغم كل تعرض أو استئناف”.
مما يستفاد منه أن هذه الإجراءات قد توقفت بمجرد تقديم مقال الدعوى والإدلاء بنسخة مؤشر عليها المكتب التنفيذ المدني بما يثبت سريان دعوى الاستحقاق واستيفائها الشروط الخاصة.
- كما تنص الفقرة الثانية من الفصل 482 على أنه: “… يترتب عليها- دعوى الاستحقاق- وقف مسطرة التنفيذ بالنسبة للأحوال المدعى فيها بالاستحقاق إذا كانت مصحوبة بوثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح”.
يفهم من ذلك أن مجرد رفع دعوى الاستحقاق يؤدي بقوة القانون إلى وقف إجراءات البيع العقاري دونما حاجة للجوء لطلب مستقل بشأن ذلك.
ولم يتطلب الفصل 482 في الحجج التي يراقب بطلب العون المكلف بالتنفيذ توافرها أن تكون كافية مثلما وصفها الفصل 468 المتعلق بإخراج المنقولات من الحجز، بل تطلب وثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح. وبالمقارنة بين الإثباتين يتبين أن تفاوتهما من حيث القوة غير وارد إذ ليس للعون المكلف بالتنفيذ في الحالتين إلا اعتماد الحجج القاطعة والمباشرة والحاسمة، وليس حول أساس الطلب أو الدفع كما هي طبقاً للفصل 468، وإن كانت إجرائية على أية حال وليست ظاهرية أو سطحية فقط. ومثال التناول الإجرائي للوثائق أن يتأكد العون المكلف بالتنفيذ من علاقتها بالعقارات المحجوزة وبالغير مدعى الملكية وبالحق المدعى، حتى لا يتوقف البيع بقوة القانون بناء على وثائق دخيلة على موضوع أو محل أو سبب الإدعاء([30]).
وإذا تبين للمحكمة التي تنظر في هذه الدعوى أن الوقف الذي قام به عون التنفيذ غير مبرر أمرت بمواصلة إجراءات التنفيذ بمقتضى حكم يكون مشمولاً بالنفاذ المعجل.
مما نؤكد معه على أن محكمة الموضوع المعروضة عليها دعوى الاستحقاق هي المختصة للنظر في وقف إجراءات التنفيذ، بمقتضى طلب عارض، لأنها هي التي بين أيديها الوثائق المصحوبة بالدعوى، تمكنها من معرفة جدية الطلب من عدمه، وذلك على خلاف لو عرض الطلب على رئيس المحكمة الذي لا يتوفر على مثل هذه الوثائق.
[1] الصعوبة في التنفيذ هي المنازعة التي تعترض عون التنفيذ عن الشروع في عمليات التنفيذ أو أثناءها وهي إما وقتية أو موضوعية. أمنية النمر: “قوانين المرافعات” الجزء الثالث طبعة 1982 ص 276.
[2] وتناولها الفصلان 149 و436 من قانون المسطرة المدنية.
[3] والتي تنص عليها الفصول 26 و468 و482 من قانون المسطرة المدنية.
فهذا التشتت للنظر في منازعات التنفيذ المختلفة أخدت معه التشريع المصري مؤسسة قاضي التنفيذ، أعطيت له الولاية العامة وجعله تبعاً لذلك مختصاً للنظر في جميع هذه المنازعات الوقتية والموضوعية، فله تبعاً لذكر صفتان: صفة قاضي الأمور المستعجلة لما يفصل في إشكالات التنفيذ الوقتية وفي منازعات التنفيذ المستعجلة وصفة قاضي الموضوع عندما يفصل في منازعات التنفيذ الموضوعية ما كان منها سابقاً على تمام التنفيذ وما كان لاحقاً به لتمامه.
محمد علي راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: “قضاء الأمور المستعجلة”، ص: 743.
[4] محمد سالم الغضبان: “ضمان التعرض والاستحقاق في عقد البيع” دراسة مقارنة بين القانون المدني الليبي وقانون الالتزامات والعقود المغربي، الطبعة الأولى/ 2004 طبع ونشر دار السلام الرباط، ص 23.
[5] الطبيب برادة: “التنفيذ الجبري في التشريع المغربي بين النظرية والتطبيق”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء 1987، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط 1988 ص 351.
[6] أحمد مليجي: “الموسوعة الشاملة التعليق على قانون المرافعات” المجلد السادس، توزيع المكتب الفني للإصدارات القانونية، النسر الذهبي للطباعة، ص: 1062.
[7] عبد العزيز النويضي: “القضاء المغربي وإشكالات التنفيذ الجبري للأحكام” الطبعة الأولى، مارس 2005، مطبعة وراقة الكتاب- فاس، ص 144.
[8] أحمد مليجي، مرجع سابق ص 1062.
[9] عبد الرحيم الصقلي: “طرق معالجة الإدعاءات الواردة على صعوبة التنفيذ الأحكام المدنية. دراسة مقارنة- دراسة تأصيلية وتحليلية مقارنة”، مطبعة الكرامة الرباط، الطبعة الأولى 2005، ص 451.
[10] أحمد مليجي، مرجع سابق ص 1084.
[11] يونس الزهري: “الحجز التنفيذي على العقار في القانون الغربي” الجزء الثاني، سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة 13، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى 2007 ص 130.
[12] الطيب برادة، مرجع سابق ص 351.
[13] نفس المرجع والصفحة.
[14] القرار الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في الملف عدد 3400/2004 بتاريخ 23/03/2002 موضوع الملف عدد 1952/2002/11،
- القرار الصادر عن نفس المحكمة عدد 57/2004 بتاريخ 161/01/2004 موضوع الملف عدد: 4709/03/03،
- والحكم الصادر بتاريخ 06/02/2002 موضوع الملف عدد 7826 الصادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء،
أوردها يونس الزهري، مرجع سابق، ص 133.
[15] أحمد مليجي، مرجع سابق ص 1066.
[16] Abdellah Boudahrain: “le voies d’exécution au Maroc” les éditions Toubkal Casablanca 1ere édition 1988, page 107.
[17] جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 468 من قانون المسطرة المدنية على أنه: “لا تتابع الإجراءات عند الاقتضاء إلا بعد الحكم في هذا الطلب”.
[18] محمد خيري: “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ بالمغرب”، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2002 ص 387.
[19] محمد سالم الغضبان، مرجع سابق، ص 21.
[20] الأمر الصادر بتاريخ: 14/10/1986 تحت عدد 5418/473 في الملف الاستعجالي عدد 4099/86 منشور بمجلة المحاكم المغربية العدد 54 السنة 1988 ص 75.
[21] عبد الرحيم الصقلي، مرجع سابق، ص: 501.
[22] حبيبة التايس: “الإشكالات العملية في موضوع الإنذار العقاري”، مقال منشور بالمجلة المغربية لقانون الأعمال والمقالات عدد 2، ماي 2003 ص 52.
[23] محمد خيري، مرجع سابق ص 387.
– محمد السماحي: “نظام التنفيذ المعجل للأحكام المدنية” الطبعة الثانية 1996 ص 395.
[24] عبد الله الشرقاوي: “صعوبة التنفيذ المعجل” مقال منشور بمجلة القضاء والقانون العدد 128 ص 28.
[25] محمد سلام: “مسطرة تحقيق الرحمن الرسمي في القانون المغربي” مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2002 ص 121.
[26] يونس الزهري، مرجع سابق، ص 137.
[27]Abdellah Boudahraine. op. cit, page 107
[28] الأمر عدد 419 موضوع الملف عدد 433/1/2002 الصادر بتاريخ 26/11/2002 أورده يونس الزهري، مرجع سابق، ص 139.
[29] الأمر عدد: 1476/2000 في الملف عدد: 1433/1/2000 الصادر بتاريخ: 14/06/00 إعداد سعيدة السعيدي ونادية أحدير: “العمل القضائي الاستعجالي التجاري للمحكمة التجارية بالدار البيضاء” منشور بمجلة المحاماة، العدد 27 يونيو 2007، دار الطباعة للنشر والتوزيع الرباط، ص 135.
[30] عبد الرحيم الصقلي، مرجع سابق، ص 503.


