وفق أحكام مدونة الأوقاف

الأستاذ عبد الرزاق اصبيحي

دكتور في القانون الخاص

الكاتب العام للمجلس الأعلى لمراقبة

مالية الأوقاف العامة بالمغرب

عضو لجنة تنقيح مشروع مدونة

الأوقاف المغربية (2004- 2010)

 

تمهيد :

* لا يجادل أحد في أهمية صدور مدونة للأوقاف ببلادنا، بل لا أبالغ إذا قلت بأن الأمر يشكل حدثا تاريخيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لأنه بموجب هذه المدونة تم تجميع وتحيين أحكام الوقف التي ظلت لما يقرب من قرن من الزمان متفرقة بين عدد من النصوص القانونية والمراجع الفقهية، وبالتالي تم طي حقبة طويلة ظل الوقف فيها رهينا لقواعد جد متقادمة في صياغتها ومضمونها على حد سواء، وذلك عن طريق ملاءمتها مع التطور الهائل لقطاع الأوقاف.

* كما أن من إيجابيات صدور هذه المدونة سد العديد من الثغرات القانونية والنقص الذي يحيل على الفقه بآرائه المتشعبة والمتضاربة أحيانا في الموضوع الواحد، والحسم في بعض القضايا الإشكالية التي ظلت مثار نقاش وأخذ ورد في أوساط الفقه أو القضاء أو هما معا.

* غير أن الأهم من ذلك كله هو أن مدونة الأوقاف جاءت بنظام متكامل مترابط الأجزاء، يجمع بين ضبط كل ما يتعلق بالنظرية العامة للوقف وتقنين الجانب التدبيري فيه، مع تزويد هذا القطاع بالأدوات الفعالة والكفيلة بحمايته ضد أي اعتداء على أصل الوقف أو غبن لحقوقه . وهذه الملاحظة يمكن تلمسها من أول مادة من مواد المدونة إلى آخر مادة فيها.

* لقد نصت المادة الأولى من مدونة الأوقاف على تعريف الوقف كما يلى: “الوقف هو كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة “.

وفضلا عن كون هذا التعريف حاول الخروج من الإشكال الذي يخلقه تعريف الوقف في المذهب المالكي، القائل ببقاء ملكية الموقوف للواقف، فإن التعريف الوارد في مدونة الأوقاف يتفق مع تعريف بن قدامة الحنبلي للوقف بأنه: “تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة ” ([1]). وهو تعريف مقتبس من قول النبي صل الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استشاره في كيفية التصرف في أرض له بخيبر، فقال عليه السلام: ” احبس أصلها وسبل ثمرتها” ([2]). ويتميز تعريف بن قدامة بكونه مختصرا وواضحا ولا يطرح أي إشكال. ولذلك أخذت به معظم التشريعات الوقفية للدول العربية على اختلاف مذاهبها.

* ما يهمنا من هذا التعريف هو أنه يجعلنا نتصور الوقف بشكل واضح، باعتباره يضم عنصرين هما: أصل الوقف وثمرته أوريعه . فالعنصر الأول تظهر به خصوصية الوقف ما دام يتم تحبيسه، والعنصر الثاني تظهر به فائدة الوقف ما دام يتم تسبيله.

* إن فائدة الوقف إنما تظهر بالدرجة الأولى من خلال ما يدره من ريع وما ينتجه من ثمرة، لأنها مناط استفادة الموقوف عليهم من المال الموقوف إما مباشرة عن طريق الانتفاع المباشر من المحلات الموقوفة من طرف الموقوف عليهم، أو بطريقة غير مباشرة من خلال كراء هذه المحلات أو بيع غلتها للغير وأخذ محصلات الكراء أو بيع الغلة.

* وإذا كان الأمر كذلك فإن هناك أهمية كبرى للوجيبة الكرائية التي يتم استيفاؤها من مكتريي المحلات الحبسية، وهذه الأهمية لا تقتصر على تحصيل الوجيبة الكرائية، وإنما تتعلق أيضا بمراجعتها لجعلها تتناسب مع قيمة المحل المكرى بحسب القيمة الوقتية.

* وقد كانت قواعد مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية قبل صدور مدونة الأوقاف غير واضحة وغير دقيقة، مما جعل الرأي غير مستقر في هذه المسألة، ولا سيما من قبل القضاء الذي نجده قد تاه بين تطبيق القواعد العامة والتعامل مع الأوقاف بمقتضى قواعد خاصة.

أما بصدور المدونة فقد أضحى الموقف أكثر وضوحا، حيث حددت الحالات التي يمكن فيها مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية بمختلف أنواعها وأغراضها، سواء بمناسبة إبرام عقد كراء جديد، أو عند تجديد عقد الكراء القائم.

الفقرة الأولى: مراجعة السومة الكرائية في حالة إبرام عقد كراء جديد:

هناك مناسبتان يتم فيهما إبرام عقد كراء جديد للمحلات الحبسية، فالمناسبة الأولى هي عندما ينتهي كراء قديم ويعرض المحل الحبسي على كراء جديد من خلال السمسرة أو طلب العروض (أولا)، وأما المناسبة الثانية فهي عندما يقوم المكتري الأصلي بتولية المحل لمكتر جديد ويريد الحصول على إذن بذلك من إدارة الأوقاف (ثانيا).

أولا: مراجعة السومة الكرائية بمناسبة إجراء سمسرة أو طلب عروض:

إذا كان الكراء في المحلات غير الحبسية بمختلف أنواعها يتم عن طريق التراضي بين المكري والمكتري، فإن كراء المحلات الحبسية لا يتم كقاعدة إلا عن طريق السمسرة العلنية أو طلب العروض وفق ما نصت عليه مدونة الأوقاف في المادة 61. وهذا أمر طبيعي لأن الإنسان لا يمكن أن يتراضى إلا على ما يملك، وما دام الناظر الذي يعقد الكراء باسم الأوقاف ليس له على هذه الأوقاف إلا حق الإدارة والإشراف، فإن إرادته لا يمكن أن تكون لها سلطة الفصل في هذا الأمر مخافة أن يبرم على الأوقاف ما فيه غبن لها، فالناظر بالنسبة للأوقاف يعتبر غيرا، ويبقى مظنة للخطأ والتقصير والإهمال أو حتي التواطؤ، دون أن يعني ذلك تعميم هذا الحكم على جميع النظار، لأن الأصل في الناظر أن يده يد أمانة ([3])، أي أنه غير متهم . لكن في جميع الأحوال لا يمكن التسليم بأن جميع النظار يقومون بتدبير ما تحت يدهم من أوقاف كما يقوم المرء بتدبير أمواله، ويحرصون على الأموال الوقفية حرصهم على أموالهم.

ومن ثم، فإن الخروج من دائرة الاتهام في موضوع كراء الأملاك الموقوفة يقتضي عرضها على العموم عن طريق السمسرة العمومية المفتوحة في وجه الجميع من أجل تحقيق المنافسة والشفافية، وهما مبدءان أساسيان ضمن جملة المبادئ التي يجب أن يقوم عليها كراء المحلات الموقوفة بل ومختلف التصرفات الواردة على هذه الأموال، وفق ما أكدته المادة 61 من مدونة الأوقاف ([4]).

إن السمسرة العمومية هي الوسيلة الكفيلة بمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية وتحقيق أعلى مستوى ممكن لها، وهي التي تحول دون غبن الأوقاف . يقول الفقيه التسولي “بيع المزايدة (وكذلك كراء المزايدة) لا يتصور فيه غبن وما ذاك إلا لكون قيمته هي ما وقفت عليه” ([5]). غير أن هذا لا يجعلنا نغفل عن بعض سلبيات اللجوء إلى هذه الوسيلة، وفي مقدمة ذلك إمكانية أن تتحول إلى سمسرة صورية بسبب التواطؤ بين المتنافسين، أو تحقيق سومة غير واقعية بسبب التشاحن بين المتنافسين. ويترتب عن ذلك إما غبن الأوقاف بإضعاف السومة الكرائية نتيجة التواطؤ، أو إثقال كاهل المكتري بسومة كرائية مبالغ فيها نتيجة التشاحن، مما يؤدي في النهاية إلى عجز المكتري عن أداء الوجيبة الكرائية وبالتالي توقفه عن الأداء وتحميل الأوقاف عبء اللجوء إلى القضاء لاستيفاء ديونها والتي تصبح في كثير من الأحيان ميؤوسا من قبضها بسبب مغادرة المكترين المتخلذة بذمتهم إلى أماكن مجهولة. ولعلنا نذكر هنا بأن من حسنات المدونة أنها لم تكتف بالسمسرة وحدها وإنما فتحت المجال أمام طلبات العروض التي يمكن بواسطتها تفادي التواطؤ والتشاحن معا.

إن الغاية من تحديد مدة للكراء الحبسي هي إتاحة الفرصة لإدارة الأحباس من أجل تجديد قيمتها الكرائية بعد انصرام مدة الكراء، بالإضافة إلى قطع الطريق أمام ادعاء المكترين ملكية المحلات الحبسية المكراة لهم بسبب طول بقاء هذه المحلات تحت يدهم وتصرفهم.

وإذا كان الهدف الأخير يتحقق من خلال تحصين الأوقاف بوسائل إثباتية قوية أو بتحفيظ العقارات الحبسية، فإن الهدف الأول يتحقق بالحرص على ألا تقل السومة الكرائية للمحلات الحبسية عن كراء المثل تطبيقا للمادة 80 من المدونة والتي جاء فيها: “تكرى الأموال الموقوفة وقفا عاما بإذن من إدارة الأوقاف. ولا يجوز كراؤها بأقل من كراء المثل”. وقد شدد الفقهاء على هذه المسألة إلى درجة أن بعضهم اعتبر ذلك فاصلا بين إمكانية وعدم إمكانية قبول زيادة من زاد على نتيجة السمسرة العمومية . يقول الخرشي في شرحه لقول خليل: “ولا يفسخ كراؤه لزيادة “: يعني أن الحبس إذا صدرت إجارته بأجرة المثل ثم جاء شخص يزيد فيه فإن الإجارة لا تنفسخ لتلك الزيادة فإن صدرت إجارته بدون أجرة المثل فإن الزيادة تقبل ممن أرادها كان حاضر الإجارة الأولى أو كان غائبا. ويعتبر كون الكراء كراء المثل وقت عقد الإجارة، فإن كان أقل من كراء المثل وقت العقد قبلت الزيادة، أي ما لم يكن المستأجر يدفع الزيادة فهو أحق، وما لم يزد الآخر فيتزايدان، لأن العقد حينئذ انحل. وإثبات كون كراء الأول فيه غبن على الثاني، حيث وقع العقد أولا بالنداء والاستقصاء، وعلى الأول أنه ليس فيه غبن حيث وقع من غير مناداة عليه ونحوه فيكون على الأول. وبعبارة إن وقع كراء الوقف بدون أجرة المثل وزاد آخر على المستأجر فإنه يفسخ للزيادة فإن طلب من زيد عليه أن يبقى بيده ويدفع الزيادة لم يكن له ذلك إلا أن يزيد على من زاد حيث لم تبلغ زيادة من زاد أجرة المثل فإن بلغتها فلا يلتفت لزيادة من زاد ([6]).

قد يقول قائل: كيف نقبل الزيادة على آخر مزايد في السمسرة العمومية وقد انعقد العقد برسو المزاد؟ والجواب هو أن بعض الفقهاء يعتبرون الكراء على المزايدة ليس عقد بت، وإنما هو عقد خيار يثبت لمن زاد أكثر ما لم يترجح جانب غيره بوجه آخر ([7]). بينما نرى أن التكييف القانوني السليم يقتضي اعتبار عرض إدارة الأوقاف المحلات الحبسية على السمسرة دعوة للتعاقد، وعروض المتنافسين إيجابات لا يكتمل التعاقد بشأنها إلا بعد قبول أحدها من خلال المصادقة على نتيجة السمسرة من قبل من أوكل إليه القانون ذلك. وهذا ما سارت عليه المدونة عندما نصت في المادة 82 على أنه “ينعقد الكراء بمصادقة إدارة الأوقاف على نتيجة السمسرة أو طلب العروض”.

ومهما يكن تكييف عملية السمسرة أو طلب العروض فإنهما تبقيان وسيلتين مهمتين لمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية التي انتهت مدة كرائها السابق على إعادة عرضها على السمسرة أو طلب عروض، خصوصا وأن الثمن الافتتاحي لانطلاق السمسرة يكون بالضرورة مساويا على الأقل للسومة الكرائية السابقة، ما عدا في حالة كون هذه السومة نتجت عن تشاحن المتنافسين وأدت إلى عجز المكتري عن الأداء، مما يستدعي إعادة تقدير السومة الكرائية الوقتية والحقيقية للمحل المراد إعادة كرائه.

ثانيا: مراجعة السومة الكرائية بمناسبة المصادقة على التولية:

نصت المادة 86 من مدونة الأوقاف على أنه: “لا يجوز للمكتري تولية الكراء إلا بإذن كتابي من إدارة الأوقاف ….”.

ووفقا لما جرى به العمل في موضوع التولية في الأملاك الموقوفة، فإن إدارة الأوقاف لا تمنح هذا الإذن إلا بعد مراجعة السومة الكرائية في اتجاه الرفع طبعا.

وهكذا، فإن إدارة الأوقاف تستطيع مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية بمختلف أنواعها بمناسبة موافقتها على التولية، بل إنها تضيف إلى ذلك ما يسمى بـــــــ “الغبطة” ([8]). وهي مبلغ مالي جزافي يختلف بحسب نوع الملك الحبسي وموقعه وقيمته الاقتصادية، يؤدى مقابل السماح لمكتر جديد بالحلول محل المكتري القديم دون المرور من عملية السمسرة، جبرا للضرر اللاحق بالحبس نتيجة التولية التي لا تمكن الناظر من كراء المحلات الحبسية بالسومة الوقتية، فتكون الغبطة وسيلة لضمان كراء المحل الحبسي بما لا يقل عن كراء المثل، وفقا لما ورد في الفتوى التي حررها سنة 1995 الأستاذ عبد الكريم الداودي (نائب رئيس المجلس العلمي الإقليمي بفاس سابقا) جوابا عن سؤال عما يلحق جانب الأحباس من ضرر نتيجة تولية كراء محلاتها.

وقد كانت هذه الغبطة قبل صدور المدونة ولا تزال من الأهمية بمكان لإنصاف جانب الأحباس التي تباع مفاتيح محلاتها في عمليات التولية بمبالغ طائلة يستفيد منها فقط المكترون الأصليون، كما أنها مثلت معالجة للغبن الذي لحق الأوقاف جراء عدم قيام النظار بالمراجعة الدورية للسومة الكرائية أو عرضها على السمسرة العمومية عند انتهاء مدتها، علما بأن القضاء سبق له في إحدى أحكامه أن قضى بإفراغ مكتري شقة حبسية انتهت مدة كرائها لإجراء سمسرة عمومية طبقا للقانون ([9]).

الفقرة الثانية: مراجعة السومة الكرائية في حالة تجديد عقد كراء:

نصت النصوص القانونية المنظمة لكراء المحلات الحبسية قبل صدور مدونة الأوقاف على ثلاثة أنواع من الكراء هي : الكراء للأمد القصير، للأمد المتوسط وللأمد البعيد.

أ  الكراء للأمد القصير: نظم هذا النوع من الكراء في الظهير الشريف الصادر بتاريخ 16 شعبان 1331 (21 يوليوز 1913) المتعلق بنظام تحسين حالة الأحباس العمومية على هذا النوع من الكراء في الباب الأول منه تحت عنوان “في الأكرية المعتادة “. وقد حدد الظهير مدة هذا النوع من الكراء في عامين إذا تعلق الأمر ب “الرباع” وهي العقارات المبنية كالحوانيت والفنادق والأهرية والحمامات والديار، وفي عام واحد إذا تعلق الأمر بكراء الأراضي الخالية البناء لغرض الفلاحة.

ب  الكراء للأمد المتوسط: نص على هذا النوع من الكراء الظهير الشريف الصادر في متمم رجب الفرد الحرام 1335 (22 ماي 1917) في شأن ضبط كراء الأملاك الحبسية لمدة ثلاثة أو ستة أو تسعة أعوام. ([10])

ويفهم من ديباجة هذا الظهير أن الكراء للأمد المتوسط مرخص به سواء بالنسبة للأراضي الفلاحية أو أراضي الرباع، وهو ما يتأكد من مفهوم الشرط الحادي عشر من نفس الظهير والذي نص على أنه: “عند كمال التسعة أعوام يفرغ المكتري لحبسه بجميع ما اشتمل عليه من البناء حجريا أو خشبيا أو من الغرس أو منهما”.

ج  الكراء للأمد البعيد: ورد التنصيص على كراء الأحباس للأجل البعيد في الباب الثاني من الظهير المؤرخ في 16 شعبان 1331 (21 يوليوز 1913) المشار إليه آنفا.

والجديد في الكراء للأمد البعيد هو أنه متعلق بالأراضي الخالية من البناء والخراب وحدها كما تدل على ذلك ديباجة الباب الثاني من الظهير المذكور التي جاء فيها: “يمكن أن يؤذن بالأكرية بالسمسرة للأراضي الخالية من البناء ولبعض العقارات الخراب “. وهذا يعني أن الأراضي المبنية والأراضي الفلاحية لا يمكن الترخيص بكرائها للأمد البعيد.

أما مدة هذا النوع من الكراء فهي عشر سنين وفق ما نص عليه الشرط الواحد والعشرون من هذا الظهير، ويتم تجديده مرتين حسبما نص عليه الشرط الثاني والعشرون من نفس الظهير والذي جاء فيه: “يكون الحق للمكتري في خلال العام التاسع من كرائه في الحصول على تجديد الكراء لمدة عشر سنين أخرى مبدؤها من تاريخ انقضاء كرائه بزيادة الخمس في الكراء على ثمن الكراء الأول، وبشرط أن يبين للإدارة التي لها النظر في ذلك أنه صير قدرا يساوي ثمن كراء خمس سنين في البناء والمحلات والغروس. كما يكون للمكتري الخيار في تجديد الكراء في خلال العام التاسع عشر من كرائه لمدة عشر سنين أخرى ويزيد في الكراء الخمس من قدر المدة الثانية، وعند انقضاء المدة الثالثة يرجع المحل المكترى للأحباس طبق الشروط المقررة في الفصل الحادي عشر” ([11]).

ومن خلال المقارنة بين الأنواع الثلاثة، يلاحظ أن النوع الثالث فقط هو الذي يتيح إمكانية تجديد عقد الكراء مع المكتري مرتين شريطة الزيادة في السومة الكرائية، عكس النوعين الأول والثاني اللذين لم تتح هذه النصوص إمكانية تجديد عقد الكراء فيهما، وإنما حصرت الكراء في مدة محددة تعرض المحلات الحبسية بعد انتهائها على السمسرة العمومية من جديد.

ومن ذلك نخلص إلى أن مراجعة السومة الكرائية عن طريق تجديد عقد الكراء اقتصرت في ظل النصوص السابقة على مدونة الأوقاف على كراء المحلات الحبسية معطلة النفع ومعذرة الدخل في حالة كرائها للأمد البعيد.

أما مدونة الأوقاف فقد أتاحت هذه الإمكانية في جميع أنواع الكراء، علما بأن تصنيف الكراء في المدونة ينبني على نوع استعمال المحل، بعكس التصنيف في النصوص السابقة المبني على مدة الكراء. ومن ثم، فقد ميزت المدونة في هذا الصدد بين كراء فلاحي وكراء غير فلاحي.

وتجدر الإشارة إلى أن الأوقاف إلى غاية بداية سنة 2010 كانت تملك:

 من الأملاك الفلاحية: أكثر من 160.000 ملك بمساحة إجمالية تقدر بحوالي 85.000 هكتار، يكرى منه ما نسبته 90 %، وتقوم إدارة الأوقاف بالاستغلال المباشر لحوالي 10% من الأراضي الفلاحية.

– ومن الأملاك غير الفلاحية : أكثر من 50.000 مللك موزعة حسب النسب التالية:

* 49 % أملاك معدة للتجارة ؛

* 26% أملاك معدة للسكن؛

* 20% أملاك مثقلة بالمنافع؛

* 05% أراضي عارية.

لقد نصت المادة 94 من المدونة على أنه “تكرى الأملاك الوقفية غير الفلاحية لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات . غير أنه يمكن تجديد هذه المدة بطلب من المكتري قبل انتهائها بثلاثة أشهر، شريطة موافقة إدارة الأوقاف والزيادة في السومة الكرائية بنسبة لا تقل عن عشرة في المائة من هذه السومة عند كل تجديد”. كما نصت المادة 98 من المدونة على أنه “تكرى الأملاك الوقفية الفلاحية لمدة لا تزيد عن ست سنوات . غير أنه يمكن تجديد هذه المدة لمرتين بطلب من المكتري قبل انتهائها بستة أشهر على الأقل، شريطة موافقة إدارة الأوقاف والزيادة في السومة الكرائية بنسبة لا تقل عن عشرين في المائة من هذه السومة عند كل تجديد”.

وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين النوعين من الكراء بخصوص هذه النقطة، فيمكن تسجيل أن هناك اختلافا في ما يتعلق بمدة الكراء الأصلي، وعدد المرات التي يمكن تجديد الكراء فيها، ونسبة الزيادة المطلوب من المكتري بذلها لتجديد عقدة الكراء معه.

فبالنسبة لمدة الكراء فهي ثلاث سنوات للكراء غير الفلاحي وست سنوات للكراء الفلاحي . والسبب في هذا الفرق أن أغلب المشاريع الاستثمارية التي يقيمها المكترون بالمحلات الحبسية تتعلق بالأراضي الفلاحية ما دام أنه لا يمكن تأسيس أصول تجارية على المحلات الحبسية التجارية، فتحتاج المشاريع الاستثمارية الفلاحية إلى وقت كاف لتؤتي نتائجها وتدر الربح المؤمل فيها.

أما بالنسبة لعدد مرات التجديد فمرتان فقط لكل عقد بالنسبة للكراء الفلاحي، بينما يمكن أن يتم لأكثر من مرتين بالنسبة للكراء غير الفلاحي . وقد راعى المشرع في ذلك ضرورة ضمان نوع من الاستقرار لمكتريي المحلات الحبسية غير الفلاحية دون المساس بحق الأوقاف في اقتضاء سومة كرائية مناسبة، في مقابل إعطاء الأولوية لحقوق الأوقاف في استرجاع أراضيها الفلاحية بعد مدة من الكراء لعرضها من جديد على السمسرة أو طلب العروض أو تركها لمدة معينة لأجل استراحة تحفظها من الاستتراف انسجاما مع ما تفتضيه الأعراف الفلاحية، خصوصا وأن مدة كل كراء فلاحي يمكن أن تستمر لمدة ثمانية عشرة سنة.

وأما فيما يتعلق بنسبة الزيادة مقابل التجديد فهي عشرة في المائة على الأقل لتجديد الكراء غير الفلاحي، وعشرين في المائة على الأقل لتجديد الكراء الفلاحي، وواضح أن ارتفاع نسبة الزيادة في الكراء الفلاحي مقارنة مع الكراء غير الفلاحي يرجع إلى طول مدة الكراء الفلاحي . وأيا تكن نسبة الزيادة المحددة في مدونة الأوقاف، فإن المشرع اختار ألا يتركها للاتفاق أو لحكم القضاء في حالة النزاع ([12])، خصوصا وأن الواقع يؤكد ضعف الموارد المحصلة من هذه العملية في حالتي الاتفاق والنزاع معا في ظل النصوص القديمة.

إن الأوقاف تحقق من خلال تجديد عقد كراء الأملاك الحبسية، فلاحية كانت أو غير فلاحية، الغاية المتوخاة من إجراء السمسرة أو طلب العروض، وهى مراجعة السومة الكرائية في اتجاه الزيادة فيها. كما أن تجديد عقد الكراء يوفر على الأوقاف الكثير من الجهد والوقت والمصاريف، ويحقق للمكتري الاستقرار ويوفر عليه عناء البحث عن محل بديل يرضي حاجاته.

خاتمة

في الختام لا بد من التنبيه إلى أنه بالرغم من أن مراجعة السومة الكرائية لا تعني بالضرورة الزيادة فيها، إلا أن المدونة حسمت الأمر بالنسبة للمراجعة الهادفة إلى تخفيض السومة الكرائية عندما نصت في المادة 90 على أنه “لا حق للمكتري في تخفيض السومة الكرائية المحددة عن طريق السمسرة العمومية أو طلب العروض ..”.

وعليه، فإن تغير الظروف الاقتصادية لا يمكن أن يكون مبررا لطلب المكتري تخفيض السومة الكرائية للمحلات الحبسية، حتي ولو أدت تلك الظروف إلى أن تكون السومة الكرائية أكثر من السومة الوقتية . والسبب في هذا أن عقد الكراء الحبسي يتم في الأصل بالمزايدة والمراجعة تتم غالبا بالاتفاق، ولا يمكن للاتفاق منطقيا أن ينقض ما تم بالمزايدة، لا سيما وأن الذي سيبرم الاتفاق هنا هو الناظر الذي يبقى “غيرا” بالنسبة للأوقاف كما سلف.

والخلاصة أن مدونة الأوقاف حاولت التوفيق بين مصالح طرفي عقد الكراء المنصب على محل حبسى. فمن جهة حاولت ضمان قدر من الاستقرار للمكتري، ومن جهة ثانية كفلت للأوقاف حقها في الحصول على سومة كرائية مناسبة تساعدها على الاضطلاع بالمهام والأدوار الدينية والاجتماعية المنوطة بها، والوفاء بشروط المحبسين.


[1] عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسى، المغني، كتاب الوقوف والعطايا، دار الفكر- بيروت، الطبعة الأولى، 1405، المجلد 5، ص 348.

[2] عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: قال عمر للنبي صل الله عليه وسلم: “إن المائة سهم التى بخيبر لم أصب مالا قد أعجب إلى منها وقد أردت أن أتصدق بها. فقال النبي صل الله عليه وسلم :” احبس أصلها وسبل ثمرتها” رواه النسائي (2/ 123) وابن ماجه (2397) وكذا الشافعي (1379) والبيهقي (6/ 162). والحديث صحيح على شرط الشيخين.

[3] جاء في إحدى فتاوى ابن عرفة ما نصه: “وبالجملة فهو (أي الناظر) أمين فلا ضمان عليه، والأصل براءة ذمته فلا تعمر إلا بيقين من تعد أو تفريط. والروايات بذلك متضافرة متعاضدة متواترة في المدونة وغيرها من الدواوين المذهبية، وشهرتها تغني عن تنظيرها كتبا وتقريرا”. انظر أبو العباس أحمد بن يحيي الونشريسي. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب . خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجى، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، طبعة 1401 ه/1991 م، الجزء 7، ص 299.

[4] نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه: “تخضع جميع المعاوضات والأكرية المتعلقة بالأموال الموقوفة وقفا عاما، وكذا البيوعات المتعلقة بمنتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع العائدة للوقف العام، لإجراءات السمسرة أو لطلب العروض، شريطة التقيد بمبادئ المنافسة والمساواة بين المتنافسين، والالتزام بقواعد الشفافية والإشهار المسبق . . . “

[5] التسولي، البهجة في شرح التحفة، دار الرشاد الحديثة – الدار البيضاء، الطبعة 1412 ه/1991 م، الجزء 2، ص 176.

[6] الخراشي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، الخرشي على مختصر سيدي خليل، دار الفكر للطباعة- بيروت / لبنان، الجزء 7، ص 98- 99.

[7] أبو القاسم بن أحمد البرزلي، فتاوى البرزلي، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، تقدم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى (2002)، الجزء الخامس، ص 447 .

[8] حدد الأستاذ الغازي الحسيني في إحدى فتاواه نسبا معينة لمقادير الغبطة “بحسب مقدار الكراء الشهري الأخير لكل محل حبسي كان يؤديه مكتريه الأصلي عند تفويته مفتاحه لمن اعتمره أخيرا. فإن كان مقداره يتراوح بين عشرة دراهم وبين مائة درهم فإنه يضرب في ستين، عدد شهور خمس سنوات . وإن كان مقداره من مائة درهم إلى مائتين وخمسين درهما فإنه بضرب في أربعة وخمسين، عدد شهور أربع سنوات ونصف. وإن زاد مقداره على ذلك خمسمائة درهم فإنه يضرب في ثمانية وأربعين. وهكذا إلى أن يبلغ مقداره ألفا وخمسمائة وعشرة دراهم، فإن بلغ هذا العدد فيضرب في اثني عشر فقط، وكذلك الكراء الزائد على هذا القدر الأخير مهما بلغ قدره فإنه يضرب في اثني عشر خاصة” فتوى مؤرخة في يوم الخميس 22 جمادى الثانية 1416 (16 نونبر 1995). غير منشورة توجد ضمن أرشيف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية . ص 7 .

[9]“حيث إن كراء العقارات الحبسية نظم بمقتضى ظهير 16 شعبان 1331 الموافق 21/ 07/ 1913، وحيث إنه من المتفق عليه فقها وقضاء أن الخاص يقيد العام ويقدم عليه في التطبيق، ولا حياد عن القاعدة إلا بالتنصيص على ذلك صراحة أو سكوت المشرع عن معالجة حالة معينة . وحيث نص الفصل 1 من الظهير المذكور أعلاه على أنه تكرى العقارات المبنية كالحوانيت والفنادق والأهرية والحمامات والديار لمدة عامين بالمناداة العمومية. وحيث إن المدعى عليه توصل بالإنذار و لم يقم بإفراغ العقار موضوع الدعوى، مما يتعين معه الحكم عليه بإفراغ الشقة موضوع الدعوى طبقا للمادة 01 من ظهير 21/ 7/ 1913 لإجراء سمسرة عمومية طبقا للقانون ” حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء رقم 48 بتاريخ 08/ 01/ 2007، ملف رقم 2802/ 06 (غير منشور).

[10] هذا الظهير لم ينشر بالجريدة الرسمية، ولا ندري السبب في ذلك . وهذا ما يطرح السؤال حول ما إذا كان يتمتع بالصبغة الإلزامية أصلا، ما دام أنه يشرط لإلزامية القوانين عامة أن تصل إلى علم الجمهور المخاطب بها عن طريق النشر، أو أن يكون بإمكانهم الاطلاع عليها على الأقل.

[11] المقصود بهذه الشروط أن المكتري لا يزيل شيئا مما بناه أو غرسه، بل يصير كل ذلك ملكا للأحباس.

[12] بعض الأحكام القضائية تكتفى بالمصادقة على الاتفاق الذي يتم بين إدارة الأوقاف والمكتري، منها الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالرشيدية تحت رقم 726/ 97 بتاريخ 05/ 5/ 1997، ملف رقم 2728/ 96، والذي جاء فيه: “حيث إن الطلب يهدف إلى الحكم على المدعى عليه بالرفع من قيمة كراء الشقق التسع المسطرة بالمقال بنسبة 25% لكل شقة طبقا للعقد واحتياطيا إجراء خبرة . وحيث أجاب نائب المدعى عليه بأنه يقبل الزيادة المقترحة من طرف المدعى أي زيادة نسبة 25 % من قيمة كراء كل شقة من الشقق التسع طبقا للعقدة الرابطة بين طرفين ….حكمت المحكمة بالإشهاد على الصلح الواقع بين الطرفين وذلك بالرفع من قيمة كراء كل شقة من الشقق التسعة بنسبة 25 % من قيمة الكراء، وذلك ابتداء من فاتح أكتوبر 1995 مع تحميل المدعى عليه الصائر” (حكم غير منشور).

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading